← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1356

المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (183 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالدال الله ، والدليل القرآن، والمستدل: المؤمن، فمن طعن على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر» (١). (٢) عارف- والمعرفة: ولا شك أن (عارف) لم يرد في الأسماء الحسنى، ولكن هل يخبر عن الله أنه عارف وأنه ذو معرفة؟. ذكر أهل العلم أن المعرفة: اسم لعلم تقدمته غفلة (٢)، ولذلك لا يصح أن يقال لله: عارف، بل حكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك المنع (٣). ولكن وردت لفظة المعرفة في حديث وهو: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (٤)، وهذه المعرفة إذا قصد بها التوفيق والهداية في الإنجاء للعبد مجازاة لمعرفته الخاصة بالله، فهذا المعنى صحيح، وإذا أطلقها الإنسان على علم الله العام، فقد يوهم نقصًا، فالأحوط ترك الإطلاق، ولزم التقييد كما جاء في النص دون الزيادة. والله أعلم.

стр. 72

(٣) شيء: وهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أطلقت من قبيل الإخبار جاز، ولذلك قال البخاري في صحيحه (١): «باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، فسمى الله -تعالى- نفسه شيئًا، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا - وهو صفة من صفات الله، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]». إه. والحديث الذي يدل على إطلاق الشيء على صفة الله، فهو ما أخرجه البخاري في الباب نفسه، وهو قول الرسول ﷺ لرجل: (أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سماها) (٢) اه. (٤) الفرد والفذ: لم يرد إذن من الشرع في تسمية الله بهما، أما إذا قصد الإخبار بهما عن الله، فصحيح لصحة معناهما. قال الأزهري: «والله هو الفرد، قد تفرد بالأمر دون خلقه» (٣). ونقل الأزهري نفسه أن الفذ بمعنى الفرد (٤). (٥) القديم: قال الآمدي في تقسيم العلم: «وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده .. »، وعلق الشيخ عبد الرزاق عفيفي عليه بقوله: «وصف علم الله أو غيره من صفاته بالقدم،

стр. 73

لم يرد في نصوص الشرع، وهو يوهم نقصًا» (١). وإيهام النقص هذا قاله تعليقًا على كلام الآمدي: «لاستحالة خلق القديم) فقال الشيخ: «أسماء الله وصفاته توقيفية ولم يرد في كتابه سبحانه ولا في سنة رسوله ﷺ تسميته بالقديم ولا إضافة القديم إليه أو إلى صفة من صفاته سبحانه، فيجب ألا يسمى سبحانه بذلك وألا يضاف إليه، وخاصة أن القدم يطلق على ما يذم كالبلى وطول الزمن وامتداده في الماضي، وإن كان لمن اتصف به ابتداء في الوجود) (٢) اه. وما ذكره الشيخ عبد الرزاق لا شك أنه لم يرد في أسماء الله الحسنى لفظ (القديم)، ولذلك لا يجوز أن يعد في أسماء الله -جل وعلا-. وأما الإخبار بالقدم عن الله وصفاته فلا ينبغي إنكاره ما دام أن المُخبِر عنه قد أراد به معنىً صحيحًا (٣)، خاصة وأنه قد جاء وصف ملك الله بالقدم في السنة وهو: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم … ) (٤). والاسم الذي يغني عن القديم هو الأول، إذ هو الوارد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفسر

стр. 74

رسول الله ﷺ هذا الاسم وبينه بيانًا شافيًا بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) (١) الحديث، فوجب ترك تسمية الله بالقديم، ويجب الاكتفاء بما ورد به الشرع وهو اسمه (الأول). (٦) المُتَجَوِّز: قال الرازي ذاكرًا أدلة من منع المجاز في كلام الله: «لو خاطب الله بالمجاز، لجاز وصفه بأنه متجوِّز ومستعير» (٢). ثم أجاب -لأنه من القائلين بإثبات المجاز مطلقًا - بقوله: «إن أسامي الله تعالى توقيفية، وبتقدير كونها اصطلاحية (٣) لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلًا ما لا ينبغي فعله، وهو في حق الله تعالى محال» (٤) اه. وهذه الإجابة صحيحة بخصوص منع وصف الله بالمتجوِّز والمستعير.

стр. 75

المبحث الثالث صفة الكلام (١) ذهب أهل السنة والجماعة إلى: أن الله متصف بالكلام، وأن نوع كلامه قديم، وهو يتكلم بما شاء متى شاء، وأن كلامه سبحانه بصوت يسمع، فقد كلَّم من أراد من رسله وملائكته، وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال سبحانه يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته، وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار يوم القيامة بما يناسبهم، فكلام الله سبحانه شامل للفظ والمعنى (٢). وحقيقة الكلام عندهم هي: أنه إذا أطلق شمل اللفظ والمعنى، وإذا أريد به اللفظ فقط أو المعنى فقط ذكرت معه قرينة تدل عليه كما في قول الرسول ﷺ : (إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) (٣)، فلم يسم حديث النفس كلامًا بإطلاق، وجعله معفوًا عنه حتى يتكلم به باللسان أو يُعمل به.

стр. 76

والأدلة على إثبات الكلام صفة لله تعالى كثيرة جدًا، منها: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. فنصَّ الله على خصوصية موسى ﵇ بتكليمه، وأكد ذلك بالمصدر ﴿تَكْلِيمًا﴾ وذلك ينفي احتمال المجاز كالإشارة والكتاب والإرسال، ولذلك قال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وجاء في السنة قول آدم ﵇ لموسى ﵇ في محاجتهما: (يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده … ) (١). ويزيد ذلك توكيدًا لا يبقى للشك فيه مجال ما أخبر الله به من تكليمه لموسى ﵇ بقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤] فهذا كلام لا يجوز أن يقوله مخلوق لنفسه (٢). ودلت الآية على أن كلامه يسمع، والسمع للأصوات التي هي حروف فدل على أن كلام الله بحرف يسمع (٣). وكلامه صفة له ليس بمخلوق، ومن أدلة أهل السنة والجماعة في الدلالة على ذلك على ذلك تفريقه في كتابه العزيز بين الخلق والأمر كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فميز الله الأمر من الخلق (٤). ووردت الاستعاذة بكلمات الله، كما في قول الرسول ﷺ وهو يعوِّذ الحسن

стр. 77

والحسين ﵄: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) (١)، وقوله لرجل لدغته العقرب: (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم تضرك) (٢) إلى غير ذلك من الأدلة، ومعلوم أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق مما لا تصلح إلا بالله، فدل ذلك على أن كلمات الله غير مخلوقة (٣). ومن الأدلة الدالة على تعلق كلام الله بمشيئته: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فقوله: ﴿كُنْ﴾ هو بعد إرادته لتكوين ذلك الشيء. وذهبت الأشاعرة والماتريدية إلى أن كلام الله نفسي، وهو صفة له أزلية، ولا يكون بحرف وصوت، ولا يتعلق بمشيئته، ويرى جمهورهم أنه معنى واحد، لا يتعدد، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لذلك الكلام، وإنما يصير أمرًا ونهيًا وخبرًا عند حدوث التعلق. ومنهم من قال: كله في الأزل خبر، ويرى قليل من هؤلاء أن الكلام منقسم في الأزل إلى أمر ونهي وخبر، وهو مع ذلك نفسي وواحد (٤).

стр. 78

وقد التزم الأشاعرة والماتريدية لأجل هذا القول لوازم سيئة، وأتوا بما لم يعقل، وتناقضوا كثيرًا، وآل قولهم إلى موافقة المعتزلة في خلق القرآن. ولهم في حقيقة الكلام ثلاثة أقوال هي: الأول: أن متعلق الكلام: المعنى فقط دون اللفظ، فهو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (١). الثاني: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، فهو حقيقة فيهما (٢). الثالث: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى في كلام الآدميين، فكلاهما حقيقة فيه، ولكنه في كلام الباري حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (٣). أما المعتزلة فقد تكلموا في القرآن خاصة، وهو نوع من أنواع كلام الله تعالى، وصرحوا بأنه مخلوق، فقال القاضي عبد الجبار: «وأما مذهبنا فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث» (٤). ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: تعريف الحكم الشرعي بأنّه (خطاب الله) عند القائل بأن كلام الله يسمع؛ لأنّ ما يسمع يصح أن يُسمى خطابًا. ونسب إلى الأشعري (٥)، بأن المعنى القائم بالنفس يسمع، وقاله بعض

стр. 79

الأشعرية (١)، إلا أنهم نفوا أن يقال: (خطاب الله)؛ لأن الخطاب يستلزم مخاطِبًا ومخاطَبًا، وهذا يستلزم وجود مخاطَب قديم مع الله؛ لذا قالوا: (كلام الله)، أو مدلول أو مقتضى خطاب الله؛ لما سبق أن الكلام النفسي لا يخاطب به (٢). الثانية: لا يمنع أن تكون العلل والأسباب مؤثرة -بإذن الله-؛ لأنّ أحاد كلامه حادث، ولا يمنع تعليل الحادث بالحادث. فكلامه صفة فعلية إرادية قائمة بذاته العلية، يتكلَّم متى شاء، وأفعاله سبحانه معلَّلة. أما القائل بإثبات الكلام النفسي، فإن العلل الشرعية ليست مؤثرة، بل هي أمارات لا غير؛ لأنّها حادثة، والحكم قديم، ويستحيل عقلًا أن يؤثر الحادث في القديم، لكن لا يمنع أن يكون الحادث معرِّفًا للقديم (٣). والقول بأنها موجبة يلزم منه تعليل القديم؛ لأن معناه أن الحكم وجب بتلك العلة، أو يلزم منه القول بأن كلام الله محدث. الثالثة: منع تفاضل كلام الله تعالى بعضه على بعض (٤)، بناء على مأخذين يتعلقان بصفة الكلام: «أحدهما: أن صفات الرَّب لا يكون بعضها أفضل من بعض، وقد يعبِّرون عن ذلك بأن القديم لا يتفاضل، والثاني: أنه واحد، والواحد لا يتصور فيه تفاضل ولا تماثل، وهذا على قول من يقول إنه واحد بالعين» (٥).

стр. 80

وذكر الزركشي أصل الخلاف في الكلام هل هو حقيقة في اللفظ أو في المعنى القائم بالنفس أو مشترك؟ وبيَّن عوده إلى أن الكلام صفة ذاتية أو فعلية، ثم قال: «ولعله أيضًا منشأ الخلاف في تفضيل بعض القرآن على بعض» (١). وعليه فإن قيل إن كلام الله صفة ذاتية فيكون الكلام واحدًا، فلا يعقل فيه تبعض، فضلًا عن أن يعقل فيه فاضل ومفضول، وإذا كان الكلام كذلك، فالقرآن كذلك؛ لأنه كلام الله (٢). وإن قيل إن الكلام صفة فعلية، فمعنى ذلك جواز تبعضه، وإذا جاز تبعضه، جاز كون بعضه أفضل من بعض، وإذا جاز فيه ذلك، جاز في القرآن؛ لأنه كلام الله. وهذه المسألة من المسائل التي ذكرها بعض الأصوليين (٣) وليست هي من صميم أصول الفقه، ولهذا لم يعقد لها كثير من الأصوليين بحثًا مستقلًا، وإنما أشار إليها بعضهم عند حديثهم عن مسائل أخرى، خاصة في باب النسخ. الرابعة: ترجمة القرآن ليست قرآنًا؛ لأن القرآن هو هذا النظم المعجز، وبالترجمة يزول الإعجاز فلم يجز (٤)، إذ القرآن هو اللفظ والمعنى (٥) «فإذا غُيِّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنًا ولا مثله، وإنما يكون تفسيرًا له» (٦).

стр. 81

وعليه من قال: إن القرآن يطلق على اللفظ، أو اللفظ والمعنى، فإن اللفظ حينئذ يكون مقصودًا لكونه معجزًا، أو لكونه من حقيقة الكلام، فعلى هذا لا تجوز الترجمة؛ لأنها نقل للفظ، وتغيير له. ومن قال: إن القرآن يطلق على المعنى فقط - وهو الصفة القائمة بالله تعالى- فإنه بأي لفظ تأدى به ذلك المعنى صح ذلك، فالعربية إنما أصبحت قرآنًا لكونها ألفاظًا أدت معنى الكلام النفسي، فكذلك كل لغة أدت المراد تكون قرآنًا (١). الخامسة: تعريف النسخ بأنه بيان وليس رفعًا لكون خطاب الله قديمًا (٢)، والقديم لا يصح رفعه (٣). ونوقش: بأن القائلين بالرفع لا يرون أن الحكم وهو الخطاب نفسه هو المرفوع، وإنما المرفوع هو مقتضى الخطاب، أو تعلق الخطاب بالمكلف لا الخطاب نفسه، والحكم يزول تعلقه بالخطاب لطريان العجز والجنون، ويعود بعود القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير (٤).

стр. 82

السادسة: عدم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل؛ لأن كلام الله قديم، والقديم لا يتجزأ ولا يتبعَّض. وبيانه: أن حقيقة النسخ قبل التمكن أمر ونهي في وقت واحد، وإذا كان الكلام لا يتجزأ فكيف يكون أمرًا ونهيًا لشيء واحد معًا (١). ونوقش: بأن كلام الله واحد قديم، وهو متعدد باعتبار الإضافات، ولذا يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، وقد اشترطنا التراخي في النسخ، ولم يجز سمعهما في وقت واحد، فأما جبريل فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين لكونه غير داخل تحت التكليف (٢). السابعة: من قال: إن كلام الله حقيقة في اللفظ والمعنى، ذهب إلى أن للأمر صيغة تدلّ عليه بمجردها. ومن قال: إنّ كلام الله حقيقة في المعنى، قال: بأنّه ليس للأمر صيغة تدل عليه بمجردها، وأن المراد لا يتبين إلا بالقرائن الدالة على المقصود منه. وما قيل: في الأمر يقال في صيغة النهي والعموم (٣). قال الجويني في البرهان: «اختلف الأصوليون في صيغة العموم، اختلافهم في صيغة الأمر والنّهي» (٤).

стр. 83

الثامنة: مقتضى صيغة الأمر المطلق عن القرائن الوجوب أو الندب، عند من قال: إن الأمر حقيقة في اللفظ والمعنى (١). ومن ذهب إلى أنّه حقيقة في المعنى فقط، قال: بالتوقف حتى يرد ما يدل على المراد. ومثله: اقتضاء النهي المجرد عن القرائن التحريم (٢). التاسعة: الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، لكن يستلزمه عند من يقول بأن الكلام صفة ذاتية فعلية، يتكلم متى شاء بصوت وحرف، يسمع قديم النوع، متجدد الأحاد. وأمّا القائل بأن كلام نفسي، لا يتعدد، ولا يتجدد، وليس بحرف ولا صوت، وغير مسموع، وهو من صفاته الذاتية، فعنده الأمر بالشيء، هو عين النهي عن ضده. ومن اعتقد أنّ كلامه سبحانه ليس من صفاته، بل هو من مخلوقاته، مسموع بصوت، فقد ذهب إلى أنّ الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لا من حيث الصفة أو المعنى (٣). ومثله النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا؟ (٤). العاشرة: حمل المطلق على المقيد على الخلاف في أن كلام الله تعالى المنزل على رسوله ﷺ متحد أو غير متحد؟

стр. 84

وبيانه كما يقول الزركشي في سلاسل الذهب (١): «والخلاف يلتفت على أن كلام الله المنزل على رسوله ﷺ أي: اللفظي عندنا ليس بمتحد، وهو عندهم متحد، وأنّ القرآن كالكلمة المتحدة، فالمذكور بقيدٍ في موضع، مقيد بذلك القيد فيما لا ذكر لذلك القيد منه» (٢).

стр. 85

المبحث الرابع صفة الإرادة ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الإرادة نوعان: إحداهما الإرادة الدينية الشرعية، والأخرى الإرادة الكونية القدرية. أما الإرادة الكونية القدرية فهي بمعنى المشيئة التي تستلزم وقوع المراد، فهي إرادة الخلق، أي أن يريد ما يفعله هو ، ولذلك كان المراد متحتم الوقوع، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهي متضمنة لما وقع دون ما لم يقع (١). وأما الإرادة الشرعية الدينية، فهي متعلقة بالأمر، بمعنى: أن يريد الله من العبد فعل ما أمره به، وعليه فإن المأمور به يكون مرادًا لله إرادة شرعية دينية، وبه يتبين أن الإرادة الشرعية متضمنة لمحبة الله لما أمر به ورضاه، وهي لا تستلزم وقوع المراد، فقد يقع وقد لا يقع (٢)، كوقوع الكفر والمعاصي من العباد، والله لا يريدها شرعًا (٣).

стр. 86

ومن الأدلة الدالة على الإرادة الخلقية الكونية القدرية (١)، كقول الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤]، فإرادة الله أن يغويهم هي إرادة كونية قدرية يتحتم وقوع المراد بها، ولذا لم ينفعهم نصح نوح ﵇. والأدلة في هذا النوع كثيرة جدًا. ومن الأدلة الدالة على الإرادة الدينية الشرعية (٢) قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فلو كانت هذه الإرادة كونية قدرية لما حصل العسر لأحد من الناس. وذهبت المعتزلة إلى: إنه يشترط للأمر إرادة الآمر من المأمور امتثال المأمور به، وربما قال بعضهم إن الأمر هو إرادة المأمور به. وقالت الأشاعرة: إن الأمر لا يستلزم إرادة المأمور به، وبنوا على هذا أن الطاعة موافقة الأمر لا الإرادة. ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: نفت الأشاعرة الحسن والقبح العقليين، وجعلوا الحسن يتبع الأمر، كما أن القبح يتبع النهي. فالكفر والمعاصي ليست قبيحة في نفسها -بل هي محبوبة لله مرضية له؛ لكونها مما أراده الله كونًا وقدرًا، وإرادته ومحبته ورضاه بمعنى واحد-، وعليه؛ فقبح الكفر والمعاصي؛ لأجل نهيه تعالى عنه.

стр. 87

وأثبت أهل السنة والجماعة الحسن والقبح العقلي، ولم يجعلوا الإرادة الكونية مستلزمة للمحبة والرضا، فليست كلها مرضية، ومحبوبة له، فقد يخلق القبح لحكمةٍ، والعقل يدرك قبحها، لكن العقل لا يوجب أو يحرم شيئا من ذلك، بل ذلك للشرع (١). الثانية: ذهب أكثر الأشعرية إلى أن التكاليف مدارها على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل، ومن ثمّ جوَّزوا أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره. ومنعت المعتزلة التكليف بالمحال، والمعجوز عنه بكل صوره؛ لأنّ المحال لا يمكن امتثاله؛ وإذا لم يمكن امتثاله فلا توجد إرادته؛ إذ لا بدّ في الآمر من إرادة الأمر من المأمور امتثال ما أمر به، فلو وردت صيغة الأمر من غير إرادة الامتثال لم تكن أمرًا، وعليه فلا يمكن التكليف بما لا يطاق (٢). الثالثة: التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته يدخل في الخلاف السابق؛ لأنّ القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، إمّا أن يقول بتلازم الأمر والإرادة -وهم المعتزلة-، وهؤلاء منعوا التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته؛ لأنّه إذا كانت فائدة التكليف الامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا؛ لعدم القدرة عليه، امتنع التكليف لامتناع فائدته؛ لأن التكليف بلا فائدة عبث، وهو محال. ومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف، إمّا الامتثال، وإمّا الابتلاء -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف

стр. 88

منه في الوقت، وإن لم يحصل الامتثال؛ إلا أنّ للتكليف به فائدة أخرى، هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل (١). الرابعة: متعلق الإرادة من الخصال في الواجب المخير عند المعتزلة، هو متعلق الأمر؛ لأنّهم جعلوا الإرادة ملازمة للأمر، فكل ما أمر الله تعالى به شرعًا، فقد أراد وقوعه كونًا وقدرًا، سواء وقع أو لم يقع، وعليه فإن كانت الخصال جميعًا مأمورًا بها، بحيث يجوز الجمع بينها شرعًا، فجميعها مرادة لله تعالى، وإن كان الأمر لم يتعلق بها جميعًا، بل بإحدها بأن يكون الجمع بينها غير جائز شرعًا، فمتعلق الإرادة إحدى الخصال فقط. أمّا الأشعرية فلم يجعلوا للأمر علاقة بالإرادة، بل جعلوا الإرادة ملازمة للوقوع، فكلُّ ما وقع كونًا وقدرًا، فقد أراده الله تعالى، سواء وافق أمره الشرعي أو خالفه؛ وبناء عليه، فإذا فعل المكلف إحدى الخصال فهي المرادة، وإذا فعلها جميعًا فكذلك. وأمّا أهل السنة، فإنّهم قسموا الإرادة إلى: شرعية وكونية، وفرقوا بينهما، ومن ثمَّ فالخصال المأمور بها مرادة لله، إرادة شرعية، وأمّا المراد قدرًا من تلك الخصال فهو ما وقع، وفعله المكلف (٢). الخامسة: ذهبت المعتزلة إلى أنَّ المكروه غير مراد لله مطلقًا؛ لأنّ المكروه مضاد للأمر، فهو مضاد للإرادة مطلقًا، أي: إرادة المشيئة، وإرادة المحبة. وذهب الأشعرية إلى أنّه مراد لله؛ لتلازم الإرادة والوقوع عندهم، وإخبار

стр. 89

المولى أنه لا يحب المكروه، فمعناه: أنّه لا يريد وقوعه ممن لم يقع منه، أمّا من وقع منه فلا يوصف بعد وقوعه بالكراهة (١). وأما أهل السنة فقالوا: المكروه مخالف لمقتضى الأمر، فهو مكروه لله كراهية دينية شرعية؛ لأنّها هي الملازمة للأمر، لكن إذا فعله المكلف فقد تعلقت به الإرادة الكونية القدرية، وإذا لم يفعله فلم تتعلق به، لملازمة الإرادة الكونية للوقوع (٢). السادسة: ذهبت المعتزلة إلى أن المباح غير مراد، كما أنّه غير مكروه؛ لأنّه ليس مأمورًا به، والإرادة تابعة للأمر وملازمة له. وذهبت الأشعرية إلى أن المباح إذا فعله المكلف فهو مراد لله؛ لأنّ الإرادة عندهم ملازمة للوقوع، وإذا لم يقع المباح فهو غير مراد لله. وأهل السنة والجماعة، الذين جعلوا الوقوع تابعًا للمشيئة، والرضا تابعًا للأمر، قالوا: المباح غير مراد، ولا مكروه شرعًا؛ لعدم الأمر به أو النهي عنه، وأمّا قدرًا وكونًا؛ فإنّه تابع لوقوعه (٣). السابعة: مما سبق يعلم مسألة اشتراط الإرادة في الأمر، فمن ذهب إلى أن بين الأمر والإرادة الكونية ملازمة، أو هما شيء واحد، ذهب إلى اشتراط الإرادة في الأمر.

стр. 90

ومن اعتقد عدم الملازمة بين الأمر والإرادة، وأن الكونية منفصلة عن الشرعية، ذهب إلى عدم اشتراط الإرادة في الأمر (١). والتحقيق في العلاقة بين الإرادتين هي: أن (الأقسام أربعة: (أحدها): ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان. (والثاني): ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولولم تقع. و (الثالث): ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه من الحوداث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها، لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. و (الرابع): ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا مالم يكن من أنوع المباحات والمعاصي) (٢). الثامنة: تعليل الأحكام بنيت على القول باشتراط الإرادة لصحة الأمر، وذلك أن من قال إنه يأمر بما لا يريد فعنده أن ما لا يريده لا مصلحة فيه، ولذا يلزم على قوله أن الأحكام لا يشترط أن تكون معللة.

стр. 91

ومن قال إنه يأمر بما يريد فعنده أن ما يريده فيه مصلحة، ولذا يلزم أن تكون أحكامه معللة بالمصلحة (١). يقول شيخ الإسلام: «فجمهور أهل السنة يقولون: إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يرضاه، وإن كان داخلًا في مراده، كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة، وهو وإن كان شرًا بالنسبة إلى الفاعل، فليس كل ما كان شرًا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة، بل لله في المخلوقات حِكَم قد يعلمها بعض الناس، وقد لا يعلمها» (٢).

стр. 92

المبحث الخامس الحكمة في أفعال الله وشرعه وهذه المسألة من المسائل الكبيرة حتى قال عنها ابن القيم: «هل أفعال الرب تعالى معللة بالحكم والغايات؟ وهذه من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر بالشرع والقدر» (١). والمراد بالحكمة: الغايات المحمودة المقصودة بفعل الله وشرعه (٢). والحكمة تتضمن شيئين (٣): أحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به، لأن الله لا يوصف إلا بما قام به، وهي ليست مطلق الإرادة، وإلا لكان كل مريد حكيمًا، ولا قائل به. وثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات. والحكمة لا يحيط بها علمًا إلا الله تعالى، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مما يخفى عليهم.

стр. 93

والحكمة في أفعال الله تعالى نوعان (١): (١) حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] فبين الله أن الحكمة من خلقه الجن والإنس ليعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، وهذه العبادة أمر محبوب لله تعالى ومطلوب له. (٢) حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كالحكمة التي يراد بها الامتحان، وبعض هذه الحِكم هي وسيلة إلى مطلوب لنفسه، فامتحان الله لهؤلاء يترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء، وذلك يوجب آثارًا مطلوبة للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزته، وقهره، وسلطانه، وعطائه من يستحق عطاءه، ويحسن وضعه عنده، ومنعه من يستحق المنع، ولا يليق به غيره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:: ٥٣]. وأما الحكمة الحاصلة من الشرائع أربعة أنواع (٢): النوع الأول: حكمة حاصلة من الأمر بفعل مشتمل على مصلحة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالعدل، والإحسان، والصدق، أو حاصلة من النهي عن فعل مشتمل على مفسدة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالظلم والكذب. النوع الثاني: حكمة حاصلة من الأمر بفعل، أو النهي عن فعل، بحسب اشتماله على المصلحة والمفسدة التي لا تعرف إلا بخطاب الشرع، فيكون الفعل قد اكتسب صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع، كالتجرد في الإحرام، والتطهر

стр. 94

بالتراب، والسعي بن الصفا والمروة، ورمي الجمار، ونحو ذلك. ومثل قبح الزيادة على أربع في النكاح. النوع الثالث: حكمة يكون منشؤها من الأمر لا من المأمور به، فيكون المراد من الأمر الابتلاء والامتحان ولا يكون المراد فعل المأمور به، كأمر الله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه إسماعيل ﵇. النوع الرابع: حكمة منشؤها الفعل المأمور به والأمر معًا ومثاله: «الصوم والصلاة والحج وإقامة الحدود، وأكثر الأحكام الشرعية، فإن مصلحتها ناشئة من الفعل والأمر معًا، فالفعل يتضمن مصلحة، والأمر به يتضمن مصلحة أخرى، فالمصحلة فيها من وجهين» (١). والأدلة الدالة على الحكمة كثيرة جدًا ذكرها المصنفون في أصول الفقه عند بحثهم عن مسالك العلة (٢). وقد حاول ابن القيم حصرها بأنواعها -بعد أن ذكر أن آحاد الأدلة كثيرة يصعب سردها كلها - وقد أوصلها إلى اثنين وعشرين نوعًا (٣). كالتصريح بلفظ الحكمة (٤)، أو ذكر ما هو من صرائح التعليل (٥)، وهو من

стр. 95

أجل أو لأجل، أو الإتيان بكي الصريحة في التعليل (١)، أو ذكر المفعول له (٢) - المفعول لأجله - وهو علة للفعل المعلل به، أو التعليل ب (لعلّ) (٣)، إلى غير ذلك. والأنواع كثيرة، والأصل أن يأتي التعليل بالحروف، وقد تدل عليه الأسماء والأفعال، وقد يجعل بعض الأصوليين ما هو من صرائح التعليل في ظاهره، وذلك لاحتمال غيره، والحق أن السياق له أثر في الدلالة على العلية إن لم تكن الأداة نصًا في العلية، فينظر فيما يحتمل التعليل وعدمه بحسب السياق (٤). خالف في إثبات أصل الحكمة المقصودة: الجهمية والأشعرية ومن وافقهم (٥). أما المعتزلة فيثبتون الحكمة لله تعالى في أقواله وأفعاله، لكن إثباتهم يختلف عن إثبات جمهور أهل العلم المثبتين للحكمة. فالمعتزلة يثبتون حكمة تعود إلى المخلوق فقط، ولا يثبتون حكمة تعود إلى الله (٦)، وكذلك فإن مقتضى مذهبهم: الإحاطة بوجوه الحكمة في كل أفعال الله، فتراهم ينفون أمورًا كثيرة بدعوى أن إثباتها ينافي حكمة الله، كنفيهم مزيد توفيق من الله لبعض الناس، وكنفيهم خلق أعمال العباد، بدعوى أنه لا يليق في حكمة الله تمييز بعض الناس عن بعض في الهداية، وزعموا كذلك أنه يلزم من القول بخلق

стр. 96

أفعال العباد، أن يكونوا مجبورين عليها، فكيف يعذبون بما ليس فعلا لهم، فهذا -في زعمهم- لا يليق بالحكمة (١). ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: جوّز أكثر الأشعرية أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره؛ لأن مدار التكليف على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل. وذهبت المعتزلة إلى أن فائدة التكليف والحكمة منه، امتثال الأمر وتحصيل المأمور به، ومن ثم منعوا التكليف بالمحال والمعجوز عنه بكل صوره. وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن فائدة التكليف، إما امتثال الفعل، وإما ابتلاء عزم المكلف على الفعل، ومن ثم منعوا التكليف بالمحال لذاته، والمحال العادي، وجوَّزوا التكليف بما علم الله، أن المكلف لا يتمكن منه في الوقت؛ لأنه وإن لم يحصل الفعل، فالابتلاء به ممكن، والفائدة الأخيرة منعتها المعتزلة لما سبق، وبه يظهر مأخذ الطوائف في مسألة تكليف ما لا يطاق (٢). الثانية: مسألة حكم قبول جميع التكاليف للنسخ، والصواب عدم تصور قبول النسخ للأحكام التي هي حسنة بذاتها كالتوحيد والعدل والإحسان، أو التي هي قبيحة بذاتها، كنسخ تحريم الكفر أو الظلم، وذلك لأنّه ليس من الحكمة النهي عن التوحيد، أو الأمر بالكفر والظلم، تعالى الله عن ذلك، وليس ذلك بواجب على الله،

стр. 97

بل ذلك هو مقتضى حكمته، خلافًا لنفاة التعليل الذين بالغوا حتى قالوا إنّه يجوز أن يأمر بالشرك، وينهى عن عبادته وحده (١). قال ابن تيمية ﵀: عمن أجاز ذلك، ونفى كون أفعاله تعلل: «فهذا القول ولوزامه هو أيضًا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف، مع مخالفته للمعقول الصريح، فإنّ الله تنزه عن الفحشاء، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، كما نزّه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]» (٢). الثالثة: جواز نسخ الحكم قبل التمكن منه، وذلك لأن «منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء - وهو الحق - أو هي الامتثال فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمته الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ» (٣). قال ابن تيمية ﵀: « … وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة، فقد يأمر بما ليس بحسن في نفسه، وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا» (٤). الرابعة: قد يمنع القائل بالتعليل نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ظنًا منه أن بقاء

стр. 98

الآية مع نسخ حكمها يوهم المكلَّف بقاء الحكم، ويعرضه لاعتقاد الجهل، وهذا قبيح ينزه الله عنه، أو أن بقاء التلاوة دون الحكم عبث ينزَّه الحكيم عنه (١). والصواب: أنه لا مانع من ذلك، ودليله الوقوع، فآية الاعتداد بحول - مثلًا - نسخت ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أُخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، ومن المصحف، والتعبد بها. وعليه فلا مانع من ذلك (٢). قال الزركشي: «وهنا سؤال، وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟. والجواب من جهتين: أحدهما: أن القرآن كما يُتلى لُيعرف الحكم منه، والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة. وثانيهما: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة، ورفعَ المشقة» (٣). الخامسة: تعليل الأحكام، ولك أن تقول هي هي مسألة تعليل أفعال الله، وهي مسألة الأصل؛ لأن القول بتعليل فعله يلزم منه القول بتعليل أمره وحكمه، إذ حكمه وأمره من فعله (٤). ونبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى تناقض من يمنع تعليل أفعال الله، فقال: «والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل، وأما في الأصول: فمنهم من

стр. 99

يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه» (١). السادسة: الخلاف في تعريف العلة بكونها أمارة أو باعثة ومؤثرة في الحكم، فمن قال بأن الأحكام الشرعية لا تعلل بالأغراض قالوا بأن العلة مجرد علامة وأمارة على الحكم (٢)، غير مؤثرة فيه؛ إذ لا حكمة باعثة للمكلف على العمل تُدرك من خلال هذه العلة، ولذا نفوا كونها باعثة للحكم؛ لأن تعريفها بالباعث وهو المشتمل على حكمة مقصودة للشارع، وهذا يقتضي أن الفعل كان من أجل غاية معينة - وهو تلك الحكمة المقصودة - ومن فعل فعلًا لغرض فإنه مستكمل بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، والله تعالى منزه عن ذلك؛ لأنه غني بذاته الغنى المطلق (٣). لذا أنكر الأشعرية تأثير الأسباب الشرعية والعلل في الأحكام، وجعلوها من قبيل الأمارات والعلامات لا غير، خشية أن تعلل أفعال الله بالأغراض (٤). أمّا القائل بتعليل أفعال الله فأثبتت تأثير الأسباب والعلل في الأحكام، وأهل السنة جعلوا العلل باعثة على الأحكام، ومناسبة لها من غير أن يقولوا: إنّها موجبة (٥).

стр. 100

السابعة: الكسر الذي هو بمعنى وجود الحكمة بلا حكم، يشترط له وجود الحكمة المعلَّل بها، ولذا لا بد لصحته من القول بجواز التعليل بالحكمة، وإلا فلا معنى لإيراد النقض عليها (١).

стр. 101

المبحث السادس بقاء الأعراض عُرِّف العرض عند الأشاعرة بأنه: موجود قائم بمتحيز، وعند المعتزلة: ما لو وجد لقام بالمتحيز، وعند الحكماء: ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع أي في محل مقوم (١). وقد اختلف في بقاء الأعراض على قولين (٢): الأول: أن العرض لا يبقى زمانين، وهو قول الأشعري، وأتباعه، واختاره النظام، والكعبي. والثاني: أن العرض يبقى، وبه قال جمهور المعتزلة، واختاره الرازي، ونسبه ابن تيمية لجمهور العقلاء. ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: كون النسخ هل هو رفع أو بيان؟ مبني على بقاء الأعراض (٣)؛ لأن «من قال ببقاء الأعراض، قال: الضد الباقي يبقى لولا طريان الطارئ، ثم إن الطارئ يكون مزيلًا لذلك الباقي، ومن قال بأنها لا تبقى قال الضد الأول ينتهي

стр. 102

بذاته، ويحصل ضده بعد ذلك من غير أن يكون للضد الطارئ أثر في إزالة ما قبله؛ لأن الزائل بذاته لا يحتاج إلى مزيل، وإذا ظهر هذا التمثيل عادت الدلائل المذكورة في تلك المسألة إلى هذه المسألة نفيًا وإثباتًا»، قاله الرازي (١)، ثم قال بعد ذكره لأدلة المسألة: «والقول بكون النسخ رفعًا عين القول بإعدام الضد بالضد» (٢). فالناسخ والمنسوخ ضدان وعرضان جاء أحدهما بعد الآخر، فمن قال إن العرض لا يبقى زمانين قال بأن الحكم الأول ينتهي بنفسه من غير أن يؤثر في زواله إثبات الحكم الثاني، فيكون المنسوخ إنما زال بنفسه، ويكون النسخ بيانا لزوال الأول وانتهائه. ومن قال إن العرض يبقى زمانين قال الحكم الأول إنما زال لأجل إثبات الحكم الثاني، فكان ثبوت الحكم الثاني مؤثرًا في زوال الحكم الأول، وعلى هذا يكون النسخ رفعا؛ لأن الثاني رفع الأول وأثر في زواله (٣). وقد أنكر القرافي هذا البناء؛ فقال: «لا نسلم أن الأعراض مساوية للمسألة؛ لأن كلام الله تعالى قديم واجب الوجود، لا يوصف بما توصف به الأعراض من عدم بقائها زمانين، وهذا المثال بعيد جدًا عن المسألة» (٤). فالقرافي أنكر هذا البناء من جهة أن الحكم هو خطاب الله القديم الواجب الوجود، فيستحيل عليه أن يكون عرضًا، بل هو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، ودوام الحكم بدوام تعلقه وانقطاعه بانقطاعه، وتعلق الصفات نسب

стр. 103

وإضافات لا توصف، فإنها موجودة في الخارج ولا أعراض، فلا يستقيم (١). المسألة الثانية: كون الاستصحاب حجة مبني على هذا الأصل ؛ «لأن الباقي إن لم يحتج إلى مؤثر كان الاستصحاب حجة، وإن احتاج لم يكن حجة؛ لجواز التغير لعدم المؤثر»، قاله الطوفي (٢)، والمراد - والله أعلم - أن الباقي المستصحب حجة، لعدم بقاء المؤثر الرافع، أما إن احتاج إلى المؤثر الرافع فليس حجة؛ لأن الحجة حينئذ ليس استصحاب حكم سابق، بل بالمؤثر الرافع.

стр. 104

الفصل الثالث المسائل المتعلقة بالقدر

стр. 105

مسألة اختلاف الناس في قدرة العبد (١) ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الاستطاعة على نوعين، نوع بمعنى التمكن والوسع، ونوع بمعنى الموجبة للفعل، وتشمل الإرادة الجازمة والتوفيق لإيقاع الفعل، فيقع بها (٢)، النوع الأول (٣): استطاعة شرعية، بمعنى أنها التي بالكلمات الأمريات الشرعيات، فهي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإذا انتفت، انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد، فهي إذًا شرط في التكليف، وحاصلها أنها استطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن من الفعل وسلامة الآلات والأسباب، وهي تكون قبل الفعل، ومقارنة له أيضًا، ومصححة له، وتصلح للضدين أي الترك والفعل، أو الخير والشر، وهذا النوع هو أكثر ما يتكلم عنه الفقهاء، بل هو الغالب في عرف الناس.

стр. 106

والأدلة من الكتاب والسنة المبينة لهذه الاستطاعة كثيرة؛ فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل: عمران: ٩٧] فالآية نص في أن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة عليه، فالاستطاعة إذًا شرط، وهي هنا الزاد والراحلة، فلو كانت الاستطاعة في الآية بمعنى الاستطاعة الموجبة للفعل- وشرطها أن تكون مقارنة للفعل- لكان معنى الآية، لا يجب الحج إلا على من حج، ليس فقط بالعزم عليه والتمكن من فعله، وإنما بعد الفراغ منه، وهذا يؤول إلى اسقاط الواجبات كلها. ومن السنة قول الرسول ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم) (١) فهذه الاستطاعة بمعنى الوسع والتمكن من الفعل، فلو أريد بها الموجبة للفعل لكان المعنى: فأتوا منه ما فعلتم، فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه. ومنه قول الرسول ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٢) فلو أريد بالاستطاعة النوع الثاني منها، لكان المعنى صلِّ بالتخيير قائمًا أو قاعدًا أو على جنب. النوع الثاني (٣): استطاعة كونية، التي هي للكلمات الخلقيات الكونيات، فهي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فهي موجبة ومحققة له، وتكون دائمًا مقارنة للفعل فلا تكون إلا معه، فحقيقتها إذًا مجموع ما يجب بها الفعل، وتدخل فيها الإرادة وغيرها، فهي توجد في حق من فعل.

стр. 107

ومن الأدلة الدالة على هذه الاستطاعة: قول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٧ - ٤٨]. ففي هذه الآية نفى الله استطاعة معينة، لا بد من تفسيرها بأنها استطاعة موجبة للفعل، وليست الاستطاعة المشروطة للفعل، إذ الثانية شرط في التكليف، فإذا انتفت فلا تكليف، فلما نفى الله هنا الاستطاعة، ورتب عليها الجزاء، علمنا أنها استطاعة موجبة للفعل، خاصة، وأن سمع الآذان كان حاصلًا لهم، فكان المنفي شيئًا آخر، وفي قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ دلالة على العقاب بسبب الجحود، فعاقبهم الله بخذلانهم فلا يهتدون إلى طريق الحق، وهذا معنى عدم استطاعتهم، فدل على أن هذه الاستطاعة قدر زائد على مجرد الوسع والتمكن من الفعل. وزعمت القدرية أن قدرة العبد تكون قبل الفعل، وتصلح للضدين، وهي شرط لصحة الفعل، فالفعل مشروط، ويستحيل أن يتقدم المشروط على شرطه، فلو كانت مع الفعل لا قبله للزم عدم تكليف الكافر بالإيمان، بل للزم عدم تكليف أي إنسان. والجبرية زعموا أن قدرة العبد تكون مقارنة للفعل لا قبله، لأنها لو فرضت قبل الفعل وهي عرض لكان الفعل واقعًا بلا قدرة، لأن العرض لا يبقى زمانين. فيلحظ أن ما أورده كل فريق على الآخر يدل على بطلان نفيه لما نفاه من القدرة التي لا يثبتها، فدل ذلك على أنه لو قيل بالقدرتين لما أمكن الاعتراض أصلًا.

стр. 108

ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: من قال من الأصوليين بتوجيه التكليف قبل الفعل -كما هو مذهب أكثر الطوائف من أهل السنة والمعتزلة وكثير من الأشعرية- فينظر إلى قوله في وقت القدرة: فإن كان ممن يقول بتقدمها على الفعل -سواء قال بالقدرة المقارنة للفعل كأهل السنة أو نفاها كالمعتزلة- فإنّه يمنع تكليف ما لا يطاق؛ لأنّ التكليف والقدرة كانا قبل الفعل فتصادفا. وإن كان ممن يقول: إنَّ القدرة مع الفعل، ولا تتقدم عليه، -كما هو مذهب الأشعرية- فالقول بتكليف ما لا يطاق لازم له؛ لأنّ التكليف تقدم على القدرة، فكان تكليفًا لغير القادر. ومن قال: إنّ التكليف لا يتوجه إلا مع الفعل-كما هو مذهب بعض الأشعرية- فينظر إلى قوله في وقت القدرة: فإن كان ممن يقول: إنها مع الفعل، فلا يلزمه القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنّ التكليف والقدرة تصادفا (١). الثانية: خلاف المعلوم هل هو ممكن أو مستحيل؟ يبني على الخلاف في وقت القدرة، فمن يجعل القدرة نوعًا واحدًا مقارنًا للفعل -وهم الأشعرية- فإنّه يجعل خلاف المعلوم مستحيلا، وهو كذلك بهذا الاعتبار؛ فإنّ كل من لم يفعل الفعل لم تحصل له القدرة التي يوجد بها الفعل، فالقاعد ليس قادرًا على القيام بالنظر إلى القدرة المقارنة للقيام؛ لأنّه ما لم يحصل القيام لم تحصل تلك القدرة (٢). أمّا من نظر إلى خلاف المعلوم باعتبار القدرة المتقدمة على الفعل، فإنّه يجعل خلاف المعلوم ممكنًا، وهو كذلك بهذا الاعتبار؛ إذ التكليف يتعلق بالقدرة

стр. 109

المتقدمة الممكنة، والكلام في القدرة المقارنة الميسِّرة كلام في القضاء والقدر لا في الأمر والنهي (١). الثالثة: جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل، عند من يقول بجواز طلب المأمور به قبل خلق القدرة عليه؛ لأن القدرة لا تكون إلا مقارنة للفعل، والفعل لم يقع قبل التمكن منه. ومن لم يجوِّز ذلك منع من النسخ قبل التمكن. الرابعة: جواز تخصيص العلة، إن قيل إن الاستطاعة قبل الفعل ؛ لأن قوة الفعل علة للفعل، وعندهم القوة موجودة ولا فعل لمانع منع المستطيع من الفعل، وإذا جاز وجود علة الفعل ولا فعل لمانع جاز أن توجد العلة الشرعية ولا حكم لها لمانع. وإن قيل إنها مقارنة، ويستحيل تقدمها على الفعل، فلا يجوز التخصيص؛ لأنه لا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم (٢). ونوقش: بأنا وإن سلَّمنا أن القول بأن الاستطاعة قبل الفعل يلزم منه جواز التخصيص، لكنا لا نُسلِّم بأنها إن كانت مقارنة لا يجوز التخصيص؛ لأن العلل الشرعية ليست موجبة بذواتها، بحيث لا يتصور انفكاك معلولاتها عنها، كما هو الحال في مسألة الاستطاعة، وإنما هي أمارات، فيجوز انفكاك معلولاتها عنها (٣).

стр. 110

الفصل الرابع المسائل المتعلقة بالنبوات
следующие страницы →