← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

* وفيه أيضًا ما يدل على أنه لا يجوز أن يستعمل من الحرير إلا من أصبعين إلى أربع. * وفيه أنه يستحب للوالي أن يترك من المباح ما لا يتركه غيره كما ذكر من التنعم فإنه في مال هو فيه أجير وأمين، فلو تنعم من ماله وتوسع من حلاله لكان بعرضة أن يسيء الظن بنفسه فيظن أنه إنما فعل ذلك من مال المسلمين. - ٣٨ - الحديث العشرون: [عن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي صلى الله علي وسلم؛ فقال: (لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه). وفي رواية: فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه]. * في هذا الحديث من الفقه أنه ملكه الفرس بحمله إياه عليها، وإذا حمل الإنسان على فرس في سبيل الله هكذا مطلقًا، ولم يعينه لغزوة بعينها، فإنه يملكه من يحمل عليه، ولا ينبغي أن يستعمله إلا في سبيل الله. * وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا تصدق الإنسان بصدقة على فقير فاحتاج الفقير إلى

стр. 107

أن يبيعها (٤٢/ ب) فلا ينبغي للمتصدق أن يشتريها، والسر في ذلك أن وضع الصدقة للطهرة لقول الله : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فهي تطهير للمتصدق في المعنى كالماء المزال به النجاسة في الصورة، فإذا أعاد ما أزال به النجاسة إلى نفسه صار كما قال ﷺ : (كالكلب يعود في قيئه) لأن القيء نجس فإذا ألقى نجاسة عنه ولكن لشره الكلب يعود ويأكل فيء نفسه، فنهى رسول الله ﷺ المؤمن أن يحمله الشره إلى أن يستعيد ما قد كان طهره وأزال عنه نجاسات ذنوبه؛ أي يعود إلى التلوث به. - ٣٩ - الحديث الحادي والعشرون: [عن عمر ﵁: قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ وصف رحمة الله تعالى لعباده كما هي؛ إذ لا خلاف في أن الله أرحم بعباده من كل والدة بولدها. * وقوله ﷺ : أترون هذه طرحة ولدها في النار؟! يعني أن من رحمة الله لعباده إرساله الرسل، وإنزاله الكتب وتخويفه عباده بما خوفهم به؛ أنه كذلك إذا طرح في النار من يستحق ذلك في سخطه فإن رحمته على ما وصف، فينبغي

стр. 108

للعبد أن لا يستعظم في كرم الله وسعة رحمته ذنب مذنب، كما ينبغي له أن لا يأمن سطوة الله عند أيسر مخالفة. ويتفسر هذا بأنه إذا ذكر لك بعض المسرفين على أنفسهم فرأيت استحقاقهم للنار، فإن خطر لك في ذلك الوقت هذا الحديث من سعة رحمة الله تعالى التي تحظر عليك أن توجب لأحد (٤٣/ أ) من المسلمين النار فذلك في موضعه، كما أنه إذا بلغك عن بعض المجتهدين شدة عبادة فرجوت له رجاء قطعت به مع كونه لا يؤمن عليه زلة قدم في بعض مقاماته من سوء أدب أو نوع إدلال أو خاطر عجب فتهدم أعماله، فعلمت حينئذ أن الرجاء والخوف لا يزايلان أحدًا على الإطلاق حتى يزايل الدنيا. - ٤٠ - الحديث الثاني والعشرون: [من رواية طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: فأي آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فهي، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات، في يوم الجمعة]. * في هذا الحديث من الفقه التنبيه على ما أنعم الله سبحانه في هذه الآية على أمة محمد ﷺ من قوله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾.

стр. 109

* وفيه أيضًا أن قول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ دليل على أن الدين أكمله الله في زمان محمد ﷺ ، فهو غير محتاج إلى أن يتم أو يحدث فيه شيء لم يكن، أو يذكر فيه شيء لم يعرف؛ ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهذا يستدل منه أن إتمام النعمة إنما تستتب بدخول الجنة إن شاء الله لأنه لم يقل: اليوم أنعمت عليكم، فكان يكون توقع لتمام فيما بعد؛ ولكن إنما قال: (أتممت)، فدل بهذا القول على أنه قد كانت نعمة موجودة فأتمها التمام الذي لا يحتمل أن يزاد فوقه شيء آخر، وهذا لا يتم إلا بدخول الجنة، فإنها لبشرى عظيمة، وهذا اليهود وإن كان عدوًا فلقد نبه على كنز عظيم إلا أنه من حسده عليه انتبه له (٤٣/ ب). وقوله سبحانه: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ فإن الرضا بمنزلة فوق الاختيار، وهذا موسى ﵇ يقول له الله : ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾ فقال: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ وهذه الآية فسرت في أول قدم من رضى الله بما تعجل موسى لأجله. ومن شرف هذه الآية خصت بأن نزلت في يوم جمعة ونزلت بعرفات، وذلك اليوم يوم الجمعة وهو يوم عرفة. - ٤١ - الحديث الثالث والعشرون: [من رواية أبي عبيد سعد بن عبيد عن عمر وعلي مسندًا، أو عن عثمان موقوفًا: (أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يأيها الناس، إن رسول الله ﷺ نهاكم عن صيام هذين العيدين. وقال بعضهم: اليومين، الفطر والأضحى. أما أحدهما: فيوم فطركم

стр. 110

من صيامكم. وأما الآخر: فيوم تأكلون فيه من نسككم. قال أبو عبيد: ثم شهدته مع عثمان بن عفان، فصلى قبل أن يخطب، فكان ذلك يوم جمعة، فقال لأهل العوالي: من أحب أن ينتظر الجمعة فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى أهله فقد أذنا له. ثم شهدته مع علي: فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهاكم أن تأكلوا من لحوم نسككم فوق ثلاث]. * فيه من الفقه بعد الذي انتدب لذكره الفقهاء أنه إنما لا يدخر من الأضاحي فوق ثلاث لما في ذلك من التوفير على الفقراء. * وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا اتفقت الجمعة في يوم عيد كان مخيرًا بين حضور الجمعة أو صلاته ظهرًا في بيته. وهذه المسألة تفرد بها أحمد بن حنبل ﵁ عملًا بهذا الحديث. - ٤٢ - الحديث الرابع والعشرون: [من رواية عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك (٤٤/ أ) ماقبلتك). وفي رواية: (رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًا)].

стр. 111

* في هذا الحديث من الفقه إظهار عمر ﵁ أن تقبيله الحجر بموجب الشرع واتباعه السنة، لا على ما كانت الجاهلية يعظمون الأحجار ويتخذونها أوثانًا، فأراد أن ينبه بهذا أنه إنما يقبل الحجر؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يقبله، أو رأى رسول الله ﷺ به حفيًا لا لغير ذلك. - ٤٣ - الحديث الخامس والعشرون: [عن عدي بن حاتم قال: (أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيء في ألفين، ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه، فأعرض عني، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ فضحك، ثم قال: نعم والله إني لأعرفك؛ آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ ، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة عشائرهم، لما ينويهم من الحقوق؛ فقال عدي: فلا أبالي إذا))]. * في هذا الحديث من الفقه جواز أن يعرض الإمام زيادة في الرزق لسيد العشيرة إذا كان ممن ينوبه الحقوق ويفد عليه الوافدون. * وفيه أيضًا جواز أن يفرض للفقير ما لا يفرض للغني؛ وإن كان الغني أفضل منه في نفسه؛ ألا ترى عمر ﵁ كيف يقول لعدي: (إني لأعرفك؛

стр. 112

آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وأول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه، صدقة طيئ جئت بها، وإنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة عشائرهم)؟! وإن عديًا لما عرف أن هذا هو (٤٤/ ب) الموجب للانصراف عنه طابت نفسه حتى قال: (فلا أبالي إذًا). - ٤٤ - الحديث السادس والعشرون: (للبخاري مختصرًا؛ ولمسلم بطوله) [أن عمر خطب يوم جمعة، فذكر نبي الله ﷺ ، وذكر أبا بكر؛ ثم قال: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا لحضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به رسوله ﷺ ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء السنة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئًا عندي من الكلالة؛ ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلاة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: (يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف، التي في آخر سورة النساء؟)، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وأني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا، وليعلموا الناس دينهم، وسنة نبيهم ﷺ ، ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم؛ ولقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما

стр. 113

فليمتهما طبخًا. وفي رواية: فما كانت الجمعة الأخرى حتى طعن عمر، (٤٥/ أ) قال: فأذن للمهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ، وأذن للأنصار ثم أذن لأهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فكنا آخر من دخل عليه، قال: فإذا هو قد عصب جرحه ببرد أسود، والدم يسيل عليه. قال: فقلنا: أوصنا- ولم يسأله الوصية أحد غيرنا- قال: أوصيكم بكتاب الله؛ فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه. قال: وأوصيكم بالمهاجرين؛ فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنهم أصلكم ومادتكم. وفي رواية: فإنه إخوانكم وعدو عدوكم، وأوصيكم بأهل الذمة، فإنهم ذمة نبيكم ورزق عيالكم، قوموا عني. وبعض هذا المعنى في حديث مقتل عمر]. * في هذا الحديث من الفقه إخبار الرجل بما يراه من رؤيا يكرهها؛ على أن الأحاديث عن النبي ﷺ : (إذا رأى الرجل رويا يكرهها فلا يتحدثن بها وليستعذ من شرها ويقرأ القرآن)، وفي رواية: (أو يقوم إلى الصلاة فإنها

стр. 114

لا تضره)، ولكن عمر استشف من الرؤيا أنها شهادة، وقوى ذلك عنده ما حدثه به حذيفة في حديث الفتنة، وقوله: بينك وبينها باب من حديد، فقال له: أيفتح أم يكسر؟ فقال: بل يكسر. فقال: إذن لا يغلق أبدًا، فأحس بالشهادة، فلذلك أرى أنه ذكرها لتصح له الشهادة. * وفيه جواز أن يفوض الإمام إلى عدد معروف من غير تعين على واحد منهم، وفي هذا دليل على أن رسول الله ﷺ مات وهو راض عن: عمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف. * وفيه أن من طعن على ما جرى من خلافة الأربعة فإن عمر قد شهد أنهم ضلال، وأنهم جهلة غير علماء. * وفيه أيضًا اهتمامه بالعلم، وكيف يخرج من (٤٥/ ب) الدنيا ومسألة الكلالة لم يحرر فيها ما لا يختلف بعده معه. * وقوله: (ما أغلظ لي في شيء ما أغلظ في الكلالة) فيه جواز أن ينهر العالم المتعلم، وأن نكيره طلبًا لفطنته لقول عمر (حتى طعنني بإصبعه في صدري). * وفيه أن الأمراء في الإسلام ينبغي أن يكونوا عدولًا علماء؛ ألا ترى عمر ﵁ يقول: (أشهدكم على أمراء الأمصار، وأني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا، ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم)؟

стр. 115

* وفيه أيضًا كراهية أن يتعرض الإنسان لأكل الثوم والبصل، وكل ما يجري مجراها في نتن لئلا يتأذى به جلساؤه وإخوانه إلا أن يميته بالطبخ. * وفيه أيضًا استحسان ترتيب الدخول على الإمام بمقتضى منازل الناس في أقدارهم، ألا تراه كيف أذن أولا للمهاجرين ثم للأنصار ثم أذن لأهل المدينة ثم لأهل الشام ثم لأهل العراق، وإنما أذن لأهل الشام قبل أهل العراق من أجل أهم أهل ثغور ومتاخمة للأعداء، وأهل العراق في راحة من ذلك. * وفيه أيضًا الإشارة إلى وجوب عصب الجرح، وأن لا يترك إذا كان يخشى منه التلف. * ومن ذلك أنه أوصى المهاجرين مشيرًا إلى زمانهم وبقائهم، بقوله: (إن الناس يكثرون ويقلون)، يعني: والمهاجرون يقلون، لأنهم عدد معروف، ومن يلده المهاجرون من الأولاد فليسوا بمهاجرين. * وفيه دليل على حسن الثناء على الأنصار، بقوله: (فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه)؛ يشبههم بشعب بين جبلين فيه المرعى مع الامتناع من الأعداء. * وفيه أيضًا وصية بالأعراب ولقد أحسن في وصف الأعراب بأنهم (مادتكم) أي أصلكم الذي يمدكم. وفي الرواية الأخرى: (فإنهم إخوانكم وعدو عدوكم). * وكذلك أوصى بأهل الذمة فقال: (إنهم ذمة نبيكم)؛ يعني إنما أقاموا (٤٦/ أ) بينكم ثقة بوفائكم، وركونًا إلى صدق قولكم، وإنكم تمتثلون فيهم أمر نبيكم ثم عقب ذلك بما فيهم من النفع فقال: وهم رزق عيالكم؛ يعني الجزية وما تنالون فيها من ذلك. * * *

стр. 116

من أفراد البخاري - ٤٥ - الحديث الأول: [عن سالم عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط. إني لأظنه كذا كان كما يظن؛ بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو: إن هذا على دينه في الجاهلية، أو: لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، فدعى له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني، أو: إنك على دينك في الجاهلية، أو: لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، فقال: إني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت: ألم تر الجن وإبلاسها .... ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله؛ فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، ورجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي].

стр. 117

* في هذا الحديث ما يدل على فطنة عمر وذكائه في كونه لم يقل قط لشيء أظنه هكذا إلا كان كما يقول. * وفيه كراهية أن يذكر الرجل بعد إسلامه ما كان عليه في حالة كفره إلا أن يكون راجعًا إلى مصلحة. * وفيه دلالة واضحة على نبوة محمد ﷺ ، ففيما جاءت به الجنية إلى الرجل وفيما سمعه عمر بأذنيه، ما يشهد بنبوة محمد ﷺ . - ٤٦ - الحديث الثاني: [عن ابن عمر أنه (٤٦/ ب) لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: (نقركم ما أقركم الله تعالى)، وإن عبد الله بن عمر خرج على ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس له هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد، وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيت

стр. 118

قول رسول الله ﷺ لك: (كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك، ليلة بعد ليلة؟)، فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم، قال: كذبت، يا عدو الله. قال: فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك. قال البخاري: ورواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمر قال: أتى رسول الله ﷺ أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنهم، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها؛ ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة، وهي السلاح، ويخرجون منها، واشتراط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله ﷺ لعم حيي واسمه سعية: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد القريب، والمال أكثر من ذلك، وقد كان حيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله ﷺ سعية إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ههنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق (٤٧/ أ)، وأحدهما زوج صفية بنة حيي بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا وأراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دعنا نكن في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر، على أن لهم الشطر من كل زرع وشيء ما بدا لرسول الله ﷺ ، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل

стр. 119

عام فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصة، وأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: أتطعموني السحت؟، والله جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي م عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. وكان رسول الله ﷺ يعطي لكل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام، وعشرين وسقًا من شعير، فلما كان زمن عمر غشوا المسلمين، فألقوا ابن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، فقال عمر بن الخطاب: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسهما عمر بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا؛ دعنا نكن فيها كما أقرنا رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط علي قول رسول الله ﷺ : كيف بك إذا ركضت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا؟ وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية)]. * في هذا الحديث من الغريب: ذكر الفدع؛ والفدع: تغيير شكل اليدين والرجلين. * وفيه من الفقه أن لوث العداوة معمول به، لأن عمر ﵁ قال: (ليس لنا عدو (٤٧/ ب) غيرهم، وقد رأيت إجلاءهم)، يعني اليهود.

стр. 120

* وفيه دليل على نبوة محمد ﷺ ، لقول عمر ﵁ لابن أبي الحقيق: (أتظن أني نسيت قول رسول الله ﷺ لك: (كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة)؟ * وفيه هذا الحديث الحجة في إجلاء اليهود من أرض العرب. * وفيه أيضًا بيان جهل ابن أبي الحقيق إذ يقول: (هزيلة من أبي القاسم)، والنبي ﷺ لا يقول إلا حقًا في كل أحواله. * وفيه أيضًا أنه لا يجوز بعد عقد الذمة لأهل الكتاب أن تؤخذ أموالهم؛ ألا ترى أن عمر ﵁ أعطاهم قيمة ما كان من التمر؛ مالًا وعروضًا وأقتابًا وحبالا وغير ذلك؟ * وفي هذا الحديث من الفقه أن المسلمين لما فتحوا خيبر عنوة ملكوا أرضها وغراسها؛ وإلا فلو كان باقيًا على ملك يهود لكان أعطاهم ثمنه كما أعطاهم ثمن التمر. في رواية البخاري الأخرى التي شك فيها أبو سلمة عن نافع ما يفسر هذا المعنى، وأنه شرط لهم من التمر ما تحمل رواحلهم، وأنه صالحهم على الجلاء، وأنه اشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. * وفي هذا الحديث من الفقه جواز أن ينال المتهم بالعذاب ليقر به عنده إذا كان كافرًا معاهدًا، وإذا كان قد عرف له مال ولم تمض مدة تستنفق فيها مثله. * وفيه من الفقه أنه إذا كان قد عقد الذمة لجماعة على أن لا يخونه منهم أحد، فخانه من الجماعة واحد، فله أن ينقض العهد في الجميع، لأنه قال: (فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق، وسبى ذراريهم بالنكث الذي نكثوا). * وفيه من الفقه جواز تسليم الرجل أرضه إلى غيره بشطر ما يخرج.

стр. 121

* وفيه أيضًا تحريم الرشوة، لقول عبد الله بن رواحة: (تطعموني السحت؟). * وفيه أيضًا أنه يتعين على المسلم (٤٨/ أ) أن يبغض اليهود والنصارى ولا يكون لأحد منهم في قلبه مودة؛ ألا ترى قول عبد الله بن رواحة: (إنكم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير)؟ * وفيه أيضًا من الفقه أن هذا البغض إذ اشتد فلا ينبغي أن يزلزل المسلم عن إتباع الحق شعرة. وفي هذا يبين الإيمان؛ فإن الله يقول: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. * وفيه جواز أن يعد الإنسان قوته لعام، ولا يكون ذلك قادحًا في إيمانه ولا ناقصًا من تولكه؛ لقوله: (كان رسول الله ﷺ يعطي كل واحدة من أزواجه ثمانين وسقًا من تمر وعشرين وسقًا من شعير). * وفيه أيضًا دليل تام على التوسعة على العيال، فإن بهذا الحساب يكون لكل امرأة من نسائه في كل يوم تمرًا وشعيرًا تسعون رطلًا تقريبًا. - ٤٧ - الحديث الثالث: [عن ابن عمر أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم. موقوف.

стр. 122

قال البخاري: وقال مغيرة بن حكيم، عن أبيه: إن أربعة قتلوا صبيًا، فقال عمر مثله]. * في هذا الحديث من الفقه أن يقتل الجماعة بالواحد. - ٤٨ - الحديث الرابع: [عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران، أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا! قال فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق]. * في هذا الحديث من الفقه أن كل طريق لم يوقت فيها رسول الله ﷺ ميقاتًا لإحرام الحج فإنه يحاذى الميقات القريب إليه، ويهل منه فذلك ميقاته. - ٤٩ - الحديث الخامس: [من حديث ريبعة بن عبد الله أنه حضر عمر وقد قرأ (٤٨/ ب) يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى جاء (السجدة)، فنزل فسجد،

стр. 123

وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يأيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد. وفي رواية: إن الله تعالى لم يفرض علينا السجود، إلا أن نشاء]. * في هذا الحديث من الفقه أن سجود التلاوة سنة وليس فريضة. * وفيه أيضًا أنه يستحب للعالم أن يترك الأفضل في وقت ليعلم الناس أن ذلك ليس بواجب. - ٥٠ - الحديث السادس: [عن ابن عمر في إسلام عمر، قال: بينما هو- يعني عمر- في الدار خائفًا، إذا جاءه العاصي بن وائل السهمي أبو عمرو، عليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما بالك؟ قال له عمر: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قالها أمنت، فخرج العاصي فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريديون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه، فكر الناس]. * في هذا الحديث من الفقه أن الله يمنع عبده المسلم بما شاء، ويجعل صونه بيد عدوه، ويرد عنه الأذى بمكان خصمه. * وفيه أيضًا أن المؤمن إذا كان في شدة وقد اضطره الأمر أن يستدفع الشر بمشرك، فإن ذلك جائز بمثل حال عمر ﵁.

стр. 124

- ٥١ - الحديث السابع: [عن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر، هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: قلت: لا، قال: قال أبي لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله ﷺ ، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملنا كله معه، (٤٩/ أ) برد لنا، وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا؛ رأسا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله ﷺ ، وصلينا وصمنا، وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجو ذلك. قال أبي: لكني والذي نفس عمر بيده، لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس. فقلت: إن أباك والله خير من أبي]. * في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن كلما قلت ذنوبه ازداد خوفه، وكلما غزر عقله استبد قلقه، وما ذكره أبو موسى من اعتداده بحجه وجهاده فإنه إيمان بكون ذلك كله حسنات، إلا أن الذي نظر ﵁ من أنه انتهت ودادته إلى أن يبرد له عمله، أي يثبت عمله مع رسول الله ﷺ ويهدر الباقي، يدل على أنه قد خاف أن يكون ما أتى به بعد رسول الله ﷺ من بعض ما فعله بالاجتهاد أو غير ذلك مزلزلا لعمله الأول مع النبي ﷺ ، وهذا إذا كان يقوله عمر وهو المعروف الخلال في زهده في الدنيا، وعدله في المسلمين، وفتحه الفتوح، وإنصافه في القسمة بين الغانمين، وجده في أمر الله، فكيف بنا وأمثالنا إذا اتبعنا النفوس أهواءها وتمنينا على الله سبحانه، نسأل الله أن يوفقنا لما يرضاه من القول والعمل، وأن يحمينا من الغرور، إنه ولي الإجابة.

стр. 125

- ٥٢ - الحديث الثامن: [عن عمر قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: (أخر عني يا عمر). فلما أكثرت عليه، قال: (إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني (٤٩/ ب) إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها)، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا سيرا حتى نزلت الآية من براءة: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾، قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله ورسوله أعلم]. * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الإمام إذا وادع من يسر له السوء وينافقه في الدين، إلا أنه لا يظاهره؛ من أجل أن لا يحدث ما يثير الفرقة، فإن ذلك جائز. * وفيه أيضًا ما يدل على أن يذكر الإمام ببعض ما يقتضيه رأي بعض أصحابه وهو أيضًا جائز. * وفيه أيضًا ما يدل على حرص رسول الله ﷺ على أن يشمل بمغفرة الله تعالى سائر خلقه لقوله: (لو علمت أنه إن زدت على السبعين يغفر له لزدت).

стр. 126

* وفيه ما يدل على فضيلة الشدة في الدين، وعداوة المنافقين، حتى نزل القرآن بما كان قد ذكره عمر. * وفيه أيضًا أن عمر لما سكن عنه ما وجد به على المنافقين عجب من جرأته على رسول الله ﷺ . - ٥٣ - الحديث التاسع: [من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: لما قدم عيينة بن حصن بن حذيفة نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاروته، كهولا كانا أو شبانًا، فقال عيينة: يابن أخي، هل لك وجه عند الأمير؟ فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا بن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب (٥٠/ أ) الله ]. * في هذا الحديث من الفقه استحباب مجالسة الإمام للقراء وإن كانوا أحداثًا. * وفيه أيضًا جواز الإيقاع بمن يسيء أدبه على الإمام لأن عمر هم بذلك. * وفيه أيضًا جواز العفو عمن يسيء أدبه إذا خرج مخرج العفو عن قدرة؛ فإن الحر

стр. 127

استعطف عمر بأن دعاه إلى أدب الله والأخذ بمكارم الأخلاق التي فيها الإعراض عن الجاهلين. * وفيه أيضًا أن عمر كان وقافًا عند كتاب الله؛ أي أنه لا يتجاوزه إلى غيره قناعة به ورضى بحكمه. - ٥٤ - الحديث العاشر: [أن عمر قال يومًا لأصحاب رسول الله ﷺ : فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل﴾؟. قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم، قال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال: يا ابن أخ، قل، ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعلم. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله]. * فيه من الفقه أن قول الرجل: الله أعلم؛ في مثل هذا المقام لا يصلح؛ لأن الله أعلم أبدًا؛ ولأنه إذا سئل الرجل عما يعلمه فواجب عليه أن يذكره، وإن كان لا يعمله فواجب عليه أن يقول: لا أعلمه. فلو قال فيه ما يعلمه ثم أتبع ذلك بقوله: الله يعلم لكان حسنًا. * وفيه من الفقه أنه إذا كان الرجل ذا لب وفقه فإنه لا ينبغي له أن يحقر نفسه أن يقول فيما قد عجز عنه الشيوخ.

стр. 128

* وفيه أيضًا دليل على أن يفتح الرجل طريقا في المسألة فيدل بذلك الفتح على باقي المسألة؛ ألا ترى أن ابن عباس قال: في نفسي منها شيء، ثم قال: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أي عمل؟ فقال ابن عباس: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله تعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى (٥٠/ ب) أغرق أعماله؛ وإنما أعاد ابن عباس ذكر العمل ليستنهض فطنة عمر فيسبق عمر إلى فهم مقصوده، وكذلك كان؛ فإن عمر شرح المسألة فأقر ابن عباس على ذلك، وهو الذي أراد ابن عباس أن يذكره. وقول عمر: ثم بعث الله له الشيطان؛ من نحو قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾. وهذه الآية جاءت مثلا، فالبسط فيها مما أشار إليه ابن عباس وعمر ﵄، وهو أن الله قد ذكر في الآيتين اللتين قبل هذه الآية حال المنفق رياء مع عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وقال: ﴿فمثله كمثل صفوان عليه تراب﴾، وذكر أن مثل من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه: ﴿كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين﴾، فارقًا سبحانه في ذلك الفرق والبين بين الذي ينفق رياء وبين الذي ينفق ابتغاء مرضاة الله، ثم أشار سبحانه إلى أن الإنفاق في سبيل الله إنما ثمرته على شبيه ثمرة صاحب جنة فيها نخيل وأعناب، وأنه لما أصابه الكبر وكانت له ذرية ضعفاء ليس فيهم من يقوم مقامه، ولا يغني عنه أبدًا، كلهم كل عليه- على كونهم زيادة ثقل وتضاعف هم- وكانت حاجته إلى بقاء تلك الجنة في ذلك الوقت أشد ما كانت حين أصابه الكبر، وذهب الزمان الذي يمكنه أن يغرس فيه غرسا يجتنبه، فأصابها إعصار في ذلك الوقت فاحترقت، فكذلك الذي أنفق ماله رياء الناس فإنه في القيامة حين تنقطع أعماله، وتشتد حاجته إلى ما قد أسلفه وقدمه فتجدها حينئذ قد أصابها الإعصار فاحترقت.

стр. 129

- ٥٥ - الحديث الحادي عشر: [عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال وهو بوادي العقيق: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة). وفي رواية سعيد بن الربيع: وقال: (عمرة وحجة)]. * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن منام رسول الله (٥١/ أ) ﷺ حق وصدق، وما يدل على بركة وادي العقيق، وعلى اشتباك العمرة مع الحج. - ٥٦ - الحديث الثاني عشر: في مقتل عمر والشورى (من رواية المسور بن مخرمة مختصرًا في الشورى. ومن رواية عمرو بن ميمون بطوله؛ وهذا حديث عمرو، لأن حديث المسور طرف منه). [قال عمرو: رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فقال: انظر أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق! فقالا: لا. فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي أبدًا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب- ﵁.

стр. 130

قال عمرو بن ميمون: وإني لقائم، ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكامن إذا مر بين الصفين قام بينهما، فإذا رأى خللا قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وقال: وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني- أو أكلني- الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينًا أو شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، فمات منهم تسعة. وفي رواية: سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأما من كان يلي عمر فقد رأى الذي رأيت، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون ما الأمر؛ غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر: من قتلني؟ قال: فجال ساعة ثم جاء، فقال: غلام المغيرة بن شعبة، فقال: الصنع؟ قال: نعم، قال: (٥١/ ب) قاتله الله، لقد كنت أمرت به معروفا، ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل مسلم، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة،- وكان العباس أكثرهم رقيقًا- فقال بن عباس: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا. قال: بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقا معه، قال: وكان الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقال قائل: أخاف عليه، وقائل يقول: لا بأس، فأتى بنبيذ، فشرب منه فخرج من جوفه، ثم أتى بلبن فشرب منه، فخرج من جرحه، فعرفوا أنه ميت، قال: فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر

стр. 131

يا أمير المؤمنين ببشرى الله ، قد كان لك صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، فقال: وددت أن ذلك كان كفافا، لا علي ولا لي، فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، فقال: يا ابن أخ، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا، أو نحوه، فقال: إن وفى به مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، وأد عني هذا المال، انطلق إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، قال: فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قال: فقالت: قد كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، فقال: ارفعوني فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قبضت (٥٢/ أ) فاحملوني، ثم سلم، وقل: يستأذن عمر، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين؛ استخلف، فقال: ما أرى أحد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر- أو الرهط- الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى: عليًا، وعثمان، والزبير، وسعدًا، وطلحة، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما

стр. 132

أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا- ﴿الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ - أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ فإنه ردء الإسلام، وجبال المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضى منهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام؛ أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ : أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، قال: فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر، وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد (٥٢/ ب) جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه! فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله عليه أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك من قرابة رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، وبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه. وفي حديث المسور: أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا فقال لهم عبد الرحمن بن عوف: لست بالذي أنافسكم في هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوه أمرهم انثال

стр. 133

الناس على عبد الرحمن ومالوا إليه، حتى ما رأى أحدا من الناس يتبع أحدًا من أولئك الرهط، ولا يطأ عقبيه، ومال الناس إلى عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه تلك الليالي، حتى إذا كان الليلة التي أصبحنا فيها، فبايعنا عثمان. قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظ فقال: ألا أراك نائما؟ فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، فادع لي الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع لي عليًا، فدعوته فناجاه حتى إبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وكان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا ثم قال: ادع لي عثمان، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن للصبح، فلما صلى الناس الصبح، اجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل عبد الرحمن (٥٣/ أ) إلى ما كان خارجًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا قد وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن وقال: أما بعد، يا علي فإني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، وأخذ بيد عثمان فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)]. * في هذا الحديث من الفقه استظهار الإمام على عماله، وتخويفهم من أن يحيفوا على الرعية أو يحملوا الأرض ما لا يطيقه، مع جواز تفويضه ذلك إلى الأمناء عنده.

стр. 134

* وفي هذا الحديث أيضًا أنه قد يستظهر العامل بالشيء اليسير مما لا يمكنه أنه يقف فيه عن نص التحقيق؛ لقوله: وما فيها كبير فضل. * وفيه من الفقه أن عمر ﵁ رأى أن لأرامل العراق حقًا، وأمل أن يوصله إليهن. * وفيه من الفقه أنه يتعين على الإمام في الصلاة أن يسد الخلل في الصفوف، وأنه لا يتقدم فيكبر حتى يرتب الصفوف. * وفيه أيضًا استحباب تطويل الإمام في الركعة الأولى نحو يوسف أو النحل في التلاوة ليجتمع فيها الناس فيدركوا الركعة الأولى، ومما يدل على إشفاقه على المسلمين استنباته عبد الرحمن مع ما حدث له، وكون المسلمين لم يشغلهم عن الصلاة شيء. * وفيه جواز تخفيف الإمام صلاته لما ذكره عن عبد الرحمن. * وفيه جواز التداوي بالنبيذ، فإن عمر ﵁ قد ثبت عنه أنه قال: (الخمر من خمسة) وعد فيها التمر؛ إلا أنه ليس في هذا الحديث أن ذلك النبيذ كان مما يسكر كثيره. * وفيه أيضًا أن من شدة إيمانه لم يمنعه ذلك الذي هو فيه من الإنكار على من أسبل إزاره. * وفيه دليل على جواز كثرة الدين (٥٣/ ب) على المؤمن لما ينوبه من الحقوق اعتمادًا على الله تعالى أن يسهل قضاءه. * وفيه أيضًا دليل على أنه مر ولده أن يقضي دينه من مال أهله ثقة بكرمهم وسماحتهم له، لأنه قال: إن لم يبق في مال آل عمر فاسأل في بني عدي وفي قريش، ثم أوصاه أن لا يعدو قريشًا التي هي قبيلته وقومه.

стр. 135

* وفيه أيضًا دليل على فقه عمر؛ من أن الجرح لما كان قد بلغ به إلى حد اليأس من الحياة أزال عنه سمة الإمامة. * وفيه جواز البكاء لما أخبر عن بكاء عائشة وحفصة وانتحابهما. * وفيه أن عائشة آثرته بما كانت تريده لنفسها لاستحقاقه له. * وفيه دليل أن الأمة الصالحة إذا دهمها الأمر الشديد خرجت من غير كمال السترة؛ ألا تسمع إلى قوله: (والنساء يسترنها)؟ * وفيه أنه جعل الأمر في ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد. * وفيه أنه يجوز للرجل أن يرفأ قلب ولده بما لا يضر لقوله: (وليشهدها عبد الله وليس له من الأمر شيء). * وفيه من الفقه أن الاختيار انتهى إلى عثمان وعلي ﵄ كما آل الأمر إليهما. * وفيه أيضًا قوله: (وكان عبد الرحمن يخاف من علي شيئا)، ولا أراه إلا شيئًا يكون من نحو دعابة وما يشبهها، إذ لا يجوز أن يكون عبد الرحمن دفع الأمر عن علي ﵁ لشيء خافه على نفسه منه. * وفيه جواز سهر الليل كله لمثل ذلك الأمر الجسيم. - ٥٧ - الحديث الثالث عشر: [من رواية عبد الرحمن بن عبد القاري قال: (خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه،

стр. 136

ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارثهم. فقال عمر بن الخطاب (٥٤/ أ): نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله]. * فيه من الفقه أن عمر ﵁ أحدث الاجتماع لصلاة التراويح، وكان هذا من أحسن ما أحدث، وليس كل محدث على الإطلاق يهجر ويكره. * وفيه أيضًا أن ناشئة الليل أفضل. - ٥٨ - الحديث الرابع عشر: [عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر، كان أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا؛ يعني بلالا. قال لأبي بكر: إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت اشتريتني لله ، فدعني وعملي لله تعالى]. * فيه هذا الحديث من الفقه إثبات السؤدد لأبي بكر ﵁، فإن كانت الرواية قد ضبطت عن عمر في قوله: وأعتق سيدنا (بنصب الدال من سيدنا)

стр. 137

فيكون لمقام بلال في كونه مؤذنًا لرسول الله ﷺ ومراعيًا لأوقات الصلوات مع ما له من الفضائل، وإن كانت الدال مضمومة، رجعت السيادة إلى أبي بكر ﵁. * قوله: (إن كنت اشتريتني لنفسك) ليس معناه أن يشك في أن أبا بكر إنما اشتراه لله تعالى، وإنما يعني: إن كنت اشتريتني لتجعلني في خدمة نفسك وترى أني لا أصلح إلا لخدمتك، ولا أصلح أن أكون في خدمة الله تعالى من الغزو والعبادة فخذني لنفسك، وإن كنت تراني أهلا للمعاملة لله وطلب الدرجات والقربات فخلني وذلك، ويقال: العالم من عرف منك ما تصلح له، فكأنه رجع إلى رأي أبي بكر في ذلك، وكأنه قال: إن كنت رأيتني بنظرك الصحيح لا أصلح إلا لخدمتك فاشغلني بذلك، وإن كنت رأيتني صالحًا للانقطاع إلى الله فدعني وذلك، وفي هذا دليل على أن الإنسان لا يعرف من نفسه ما يعرفه صاحبه، وكأنه بهذا القول استطلع علم أبي بكر الذي هو فهمه من بلال وتوسمه منه، فلما أعتقه أبان بذلك أنه قد فهم أنه يصلح للمقام الأعلى. - ٥٩ - الحديث الخامس عشر: [(٥٤/ ب) عن أنس بن مالك: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتسول إليك بعم نبينا فاسقنا؛ قال: فيسقون)].

стр. 138

* في هذا الحديث من الفقه دليل على أن عمر ﵁ هداه الله تعالى لأن يأتي للأمر من بابه، وأنه لم يكن يوم مات رسول الله ﷺ على وجه الأرض ذكر أقرب إلى رسول الله ﷺ من العباس، فلذلك لما فقد عمر عين رسول الله ﷺ توسل بأقرب الناس إليه من جميع الخلق؛ وعلى هذا فإنه لا أقرب من العباس إلى النبي ﷺ من جميع هذه الأمة. * وفيه من الفقه أن عمر ﵁ أحب أن يكون ما يمن الله تعالى به على الخلق من السقيا عن توسل بآل النبي ﷺ ليكون أوقر في اعتداد الأمة بالسقيا للنبي ﷺ ولم يدلي بنسبه إليه في أقرب نسب من عصبته. - ٦٠ - الحديث السادس عشر: [عن أنس: أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على منبر رسول الله ﷺ ، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، ثم قال عمر: أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله تعالى، ولا في عهد عهده إلي رسول الله ﷺ ، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا- يريد أن يكون آخرهم-، فإن يك رسول الله ﷺ قد مات، فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، به هدى الله محمدًا ﷺ ، فاعتصموا به تهتدوا بما هدى الله به محمد ﷺ . وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين، وإنه أولى (الناس بأموركم)، فقوموا إليه وبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة عند المنبر.

стр. 139

وفي رواية قال الزهري: قال لي أنس بن مالك: (إنه رأى عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجًا). قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: (والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر؛ يعني قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، عقرت وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله ﷺ قد مات)]. * فيه من الفقه أن قول عمر: إني كنت قلت لكم أمس مقالة ولم تكن كما قلت، يعني أنه كان قد قال أمس أن رسول الله ﷺ لم يمت، ومن قال إن محمدًا قد مات علوته بسيفي هذا، إنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى؛ فقال عمر ذلك اعتذارا من القول الأول، ولذلك قال: إنما كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا، ولهذا يقول: إن يكن رسول الله ﷺ قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، يعني القرآن، وهذا من عمر صدق وقول حق، إلا أن الفضل منه لم يسبق بالنطق به، وسبقه به غيره؛ وهو أبو بكر ﵁. * وفي هذا الحديث من الفقه أن البيعة العامة كانت من غد يوم السقيفة تأكيدًا للأول وتثبيتًا منه. * وفيه من الفقه أن المؤمن قد ينبغي أن يكون ناهضًا جلدًا حريصًا على استتباب

стр. 140

الحق حتى يحمل عليه صاحب الحق؛ ألا تراه يقول: رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر؟ *وفيه من الفقه أن القرآن وحي مجدد كلما سمع، ألا ترى إلى عمر ﵁ كيف يقول: والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر؛ يعني قوله: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، فعقرت أي دهشت وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله ﷺ قد (٥٥/ ب) مات؟ * وفيه من الفقه أن الرجل قد يدركه الدهش عند سماع القرآن إلى أن يخر، وهذا إذا جرى على الإنسان كان إيمانًا، وأما افتعاله فأخشى أن يكون شركًا بالله . - ٦١ - الحديث السابع عشر: [عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف. وفي رواية عن ثابت عن أنس: أن عمر قرأ: ﴿وفاكهة وأبا﴾، قال: فما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا؛ أو قال: ما أمرنا بهذا]. * في هذا الحديث من الفقه أنه إنما كره عمر التكلف؛ وهو التتبع لكتاب الله بمشقة لا ترجع إلى التماس فائدة على سبيل التعنت والاعتراض، ولذلك ضرب ضبيعا إذ كان يتتبع من القرآن ما يظنه إشكالا، وإلا فلا خلاف بين المسلمين أن السؤال عن غريب القرآن من الأب وغيره طلبًا للفائدة وعلم ما يعرفه العرب منه أن ذلك

стр. 141

قربة إلى الله ، وإنما المكروه التكلف والتتبع لما لا فائدة ولا نفع فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وما أنا من المتكلفين﴾. - ٦٢ - الحديث الثامن عشر: [عن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، أترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ]؟ * فيه من الفقه أن الغريب الذي لا يعرف مقدار شرف المسجد معذور حتى يعرف. * وفيه أيضًا من الفقه أن رفع الصوت في المسجد في غير ذكر الله هو الذي نهى عه عمر؛ لأن المساجد إنما بنيت ليذكر فيها اسم الله ، ولأن أحد ملوك الدنيا إذا رفع الصوت في داره بغير حمده والثناء عليه عد ذلك من سوء الأدب. * وفيه أيضًا من الفقه أن أرسل إليهما ولم يذهب بنفسه، وفي ذلك دليل على جواز الاستنابة في إنكار المنكر. * وفيه أيضًا أن عمر أحس بأنهما غريبان فأراد أن (٥٦/ أ) يستدعيا إليه، فيعلما أنه سيد وآمر فيصيرا إلى قوله. - ٦٣ - الحديث التاسع عشر: [عن حفصة وعن أسلم مولى عمر قالا: قال عمر: اللهم ارزقني شهادة

стр. 142

في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك. وفي رواية عن حفصة فقلت: أنى يكون هذا؟ فقال: يأتيني به الله إذا شاء]. * في هذا الحديث من الفقه أن العبد إذا دعا الله بالشيء الممتنع على غير الله فإنه مستحب وأولى من الدعاء الشيء المعهود المألوف، وأجدر بالإجابة من غيره إذا دعا به الداعي وهو موقن بالإجابة، ألا ترى أن حفصة لما قالت له: أني يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء!؟ فلا جرم أجابه الله إلى ما سأل وبلغه ما طلب؛ وإنما أحب عمر ﵁ فيما أرى- فضيلة الشهادة وشرف الدفن عند رسول الله ﷺ ليكون ضجيع رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁. - ٦٤ - الحديث العشرون: [عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين، وكان شهد بدرًا مع النبي ﷺ ، وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي ﷺ . لم يزد، وهو طرف من حديث طويل في قصة لقدامة بن مظعون اقتصر البخاري على هذا القدر منه لحاجته إليه في من شهد بدرًا.

стр. 143

قال الحميدي: وقد وقع لنا بتهامه بهذا الإسناد متصلا بقوله: وكان خال ابن عمر وحفصة، قال: وقدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حدًا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة؛ فقال عمر: ما تشهد يا أبا هريرة؟ قال: لم أره حين شرب وقد رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطعت يا أبا هريرة في الشهادة، ثم كتب إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم (٥٦/ ب) عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة، كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصيم؟ فقال الجارود: أنا شهيد. فقال: قد كنت أديت شهادتك، فسكت الجارود ثم قال: لتعلمن أني أنشدك الله. فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوأنك. فقال الجارود. أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوأني، فأوعده عمر، فقال أبو هريرة- وهو جالس-: يا أمير المؤمنين؛ إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند زوجة قدامة ينشدها بالله فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة. فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، فقال قدامة: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر! قال: ولم يا قدامة؟ قال إن الله قال: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾. فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله. ثم أقبل عمر على القوم، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن يجلد ما دام وجعا، فسكت عمر عن جلده أيامًا ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده فقال لأصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن يجلد ما دام وجعًا؟

стр. 144

فقال عمر: إنه والله لئن يلقى الله تحت السياط أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي، إي والله لأجلدنه، ائتوني بسوط. فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه، فمسحه بيده ثم قال لأسلم: قد أخذتك دقرارة أهلك! ائتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط، فأمر عمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا، وقدامة مهاجر لعمر حتى قفولا من حجهم، ونزل عمر بالسقيا، ونام بها، فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله إني (٥٧/ أ) لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال لي: سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاؤوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة فجر إليه جرًا حتى كلمه عمر واستغفر له فكان أول صلحهما]. * في هذا الحديث من الفقه أن العبد المؤمن قد يقارف المعصية، فإن قدامة بن مظعون مع كونه قد شهد بدرًا قارف ما أوجب حدًا. * وفيه من الفقه أن الإنسان إذا رأى ما يوجب حدًا قد أظهره فاعله، وجب عليه رفعه إلى الإمام لقول الجارود: (إذا رأيت حدًا من حدود الله وجب علي أن أرفعه إليك)، فلم ينكره عمر. * وفيه أنه لم يقبل في البينة على شرب الخمر شهادة واحدة حتى استشهد أبا هريرة. * وفيه أيضًا أنه لما لم يشهد أبو هريرة بأنه رآه قد شرب الخمر، أخر العمل بالشهادة، لأن الشهادة بالسكر والقيء لا توجب الحد. * ثم قوله: (لقد تنطعت في الشهادة يا أبا هريرة)، أي قد تعمقت في ذلك توصلا إلى أن يشهد عليه، ويدل على أنه إذا كان لم يعاين الشرب كان من شأنه أن لا يشهد. * وفي هذا الحديث كراهية الحرص على إقامة الشهادة في الحدود لأن رسول الله ﷺ -

стр. 145

قال: (ادرأوا الحدود بالشبهات) لأنه عورة للمسلم، ولا يحسن بأخيه المسلم أن يكون حريصًا على هتك عورة أخيه؛ ولهذا قال عمر للجارود: (أشهيد أنت أم خصيم؟) لما قال (أقم على هذا كتاب الله) ثم لما قال: (أنا شهيد)، قال: (فقد كنت أديت شهادتك). * وفي هذا الحديث من الفقه أنه يكره معاودة الإمام في الحرص على إقامة الحد، ألا ترى أن عمر قال للجارود لما عاوده: (لتملكن لسانك أو لأسوءنك)؟ * وفيه أيضًا ما يدل على حلم عمر حيث قال له الجارود: (أيشرب ابن عمك الحمر وتسوءني؟)، لأنه اقتصر على الإيعاد. * وفيه أيضًا من الدليل على أنه لما كانت شهادة أبي هريرة فيها بعض الإعواز، استفاد عمر بقول المرأة غلبة الظن على صدق ما أخبر به لأنها زوجته. * وفيه أيضًا أنه ليس لكل (٥٧/ ب) أحد أن يستدل بآيات القرآن، وإنما ذلك لأهل العلم والفقه؛ ألا ترى أن عمر قال لقدامة: (أخطأت التأويل)؛ لما احتج عليه بقول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ (فقال): (لو اتقيت لاجتنبت ما حرم الله عليك)؟ * وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا شرب الخمر فشهد عليه بذلك شاهدان، ورفعا ذلك إلى الإمام أو نائبه الحاكم، فإن الجلد يجب عليه وإن تاب، ألا ترى أن عمر جلد قدامة بعد المدة الطويلة، بل لو تاب فيما بينه وبين الله من قبل أن تقوم البينة لم يكن عليه حدً إلا أن يقر؟ * وفيه من الفقه أن المسلم إذا وجب عليه حد وكان مريضًا أنه لا يؤخذ منه الحد
следующие страницы →