← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13566

الأذكار للنووي ت مستو

النووي

Полный текст (619 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المقيت المجازي بالحسنة والسيئة، وقيل المقيت الشهيد، وهو راجع إلى معنى الحفيظ. وأما الكِفْل فهو الحظ والنصيب، وأما الشفاعة المذكورة في الآية: فالجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة، وهي شفاعة الناس بعضهم في بعض؛ وقيل الشفاعة الحسنة أن يشفع إيمانه بأنه يقاتل الكفار، والله أعلم. [١/ ٨٦١] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّه على لسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ" وفي رواية "ما شاءَ" وفي رواية أبي داود "اشْفَعُوا إِليَّ لِتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ على لِسانِ نَبِيِّهِ ما شاءَ" وهذه الرواية توضّح معنى رواية الصحيحين. [٢/ ٨٦٢] وروينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄ في قصة بريرة وزوجها، قال: قال لها النبيّ ﷺ : "لَوْ رَاجعتِيهِ؟ قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أشْفَعُ، قالتْ: لا حاجةَ لي فيه". [٣/ ٨٦٣] وروينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس، قال: لما قَدِمَ عيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدر نزلَ على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكانَ من النفر الذين يُدنيهم عمرُ ﵁، فقال عيينة: يا بن أخي! لك وجهٌ عند هذا الأمير فاستأذنْ لي عليه، فاستأذنَ له عمرَ، فلما دخل قال: هي يا بن الخطاب! فو الله ما تُعطينا الجزلَ ولا تحكمُ بيننا بالعدل،

стр. 492

فغضبَ عمر حتى همّ أن يُوقع به، فقال الحرّ: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ، وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فو الله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى. ٣١٠ ـ بابُ استحباب التَّبْشيرِ والتَّهنئةِ قال الله تعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهُو قائِمٌ يُصلّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩] وقال تعالى: ﴿ولمَّا جاءتْ رُسُلُنا إبرَاهِيمَ بالبُشْرَى﴾ [العنكبوت:٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْرَاهِيمَ بالبُشْرَى﴾ [هود:٦٩] وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلام حَلِيمٍ﴾ [الصَّافات:١٠١] وقال تعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] وقال تعالى: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنَّا نُبشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر:٥٣] وقال تعالى: ﴿وَامْرأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بإسْحَقَ وَمنْ وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] وقال تعالى: ﴿إِذ قَالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران:٤٥]، وقال تعالى: ﴿ذلكَ الَّذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات﴾ [الشورى:٢٣] وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذينَ يَسْتَمِعونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ـ١٨] وقال تعالى: ﴿وَأبْشِرُوا بالجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصّلت:٣٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ﴾ [الحديد:١٢] وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَننَاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٢١]. وأما الأحاديث الواردة في البشارة فكثيرة جدًا في الصحيح مشهورة،

стр. 493

فمنها حديث تبشير خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا نصبَ فيه ولا صخب (١). ومنها حديث كعب بن مالك ﵁ المخرّج في الصحيحين (٢) في قصة توبته قال: سمعت صوت صارخ يقولُ بأعلى صوته: يا كعبَ بن مالك أبشر، فذهبَ الناسُ يبشروننا، وانطلقتُ أتأمّم رسولَ الله ﷺ يتلقاني الناسُ فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: ليهنئك توبةُ الله تعالى عليك حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ حولَه الناس، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني، وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة؛ قال كعبُ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يُبْرقُ وجهُه من السرور: "أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدتْكَ أُمُّكَ". ٣١١ ـ بابُ جَواز التعجّب بلفظ التَّسبيحِ والتَّهليلِ ونحوهما [١/ ٨٦٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبيّ ﷺ لقيه وهو جُنُب، فانسلَّ فذهبَ فاغتسلَ، فتفقَّده النبيّ ﷺ ، فلما جاء قال: "أيْنَ كُنْتَ يا أبا هُرَيْرَةَ؟! " قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جُنُب فكرهتُ أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: "سُبْحانَ اللَّه! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ". [٢/ ٨٦٥] وروينا في صحيحيهما عن عائشة ﵂: أن امرأة سألتِ النبيَّ ﷺ عن غسلها من الحيض، فأمرَها كيف تغتسلُ قال: "خُذِي

стр. 494

فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّري بِهَا، قالت: كيف أتطهرُ بها؟ قال: تَطَهرِي بِهَا، قالت: كَيْفَ؟ قال: سبْحانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي، فاجتذبتُها إليّ فقلتُ: تتبعي أثرَ الدم". قلتُ: هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقيها روايات مسلم بمعناه، والفِرصة بكسر الفاء وبالصاد المهملة: القطعة. والمسك بكسر الميم: وهو الطيب المعروف، وقيل الميم مفتوحة، والمراد الجلد، وقيل أقوال كثيرة: والمختار أنها تأخذ قليلًا من مسك فتجعله في قطنة أو صوفة أو خرقة أو نحوها فتجعله في الفرج لتُطيِّبَ المحلّ وتزيلَ الرائحةَ الكريهة؛ وقيل: إن المطلوب منه إسراع علوق الولد، وهو ضعيف، والله أعلم. [٣/ ٨٦٦] وروينا في صحيح مسلم عن أنس ﵁: أن أُختَ الرُّبَيِّع أُمّ حارثة جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبيَّ ﷺ ، فقال: "القِصَاصَ القِصَاصَ". فقالت أُمّ الربيع. يا رسول الله! أتقتصّ من فلانة والله لا يُقتصُّ منها؟ فقال النبيُّ ﷺ : "سُبْحانَ اللَّهِ يا أُمَّ الرَبيعِ! القِصَاصُ كتابُ الله" قلتُ: أصل الحديث في الصحيحين، ولكن هذا المذكور لفظ مسلم وهو غرضنا هنا، والرُبَيِّع بضم الراء وفتح الباء الموحدة وكسر الياء المشددة. [٤/ ٨٦٧] وروينا في صحيح مسلم، عن عِمرانَ بن الحُصين ﵄ في حديثه الطويل: في قصة المرأة التي أُسرت، فانفلتتْ وركبتْ ناقةَ النبيّ ﷺ ، ونذرتْ إن نجّاها الله تعالى لتنحرنّها، فجاءت فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "سُبْحانَ الله! بِئْسَ ما جَزَتْها".

стр. 495

[٥/ ٨٦٨] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري ﵁، في حديث الاستئذان أنه قال لعمر ﵁ ... الحديث، وفي آخره: يا ابْنَ الخَطابِ! لا تَكُونَنَّ عَذَابًا على أصْحابِ رَسُول الله ﷺ ، قال: سبحانَ الله! إنما سمعتُ شيئًا فأحببتُ أن أثَّبَّتَ. [٦/ ٨٦٩] وروينا في الصحيحين في حديث عبد الله بن سلام الطويل لما قيل: إنك من أهل الجنة، قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لم يعلم، وذكر الحديث. ٣١٢ ـ بابُ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ هذا الباب أهمُّ الأبواب، أو من أهمِّها لكثرة النصوص الواردة فيه، لعظم موقعه وشدّة الاهتمام به، وكثرة تساهل أكثر الناس فيه، ولا يمكن استقصاء ما فيه هنا لكن لا نخلّ بشيء من أصوله، وقد صنَّفَ العلماء فيه متفرّقات، وقد جمعتُ قطعةً منه في أوائل شرح صحيح مسلم، ونبّهت فيه على مهمات لا يُستغنى عن معرفتها، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ؛ ويأْمرونَ بالمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَن المنكَر وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وقال تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ والمُؤْمناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ، يأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] وقال تعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٩] والآيات بمعنى ما ذكرته مشهورة.

стр. 496

[١/ ٨٧٠] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ". [٢/ ٨٧١] وروينا في كتاب الترمذي، عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجَابَ لَكُمْ" قال الترمذي: حديث حسن. [٣/ ٨٧٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، بأسانيد صحيحة عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيّها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ النَّاسَ إذَا رأوا الظَّالِمَ فَلَمْ يأخُذُوا على يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِنْهُ". [٤/ ٨٧٣] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال: "أفْضَلُ الجهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عنْدَ سُلْطَانٍ جائرٍ"، قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 497

قلت: والأحاديثُ في الباب أشهر من أن تُذكر، وهذه الآية الكريمة مما يَغترّ بها كثير من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها، بل الصواب في معناها: أنكم إذا فعلتم ما أُمرتم به فلا يَضرّكم ضَلالةُ مَن ضلّ. ومن جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: ﴿ما على الرَّسُولِ إِلَاّ البَلاغُ﴾ [العنكبوت:١٨]. واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط وصفات معروفة ليس هذا موضع بسطها، وأحسنُ مظانّها إحياء علوم الدين، وقد أوضحتُ مهماتها في شرح مسلم، وبالله التوفيق.

стр. 498

كتاب حفظ اللّسان ٣١٣ ـ بابُ حفظ اللسان قال الله تعالى: ﴿وما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وقال الله تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. وقد ذكرت ما يَسَّرَهُ الله من الأذكار المستحبة ونحوها فيما سبقَ، وأردتُ أن أضمَّ إليها ما يُكره أو يَحرم من الألفاظ ليكونَ الكتابُ جامعًا لأحكام الألفاظ، ومُبيِّنًا أقسامَها، فأذكرُ من ذلك مقاصدَ يحتاج إلى معرفتها كلُّ متدين، وأكثرُ ما أذكره معروف، فلهذا أترك الأدلة في أكثره، وبالله التوفيق. [فصل]: اعلم أنه لكلّ مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسنّة الإِمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلُها شيء. [١/ ٨٧٤] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا

стр. 499

أوْ لِيَصْمُتْ". قلت: فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي ﵀: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر. [٢/ ٨٧٥] وروينا في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري قال: قلتُ يا رسولُ الله، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ". [٣/ ٨٧٦] وروينا في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ". [٤/ ٨٧٧] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" وفي رواية البخاري: "أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ" من غير ذكر المغرب، ومعنى يتبين: يتفكر في أنها خير أم لا. [٥/ ٨٧٨] وروينا في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالًا يَرْفَعُ

стр. 500

اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ" قلت: كذا في أصول البخاري "يَرْفَعُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ" وهو صحيح: أي درجاته، أو يكون تقديره: يرفعه، ويُلقي بالقاف. [٦/ ٨٧٩] وروينا في موطأ الإِمام مالك وكتابي الترمذي وابن ماجه، عن بلال بن الحارث المزني ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما كَانَ يَظُن أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٧/ ٨٨٠] وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه، عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! حدّثني بأمر أعتصم به، قال: "قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما يخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذَا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٨/ ٨٨١] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي".

стр. 501

[٩/ ٨٨٢] وروينا فيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَقاهُ الله تَعالى شَرَّ ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ" قال الترمذي: حديث حسن. [١٠/ ٨٨٣] وروينا فيه، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ الله، ما النجاة؟ قال: "أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ" قال الترمذي: حديث حسن. [١١/ ٨٨٤] وروينا فيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتقِ اللَّهَ فِينا فإنما نَحْنُ مِنْكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا". [١٢/ ٨٨٥] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أُمِّ حبيبة ﵂، عن النبيّ ﷺ : "كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إِلَاّ أمْرًا بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْرًا لله تَعالى". [١٣/ ٨٨٦] وروينا في كتاب الترمذي، عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال:

стр. 502

لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال: ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كما يُطْفىءُ المَاءُ النارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا ﴿تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ برأسِ الأمْرِ وَعمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنامِهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأسُ الأمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهادُ، ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّهُ؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه ثم قال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلَاّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: الذِّروة بكسر الذال المعجمة وضمّها: وهي أعلاه. [١٤/ ٨٨٧] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" حديث حسن. [١٥/ ٨٨٨] وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ صَمَتَ نَجا" إسناده ضعيف، وإنما ذكرته لأُبيِّنه لكونه مشهورًا، والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرته كثيرة، وفيما

стр. 503

أشرت به كفاية لمن وفّق، وسيأتي إن شاء الله في باب الغيبة جُمَل من ذلك، وبالله التوفيق. وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة، ولا حاجة إليها مع ما سبق، لكن ننبّه على عيونٍ (١) منها: بلغنا أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أنن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةُ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان. وروينا عن أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض ﵁ قال: مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه. وقال الإِمامُ الشافعيُّ ﵀ لصاحبه الرَّبِيع: يا ربيعُ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها. وروينا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما من شيء أحقُّ بالسجن من اللسان. وقال غيرُه: مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقه عَدَا عليك. وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القُشيري ﵀ في رسالته المشهورة قال: الصمتُ سلامةٌ وهو الأصل، والسكوتُ في وقته صفةُ الرجال؛ كما أن النطق في موضعه أشرفُ الخصال، قال: سمعت أبا عليّ الدقاق ﵁ يقول: مَنْ سكتَ عن الحقّ فهو شيطانٌ أخرس. قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السموتَ فلِمَا علموا ما في الكلام من

стр. 504

الآفات، ثم ما فيه من حظّ النفس وإظهار صفاتِ المدح، والميل إلى أن يتميزَ بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات، وذلك نعتُ أرباب الرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق، ومما أنشدوه في هذا الباب: احفظْ لسانَك أيُّها الإِنسانُ ... لا يلدغنَّك إنه ثُعبانُ كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه ... قد كانَ هابَ (١) لقاءَه الشجعانُ وقال الرِّيَاشِيُّ ﵀: لعمرُك إنَّ في ذنبي لَشُغْلًا ... لِنَفْسِي عن ذنوب بني أُمَيَّة على ربِّي حِسَابُهمُ إليه ... تَنَاهَى عِلمُ ذلكَ لا إِليَّهْ وليسَ بضائري ما قَدْ أتوْهُ ... إذا ما اللَّه أصلحَ ما لديَّهْ ٣١٤ ـ بابُ تحريم الغِيبَةِ والنَّمِيمَة اعلم أن هاتين الخصلتين من أقبح القبائح وأكثرها انتشارًا في الناس، حتى ما يسلمُ منهما إلا القليل من الناس، فلعموم الحاجة إلى التحذير منهما بدأتُ بهما. فأما الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه مما يكره، سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه، أو ماله أو ولده أو والده، أو زوجه أو خادمه أو مملوكه، أو عمامته أو ثوبه، أو مشيته وحركته وبشاشته، وخلاعته وعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك. أما البدن فكقولك: أعمى أعرج أعمش أقرع، قصير طويل أسود أصفر. وأما

стр. 505

الدِّيْنُ فكقولك: فاسق سارق خائن، ظالم متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارًّا بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقًا، كثيرُ الكلام، كثيرُ الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه، وأما المتعلِّق بوالده فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي أو نبطي أو زنجي، إسكاف بزاز نخاس نجار حداد حائك. وأما الخُلُق فكقوله: سيء الخلق، متكبّر مُرَاء، عجول جبَّار، عاجز ضعيفُ القلب، مُتهوِّر عبوس، خليع، ونحوه. وأما الثوب: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وَسِخُ الثوب وننحو ذلك، ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره. وقد نقل الإِمام أبو حامد الغزالي إجماع المسلمين على أن الغيبة: ذكرُك غيرَك بما يكرَهُ، وسيأتي الحديث الصحيح المصرِّح بذلك. وأما النميمة: فهي نقلُ كلام الناس بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِ الإِفساد. هذا بيانهما. وأما حكمهما، فهما محرّمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهرَ على تحريمهما الدلائلُ الصريحةُ من الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] (١). [١/ ٨٨٩] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ".

стр. 506

[٢/ ٨٩٠] وروينا في صحيحيهما، عن ابن عباس ﵄؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ مرّ بقبرين فقال: "إنَّهُما يُعَذَّبانِ ومَا يُعَذَّبانِ في كَبير" قال: وفي رواية البخاري: "بلى إنَّه كَبيرٌ، أمَّا أحَدُهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ". قلتُ: قال العلماء: معنى وما يُعذّبان في كبير: أي في كبير في زعمهما أو كبير تركه عليهما. [٣/ ٨٩١] وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن أبي هُريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أتَدْرُونَ ما الغِيْبَةُ؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قال: "ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ" قيل: أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٤/ ٨٩٢] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي بكرة ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر بِمنىً في حجة الوداع: "إنَّ دِماءَكُمْ وَأمْوَالكُمْ وأعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". [٥/ ٨٩٣] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن عائشة رضي الله

стр. 507

عنها قالتْ: قلتُ للنبيّ ﷺ : حسبُك من صفيّة كذا وكذا ـ قال بعضُ الرواة: تعني قصيرة ـ فقال: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ" قالت: وحكيتُ له إنسانًا فقال: "ما أُحِبُّ أني حَكَيْتُ إنسانًا وأنَّ لي كَذَا وكَذَا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلتُ: مزجته: أي خالطته مخالطة يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه لشدّة نتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئًا من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ ﴿وَمَا يَنْطقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣] نسألُ اللَّه الكريم لطفه والعافية من كل مكروه. [٦/ ٨٩٤] وروينا في سنن أبي داود، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفارٌ مِنْ نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذينَ يأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ". [٧/ ٨٩٥] وروينا فيه، عن سعيد بن زيد ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ مِن أرْبَى الرّبا الاسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقّ". [٨/ ٨٩٦] وروينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هنا، بِحسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلمَ" قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 508

قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده، وبالله التوفيق. ٣١٥ ـ بابُ بيانِ مُهِمَّاتٍ تتعلّقُ بحدِّ الغِيبَة قد ذكرنا في الباب السابق أن الغيبة: ذكرك الإِسان بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو في كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك. وضابطُه: كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرّمة، ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجًا أو مُطَأْطِئًا أو على غير ذلك من الهيئات، مريدًا حكاية هيئة من يَتَنَقَّصُهُ بذلك، فكلُّ ذلك حرام بلا خلاف، ومن ذلك إذا ذَكرَ مُصنفُ كتاب شخصًا بعينه في كتابه قائلًا: قال فلان كذا مريدًا تنقيصه (١) والشناعةَ عليه، فهو حرام، فإن أرادَ بيانَ غلطه لئلا يُقلَّدَ أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترّ به ويُقبل قوله، فهذا ليس غيبة، بل نصيحة واجبة يُثاب عليها إذا أراد ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعة كذا، وهذا غلط أو خطأ أو جَهالة وغفلة، ونحو ذلك فليس غيبة، إنما الغيبة ذكر الإِنسان بعينه أو جماعة معينين. ومن الغيبة المحرّمة قولك: فعل كذا بعضُ الناس أو بعض الفقهاء، أو بعضُ من يَدّعي العلم، أو بعضُ المفتين، أو بعض مَن يُنسب إلى الصلاح أو يَدّعي الزهدَ، أو بعض مَن مرّ بنا اليوم، أو بعضَ مَن رأيناه، أو نحو ذلك إذا كان المخاطب يفهمه بعينه؛ لحصول التفهيم. ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضًا يفهم به كما يفهم بالصريح، فيُقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول: الله يُصلحنا، الله يغفر لنا، الله يُصلحه، نسأل الله العافية، نحمدُ الله الذي

стр. 509

لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الشرّ، الله يُعافينا من قلّة الحياء، الله يتوبُ علينا وما أشبه ذلك مما يُفهم منه تنقُّصه، فكل ذلك غيبة محرّمة، وكذلك إذا قال: فلان يُبتلى بما ابتلينا به كلُّنا، أو ماله حيلة في هذا، كلُّنا نفعلُه، وهذه أمثلة وإلا فضابط الغيبة: تفهيمك المخاطب نقص إنسان كما سبق، وكلُّ هذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا عن صحيح مسلم وغيره في حدّ الغيبة، والله أعلم. [فصل]: اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها، يحرم على السامع استماعها وإقرارها فيجب على من سمع إنسانًا يبتدىء بغيبة محرّمة أن ينهاه إن لم يَخَفْ ضررًا ظاهرًا، فإن خافه وجب عليه الإِنكارُ بقلبه ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإِنكار بلسانه أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه أسكتْ وهو يشتهي بقلبه استمرارُه، فقال أبو حامد الغزالي: ذلك نفاقٌ لا يخرجُه عن الإِثم، ولا بدّ من كراهته بقلبه، ومتى اضطرّ إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة وعجز عن الإِنكار أو أنكر فلم يُقبل منه ولم يُمكنه المفارقة بطريق حرم عليه الاستماع والإِصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكرَ الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضرّه بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرّون في الغيبة ونحوها وجب عليه المفارقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رأيْتَ الَّذينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فأعْرِضْ عَنْهُمْ حتَّى يخوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. وروينا عن إبراهيم بن أدهم ﵁؛ أنه دُعي إلى وليمة،

стр. 510

فحضرَ، فذكروا رجلًا لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل، فقال إبراهيم: أنا فعلتُ هذا بنفسي حيثُ حضرتُ موضعًا يُغتاب فيه الناس، فخرج ولم يأكلْ ثلاثة أيام. ومما أنشدوه في هذا: وَسَمْعَكَ صُنْ عن سماعِ القبيحِ ... كصَوْنِ اللسانِ عن النُّطْقِ بِهْ فإنَّكَ عندَ سماعِ القبيحِ ... شريكٌ لقائِلِه فانتبِهْ ٣١٦ ـ بابُ بَيانِ ما يَدْفَعُ به الغيبةَ عن نفسِه اعلم أن هذا الباب له أدلةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، ولكني أقتصرُ منه على الإِشارة إلى أحرف، فمن كان موفَّقًا انزجرَ بها، ومن لم يكن كذلك فلا ينزجر بمجلدات. وعمدة الباب أن يعرضَ على نفسه ما ذكرناه من النصوص في تحريم الغيبة، ثم يفكر في قول الله تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] وما ذكرناه من الحديث الصحيح "إنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه تعالى ما يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ" (١) وغير ذلك مما قدّمناه في باب حفظ اللسان وباب الغيبة، ويضمّ إلى ذلك قولهم: الله معي، الله شاهدي، الله ناظر إليّ. وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلًا قال له: إنك تغتابني، فقال: ما بلغَ قدرُك عندي أن أحكِّمَكَ في حسناتي. وروينا عن ابن المبارك ﵀ قال: لو كنتُ مُغتابًا أحدًا لاغتبتُ والديّ لأنهما أحقُّ بحسناتي.

стр. 511

٣١٧ ـ بابُ بَيانِ ما يُبَاحُ مِن الغِيبَة اعلم أنَّ الغيبةَ وإن كانت محرّمة فإنها تُباح في أحوال للمصلحة، والمُجوِّزُ لهَا غرض صحيح شرعي لا يمكن الوصولُ إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب: الأوّل: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممّن له ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه فيذكرُ أن فلانًا ظلمني وفعل بي كذا وأخذ لي كذا، ونحو ذلك. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعملُ كذا فازجرْه عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوسل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا. الثالث: الاستفتاء، بأن يقولَ للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا، فهل له ذلك أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقّي ودفع الظلم عني ونحو ذلك؟. وكذلك قوله: زوجتي تفعلُ معي كذا، أو زوجي يفعلُ كذا ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقولُ في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج أو زوجة تفعلُ كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك التعيين جائز لحديث هند الذي سنذكره إن شاء الله تعالى وقولُها: يا رسول الله! إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيح .. الحديث. ولم ينهها رسولُ الله ﷺ . الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة. ومننها ما استشارك إنسان في مصاهرته أو

стр. 512

مشاركته أو إيداعه أو الإِيداع عنده أو معاملته بغير ذلك وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النصيحة، فإن حصل الغرض بمجرّد قولك لا تصلحُ لك معاملتُه أو مصاهرُته أو لا تفعلْ هذا أو نحو ذلك لم تجز الزيادةُ بذكر المساوىء، وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعينه فاذكره بصريحه. ومنها إذا رأيتَ مَن يشتري عبدًا معروفًا بالسرقة أو الزنا أو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالمًا به، ولا يختصّ بذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيبًا وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه. ومنها إذا رأيت متفقهًا يتردَّدُ إلى مبتدعٍ أو فاسقٍ يأخذ عنه العلم خِفْتَ أن يتضرَّرَ المتفقّه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويُشترط أن يقصدَ النصيحةَ، وهذا مما يُغلَطُ فيه، وقد يَحملُ المُتكلمَ بذلك الحسدُ، أو يُلَبِّسُ الشيطانُ عليه ذلك، ويُخيَّلُ إليه أنه نصيحةٌ وشفقةٌ، فليتفطَّنْ لذلك. ومنها أن لا يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحًا لها، وإما بأن يكون فاسقًا أو مغفلًا ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيلَه ويُولِّي من يَصلحُ، أو يعلم ذلك منه لتعامله بمقتضة حاله ولا يغترّ به، وأن يسعى في أن يحثَّه على الاستقامة أو يستبدل به. الخامس: أن يكون مُجاهرًا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، أو مصادرة الناس وأخذ المُكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولّي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه. السادس: التعريف، فإذا كان الإِنسان معروفًا بلقب كالأعمش والأعرج والأصمّ والأعمى والأحول والأفطس وغيرهم، جاز تعريفه بذلك بنيّة التعريف، ويحرمُ إطلاقُه على جهة النقص، ولو أمكن التعريف بغيره

стр. 513

كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء مما تُباح بها الغيبة على ما ذكرناه. وممّن نصّ عليها هكذا الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء وآخرون من العلماء، ودلائلُها ظاهرة من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وأكثرُ هذه الأسباب مجمع على جواز الغيبة بها. [١/ ٨٩٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂؛ أن رجلًا استأذنَ على النبيّ ﷺ فقال: "ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أخُو العَشيرَةِ" احتجّ به البخاري على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ. [٢/ ٨٩٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن مسعود ﵁ قال: قسمَ رسولُ الله ﷺ قسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: والله ما أرادَ محمدٌ بهذا وجهَ الله تعالى، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه، فتغيَّرَ وجهُه وقال: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" وفي بعض رواياته: قال ابن مسعود: فقلتُ لا أرفعُ إليه بعد هذا حديثًا. قلتُ: احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاه بما يُقال فيه. [٣/ ٨٩٩] وروينا في صحيح البخاري، عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا أظُنُّ فُلانًا وَفُلانًا يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنا شَيْئًا". قال الليث بن سعد ـ أحد الرواة ـ: كانا رجلين من المنافقين. [٤/ ٩٠٠] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن زيد بن أرقمَ

стр. 514

رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصابَ الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدُ الله بن أُبيّ: لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتى يَنْفَضُّوا من حوله، وقال: لئن رجعنَا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فأخبرتُه بذلك، فأرسلَ إلى عبد الله بن أُبيّ. وذكر الحديث، وأنزل الله تعالى تصديقه: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنافِقونَ﴾ [المنافقون:١]. وفي الصحيح حديث هند (١) امرأة أبي سفيان وقولها للنبي ﷺ : "إن أبا سفيان رجل شحيح" إلى آخره. وحديث فاطمة بنت قيس (٢) وقول النبيّ ﷺ لها: "أما معاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَلا يَضَع العَصَا عَنْ عاتِقِهِ". ٣١٨ ـ بابُ أمرِ منْ سَمعَ غيبةَ شيخِهِ أو صاحبهِ أو غيرِهما اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإن لم ينزجرْ بالكلام زجرَه بيده، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَ المجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كانَ من أهل الفضل والصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناه أكثر. [١/ ٩٠١] روينا في كتاب الترمذي، عن أبي الدرداء ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ" قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 515

[٢/ ٩٠٢] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، في حديث عِتبان بكسر العين على المشهور، وحُكِي بضمِّها ﵁ في حديثه الطويل المشهور قال: قام النبيّ ﷺ يُصلِّي، فقالوا: أين مالك بن الدُّخْشُم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يُحِبّ اللَّهَ ورسولَه، فقال النبيّ ﷺ : "لا تَقُلْ ذلكَ، ألا تَرَاهُ قَدْ قالَ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذلكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ ". [٣/ ٩٠٣] وروينا في صحيح مسلم، عن الحسن البصري ﵀: أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخلَ على عُبيد الله بن زياد فقال: أي بنيّ إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ شَرَّ الرِّعَاء الحُطَمَةُ، فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال له: اجلسْ، فإنما أنتَ من نُخالة أصحابِ محمَّدٍ ﷺ ، فقال: وهل كانتْ لهم نخالةٌ؟ إنما كانت النُّخَالةُ بعدَهم وفي غيرِهم. [٤/ ٩٠٤] وروينا في صحيحيهما، عن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته قال: قال النبيّ ﷺ وهو جالسٌ في القوم بتبوك "ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؟ " فقال رجلٌ من بني سَلمة: يا رسول الله! حبسَه بُرداهُ والنظرُ في عِطْفَيْه، فقال له مُعاذُ بن جبل ﵁: بئسَ ما قلتَ، والله يا رسولَ الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكتَ رسول الله ﷺ . قلت: سَلِمة بكسر اللام؛ وعِطْفاه: جانباه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه.

стр. 516

[٥/ ٩٠٥] ورويناه في سنن أبي داود، عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن امْرىءٍ يَخْذُلُ امْرَأَ مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضَهِ إِلَاّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، ومَا مِنْ امْرىِءٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَك فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إلا نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِب نُصْرَتَهُ". [٦/ ٩٠٦] وروينا فيه، عن معاذ بن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنافِقٍ ـ أُراه قال ـ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ نارِ جَهَنَّمَ، وَمَننْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُريدُ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللَّهُ على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ". ٣١٩ ـ بابُ الغِيْبَةِ بالقَلْبِ اعلم أن سوء الظنّ حرام مثل القول: فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوىء إنسان، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسيء الظنّ به، قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]. [١/ ٩٠٧] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي

стр. 517

الله عنه؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذِبُ الحَدِيثِ". والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرة، والمراد بذلك عقدُ القلب (١) وحكمُهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقرَّ ويستمرّ عليه صاحبُه فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبتَ في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّم بِهِ أوْ تَعْمَلْ" (٢) قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقرّ. قالوا: وسواءٌ كان ذلك الخاطِرُ غِيبة أو كفرًا أو غيرَه؛ فمن خطرَ له الكفرُ مجرّد خَطَرٍ من غير تعمّدٍ لتحصيله، ثم صَرفه في الحال فليس بكافر ولا شيء عليه. وقد قدّمنا في باب الوسوسة في الحديث الصحيح أنهم قالوا: يا رسولَ الله! يجدُ أحدُنا ما يتعاظمُ أن يتكلَّمَ به، قال: "ذلكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ" (٣) " وغير ذلك مما ذكرناه هناك وما هو في معناه. وسببُ العفو ما ذكرناه من تعذّرٍ اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حرامًا. ومهما هرضَ لك هذا الخاطرُ بالغيبة وغيرها من المعاصي وجبَ عليك دفعُه بالإِعراض عنه وذكر التأويلات الصارفة له عن ظاهره.

стр. 518

قال الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء (١): إذا وقع في قلبك ظنّ السوء فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تُكذِّبه فإنه أفسقُ الفسّاق، وقد قال الله تعالى: ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هنناك قرينة تدل على فساد واحتمل خلافه، لم تجز إساءة الظنّ؛ ومن علامة إساءة الظنّ أن يتغيَّر قلبُك معه عمّا كان عليه، فتنفرُ منه وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيّئته، فإنَّ الشيطانَ قد يقرِّبُ إلى القلب بأدنى خيالٍ مساوىءَ الناس، ويُلقي إليه أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبّهك، وإن المؤمن ينظر بنور الله تعالى، وإنما هو على التحقيق ناطقٌ بغرور الشيطان وظلمته، وإن أخبرَكَ عدلٌ بذلك فلا تُصدِّقه ولا تُكذِّبه لئلا تُسيءَ الظنّ بأحدهما؛ ومهما خطرَ لك سوءٌ في مسلمٍ فزِدْ في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يُغيظُ الشيطانَ ويدفعُه عنك فلا يُلقي إليك مثلَه خِيفةً من اشتغالك بالدعاء له، ومهما عرفتَ هفوةَ مسلم بحجّةٍ لا شكّ فيها فانصحْه في السرّ ولا يخدعنَّك الشيطانُ فيدعوك إلى اغتيابِه، وإذا وعظتَهُ فلا تعِظْه وأنت مسرورٌ باطّلاعِك على نقصِه فينظرُ إليك بعين التعظيم وتنظرُ إليه بالاستصغار، ولكن اقصدْ تخليصَه من الإِثم وأنت حزينٌ كما تحزنُ على نفسك إذا دخلَك نقصٌ، وينبغي أن يكون تركُه لذلك النقص بغير وعظك أحبّ إليك من تركه بوعظك. هذا كلام الغزالي. قلت: قد ذكرنا أنه يجبُ عليه إذا عرضَ له خاطرٌ بسوء الظن أن يقطعَه، وهذا إذا لم تدعُ إلى الفكر في ذلك مصلحةٌ شرعية، فإذا دعتْ جازَ الفكرُ في نقيصته والتنقيب عنها كما في جرح الشهود والرواة وغير ذلك مما ذكرناه في باب ما يُباح من الغيبة.

стр. 519

٣٢٠ ـ بابُ كَفَّارةِ الغيْبةِ والتَّوْبَةِ منها اعلم أن كلّ من ارتكب معصيةً لزمه المبادرةُ إلى التوبة منها، والتوبةُ من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يُقلع عن المعصية في الحال، وأن يندمَ على فعلها، وأن يَعزِمَ ألاّ يعود إليها. والتوبةُ من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو ردّ الظلامة إلى صاحبها، أو طلب عفوه عنها والإِبراء منها؛ فيجبُ على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حقّ آدمي، ولا بدّ من استحلاله مَن اغتابَه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتُك فاجعلني في حلّ، أم لا بُدَّ أن يبيّنَ ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏: أحدهما يُشترط بيانُه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصحّ؛ كما لو أبرأه عن مال مجهول. والثاني لا يُشترط، لأن هذا مما يُتسامحُ فيه فلا يُشترط علمه بخلاف المال. والأوّل أظهرُ، لأن الإِنسانَ قد يسمحُ بالعفو عن غيبة دونَ غِيبة؛ فإن كان صاحبُ الغيبةِ ميّتًا أو غائبًا فقد تعذّرَ تحصيلُ البراءة منها؛ لكن قال العلماء: ينبغي أن يُكثرَ الاستغفار له والدعاء ويُكثر من الحسنات. واعلم أنه يُستحبّ لصاحب الغِيبة أن يبرئه منها ولا يجبُ عليه ذلك لأنه تبرّعٌ وإسقاطُ حقّ، فكان إلى خِيرته، ولكن يُستحبّ له استحبابًا متأكدًا الإِبراء، ليخلِّصَ أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوزَ هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَالكاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهِ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وطريقهُ في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكِّرَ نفسَه أن هذا الأمر قد وقعَ، ولا سبيلَ إلى رفعه فلا ينبغي أن أُفوِّتَ ثوابَه وخلاصَ أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِن ذلكَ لَمِنْ عَزْمِ

стр. 520

الأمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] وقال تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخيهِ" (١). وقد قال الشافعي ﵀: من اسْتُرضي فلم يرضَ فهو شيطان. وقد أنشد المتقدّمونَ (٢): قيلَ لي قد أساءَ إليك فلانٌ ... ومُقام الفَتَى على الذُّلِّ عَارُ قلتُ قدْ جاءَنَا وأحْدَثَ عُذْرًا ... دِيةُ الذنبِ عِندنَا الاعْتذَارُ فهذا الذي ذكرناهُ من الحثَ على الإِبراء عن الغيبة هو الصواب. وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أُحَلِّلُ مَن ظلمني، وعن ابن سيرين: لم أُحرّمها عليه فأُحلِّلُهَا له، لأن الله تعالى حرّم الغيبةَ عليه، وما كنتُ لأُحَلِّلَ ما حرّمه الله تعالى أبدًا. فهو ضعيفٌ أو غلطٌ، فإن المُبرىءَ لا يحلِّلُ محرّمًا، وإنما يُسقط حقًا ثبتَ له، وقد تظاهرت نصوصُ الكتاب والسنّة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصّة بالمسقِط. أو يُحمل كلامُ ابن سيرين على أني لا أُبيح غيبتي أبدًا، وهذا صحيح، فإن الإِنسانَ لو قال: أبحتُ عرضي لمن اغتابني لم يَصرْ مباحًا، بل يَحرمُ على كل أحد غِيبتُه كما يَحرم غيبة غيره. وأما الحديث: "أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبي ضَمْضَمٍ، كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي على النَّاسِ" (٣) فمعناه: لا أطلبُ

стр. 521

مَظلمتي ممّن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا يَنفعُ في إسقاط مَظلمة كانت موجودة قبل الإِبراء. فأما يحدثُ بعدَه فلا بدّ من إبراء جديد بعدَها، وبالله التوفيق. ٣٢١ ـ بابٌ في النميمة قد ذكرنا تحريمها ودلائلَها وما جاء في الوعيد عليها وذكرنَا بيانَ حقيقتها ولكنه مختصرٌ، ونزيدُ الآن في شرحه. قال الإِمام أبو حامد الغزالي ﵀: النميمةُ إنما تُطلق في الغالب على مَن يَنمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كقوله: فلان يقولُ فيك كذا، وليست النميمةُ مخصوصةً بذلك، بل حدّها كشف ما يكره كشفُه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشفُ بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الإِيماء أو نحوها، وسواء كان المنقولُ من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيبًا أو غيره، فَحَقِيْقَةُ النميمة إفشاءُ السرّ وهتكُ الستر عمّا يُكره كشفُه، وينبغي للإِنسان أن يسكتَ عن كلِّ ما رآهُ من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدةٌ لمسلم أو دفعُ معصية، وإذا رآهُ يُخفي مالَ نفسه فذكره فهو نميمة. قال: وكلُّ مَنْ حُمِلت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه، لأن النَّمامَ فاسقٌ وهو مردود الخبر. الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبّح فعله. الثالث: أن يبغضَه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغضُ في الله تعالى واجب. الرابع: أن لا يظنّ بالمنقول عنه السوء لقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظنّ﴾ [الحجرات:١٢].

стр. 522

الخامس: أن لا يحملَك ما حُكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]. السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَ عنه فلا يحكي نميمته. وقد جاء أن رجلًا ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز ﵁ رجلًا بشيء، فقال عمر: إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذبًا فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] وإن كنتَ صادقًا فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] وإن شئتَ عفونا عنك، قال: العفو يا أميرَ المؤمنين! لا أعودُ إليه أبدًا. ورفع إنسانٌ رُقعةً إلى الصاحب بن عبّاد يحثُّه فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالًا كثيرًا، فكتبَ على ظهرها: النميمةُ قبيحةٌ وإن كانت صحيحةً، والميّتُ ﵀، واليتيمُ جبرَه الله، والمالُ ثَمَّرَهُ الله، والساعي لعنه الله. ٣٢٢ ـ بابُ النهي عن نَقْلِ الحَديثِ إلى وُلاةِ الأُمور إذا لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ لخوفِ مَفْسدةٍ ونحوِهَا [١/ ٩٠٨] روينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُبَلِّغْني أحَدٌ منْ أصْحابِي عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، فإني أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنا سَلِيمُ الصَّدْرِ".

стр. 523

٣٢٣ ـ بابُ النَّهي عن الطعن في الأَنْسَابِ الثَّابتةِ في ظاهِر الشَّرْعِ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإِسراء:٣٦]. [١/ ٩٠٩] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ؛ "اثْنَتانِ في النَّاسِ هُمَا بِهمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ على المَيِّت". ٣٢٤ ـ بابُ النّهي عن الافْتِخَار قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. [١/ ٩١٠] وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود وغيرهما، عن عياض بن حِمار الصحابي ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحَى إليَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحَدٌ على أحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحَدٌ على أحَدٍ". ٣٢٥ ـ بابُ النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم [١/ ٩١١] روينا في كتاب الترمذي، عن واثلةَ بن الأسقع رضي الله

стр. 524

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخِيكَ فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ" قال الترمذي: حديث حسن. ٣٢٦ ـ بابُ تَحريمِ احْتِقار المسلمينَ والسُّخْرِيةِ منهم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ وَالَّذينَ لا يَجدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين آمَنُوا لا يَسخَرُ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ وَلا تَابَزُوا بالألْقابِ﴾ الآية [الحجرات:١١]، وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]. وأما الأحاديث الصحيحةُ في هذا الباب فأكثرُ من أن تُحصر، وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريم ذلك، والله أعلم. [١/ ٩١٢] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلا يَبْغِ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ـ ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات ـ بِحَسْبِ امْرىءٍ مِنَ الشَّرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ".

стр. 525

قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده لمن تدبره. [٢/ ٩١٣] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنةً، قال: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ". قلتُ: بَطر الحقّ بفتح الباء والطاء المهملة وهو دفعه وإبطاله، وغمطٌ بفتح الغين المعجمة وإسكان الميم وآخره طاء مهملة، ويروى غمص بالصاد المهملة ومعناهما واحد وهو الاحتقار. ٣٢٧ ـ بابُ غِلَظِ تحريمِ شَهادةِ الزُّور قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإِسراء:٣٦]. [١/ ٩١٤] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي بكرة نُفيع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائرِ؟ ـ ثلاثًا ـ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإِشْرَاكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكان متكئًا فجلسَ فقال: ألا وَقَوْلُ الزُّور وَشَهادَةُ الزُّورِ" فما زال يُكرّرها حتى قلنا: ليته سكت. قلت: والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرته كفاية، والإِجماع منعقد عليه.

стр. 526

٣٢٨ ـ بابُ النهي عن المَنِّ بالعَطِيَّةِ ونحوِها قال الله تعالى: ﴿يا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بالمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] قال المفسرون: أي لا تُبطلوا ثوابَها. [١/ ٩١٥]ـ وروينا في صحيح مسلم، عن أبي ذرّ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، قال: فقرأها رسولُ الله ﷺ ثلاثَ مَرَّاتٍ، قال أبو ذرّ: خابُوا وخَسِروا مَن هم يا رسولَ الله؟! قال: "المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالْحَلِفِ الكاذِبِ". ٣٢٩ ـ بابُ النَّهي عن اللَّعْن [١/ ٩١٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ثابت بن الضحَّاك ﵁، وكان من أصحاب الشجرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ". [٢/ ٩١٧] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لَعَّانًا". [٣/ ٩١٨] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ".

стр. 527

[٤/ ٩١٩] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلا بِغَضَبِهِ وَلا بالنَّارِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٥/ ٩٢٠] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعّان وَلا الفاحِشِ وَلا البَذيء" قال الترمذي: حديث حسن. [٦/ ٩٢١] وروينا في سنن أبي داود، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العَبْد إذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إلى السَّماءِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثمَّ تَهْبِطُ إلى الأرْضِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يَمِينًا وَشِمالًا، فإذَا لَمْ تَجِدْ مَساغًا رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإن كان أهْلًا لِذَلِكَ وَإِلَاّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها". [٧/ ٩٢٢] وروينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن ابن عباس ﵄؛ أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ بأهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَة عَلَيْهِ". [٨/ ٩٢٣] وروينا في صحيح مسلم، عن عمران بن الحصين رضي

стр. 528

الله عنهما قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فَضَجِرَتْ فلعنتها، فسمعَها رسولُ الله ﷺ فقال: "خُذُوا ما عَلَيْها وَدَعُوها فإنَّها مَلْعُونَةٌ" قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعرض لها أحد. قلت: اختلف العلماء في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا قلت ﵄. [٩/ ٩٢٤] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن أبي برزة ﵁ قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعضُ متاع القوم، إذ بصرتْ بالنبيّ ﷺ وتضايقَ بهم الجبلُ فقالت: حَلْ اللَّهمّ العنها، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لا تُصَاحِبُنا ناقَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ" وفي رواية: "لا تُصَاحِبُنا رَاحِلَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى". قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، وهي كلمة تزجر بها الإِبل. [فصل]: في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين؛ ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ" (١) الحديث، وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرّبا" (٢) الحديث، وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ" (٣) وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ" (٤) وأنه قال "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ (٥) وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ" (٦) وأنه

стр. 529

قال "مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثًا أوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمَعِينَ" (١) وأنه قال: "اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ" (٢) وهذه ثلاث قبائل من العرب، وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فجمَلُوها فَباعُوها" (٣) وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٤) وأنه "لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" (٥). وجميع هذه الألفاظ في صحيحي البخاري ومسلم بعضها فيهما وبعضها في أحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار. [١٠/ ٩٢٥] وروينا في صحيح مسلم، عن جابر: أن النبيَّ ﷺ رأى حِمارًا قد وُسِمَ في وجهه فقال: "لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ". [١١/ ٩٢٦] وفي الصحيحين، أن ابن عمر ﵄ مرَّ بفتيان من قُريش قد نَصبوا طيرًا وهم يرمونه، فقال ابن عمر: لعن الله من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا". [فصل]: اعلم أن لعن المسلم المصون حرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله الفاسقين، لعن الله

стр. 530

المصوّرين، ونحو ذلك مما تقدَّم في الفصل السابق. وأما لعن الإِنسان بعينه ممّن اتَّصَفَ بشيءٍ من المعاصي؛ كيهودي أو نصراني أو ظالم أو زانٍ أو مصوّرٍ أو سارقٍ أو آكلِ ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنه مات على الكفر كأبي لهب وأبي جهل وفرعونَ وهامانَ وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإِبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يُتم به لهذا الفاسق أو الكافر. قال: وأما الذين لعنَهم رسولُ الله ﷺ بأعيانهم فيجوزُ أنه ﷺ عَلِمَ موتَهم على الكفر. قال: ويقربُ من اللعن الدعاء على الإِنسان بالشرّ حتى الدعاء على الظالم؛ كقول الإِنسان: لا أصحَّ الله جسمَه، ولا سلَّمه الله، وما جرى مجراه، وكلُّ ذلك مذمومٌ، وكذلك لعنُ جميع الحيوانات والجماد فكلُّه مذموم. [فصل]: حكى أبو جعفرُ النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ. [فصل]: ويجوزُ للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وكلّ مؤدِّب أن يقولَ من يخاطبه في ذلك الأمر: ويلك، أو يا ضعيفَ الحال! أو يا قليلَ النظر لنفسه! أو يا ظالمَ نفسه! وما أشبه ذلك بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظُ قذفٍ، صريحًا كان أو كنايةً أو تعريضًا، ولو كان صادقًا في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدَّمناه ويكون الغرضُ منه التأديب والزجر، وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس. [١٢/ ٩٢٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله
следующие страницы →