والأدلة من الكتاب والسنة المبينة لهذه الاستطاعة كثيرة؛ فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل: عمران: ٩٧] فالآية نص في أن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة عليه، فالاستطاعة إذًا شرط، وهي هنا الزاد والراحلة، فلو كانت الاستطاعة في الآية بمعنى الاستطاعة الموجبة للفعل- وشرطها أن تكون مقارنة للفعل- لكان معنى الآية، لا يجب الحج إلا على من حج، ليس فقط بالعزم عليه والتمكن من فعله، وإنما بعد الفراغ منه، وهذا يؤول إلى اسقاط الواجبات كلها.
ومن السنة قول الرسول ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم) (١) فهذه الاستطاعة بمعنى الوسع والتمكن من الفعل، فلو أريد بها الموجبة للفعل لكان المعنى: فأتوا منه ما فعلتم، فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه.
ومنه قول الرسول ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٢) فلو أريد بالاستطاعة النوع الثاني منها، لكان المعنى صلِّ بالتخيير قائمًا أو قاعدًا أو على جنب.
النوع الثاني (٣): استطاعة كونية، التي هي للكلمات الخلقيات الكونيات، فهي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فهي موجبة ومحققة له، وتكون دائمًا مقارنة للفعل فلا تكون إلا معه، فحقيقتها إذًا مجموع ما يجب بها الفعل، وتدخل فيها الإرادة وغيرها، فهي توجد في حق من فعل.
стр. 107
ومن الأدلة الدالة على هذه الاستطاعة: قول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٧ - ٤٨].
ففي هذه الآية نفى الله استطاعة معينة، لا بد من تفسيرها بأنها استطاعة موجبة للفعل، وليست الاستطاعة المشروطة للفعل، إذ الثانية شرط في التكليف، فإذا انتفت فلا تكليف، فلما نفى الله هنا الاستطاعة، ورتب عليها الجزاء، علمنا أنها استطاعة موجبة للفعل، خاصة، وأن سمع الآذان كان حاصلًا لهم، فكان المنفي شيئًا آخر، وفي قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ دلالة على العقاب بسبب الجحود، فعاقبهم الله بخذلانهم فلا يهتدون إلى طريق الحق، وهذا معنى عدم استطاعتهم، فدل على أن هذه الاستطاعة قدر زائد على مجرد الوسع والتمكن من الفعل.
وزعمت القدرية أن قدرة العبد تكون قبل الفعل، وتصلح للضدين، وهي شرط لصحة الفعل، فالفعل مشروط، ويستحيل أن يتقدم المشروط على شرطه، فلو كانت مع الفعل لا قبله للزم عدم تكليف الكافر بالإيمان، بل للزم عدم تكليف أي إنسان.
والجبرية زعموا أن قدرة العبد تكون مقارنة للفعل لا قبله، لأنها لو فرضت قبل الفعل وهي عرض لكان الفعل واقعًا بلا قدرة، لأن العرض لا يبقى زمانين.
فيلحظ أن ما أورده كل فريق على الآخر يدل على بطلان نفيه لما نفاه من القدرة التي لا يثبتها، فدل ذلك على أنه لو قيل بالقدرتين لما أمكن الاعتراض أصلًا.
стр. 108
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: من قال من الأصوليين بتوجيه التكليف قبل الفعل -كما هو مذهب أكثر الطوائف من أهل السنة والمعتزلة وكثير من الأشعرية- فينظر إلى قوله في وقت القدرة: فإن كان ممن يقول بتقدمها على الفعل -سواء قال بالقدرة المقارنة للفعل كأهل السنة أو نفاها كالمعتزلة- فإنّه يمنع تكليف ما لا يطاق؛ لأنّ التكليف والقدرة كانا قبل الفعل فتصادفا.
وإن كان ممن يقول: إنَّ القدرة مع الفعل، ولا تتقدم عليه، -كما هو مذهب الأشعرية- فالقول بتكليف ما لا يطاق لازم له؛ لأنّ التكليف تقدم على القدرة، فكان تكليفًا لغير القادر.
ومن قال: إنّ التكليف لا يتوجه إلا مع الفعل-كما هو مذهب بعض الأشعرية- فينظر إلى قوله في وقت القدرة: فإن كان ممن يقول: إنها مع الفعل، فلا يلزمه القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنّ التكليف والقدرة تصادفا (١).
الثانية: خلاف المعلوم هل هو ممكن أو مستحيل؟ يبني على الخلاف في وقت القدرة، فمن يجعل القدرة نوعًا واحدًا مقارنًا للفعل -وهم الأشعرية- فإنّه يجعل خلاف المعلوم مستحيلا، وهو كذلك بهذا الاعتبار؛ فإنّ كل من لم يفعل الفعل لم تحصل له القدرة التي يوجد بها الفعل، فالقاعد ليس قادرًا على القيام بالنظر إلى القدرة المقارنة للقيام؛ لأنّه ما لم يحصل القيام لم تحصل تلك القدرة (٢).
أمّا من نظر إلى خلاف المعلوم باعتبار القدرة المتقدمة على الفعل، فإنّه يجعل خلاف المعلوم ممكنًا، وهو كذلك بهذا الاعتبار؛ إذ التكليف يتعلق بالقدرة
стр. 109
المتقدمة الممكنة، والكلام في القدرة المقارنة الميسِّرة كلام في القضاء والقدر لا في الأمر والنهي (١).
الثالثة: جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل، عند من يقول بجواز طلب المأمور به قبل خلق القدرة عليه؛ لأن القدرة لا تكون إلا مقارنة للفعل، والفعل لم يقع قبل التمكن منه.
ومن لم يجوِّز ذلك منع من النسخ قبل التمكن.
الرابعة: جواز تخصيص العلة، إن قيل إن الاستطاعة قبل الفعل ؛ لأن قوة الفعل علة للفعل، وعندهم القوة موجودة ولا فعل لمانع منع المستطيع من الفعل، وإذا جاز وجود علة الفعل ولا فعل لمانع جاز أن توجد العلة الشرعية ولا حكم لها لمانع.
وإن قيل إنها مقارنة، ويستحيل تقدمها على الفعل، فلا يجوز التخصيص؛ لأنه لا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم (٢).
ونوقش: بأنا وإن سلَّمنا أن القول بأن الاستطاعة قبل الفعل يلزم منه جواز التخصيص، لكنا لا نُسلِّم بأنها إن كانت مقارنة لا يجوز التخصيص؛ لأن العلل الشرعية ليست موجبة بذواتها، بحيث لا يتصور انفكاك معلولاتها عنها، كما هو الحال في مسألة الاستطاعة، وإنما هي أمارات، فيجوز انفكاك معلولاتها عنها (٣).
стр. 110
الفصل الرابع المسائل المتعلقة بالنبوات
стр. 111
المبحث الأول العصمة
وتحته مطلبان:
• المطلب الأول: عصمة الأنبياء قبل النبوة:
سبق الحديث عن عصمة الأنبياء، ومواطن ذكرها (١)، وما قد يُبنى عليها من مسائل في أصول الفقه، وهنا الحديث عن عصمتهم قبل النبوة، وهي مما استطردوا الحديث فيها، وقد انعقد الإجماع على عصمتهم من الكفر والشرك قبل إنبائهم، إلا ما يذكر من مذهب الخوارج (٢).
стр. 112
وجاء في السنة ما يدل على عصمة النبي ﷺ قبل بعثته، ومما يدل على ذلك: (أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ ، وهو يلعب مع الغلمان، وأخذه وصرعه، فشق عن قلبه، واستخرج القلب، واستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه) (١).
فاستخراج حظ الشيطان منه يدل على سلامته من الكفر والشرك، بل ومن سائر المعاصي، ولذلك كان ﷺ لا يعبد الأصنام، ولا يشارك أهل الجاهلية في شيء من منكراتهم.
وجمهور أهل العلم لا يوجبون عصمة الأنبياء من الذنوب قبل البعثة، إلا ما كان كفرًا أو دالًا على خسة.
وقد بالغ الشيعة في أمر العصمة، فادعوا عصمة الأنبياء مطلقًا قبل البعثة وبعدها من سائر المعاصي كفرًا كانت أو غيره، كبائر أو صغائر (٢).
стр. 113
• المطلب الثاني: عصمة الأنبياء بعد النبوة:
اختلف الناس في العصمة بناء على مذاهبهم في الأفعال -أفعال العباد- وأثر قدرتهم في أفعالهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «و مما يبين الكلام في مسألة العصمة، أن تعرف النبوة ولوازمها وشروطها، فإن الناس تكلموا في ذلك بحسب أصولهم في أفعال الله تعالى، إذ كان جعل الشخص نبيًا رسولًا من أفعال الله تعالى» (١).
وتفصيل ذلك، ببيان أقسام الناس في أفعال الله، عند من يثبتها، وهم كل أهل الملة (٢)، وهم على ثلاث طوائف:
стр. 114
الأولى: مثبتو الحكم والأسباب على وفق حكمة الله البالغة ومشيئته النافذة، وأن أفعال الله كلها حكمة سواء ظهرت للناس أم لم تظهر، وأن الله يمن على من يشاء بالهداية والتوفيق رحمة منه وفضلًا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلًا، وأنه يصطفي من يشاء حسب علمه وحكمته، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهذا قول أهل السنة والجماعة.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (١)، فإنه يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس كما قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥]؛ فرسل الله هم خيار الناس، ومما علمناه من حكمة الله نعلم أن الله لا يبعث نبيًّا فاجرًا، ولذلك أجمعنا على تنزيه الأنبياء من أن يكونوا من الفجار والفساق، ونقطع أن ما ينزل على البر الصادق لا يكون إلا ملائكة، لا تكون شياطين أبدًا، ونعلم أن من كمال فضل الأنبياء وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم، أن تقع منهم بعض الصغائر غير الخسيسة (٢)، يكمل الله بها عبوديتهم بالتوبة وزيادة الخوف والخضوع، فيرفع الله درجاتهم، فالعصمة حاصلة لهم في الصغائر غير الخسيسة بعدم الإصرار عليها أصلًا، وبالتنبيه عليها، ليتداركوها ويحصل لهم مزيد فضل ورفعة درجة.
стр. 115
وينبغي معرفة أن مقام الأنبياء مقام رفيع عظيم، وما وقعوا فيه قد يكون في حق غيرهم ليست من الذنوب (١) لكن لرفعة مقامهم، قد يعاتبون، ومع ذلك فإن الله يوفقهم إلى التوبة، بل ما ذكر الله ذنبًا لنبي (إلا مقرونًا بالتوبة والاستغفار، كقول آدم وزوجته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقول نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] .. ) (٢).
الطائفة الثانية: نفاة الحكم والأسباب في أفعاله، فيجوز عندهم أن يفعل الله كل ممكن ولا ينزه عن فعل من الأفعال، فأفعاله كلها متعلقة بمحض المشيئة، وهؤلاء هم الجهمية ومن تبعهم كالأشعري ومن وافقه من أهل الكلام (٣).
ورتبوا على هذا الأصل ما يلي:
(١) جواز أن يبعث الله كل مكلف، ولو كان كافرًا فاسقًا، فهو يفعل ما يشاء لا لحكمة.
(٢) والنبوة عندهم ليست صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختص بها، فهي من الصفات الإضافية، فتكون مجرد إعلام من الله بما أوحاه إليه، فهي مثل الأحكام الشرعية، التي لا تدل على صفة في الفعل، والفعل الحسن حسنه لكونه مقولًا فيه: افعل، والقبيح عكسه، لا لصفة هي منشأ الحسن والقبح في الفعل.
(٣) ثم بعد البعثة ذكروا أن ما يدل العقل على امتناعه على الأنبياء هو في التبليغ خاصة، لأن صدق التبليغ هو مدلول المعجزة، وما سوى ذلك فلا يدل عليه
стр. 116
عقل، فإن ورد السمع بامتناعه قلنا به، وإلا لم تجب العصمة منه، ولما كانت الأدلة السمعية ظواهر ظنية عند محققيهم اعتمدوا فيما تجب العصمة منه على الإجماع، وما سواه قالوا لم يدل عليه سمع ولا عقل.
الطائفة الثالثة: مثبتو الحكم والأسباب، الذين يوجبون على الله بعقولهم، ومن ذلك أصلهم في التعويض والتجويز إذ يجعلون الجزاء عوضًا عن الأعمال، وعليه فلا يجوز عندهم أن يفضل الله أحدًا على أحد إلا بعمله، ورتبوا عليه أن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل متقدم، فاستحق النبي النبوة جزاء على عمل صالح متقدم، وهؤلاء كثير من القدرية والمعتزلة والشيعة (١).
وهؤلاء زعموا أن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل صالح متقدم، فالنبي فعل من الأعمال الصالحة ما استحق به أن يجزيه الله بالنبوة وجوبًا، فهي ليست محض فضل من الله.
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: فعل الرسول ﷺ المتجرد عن القرائن «يحتمل الحظر عند من يجوِّز عليهم الصغائر» (٢)، فلا يفيد حكمًا، وإنما يكون الحكم مستفادًا مما قبل ورود الشرع (٣).
ومذهب أهل السنة والجماعة -كما سبق - أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر الخسيسة مطلقًا، وأما الصغائر غير الخسيسة فيجوز صدورها منهم، لكنهم يوفقون إلى التوبة منها (٤).
стр. 117
الثانية: عدم حجية تقرير النبي ﷺ «عند من يحمل ذلك على المعصية، ويجوِّز عليه الصغيرة» (١).
والقول بحجيته متفرع عند البعض على عصمته من ذلك، وأنه ﷺ إذا سكت عن منكر فيلزم منه وقوعه ﷺ في المحرَّم، وهو غير جائز عليه (٢).
وأشار الآمدي إلى أنه قد لا يلزم ذلك لمن جوَّز عليه ﷺ الصغائر، فقال: «وذلك لأنه لو لم يكن فعله جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره وثناؤه عليه حرامًا على النبي ﵇، وهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي ﵇ عند قوم، إلاَّ أنه في غاية البعد، لاسيَّما فيما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية، وإذا كان كذلك، فالإنكار هو الغالب، فحيث لم يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبًا» (٣).
الثالثة: عدم وقوع السهو من النبي ﷺ عند من يقول بأن المعجزة دلت على صدق النبي ﷺ مطلقًا في العمد والسهو، وقيل: إنها لم تدل إلا على ما صدر عنه عمدًا (٤).
وهذه المسألة وإن ذكر الأصوليون بناءها على المعجزة (٥)، إلا أن ارتباطها
стр. 118
بالعصمة ظاهر.
قال الزركشي: «وفصَّل ابن عطية في الكلام على النسخ بين ما لا يحفظه أحد من الصحابة، فالنبي معصوم من النسيان قبل التبليغ وبعده، فإن حفظه جاز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة. ومنه قول أبيٍّ [رضي: الله: عنه]: حسبت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ لم ترفع ولكن نسيتها) (١).) (٢).
وقال الغزالي: «أما النسيان والسهو فلا خلاف في جوازه عليهم فيما يخصهم من العبادات، ولا خلاف في عصمتهم مما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة، فإنهم كلفوا تصديقه جزمًا، ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط» (٣).
ويدل على جواز النسيان قول الرسول ﷺ : (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) (٤)، وكل ما ورد من أحاديث السهو في الصلاة.
стр. 119
الرابعة: اشتراط الإمام المعصوم في حجية الإجماع عند الشيعة (١)، وبعض الأصوليين نسبه لبعضهم (٢)، وشبهتهم: أنه إذا كان الإمام المعصوم موجودًا فلا تجوز مخالفته، ولذا لزم كونه مع المجمعين حتى يكون الإجماع حجة (٣).
ولما أن كان مآل قولهم الاعتماد على قول المعصوم وحده دون الإجماع نقل عنهم كثير من الأصوليين إنكار الإجماع (٤).
الخامسة: إجماع أهل البيت حجة، على القول بعصمتهم (٥)؛ لأنهم إن كانوا معصومين فلا يمكن أن يجمعوا على باطل.
ولا ريب ببطلان هذا، وأنهم بعض الأمة، فلا يكون إجماعهم حجة.
السادسة: عدم حجية الإلهام «لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره» (٦)
السابعة: اختلف العلماء (٧) في جواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء ﵈،
стр. 120
فذهب الآمدي وابن الحاجب إلى جواز الخطأ لكن لا يقرون عليه، وإنما ينبهون فورًا.
ونسب الآمدي ذلك إلى أكثر أصحابه والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة (١).
وذهب بعض أهل العلم إلى منع وقوع الخطأ في اجتهادهم؛ لأجل عصمتهم.
стр. 121
المبحث الثاني حقيقة المعجزة ومسائلها
تحدث الأصوليون عن المعجزة عند تقريرهم للاستصحاب (١)، حيث تكلموا عن لزوم استمرار العادة ليصح الاستدلال بخرقها على صحة النبوة (٢).
واستطرد بعضهم فذكر تعريفها المتضمن لشروطها خاصة عند بحث مدارك العلوم في الدين (٣)، وفيه تشعب الكلام إلى نوع دلالة المعجزة على النبوة، هل هي عقلية أو سمعية أو وضعية؟.
وعند بحثهم عن التكليف خاصة في التحسين والتقبيح تكلموا عن وجه دلالتها - أي المعجزة- على النبوة.
стр. 122
وتكلموا في إعجاز القرآن عند بحثهم عن الدليل الأول - وهو القرآن-، وتضمن ذلك حقيقة إعجازه، والقدر المعجز منه (١)، ودلالته على إثبات نبوة النبي ﷺ وأمور لها تعلق بختم النبوة - كنزول عيسى ﵇ آخر الزمان، فهل ينافي ثبوت أحكام الشريعة (٢)؟ والرد على منكري نبوته من اليهود بدعوى عدم جواز النسخ (٣).
وفيما يأتي استعراض مختصر للمسائل العقدية، وموقف أهل السنة والجماعة منها:
المسألة الأولى: يرى عامة المتكلمين أن الدليل الوحيد الذي يعول عليه لإثبات النبوة هو المعجزة.
وهذا الرأي خطأ، ويعلم خطؤه بإيمان بعض الصحابة بمجرد علمه بسيرة الرسول ﷺ من صدقه وأمانته، وباستحلاف بعض الناس له واكتفائهم في التصديق بذلك، وبما علمه أهل الكتاب من صفاته الدالة على نبوته.
المسألة الثانية: قال الجويني ﵀: «المعجزة تكون فعلًا لله ، خارقًا للعادة، ظاهرًا على حسب سؤال مدعي النبوة، مع تحقيق امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره، إذا كان يبغي معارضة» (٤). فهذا التعريف تضمن أربعة شروط للمعجزة وهي:
(١) أن تكون فعلًا لله تعالى.
стр. 123
(٢) أن تكون خارقة للعادة.
و (لم يميزوا ما يخرق العادة مما لا يخرقها، ولهذا ذهب من ذهب من محققيهم إلى إلغاء هذا الشرط فالأمور العجيبة التي خص الله بالإقدار عليها بعض الناس لم يجعلوها خرق عادة، والأمور المحرمة أو هي كفر كالسحر والكهانة والطلسمات جعلوها خرق عادة، وجعلوها آية بشرط أن لا يعارض) (١).
(٣) ظهورها على حسب سؤال مدعي النبوة.
نوقش بأنه: يخرج كثيرًا من المعجزات كإظلال الغمام وتسليم الحجر وغير ذلك، فليست كل المعجزات اقترن بها التحدي ولا دعوى النبوة (٢).
(٤) عدم معارضتها. وهذا هو خاصية المعجزة عندهم، لأنه بهذا الشرط والقيد يخرج السحر والشعوذة والكهانة إذ يمكن أن تعارض.
وهذه الشروط مذكورة كذلك في كتب الكلام، بل ويزيدون عليها شروطًا أخرى (٣).
المسألة الثالثة: من الطرق الممكنة في دلالة المعجزة على النبوة عند أهل السنة بإيجاز:
(١) طريق الحكمة.
стр. 124
(٢) طريق القدرة.
(٣) طريق العلم والضرورة.
(٤) طريق العدل.
(٥) طريق السنة والعادة.
(٦) طريق الرحمة.
ويمكن جمعها كلها فيما يلي:
أن الله -جل وعلا- له صفات الكمال، ومن الطرق الدالة على ذلك قياس الأولى؛ وأن من أرسل رسولًا ولم يجعل له آية وعلامة دالة على أنه مرسل من عنده عُدَّ نقصًا وعيبًا وسفهًا، فلله المثل الأعلى، فهو الحكيم في أفعاله وأقواله، فلا بد أن يُعرف الناس ما يدلهم على صدق رسوله ويميزه عن الكاذب، وهكذا: «فكل ما ترك من لوازم الرسالة إما أن يكون لعدم القدرة، وإما أن يكون للجهل والسفه وعدم الحكمة، والرب أحق بالتنزيه عن هذا وهذا من المخلوق، فإذا أرسل رسولًا فلا بد أن يعرفهم أنه رسوله، ويبين ذلك، وما جعله آية وعلامة ودليلًا على صدقه امتنع أن يوجد بدون الصدق، فامتنع أن يكون للكاذب المتنبيء، فإن ذلك يقدح في الدلالة، فهذا ونحوه مما يعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرب» (١)، ومن جهة قدرته، ومن جهة عدله كذلك؛ لأن إظهار المعجز على الكاذب تسوية بين الصادق والكاذب، وتؤدي هذه التسوية إلى تعذر التمييز بين الصادق والكاذب، وعندئذ يكون تكليف الناس بتصديق الصادق، وذمهم على ترك تصديقه واتباعه تكليفًا بما لا يطاق، وهذا خلاف العدل والحكمة والرحمة (٢).
стр. 125
فالطرق المتقدمة - وهي الحكمة والعدل والرحمة والقدرة- كلها تدل على أن المعجزة دالة على صدق الرسول، (فكيف إذا انضم إلى ذلك أن هذه سنته وعادته) (١) ، وهذه الطريق -أي طريق السنة- تدل ضرورة على أن المعجزة لأجل التصديق، ولهذا اختار بعض الناس القول بأن دلالة المعجزة على الصدق تعلم بالضرورة، وهو صحيح (٢).
أما المتكلمون فلهم ثلاثة طرق في وجه دلالة المعجزة على صدق النبي المدَّعي للرسالة، (طريقة القدرة، وطريقة الحكمة، وطريقة الضرورة)، وهي طرق ذكرها الأشعرية والمعتزلة، وهي صحيحة في أصلها، ولكن من قال بها له أصول فاسدة، يرجع إليها في كتب العقائد.
المسألة الرابعة: تطرق الأصوليون لنوع دلالة المعجزة: فذكرا في كتب أصول الفقه أن للناس قولين فيها؛ فمنهم من يرى أنها عقلية (٣)، ومنهم من يرى أنها وضعية (٤).
وعند التحقيق لا تعارض بين القولين؛ فإن (الأدلة التي تدل بنفسها قد تسمى الأدلة العقلية، ويسمى النوع الآخر الأدلة الوضعية، لكونها إنما دلت بوضع واضع، والتحقيق أن كليهما عقلي إذا نظر فيه العقل علم مدلوله، لكن هذه تدل بنفسها،
стр. 126
وتلك تدل بقصد الدال بها فيعلم بها قصده، وقصده هو الدال بها، كالكلام فإنه يدل بقصد المتكلم به وإرادته، وهو يدل على مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدل بإرادته على لوازمها، فإن اللازم أبدًا مدلول عليه بملزومه.) (١). ولتوجيه ذلك يرجع إلى كتب العقائد.
المسألة الخامسة: أجمع المسلمون على أن الآية العظمى الدالة على نبوة النبي الخاتم ﷺ هي القرآن، ويدل لذلك قول الرسول ﷺ : (ما من الأنبياء من نبي إلا آتاه الله من الآيات ما مثله آمن عليه الناس، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) (٢).
والقرآن هو الذي وقع به التحدي كما قال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
والذي يدل عليه صنيع المتكلمين الأصوليين أنه يقتصر على معجزة القرآن.
لذا نجد استغناء كثير من المتكلمين بمعجزة القرآن عما سواها من المعجزات
ويدل لهذا أمران:
الأول: اشتراطهم في المعجزة مقارنتها للدعوى والتحدي بها والمنقول هو أن القرآن وحده الذي وقع به التحدي، وعليه فإنه لا آية سواه دالة على النبوة (٣). والصواب عدم صحة اشتراط هذين الشرطين.
стр. 127
الثاني: لما كانت المسألة من الأصول، فإنه يشترط أن تنقل نقلًا متواترًا، وليس غير القرآن منقولًا نقلًا متواترًا، فإذن هو وحده المعجزة (١).
ومن المعجزات التي وردت في كتب الأصول، واختلفوا في بعضها هل وردت متواترة أو بطريق الآحاد؟: انشقاق القمر (٢)، وتسليم الحجر (٣)، وسعي الشجرة (٤)، ونبع الماء (٥)، وتسبيح الطعام (٦)، وتسبيح الحصى (٧)، وحنين الجذع (٨)، وتسليم الغزالة (٩).
ولا شك أن تلك المعجزات، وإن كانت قد نقلت آحادًا، إلا أن القدر المشترك بين جميعها متواتر، وفي ذلك يقول الخطيب البغدادي: «وأما التواتر من طريق المعنى، فهو أن يروي جماعة كثيرون يقع العلم بخبرهم كل واحد منهم حكمًا غير الذي يرويه صاحبه، إلا أن الجميع يتضمن معنى واحدًا، فيكون ذلك المعنى بمنزلة ما تواتر به الخبر لفظًا … وهذا أحد طرق معجزات رسول الله ﷺ » (١٠).
стр. 128
وإذ قد علم أن بعض المعجزات نقلت تواترًا، وبعضها آحادًا، فالصواب عندئذ أن يقال: إنه لا يشترط نقل كل خبر تواترًا ولو كثر مشاهدوه، وإنما المعتبر الصحة فقط، خاصة إذا علمنا أن الراوي لم ينكر أحد عليه ما رواه، فهذه قرينة تقوي ذلك الخبر.
ثمَّ أورد الأصوليون مسائل تتعلق بالمعجزة الكبرى منها:
الأولى: إعجاز القرآن في نفسه
قال الزركشي: «ولا خلاف بين العقلاء، أن كتاب الله معجز، لأن العرب عجزوا عن معارضته، واختلفوا في سببه، هل كان لكونه معجزًا)، وهذا حق، ثم ذكر السبب الآخر فقال: «أو لمنع الله إياهم عن ذلك مع قدرتهم عليه، وهو المسمى بالصرف؟» (١). أي صرفوا بسلب القدرة على معارضته، وقد نسب الزركشي القول الأول للجمهور، والثاني للمعتزلة.
والقول بأن القرآن معجز لسلب الله العربَ قدرتهم على الفصاحة والبلاغة باطل بدلالة سياق آية التحدي الذي يدل على نقيض هذا القول، فالله -جل وعلا- يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فالسياق يقتضي (أنه لا يقال عن الشيء يُمنَعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه: إني قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله ولو احتشدتم ودعوتم الإنس والجن إلى نصرتكم فيه، وإنما يقال: إني أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعونه وأمنعكم إياه» (٢)، فالآية دالة على أن القرآن خارج عن قدرتهم على معارضته.
стр. 129
الثانية: وجوه إعجاز القرآن
ذكر الزركشي في البحر المحيط أربعة أقوال في إعجاز القرآن، واكتفى بها دون ترجيح، بينما ذكر في كتابه البرهان اثنى عشر وجهًا (١).
قال الإسلام ابن تيمية: «وكون القرآن أنه معجزة، ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم عن معارضته فقط (٢). بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ الإسراء ٨٩]، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٧ - ٢٨]. وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن هو حجة على إعجازه، ولا يناقض ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له» (٣) ا. هـ.
стр. 130
الثالثة: القدر المعجز من القرآن
قال الزركشي - لما ذكر تعريف القرآن - وهو: «الكلام المنزل للإعجاز بآية منه، المتعبد بتلاوته). قال: «وقلنا: بآية منه، ولم نقل بسورة، كما ذكره الأصوليون، لأن أقصر السور ثلاث آيات، والتحدي قد وقع بأقل منها في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] … » (١).
ثم حكى أقوالًا أخرى في القدر المعجز منه، وحاصلها:
(١) أن المعجز السورة الطويلة دون القصيرة. لأن البلغاء من العرب قد يقدرون على القليل دون الكثير (٢).
(٢) أن المعجز كل سورة من القرآن قصيرة كانت أو طويلة (٣).
(٣) أن المعجز أقله سورة الكوثر، وما يعادلها من القرآن، ولو كان آية واحدة، لأن كلماتها عشر كلمات (٤).
(٤) ونقل عن المعتزلة أن الإعجاز يحصل بجميع القرآن (٥).
ولا شك أن القولين الأول والرابع لا يصحان، لأن القرآن صريح في إثبات التحدي بسورة، وأطلق ذلك دون تقييد بالطويلة ولا القصيرة، فقال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] والقول الرابع أشد بطلانًا وأبعد عن الصواب.
стр. 131
وبقي النظر في القولين الثاني والثالث، فعلى أساس أن المنصوص عليه وقوع الحديث بسورة من القرآن، فهذا قدر اشتركا في صحته، ويمتاز القول الثالث بالقوة من جهة دلالة قول الله تعالى عليه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، فظاهر هذه الآية وقوع التحدي بأي حديث من القرآن - مما يصدق عليه أنه قرآن - سواء كان سورة أو بعض سورة.
وقد انتصر لهذا القول ابن حزم (١)، وهو اختيار كثير من أهل العلم، منهم القاضي عياض (٢) وأحد قولي الباقلاني (٣)، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن كثير (٥)، والزركشي (٦).
стр. 132
المبحث الثالث نسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع
لقد أدرج الأصوليون ضمن مباحث النسخ: الكلام على إثباته عقلًا وشرعًا (١)، وممن ذكروه في جملة المنكرين للنسخ ثلاث طوائف من اليهود، وهم: الشمعونية (٢)، والعنانية (٣)، والعيسوية (٤)، فالأولى أنكرت جواز وقوع النسخ عقلًا، والثانية سلمت بجواز وقوعه عقلًا لكن أنكرت وقوعه سمعًا، ومرادهما إنكار نبوة النبي محمد ﷺ وعيسى ﵇ من قبل.
وقالوا: إن الإقرار بنبوة النبي ﷺ لا تستقيم إلا مع القول بنسخها لشريعة
стр. 133
موسى ﵇. فأنكروا النسخ لأجل ذلك.
وأما الطائفة الثالثة فأقرت بجواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا، لكنهم زعموا أن محمدًا ﷺ رسول للأميين العرب من بني إسماعيل خاصة دون غيرهم، أي أنهم ينكرون نسخ هذه الشريعة لشريعتهم على وجه الخصوص.
والحق أن هذه المسألة حقها أن لا تذكر في أصول الفقه أصلًا، أعني الرد على اليهود، وإنما موضعها كتب العقيدة (١).
стр. 134
المبحث الرابع وضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله
لا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة
وهذه المسألة عقدها الزركشي في مباحث الحكم تحت عنوان: أحكام الشرع ثابتة إلى يوم القيامة (١)، ثم إنه أورد إشكالًا على هذه المسألة، وهو في نزول عيسى ﵇ آخر الزمان -الثابت بالكتاب (٢) والسنة المتواترة (٣)، وقد أجمع السلف عليه (٤) - وذلك في قول الرسول ﷺ : (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٥).
والإشكال هو في قوله: (ويضع الجزية)، فقال الزركشي: «واستشكل بأنه نزل
стр. 135
مقررًا لشريعة نبينا، ومن شريعته إقرارهم بالجزية» (١) فكيف يضعها عنهم؟
ومحصل إجابات أهل العلم فيه:
(١) قال النووي: «إن هذا الحكم (أي أخذ الجزية) ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل عيسى ﵇، وقد أخبرنا النبي ﷺ في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى ﵇ هو الناسخ، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ، فإن عيسى يحكم بشرعنا، فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد ﷺ » (٢).
وكونه حاكمًا، دل عليه الرواية المتقدمة (حكمًا): أي (حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة) (٣).
(٢) وقد أجاب بعضهم بأن وضع الجزية زمن نزول عيسى ﵇ إنما هو لكثرة المال حتى لا يقبله أحد، بخلاف ما قبل نزوله، فالحاجة إلى المال قائمة (٤).
وهذه الإجابة محتملة، والأولى أقوى منها، لأن عيسى ﵇ لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، فمن هنا جاء وضع الجزية، لا من كثرة المال.
(٣) وإجابة ثالثة نقلها ابن حجر عن بعض مشايخه -ولم يسمه- فقال: «ويحتمل أن يقال إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لما في أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى ﵇ زالت الشبهة بحصول معاينته،
стр. 136
فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم» (١).
لكن هذه الإجابة أضعف من سابقتها، فالأولى الاعتماد على الإجابة الأولى.
стр. 137
المبحث الخامس في إمامة علي بن أبي طالب ﵁ -
وردت هذه المسألة في كتب أصول الفقه في المواضع الآتية:
الأولى: بقاء النقل مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على صحته قطعًا، كخبر الغدير والمنزلة (١).
الثانية: أن الواحد لو انفرد بنقل ما لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله، إما لتعلق الدين به أو لغرابته، ولم ينقله الباقون على كثرتهم في مشاهدته، فيقطع بكذبه عند الجمهور خلافًا للشيعة في ادعائهم النص على إمامة علي ﵁ قبل الثلاثة (٢).
ولا يختلف أهل السنة والجماعة في فضل علي ﵁ وأهل بيته الطاهرين، فهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، والناصرين له، والمهاجرين، بل هو رابع هذه الأمة في الفضل بعد نبيها ﷺ باتفاق أهل السنة (٣)، وقد يوجد قليل من يقدمه في الفضل على عثمان ﵃ جميعًا -.
وبشأن الخلافة، فأهل السنة متفقون على أنه رابع الخلفاء الراشدين، وأنه أولى الناس بعد عثمان، وأن بيعته كانت صحيحة، وإمامته شرعية، لايجوز الخروج عليه، ولا شق عصا طاعته، وأنه كان فرضًا على أهل زمانه الدخول في بيعته
стр. 138
وطاعته، وأن من قاتله يعد من البغاة، وأنه أقرب إلى الحق ممن سواه ممن قاتله (١).
ولم يختلف أهل السنة في أن عليًا ليس بأولى من أبي بكر وعمر بالولاية قبلهما، ولا كذلك عثمان بعد اتفاق المهاجرين والأنصار عليه ومبايعتهم له، لكن نبغ الروافض فادعوا أحقيته في الخلافة عقيب موت رسول الله ﷺ وادعوا النص على ذلك، وأن الأمة قد كتمت ذلك، فأخرجوا صحابة رسول الله ﷺ من الدين -إلا قليلًا منهم- لأنهم غصبوا عليًا حقه، خاصة وأن الإمامة عندهم من أصول دينهم.
стр. 139
الفصل الخامس المسائل المتعلقة بالاستدلال والتلقي
стр. 140
المبحث الأول عدالة الصحابة
المراد بالعدالة ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (١).
وليس المراد من عدالة كل فرد من الصحابة عصمتهم من المعاصي والخطأ، وإنما المراد بها قبول روايتهم وتصديق أقوالهم وعدم البحث عن تزكية لهم كما يحتاجها غيرهم (٢).
وقد أجمعت الأمة على عدالتهم (٣)، ودلَّت الأدلة الدالة الكثيرة على ذلك منها: ثناء الله -جل وعلا- على صحابة رسول الله ﷺ ثناءً جميلًا، ولا تعديل فوق تعديل الله تعالى، وقد تنوع هذا الثناء في كتاب الله، فمنه ما كان في أصحاب بيعة الرضوان، ومنه ما هو في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومنه ما هو عام يشمل سائر الصحابة رضوان الله عليهم.
ومن السنة: قول الرسول ﷺ : (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وفي رواية: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم … ) (٤).
стр. 141
وقوله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (١).
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: قبول رواية الصحابي؛ لأن من شروط قبول الرواية بالإجماع العدالة، والصحابة كلهم عدول (٢).
الثانية: لا تضر الجهالة بالراوي من الصحابة، فلو جهل اسم أحدهم فلا يخرج عن مطلق العدالة، فتقبل روايته، ولو «عن رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قال كذا، كان ذلك كتعيينه باسمه لاستواء الكل في العدالة» (٣).
الثالثة: إذا قال الصحابي قال النبي ﷺ فإنه يحمل على السماع بلا واسطة، ويقبل خبره لعدالته (٤)، ولو احتمل أن يكون قد سمعه من واسطة؛ لأن الواسطة إما أن يكون صحابي آخر، فتقبل؛ لأن الصحابة كلهم عدول (٥)، وهذا هو المقصود هنا، وإن كان الواسطة غير صحابي ففيه خلاف.
ذكر ابن السبكي أن البناء على عدالة الصحابة يظهر لو تعين أن يكون من روى
стр. 142
عنه صحابيًا آخر، أما لو كان تابعيًا فلابد من البحث عن عدالته (١).
ويدخل في هذه المسألة، مسألة قبول مرسل الصحابي؛ لأنهم وإن لم يسمعوها من النبي ﷺ فهم قد سمعوها من صحابة آخرين، وكلهم عدول (٢).
стр. 143
المبحث الثاني الإلهام
الإلهام: من لهم، وهو أصل يدل على ابتلاع شيء، ثم يقاس عليه، تقول العرب: التهم الشيء: أي التقمه، ومنه الإلهام كأنه شيء ألقي في الروع فالتهمه، وألهمه الله الخير: أي لقنه إياه (١).
وعُرِّف في الاصطلاح بأنه ما حرَّك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة، وقيل: إيقاع شيء في الصدر يثلج له الصدر يخص الله به بعض أصفيائه (٢).
واتفق العلماء على أن إلهام الأنبياء حق وحجة، وأنَّه «من جملة طرق الوحي» (٣).
أمَّا يقع للنَّاس من إلهامات فهي محل خلاف، وذلك أن إلهامهم قد يوافق الحق وقد يخالفه، فليس هم معصومين، بل الغالب على الناس وسوسة الشياطين.
ومجمل أقوال أهل العلم ما يأتي:
القول الأول: الإلهام حجة مطلقًا، على الملهَم وغيره. وبه قال بعضٌ من
стр. 144
الحنفية، والصوفية، والرافضة (١).
وهذا القول ساقط، ويترتب عليه مفاسد عظيمة؛ إذ «لو أعطي كل امرئ بدعواه المعرَّاة، لما ثبت حق ولا بطل باطل، ولا استقر أحد على مال، ولا انتصف من ظالم، ولا صحت ديانة أحد أبدًا؛ لأنه لا يعجز أحد عن أن يقول: ألهمت أن دم فلان حلال، وأن ماله مباح لي أخذه، وأن زوجته مباح لي وطؤها» (٢).
ومن الدلائل على بطلانه أنه يعارض بمثله، فإن قال قائل: ألهمت أن ما أقوله حق وصواب. قال خصمه: وأنا ألهمت أن قولي حق، أو أن ما تقوله خطأ (٣).
القول الثاني: الإلهام ليس حجة مطلقًا، وبه قال جمع من أهل العلم منهم القفال الشاشي، وابن السبكي، والنسفي (٤).
والدليل: كونه خيالًا، ولا يعرف أهو حق أو باطل، وأكثر ما يقع للناس إنما هو من وسوسة الشيطان، فليس هو من العلم، وليس على جوازه دليل.
قال ابن أمير حاج: "الإلهام ليس بحجة مطلقًا، لانعدام ما يوجب نسبته إلى الله" (٥).
والجواب أن الدليل قام على ما سيأتي في القول الثالث.
стр. 145
وذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة أنه «ليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهامًا، فدعوى المدعي امتناع ذلك يفتقر إلى دليل. فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرفها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه، فإن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل» (١).
القول الثالث: الإلهام ليس بحجة ولا دليلًا مستقلًا، ولكن يجوز أن يعمل به الملهم بشروط. وقال به جمع من أهل العلم منهم أبو زيد الدبوسي، ابن السمعاني، وابن الصلاح، وابن تيمية (٢).
وشروط العمل به:
الأول: فقد الأدلة كلها، المتفق عليها والمختلف فيها. ويصلح للترجيح بين الأدلة عند تكافؤ الأدلة الظاهرة في نظر المجتهد.
الثاني: اقتصار العمل به في المباحات، دون الواجبات والمندوبات، والمحرمات والمكروهات.
الثالث: جواز عمل الملهَم به في حق نفسه فقط، ولا يتعداه إلى غيره.
وهذا القول هو الأسعد بالدليل، ومن تلك الأدلة:
قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].