Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وفي رواية: (غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته، في يده الميسم يسم إبل الصدقة).
وفي رواية: (لما ولدت أم سليم، قالت: يا أنس، انظر إلى هذا الغلام، فلا يصيبن شيئا، حتى تغدو به إلى النبي ﷺ ويحنكه، فغدوت، فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جونية، وهم يسم الظهر (١٤١/ ب) الذي قدم به يوم الفتح).
وفي رواية للبخاري قال: (اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئا ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، فظن أبو طلحة أنها صادقة، قال: فبات؛ فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج: أعلمته أنه مات، فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبر النبي ﷺ بما كان منهما، فقال رسول الله ﷺ : (لعله أن يبارك لهما في ليلتهما).
قال سفيان بن عيينة: (فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن).
وفي رواية: (مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه، حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، قال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتيني حتى إذا تلطخت، ثم
стр. 1157
أخبرتني بابني.
فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : (بارك الله لكما في ليلتكما) قال: فحملت، قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر، وهي معه وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، فانطلق رسول الله ﷺ قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يارب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله ﷺ إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى نغدو به على رسول الله ﷺ .
فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ ، قال: فصادفته معه ميسم، فلما رآني قال: (لعل أم سليم ولدت؟) قلت: نعم. قال: وضع الميسم، قال: وجئت به، فوضعته في حجره، ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة، (١٤٢/ أ) فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، قال: فقال رسول الله ﷺ : (انظروا إلى حب الأنصار التمر)، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله.
وفي رواية لمسلم: (ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ حين ولد، ورسول الله ﷺ حين ولد، ورسول الله ﷺ في عباءة يهنأ بعيرا له، فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم، فناولته تمرات، فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي فمجه في فيه، فجعل الصبي يتلمظه، فقال النبي ﷺ : (حب الأنصار التمر،
стр. 1158
وسماه عبد الله)].
* في هذا الحديث من الفقه حمل الصبي إلى الإمام أو العالم تبركا به ليحنكه اقتداء بالنبي ﷺ .
* وفيه أيضا أن سيمه الغنم على آذانها.
* وفيه أيضا ما يدل على حسن التوصل في تسكين القلوب المنزعجة، كما فعلت أم سليم من توصلها حتى أعلمت أبا طلحة بعد أن قضت هي أربها، فإن أرب أم سليم كان أن تجاهد نفسها حتى تكون مع بعلها، وفي دارها، وولدها ميت. فإن هذا من المقامات العجيبة ولو كانت قد أعلمت أبا طلحة من قبل أن يقضي أربها لما تم لها مرادها، ومما يدل على أن الإيمان هو ثمرة العقل.
* والثاني أن هذه أم سليم توصلت بحسن عقلها ونياتها ومجاهدتها نفسها وإعراضها عما يستحسنه أراذل الناس، وسمو همتها إلى ما يكون هو الحسن عند الله، وعند خيار المسلمين، فآثرت الأعلى حتى قاربت بمقام جمع لها من حسن الصبر، وكريم العزاء، وتجهيل الرجال الذين لا يكونون مثلها، وحسن القول التي توصلت به إلى غرضها به من التعريض العجيب الذي سلمت به من الكذب؛ فقالت ﵂ قول رضي الله ورضي رسوله ﷺ ورضي كل مؤمن يسمع بهذا الحديث إلى يوم القيامة.
* وفيه أن النبي ﷺ دعا لها بالبركة، والبركة في دعاء رسول الله ﷺ تنصرف إلى الدين، فإن الولد الذي ولد لهما كان عالما قارئا؛ لهذا قال الأنصاري: (
стр. 1159
فرأيت تسعة من الأولاد كلهم قد قرأ القرآن).
* والخميصة الجونية: كساء أسود معلم، فإذا لم يكن معلما فليس بخميصة.
* وقوله: لا يطرقها (١٤٢/ ب) طروقا. الطروق: إتيان المنازل ليلا.
والعجوة: نوع من التمر.
والتلمظ: إدارة اللسان في ذوق ما يؤكل، كالاستطابة له.
* وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ شهد له بتصديق نسبه يقول: انظروا حب الأنصار التمر، لأن التمر أكثر أكل الأنصار.
* وقوله: (في عباءة) دليل على جواز لبس العباء.
* وفيه أن الكبير القدر لا ينبغي له أن يتكبر لأن رسول الله ﷺ كان يهنأ بعيرا له، والهناء ضرب من القطران يتداوى به الإبل من الجرب: وفغر فاه: بمعنى فتحه.
-١٥٤٨ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن أنس، قال: (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ومعها صبي لها يكلمها رسول الله ﷺ وقال: (والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلى- مرتين).
وفي رواية: (ثلاث مرات)].
стр. 1160
* في هذا الحديث دليل على فضيلة الأنصار.
* وقوله: (إنكم أحب الناس إلى) أي بعد المهاجرين لأن الناس إنما ينصرف إلى البعداء والمهاجرون قومه، فلو أراد قومه لقال: أحب قومي، فلما قال: الناس؛ علم أنه أراد غير قومه.
-١٥٤٩ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أنس، أنه قال: (كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة، وأبي ابن كعب شرابا من فضيخ زهو وتمر، فأتاهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرة فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت).
وفي رواية: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فأهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله : ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾.
وفي رواية: (سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ، فقال: ما كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، إني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب
стр. 1161
ورجلا من أصحاب رسول الله ﷺ في بيتنا، إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: لا، قال: فإن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، أرق هذه القلال، قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل).
(١٤٣/ أ) وفي رواية: (كنت أسقي عمومتي من فضيخ لهم، وأنا أصغرهم سنا، فجاء رجل فقال: إنما حرمت الخمر، فقالوا: ألقها يا أنس، فكفأتها.
قال: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسر ورطب).
وفي رواية: (أني لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء، من مزادة فيها خليط بسر وتمر، فدخل داخل، فقال: حدث خبر، نزل تحريم الخمر، فأكفأناها يومئذ).
وفي رواية للبخاري: (حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر).
وفي رواية: (أن الخمر حرمت، والخمر يومئذ البسر والتمر).
وفي رواية: (لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب إلا من تمر)].
стр. 1162
* في هذا الحديث ما يدل على إيمان القوم بحسن مسارعتهم إلى امتثال أمر الشرع.
* وفيه ما يدل على قبول خبر الواحد.
* وفيه دليل على جواز كسر الأواني التي فيها الخمر إلا أن هذا الحديث يتضمن أن أبا طلحة أمر بكسر آنية غير الإنسان فليس له أن يكسرها بل يريق ما فيها، ويتركها لصاحبها، وينبهه على غسلها ليمكنه الانتفاع بها.
والفضيخ: هو البسر يفضخ أي يشدخ ويترك في وعاء حتى ينبذ.
والقلال: جمع قلة، وهي الآنية التي كانوا يشربون فيها.
* وفيه أيضا أن ما كان من الفضيخ أو التمر يسمى خمرا لأنه لما حرمت الخمر أرادوا الفضيخ.
* وفيه دليل على أن الخمر لا يجوز استصلاحها بالعلاج لتصير خلا، إذ لو جاز لما أضاعوها.
-١٥٥٠ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أنس (أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: (قوموا فأصلي لكم)، قال أنس بن مالك: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من وراءنا، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه- أو خالته- قال: فأقامني
стр. 1163
عن يمينه، (١٤٣/ ب)، وأقام المرأة خلفنا).
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا، فربما يحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله ﷺ ، ونقوم خلفه، فيصلي بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل)].
* في هذا الحديث بيان موقف الصبي مع الإمام.
* وفيه بيان أن موقف المرأة خلف الصف.
* ومعنى يكنس: ينفض لنزول ترابه، ثم ينضح أي يرش عليه الماء ليلين ولو نضح قبل كنسه لصار الماء والتراب طينا فوسخ ثياب المصلي.
-١٥٥١ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أنس، قال: (رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ -
стр. 1164
في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس، حتى توضؤوا من عند آخرهم).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ دعا بماء، فأتي بقدح رحراح، فجعل القوم يتوضؤون، فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من أصابعه).
وفي رواية: (حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب عن أن ينبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة).
وفي رواية: (خرج النبي ﷺ في بعض مخارجه، ومعه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ما يتوضؤون به، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء بسير، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: (قوموا توضؤوا)، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه).
وفي رواية: (عن أنس قال: أتي النبي ﷺ بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم).
قال قتادة: (قلت لأنس: كم كنتم؟ (١٤٤/ أ) قال: ثلثمئة، أو زهاء ثلثمئة).
وفي رواية: (كان النبي ﷺ وأصحابه بالزوراء. قال: والزوراء بالمدينة
стр. 1165
عند السوق والمسجد في ماء ثمة- دعا بقدح فيه ماء، فوضع كفه فيه فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء ثلثمئة).
* قد سبق شرح هذا الحديث.
والقدح الرحراح: الواسع، المخضب: شبه المركن وقد ذكرنا مقداره.
فقال: لم يكن يتبسط يد رسول الله ﷺ فيه، فظاهر الأمر أنه نحو من صاع، والوضوء للرجل فعلى المعهود مد، فإذا كانوا ثمانين كان ثمانين مدا أو إن كانوا ثلثمائة كان ثلثمائة مدا، وإنما العددان كانا في حالين، ولم يتنبه الراوي، وهو على ما قدرا أنه يكون أربعة أمداد، فإذا بلغ إلى ثمانين في حالة وإلى ثلثمائة في حالة أخرى، فإن هذا إيجاد من الله للماء في تلك الحال، وهو أبلغ من إيجاده من الصخر وأعجب.
стр. 1166
-١٥٥٢ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن أنس، قال: قال أبو طلحة لأم سليم: (قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخذت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ جالسا في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله ﷺ : (أرسلك أبو طلحة)؟ فقلت: نعم، فقال: (الطعام)؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: (قوموا)، قال: فانطلقوا، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم.
قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ معه، حتى دخلا، فقال رسول (١٤٤/ ب) الله ﷺ : (هلمي ما عندك يا أم سليم)، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها، فآدمته، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: (ائذن لعشرة)، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلا- أو ثمانون).
وفي رواية: (أن أم سليم عمدت إلى مد شعير جشته، وجعلته معه خطيفة، عصرت عليه عكة لها، ثم بعثتني إلى النبي ﷺ ، فأتيته وهو في
стр. 1167
أصحابه، فدعوته، فقال: (ومن معي؟) فجئت فقلت له: يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة، فقال لرسول الله ﷺ : إنما هو شيء صنعته لك أم سليم، فدخل فجيء به، وقال: (أدخل علي عشرة)، حتى عد على أربعين، ثم أكل النبي ﷺ ، فجعلت أنظر: هل نقص منها شيء؟).
وفي رواية لمسلم: (بعثتني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه، وقد جعل طعاما، قال: فأقبلت ورسول الله ﷺ مع الناس، فنظر إلي، فقلت: أجب أبا طلحة، فقال الناس: قوموا، فقال: أبو طلحة: يا رسول الله، إنما صنعت لك شيئا، قال: فمسها رسول الله ﷺ ، ودعا فيها بالبركة، ثم قال: (أدخل على نفرا من أصحابي عشرة)، وقال: (كلوا)، وأخرج لهم شيئا من بين أصابعه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، فما زال يدخل عشرة، ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع، ثم هيأها، فإذا هي مثلها حين أكلوا منها).
وفي رواية: (ثم أخذ ما بقي، فجمعه ثم دعا فيه بالبركة، قال: فعاد كما كان، فقال: دونكم هذا).
وفي رواية: (أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي ﷺ طعاما لنفسه خاصة، ثم أرسلتني إليه، وقال فيه: فوضع النبي ﷺ يده، وسمى عليه، وقال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فدخلوا، فقال: كلوا وسموا الله تعالى، فأكلوا حتى فعل ذلك ثمانين رجلا، ثم أكل النبي ﷺ بعد ذلك وأهل البيت، وتركوا سؤرا) (١٤٥/ أ).
وفي رواية: (فقام أبو طلحة على الباب، حتى أتى رسول الله ﷺ فقال:
стр. 1168
يا رسول الله إنما كان شيئا يسيرا، فقال: هلمه فإن الله سيجعل فيه البركة).
وفي رواية: (ثم أكل رسول الله ﷺ ، وأكل أهل البيت، ثم أفضلوا ما بلغوا جيرانهم).
وفي رواية: (رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعًا في المسجد يتقلب ظهرًا لبطن، فظنه جائعًا. وذكر نحوه).
وفي رواية عن أنس، قال: (جئت رسول الله ﷺ يومًا، فوجدته جالسًا مع أصحابه وقد عصب بطنه بعصابة- قال أسامة بن زيد: وأنا أشك: على حجر- قال: فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله ﷺ بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة- وهو زوج أم سليم بنت ملحان- فقلت: يا أبتاه، قد رأيت رسول الله ﷺ قد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاء رسول الله ﷺ وحده أشبعناه، وإن جاءنا آخر معه قل عنهم)].
* في هذا الحديث أن المؤمن ينبغي له أن يكون متفقدًا لأحوال المؤمن، إذا
стр. 1169
كان صاحبه، ولا يحوجه أن يطلب نعمة مما يحتاج إليه من طعام أو شراب فإن أبا طلحة لما رأى أثر الجوع في وجه النبي ﷺ أعلم أم سليم بذلك فصنعت الطعام.
* وفيه أن أم سليم أرسلت إليه بما أرسلت من ذلك مع أنس، وأن رسول الله ﷺ سأله عما أرسلت به، فلما أخبره به وأبى رسول الله ﷺ إلا إطعام الجماعة في بيت أبي طلحة أهيأ لما كان يريده من إدخال عشرة عشرة، فيأكلون حتى إذا شبعوا خرجوا، ودخل غيرهم، وهذا لم يكن يتهيأ لرسول الله ﷺ حيث كان لأنه إنما ثرد الزاد بعينه الذي كان مع أنس.
* وفيه دليل (١٤٥/ ب) على استحباب تطيب الزاد للضيف لقول رسول الله ﷺ : (عندك ما تأدمينه؟ فآتت بعكة سمن فجعلته عليه، والعكة: الزق.
* وفيه أيضًا أن رسول الله ﷺ لما جاء إلى بيت أبي طلحة جاء بالناس معه، ولم يستأذن أبا طلحة في ذلك، لأنه إنما أطعمهم القدر الذي أرسل به إليه بعينه، وذلك القدر قد كان جعل لحكمة.
* وفيه أيضًا ما يدل على إيمان أم سليم وثبات عقلها حين قال لها أبو طلحة: جاء رسول الله ﷺ ، وجاء الناس معه. فعلمت أن رسول الله ﷺ لم يكن ليأتي على ذلك الوجه إلا لحكمة وسر، فقالت: الله ورسوله أعلم.
* وفيه أن السنة في إطعام الضيف إذا كثروا عن مقدار المكان أو الإناء أن يدخل قوم بعد قوم، الذي جرى من ذلك كان من آية الله لنبيه.
стр. 1170
* وفيه أن مقدار ما أطعم الناس منه كان مدًا من شعير، وقد ذكر أنه أكل منه سبعون أو ثمانون. والظاهر أن كل شخص منهم يأكل المد.
* والحيس: هو الدق، والخطيفة: أن يؤخذ لبن ثم يدر عليه الدقيق، ثم يطبخ فيلعقه الناس، ويختطفونه بسرعة.
والعكة: زق السمن، والسؤر: البقية، يقال: أسار في الإناء، أي أبقى.
-١٥٥٣ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن أنس، قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر (حاء) وكانت مستقبلة المسجد، فكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. فقام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب مالي إلى بئر حاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، قال: فقال رسول الله ﷺ : (بخ، ذلك مال رابح، وقد (١٤٦/ أ) سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)، فقال: أبو طلحة: أفعل، يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).
وفي رواية: (ربح أو رابح).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: اجعلها لفقراء أقاربك،
стр. 1171
فجعلها لحسان وأبي بن كعب).
وفي رواية: (قال أنس: فجعلها لحسان وأبي بن كعب وكانا أقرب إليه مني، وكانت قرابة حسان وأبي من أبي طلحة واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام، وهو الأب الثالث).
وفي رواية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة- لا أعلمه إلا عن أنس- قال: (لما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ جاء أبو طلحة، ثم ذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فهي إلى الله ، وإلى رسوله، أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : بخ يا أبا طلحة، ذاك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين. فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أبي وحسان، قال: فباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: لا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية).
وفي رواية لمسلم: (لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبو طلحة: أي ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك أني قد جعلت أرضي ببئر حاء لله تعالى، فقال: اجعلها في قرابتك- قال: فجعلها في حسان ابن ثابت وأبي بن كعب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأضداد يبين ببعضها بعض، فإذا أراد الإنسان
стр. 1172
فجعلها لحسان وأبي بن كعب).
وفي رواية: (قال أنس: فجعلها لحسان وأبي بن كعب وكانا أقرب إليه مني، وكانت قرابة حسان وأبي من أبي طلحة واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام، وهو الأب الثالث).
وفي رواية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة- لا أعلمه إلا عن أنس- قال: (لما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ جاء أبو طلحة، ثم ذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فهي إلى الله ، وإلى رسوله، أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : بخ يا أبا طلحة، ذاك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين. فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أبي وحسان، قال: فباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: لا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية).
وفي رواية لمسلم: (لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبو طلحة: أي ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك أني قد جعلت أرضي ببئر حاء لله تعالى، فقال: اجعلها في قرابتك- قال: فجعلها في حسان ابن ثابت وأبي بن كعب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأضداد يبين ببعضها بعض، فإذا أراد الإنسان
стр. 1173
البر كان معيار ذل: إخراجه ما يحب لقوله الله تعالى: ﴿لن تنالوا البر﴾ فذكر البر (بالألف واللام) المستغرق للجنس أو المعهود، وهذا من جوده فلو أنه قال: (لن تنالوا برًا حتى تنفقوا كل ما يحبون، ولكن لما قال سبحانه: ﴿لن تنالوا (١٤٦/ ب) البر﴾، بان أنه أراد البر المعهود، والمستغرق للجنس حتى ينفقوا مما يحبون، أي شيئًا مما يحبون يعني شيئًا ما، تخفيفًا وتيسيرًا من الجهتين.
وإنما كان لهذا الإنفاق مزية لأن المنفق آثر الله تعالى فيه على هواه، وأبو طلحة وإخراجه بئر (حاء) في سبيل الله فإنه أنفقها نفقة دارة، ورد تعيين مصرفها إلى رسول الله ﷺ ، فاختار له ﷺ أحسن المصارف لأنه ﷺ أراد أن يجمع له بين الصلة والصدقة، فقال: (اجعلها في الأقارب) ليكون متصدقًا وواصلًا رحمه.
* وقوله: (فكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها) يدل على جواز دخول الإنسان بستان الصديق وإن لم يأذن.
стр. 1174
* وقوله: (ويشرب من ماء فيها طيب) يدل على أن رسول الله ﷺ اختار شرب الماء الطيب على غيره، وذلك أن الماء القراح أوفق المياه للأبدان.
* وقوله: (ذلك مال رابح) أي مربوح فيه، كما يقال ليل قائم ونهار صائم، أي ليل يقام فيه ونهار يصام فيه، ولما عين له ﷺ الأقارب خص به أقربهم حتى أن أنسأ وهو ابن امرأته لم يسهمه شيئًا.
* وقوله: (قبلناه منك) هذا لأنه نبي الله فقبله عن الله تعالى.
وقوله: (ورددناها عليك) أي رددنا هؤلاء به فجعلناها في الأقربين فجمع له فيها بين ثواب الصدقة وثواب صلة الرحم وثواب الولاية عليها.
* فأما بيع حسان لها فإنه يجوز أن يكون أبو طلحة قد أعطاها على وجه الهبة، فكان للموهوب له أن يبيعها.
-١٥٥٤ -
الحديث السابع الثلاثون:
[عن أنس، قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأردكه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة. قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء).
وفي رواية: (جبذه إليه جبذة رجع نبي الله في بحر الأعرابي).
وفي رواية: (فجاذبه حتى انشق البرد حتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله صلى الله (١٤٧/ أ) عليه وسلم)].
стр. 1175
* في هذا الحديث ما يدل على حلم النبي ﷺ وتعليمه السؤدد من أراده، وأنه صبر على سوء أدب هذا الأعرابي ونحوه، ولم يجازه ﷺ إلا بأن ضحك؛ وإنما ضحك سرورا بحلمه من جهل الأعرابي، وتوفيق الله إياه ﷺ لذلك، ولأن الأعرابي كان طالب رفد والكريم لا يجازي الخشن القول في الطلب بمثله؛ فيكون دالا على أنه قد كان منتظرًا ذلة السائل فيحتج بها في دفعه، فإذا صبر على خشونة السائل كان ذلك كرمًا فوق الكرم.
* ولأنه أيضًا يخلص فيه البذل لله ، فإنه لو لطف له السائل وتملقه فأعطاه صار العطاء مشوبًا بحظ النفس، ولم يتم الخلوص لله كما يتم وإعطاء مثل هذا المسيء أدبه، ولهذا قال ﷺ : (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)، ولعله تبسم لما رأى من أمارة الإخلاص في العطاء، وإن كان ﷺ لا يفعل إلا بالإخلاص لكنه قدوة لغيره فيكون سروره كيف وقع في أفعاله ما يكون مقتدى لغيره.
стр. 1176
-١٥٥٥ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن أنس، (أن خياطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير ومرقًا فيه دباء وقديد، قال أنس: فرأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء من حوالي الصحفة، فلم أزل أحب الدباء من يومئذ).
وفي رواية: (دخلت مع رسول الله ﷺ على غلام خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد، وعليه دباء، قال: وأقبل على عمله- يعني: الغلام- قال: فجعل النبي ﷺ يتتبع الدباء، قال أنس: فجعلت أتتبعه وأضعه بين يديه، قال: ومازالت بعد أحب الدباء).
وفي رواية لمسلم: (دعا رسول الله ﷺ رجل، فانطلقت معه، فجيء بمرقة فيها دباء، فجعل رسول الله ﷺ يأكل من ذلك الدباء، ويعجبه، قال: فلما رأيت ذلك، جعلت ألقيه إليه، ولا أطعمه، قال أنس: فما زلت بعد يعجبني الدباء).
وفي رواية عن أنس (١٤٧/ ب) (فما صنع لي طعام بعد أقدر أن يصنع فيه دباء إلا صنع)].
стр. 1177
* في هذا الحديث ما يدل على أن من المستحسن إجابة العظيم القدر دعوة الفقير من الناس.
* وفيه استحباب أكل الدباء، وذلك لأنه أخف الأطعمة على المعدة، وهو كاسر للصفراء لمصادته إياها، وهو من أصلح الأطعمة لأهل الحجاز ليبسها وحرارتها، فإنه بارد رطب، وهذا يدل على أن رسول الله ﷺ لم يكن ليميل إلى طعام وغيره إلا لمعنى راجع إليه ومصلحة ومنفعة أودعها الله فيه.
* وفيه أيضًا أن الأجير المشترك الذي لا يعقد مع الاجراء عقودًا على يوم معلوم ولكن على عمل معين، فإن ذلك جائز لأن رسول الله ﷺ أكل من طعام الخياط، وهو أجير مشترك، وعلى أن الخياطة سبب يتمكن من كمال ستر العورة ففضلت لذلك.
*وفيه أن أنسا كان يتعلم من مقام رسول الله ﷺ وفعاله لقوله: (فما صنع لي طعام أقدر أن يصنع فيه دباء إلا صنع).
-١٥٥٦ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن أنس قال: (دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية، عصت الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا بئر معونة قرآنًا قرأناه، حتى نسخ بعد: أن بلغوا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه).
стр. 1178
وفي رواية: (بعث النبي ﷺ أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ بعث خاله- أخًا لأم سليم- واسمه: حرام في سبعين راكبًا).
وفي رواية: (فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن آمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ ، وإلا كنتم مني قريبًا، فتقدم فآمنوه، فبينما هو يحدثهم عن رسول الله ﷺ إذ أومؤوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه، فقتلوهم إلا رجلًا أعرج صعد الجبل، قال همام: وأراه آخر معه، فأخبر جبريل النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم، قال: فكنا نقرأ: (أن بلغوا قومنا (١٤٨/ أ) أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا)، ثم نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان, وبني عصية، الذين عصوا الله ورسوله).
وفي رواية للبخاري: (لما طعن حرام بن ملحان- وكان خاله- يوم بئر معونة، قال: بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة).
وفي رواية عن أنس قال: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ ، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة، وذلك
стр. 1179
بدء القنوت، وما كنا نقنت. قال عبد العزيز: فسأل رجل أنسا عن القنوت بعد الركوع أو بعد فراغ القراءة؟ فقال: لا بل عند فراغ القراءة).
وفي رواية عن أنس قال: (قنت النبي ﷺ شهرًا بعد الركوع، يدعو على أحياء من العرب).
وفي رواية عن أنس: (أن رعلًا وذكوان وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم: القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رفع: (بلغوا قومنا) وذكره).
وأخرجا من حديث محمد بن سيرين قال: (قلت لأنس: هل قنت رسول الله ﷺ في صلاة؟ قال: نعم، بعد الركوع يسيرًا).
وفي رواية عن أنس قال: (قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رعلٍ وذكوان، ويقول: عصية عصت الله ورسوله).
وفي رواية لمسلم: (أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على بني عصية).
وفي رواية عن عاصم بن سليمان عن أنس قال: (سألته عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ قال: قبل الركوع، قلت: فإن ناسًا يزعمون أن
стр. 1180
رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع، قال: (١٤٨/ ب) إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا، يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلًا).
وفي رواية: (وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد).
وفي رواية ابن عيينة: (أصيبوا يوم بئر معونة).
وفي رواية: (بعث رسول الله ﷺ سرية يقال لهم: القراء، فأصيبوا، فما رأيت النبي ﷺ وجد على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهرًا في صلاة الفجر يدعو، ويقول: إن عصية، عصت الله ورسوله).
وأخرج البخاري من حديث أبي قلابة عن أنس قال: (كان القنوت في المغرب والفجر).
ولمسلم: (أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا يدعو يلعن رعلًا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله).
ولمسلم عن أن أنس قال: (جاء أناس إلى النبي ﷺ ، فقالوا: إن أبعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أني يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا- خال أنس- من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال
стр. 1181
رسول الله ﷺ لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك، فرضيت عنا، ورضينا عنك)].
* في هذا الحديث دليل على استحباب الدعاء وتكريره وإظهاره؛ لأنه دال على يقين العبد المسلم بربه، ودال على أن العبد المؤمن إذا انتظر النصر على عدوه من الله سبحانه، ودال على أن ما كان يراه الجاهلية من الأنفة من الدعاء ويرونه ذلًا مما قد كانوا مخطئين فيه ليكون إذا أجيب الدعاء مما يحتج رسول الله ﷺ على منكري الحق به، وإنما شدد رسول الله ﷺ الدعاء على أهل بئر معونة لأنهم (١٤٩/ أ) جمعوا بين الكفر بالله والغدر بمن آمن إليهم، وبين اللؤم في قتل رجل واحد يذكر لهم الله ويدعو إليه.
* وأما قول حرام بن ملحان حين طعن: (فزت ورب الكعبة) فإنه كلام يدل على أن قائله قد كان حريصًا على الشهادة؛ فلما قضيت له تحقق الفوز بها فقال: فزت، وقوله: ورب الكعبة: يمين نشأت عن إيمان منه، بأن الشهادة في سبيل الله فوز، وعلى أن الدعاء إلى الله هو من أقوى الأدلة على وجوده ﷻ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب
стр. 1182
دعوة الداع إذا دعان﴾، وقوله: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾.
* وكان يقول الشيخ محمد بن يحيى ﵀: لا أدل على وجود موجود أعظم من أن يدعا فيجيب، وقد كنت جرى لي مرة في زمن الإمام المقتفي ﵁ أنه لما تطاول علينا أصحاب مسعود بن محمد المسمى سلطانًا، وأساؤا الأدب، وفجروا بأقوالهم، وخف جماعة ممن يتظاهر بالفقه يومئذ بمدرسة الحسن بن محمد بن إسحاق، وبلغ ذلك منهم كل مبلغ، فكاتبني وكاتبته في ذلك أن نعمل الفكرة في محاربة مسعود حينئذ ومجاهرته، ثم إني أنكرت بعد ذلك، ورأيت أنه ليس بصواب مجاهرته لقوة شوكته وكثرة عتاده، وقلة ما عندنا من أمور ذلك وعدده، واتفق بكورة إليه في يوم الجمعة فدخلت إليه ﵁، وهو قد ظهرت الموجدة عليه كل الظهور، وبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وكأنه يستطعمني الرأي، فقلت: إنه أني فكرت ثم إني رأيت أن لا وجه في هذا الأمر إلا اللجأ إلى الله تعالى وصدق
стр. 1183
الاعتماد عليه، فبادر ﵁ إلى تصديقي في ذلك. وقال: ليس إلا هذا.
ثم خرجت من بين يديه من معين على ذلك، فجئت الجامع، وصليت الجمعة ثم إني كتبت إليه مطالعة بعد صلاة الجمعة أذكر له فيها أن تلك العزيمة التي وقع الاتفاق عليها، ينبغي أن يرتب لها ترتيب يعرف لها، وقد دعا رسول الله ﷺ على رعل وذكوان شهرًا، وينبغي أن ندعو نحن شهرًا على هذا الإنسان، وأنا منذ ليلتي هذه المقبلة لا أخل بذلك في كل ليلة، وكان قولي هذا في يوم جمعة ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى من سنة سبع وأربعين (١٤٩/ ب).
ثم عرضت المطالعة مختومة، فعاد إلى جوابها مختومًا أيضًا، يشير إلى ذكر الدعاء إشارة خفيفة، احترز فيها من أن يصرح بذكر ذلك مراقبة لأولئك الظلمة، ثم أنني لازمت الدعاء في كل ليلة وقت السحر شهرًا فلم أخل بزمان كنت أجلس وادعو الله ، وكان يوم تسع وعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة تتمة الشهر موت مسعود بن محمد على سريره ولم يزد عن الشهر يومًا ولا نقص عنه يومًا.
ثم إن الله نصرنا على أثر ذلك؛ بأن أجاب الدعاء، وأزال يده عن العراق ويد أتباعه وأصحابه، وأورثنا أرضهم وديارهم، وكنت فيما أدعوا به في بعض الليالي أن يسرع الله بخبره إلى قبل أن يعلم صاحبه المقيم ببغداد المعروف (بالبلالي)، وهو الذي كان يتولى كبر القول من أصحابه،
стр. 1184
فلما مات مسعود خرج ودفن قصادنا من بلده همذان، فساروا السير العتيد حتى وصلوا إلى (خانقين) في خمسة أيام، فأتوا إلى شيخنا فقالوا له: إنا قد جئنا في كيت وكيت، فأقم لنا شخصًا مستريحًا يأخذ الكتب ويحملها إلى (شهرابان)، فأقام لهم من حملها إلى شهرابان، فسار قاصده من خانقين إلى شهرابان طول ليله، فأصبحت الكتب بشهرابان.
ثم إن الذي وصل إلى شهرابان، أتى إلى شحنتها، وقال له: خذ هذه الكتب ففيها كيت وكيت، وأسرع فركب شحنة شهرابان فرسًا وجنب أخرى، وأسرع حتى قتل أحد الفرسين ونجا على الآخر، فوصل إلينا الخبر بعد العصر يوم السادس من همذان، وكان ذلك من آيات الله سبحانه وإجابة الدعاء، وقد أورث الخليفة المقتفي ﵁ في طول تلك الليلة مرارا في أن ائت ذلك البلالي فأتى ذلك علي، فلما كان في غد تلك الليلة وقت الظهر وصل ذلك الخبر إلى البلالي، فكان الخبر عندنا في سادس رجب من سنة سبع وأربعين، فتبارك الله رب العالمين مجيب دعاء الداعين.
стр. 1185
* وقد دل هذا الحديث على أن القنوت عند فراغ القراءة، وإنما كان القنوت في الدعاء على أولئك.
وقول أنس: (قنت شهرًا) فالظاهر أنه أراد في هذه المدة التي دعا فيها على هؤلاء. والذي أرى في هذا أنه متى حدث للمسلمين (١٥٠/ أ) ما يقتضي مثل هذا جاز أن يفعلوا مثل ما فعل النبي ﷺ من القنوت في الصبح، ويدعو لأنه لم يأت عنه ﷺ أنه منع من ذلك، ولا أنه خض ذلك بأولئك القوم بأعيانهم.
* وقد دل الحديث على أن الفقر غير مانع من عبادة الله ، بل ربما كان معينًا عليها، فإن هؤلاء كانوا يحتطبون بالنهار، ويقرؤون بالليل.
* وفي الحديث جواز أن يجد المؤمن على فقدان أخيه المؤمن استيحاشًا لفقده، وإن كان المفقود من أهل الجنة، ولاسيما إذا كان قد اغتيل فقتل به خداعًا وغاب عنه ناصره، ولم يحضر الفتك به وليه؛ إذ لو حضره لقد كان يبلي في الانتصار له فيشفي بذلك صدره.
* وقوله: (وكانوا يأتون بالماء فيضعونه في المسجد) فيه حث للفقير إذا وفقه الله أن يثابر على اصطناع المعروف كما يثابر عليه الغني، فإن هؤلاء كانوا يحتطبون ويبيعونه ويتصدقون بثمنه على أهل الصفة، وكانوا يتصدقون بنقل الماء إلى مسجد رسول الله ﷺ ليشرب منه المسلمون، وكانوا من الذين لا يجدون إلا جهدهم.
* وفيه أيضًا دليل على أن أهل الحق قد ينال منهم المبطلون، ولا يكون ذلك دالًا على فساد ما عليه أهل الحق، بل كرامة لهم وشقاء لأهل الباطل، فإن هؤلاء حين بعثهم رسول الله ﷺ فأصيبوا كلهم كان ذلك فتنة للكافرين، ثم إن
стр. 1186
الله أظهر دينه، وأعلا كلمته، ولم يضر ذلك الحق شيئًا، وإن القوم لما لقوا من فضل الله من ثواب الشهادة، ما لم يفتقر فيه شيء إلى زيادة إلا أنهم تمنوا لو قد علم رسول الله ﷺ بما أكرمهم الله به ليكون ذلك داعيًا إلى طيب نفسه ﷺ من أجلهم، وإلى رغبة إخوانهم من المسلمين في مثل حالهم، فقالوا في الجنة ما قالوا، فتولى الله إبلاغ نبيه ﷺ عنهم، وكفى بذلك شرفًا.
-١٥٥٧ -
الحديث الأربعون:
[عن أنس (أن رسول الله ﷺ كان لا يطرق أهله ليلًا وكان يأتيهم غدوة أو عشية)].
* في هذا الحديث أن الكامل في أحواله يحترز من النقائص؛ ليكون ذلك مما يقتدى به (١٥٠/ ب) فيه، فإن رسول الله ﷺ على طهارة أهله ونفسه بأمانة أزواجه، كان لا يطرقهن ليلًا حتى يقتدي به غيره فلا يطرق أحد أهله ليلًا؛ فجأة من أجل أنه ربما يكون من ذلك ما يكره.
*وأيضًا فإن المرأة إذا كان زوجها مسافرًا قد لا تهتم بنفسها كما يكون حاضرًا من الطيب وغسل الثوب وغير ذلك؛ فلو قد أتى الإنسان أهله وهي على ذلك الشعث والتفل لم يكن بعيدًا من أن يبقى في نفسه مرارة ذلك
стр. 1187
الاجتماع دهرًا، فإذا شعرن بقدوم بعولتهن افتقدن أنفسهن، وغسلن أثوابهن، وتطيبن، وكان اجتماع بعولتهن بهن أدعى للألفة وأعمر لمواطن المحبة.
-١٥٥٨ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن أنس، قال: (كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك فقال: (إني أرحمها، قتل أخوها معي)].
* قد ذكر العلماء أنه كان بين النبي ﷺ وبين أم سليم نسب من الرضاعة؛ ثم قد كان يدخل إليها لدينها وصلاحها.
* وقوله: (قتل أخوها معي) يعني به أخاها حرامًا، وهو الذي تقدم ذكره في الحديث الذي قبل هذا.
- وقوله: (معي) فيه وجهان: أحدهما: أنه قتل وهو باق على الكون معي لم يتردد ولم يتلوم في الكون معي على شريعتي وديني حتى قتل.
والثاني: أنه قتل في نصرتي، وهذا حرام كان قد كان قدر أن يسمى حرامًا لينطوي في ذلك معنى هو أن ما جرى من قتله حرام فكانت حاله تستشف وهو حي لمكان أنه سيقتل مظلومًا.
стр. 1188
-١٥٥٩ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن أنس، قال: (أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت السحاب يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد غد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: (اللهم حوالينا ولا (١٥١/ أ) علينا)؛ فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يأت أحد من ناحية إلا حدث بالجود).
وفي رواية: (أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثتنا، اللهم أغثنا)، قال أنس: ولا والله، ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابه مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطع
стр. 1189
السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر). قال: فانقطعت، وخرجنا نمشي في الشمس.
قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري).
وفي رواية: (كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر، وأحمرت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: (اللهم اسقنا) مرتين .. وايم الله، ما نري في السماء من قزعة من سحاب، فنشأت سحابة فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى بنا، فلما انصرف، لم يزل المطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام رسول الله ﷺ يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا) وتكشطت (١٥١/ ب) المدينة، فجعلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل).
وأخرجه البخاري تعليقًا وفيه: (رفع النبي ﷺ يديه حتى رأيت بياض إبطيه).
وفي رواية: (عن أنس بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، ومازلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة)، قال: فقام ذلك الرجل- أو غيره- فقال: يا رسول الله، ادع الله يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم حوالينا ولا علينا)، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا،
стр. 1190
يمطرون ولا يمطر أهل المدينة).
وفي رواية: (بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله، هلك الكراع، هلك الشاء، فادع الله أن يسقينا، فمد يديه فدعا).
وفي رواية: (فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى).
وفي رواية: (فألف الله السحاب وملأتنا، حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن تأتي أهله)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله سبحانه جعل الدلالة على صدق رسول الله ﷺ أن أحاج الخلق بانقطاع المطر ودوام الجدب إلى أن ضرعوا إلى النبي ﷺ في الاستسقاء، فكان من كمال دلالته الجدب الذي عقبه هذا الخصب، فصار
стр. 1191
ذلك كله بمجموعه آية على نبوته، فاستدل من هذا على أن الله في كل أقضيته أسرارا يفهمها العلماء من عباده.
فأما كونه لما طلب منه الاستسقاء بادر إلى الطلب ولم يتوقف، لأنه فهم ﷺ أن ما يقدم من جنس المطر كان لإثارة للهمم لهذا السؤال، فلما فزع الطالبون إلى نبي الله ﷺ يطلبون منه الغوث، لم ير أن يؤخر ذلك حينئذ لحظة؛ فطلب الخير من أهله.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المسجد لم يكن ذا سقف أو قد كان من جريد يمنع الشمس ولا يمنع المطر لقوله: (فرأيت أثر الماء في جبهته وأنفه).
* وفيه دليل على أنه كان ذلك في وقت لم يكن في السماء قزعة من غيم، وأن الله تعالى أوجده في ذلك الوقت، ثم استمر مستهلًا ذلك اليوم وما يليه وما بعده (١٥٢/ أ) إلى الجمعة الأخرى حتى خيف من زيادته، وأنه قام ذلك الرجل خائفًا من تهدم البنيان وتعطل السبل فطلب كشفه.
* وفيه دليل أن رسول الله ﷺ ومع استجازته دعا الله في كف الأذى من زيادة المطر، فإنه أحسن القول، بأن طلب سلام المدينة التي فيها الجدران الجائز عليها أن يتهدم، والسقوف الممكن فيها أن تهبط، وطلب من الله تعالى أن يعدل به إلى بطون الأودية ومنابت الشجر مما لا يضر فيه الإكثار من الغيث، فكان ذلك أيضًا جمعًا بين ما أنعم الله به لعموم الناس وبين إجابة سؤال الرسول ﷺ لأهل المدينة من أجل جدرانهم وطرقهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على رفع اليدين إلى السماء في السؤال، وأنه لم
стр. 1192
يضعهما حتى كان السحاب، فيدل على استحباب رفع اليدين إلى السماء في السؤال في الاستسقاء.
* وفيه ما يدل على أن الله أذن للسحاب أن تأتمر لرسول الله ﷺ لقوله: فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المدينة صارت في مثل الجوبة أي ما عليها مصحي، وهذا السؤال عم الخلق لقوله: (فلم يأت أحد من ناحية إلا حدث بالجود).
* وفيه أيضًا أنه يستحب تكرار الدعاء ثلاثة لقوله: (اللهم أغثنا) ثلاثًا.
والجود: المطر الكثير، والآكام: جمع أكمة، والظراب: دون الجبال، واحدها ظرب، وتكشطت المدينة: أي انكشفت.
* وقوله: (فما كدنا نصل إلى منازلنا) لم يرد أن المطر لم ينزل حتى وصلنا منازلنا إنما أراد أنه لشدة المطر وكثرته لم نكد نصل إلى منازلنا، ويدل على ذلك قوله: حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله.
* وقوله: (هلك الكراع)، والكراع: هو اسم واقع على جملة الخيل وغيرها من ذوات الحافر.
* وقوله: (كأنه الملاء) وهو جمع ملاءة، وهي الرداء.
стр. 1193
-١٥٦٠ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أنس قال: (كنت عند النبي ﷺ فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبحت حدا فأقمه علي، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ (١٥٢/ب) فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبحت حدا، فأقم في كتاب الله، قال: (أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك-أو حدك -)].
* في هذا الحديث دلالة على أن الصلاة تكفر كبار الذنوب، فإن الرجل قال: (أصبحت حدا) فلما صلى جعل النبي ﷺ الصلاة مكفرة عنه ذلك الحد، وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك من أجل أن الرجل لم يقر بذلك الحد، ولا عينه، ولم يفصح بأمر يلزمه شيئا في الحكم، فكانت الصلاة مكفرة، ورأى رسول الله ﷺ أن إقراره به والتماسه منه إقامة الحد عليه يعد ندما صريحا، قد هدم ذنبه الذي أتى به، فلما لم يعينه ولم يثبت عليه حد معين اكتفى رسول الله ﷺ له بالصلاة مكفرة.
стр. 1194
-١٥٦١ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أنس عن النبي ﷺ قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين، يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق).
وفي رواية: (فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه)، قال: (ويخرج إليه كل منافق ومنافقة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى حمى البلدين من أن يسلط عليها الدجال، وأن المدينة خاصة ترجف بأهلها فيخرج منها كل كافر ومنافق، وذلك لأنهما في معنى قلب الأرض ولسانها، فإن اللسان من المدينة لأن لسان الشرع إنما نطق مفصحا بالمدينة، وقلب الإسلام بمكة لأن بها بيت الله فكما أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، فلذلك ليس في الأرض بت إلا الكعبة، فكأنه يسلط الدجال على جثث الأرض كلها ويستثنى منها قلبها ولسانها، فيكون على نحو ما سلط إبليس على أيوب واستثنى منه قلبه ولسانه.
* والنقب: الطريق في الجبل، والجمع: نقاب.
* والرجفة: حركة كالنازلة.
стр. 1195
* والرواق: كالفسطاط على عماد واحد في وسطه، والجمع أروقة.
-١٥٦٢ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أنس (أن رسول الله ﷺ رأى أعرابيا يبول (١٥٣/أ) في المسجد، فقال: دعوه، حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه).
وفي رواية: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب النبي ﷺ : مه مه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: وأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فسنه عليه).
وفي رواية عن أنس: (أن أعرابيا قام إلى ناحية في المسجد، فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : (دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذنوب، فصب على بوله).
وفي رواية: (فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء، فأهريق عليه)].
следующие страницы →