Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
يستجمر: بمعنى يتدخن، والألوة: العود، ويقال: ألوة وألوة (بفتح الألف وضمها).
وما جعل الكافور معه؛ فأنه يزيده طيبًا ويعدل من حر ببرده.
-١٥٠١ -
الحديث السادس عشر:
[عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: (من صبر على لأوائها- يعني المدينة- كنت له شفيعا - أو شهيدًا- يوم القيامة).
وأخرجه من حديث يحنس (إنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي يا لكاع، فإني س-معت رسول الله ﷺ يقول: لا يصبر على لأوائها وشدتها بعد، إلا كنت له شهيدًا- أو: شفيعا- يوم القيامة (يعني المدينة)].
*اللأواء: الشدة.
وقد سبق شرح هذا الحديث، والمراد به أنه من أقام صابرًا فله هذا الأجر، فأما من أقام ولم يصبر فليس هذا له، وذلك أن المدينة لو أنها ذات
стр. 1087
ثمار وكسب وتجارة وأنهار لكان المجاور بها يتهم فيقال: هذا لطيب المكان؛ فلما كانت ليس فيها ذلك خلصت نية المقيم فيها لأجل جوار رسول الله ﷺ خاصة.
*وقوله: (يا لكاع): يقال للرجل: يا لكع، ولكع الرجل إذا لؤم، واشتقاقه من اللكع وهو الوسخ.
-١٥٠٢ -
الحديث السابع عشر:
[عن ابن عمر: (أن رجلًا مر ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه)].
*هذا الحديث يعلم البائل حسن الأدب؛ فإنه ليس موطن كلام؛ وكذلك كل شيء يكون في معنى البول.
-١٥٠٣ -
الحديث الثامن عشر:
[عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)].
стр. 1088
*قد سبق هذا الحديث في مسند أبي أيوب.
-١٥٠٤ -
الحديث التاسع عشر:
(١٢٢/ب) [عن ابن عمر، قال: (كان من دعاء النبي ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)].
*في هذا الحديث من الفقه أن الداعي إذا دعى الله واستعاذه من زوال نعمته؛ فإنما في ضمن دعائه أن يستعيذ بالله من أن يغير ما بنفسه لأن
стр. 1089
القرآن نزل: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾؛ فيستعيذ من أن يغير ما بنفسه لئلا يزيل الله ما أنعم به عليه.
*وقوله: (وتحول عافيتك): أي أنك قد عودتني منك العافية، فلا تحولني إلى البلاء، ويكون في ضمن هذا أن من العافية التي يعافي الله بها عبده أن يسامحه ويساهله ولا يناقشه؛ وقد عود الله عبده ذلك فإذا أمر وقت عبده في عافية منه؛ فإنما ذلك عن مساهلة الله وسماحته لا عن براءة العبد وسلامته، فإذا استعاذ العبد من أن يحول عنه ما عوده إياه من هذه العافية؛ فقد احتظى بحظار من فضله عن سخطه.
*وقوله: (وفجاءة نقمتك): أن النقمة إذا جاءت فجأة بغتة لم يكن هناك زمان يستدرك فيه، ولا وقت لإعتاب.
*وأما قوله: (وجميع سخطك): ففي ذلك أنه لما كان في تعديد مساخط الله سبحانه نوع ترويع تستجدي له قلوب المؤمنين لإعتاب أجمل ﷺ ذلك، وعدل عن تفصيله إلى قوله عليه السلا: (وجميع سخطك).
*ثم من حسن الترتيب، وبديع التصريف أن بدأ في الاستعاذة من تحول العافية؛ لأنه من لطف الله تعالى به إدامة العافية عليه، وقد حرس خصاله من الالتفات ثم اتبع ذلك بالتعوذ من فجاءة النقمة، وهي أن يفجأ بالنقمة من قبل منذرات تنذر ومؤذنات تؤذن وتشعر، فتسبق الاستغفار وتعجل عن الاعتاب؛ ثم اتبع ذلك بالتعميم من الاستعاذة من جميع سخطه أعاذنا الله سبحانه من ذلك وإياكم.
-١٥٠٥ -
الحديث العشرون:
[عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: (يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن من
стр. 1090
الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. قال امرأة منهن جزلة: ما لنا أكثر أهل النار؟ قال: (تكثرن اللعن، وكفرن العشير، ما رأيت من (١٢٣/أ) ناقصات عقل ودين أغلب لذي اللب منكن، قالت: ما نقصان العقل والدين، قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي)].
*قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عباس.
*وأما الجزلة: فإنه يقال رجل جزل وامرأة جزلة إذا كانت لهما قوة في الخطاب والرأي.
-١٥٠٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ابن عمر، أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة؛ وعمامة يشد بها رأسه، فبينما هو يومًا على الحمار، إذ مر به أعرابي؛ فقال: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا، والعمامة، وقال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبر صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولى).
وأن أباه كان صديقًا لعمر ﵁].
стр. 1091
*في هذا الحديث من الفقه استحسان سؤال الرجل عن الرجل إذا لقيه في الطريق، فإنه لا يعدم من سؤاله فائدة من أن يعرف نسبه هل يتصل به أو يبعد عنه؛ أو يكون في نسبه من بينه وبينه دم ينحدر منه.
*وفيه أيضًا إحسان الرجل إلى من بينه وبين أبيه معرفة ومودة، وإن بعد ذلك فإن ابن عمر أكرم هذا الأعرابي لأن أباه كان صديقًا لعمر.
*وقوله: (بعد أن يولي) كناية عن الموت.
*وفيه: إن وضع العمائم إنما كان لشد الرؤوس؛ ولأنها نفاية من الحرب والحر والبرد؛ لأنها إذا شدت بها الرؤوس كان منها شيء تحت الحنك، كان الفارس إذا ركض غير مشدودة بما ينتشر منها أو يخاف من سقوطها فتكون حافظة محفوظة.
*وفيه أيضًا أنه من جنس تدبير الرجل أن يكون له ما يستريح به إلى ركوبه عن ركوب راحلته فيجمع في ذلك بين أن يريح بدنه من نفض الراحلة وبين ترويح راحلته في وقت ركوب حماره أو بغله.
-١٥٠٧ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن طاوس، قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس (١٢٣/ب) والعجز)].
стр. 1092
*في هذا الحديث إثبات القدر، وأنه ليس للإنسان من الحيلة أن يدفع ما قدر عليه حتى العجز والكيس؛ فمن قدر له أن يكون كيسًا كان، ومن قدر له أن يكون عاجزًا كان؛ فهذا ينبغي أن يعمل به الرجل المسلم في أنه لا يلوم عاجزًا على عجزه ولا يحسد ذا كيس على كيسه إلا أنه في نفسه أن كان ممن قد بلي بالعجز فلا يستطرح إلى أنه قد قدر ذلك فيه فيترك الحيلة؛ بل ينبغي له أن يحرص على الانتقال إلى الكيس؛ لأن النفوس قد تحتج بهذا ومثله، ويأبى بذكر الإيمان بالقدر من عجزها، ويبين ذلك عليها بأنها لا تكون مستطرحة في الكسب والتطلع إلى الشهوات وغيرها محيلة بها على القدر، وإن كان قد قدر له الكيس فيحمد الله .
-١٥٠٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، قال رسول الله ﷺ : (اللهم اشهد)].
*قد سبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود.
*وفيه أيضًا أن الله لما فلق القمر فلقاه فلقًا ظاهرًا بحيث حصل الجبل بين فلقتيه؛ لئلا يظن ظان أن ذلك كان على سبيل توهم أو
стр. 1093
تحيل؛ لأن الحيل قد تكون سمكة الفراسخ الكثير فإذا حصل في كل جانب منه فلقة من القمر ثبت عند كل ناظر له بعينه وسامع لذلك عنه من الثقة عنده مما لا يتمارى فيه ولا يشك من أجل بعد ما بين الفلقتين.
-١٥٠٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن وبرة بن عبد الرحمن، قال: (كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم. فقال: ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا؟).
وفي رواية: (سأل رجل ابن عمر: أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ فقال: وما يمنعك؟ فقال: إني رأيت ابن فلان يكرهه، وأنت أحب إلينا منه. رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا- أو قال: وأيكم لم تفتنه الدنيا؟ ثم قال: رأينا رسول الله ﷺ : أحرم بالحج، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة؛ فسنة الله ورسوله (١٢٤/أ) أحق أن تتبع، من سنة فلان، إن كنت صادقًا)].
стр. 1094
* في هذا الحديث جواز القدوم قبل الإفاضة.
*وأما قول القائل: (فتنته الدنيا) فغير مستقيم؛ لأن ابن عباس كان من أعلم الناس وأفضلهم؛ والقائل عنه هو المفتون.
*وقول ابن عمر: (وأينا لم تفتنه الدنيا) ليس هنا وفاقًا للذاكر عن ابن عباس ما ذكر؛ ولكنه آنس منه أن القائل أراد بذلك تزكية ابن عمر على ابن عباس، فقال: (وأينا لم تفتنه الدنيا)، وعلى نفس الفتنة ينصرف إلى الامتحان فقد يخلص الانسان منها ما لم تزراه، وقد يهلك بها كثيرًا إلا أن ابن عباس وابن عمر كان بحمد الله مما لم يفتتن بحال.
-١٥١٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل).
وفي حديث وكيع، أن رسول الله ﷺ قال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل).
وفي رواية البخاري من حديث عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ : (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاة المغرب. قال: والأعراب تقول: هي العشا)].
стр. 1095
*في هذا الحديث ما يدل على أنها لا تسمى العشاء العتمة.
قال ابن قتيبة: عتمة الليل هو ظلامه، وإنما سميت عتمة باسم عتمة الليل وهي ظلامه، نقول: إنما يقع هذا الاسم على حلاب الإبل لا على الصلاة.
-١٥١١ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن مصعب بن سعد، قال: دخل ابن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، وكنت على البصرة].
*في هذا الحديث من الفقه أن عبد الله بن عمر لما عاد عبد الله بن عامر كان راضيًا عنه إن شاء الله؛ فلذلك عاده في مرضه.
*وفيه أيضًا من الفقه أنه لما سأله أن يدعو له حذره من أشياء يدخل مثلها كثيرًا على الأمراء، فمنها، أنه ذم عنده الغلول، فلم يقل له إنك قد غللت؛ فالذي قاله على سبيل الموعظة؛ لا على سبيل الشهادة عليه، وعلى (١٢٤/ب) هذا فإن الاستحباب لكل عامل يكون على عمل من الأعمال للمسلمين أن يكون ذا عيش مقتصد لئلا يتسع من ماله فتسبق الظنون إلى أنه
стр. 1096
قد اتسع من مال المسلمين.
-١٥١٢ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه؛ فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين)].
*هذا الحديث قد تقدم الكلام عليه، والمراد بالقرين الشيطان.
-١٥١٣ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: (بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ قال رجل في القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرًة وأصيلًا. فقال رسول الله ﷺ : (من القائل كلمة كذا وكذا؟) قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله قال: (عجبت لها فتحت لها أبواب السماء). قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك)].
قد سبق هذا الحديث. وأشير إليه هاهنا فأقول: إن قوله: (الله أكبر كبيرًا)
стр. 1097
قد تقدم قولنا فيه، وإنما مما ذكر سيبويه: أن تعني قول الله أكبر أي الله كبير، فإذا قلت: الله أكبر كبيرًا، فإنما تنصب كبيرًا مصدرًا وقوله الحمد لله كثيرًا، فإن كثيرًا هاهنا صفة لمصدر، كما أن كبيرًا يجوز أن يكون صفة أو صفة لمصدر أيضًا، فيكون معناه مسمى كبيرًا.
* (ويكون الحمد لله حمدًا كثيرًا) يريد به أن الحمد لله حمدًا كثيرًا من حيث استحقاقه فلا يزل استحقاقه لذلك يتصل النطق به، ويكثر فبهذا يكون الحمد أبدًا كثيرًا، وكثيرًا فعيل، وقد تأتي بمعنى فاعل فيكون كثيرًا بمعنى كاثر.
*وقوله: (سبحان الله بكرة وأصيلًا) أي ليلًا ونهارًا، وذلك لأن سواد الليل يسبح لله بلسان حاله، وبياض النهار يسبح لله أيضًا بحاله عند مشاهدة اختلافهما، إذ كل منهما يدع عند إخفاء الآخر موصمين بوصمات الحدث، مشوهين بتشويهات التبدل والاختلاف، ويجدد كل واحد منهما عند فناء الآخر في محله كله فهما بتبيان بنقصهما فضل خالقهما، وبالعزة فيهما كان مبدعهما والبكرة والأصيل: فهما أطيب أوقات الليل والنهار، وإذا اشرأبت النفوس إلى ذين الوقتين دعتها العقول إلى ما في مطاويهما من العور (١٢٥/أ) والعيوب والنقص، فكان التسبيح لله بكرًة وأصيلًا من أحسن ما تنهض إليه عقول المؤمنين وأفهام الصديقين.
стр. 1098
-١٥١٤ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن علي بن عبد الله البارقي، أن ابن عمر علمهم؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، كبر ثلاثًا، ثم قال: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾، اللهم؛ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا مشقة سفرنا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل). وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: (آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون)].
*قوله: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ أي ذلل لنا هذا المركوب.
*وقوله: ﴿مقرنين﴾ أي مطيقين، ﴿إنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ أي راجعون للآخرة.
*إنما بتكبيره ثلاثًا، فإنه ﵇ لما كبر ثلاثًا شرع التكبير لكل مسافر عند توجهه إليه ليصدم بقوله: (الله أكبر) ما يتهجسه في سره من هذه المشقة، وحوادث السفر، وأخطاره والبعد عن الوطن وإنهاره، فاستعان على ذلك كله بتكرير التكبير، فإنه إذا قال: (الله أكبر) عندما يتهجسه من مخاوف
стр. 1099
السفر صغر كل ذلك، وكل كثير منها عند قول المؤمن: (الله أكبر)، ولذلك إذا ذكر ما وراءه من الأهل والوطن ورأى أن سفره لله في سبيله، فقال: (الله أكبر مما نزلت وأرى، والله أكبر مما أخاف من بين يدي) فقد تدرع بدرع حصينة في ذلك، فأما تكريره التكبير ثلاثًا: فواحدة لما بين يديه، وواحدة لما وراءه، وواحدة لحاله في نفسه.
*وقوله: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ أي ذلل لنا هذا المركوب، وذلك أن أول نعم الأسفار أن ذلل الله تعالى حيوانًا ذا أبد يحمل نقل الآدميين ولا يتجاوز أبده إلى الحد الذي يقهر راكبه، فجعل الله ما سخر من الدواب بقوة تنفع راكبها ولا تبلغ إلى الحد الذي يقهره عن إذلاله.
*وقوله: ﴿مقرنين﴾ مطيقين، ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ أي راجعون في الآخرة، ومعناه إنه لما توجه إلى السفر كان من أعظم (١٢٥/ب) الأشياء خطورًا في قلبه ذكر انقلابه إلى أهله في الغالب، فأنزل الله ما أنزل في هذه الآية من ذكره.
﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ يعني أن المؤمنين إذا ذكروا منقلبهم إلى ربهم كان ذلك متلاشيًا معه ذكر ميلهم إلى أهلهم وأوطانهم في هذه الدنيا، ولذلك فلم يقل الله: فإنا إلى مواطننا في الآخرة منقلبون؛ لأن تلك المواطن مخلوقة أيضًا فأنزل الله سبحانه، وإنما إلى ربنا لمنقلبون أي حالتنا إذ لا مساواة بين الخالق والمخلوق عند المؤمن في حال.
*وأما قوله بعد هذا: (نعوذ بك من وعثاء السفر) بعدما قدم تقدم ذكره؛ فإن ذلك يدلل على إحكام القاعدة في العقيدة، وبناء الأمر على أساس الحق لا يمنع الاستعاذة من كل مكروه، ألا تراه ﷺ بعدما كرره من التكبير
стр. 1100
الذي هدم به كل خاطر يعرض من الوسواس فيما بين يدي المسافر وما وراءه. وذكر الإيمان بالمنقلب إلى الآخرة بعد شكر الله على ما أحال له من الدواب التي لم يكن مقرونًا لا يدها أتبع ذلك بأن قال: (أعوذ بك من وعثاء السفر)، وعثاء السفر: هي شدته.
(وكآبة المنظر): سوء الهيئة والانكسار من الحزن، و (المنقلب): هو الرجوع.
*وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ لم يكن ليغفل عن ربه في حال سفره، ولا في حال قدومه، ولا مقامه ولا ظعنه؛ ولا ليله ولا نهاره، وكان في كل حال من حاله له ذكر يخصه، وهكذا ينبغي لكل مسلم؛ فإن الله تعالى هو الصاحب في السفر، وهو الخليفة في الأهل، والسلامة في السفر منه سبحانه وهذا معنى ما تقدم.
-١٥١٥ -
الحديث الثلاثون:
[عن ابن عمر، (أنه أمر رجلًا؛ إذا أخذ مضجعه، قال: اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها. اللهم إني أسألك العافية).
فقال له رجل: أسمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله ﷺ )].
стр. 1101
*في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان إذا أوى إلى فراشه فينبغي له أن يجدد الإيمان قبل نومه كما أنه إذا استيقظ من نومه يجدد الإيمان عند هبوبه.
*وقوله: (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها) فيؤمن في نفسه أنه ذو (١٢٦/أ) أول وآخر، وأن الله خلقه أولًا وهو يتوفاه آخرًا.
*وقوله: (لك مماتها ومحياها) أي لك محياها ومماتها؛ غير أنه أراد استواء القرائن. وقد بينا هذا المعنى فيما سبق.
-١٥١٦ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: (من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه).
وفي رواية: (من لطم مملوكه فكفارته أن يعتقه)].
*المراد بهذا الحديث من ضرب عبدًا ظلمًا في غير موضع الضرب؛ فإن كفارة ذلك أن يحرره، فلا يجعل عليه يدًا أخرى فيما بعد من أجل ظلمه مكانه لما بسط يده إليه ظالماً له، كانت الكفارة رفع يديه عنه.
-١٥١٧ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[أخرجه أبو مسعود بكماله فيما انفرد به مسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ -
стр. 1102
أنه قال: (إن الفتنة تجيء من هاهنا. وأومأ بيده نحو المشرق لا من حيث يطلع قرن الشيطان).
وهذا المعنى قد أخرجه البخاري من طرق عن ابن عمر ثم زاد مسلم: (وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم وفتناك فتونًا﴾].
*هذا الحديث يتضمن التهديد والوعيد لمن أقدم على القتل بغير حق؛ لأن موسى ﵇ قتل نفسًا تستحق القتل لكن بغير إذن فعوتب، فالمعنى إذا كان هذا نبيًا معظمًا، وقد عوتب على هذا، فكيف بكم وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض؟!.
آخر مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنه
стр. 1103
الإفصاح عن معاني الصحاح
للوزير العالم ابن هبيرة
(المتوفى ٥٦٠هـ)
مسند أنس بن مالك
رضي الله عنه
стр. 1104
(١٢٦/ أ) مسند أنس بن مالك
﵁
أخرج له في الصحيحين ثلاثة مائة حديث
وثمانية عشر حديثا
المتفق عليها منها مائة وثمانية وستون حديثا
وانفرد البخاري بثمانين، ومسلم بسبعين
-١٥١٨ -
الحديث الأول: (من المتفق عليه):
[عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: (من سره أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه)].
في هذا الحديث من الفقه:
* أن الرحم هي أولى الخلق بالبر؛ فإذا أبرها الإنسان فقد وضع البر في موضعه، فرجا منه أن يضع فيما وراء الرحم مثل ذلك من البر، وكان جديرا بما أخبر به رسول الله ﷺ من بسط الرزق وطول العمر، ولما كان هذا البار حافظا للأمانة التي كلفها من بر الرحم ناسب هذا أن يوسع له رزقه،
стр. 1105
(١٢٦/ ب)، وأن يؤتمن على كثرة ليصرفه في وجوهه، ويضعه في مواضعه.
* وقوله: (أو ينسأ في أثره) إنما زادت صلة الرحم في العمر لأنه إذا جماعة من ذوي رحمه كان حفظ أعمارهم بسببه، فكأنه قد طال عمره بطول تلك الأعمار؛ لأنه من القوم.
-١٥١٩ -
الحديث الثاني:
[عن أنس، عن النبي ﷺ قال: (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة).
وفي رواية: أن النبي ﷺ قال -يعني بالمدينة-: (بارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم)].
* قد تقدم هذا الحديث في مواضع.
стр. 1106
-١٥٢٠ -
الحديث الثالث:
[عن أنس، أن النبي ﷺ قال: (إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم)].
* قد سبق بيان هذا الحديث.
-١٥٢١ -
الحديث الرابع:
[عن أنس، أن النبي ﷺ قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا).
زاد ابن عيينة وغيره: (ولا تقاطعوا).
وفي رواية: (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
وفي رواية: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا)].
стр. 1107
* قال أبو عبيد: المدابرة: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ويعرض عنه، وهو التقاطع، وقد سبق في مسند أبي أيوب بيان هذا الحديث.
-١٥٢٢ -
الحديث الخامس:
[عن أنس، أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه)].
* كان رسول الله ﷺ قد بعث ابن خطل مع رجل من الأنصار في وجه من الوجوه، فقتل الأنصاري، فأهدر رسول الله ﷺ دم ابن خطل.
* وقد اختلف أهل العلم هل يعصم الحرم من القتل الواجب وإقامة الحد على الجاني؟ فإن قلت: إنه يعصم كان ما جرى من قتل ابن خطل خاصا
стр. 1108
بالنبي ﷺ . وإن قلت: إنه لا يعصم فلا كلام.
* وأما دخول رسول الله ﷺ وعليه المغفر، وذلك ينافي حال الحرمين، فإن العلماء اختلفوا فمن أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، هل يجب عليه دخولها بإحرام أم لا؟
وعن الشافعي قولان، وعن أحمد روايتان.
-١٥٢٣ -
الحديث السادس: (١٢٧/ أ):
[عن أنس، قال: (قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته، فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، فشرب رسول الله ﷺ ، فقال له عمر وأبو بكر عن شماله: يا رسول الله، أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابيا عن يمينه، وقال رسول الله ﷺ : (الأيمن؛ فالأيمن).
وفي رواية: (أنه رأى رسول الله ﷺ شرب لبنا، وأتى داره، فحلبت لرسول الله ﷺ شاة، فسقيت لرسول الله ﷺ ، فتناول القدح فشرب، وعن يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي فضلته، ثم قال: (الأيمن؛ فالأيمن).
وفي حديث آخر: (أن النبي ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: (الأيمن؛ فالأيمن).
وفي رواية: (أتانا رسول الله ﷺ في دارنا هذه، فحلبنا له شاة لنا، ثم شبته من ماء بئرنا هذه، فأعطيته، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابي وقال:
стр. 1109
(الأيمنون، الأيمنون، الأيمنون).
قال أنس: فهي سنة، فهي سنة، فهي سنة)].
* في هذا الحديث دليل على جواز رواية الصبي، لقول أنس: دخل رسول الله ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر سنين.
* وقوله: (وكن أمهاتي) إنما قال: (وكن) فأتى بضمير النسوة قبل ذكرهن على معنى أنه قد كان في وهمه أن يذكرهن فلذلك أتى بقوله: (كن) ويعني بأمهاته: أمه، ومن كان في معناها كالخالة، والعمة، والجدة، على أنه قد كان يدعو سائر النساء بالأم.
* وقوله: (يحثثنني على خدمته) فهذا إخبار عن دينهن، وأنهن كن من الذين بحيث تود كل واحدة منهن خدمة رسول الله ﷺ بنفسها لو أمكنها؛ فلما كن ممنوعات بالشرع حثثن الأبناء على خدمته.
* وفيه ما يدل على أن الصبي يذكر الشيء يتفق فيه علامة أو أمارة تذكره ذلك الأمر لقوله: (فحلبنا له من شاة داجن)، والداجن: الشاة المقيمة في المنزل.
* وفيه أيضا الندب إلى شوب اللبن بالماء، والذي أراه في هذا (١٢٧/ ب) أنه نوع من التداوي؛ فإنه شرب اللبن بالماء يخفف غلظه، ويذهب به إلى أعماق البدن لأن الماء مركب للغذاء.
* وفيه أيضا الحجة على أن صاحب اليمين أحق بالسؤر، ولما اتفق الأعرابي صاحب ذلك الحق قدمه على أبي بكر في تلك المرة، وذلك من أجل أن أبا بكر
стр. 1110
في الغالب هو صاحب اليمين عند رسول الله ﷺ ، فهو يتناول سؤره دائما، فأراد ﷺ أن يعطي الأعرابي لكونه جلس في مكان أبي بكر مرة، فإن أبا بكر يسبق الناس إلى اليمين مرات كثيرة؛ فلا أرى أن الأعرابي جلس عن يمين رسول الله ﷺ في تلك إلا لكونه سبق إلى الجلوس عند رسول الله ﷺ ؛ أو لأنه قد وفد من مكان بعيد أو نحو ذلك، وإلا فيمين رسول الله ﷺ أفضل المجالس عنده، ومن عدله ﷺ أنه يخص بالأفضل من مجلسه الأفضل من أصحابه، وهذا مقام أبي بكر ﵁.
-١٥٢٤ -
الحديث السابع:
[عن أنس، أنه كان ابن عشر سنين، مقدم رسول الله ﷺ ، قال: (وكن أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله ﷺ فخدمته عشر سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش: أصبح النبي ﷺ بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي رهط منهم عند رسول الله ﷺ ، فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﷺ فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشي النبي ﷺ ومشيت، حتى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظن أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب إذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي ﷺ ورجعت معه، حتى إذا بلغ حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبي ﷺ بيني وبينه الستر، وأنزل الحجاب).
стр. 1111
وفي رواية: (أنا أعلم الناس بالحجاب، كان أبي بن كعب يسألني عنه).
وفي رواية: (وكان تزوجها بالمدينة).
وفي رواية: (لما تزوج (١٢٨/ أ) رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، قال: (فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من كان وقعد ثلاثة نفر، ثم أنهم قاموا فأخبرت النبي ﷺ ثم ذكر في رجوعه، وأرخى الستر، ونزول الآية نحو ما تقدم).
وفي رواية: عن أنس قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ أو لم على امرأة من نسائه، ما أولم على زينب بنت جحش، فإنه ذبح شاة).
وفي رواية: (ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب).
قال ثابت البناني: بم أولم؟ قال: (أطعمهم خبرا ولحما حتى تركوه).
وفي رواية: (مر بنا أنس في مسجد بني رفاعة، فسمعته يقول: كان النبي ﷺ إذ مر بجنبات أم سليم، دخل فسلم عليها، ثم قال (كان النبي ﷺ عروسا بزينب، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله ﷺ هدية؟ فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتخذت حيسة في برمة، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال: (ضعها) ثم أمرني، فقال: (ادع لي رجالا سماهم، وادع لي من لقيت)، قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعت، فإذا البيت غاص بأهله، ورأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منه،
стр. 1112
ويقول: (اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه)، حتى تصدعوا كلهم عنها، فخرج من خرج، وبقي نفر يتحدثون، ثم خرج النبي ﷺ نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت، وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) إلى قوله: (والله لا يستحيي من الحق).
وفي رواية لمسلم: (تزوج النبي ﷺ ، فدخل بأهله، قال: فصنعت له أمي أم سليم حيسا، فجعلته في تور، وقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت به إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، قال: (١٢٨/ ب) (ضعه)، ثم قال: (اذهب فادع لي فلانا وفلانا وفلانا، ومن لقيت). قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت. قال: قلت لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة.
وقال لي رسول الله ﷺ : (يا أنس، هات التور) قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ : (ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه) قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، فقال لي: (يا أنس ارفع) قال: فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون
стр. 1113
في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه، ثم رجع، فلما رأوا رسول الله ﷺ ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى رسول الله ﷺ الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ حتى قرأها على الناس: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أني يؤذن لكم) إلى آخر الآية.
قال الجعد: قال أنس: (أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات، وحجبن نساء رسول الله ﷺ ).
وفي رواية: (أنا أعلم الناس بهذه الآية، آية الحجاب، لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت، صنع طعاما، ودعا القوم فقعدوا يتحدثون، وقام النبي ﷺ فخرج، ثم رجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله : (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) إلى قوله: (من وراء حجاب)، فضرب الحجاب وقام القوم.
وفي رواية قال: (بنى رسول الله ﷺ بزينب، فأولم بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجئ قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوا، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوا، قال: (ارفعوا طعامكم)، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت،
стр. 1114
فخرج رسول الله ﷺ ، فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل البيت (١٢٩/ ب) ورحمه الله)، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ ، فإذا رهط ثلاثة يتحدثون في البيت، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أخبر أن القوم قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله على أسكفة الباب داخله، والأخرى خارجه، وألقى الستر بيني وبينه وأنزل الحجاب).
وفي رواية: (أولم رسول الله ﷺ حين بنى بزينب بنت جحش، فأشبع الناس خبزا ولحما، وخرج إلى حجرات أمهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن، ويدعو لهن، ويسلمن عليه، ويدعون له، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين، جرى بينهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي الله رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو أخبر، فرجع حتى دخل البيت؛ فأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب).
وفي رواية: (نزلت آية الحجاب في بيت زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: (إن الله أنكحني من السماء).
وفي رواية: (جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: (أمسك عليك زوجك واتق الله). قال: لو كان كاتما شيئا لكتم هذه الآية.
قال: وكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: (زوجكن أهاليكن
стр. 1115
وزوجني الله من فوق سبع سموات).
وعن أنس: (﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾: نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة).
وفي رواية لمسلم: (لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب (فاذكرها علي) فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت لزينب: أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء (١٢٩/ ب) رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، قال: فلقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبر واللحم حتى امتد النهار؛ فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه ويسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو غيري. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به)].
стр. 1116
* في هذا الحديث ما يدل على استحباب وليمة العرس.
* وفيه دليل على استحباب تخفيف الزيارة للزائر ولاسيما عقب الطعام؛ فإذا طعم الضيف انتشر.
* وفيه ما يدل أن رسول الله ﷺ كان حييا في التماس حقه؛ فخرج ولم يقل شيئا.
* وفيه ما يدل على أنه ينبغي لمن أراد أن يكثر من الدخول على الكبير القدر أن يكون ذا فطنة وتلمح، فإن خروج رسول الله ﷺ عن ضيفه، وهم في داره، كان كافيا لهم في التنبيه على الخروج، وتخلية ما بين رسول الله ﷺ وبين أهله.
* وفيه ما يدل على أن الصبي وإن كان قد كان له عادة في الدخول؛ فإنه إذا بلغ إلى حد المراهقة حجب فلم يدخل إلا بإذن كالكبير.
* وفيه أيضا دليل على أن العالم الكبير قد يسترشد في العلم الصبي والحدث فيما تخفي عنه مما قد اطلع الصبي عليه، لقول أنس: فكان أبي يسألني عنه.
*وفيه أن الوليمة في العرس تجوز أن تكون أقل من شاة، كما أنه يستحب أن تكون أكثر من ذلك؛ لقول أنس: ما رأيته أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاة.
* وفيه أيضا أنه يستحب لمن أضاف ضيفا أن يكون ما يقدمه إليهم فاضلا عن حاجاتهم إذا أمكنه ذلك لقول أنس: (أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه).
* كما أنه يستحب للمسلم أن لا يحقر شيئا يقدمه إلى أخيه إذا كان منتهى وسعه في وقته ذلك ولو تمرة.
* ويستحب أيضا للضيف أن لا يحقر شيئا يقدمه إليه أخوه لقوله :
стр. 1117
(خذ العفو) فإن منه لو كان العفو الذي هو الفضل فاضلا فلو كان كثيره بمساحة قدر لم يستكف عنها.
* وفيه من الفقه أن الطعام إذا كان لا يتسع للضيف: إما لصغر إنائه (١٣٠/ أ) عن مقاعد الضيفان في دفعه، وإما لضيق المكان بهم فإنه يستدعي منهم رهطا على حسب مقدار الإناء والموضع، فإذا أكلوا خرجوا، ودخل رهط آخرون بعدهم، فينال المتأخرون بركة سؤر المتقدمين، هكذا فوجا بعد فوج، وكل منهم لدخوله وذكر اسم الله عند أول الطعام اقتداء برسول الله ﷺ فيما فعله في حيسة أم سليم، وإن كان ما كان في الحيسة من الآيات التي خص الله رسوله بها.
والحيس: أصله الخلط، وبه سمي الحيس الذي كانوا يخلطونه ويصنعونه وكانوا يأخذون السمن والأقط والتمر فيطحنونه.
* في هذا الحديث استحباب أن لا يأكل الإنسان إلا ما يليه، وهذا إذا كان الطعام كله شيئا واحدا كالثريد ونحوه، وأما إذا كان أنواعا مختلفة جاز له أن يمد يده إلى غير ناحيته.
* وفيه دليل على أن الوحي كان لنزوله عند تجدد الأحداث حلاوة؛ فلو قد كان نزل جملة واحدة لفات منه مثل نزول آية الحجاب.
* وفيه استحباب استقلال ما يهديه الإنسان أو يقدمه للضيف وإن كثر، مع أنه لا يحقر ما يقدمه إلى الضيف فيحرمه لقول أم سليم: (إن هذا لك منا قليل).
* وفيه أن المضيف ينبغي أن يوسع صدره، وإن كثر الضيف متوكلا على الله
стр. 1118
في أن يبارك في القليل، ويعم باليسير، كما فعل رسول الله ﷺ في قوله: (وداع من لقيت) ولا يبعد أن يكون المعنى: (فإن لم تجد من عينت لك فادع من لقيت).
* وفي قوله: (كانوا زهاء ثلاثمائة) من أكبر دليل على نبوة نبينا ﷺ لأنه إذا أكل ثلاثمائة رجل من حيسة في تور، وصدورا شباعا، والحيسة مما يتناول الإنسان منه أكثر من غيره، وحتى يقول أنس: فما أدري أهي أكثر حين رفعت أم حين وضعت؟ فذلك أكبر دليل على معجزة رسول الله ﷺ ؛ لأن البركة ظهرت متظاهرة.
* وفيه أن البركة إنما كانت في الغذاء بين الطعام والشراب وبذلهما أفضل (١٣٠/ ب) الجود، والشح بهما أقبح الشح؛ ولاسيما ما قد صنع، فإنما إذا ترك فسد، فإذا سمح بهما المؤمن فقد تأسى بنبيه ﷺ وتبع سنته، وكان ما ينال المسلمون منه مقر ضامن فضل الله لبركة تغني الناس ولا تزرأه شيئا.
* وقوله: (وزوجته مولية وجهها إلى الحائط)، وهذا لأنها استحيت من الرهط حبا من الله في صون أهل الرجل وأسراره في بيته.
* وفيه أيضا ما يدل على إيمان عائشة ﵂ وحسن أدبها مع رسول الله ﷺ ، لأنه حين سلم عليها قالت له: (كيف وجدت أهلك، بارك الله لك)، وإن كان قولها: (بارك الله لك) يشتمل على نوع مداعبة إلا أن الأشبه بها أنها قصدت الدعاء لرسول الله ﷺ بالبركة في أهله. (وأسكفة الباب): هي عتبته.
* وفيه أيضا جواز أن يفخر الرجل بنعمة ربه لا من عند نفسه؛ لأن زينب كانت تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: (إن الله أنكحني من السماء).
стр. 1119
* فأما قوله: (لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا لكتم هذه الآية) يعني قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ فالذي أراه في ذلك، وكان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يشير إلى بعضه، أنه لم يكن الذي كتمه رسول الله ﷺ في أمر زينب حتى قال لزيد لما أراد أن يطلقها: (أمسك عليك زوجك واتق الله) ما يستبق إلى خواطر الجهال من أن رسول الله ﷺ ؛ وحاش له من ذلك، هوى بها، بل إنها كانت من الصلاح والزهد في الدنيا وإرادة ما عند الله صالحة؛ لأن تكون زوج رسول الله ﷺ فكان من المتعين أن يقول لزيد: إن زوجك هذه لا تصلح إلا لي لينزل عنها زيد وتكون زوج رسول الله ﷺ .
فكان رسول الله ﷺ لما وقف عن الصدوع لهذا الحق مراعيا لقلوب الآدميين من أجل ما عساه أن يقذفه الشيطان في نفوسهم من ذلك نزل القرآن بقوله: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ أي من هذا الأمر غير ذلك، فكان هذا من بركة تزويج زينب بالنبي ﷺ ، وكانت فيها سنن منها: أن العرب تأنف من نكاح الحرة إذا وطئها عبد بنكاح، فبين الله ، إنما أنزل في هذه القصة من نكاح النبي (١٣١/ أ) ﷺ لزينب إبطال ما كانت عليه العرب من ذلك فقال الله تعالى: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾.
* وفي الحديث ما يدل على أن تزويجها من فوق سبع سموات.
* وفيه ما يدل على أن زيدا لما عرف أنها من حاجة رسول الله ﷺ عظمت في صدره.
стр. 1120
* وفيه أيضا أن الاستخارة لله تعالى في أقضية مستحبة، فإن زينب تقول: ما أنا بصانعة أمرا حتى أؤامر ربي، وهو دليل على ما قلناه من أنها لم تكن تصلح إلا لرسول الله ﷺ ، فلا جرم أنها لما آمرت ربها، تولى هو ﷻ إنكاحها، ولم يفوض ذلك إلى ملك ولا غيره.
* ويستحب أن يتقدم الصلاة على الدعاء لقوله: فقامت إلى مسجدها.
* وقوله: (فدخل عليها بغير إذن) يدل على حسن ائتمار رسول الله ﷺ وفهمه عن ربه حين قال له: ﴿زوجناكها﴾.
* ومعنى تخمر عجينها يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تجعل فيه الخمير.
والثاني: تغطيه.
* وقولها: (أؤامر ربي) أي أستخيره.
-١٥٢٥ -
الحديث الثامن:
[عن أنس، قال: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده؛ فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين).
стр. 1121
روى بعض الرواة: (إذا صلى قائما فصلوا قياما). زاد البخاري.
قال الحميدي: (قوله: (إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا) هو في مرضه القديم، وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا، والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر النبي)].
* في هذا الحديث دليل على أن للإمام إذا مرض صلى جالسا وصلى من وراءه جلوسا إذا مرض مرضا يرجى برؤه، وهذا مذهب أحمد ﵁.
* والذي أراه هو الذي ذكره الحميدي من أنهم يصلون قياما لأن العذر إنما هو للإمام خاصة، والمأمومون لا عذر لهم؛ فأشبه كما لو عاق الإمام عن تمكنه من الجلوس بين السجدتين أو غيره من أوصاف الصلاة عائق، فإن ذلك لا يسقط عن المأمومين فعله.
-١٥٢٦ -
الحديث التاسع (١٣١/ ب):
[عن أنس، أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن فيها أمورا عظاما، ثم قال: (من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألون عن شيء إلا أخبرتكم، مادمت في مقامي هذا)؟ فأكثر الناس البكاء، وأكثر أن يقول: (سلوا)، فقام عبد الله بن
стр. 1122
حذافة السهمي، فقال: من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة)، ثم أكثر أن يقول: (سلوني)، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فسكت ثم قال: (عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر).
قال ابن شهاب: (فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت قط أعق منك، آمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته).
وفي رواية: (خطب فينا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا). قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾).
وفي رواية: (بلغ رسول الله ﷺ من أصحابه شيء، فخطب فقال: (عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا). قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم، ولهم خنين- ثم ذكر قيام عمر وقوله، وقول الرجل: من أبي؟ ونزول الآية).
وفي رواية: (سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم المنبر، فقال: (لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم)، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فأرى كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل- كان إذا لاحى
стр. 1123
يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة). ثم أنشا عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله ﷺ : (ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط).
قال قتادة: يذكر هذا الحديث (١٣٢/ أ) عند هذه الآية: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾)].
* في هذا الحديث بعد ما قد مضى شرحه، منه أن غضب رسول الله ﷺ إنما كان لتكثيرهم الأسئلة عما لا يصلح، فظهر رسول الله ﷺ على المنبر ظهورا قال فيه قولا يستدل به كل عاقل على أنه لم يمسك عما كانوا يسألونه عنه إلا لمصلحتهم فحسب، وقد نطق القرآن في قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾.
* وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن الله تعالى أراد أن يبرئ أم عبد الله بن حذافة من التهمة. وقولها: (قارفت)، الاقتراف هو الاكتساب، وإنما أشارت إلى الزنا.
* وفيه ما يدل على فقه عمر لأنه انتبه لما قصده رسول الله ﷺ فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا.
стр. 1124
* وقوله: (فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين)، والخنين: كالبكاء مع مشاركة في الصوت من الأنف، وهذا يدل على رقة قلوب الصحابة.
* وقوله: (كان إذا لاحى) الملاحاة المنازعة والمخاصمة.
وأحفوه في المسألة: استقصوا عليه.
-١٥٢٧ -
الحديث العاشر:
[عن أنس، قال: (لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة؛ قدموا وليس بأيديهم شيء، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة، وكنت أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، وكان أخا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقا لها، فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته- أم أسامة بن زيد-، فلما فرغ رسول الله ﷺ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: (فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه).
وفي رواية ابن خالصة، زاد مسلم قال ابن شهاب: (وكان من شأن أم أيمن إنها أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت (١٣٢/ ب) من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد ابن حارثة، ثم توفيت بعدما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر).
стр. 1125
وفي رواية: (كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى افتتح قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليهم، وأن أعلي أمروتي أن أتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه [أو] بعضه؟ وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فحطت الثوب في عنقي، وقالت: والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن. فقال النبي ﷺ : (يا أم أيمن، اتركيه، ولك كذا وكذا)، وتقول: كلا، والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول: (كذا)، حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبا من عشرة أمثاله)].
* في هذا الحديث ما يدل على كرم الأنصار؛ وحسن جزاء المهاجرين، فإن أولئك لما جعلوا لهم نصف ثمارهم، جزاهم المهاجرون بأن يكفوهم العمل في أرضهم، فكان هذا وهذا مكتوبا للفريقين في باب الجود والسماحة؛ إذ لم ينقل أنه كان ذلك عن مشارطة متقدمة ولا عقد معاوضة.
* وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ قبل منيحة أم سليم في العذاق.
* وفيه أن المنحة من النخل ليست صدقة، فإن رسول الله ﷺ لا يقبل الصدقة؛ وإنما هي على نحو الهدية.
* وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ قبله ثم أعطاه أم أيمن ليضاعف الثواب لأم سليم. والعذاق: جمع عذق، وهي النخل.
следующие страницы →