← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13566

الأذكار للنووي ت مستو

النووي

Полный текст (619 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٣٢٨ ـ بابُ النهي عن المَنِّ بالعَطِيَّةِ ونحوِها قال الله تعالى: ﴿يا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بالمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] قال المفسرون: أي لا تُبطلوا ثوابَها. [١/ ٩١٥]ـ وروينا في صحيح مسلم، عن أبي ذرّ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، قال: فقرأها رسولُ الله ﷺ ثلاثَ مَرَّاتٍ، قال أبو ذرّ: خابُوا وخَسِروا مَن هم يا رسولَ الله؟! قال: "المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالْحَلِفِ الكاذِبِ". ٣٢٩ ـ بابُ النَّهي عن اللَّعْن [١/ ٩١٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ثابت بن الضحَّاك ﵁، وكان من أصحاب الشجرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ". [٢/ ٩١٧] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لَعَّانًا". [٣/ ٩١٨] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ".

стр. 527

[٤/ ٩١٩] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلا بِغَضَبِهِ وَلا بالنَّارِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٥/ ٩٢٠] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعّان وَلا الفاحِشِ وَلا البَذيء" قال الترمذي: حديث حسن. [٦/ ٩٢١] وروينا في سنن أبي داود، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العَبْد إذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إلى السَّماءِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثمَّ تَهْبِطُ إلى الأرْضِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يَمِينًا وَشِمالًا، فإذَا لَمْ تَجِدْ مَساغًا رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإن كان أهْلًا لِذَلِكَ وَإِلَاّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها". [٧/ ٩٢٢] وروينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن ابن عباس ﵄؛ أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ بأهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَة عَلَيْهِ". [٨/ ٩٢٣] وروينا في صحيح مسلم، عن عمران بن الحصين رضي

стр. 528

الله عنهما قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فَضَجِرَتْ فلعنتها، فسمعَها رسولُ الله ﷺ فقال: "خُذُوا ما عَلَيْها وَدَعُوها فإنَّها مَلْعُونَةٌ" قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعرض لها أحد. قلت: اختلف العلماء في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا قلت ﵄. [٩/ ٩٢٤] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن أبي برزة ﵁ قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعضُ متاع القوم، إذ بصرتْ بالنبيّ ﷺ وتضايقَ بهم الجبلُ فقالت: حَلْ اللَّهمّ العنها، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لا تُصَاحِبُنا ناقَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ" وفي رواية: "لا تُصَاحِبُنا رَاحِلَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى". قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، وهي كلمة تزجر بها الإِبل. [فصل]: في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين؛ ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ" (١) الحديث، وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرّبا" (٢) الحديث، وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ" (٣) وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ" (٤) وأنه قال "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ (٥) وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ" (٦) وأنه

стр. 529

قال "مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثًا أوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمَعِينَ" (١) وأنه قال: "اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ" (٢) وهذه ثلاث قبائل من العرب، وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فجمَلُوها فَباعُوها" (٣) وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٤) وأنه "لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" (٥). وجميع هذه الألفاظ في صحيحي البخاري ومسلم بعضها فيهما وبعضها في أحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار. [١٠/ ٩٢٥] وروينا في صحيح مسلم، عن جابر: أن النبيَّ ﷺ رأى حِمارًا قد وُسِمَ في وجهه فقال: "لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ". [١١/ ٩٢٦] وفي الصحيحين، أن ابن عمر ﵄ مرَّ بفتيان من قُريش قد نَصبوا طيرًا وهم يرمونه، فقال ابن عمر: لعن الله من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا". [فصل]: اعلم أن لعن المسلم المصون حرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله الفاسقين، لعن الله

стр. 530

المصوّرين، ونحو ذلك مما تقدَّم في الفصل السابق. وأما لعن الإِنسان بعينه ممّن اتَّصَفَ بشيءٍ من المعاصي؛ كيهودي أو نصراني أو ظالم أو زانٍ أو مصوّرٍ أو سارقٍ أو آكلِ ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنه مات على الكفر كأبي لهب وأبي جهل وفرعونَ وهامانَ وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإِبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يُتم به لهذا الفاسق أو الكافر. قال: وأما الذين لعنَهم رسولُ الله ﷺ بأعيانهم فيجوزُ أنه ﷺ عَلِمَ موتَهم على الكفر. قال: ويقربُ من اللعن الدعاء على الإِنسان بالشرّ حتى الدعاء على الظالم؛ كقول الإِنسان: لا أصحَّ الله جسمَه، ولا سلَّمه الله، وما جرى مجراه، وكلُّ ذلك مذمومٌ، وكذلك لعنُ جميع الحيوانات والجماد فكلُّه مذموم. [فصل]: حكى أبو جعفرُ النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ. [فصل]: ويجوزُ للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وكلّ مؤدِّب أن يقولَ من يخاطبه في ذلك الأمر: ويلك، أو يا ضعيفَ الحال! أو يا قليلَ النظر لنفسه! أو يا ظالمَ نفسه! وما أشبه ذلك بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظُ قذفٍ، صريحًا كان أو كنايةً أو تعريضًا، ولو كان صادقًا في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدَّمناه ويكون الغرضُ منه التأديب والزجر، وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس. [١٢/ ٩٢٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله

стр. 531

عنه؛ أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يسوقُ بدنةً، فقال: "ارْكَبْها"، فقال: إنها بدنة، قال: "ارْكَبْها"، قال: إنها بدنة، قال في الثالثة: ارْكَبْها وَيْلَك". [١٣/ ٩٢٨] وروينا في صحيحيهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقسم قَسْمًا أتاه ذو الخويصرة، رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال رسول الله ﷺ : "وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أعْدِلْ". [١٤/ ٩٢٩] وروينا في صحيح مسلم، عن عديّ بن حاتم ﵁: أن رجلًا خطبَ عندَ رسول الله ﷺ فقال: مَنْ يُطع الله ورسولَه فقد رشدَ، ومَنْ يعصهِمَا فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ". [١٥/ ٩٣٠] وروينا في صحيح مسلم، أيضًا، عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عبدًا لحاطب ﵁ جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسولَ الله! ليدخلنّ حاطبٌ النَّارَ، فقال رسول الله ﷺ : "كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ". [١٦/ ٩٣١] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، قولَ أبي بكر الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده عشَّى أضيافه: يا غنثر، وقد تقدم بيان هذا الحديث في كتاب الأسماء. [١٧/ ٩٣٢] وروينا في صحيحيهما: أن جابرًا صلَّى في ثوب واحد

стр. 532

وثيابه موضوعة عنده، فقيل له: فعلتَ هذا؟ فقال: فعلته ليراني الجهّالُ مثلكُم، وفي رواية: ليراني أحمق مثلك. ٣٣٠ ـ بابُ النَّهي عن انتهارِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ واليتيم والسَّائلِ ونحوهم، وإلانةُ القوْل لهم والتواضعُ معهم قال الله تعالى: ﴿فأمَّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وأمَّا السَّائلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ـ١٠] وقال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ للِمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]. [١/ ٩٣٣] وروينا في صحيح مسلم، عن عائذ بن عمرو بالذال المعجمة الصحابي ﵁؛ أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال: "يا أبا بَكْرٍ! لَعَلَّكَ أغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ" فأتاهم فقال: يا إخوتاه! أغضبتُكم؟ فقالوا: لا. قلت: قوله مأخذَها، بفتح الخاء: أي لم تستوفِ حقها من عنقه لسوء فعاله.

стр. 533

٣٣١ ـ بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُ استعمالُها [١/ ٩٣٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن سهل بن حُنيف، وعن عائشة ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي". [٢/ ٩٣٥] وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ جاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي" قال العلماء: معنى لَقِسَتْ وجاشت: غثت؛ قالوا: وإنما كُرِه خبثت للفظ الخبث والخبث. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: لقست وخبثت معناهما واحد، وإنما كُره خبث للفظ الخبث وبشاعة الاسم منه، وعلَّمهم الأدب في استعمال الحسن منه وهجران القبيح، وجاشت بالجيم والشين المعجمة، ولقست بفتح اللام وكسر القاف. [فصل]: [٣/ ٩٣٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يَقُولُونَ الكَرْمَ، إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المؤْمِنِ" وفي رواية لمسلم "لا تُسَمُّوا العِنَب الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ" وفي رواية "فإنَّ الكَرْمَ قَلْب المُؤْمِنِ". [٤/ ٩٣٧] وروينا في صحيح مسلم، عن وائلَ بن حِجر ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا تَقُولُوا الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا العِنَبَ والحَبَلَةَ".

стр. 534

قلت: الحَبَلة بفتح الحاء والباء، ويُقال أيضًا بإسكان الباء قاله الجوهري وغيرُه، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنب كرمًا، وكانت الجاهليةُ تسمّيه كرمًا، وبعضُ الناس اليوم تُسمّيه كذلك، ونهى النبيّ ﷺ عن هذه التسمية، قال الإِمام الخطابي وغيره من العلماء: أشفق النبيُّ ﷺ أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمر المتخذة من ثمرها فسلبَها هذا الاسم، والله أعلم. [فصل]: [٥/ ٩٣٨] روينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا قالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أهْلَكُهُمْ". قلت: روي أهلكُهم برفع الكاف وفتحها، والمشهور الرفع، ويُؤيِّده أنه جاء في رواية رويناها في حلية الأولياء في ترجمة سفيان الثوري "فَهُوَ مِنْ أهْلَكِهمْ" قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الرواية الأولى، قال بعض الرواة: لا أدري هو بالنصب أم بالرفع؟ قال الحميدي: والأشهر الرفع: أي أشدُّهم هلاكًا، قال: وذلك إذا قال على سبيل الإزراء عليهم والاحتقار لهم وتفضيل نفسه عليهم، لأنه لا يدري سرّ الله تعالى في خلقه، هكذا كان بعضُ علمائنا يقولُ، هذا كلام الحميدي. وقال الخطابي: معناه: لا يزالُ يعيبُ الناسَ ويذكرُ مساويهم ويقول: فسدَ النَّاسُ وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكُهم: أي أسوأ حالًا فيما يَلحقُه من الإِثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أدّاه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أن له فضلًا عليهم، وأنه خير منهم فيهلك، هذا كلام الخطابي فيما رويناه عنه في كتابه "معالم السنن".

стр. 535

[٦/ ٩٣٩] وروينا في سنن أبي داود ﵁ قال: حدّثنا القعنبي، عن مالك، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر هذا الحديث، ثم قال: قال مالكٌ: إذا قال ذلك تحزنًا لما يرى في الناس قال: يعني من أمر دينهم فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عجبًا بنفسه وتصاغرًا للناس فهو المكروه الذي يُنهى عنه. قلتُ: فهذا تفسير بإسناد في نهاية من الصحة وهو أحسن ما قيل في معناه وأوجز، ولا سيما إذا كان عن الإِمام مالك ﵁. [فصل]: [٧/ ٩٤٠] روينا في سنن أبي داود، بالإِسناد الصحيح، عن حذيفةَ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تَقُولُوا ما شاءَ اللَّهُ وَشاءَ فُلانٌ، وَلَكِنْ قولُوا ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ما شَاءَ فُلانٌ". قال الخطابي وغيره: هذا إرشادٌ إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمع والتشريك، وثم للعطف مع الترتيب والتراخي، فأرشدَهم ﷺ إلى تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة مَن سواه. وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكرهُ أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك؛ ويجوز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك؛ قالوا: ويقول: لولا الله ثم فلان لفعلت كذا، ولا تقل: لولا الله وفلان. [فصل]: ويُكره أن يقول: مُطرنا بنوْءِ كذا، فإن قاله معتقدًا أن الكوكب هو الفاعل هو كفر، وإن قاله معتقدًا أن الله تعالى هو الفاعل وأن

стр. 536

النوْءَ المذكور علامة لنزول المطر لم يكفر، ولكنه ارتكب مكروهًا لتلفظه بهذا اللفظ الذي كانت الجاهلية تستعملُه، مع أنه مشتركٌ بين إرادة الكفر وغيره، وقد قدَّمنا الحديث الصحيح المتعلق بهذا الفصل في باب ما يقول عند نزول المطر. [فصل]: يحرمُ أن يقولَ إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصراني، أو بريءٌ من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأرادَ حقيقة تعليق خروجه عن الإِسلام بذلك صارَ كافرًا في الحال وجرتْ عليه أحكامُ المرتدّين، وإن لم يُردْ ذلك لم يكفرْ، لكن ارتكبَ محرّمًا، فيجبُ عليه التوبة، وهي أن يُقلعَ في الحال عن معصيته ويندمَ على ما فعل ويَعْزِمَ على أن لا يعودَ إليه أبدًا ويستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلَاّ الله محمدٌ رسولُ الله. [فصل]: يحرم عليه تحريمًا مغلّظًا أن يقولَ لمسلم: يا كافر! [٨/ ٩٤١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا قالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرٌ! فَقَدْ باءَ بِها أحَدُهُما، فإن كانَ كما قال وَإِلَاّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ". [٩/ ٩٤٢] وروينا في صحيحيهما، عن أبي ذرّ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ دَعا رَجُلًا بالكُفْرِ أوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّه ـ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ـ إلَاّ حارَ عَلَيْهِ" وهذا لفظ رواية مسلم، ولفظ البخاري بمعناه، ومعنى حارَ: رجع. [فصل]: لو دعا مسلم على مسلم فقال: اللَّهمّ اسلبه الإِيمانَ عصى بذلك، وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان لأصحابنا حكاهما

стр. 537

القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتاوى أصحُّهما لا يكفر، وقد يُحتجّ لهذا بقول الله تعالى إخبارًا عن موسى ﷺ : ﴿رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا﴾ الآية [يونس: ٨٨]، وفي هذا الاستدلال نظر، وإن قلنا إنَّ شرعَ من قبلنَا شرعٌ لنا. [فصل]: لو أكرهَ الكفّار مسلمًا على كلمة الكفر فقالها وقلبه مطمئنّ بالإِيمان لم يكفر بنصّ القرآن (١) وإجماع المسلمين، وهل الأفضل أن يتكلَّم بها ليصونَ نفسَهُ من القتل؟ فيه خمسةُ أوجه لأصحابنا، الصحيحُ أن الأفضلَ أن يصبرَ للقتل ولا يتكلّم بالكفر، ودلائلُه من الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة ﵃ مشهورة، والثاني الأفضلُ أن يتكلَّمَ ليصونَ نفسَه من القتل. والثالث إن كان في بقائه مصلحةٌ للمسلمين بأن كان يرجو النكايةَ في العدوّ أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضلُ أن يتكلَّم بها، وإن لم يكن كذلك فالصبرُ على القتل أفضل. والرابع إن كان من العلماء ونحوهم ممّن يُقتدى بهم فالأفضلُ الصبر لئلا يغترّ به العوامّ. والخامسُ أنه يجبُ عليه التكلّم لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] وهذا الوجه ضعيف جدًا. [فصل]: لو أكره المسلمُ كافرًا على الإِسلام فنطقَ بالشهادتين، فإن كان الكافرُ حربيًا صحّ إسلامه، لأنه إكراه بحقّ؛ وإن كان ذميًّا لم يصِرْ مسلمًا لأنّا التزمنا الكفّ عنه، فإكراهُه بغير حق، وفيه قولٌ ضعيفٌ أنه يصيرُ مسلمًا لأنه أمره بالحقّ. [فصل]: إذا نطقَ الكافرُ بالشهادتين بغير إكراه، فإن كان على سبيل الحكاية بأن قال: سمعتُ زيدًا يقول: لا إِله إِلَاّ الله محمدٌ رسولُ الله. لم

стр. 538

يُحكم بإسلامه، وإن نطقَ بهما بعد استدعاء مسلم بأن قال له مسلمٍ: قل لا إِله إلَاّ الله محمدٌ رسولُ الله، فقالهما، صارَ مسلمًا؛ وإن قالهما ابتداءً لا حكايةً ولا باستدعاء، فالمذهبُ الصحيحُ المشهورُ الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يصيرُ مسلمًا، وقيل لا يصيرُ لاحتمال الحكاية. [فصل]: ينبغي أن لا يُقال للقائم بأمر المسلمين خليفة الله، بل يُقال الخليفة، وخليفةُ رسولِ الله ﷺ وأميرُ المؤمنين. روينا في شرح السنّة للإِمام أبي محمد البغوي ﵁ قال ﵀: لا بأسَ أن يُسمَّى القائم بأمر المسلمين أمير المؤمنين والخليفة، وإن كان مخالفًا لسيرة أئمة العدل لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له. قال: ويُسمَّى خليفة لأنه خلفَ الماضي قبلَه وقام مقامه. قال: ولا يُسمى أحدٌ خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] وقال تعالى: ﴿يا دَاوُدَ إنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفةً في الأرْضِ﴾ [ص:٢٦] وعن ابن أبي مُليكة أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا خليفة الله! فقال: أنا خليفة محمد ﷺ ، وأنا راضٍ بذلك. وقال رجلٌ لعمرَ بن الخطاب ﵁: يا خليفة الله! فقال: ويلَك لقد تناولتَ تناولًا بعيدًا، إن أُمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلتُ، ثم كَبِرتُ فكُنِّيتُ أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتموني أمورَكم فسمَّيتُوني أمَير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك. وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً؛ لأنه خلفَ رسولَ الله ﷺ في أُمته، قال: فيجوز أن يُقال الخليفة على الإِطلاق، ويجوز خليفة رسول الله.

стр. 539

قال: واختلفوا في جواز قولنا خليفة الله، فجوّزه بعضُهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [فاطر:٣٩] وامتنع جمهورُ العلماء من ذلك ونسبُوا قائلَه إلى الفجور، هذا كلام الماوردي. قلتُ: وأوّلُ مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وأما ما توهمه بعضُ الجهلة في مسيلمة فخطأٌ صريح وجهلٌ قبيح مخالف لإِجماع العلماء، وكُتبهم متظاهرة على نقل الاتفاق على أن أوّل مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وقد ذكر الإِمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في كتابه "الاستيعاب" في أسماء الصحابة ﵃ بيان تسمية عمر أمير المؤمنين أوّلًا، وبيان سبب ذلك، وأنه كان يُقال في أبي بكر ﵁ خليفة رسول الله ﷺ . [فصل]: يحرمُ تحريمًا غليظًا أن يقولَ للسلطان وغيره من الخلق شاهان شاه، لأن معناه ملك الملوك، ولا يُوصف بذلك غير الله . [١٠/ ٩٤٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هُريرة ﵁ عن النبيّ قال: "إنَّ أخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ" وقد قدّمنا بيان هذا في كتاب الأسماء، وأن سفيانَ بن عيينة قال: ملك الأملاك مثل شاهان شاه.

стр. 540

[فصل]: في لفظ السيد. اعلم أن السيد يُطلق على الذي يفوق قومَه ويرتفعُ قدرُه عليهم، ويُطلق على الزعيم والفاضل، ويُطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضبُه، ويُطلق على الكريم وعلى المالك وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ بإطلاق سيد على أهل الفضل. [١١/ ٩٤٤] فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري، عن أبي بكرةَ ﵁؛ أن النبيّ ﷺ صَعِدَ بالحسن بن عليّ ﵄ المنبرَ فقال: "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ الله تعالى أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ". [١٢/ ٩٤٥] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ" أو "خَيْرِكُمْ" كذا في بعض الروايات "سيّدكم أو خيرِكم" وفي بعضها "سيّدكم" بغير شك. [١٣/ ٩٤٦] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن سعدَ بن عبادة ﵁ قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ الرجلَ يجدُ مع امرأته رجلًا أيقتله؟ الحديث، فقال رسول الله ﷺ : "انْظُرُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ". وأما ما وردَ في النهي: [١٤/ ٩٤٧] فما رويناه بالإِسناد الصحيح في سنن أبي دَاود، عن بريدة

стр. 541

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سَيِّدٌ، فإنَّه إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ". قلت: والجمع بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلًا خيّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك؛ وإن كان فاسقًا، أو متهمًا في دينه، أو نحو ذلك كُره له أن يقال سيّد. وقد روينا عن الإِمام أبي سليمان الخطابي في معالم السنن في الجمع بينهما نحو ذلك. [فصل]: يُكره أن يقول المملوك لمالكه: ربي، بل يقول، سيدي، وإن شاء قال: مولاي. ويُكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتايَ وفتاتي أو غلامي. [١٥/ ٩٤٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضّىءْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِيِ وَمَوْلايَ؛ وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ عبْدِي أمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ وَفَتاتِي وَغُلامي" وفي رواية لمسلم: "وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِدي وَمَوْلايَ" وفي رواية له: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ عَبْدِي وَأمَتِي، فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ، وَلا يَقُلِ العَبْدُ رَبي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي" وفي رواية له: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ عَبْدِي وَأمَتي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلامي وَجارِيَتِي وَفَتايَ وَفَتاتِي". قلتُ: قال العلماء: لا يُطلق الربُّ بالألف واللام إلاّ على الله تعالى

стр. 542

خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: ربّ المال، وربّ الدار، وغير ذلك. ومنه قول النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح في ضالّة الإِبل "دَعْها حتَّى يَلْقاها رَبُّها" (١) والحديث الصحيح "حتَّى يُهِمَّ ربَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ" (٢) وقول عمر ﵁ في الصحيح (٣): ربّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة، ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة. وأما استعمال حملة الشرع ذلك فأمر مشهور معروف. قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي، لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية. وأما حديث "حتى يلقاها ربُّها" و"ربّ الصريمة" وما في معناهما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول ربّ الدار وربّ المال. وأما قول يوسف ﷺ : ﴿اذكرني عند ربك﴾ [يوسف:٤٢] فعنه جوابان: أحدهما أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إلى إلهك﴾ [طه:٩٧] أي الذي اتخذته إلهًا. والجواب الثاني أن هذا شرعُ مَنْ قَبْلنَا، وشرعُ من قبلنا لا يكون شرعًا لنا إذا ورد شرعُنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه. وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يردْ شرعُنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعًا لنا أم لا؟. [فصل]: قال الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه "صناعة الكتاب": أما المولى فلا نعلم اختلافًا بين العلماء أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين: مولاي. قلت: وقد تقدم في الفصل السابق جواز إطلاق مولاي، ولا مخالفة بينه وبين هذا، فإن النحاس تكلَّم في المولى بالألف

стр. 543

واللام، وكذا قال النحاس: يقال سيد لغير الفاسق، ولا يقال السيد بالألف واللام لغير الله تعالى؛ والأظهر أنه لا بأس بقوله المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق. [فصل]: في النهي عن سبّ الريح. وقد تقدم الحديثان في النهي عن سبّها وبيانهما في باب ما يقول إذا هاجت الريح (١). [فصل]: يُكره سبّ الحمى. [١٦/ ٩٤٩] روينا في صحيح مسلم، عن جابر ﵁: أن رسولَ الله ﷺ دخلَ على أُمّ السائب أو أُمّ المسيب فقال: "ما لَكِ يا أُمّ السَّائِبِ! ـ أو يا أُمّ المسيِّب ـ تُزَفْزِفِينَ؟ " قالت: الحمّى لا باركَ الله فيها، فقال: "لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذْهِبُ خَطايا بني آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". قلتُ: تزفزفين: أي تتحركين حركة سريعة، ومعناه: ترتعد، وهو بضم التاء وبالزاي المكرّرة، وروي أيضًا بالراء المكرّرة، والزاي أشهر؛ وممّن حكاهما ابن الأثير؛ وحكى صاحب المطالع الزاي، وحُكي الراء مع القاف؛ والمشهور أنه بالفاء سواء بالزاي أو بالراء. [فصل]: في النهي عن سبّ الديك. [١٧/ ٩٥٠] روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الدّيكَ، فإنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاةِ".

стр. 544

[فصل]: في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية وذمّ استعمال ألفاظهم. [١٨/ ٩٥١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن مسعود ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدعا بِدَعْوى الجَاهِليَّةِ" وفي رواية "أوْ شَقَّ أوْ دعا" بأو. [فصل]: ويُكره أن يُسمَّى المحرَّمُ صفرًا، لأن ذلك من عادة الجاهلية. [فصل]: يحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافرًا، قال الله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْد ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه. [فصل]: يحرم سبّ المسلم من غير سبب شرعي يجوّز ذلك. [١٩/ ٩٥٢] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ". ورويناه في صحيح مسلم، وكتابي أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة ﵁. وصحّ أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْتَبَّانِ ما قالا، فَعَلى البادِىءِ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [فصل]: ومن الألفاظ المذمومة المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه، يا حمار! يا تيس! يا كلب! ونحو ذلك؛ فهذا قبيح لوجهين:

стр. 545

أحدهما أنه كذب، والآخر أنه إيذاء؛ وهذا بخلاف قوله: يا ظالم! ونحوه، فإن ذلك يُسامح به لضرورة المخاصمة، مع أنه يصدق غالبًا، فقلّ إنسانٌ إلا وهو ظالم لنفسه ولغيرها. [فصل]: قال النحاس: كرهَ بعضُ العلماء أن يُقال: ما كان معي خَلْقٌ إلاّ اللَّه. قلت: سبب الكراهة بشاعةُ اللفظ من حيث أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا وهو هنا مُحال، وإنما المراد هنا الاستثناء المنقطع، تقديرُه ولكن كان الله معي، مأخوذ من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ وَيَنْبغي أن يُقال بدلَ هذا: ما كان معي أحدٌ إلَاّ الله ، قال: وكره أن يُقال: اجلس على اسم الله، وليقلْ اجلس باسم الله. [فصل]: حكى النحّاسُ عن بعض السلف أنه يُكره أن يقولَ الصائمُ: وحقِّ هذا الخاتم الذي على فمي، واحتجّ له بأنه إنما يُختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظر، وإنما حجته أنه حلفٌ بغير الله ، وسيأتي النهي عن ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا، فهذا مكروهٌ لما ذكرنا، ولما فيه من إظهار صومه لغير حاجة، والله أعلم. [فصل]: [٢٠/ ٩٥٣] روينا في سنن أبي داود، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أو غيره، عن عمران بن الحصين ﵄ قال: كنّا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عينًا، وأنعم صباحًا، فلما كان الإِسلام نُهينا عن ذلك. قال عبد الرزاق: قال معمر: يُكره أن يقول الرجل: أنعم الله بك عينًا، ولا بأس أن يقول: أنعم الله عينَك.

стр. 546

قلتُ: هكذا رواه أبو داود عن قتادة أو غيره، ومثل هذا الحديث قال أهل العلم: لا يُحكم له بالصحة، لأن قتادة ثقة وغيرُه مجهول، وهو محتمل أن يكون عن المجهول فلا يثبتُ به حكم شرعي، ولكن الاحتياط للإِنسان اجتناب هذا اللفظ لاحتمال صحته، ولأن بعض العلماء يحتجّ بالمجهول، والله أعلم. [فصل]: في النهي أن يتناجى الرجلان إذا كان معهما ثالث وحده. [٢١/ ٩٥٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزنُهُ". [٢٢/ ٩٥٥] وروينا في صحيحيهما، عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: " إِذَا كانُوا ثَلَاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنانِ دُونَ الثَّالِثِ" ورويناه في سنن أبي داود، وزاد ـ قال أبو صالح الراوي ـ عن ابن عمر: قلتُ لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرّك. [فصل]: في نهي المرأة أن تخبرَ زوجَها أو غيرَه بحسنِ بدنِ امرأةٍ أخرى إذا لم تدعُ إليه حاجة شرعية من رغبة في زواجها ونحو ذلك. [٢٣/ ٩٥٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُباشِرِ المرأةُ المَرأةَ فَتَصِفُها لزَوْجِها كأنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا".

стр. 547

[فصل]: يُكره أن يُقال للمتزوّج: بالرِّفاءِ والبنينَ، وإنما يُقال له: باركَ الله لك وباركَ عليك، كما ذكرناه في كتاب النكاح. [فصل]: روى النَّحاسُ عن أبي بكر محمد بن يحيى ـ وكان أحدَ الفقهاء الأدباء ـ أنه قال: يُكره أن يُقال لأحدٍ عند الغضب: اذكر الله تعالى؛ خوفًا من أن يحملَه الغضبُ على الكفر، قال: وكذا لا يُقال له: صلّ على النبيّ ﷺ ، خوفًا من هذا. [فصل]: من أقبح الألفاظ المذمومة، ما يَعتادُه كثيرون من الناس إذا أرادَ أن يَحلِفَ على شيءٍ فيتورّع عن قوله: والله، كراهيةَ الحنث أو إجلالًا لله تعالى وتصوّنًا عن الحلف، ثم يقول: الله يعلم ما كان كذا، أو لقد كان كذا ونحوه، وهذه العبارةُ فيها خطرٌ، فإن كان صاحبُها متيقنًا أن الأمر كما قال فلا بأس بها، وإن كان تشكَّكَ في ذلك فهو من أقبح القبائح لأنه تعرّضَ للكذب على الله تعالى، فإنه أخبرَ أن الله تعالى يعلمُ شيئًا لا يتيقنُ كيف هو. وفيه دقيقة أخرى أقبحُ من هذا، وهو أنه تعرّض لوصف الله تعالى بأنه يعلمُ الأمرَ على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّقَ كان كافرًا، فينبغي للإِسان اجتنابُ هذه العبارة. [فصل]: ويُكره أن يقولَ في الدّعاء: اللَّهم اغفر لي إن شئت، أو إن أردتَ، بل يجزمُ بالمسألة. [٢٤/ ٩٥٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسألةَ فإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ". وفي

стр. 548

رواية لمسلم "ولَكنْ ليَعْزِمْ وَلْيُعظِمِ الرَّغْبَةَ، فإنَّ الله لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أعْطاهُ". [٢٥/ ٩٥٨] وروينا في صحيحيهما، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذَا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المسألةَ وَلا يَقُولَنَّ اللَّهمَّ إنْ شِئْتَ فأعْطِني فإنَّه لا مُسْتَكْرِهَ لَهُ". [فصل]: ويُكره الحلفُ بغير أسماء الله تعالى وصفاته، سواءٌ في ذلك النبيّ ﷺ ، والكعبة، والملائكة، والأمانة، والحياة، والروح، وغير ذلك. ومن أشدِّها كراهة: الحلف بالأمانة. [٢٦/ ٩٥٩] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بأبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بالله أوْ لِيَصمُت" وفي رواية في الصحيح "فَمَنْ كانَ حالِفًا فَلا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أوْ لِيَسْكُتْ". وروينا في النهي عن الحلف بالأمانة تشديدًا كثيرًا، فمن ذلك: [٢٧/ ٩٦٠] ما رويناه في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا". [فصل]: يُكره إكثارُ الحلف في البيع ونحوه وإن كان صادقًا.

стр. 549

[٢٨/ ٩٦١] روينا في صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلِفِ في البَيْعِ فإنَّهُ يُنْفِقُ ثُمَّ يَمْحَقُ". [فصل]: يُكره أن يُقال قوسُ قزح لهذه التي في السماء. [٢٩/ ٩٦٢] روينا في حلية الأولياء لأبي نعيم، عن ابن عباس ﵄، أن النبيَّ ﷺ قال: " لا تَقُولُوا قَوْسَ قُزَحَ، فإنَّ قُزَحَ شَيْطانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا قَوْسَ اللَّهِ ، فهُوَ أمانٌ لأهْلِ الأرْضِ" قلت: قُزح بضم القاف وفتح الزاي، قال الجوهري وغيره: هي غير مصروفة وتقولُه العوامّ قدح بالدال وهو تصحيف. [فصل]: يُكره للإِنسان إذا ابتُلي بمعصيةٍ أو نحوها أن يخبرَ غيرَه بذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى فيقلعَ عنها في الحال ويندمَ على ما فعل ويعزم أن لا يعود إلى مثلها أبدًا؛ فهذه الثلاثة هي أركان التوبة لا تصحّ إلا باجتماعها، فإن أخبرَ بمعصيته شيخَه أو شبهَه ممّن يرجو بإخباره أن يعلِّمه مخرجًا من معصيته، أو ليعلِّمَه ما يَسلمُ به من الوقوع في مثلها، أو يعرِّفَه السببَ الذي أوقعه فيها، أو يدعوَ له أو نحوَ ذلك فلا بأسَ به، بل هو حسنٌ، وإنما يُكره إذا انتفتْ هذه المصلحةُ. [٣٠/ ٩٦٣] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي

стр. 550

الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "كُلُّ أُمّتِي معافىً إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُل باللَّيْلِ عَمَلًا ثمَّ يُصْبحُ وَقَدْ سَتَرَهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يا فُلانُ! عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا وكَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ". [فصل]: يَحرمُ على المكلّف أن يحدِّث عبدَ الإِنسان أو زوجته أو ابنه أو غلامَه ونحوَهم بما يُفسدهم به عليه، إذا لم يكنْ ما يُحدِّثهم به أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنوا على البِرّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وقال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. [٣١/ ٩٦٤] وروينا في كتابي أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِىءٍ أوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا". قلتُ: خبَّبَ بخاء معجمة ثم باء موحدة مكرّرة ومعناه: أفسده وخدعه. [فصل]: ينبغي أن يُقال في المال المخرج في طاعة الله تعالى: أنفقتُ وشبهُه، فيقال: أنفقتُ في حجتي ألفًا، وأنفقتُ في غزوتي ألفين، وكذا أنفقتُ في ضيافة ضيفاني، وفي خِتان أولادي، وفي نكاحي، وشبه ذلك: ولا يقولُ ما يقوله كثيرون من العوامّ: غَرِمْتُ في ضيافتي، وخسرتُ

стр. 551

في حجتي، وضيّعت في سفري. وحاصلهُ أن أنفقتَ وشبهه يكونُ في الطاعات. وخسرتُ وغرِمتُ وضيّعت ونحوها يكونُ في المعاصي والمكروهات، ولا تُستعمل في الطاعات. [فصل: مما يُنهى عنه ما يقولُه كثيرون من الناس في الصلاة إذا قال الإِمام (إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعينُ) فيقول المأموم: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذا مما ينبغي تركه والتحذير منه، فقد قال صاحب "البيان" من أصحابنا: إنَّ هذا يُبطل الصلاة إلا أن يقصد به التلاوة، وهذا الذي قاله وإن كان فيه نظرٌ، والظاهرُ أنه لا يُوَافق عليه، فينبغي أن يُجتنبَ، فإنه وإن لم يُبطلِ الصلاةَ فهو مكروهٌ في هذا الموضع، والله أعلم. [فصل]: مما يتأكد النهيُ عنه والتحذيرُ منه ما يقولُه العوامّ وأشباهُهم في هذه المكوس التي تُؤخذُ مما يبيع أو يشتري ونحوهما، فإنهم يقولون: هذا حقّ السلطان، أو عليك حقّ السلطان ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته حقًا أو لازمًا ونحو ذلك، وهذا من أشدّ المنكرات وأشنع المستحدثات، حتى قال بعضُ العلماء: من سمَّى هذا حقًا فهو كافرٌ خارجٌ عن ملّة الإِسلام، والصحيحُ أنه لا يكفرُ إلا إذا اعتقده حقًا مع علمه بأنه ظلم؛ فالصوابُ أن يُقال فيه المكسُ أو ضريبةُ السلطان أو نحو ذلك من العبارات، وبالله التوفيق. [فصل]: يكره أن يسألُ بوجه الله تعالى غير الجنة. [٣٢/ ٩٦٥] روينا في سنن أبي داود، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسألُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَاّ الجَنَّةُ".

стр. 552

[فصل]: يُكره منعُ من سألَ بالله تعالى وتشفَّع به. [٣٣/ ٩٦٦] روينا في سنن أبي داود والنسائي، بأسانيد الصحيحين، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ اسْتَعاذَ باللَّهِ فأعِيذُوهُ، وَمَنْ سألَ باللَّهِ تَعالى فأعْطُوهُ، وَمَنْ دَعاكُمْ فأجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ". [فصل]؛ الأشهرُ أنه يُكره أن يُقال: أطالَ الله بقاءَك. قال أبو جعفر النحّاس في كتابة "صناعة الكتاب": كَرِهَ بعضُ العلماء قولهم: أطالَ الله بقاءك، ورخَّصَ فيه بعضُهم. قال إسماعيل بن إسحاق: أوَّلُ مَن كتب أطالَ الله بقاءَك الزنادقة. وروي عن حماد بن سلمة ﵁ أن مكاتبة المسلمين كانت من فلان إلى فلان، أما بعد: سلامٌ عليك، فإني أحمدُ الله الذي لا إِله إِلَاّ هو، وأسألُه أن يصلِّيَ على محمد وعلى آل محمد. ثم أحدثتِ الزنادقةُ هذه المكاتبات التي أوّلُها: أطالَ اللَّه بقاءَك. [فصل]: المذهبُ الصحيحُ المختار أنه لا يُكره قول الإِنسان لغيره: فِداكَ أبي وأُمي، أو جعلني الله فداك، وقد تظاهرتْ على جواز ذلك الأحاديثُ المشهورة التي في الصحيحين وغيرهما، وسواءٌ كانَ الأبوان مسلمين أو كافرين، وكَرِهَ ذلك بعضُ العلماء إذا كانا مسلمين. قال النحاس: وكرهَ مالكُ بن أنس: جعلني الله فداك، وأجازَه بعضُهم. قال القاضي عياض: ذهبَ جمهورُ العلماء إلى جواز ذلك، سواءٌ كان المفديُّ

стр. 553

به مسلمًا أو كافرًا. قلت: وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يُحصى، وقد نبَّهتُ على جمل منها في شرح صحيح مسلم. [فصل]: ومما يُذمّ من الألفاظ: المِراء والجِدال والخُصومة. قال الإِمام أبو حامد الغزالي: المراء: طعنُك في كلام الغير لإِظهار خَلل فيه، لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيَّتِك عليه؛ قال: وأما الجدالُ فعبارةٌ عن أمر يتعلّقُ بإظهار المذاهب وتقريرها. قال: وأما الخصومةُ فلِجَاجٌ في الكلام ليستوفيَ به مقصودَه من مال أو غيره، وتارة يكون ابتداءً وتارة يكون اعتراضًا؛ والمِراء لا يكون إلا اعتراضًا. هذا كلام الغزالي. واعلم أن الجدال قد يكون بحقّ، وقد يكون بباطل، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إِلَاّ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤١] وقال تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقال تعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلَاّ الَّذِينَ كَفَروا﴾ [غافر:٤] فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محمودًا، وإن كان في مدافعة الحقّ أو كان جدالًا بغير علم كان مذمومًا، وعلى هذا التفصيل تنزيلُ النصوص الواردة في إباحته وذمّه، والمجادلة والجدال بمعنى، وقد أوضحتُ ذلك مبسوطًا في تهذيب الأسماء واللغات. قال بعضُهم: ما رأيتُ شيئًا أذهبَ للدين ولا أقصَ للمروءة ولا أضيعَ للذة ولا أشغلَ للقلب من الخصومة. فإن قلتَ: لا بُدَّ للإِنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه. فالجوابُ ما أجابَ به الإِمامُ الغزالي أن الذمَّ المتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل أو غير علمٍ كوكيل القاضي، فإنه يتوكَّلُ في الخصومة قبل أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانب هو فيخاصمُ بغير علم. ويدخلُ في الذمّ أيضًا مَن يطلبُ حَقَّه لكنه لا يقتصرُ على قدرِ

стр. 554

الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة، كلماتٍ تُؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملُه على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجَّتَه بطريق الشرع من غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلُه هذا ليس حرامًا، ولكن الأولى تركُه ما وجد إليه سبيلًا، لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومة على حدّ الاعتدال متعذّر، والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته ويُطلق اللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب حتى أنه يكون في صلاته وخاطره معلقٌ بالمحاجّة والخصومة فلا يَبقى حالُه على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ، وكذا الجِدال والمِراء. فينبغي أن لا يفتحَ عليه بابَ الخصومة إلا لضرورة لا بُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانَه وقلبَه عن آفات الخصومة. [٣٤/ ٩٦٧] روينا في كتاب الترمذي، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كَفَى بِكَ إثْمًا أنْ لا تَزَالَ مُخَاصِمًا". وجاء عن عليّ ﵁ قال: إن للخصوماتِ قُحَمًا (١). قلتُ: القُحَم بضم القاف وفتح الحاء المهملة: هي المهالك. [فصل]: يُكره التقعيرُ في الكلام بالتشدّق وتكلّف السجع والفَصاحة

стр. 555

والتصنّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحون وزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلُّف المذموم، وكذلك تكلّف السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوامّ؛ بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظًا يفهمُه صاحبُه فهمًا جليًّا ولا يستثقلُه. [٣٥/ ٩٦٨] روينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرّجالِ الَّذي يَتَخَلَّل بِلِسانِهِ كما تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ" قال الترمذي: حديث حسن. [٣٦/ ٩٦٩] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن مسعود ﵁؛ أن النبيّ ﷺ قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ" قالها ثلاثًا. قال العلماء: يعني بالمتنطعين: المبالغين في الأمور. [٣٧/ ٩٧٠] وروينا في كتاب الترمذي عن جابر ﵁؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ وأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أحاسِنُكُمْ أخْلاقًا، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إليَّ وأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ الثَّرْثارُونَ وَالمُتَشَدّقُونَ وَالمُتَفَيْقِهُونَ، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيقهون؟ قال: المُتَكَبِّرُون" قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال: والثرثار: هو الكثير الكلام؛ والمتشدّقُ: مَن يتطاولُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم.

стр. 556

واعلم أنه لا يدخلُ في الذمّ تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب لأن المقصودَ منها تهييج القلوب إلى طاعة الله ، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر. [فصل]: ويُكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدَّثَ بالحديث المباح في غير هذا الوقت وأعني بالمُباح الذي استوى فعله وتركه. فأما الحديث المحرّم في غير هذا الوقت أو المكروه فهو في هذا الوقت أشدّ تحريمًا وكراهة. وأما الحديثُ في الخير كمذاكرة العلم وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف فلا كراهةَ فيه، بل هو مستحبّ، وقد تظاهرت الأحاديثُ الصحيحةُ به، وكذلك الحديثُ للغدر والأمور العارضة لا بأس به، وقد اشتهرت الأحاديثُ بكل ما ذكرتُه، وأنا أُشيرُ إلى بعضها مختصرًا، وأرمزُ إلى كثير منها. [٣٨/ ٩٧١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي بَرزةَ ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يكرهُ النومَ قبل العِشاء والحديثَ بعدَها. وأما الأحاديث بالترخيص في الكلام للأمور التي قدّمتُها فكثيرةٌ. [٣٩/ ٩٧٢] فمن ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: أن رسولَ الله ﷺ صلَّى العشاءَ في آخر حياته، فلما سلَّم قال: "أرأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فإنَّ على رأسِ مِئَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ على ظَهْرِ الأرْضِ اليَوْمَ أحَدٌ". [٤٠/ ٩٧٣] ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁، في

стр. 557

صحيحيهما؛ أن رسولَ الله ﷺ أعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليلُ، ثم خرجَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى بهم، فلما قضَى صلاته قال لمن حضره: "على رِسْلِكُمْ أُعَلِّمْكُمْ، وأبْشِرُوا أنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّه عَلَيْكُمْ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ" أو قال: "ما صَلَّى أحَدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ". [٤١/ ٩٧٤] ومنها حديث أنس في صحيح البخاري؛ أنهم انتظروا النبيَّ ﷺ فجاءَهم قريبًا من شطر الليل، فصلَّى بهم: يعني العشاء قال: ثم خطبَنا فقال: " ألا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ". ومنها حديث ابن عباس (١) ﵄، في مبيته في بيت خالته ميمونة قوله: إن النبيَّ ﷺ صلَّى العشاءَ، ثم دخلَ فحدّثَ أهلَه، وقوله: "نَامَ الغُلَيْم؟ ". ومنها حديث عبد الرحمن (٢) بن أبي بكر ﵄ في قصة أضيافه واحتباسه عنهم حتى صلّى العشاء، ثم جاء وكلَّمهم، وكلَّم امرأتَه وابنه وتكرّر كلامُهم، وهذان الحديثان في الصحيحين، ونظائرُ هذا كثيرة لا تنحصرُ، وفيما ذكرناه أبلغُ كفاية، ولله الحمد. [فصل]: يُكره أن تُسمَّى العشاء الآخرة العتمة، للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك ويُكره أيضًا أن تُسمَّى المغرب عشاء. [٤٢/ ٩٧٥] روينا في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مُغَفّل المزني

стр. 558

رضي الله عنه ـ وهو بالغين المعجمة ـ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ على اسمِ صَلاتِكُمُ المَغْرِبِ" قال: وتقول الأعرابُ: هي العشاء. وأما الأحاديث الواردة بتسمية عَتَمَةً كحديث: "لو يَعْلَمُونَ ما في الصُّبْحِ وَالعَتَمَةِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا" (١) فالجواب عنها من وجهين: أحدهما أنها وقعتْ بيانًا لكون النهي ليس للتحريم بل للتنزيه. والثاني أنه خُوطبَ بها مَن يخافُ أنه يلتبس عليه المراد لو سمَّاها عشاءً. وأما تسمية الصبح غداةً فلا كراهة فيه على المذهب الصحيح، وقد كثرتِ الأحاديثُ الصحيحةُ في استعمال غداة، وذكر جماعة من أصحابنا كراهة ذلك، وليس بشيء، ولا بأسَ بتسمية المغرب والعشاء عشاءين، ولا بأس بقول العشاء الآخرة. وما نُقل عن الأصمعي أنه قال: لا يُقال العشاء الآخرة فغلط ظاهر، فقد ثبتَ في صحيح مسلم (٢)؛ أن النبيّ ﷺ قال: "أيُّمَا امْرأةٍ أصَابَتْ بَخُورًا فَلا تَشْهَدْ مَعَنا العِشاءَ الآخِرَةَ". وثبت في ذلك كلامُ خلائقَ لا يُحصون من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه بشواهده في تهذيب الأسماء واللغات، وبالله التوفيق. [فصل]: ومما يُنهى عنه إفشاءُ السرّ، والأحاديثُ فيه كثيرة، وهو حرامٌ إذا كان فيه ضررٌ أو إيذاء. [٤٣/ ٩٧٦] روينا في سنن أبي داود والترمذي، عن جابر رضي الله

стр. 559

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بالحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أمانَةٌ" قال الترمذي: حديث حسن. [فصل]: يُكره أن يُسألَ الرجلُ: فيم ضربَ امرأتَه؟ من غير حاجة. قد روينا في أوّل هذا الكتاب في حفظ اللسان والأحاديث الصحيحة في السكوت عمّا لا تظهر فيه المصلحة، وذكرنا الحديث الصحيح "منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه" (١). [٤٤/ ٩٧٧] وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يُسألُ الرَّجُلُ: فيمَ ضَرَبَ امْرأتَهُ". [فصل]: أما الشعر فقد روينا في مسند أبي يعلى الموصلي (٢)، بإسناد حسن، عن عائشة ﵄، قالت: سُئل رسولُ الله ﷺ عن الشعر فقال: "هُوَ كلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ" قال العلماء: معناه: أنَّ الشعرَ كالنثر، لكن التجرّدَ له والاقتصارَ عليه مذمومٌ. وقد ثبتَت الأحاديثُ الصحيحةُ بأن رسول الله ﷺ سمع الشعرَ، وأمرَ حسان بن ثابت بهجاء الكفّار. وثبتَ أنه ﷺ قال: "إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً" (٣)، وثبت أنه ﷺ قال:

стр. 560

"لأنْ يَمْتَلىءَ جَوْفُ أحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ منْ أنْ يَمْتَلِىءَ شِعْرًا" (١) وكل ذلك على حسب ما ذكرناه. [فصل]: ومما يُنهى عنه الفحشُ، وبذاءةُ اللسان؛ والأحاديثُ الصحيحة فيه كثيرة معروفة. ومعناه: التعبيرُ عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانتْ صحيحةً والمتكلّمُ بها صادق، ويقعُ ذلك كثيرًا في ألفاظ الوقاع ونحوها. وينبغي أن يستعملَ في ذلك الكنايات ويعبّر عنها بعبارة جميلة يُفهم بها الغرضُ، وبهذا جاءَ القرآن العزيز والسن الصحيحة المكرّمة، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] وقال تعالى: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والآيات والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة. قال العلماء: فينبغي أن يستعملَ في هذا وما أشبهَه من العبارات التي يُستحيى من ذكرها بصريح اسمها الكنايات المفهمة، فيُكنّي عن جماع المرأة بالإِفضاءِ والدخولِ والمعاشرةِ والوِقاع ونحوها، ولا يُصرّح بالنّيل والجماع ونحوهما، وكذلك يُكنّي عن البول والتغوّط بقضاء الحاجة والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرّحُ بالخِرَاءة والبول ونحوهما، وكذلك ذكرُ العيوب كالبرص والبَخَر والصُّنان وغيرها، يعبّر عنها بعبارات جميلة يُفهم منها الغرض، ويُلحق بما ذكرناه من الأمثلة ما سواه. واعلم أن هذا كلَّه إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعتْ حاجةٌ لغرض البيان والتعليم وخِيفَ أن المخاطَب لا يفهم المجاز، أو

стр. 561

يفهمُ غيرَ المراد صرّح حينئذ باسمه الصريح ليحصلَ الإِفهامُ في هذا أولى من مراعاة مجرّد الأدب، وبالله التوفيق. [٤٥/ ٩٧٨] روينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الفاحِشِ وَلا البَذِيء" قال الترمذي: حديث حسن. [٤٦/ ٩٧٩] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما كان الفُحْشُ في شَيْءٍ إلَاّ شانَهُ، وَما كانَ الحَياءُ في شَيْءٍ إلَاّ زَانَهُ" قال الترمذي: حديث حسن. [فصل]: يحرمُ انتهارُ الوالد والوالدة وشبههما تحريمًا غليظًا، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَاّ إيَّاهُ وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَريمًا. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كما رَبَّيَاني صَغِيرًا﴾ الآية [الإِسراء:٢٣ـ ٢٥]. [٤٧/ ٩٨٠] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "مِنَ الكَبائرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتُم الرجلُ والديه؟ قال: نَعَمْ، يَسُبّ أبَا الرَّجُلِ فَيسبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ".

стр. 562

[٤٨/ ٩٨١] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن ابن عمر ﵄ قال: كان تحتي امرأةٌ وكنتُ أُحبها، وكان عمرُ يكرهُها، فقال لي: طلّقْها، فأبيتُ، فأتى عمرُ ﵁ النبيَّ ﷺ فذكرَ ذلك له، فقال النبيُّ ﷺ : "طَلِّقْها" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٣٣٢ ـ بابُ النهي عن الكَذبِ وبيان أقسامهِ قد تظاهرتْ نصوصُ الكتاب والسنّة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب. وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريمه مع النصوص المتظاهرة، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمّ بيان ما يُستثنى منه والتنبيه على دقائقه، ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته: [١/ ٩٨٢] وهو ما رويناه في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمن خَانَ". [٢/ ٩٨٣] وروينا في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حتَّى يَدَعَها: إِذَا ائتُمِن خانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ" وفي

стр. 563

رواية مسلم "إذا وعدَ أخلفَ" بدل "وإذا ائتُمِن خان". وأما المستثنى منه: [٣/ ٩٨٤] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أُمّ كلثوم ﵂؛ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا" هذا القدر في صحيحيهما. وزاد مسلم في رواية له: قالت أُمّ كلثوم: ولم أسمعه يُرخِّصُ في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث ـ يعني: الحرب، والإِصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها. فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماءُ ما يُباح منه. وأحسننُ ما رأيتُه في ضبطه، ما ذكرَه الإِمامُ أبو حامد الغزالي فقال: الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصد، فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يُمكن التوصلُ إليه بالصدق والكذب جميعًا، فالكذبُ فيه حرامٌ لعدم الحاجة إليه، وإن أمكنَ التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، وواجبٌ إن كان المقصود واجبًا، فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه: وجبَ الكذبُ بإخفائه، وكذا لو كان عندَه أو عندَ غيره وديعة وسأل عنها ظالمٌ يُريدُ أخذَها وجبَ عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبرَه بوديعةٍ عندَه فأخذَها الظالمُ قهرًا، وجبَ ضمانُها على المُودع المُخبر، ولو استحلفَه عليها، لزمَه أن يَحلفَ ويورِّي في يمينه، فإن حلفَ ولم يورّ، حنثَ على الأصحّ، وقيل لا يحنثُ، وكذلك لو كان مقصودُ حَرْبٍ أو إصلاحِ ذاتِ البين أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا

стр. 564

يحصل إلا بكذب، فالكذبُ ليس بحرام، وهذا إذا لم يحصل الغرضُ إلا بالكذب، والاحتياطُ في هذا كلّه أن يورّي؛ ومعنى التورية أن يقصدَ بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارةَ الكذب فليس بحرام في هذا الموضع. قال أبو حامد الغزالي: وكذلك كل ما ارتبط به غرضٌ مقصودٌ صحيح له أو لغيره، فالذي له مثلُ أن يأخذَه ظالمٌ ويسألَه عن ماله ليأخذَه فله أن ينكرَه، أو يسألَه السلطانُ عن فاحشةٍ بينَه وبينَ الله تعالى ارتكبَها فله أن ينكرَها ويقول ما زنيتُ، أو ما شربتُ مثلًا. وقد اشتهرتِ الأحاديث بتلقين الذين أقرّوا بالحدود الرجوع عن الإِقرار. وأما غرضُ غيره، فمثل أن يُسأَلَ عن سرّ أخيه فينكرَهُ ونحو ذلك، وينبغي أن يُقابِلَ بين مَفسدةِ الكذب والمفسدةِ المترتبة على الصدق؛ فإن كانت المفسدةُ في الصدق أشدّ ضررًا فله الكذبُ، وإن كان عكسُه، أو شكّ، حَرُمَ عليه الكذبُ؛ ومتى جازَ الكذبُ فإن كان المبيحُ غرضًا يتعلّقُ بنفسه فيستحبّ أن لا يكذبَ، ومتى كان متعلقًا بغيره لم تجز المسامحةُ بحقّ غيره؛ والحزمُ تركه في كل موضعٍ أُبيحَ إلا إذا كان واجبًا. واعلم أن مذهبَ أهل السنّة أن الكذبَ هو الإِخبار عن الشيء، بخلاف ما هو، سواء تعمدتَ ذلك أم جهلته، لكن لا يأثمُ في الجهل وإنما يأثمُ في العمد، ودليلُ أصحابنا تقييد النبيّ ﷺ "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١).

стр. 565

٣٣٣ ـ بابُ الحثِّ على التثّبت فيما يحكيهِ الإِنسانُ والنهي عن التحديث بكلِّ ما سمعَ إذا لم يظنّ صحته قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولًا﴾ [الإِسراء:٣٦] وقال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. [١/ ٩٨٥] وروينا في صحيح مسلم، عن حفص بن عاصم التابعي الجليل عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبيّ ﷺ قال: "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ" ورواه مسلم من طريقين: أحدهما هكذا. والثاني عن حفص بن عاصم، عن النبيّ ﷺ مرسلًا لم يذكر أبا هريرة، فتُقدَّمُ روايةُ مَن أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه أهلُ الفقه والأصول والمحقّقون من المحدّثين، أن الحديث إذا روي من طريقين أحدهما مرسلٌ والآخر متصلٌ، قدّم المتصل وحكم بصحة الحديث، وجاز الاحتجاج به في كل شيء من الأحكام وغيرها. والله أعلم. [٢/ ٩٨٦] وروينا في صحيح مسلم، عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: بحسبِ المرءِ من الكذبِ أن يحدّثِ بكلّ ما سمعَ. وروينا في صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله. والآثارُ في هذا الباب كثيرة.
следующие страницы →