← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

روى بعض الرواة: (إذا صلى قائما فصلوا قياما). زاد البخاري. قال الحميدي: (قوله: (إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا) هو في مرضه القديم، وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا، والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر النبي)]. * في هذا الحديث دليل على أن للإمام إذا مرض صلى جالسا وصلى من وراءه جلوسا إذا مرض مرضا يرجى برؤه، وهذا مذهب أحمد ﵁. * والذي أراه هو الذي ذكره الحميدي من أنهم يصلون قياما لأن العذر إنما هو للإمام خاصة، والمأمومون لا عذر لهم؛ فأشبه كما لو عاق الإمام عن تمكنه من الجلوس بين السجدتين أو غيره من أوصاف الصلاة عائق، فإن ذلك لا يسقط عن المأمومين فعله. -١٥٢٦ - الحديث التاسع (١٣١/ ب): [عن أنس، أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن فيها أمورا عظاما، ثم قال: (من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألون عن شيء إلا أخبرتكم، مادمت في مقامي هذا)؟ فأكثر الناس البكاء، وأكثر أن يقول: (سلوا)، فقام عبد الله بن

стр. 1122

حذافة السهمي، فقال: من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة)، ثم أكثر أن يقول: (سلوني)، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فسكت ثم قال: (عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر). قال ابن شهاب: (فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت قط أعق منك، آمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته). وفي رواية: (خطب فينا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا). قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾). وفي رواية: (بلغ رسول الله ﷺ من أصحابه شيء، فخطب فقال: (عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا). قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم، ولهم خنين- ثم ذكر قيام عمر وقوله، وقول الرجل: من أبي؟ ونزول الآية). وفي رواية: (سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم المنبر، فقال: (لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم)، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فأرى كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل- كان إذا لاحى

стр. 1123

يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة). ثم أنشا عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله ﷺ : (ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط). قال قتادة: يذكر هذا الحديث (١٣٢/ أ) عند هذه الآية: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾)]. * في هذا الحديث بعد ما قد مضى شرحه، منه أن غضب رسول الله ﷺ إنما كان لتكثيرهم الأسئلة عما لا يصلح، فظهر رسول الله ﷺ على المنبر ظهورا قال فيه قولا يستدل به كل عاقل على أنه لم يمسك عما كانوا يسألونه عنه إلا لمصلحتهم فحسب، وقد نطق القرآن في قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾. * وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن الله تعالى أراد أن يبرئ أم عبد الله بن حذافة من التهمة. وقولها: (قارفت)، الاقتراف هو الاكتساب، وإنما أشارت إلى الزنا. * وفيه ما يدل على فقه عمر لأنه انتبه لما قصده رسول الله ﷺ فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا.

стр. 1124

* وقوله: (فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين)، والخنين: كالبكاء مع مشاركة في الصوت من الأنف، وهذا يدل على رقة قلوب الصحابة. * وقوله: (كان إذا لاحى) الملاحاة المنازعة والمخاصمة. وأحفوه في المسألة: استقصوا عليه. -١٥٢٧ - الحديث العاشر: [عن أنس، قال: (لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة؛ قدموا وليس بأيديهم شيء، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة، وكنت أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، وكان أخا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقا لها، فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته- أم أسامة بن زيد-، فلما فرغ رسول الله ﷺ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: (فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه). وفي رواية ابن خالصة، زاد مسلم قال ابن شهاب: (وكان من شأن أم أيمن إنها أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت (١٣٢/ ب) من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد ابن حارثة، ثم توفيت بعدما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر).

стр. 1125

وفي رواية: (كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى افتتح قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليهم، وأن أعلي أمروتي أن أتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه [أو] بعضه؟ وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فحطت الثوب في عنقي، وقالت: والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن. فقال النبي ﷺ : (يا أم أيمن، اتركيه، ولك كذا وكذا)، وتقول: كلا، والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول: (كذا)، حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبا من عشرة أمثاله)]. * في هذا الحديث ما يدل على كرم الأنصار؛ وحسن جزاء المهاجرين، فإن أولئك لما جعلوا لهم نصف ثمارهم، جزاهم المهاجرون بأن يكفوهم العمل في أرضهم، فكان هذا وهذا مكتوبا للفريقين في باب الجود والسماحة؛ إذ لم ينقل أنه كان ذلك عن مشارطة متقدمة ولا عقد معاوضة. * وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ قبل منيحة أم سليم في العذاق. * وفيه أن المنحة من النخل ليست صدقة، فإن رسول الله ﷺ لا يقبل الصدقة؛ وإنما هي على نحو الهدية. * وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ قبله ثم أعطاه أم أيمن ليضاعف الثواب لأم سليم. والعذاق: جمع عذق، وهي النخل.

стр. 1126

* وفيه أيضا أن المنيحة إذا استغني عنها أعيدت إلى أصحابها لقوله: (فلما فتحت خيبر اعاد رسول الله ﷺ على أم سليم عذاقها). * وفيه أيضا أن الرجل إذا أعطى فقيرا منيحة كانت عنده ثم أراد رد المنيحة إلى مالكها لاستغنائه عن قبول المنايح، عوض ذلك الفقير من غيرها، ورد المنيحة إلى أصحابها لأنها لم تكن تمليكا للأصول، واستساغ الفقير قبولها في حالة الفقر، كما فعل النبي ﷺ ثم لما ردها عوض أم أيمن من عنده لئلا يقطع برا قد كان بدأ به. -١٥٢٨ - الحديث (١٣٣/ أ) الحادي عشر: [عن أنس، أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: (يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم). قال أنس: (فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم غيرهم. فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: (ما حديث بلغني عنكم؟)، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ : (فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به). قالوا: بلى، يا رسول الله، قد رضينا، قال: (فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة؛ فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض)، قالوا: سنصبر).

стр. 1127

وفي رواية: قال أنس: (فلم نصبر). وفي رواية: (جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: (أفيكم أحد من غيركم؟)، فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ : (ابن أخت القوم منهم)، فقال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، فإني أردت أن أجبرهم وأتالفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟)، قالوا: بلى، قال: (لو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار). وفي رواية عن أنس، قال: (لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: (ما الذي بلغني عنكم؟)، قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، فقال: (أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله صلى الله (١٣٣/ ب) عليه وسلم إلى بيوتكم؟)، قالوا: بلى، فقال: (لو سلك الناس واديا أو شعبا، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار). وفي رواية: (لما كان يوم حنين أقبلت هوزان وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم، ومع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه، حتى بقي وحده، قال: فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئا، قال: التفت عن يمينه، فقال: (يا معشر الأنصار)، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: (أنا عبد الله ورسوله)، فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن

стр. 1128

ندعى، وتعطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال: (يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟)، فسكتوا، فقال: (يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟)، فقالوا: بلى يا رسول الله، رضينا، قال: فقال: (لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار)، قال هشام، فقلت: يا أبا حمزة أنت شاهد ذلك؟ قال: وأنى أغيب عنه؟). وفي رواية لمسلم عن أنس قال: (افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد ابن الوليد، قال: فجعلت الخيل تلوي خلف ظهورنا، فلم يلبث أن انكشف خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ (يا آل المهاجرين، يا آل المهاجرين)، ثم قال: (يا للأنصار، يا للأنصار). قال أنس: هذا حديث عميه- قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ﷺ ، وقال: وايم الله، ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة) ..].

стр. 1129

* في هذا (١٣٤/ أ) الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ حكم على الأنصار حكم الواثق بمتانة دينهم، وأن ذوي آرائهم فهموا ذلك فلم يقولوا إلا خيرا، فأما الأحداث: فإنهم قالوا ما قالوا عن غير فهم لمقصود رسول الله ﷺ حتى صرح لهم رسول الله ﷺ ما فهموا به هم وغيرهم، فأحوجوا رسول الله ﷺ إلى أن أظهر من السر في تكثير المؤلفة قلوبهم ما لم يكن يريد إظهاره. * وفيه أيضا أن الكلام كان يخص الأنصار فلم يكن يقتضي أن يسمعه غير الأنصار؛ فذلك لم يدع معهم غيرهم. * وأما قوله: (ابن أخت القوم منهم) فإنه يعني أنه منهم في النصر والترافد لا أنه يلحق بنسبهم. * وفيه أيضا أنه عرفهم قدر نعمة الله عليهم في تميزهم دون أهل الأرض برسول الله ﷺ ، وفي مثل هذا الموضع يحسن الاعتداد بالنعمة مخافة أن تفضي الغفلة عنها إلى نسيانها، لقوله ﷺ : (أما ترضون أن تذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ ، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به). * وقوله: (ستجدون بعدي أثرة) أي استيثار عليكم، وقد دل هذا على أن الصبر على الأثرة من أبواب البر العظام؛ لأنه يستأثر على المسلم بما يرى أنه حقه فصبره عنه أفضل من صبره عن شيء لا يرى أن له فيه حقا. وقول أنس: (فلم نصبر)، يعني أنه ربما يكون قد قال كلمة أو تأثر بحال فلم يستجز عند هذه الحالة أن يسكت فيكون متأنيا لما يأخذ به نفسه من الصدق فقال: فلم نصبر.

стр. 1130

* وفيه جواز أن يجبر الحديث العهد بالكفر من مصابه بقتلاه المشركين وهذا مما كان في أول الإسلام. * وقوله: (لسلكت شعب الأنصار) يدل على أنه ﷺ ضرب لهم مثلا فصدق فيه فإنه ﷺ لما انقلب الناس فذهبت كل طائفة إلى أرضها، انقلب ﷺ مع الأنصار إلى أرضهم. * وقوله ﷺ : (لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار) يعني به ﷺ إني كنت أسلك شعب الأنصار مع ضيقه وأختاره (١٣٤/ ب) على الوادي مع سعته. * وقوله: (وكانوا لا يكذبون) وهذا لأن المؤمن لا يعتمد الكذب في حال غضبه ولا رضاه. والطلقاء: هم الذين من عليهم يوم الفتح. * وفي الحديث ما يدل على شجاعة رسول الله ﷺ ، وكونه أشجع أهل الأرض؛ لأنه بقي وحده ولا نزل عن بغلته في وقت الشدة. * وفيه أن الأمير يدعو في صلاة الحرب قوما بعينهم؛ ليكون أقوى لشوكتهم، وأجمع لكلمتهم كدعاء رسول الله ﷺ الأنصار مرتين، ويستجيب للصاحب أن يركز الكلمة الدالة على قوة رجائه بانكسار عدوه لقول الأنصار لرسول الله ﷺ : (أبشر)، وقولهم: (ونحن معك)، أي لسنا نبشرك بالبشرى إلا ونحن معك فيها. * وفيه أيضا دليا على أن القباب قد كانت في زمن رسول الله ﷺ كبارا حتى

стр. 1131

أن منها واحدة اجتمع فيها الأنصار وهو مئون. * وفيه أيضا أن تمحيص العسكر وتخليصه من أوباش تختلط به أولى؛ فإن طالوت ﵇ لما أراد أن يمتحن عسكره قال: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾. أراد أننا نعبر إلى أرض مصر فمن كان معه إيمان لم يتزود من الماء، وأراد بذلك أن يمتحن إيمانهم ويبلوا يقينهم فشرب أصحابه كلهم من النهر إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدة أصحاب بدر، فقال الله : ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا﴾، إلى قوله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾، وكذلك كان يوم هوازن فإنه لم يكسر العدو إلا تلك الفئة القليلة التي ثبتت؛ وذلك أن العدو لا يحارب بعدو مثله. * وفيه أيضا جواز أن يحاصر الإمام بلدا ثم يرحل عنه ولم يفتح. -١٥٢٩ - الحديث الثاني عشر: [عن أنس، قال: (إن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل

стр. 1132

وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعده)]. * في هذا الحديث من الفقه أن تتابع الوحي عليه كان منذرا له بالتأهب لأنه لم يكن ليقبض ﷺ إلا بعد إنزال الوحي كله. * وفيه أيضا ما يدلك على أن الوحي هو هذا الذي نزل؛ وذلك أنه لما بقي من مدة (١٣٥/ أ) رسول الله ﷺ إلى وقت قبضه الزمن اليسير توبع الوحي وولى إنزاله ليكمل قبل وفاته ﷺ . -١٥٣٠ - الحديث الثالث عشر: [عن أنس، قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاعت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب). وفي حديث الليث: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر، حتى يدخل أول وقت العصر). وفي حديث حاتم: (أن النبي ﷺ كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء)]. * في هذا الحديث جواز الجمع بين الصلاتين بتأخير الأولى إلى وقت الثانية

стр. 1133

وقد سبق الكلام في الجمع بين الصلاتين. -١٥٣١ - الحديث الرابع عشر: [عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعد العوالي من المدينة: على أربعة أميال أو نحوه). وفي رواية: (يذهب الذاهب منا إلى قباء). وفي رواية: (كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر). وأخرجاه من حديث أبي أمامة قال: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي). ولمسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره جنب المسجد، قال: فلما دخلنا عليه وسجد قال: (أصليتم العصر؟ فقلنا: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني

стр. 1134

شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا). وليس للعلاء عن أنس في الصحيح غير هذا الحديث الواحد. ولمسلم وحده من حديث حفص بن عبد الله عن أنس بن مالك أنه قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر (١٣٥/ ب) جزورا لنا، ونحن نحب أن تحضرها؟ فقال: (نعم)، فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور ولم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس)]. * هذا الحديث يدل على فضل تقديم صلاة العصر. * ومعنى (حية) هو أن يكون لها حر. * وفيه ما يدل على أن آخر وقت الظهر يلاحق أول وقت العصر لقولهم: (صلينا مع عمر الظهر ثم دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر). *وفيه أن الصلاة عند غروب الشمس نقرات لا يذكر الله فيها إلا قليلا من آيات النفاق. * وفي قوله: (نريد أن ننحر جزورا، ونحب أن تحضرها) فيه دليل على أن يحسن بالكبير القدر أن يجبر قلب صاحبه بأن يقصده في منزله أو بأن يشهد

стр. 1135

نحر جزوره ويجيبه إلى دعوته، ويجوز أن يكونوا أرادوا بحضوره أن يعلمهم كيف نحر الجزور. -١٥٣٢ - الحديث الخامس عشر: [عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: (لا تنبذوا في الدباء، ولا في المزفت). وكان أبو هريرة يلحق معهما: (الحنتم والنقير)]. * وقد سبق الكلام في هذا في مواضع. -١٥٣٣ - الحديث السادس عشر: [عن أنس، (أن رأى في يد رسول الله ﷺ خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا خواتيمهم). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فص حبشي، كان يجعل فصه مما يلي كفه). وفي رواية: (سئل أنس: أتخذ النبي ﷺ خاتما؟ قال: أخر ليلة العشاء إلى شطر الليل، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأني أنظر إلى وبيض خاتمه، وقال: (إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها).

стр. 1136

وفي رواية: (أن نبي الله ﷺ كان خاتمه من فضة، وكان فصه منه). وفي رواية: (انتظرنا الحسن، وراث علينا حتى قريبا من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء، ثم قال: قال: نظرنا النبي ﷺ ذات ليلة حتى كان شطر الليل فبلغه فجاء فصلى بنا ثم خطبنا فقال: (ألا إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة). قال الحسن: (إن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير). وفي رواية: (كأني أنظر إلى وميض خاتمه ليلتئذ). وعن أنس قال: (نظرنا رسول الله ﷺ ليلة حتى كان (١٣٦/ أ) قريبا من نصف الليل ثم جاء فصلى ثم أقبل علينا بوجهه فكأنما أنظر إلى وميض خاتمه في يده). وفي رواية لمسلم: (كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى). وفي رواية عن ثابت: (إنهم سألوا أنسا عن خاتم رسول الله ﷺ ؟ فقال: أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل، ثم جاء فقال: (إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لا تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة). قال أنس: (كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر). وعن أنس، قال: (كتب النبي ﷺ كتابا أو أراد أن يكتب فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ خاتما من فضة، ونقشه: محمد رسول الله،

стр. 1137

كأني أنظر إلى بياضه في يده، قلت لقتادة: من قال: نقشه: محمد رسول الله، قال: أنس. وفي رواية: (اتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال للناس: (إني اتخذت خاتما من فضة، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه). وفي رواية عن أنس، قال: (اصطنع النبي ﷺ خاتما، فقال: (إنا اتخذنا خاتما، ونقشنا فيه نقشا، فلا ينقش عليه أحد)، قال: فإني لأرى بريقه في خنصره). وفي رواية: (أن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى رهط، أو ناس من العجم، فقيل: إنهم لا يقبلون كتابا إلا عليه خاتم، فاتخذ خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله، كأني بوبيص-أو بصيص- الخاتم في إصبع النبي ﷺ وكفه). وفي رواية: (أن أبا بكر لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر). ومن حديث ثمامة عن أنس قال: (كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، وأخرج الخاتم يعبث به، فسقط، فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، ننزح البئر فلم نجده)]. * يعني من صفاء ورقه.

стр. 1138

* فأما كونه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فإنه يقتضي أنه جعل اسم الله آخر سطر ليدل بذلك على أنه إليه المنتهى في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة، وإن كان ليس في هذا الحديث نص على الترتيب، وقد (١٣٦/ ب) تكلمنا على وقوع الخاتم في بئر أريس في موضعه. * وفيه ما يدل على أن مما أعان الله ورسوله به على الأعداء، هو الكتب والرسائل مقدمة بين يدي الحرب والقتال. -١٥٣٤ - الحديث السابع عشر: [عن أنس، (أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لما يفجأهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف في الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحا برسول الله ﷺ ، فأشار إليهم بيده: أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر). وفي رواية: (فكشف ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه صورة مصحف فتوفي من يومه).

стр. 1139

وفي حديث سفيان بن عيينة: (آخر نظرة نظرها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة يوم الاثنين) وذكره نحو. وفي رواية: (لم يخرج إلينا النبي ﷺ ثلاثا، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه، فلما وضح لنا وجه النبي ﷺ ، ما نظرنا منظرا قط كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا. قال: فأومأ نبي الله ﷺ بيده إلى أبو بكر ﵁ أن يتقدم، وأرخى نبي الله الحجاب، فلم نقدر عليه حتى مات ﷺ )]. * في هذا الحديث دليل على شدة حب أصحاب رسول الله ﷺ له. * وفيه أن المريض قد يعامل ربه بالحمل على نفسه بأن ينتصب أو يجلس أو يقوم ليراه أصحابه فيجبر بذلك قلوبهم، ويسر به نفوسهم. * وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ أحب أن ينظر كيف صلاة أبي بكر بهم مع غيبته ﷺ . * وفيه أيضا جواز أنه لما رآهم على تلك الحالة من استواء الصفوف وصلاة الجماعة سره ذلك فضحك ﷺ . * وفيه أيضا جواز تأخير الإمام عن موقفه من غير بطلان الصلاة إذا اقتضى

стр. 1140

الحال ذلك مثل هذه الحالة التي جرت لأبي بكر ﵁، فإذا أراد ذلك تأخر ناكصاُ على عقبيه (١٣٧/ أ) كما فعل أبو بكر ﵁ ولم يلتفت. * وقوله: (فهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم): - فيه ما يدل على أن الصلاة يحافظ عليها، ولا يحل قطعها لشيء ما؛ فإن المسلمين كادوا يفتتنون لرؤية رسول الله ﷺ ولم يقطعوا الصلاة. - وفيه ما يدل على اهتمام رسول الله ﷺ بالصلاة والمسلمين حتى آخر يوم من أيام حياته في الدنيا. - وفيه أيضا استحسان التشبيه للفاضل بشيء فاضل فإن قوله: كأن وجهه ورقة مصحف أحسن من أن يشبهه بشيء له مثل في الدنيا، فإن ورقة المصحف أشرف شيء في الوجود. * وفيه أيضا دليل على جواز اتخاذ الستر والحجاب على الباب. * وقوله: (أشار إلى أبي بكر ﵁ فيه ثلاثة أشياء: أحدهما: جواز الإشارة إلى المصلى. والثاني: جواز تهيؤ المصلي أن يفهم الإشارة. والثالث: أنه لما أشار إلى أبي بكر ﵁ بتقدمه في الصلاة كان ذلك مما يفهم منه إشارته إلى تقدمه في الخلافة. -١٥٣٥ - الحديث الثامن عشر: [عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب

стр. 1141

أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). وفي رواية شعبة: (فلا أدري أشيء ترك أم شيء كان يقوله). وفي رواية عن أنس عن أبي: (كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾)]. * قد سبق الحديث والكلام عليه. -١٥٣٦ - الحديث التاسع عشر: [عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: (قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن). وفي رواية: (ما بين لابتي حوضي). وفي رواية: (يرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء). وفي رواية: (أكثر من عدد نجوم السماء)]. * قد سبق الحديث والكلام عليه.

стр. 1142

-١٥٣٧ - الحديث العشرون: [عن أنس، قال: لولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت)؛ لتمنيته). وفي رواية: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني مادامت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)]. * في هذا الحديث من الفقه أنه لا يجوز أن يتمنى الموت أحد من (١٣٧/ ب) أجل ضيق نزل به لأن طلبه الموت فرار من قدر الله، ويقاس على هذا أنه من تمناه من غير ضر لم يستحب له ذلك؛ لأن المؤمن إن كان على سبيل عمل صالح فإنه كل وقت في زيادة، وإن كان على غير عمل صالح فإنه يستعجل بتمني الموت ما هو شر له، فأما تمني الموت لخوف الفتنة فقد ذكر عن جماعة من الأخيار إلا إني أخاف أن يكون نفس تمنيهم الموت فتنة، وليس إلا الرضا بما يريد الله به عبده، فإن كان الإنسان لابد متمنيا: (فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي).

стр. 1143

-١٥٣٨ - الحديث الحادي والعشرون: [عن أنس، عن النبي ﷺ قال: (إن الله وكل بالرحم ملكا، يقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة؟ فإذا أراد أن يقضي خلقا. قال الملك: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه)]. * في هذا الحديث من الفقه أنه سبق في علم الله لكل من الخلق ما سبق من سعادة أو شقاوة إلا أنه في علم الله ، فإذا استقرت النطفة في الرحم، استطلع ملك الأرحام ذلك العلم من قبل الله فيقول الله فيه: الحق الذي قد سبق علمه به، فذلك الوقت الذي يعلم به الملك، فأما قبل ذلك الوقت فلم يعلمه إلا الله وحده. * في هذا الحديث من الفقه أن ينبغي لكل مؤمن أن يعلم أن أجله قد كان في علم الله مذكورا معينا في مدة معلومة، أظهره الله تعالى بعد ذلك إلى الملك فكتبه وأثبته، فليس يمكن أهل السموات وأهل الأرض أن يزيدوا فيه لحظة ولا ينقصوا منه لحظة، فمقتضى هذا يجب أن لا يخاف على حياته ما لم يقدر لها في علم الله ولا يختلج في قلبه أن الله ينقصه شيئا من

стр. 1144

أجله الذي كتب له بحال من الحال؛ فإنه ﷻ قد تمت كلمته ومضى أمره. وهو كان قد سبق لعدوه إبليس منه نظرة وطول أمد وفسحة أجل إلى وقت معلوم، ثم إنه جاهر بالمعصية، وبادر بالمخالفة، وأضل من الخلق من أضل، وطمع في أن يفتن الأنبياء، وقد أوجب الله عليه لعنته ووجه إليه غضبه، وهو مع ذلك فلا ينقصه من عمره الذي (١٣٨/ أ) كان قد قسم له لحظة فما دونها، فكيف يظن ظان أن الله سبحانه ينقص عبده من أجل كان قد قسمه له. * وقوله: (ما رزقه): المعنى أنه كان قد سبق له في علم الله تعالى رزق معلوم بحساب محسوب، فاستعمله الملك على ما سبق شرحه، فلا يقدر أهل السموات وأهل الأرض أن ينقصوا من رزق العبد الذي سبق في علم الله حبة خردل ولا أن يضعوها فوقه، فإذا أيقن العبد بذلك أجمل في الطلب وتنكب الحرص. * فأما السعادة والشقاوة، فإن من سبقت له السعادة فإن الله سيوفقه لعمل أهل السعادة إلا أنه لا يؤمن عليه، فإن عمله لا يؤمن عليه آفات عمله إلى وقت موته أن ينقلب حاله فيختم له بعمل الأشقياء، ويكون قد كان سبق في علم الله تعالى الذي أظهره إلى الملك أن هذا يعمل أولا بعمل أهل الخير، ثم يختم له بعمل أهل الشر حتى لا يركن أحد إلى عمل فيكون هذا ممن كتب شقيا إلا أنه نادر في الأشقياء. ويكون السعيد قد يسر لعمل أهل السعادة إلا أنه قد يعمل الواحد منهم بعمل أهل الشقاء فأدركته الرحمة فلم يقنط من رحمة ربه وتاب إلى الله عند آخر نفس فتختم له بالسعادة، وهذا مما يكون سابقا في العلم أنه

стр. 1145

يجري لذلك، إلا أن هذا يكون نادرا في السعداء أيضا. * ومفهوم الحديث التحذير من الإعجاب بالعمل، كما هو أيضا تحذير من القنوط من الرحمة. -١٥٣٩ - الحديث الثاني والعشرون: [عن أنس، قال: (ذكر رسول الله ﷺ الكبائر وسئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين وقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو شهادة الزور)]. * في هذا الحديث من الفقه أن النبي ﷺ ذكر الكبائر وسئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين وقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور؟، أو شهادة الزور)]. * في هذا الحديث من الفقه أن النبي ﷺ ذكر الكبائر أو سئل عنها فعد منها: الشرك بالله، الذي أراه في هذا الحديث أن الشرك بالله من حيث أنه أعظم الأشياء عنادا لله قد لا يشرك بالله إلا من قد اضطرته الحجة إلى أن يقر بالله ثم يشرك به، فإن الجحد لله خالق المخلوقات لا يتصور من ذي لب أبدا، وإنما يشركون به سبحانه أشياء من خلقه إما تسمية لأجسام نحو الكواكب ظانين أن لها تأثيرا، والشمس والقمر، والليل والنهار؛ أو (١٣٨/ ب) معاني نحو الطبيعة والعلة، وما يسمونه كونا وفسادا، فإنهم كاذبون، فإن فاعل الأشياء ، هو الذي فعلها أولا، ثم فعل فيها ما ظهر للخلق عنها كالغيث عن السحاب، والنبات عن المطر، ثم لم يترك شيئا منها إلا موصوما بوصمة الحدث، يقر جملته وإبعاضه بأنه مخلوق فلا

стр. 1146

يمكنه ما دام موجودا أن يجحد ذلك، فكان من أشرك بالله لصريح جهله الذي ليس له به علم قد أتى فعلة شنعاء كبيرة في مقام البعد عن الله سبحانه، وتحزى به عند أهل الإيمان به، فلهذا كانت هذه الغفلة القبيحة أكبر الكبائر وأصلها. * ثم تعبها في ذلك قتل النفس، من حيث أنه إذا أجرى الحيوان الناطق إلى قتل مثله من الحيوان الناطق، من علمه أنه يحس منه كما يحس، ويألم منه كما يألم، فاستشاط عليه استشاطة خرج فيها عن جميع الحيوان في جنسه، فكان ما أودعه الله فيه من العقل لم يزده إلا شرا، فاض فغلب ما جبل عليه الحيوان الذي لا تمييز له حتى أزهق نفسا مثل نفسه عامدا قاصدا، وأفات أخاه حياته، وأفسد بنيته التي جعلها الرب بما فيها من الإتقان وعجيب الصنعة دليلا على وجوده سبحانه، فلما هدمها هذا الهادم، كان في معنى من قصد إلى طريق يسلك فيها إلى ملك، وفي تلك الطريق أعلام يستدل بها على سلوك تلك الطريق إلى ذلك الملك، فهدم تلك الأعلام أو علما منها فصار خائنا بتضليل. فضاد الملك عند التوجه إلى قصده بما جمع فيه بينه الخزي المتقدم، وبين أن قطع مادة نسل ذلك القتيل الذي يجوز أن يكون نسله أمة تعبد الله في أرضه، وتجاهد من حاده في أمره، مع علم كل عالم أن ذلك المقتول يجوز أن يودع الله لنسله من البركة والكثرة ما تكون ذريته هي ساكنة الأرض كلها مع تنقيص البركة من نسل غيره؛ فيكون من ذريته من يسكن الأرض ويعمر الدنيا إلى يوم القيامة، فإذا قتله القاتل كان بمنزلة من قتل الناس جميعا كما قال الله ؛ من حيث أنه قتل من يجوز أن يكون أبا لناس كلهم، فإن الناس

стр. 1147

كلهم بأسرهم (١٣٩/ أ) ذرية رجل واحد، وهو آدم ﷺ ، والعرب كلهم ولد إسماعيل. فليس قتل الإنسان للرجل الواحد قتلا لواحد؛ ولكن قتلا يجوز أن يتناول بالتقدير أهل الأرض كلهم؛ فيتضاعف الحوب والجرم بمقدار ذلك، كما أنه لو قد أحياها كان التقدير يتناول له أن يكون بهذه الطريق من أن ذلك الشخص يجوز أن يكون أبا لولد يتوالدون ويتناسلون حتى يكونوا ساكني الأرض كلها فيكون الله كاتبا له كأنه أحيا الناس جميعا كما قال الله ، وهذا فإنما ينصرف إلى من قتل نفسا لم يأذن مالكها في قتلها، فأما إذا أذن المالك في القتل يكون عبادة، إلا أن القتل في هذا الحديث لا ينصرف إلا إلى القتل المحرم لأنه ذكره بعد الشرك بالله. * وتلاه ثم أتبعه بعقوق الوالدين، فأما عقوق الوالدين فقد تقدم تفسيره في مواضع وأشير إليه هاهنا، فأقول: إن العقوق أصل اشتقاقه من العق، وهو القطع، فلما جرى هذا الولد أوصل الخلق له بالبر الذي لم يعفا فيه عند غاية من جهدهما في حالة ضعف لهذا الولد وعجز منه، فلما قطع أوصل الخلق له فيما كان أحوج الناس إليه في وقته مع تكرر وصية الموجد سبحانه بحفظ عهدهما منه؛ كان ذلك عظيما في جنسه فظيعا في مقامه فكانت هذه الغفلة ثالثة الكبائر. * فأما الرابعة: وهي قول الزور أو شهادة الزور أنها أكبر الكبائر، فإنها من حيث أن الحيوان الذي خلقه الله صامتا عن النطق، فإنه ﷻ قد آمن عباده من أن يقول ذلك الحيوان عليهم ما لم يكن، وفضل الآدمي بأن جعله ناطقا ليكون نطقه بالحق ليبين عما في ضميره، ويفصح عما

стр. 1148

في قلبه، ليكون واصفا من أمر الله ووجوب حقه وعجائب خلقه، وكلما يطلع الله قلبه عليه، فإذا شهد بالزور قال ما لم يكن، عرض إحسان الله إلى خلقه في إنطاقه الآدمي إلى أن يكون في غير موقع الاعترف به لأن شاهد الزور (١٣٩/ ب) يكون من بعض شهادته الشرك بالله الذي تقدم وكذلك ما بعده حتى تنتهي إلى حقوق الناس، والقول عليهم ولهم، فهو من أكبر الكبائر كما قال ﷺ . * وإن من أعظم شهادة الزور ادعاء الولد فيه ، ولذلك الذين قالوا: ما وصف الله سبحانه عنهم في كتابه فقال : ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقر ونحن أغنياء﴾، وغير ذلك من كل ما يقشعر جلود المؤمنين إذا حكي نطقه عن قائله، فكيف بمن يقوله عن نفسه، ولذلك إذا شهد الرجل على الرجل المسلم بما لا علم له عنده منه، باهتا له فيه كاذبا عليها؛ فإنه قد جمع في ذلك بين الكذب في خبره, والخيانة في أمانته والظلم لأخيه، والإعانة على الباطل، وإطعام رجل مسلم مال رجل مسلم بغير حق، غار الحاكم الذي حكم بشهادته. فكان كل واحد من هؤلاء خصمه إلى الله تعالى، فلذلك كانت شهادة الزور رابعة هذه الخلال. -١٥٤٠ - الحديث الثالث والعشرون: [عن أنس، (أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه النبي ﷺ بمشقص -أو قال: بمشاقص- فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه). وعن أنس (أن رجلا اطلع في بيت النبي ﷺ فسدد إليه شقصا)، زاد في مسند سهل بن سعد: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)].

стр. 1149

* هذا الحديث قد سبق في مسند سهل بن سعد. * والمشقص: سهم عريض النصل، ويختله: بمعنى أنه يترقب الفرصة فيه. -١٥٤١ - الحديث الرابع والعشرون: [عن أنس، قال: قال النبي ﷺ : (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم). وفي رواية لمسلم: (أن أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: (قولوا: وعليكم)]. * قد سبق الكلام في هذا إلا أنه قد جاء في هذا الحديث: (وعليكم) بالواو في بعض طرقه، ولا أرى معناه إلا وعليكم بما ذكرتم من السوء مع ما عليكم من الأسواء.

стр. 1150

-١٥٤٢ - الحديث الخامس والعشرون: [عن أنس (١٤٠/ أ) (أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا). وعن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثا فيقول: إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ). قال أنس: (وأنا أتنفس في الشراب ثلاثا)]. * في هذا الحديث من الفقه أن السنة إذا تنفس الإنسان في الإناء ثلاثا فإنه كما قال ﷺ : (فإنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) وصدق ﷺ . * فأما كونه (أروى) فإن الشديد العطش إذا التهبت معدته فإنه لا يصرف عطشه مثل أن يجرع من الماء جرعة بعد جرعة قليلا قليلا، حتى أنه ربما كفاه لديه نصف المقدار الذي يعبه عبأ. * فأما قوله: (وأبرأ) فإنه يعني ﷺ أن الشديد العطش إذا جرع إنما قليلا قليلا في مرات متفرقة أقلهن ثلاث كما ذكرنا فإنه يأمن من نكايته، فكثيرا ما اشتد بقوم العطش، فلما وردوا واستوفوا شرب الماء عبا فماتوا مكانهم. قال الرازي: لو اشتد العطش بإنسان فورد الماء بعطشه، فشرب منه

стр. 1151

مقدار ريه دفعة، مات مكانه. * وأما قوله: (وأمرأ) فإنه يعني به ﷺ أن الماء إذا شرب عبا على طعام قد أكله الآكل طفا الطعام على رأس المعدة فلم يستمر به أكله، ولو كان قد شرب في المرات المتفرقة لكان قد حصل في بدن الغذاء فأثقله فحطه إلى قعرها الذي يهضم به فكان يكون أمرأ. -١٥٤٣ - الحديث السادس والعشرون: [عن أنس قال: (أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم، فلغبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذيها فقبله)]. * قد تقدم هذا الحديث، ومعنى (أنفجنا أرنبا) ذعرناها فعدت. ومعنى

стр. 1152

(لغبوا): تعبوا. * وفيه من الفقه أنه لا يجوز للرجل أن يحقر شيئا يحمله إلى من يعز عليه؛ لأن أبا طلحة أهدى لرسول الله ﷺ وركها وفخذيها. * وفيه استحباب أن لا يرد الرجل الكبير القدر قليل الهدية لقبول رسول الله ﷺ ذلك. -١٥٤٤ - الحديث السابع والعشرون: [عن هشام بن زيد (١٤٠/ ب) قال: (دخلت مع جدي أنس بن مالك دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس: نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم)]. * هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر ﵁. -١٥٤٥ - الحديث الثامن والعشرون: [عن هشام بن زيد (أن امرأة يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى النبي ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. فقال: (ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال: علي قالوا: ألا نقتلها؟ قال: (لا). قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ )].

стр. 1153

* فيه أن رسول الله ﷺ أكل السم فدفع الله عنه عاجل شره. * وفيه جواز أكل المسلم من طعام اليهود. * وفيه جواز أكل ذبائحهم. * وأما قول أنس: ما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ . اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة المتدلية من الحنك الأعلى فهي حمراء متعلقة، والمعمول عليه هو قول رسول الله ﷺ : (ما كان الله ليسلطك علي) وهذا كان في غزاة خيبر. * واسم هذه اليهودية زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم. وقال محمد بن سعد: التثبت عندنا أن رسول الله ﷺ قتلها، وإنما قتلها لأنها نقضت العهد بذلك، وإن كان هو قد سلمه الله ، وقد اتفق المسلمون على أنه من سب رسول الله ﷺ قتل فكيف بمن سمه؟! -١٥٤٦ - الحديث التاسع والعشرون: [عن أنس، (أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، فقال لها: (أقتلك فلان)؟ فأشارت برأسها: أن لا، ثم سألها (الشاشة)، فقالت: نعم، وأشارت برأسها، فقتله رسول الله ﷺ بحجرين).

стр. 1154

وفي حديث ابن إدريس: (فرضخ رأسه بين حجرين). وفي رواية: (أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة). وقد قال همام: (بحجرين). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ قتل يهوديا بجارية، قتلها على أوضاح لها). وفي رواية لمسلم: (أن رجلا من اليهود قتل جارية على حلي لها، ثم أكفاها في القليب، ورضخ رأسها (١٤١/ أ) بالحجارة، فأخذ، فأتي به رسول الله ﷺ فأمر أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات)]. * في هذا الحديث جواز التوصل إلى العلم بالجاني من المجني عليه إذا كان قد عجز عن النطق بأن يسمى له من يتهم به إلى أن يشير إلى قاتله، وهذا فإنما يقوي الحال فإن القتيل في بني إسرائيل لما ضرب ببعض البقرة فأحياه الله تعالى فذكر قاتله، فعرفوا القاتل، وكان نفس ذكره للقاتل هو الحجة على القاتل.

стр. 1155

وهذه المرأة قريبة من حاله لأنها عجزت عن النطق حتى لم يبق معها أداة النطق إلا الإيماء ففوت الظن بما أشارت إليه في حالتها تلك. * وفي الحديث أن اليهودي أقر، وبذلك لزمته الحجة. * وقد دل الحديث على المماثلة في القصاص. * وقوله: فقالت ثم قالت: لا، يعني أنها سئلت عن شخص بعد شخص إلى أن عين لها القاتل. * وأما ما روي من رضخ رأسه ومن رجمه فكله قتل بالحجارة. -١٥٤٧ - الحديث الثلاثون: [عن هشام بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك يحدث أن أمه حين ولدت: (انطلقوا بالصبي إلى النبي ﷺ لحنكه فإذا النبي ﷺ في مربد يسم غنما). قال شعبة: (وأكبر علمي أنه قال في آذانها). وفي رواية: (كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة، قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم: هو أسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ، قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: (أعرستم الليلة؟)، قال: نعم، قال: (اللهم بارك لهما)، فولدت غلاما، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي ﷺ ، وبعثت معه بتمرات فأخذها النبي ﷺ فمضغها، ثم أخذها من فيه: فجعلها في في الصبي، ثم حنكه، وسماه عبد الله).

стр. 1156

وفي رواية: (غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته، في يده الميسم يسم إبل الصدقة). وفي رواية: (لما ولدت أم سليم، قالت: يا أنس، انظر إلى هذا الغلام، فلا يصيبن شيئا، حتى تغدو به إلى النبي ﷺ ويحنكه، فغدوت، فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جونية، وهم يسم الظهر (١٤١/ ب) الذي قدم به يوم الفتح). وفي رواية للبخاري قال: (اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئا ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، فظن أبو طلحة أنها صادقة، قال: فبات؛ فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج: أعلمته أنه مات، فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبر النبي ﷺ بما كان منهما، فقال رسول الله ﷺ : (لعله أن يبارك لهما في ليلتهما). قال سفيان بن عيينة: (فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن). وفي رواية: (مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه، حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، قال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتيني حتى إذا تلطخت، ثم

стр. 1157

أخبرتني بابني. فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : (بارك الله لكما في ليلتكما) قال: فحملت، قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر، وهي معه وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، فانطلق رسول الله ﷺ قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يارب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله ﷺ إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى نغدو به على رسول الله ﷺ . فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ ، قال: فصادفته معه ميسم، فلما رآني قال: (لعل أم سليم ولدت؟) قلت: نعم. قال: وضع الميسم، قال: وجئت به، فوضعته في حجره، ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة، (١٤٢/ أ) فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، قال: فقال رسول الله ﷺ : (انظروا إلى حب الأنصار التمر)، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله. وفي رواية لمسلم: (ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ حين ولد، ورسول الله ﷺ حين ولد، ورسول الله ﷺ في عباءة يهنأ بعيرا له، فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم، فناولته تمرات، فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي فمجه في فيه، فجعل الصبي يتلمظه، فقال النبي ﷺ : (حب الأنصار التمر،

стр. 1158

وسماه عبد الله)]. * في هذا الحديث من الفقه حمل الصبي إلى الإمام أو العالم تبركا به ليحنكه اقتداء بالنبي ﷺ . * وفيه أيضا أن سيمه الغنم على آذانها. * وفيه أيضا ما يدل على حسن التوصل في تسكين القلوب المنزعجة، كما فعلت أم سليم من توصلها حتى أعلمت أبا طلحة بعد أن قضت هي أربها، فإن أرب أم سليم كان أن تجاهد نفسها حتى تكون مع بعلها، وفي دارها، وولدها ميت. فإن هذا من المقامات العجيبة ولو كانت قد أعلمت أبا طلحة من قبل أن يقضي أربها لما تم لها مرادها، ومما يدل على أن الإيمان هو ثمرة العقل. * والثاني أن هذه أم سليم توصلت بحسن عقلها ونياتها ومجاهدتها نفسها وإعراضها عما يستحسنه أراذل الناس، وسمو همتها إلى ما يكون هو الحسن عند الله، وعند خيار المسلمين، فآثرت الأعلى حتى قاربت بمقام جمع لها من حسن الصبر، وكريم العزاء، وتجهيل الرجال الذين لا يكونون مثلها، وحسن القول التي توصلت به إلى غرضها به من التعريض العجيب الذي سلمت به من الكذب؛ فقالت ﵂ قول رضي الله ورضي رسوله ﷺ ورضي كل مؤمن يسمع بهذا الحديث إلى يوم القيامة. * وفيه أن النبي ﷺ دعا لها بالبركة، والبركة في دعاء رسول الله ﷺ تنصرف إلى الدين، فإن الولد الذي ولد لهما كان عالما قارئا؛ لهذا قال الأنصاري: (

стр. 1159

فرأيت تسعة من الأولاد كلهم قد قرأ القرآن). * والخميصة الجونية: كساء أسود معلم، فإذا لم يكن معلما فليس بخميصة. * وقوله: لا يطرقها (١٤٢/ ب) طروقا. الطروق: إتيان المنازل ليلا. والعجوة: نوع من التمر. والتلمظ: إدارة اللسان في ذوق ما يؤكل، كالاستطابة له. * وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ شهد له بتصديق نسبه يقول: انظروا حب الأنصار التمر، لأن التمر أكثر أكل الأنصار. * وقوله: (في عباءة) دليل على جواز لبس العباء. * وفيه أن الكبير القدر لا ينبغي له أن يتكبر لأن رسول الله ﷺ كان يهنأ بعيرا له، والهناء ضرب من القطران يتداوى به الإبل من الجرب: وفغر فاه: بمعنى فتحه. -١٥٤٨ - الحديث الحادي والثلاثون: [عن أنس، قال: (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ومعها صبي لها يكلمها رسول الله ﷺ وقال: (والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلى- مرتين). وفي رواية: (ثلاث مرات)].

стр. 1160

* في هذا الحديث دليل على فضيلة الأنصار. * وقوله: (إنكم أحب الناس إلى) أي بعد المهاجرين لأن الناس إنما ينصرف إلى البعداء والمهاجرون قومه، فلو أراد قومه لقال: أحب قومي، فلما قال: الناس؛ علم أنه أراد غير قومه. -١٥٤٩ - الحديث الثاني والثلاثون: [عن أنس، أنه قال: (كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة، وأبي ابن كعب شرابا من فضيخ زهو وتمر، فأتاهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرة فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت). وفي رواية: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فأهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله : ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. وفي رواية: (سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ، فقال: ما كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، إني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب
следующие страницы →