Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
ذلك كله بمجموعه آية على نبوته، فاستدل من هذا على أن الله في كل أقضيته أسرارا يفهمها العلماء من عباده.
فأما كونه لما طلب منه الاستسقاء بادر إلى الطلب ولم يتوقف، لأنه فهم ﷺ أن ما يقدم من جنس المطر كان لإثارة للهمم لهذا السؤال، فلما فزع الطالبون إلى نبي الله ﷺ يطلبون منه الغوث، لم ير أن يؤخر ذلك حينئذ لحظة؛ فطلب الخير من أهله.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المسجد لم يكن ذا سقف أو قد كان من جريد يمنع الشمس ولا يمنع المطر لقوله: (فرأيت أثر الماء في جبهته وأنفه).
* وفيه دليل على أنه كان ذلك في وقت لم يكن في السماء قزعة من غيم، وأن الله تعالى أوجده في ذلك الوقت، ثم استمر مستهلًا ذلك اليوم وما يليه وما بعده (١٥٢/ أ) إلى الجمعة الأخرى حتى خيف من زيادته، وأنه قام ذلك الرجل خائفًا من تهدم البنيان وتعطل السبل فطلب كشفه.
* وفيه دليل أن رسول الله ﷺ ومع استجازته دعا الله في كف الأذى من زيادة المطر، فإنه أحسن القول، بأن طلب سلام المدينة التي فيها الجدران الجائز عليها أن يتهدم، والسقوف الممكن فيها أن تهبط، وطلب من الله تعالى أن يعدل به إلى بطون الأودية ومنابت الشجر مما لا يضر فيه الإكثار من الغيث، فكان ذلك أيضًا جمعًا بين ما أنعم الله به لعموم الناس وبين إجابة سؤال الرسول ﷺ لأهل المدينة من أجل جدرانهم وطرقهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على رفع اليدين إلى السماء في السؤال، وأنه لم
стр. 1192
يضعهما حتى كان السحاب، فيدل على استحباب رفع اليدين إلى السماء في السؤال في الاستسقاء.
* وفيه ما يدل على أن الله أذن للسحاب أن تأتمر لرسول الله ﷺ لقوله: فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المدينة صارت في مثل الجوبة أي ما عليها مصحي، وهذا السؤال عم الخلق لقوله: (فلم يأت أحد من ناحية إلا حدث بالجود).
* وفيه أيضًا أنه يستحب تكرار الدعاء ثلاثة لقوله: (اللهم أغثنا) ثلاثًا.
والجود: المطر الكثير، والآكام: جمع أكمة، والظراب: دون الجبال، واحدها ظرب، وتكشطت المدينة: أي انكشفت.
* وقوله: (فما كدنا نصل إلى منازلنا) لم يرد أن المطر لم ينزل حتى وصلنا منازلنا إنما أراد أنه لشدة المطر وكثرته لم نكد نصل إلى منازلنا، ويدل على ذلك قوله: حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله.
* وقوله: (هلك الكراع)، والكراع: هو اسم واقع على جملة الخيل وغيرها من ذوات الحافر.
* وقوله: (كأنه الملاء) وهو جمع ملاءة، وهي الرداء.
стр. 1193
-١٥٦٠ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أنس قال: (كنت عند النبي ﷺ فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبحت حدا فأقمه علي، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ (١٥٢/ب) فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبحت حدا، فأقم في كتاب الله، قال: (أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك-أو حدك -)].
* في هذا الحديث دلالة على أن الصلاة تكفر كبار الذنوب، فإن الرجل قال: (أصبحت حدا) فلما صلى جعل النبي ﷺ الصلاة مكفرة عنه ذلك الحد، وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك من أجل أن الرجل لم يقر بذلك الحد، ولا عينه، ولم يفصح بأمر يلزمه شيئا في الحكم، فكانت الصلاة مكفرة، ورأى رسول الله ﷺ أن إقراره به والتماسه منه إقامة الحد عليه يعد ندما صريحا، قد هدم ذنبه الذي أتى به، فلما لم يعينه ولم يثبت عليه حد معين اكتفى رسول الله ﷺ له بالصلاة مكفرة.
стр. 1194
-١٥٦١ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أنس عن النبي ﷺ قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين، يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق).
وفي رواية: (فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه)، قال: (ويخرج إليه كل منافق ومنافقة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى حمى البلدين من أن يسلط عليها الدجال، وأن المدينة خاصة ترجف بأهلها فيخرج منها كل كافر ومنافق، وذلك لأنهما في معنى قلب الأرض ولسانها، فإن اللسان من المدينة لأن لسان الشرع إنما نطق مفصحا بالمدينة، وقلب الإسلام بمكة لأن بها بيت الله فكما أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، فلذلك ليس في الأرض بت إلا الكعبة، فكأنه يسلط الدجال على جثث الأرض كلها ويستثنى منها قلبها ولسانها، فيكون على نحو ما سلط إبليس على أيوب واستثنى منه قلبه ولسانه.
* والنقب: الطريق في الجبل، والجمع: نقاب.
* والرجفة: حركة كالنازلة.
стр. 1195
* والرواق: كالفسطاط على عماد واحد في وسطه، والجمع أروقة.
-١٥٦٢ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أنس (أن رسول الله ﷺ رأى أعرابيا يبول (١٥٣/أ) في المسجد، فقال: دعوه، حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه).
وفي رواية: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب النبي ﷺ : مه مه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: وأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فسنه عليه).
وفي رواية عن أنس: (أن أعرابيا قام إلى ناحية في المسجد، فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : (دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذنوب، فصب على بوله).
وفي رواية: (فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء، فأهريق عليه)].
стр. 1196
* في هذا الحديث ما يدل على أن المنكر لا ينبغي أن يستجف المنكر، بل يثبت ثباتا تتمكن معه من استئصاله فإن استجفاف المنكر قد يراه المسلم غضبا لله فيسرع فيه إسراعا نزل به فيه عجلته، والصواب التثبت فإن رسول الله ﷺ لما رأى الأعرابي قد بال في المسجد، وإنما حمله على ذلك جهله، وقد كان من الناس من ربما ينهره فيزرمه إزراما ربما آل إلى تلف نفسه، فرأى النبي ﷺ أن يمهل حتى إذا فرغ من ذلك، كفى أن يصب عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء، ثم نهاه بعد ذلك نهيا يتمكن من إفهامه الحق منه، فيجمع ﷺ في ذلك بين طهارة المسجد، وحفظ الآدمي، وتعليم الحاضرين، إذ لو لطمه لاطم لم يبعد أن يجيبه بمثل فعله بجهله، ويتصل الشر، وأن يقوم بنجاسته فينجس منه غير المخرج، ولا يؤمن أن يتعدى ذلك إلى غيره، وأن يقول المنكر أو المنكر عليه كلمة مثل أن يلعنه المنكر عليه أو يسبه أو يقول هو كلمة في جواب الإنكار، وكل كلمة من ذلك لو كانت أعظم من بوله.
* وهذا الحديث أصل في هذا الباب.
ومعنى تزرموه: (١٥٣/ب) أي لا تقطعوا عليه بوله.
قال أبو عبيد: الإزرام هو القطع. وقوله: فسنه عليه: أي فرقه عليه، الذنوب: هو الدلو العظيمة.
* وقد دل هذا الحديث على أن النجاسة إذا كانت على الأرض فغمرت بالماء
стр. 1197
استهلكت فطهر المكان، ولولا أنه يطهر لم يأمن بذلك؛ لأنه كان يكثر التنجيس.
-١٥٦٣ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أنس، قال: (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا؛ وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين).
وفي رواية: (صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به: أهل).
وفي رواية: (بات بها حتى أصبح).
وفي رواية: (وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا)].
* هذا الحديث يدل على أن رسول الله ﷺ صلى الظهر مقيمًا، ثم سافر ولذلك قصر العصر.
* وفيه من الفقه أن الإهلال بالحج أو بالعمرة يكون عند ركوب المحرم راحلته؛ فذلك أنه أبعد للصوت، وأظهر للحال، وأحسن في الإعلان بذكر
стр. 1198
الله ، وأدعى إلى أن يذكر به من لم يذكر حتى يتبعه فيه.
-١٥٦٤ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: (خير دور الأنصار: بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير)].
* قد مضى هذا الحديث.
-١٥٦٥ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أنس قال: (ما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ ).
وفي رواية: (وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتتن أمه).
وفي رواية: (كان النبي ﷺ يوجز الصلاة ويكلمها).
стр. 1199
وفي رواية: (كان من أخف الناس صلاة في تمام).
وفي رواية: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه).
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو (١٥٤/أ) بالسورة القصيرة).
وفي رواية: (ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا أتم من رسول الله ﷺ ، وكانت صلاته متقاربة، وصلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الصبح)].
* هذا الحديث قد تقدم وسبق الكلام عليه.
-١٥٦٦ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أنس قال: (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك
стр. 1200
الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرع من صدره وجوفه، وغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب، محشو إيمانًا وحكمة فحشى به صدره ولغاديده، يعني عروق حلقه ثم أطبقه.
ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قالوا: أو قد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، يستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فرد عليه آدم ﵇، وقال: مرحبًا وأهلًا يا بني، نعم الابن أنت.
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة مثل ما قالت الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له (١٥٤/ب) مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة،
стр. 1201
فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، ثم إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة -لم أحفظ اسمه-وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى: رب، لم أظن أن ترفع علي أحدًا.
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه أحد، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا). فوضع عنه عشر صلوات.
ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتسبه موسى عند الخمس فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من ذلك فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل يشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا).
стр. 1202
فقال الجبار: يا محمد، قال: (لبيك وسعديك)، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك.
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: (خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها)، فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا، فقال رسول الله ﷺ : (يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه) (١٥٥/أ) قال: فاهبط باسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ قال: أتيت بالبراق-وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل-يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، قال جبريل: اخترت الفطرة.
وقال: ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه: قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن
стр. 1203
مريم، ويحيى بن زكريا ﵉، فرحبا ودعوا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال: فرحب بي، ودعا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير. قال الله تعالى: ﴿ورفعناه مكانًا عليًا﴾.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث (١٥٥/ب) إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
стр. 1204
ثم ذهب إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى، فعرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى، حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).
وفي رواية قال رسول الله ﷺ : (أتيت، فانطلقوا بي إلى زمزم فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أنزلت).
زاد البرقاني: (ثم أنزلت طست من ذهب ممتلئة إيمانًا وحكمة، فحشي بها صدري، ثم عرج بي الملك إلى السماء الدنيا، فاستفتح الملك فقال: من
стр. 1205
ذا؟ فقال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتح فإذا آدم، فقال: مرحبًا بك من ولد، مرحبًا بك من رسول.
ثم عرج إلى السماء الثانية، فاستفتح، فقال: من هذا؟ قال: جبريل. ومن معك؟ قال: محمد، وقد بعث؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا عيسى ويحيى، فقالا: مرحبا بك من رسول.
ثم عرج بي الملك إلى السماء الثالثة، ثم استفتح فقال: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا (١٥٦/أ) فإذا يوسف، فقال: مرحبًا بك من أه، مرحبًا بك من رسول.
ثم عرج بي إلى السماء الرابعة، ثم استفتح فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم. قال: فإذا إدريس في الرابعة، فقال: مرحبًا بك من أخ، ومرحبًا بك من رسول.
قال: ثم عرج بي إلى السماء الخامسة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قال: ففتح فإذا هارون فقال: مرحبًا بك من أخ، مرحبًا بك من رسول.
ثم عرج بي إلى السماء السادسة ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، ففتح فإذا موسى، فقال: مرحبًا بك من أخ، ومرحبًا بك من رسول.
قال: ثم عرج إلى السماء السابعة، ثم استفتح فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، ففتح
стр. 1206
فإذا إبراهيم، فقال: مرحبًا بك من ولد. ومرحبًا بك من رسول.
قال: فانتهيت إلى بناء فقلت للملك: من هذا؟ فقال: هذا بناء بناه الله للملائكة، يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك يقدسون الله ويسبحونه لا يعودون فيه، قال: ثم انتهيت إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة أعرف ورقها وثمرها، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشيها، تحولت حتى ما يستطيع أحد نعتها.
قال: وفرض علي خمسون صلاة، فأتيت موسى فقال: بكم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة. قال: إن أمتك لا تطيق هذا، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرًا، قال: فما زلت بين ربي وموسى، حتى جعلها خمس صلوات، فأتيت على موسى فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، قال: لا، بل أسلم لربي فنوديت أني قد كملت فريضتي، وخففت عن عبادي، فكل صلاة عشر صلوات)].
* قد سبق ذكر المعراج، ما قد سبق في مسند أبي ذر وغيره.
* وهذا الحديث من كلام أنس حاكيًا حال المعراج، وقد صرح أنه كان منامًا، فلعله رآه رسول الله ﷺ قبل معراجه. وقد دل على هذا قول أنس: (قبل أن
стр. 1207
يوحى إليه) فكأنه رآه قبل النبوة وإنما كان معراجه يقظة (١٥٦/ب) إلا أن منام رسول الله ﷺ وحي.
وهذا فهو في أسلوب ما رواه أبو ذر من أمر إخراج يقظة فإنه ذكر فيه شق صدره، وغسله من ماء زمزم في طست من ذهب، وركوبه البراق، ورقيه إلى السماء، ولقاء الأنبياء، فيجوز أن يكون هذا قد رآه منامًا ﷺ بين يدي اليقظة مقدمة لها، وتأنيسًا بها فكانت يقظته، وفق رؤياه، فإن كان في إحدى الحالين زيادة نطق فلعله من راو حفظ ما لم يحفظه غيره.
* وذكر هاهنا عيسى ويحيى ابني الخالة، وذكر يوسف أنه أعطي شطر الحسن. والذي أرى أن كل الحسن ما شمل الخلق والخلق في المعنى والصورة فلما كان يوسف ﵇ قد ملك أحد قسمي الحين وهو الصورة كان ذلك شطر الحسن، والذي أراه أنه جمع لمحمد ﷺ الحالان في الخلق والخُلق، المعنى والصورة، فأعطي الحسن كله، فلذلك أروى قوله في حسن يوسف: أعطي شطر الحسن).
* وفي بعض طرق هذا الحديث أن موسى في السماء السابعة، وفي باقي طرقه أنه في السادسة، وأن إبراهيم ﵇ في السابعة، والحكمة في ترديد النبي ﷺ إلى ربه إشارة موسى ﵇، فإنه إذا قلنا أن موسى كان في السماء السابعة فهو يكون أول الأنبياء لقاءً له عند عوده، فما كان ليترك موسى ﵇ هذه النصيحة لمحمد ﷺ وأمته تجوزه وهو يعلمها حتى يؤديها إلى رسول الله ﷺ .
وقبول رسول الله ﷺ من موسى ﵊ لأنه ﷺ عرف
стр. 1208
نصح موسى وإشفاقه على أمته، وإذا قلنا إن موسى في السماء السادسة، وإن فوقه إبراهيم ﵇ فيكون عبور رسول الله ﷺ على إبراهيم ﵇ فلا أراه إلا لأن إبراهيم مقام الخلة ووالد رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي)، ولأن إبراهيم في مقام الخلة وقد سبق قولنا: إنها تفضي إلى اتحاد الإرادة فلا يكون في مناسبة الخلة الإشارة إلى مراجعة الله تعالى في أمر يأمر به، ويكون هذا القول من موسى ﵇ هو الذي (١٥٧/أ) يناسب حاله.
* فأما قوله: (ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه أحد إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى)، وإنها المنتهى في كل شيء، لأن النطق ورد بالإطلاق فتحتمل أن يكون انصرافه إلى كل شيء، ينتهي إليه يديه حتى الكبر من المخلوقات فإن الله تعالى يقول: ﴿عندها جنة المأوى﴾، فأضاف جنة المأوى على سعتها وعظمها إليها. وهذا المعنى مما يذكره شيخنا محمد بن يحيى.
* وقوله: (ثم علا به) فلا أظنه يعني إلا أن الله تعالى علا به.
* وقوله: (ودنا الجبار فتدلى) بالفاء فإنها تقتضي العطف بلا مهلة في كلام العرب. وهذا يدلك على أنه ﷻ رب العزة في دنوه إلى رسوله غير مشابه لتدلي الأجسام، وأما دنو الله سبحانه إلى عبده فهو معروف في لغة العرب، وكذلك التدلي فهو من الأعلى إلى الأدنى في التقريب غير خاف معناه، ولا يحمل شيء من ذلك على صفة الخالق لا حقيقة ولا مجازًا.
ومما يدل على أدب موسى أنه لم يسأل ﵇ ماذا أوحى إليك ربك
стр. 1209
على الإطلاق، فكان يكون في ذلك وحاشا موسى ﵇ سوء أدب، ولكنه سأله عما يعلم أن مقتضاه الانكشاف، وأنه ليس مما يخفى فإنه يفرض على الأمة كلها.
* وفي هذا من الفقه أن الله علم أن موسى ﵇ سيسأل محمدًا ﷺ عما فرض عليه ربه، وأنه سيتردد محمد ﷺ فيما بينهما، فيضع الله عن أمة محمد ﷺ خمسًا وأربعين صلاة في العدد وتكملة في التضعيف ليجعل ذلك سببًا قويًا في تأنيس موسى ﵇ إلى محمد ﷺ ، لئلا يظن ظان أن موسى ﵇ يغش على رسول الله ﷺ بتجاوزه مقامة.
* وقول موسى: (رب لم أظن أن ترفع علي أحدًا) فهذا يجوز أن يكون قاله اعتذارًا من سؤاله الرؤيا قبل محمد ﷺ ، لأنه سأل الرؤيا ظانًا منه أنه لا يرفع عليه أحدًا، فلما رأى محمدًا قد رفع عليه اعتذر عن سؤاله ذلك، وهذه النصيحة من موسى ﵇ تدل على زوال المنافسة فيما بينهما، وما كان موسى ﵇ إلا ليحب ما أحب الله تعالى من رفع محمد ﷺ عليه، وما أحبه الله تعالى فهو إلى موسى أحب مما يحب.
* فأما استشارة النبي صلى الله (١٥٧/ب) عليه وسلم لجبريل ﵇ فيما ذكره موسى له؛ فإنه مما يدل على كمال أدب رسول الله ﷺ حيث لم يسرع العود إلى ربه مراجعًا في إسقاط فرضة فرضها على أمته حتى ينظر ما عند جبريل ﵇ في ذلك، فلما رأى من جبريل ﵇ سهولة ذلك عنده، رجع ﷺ ، وكان ذلك كله بتيسير من الله تعالى وتقدير، حتى كمل المثوبة، وخفف العبادة، وساق إلى موسى ﵇ المحمدة، وزاد موسى ومحمد ﵉ كل واحد منهما ودًا لصاحبه، وإلى جبريل
стр. 1210
حسن المساعدة. وكل من أولئك فإن رسول الله ﷺ اعتد لهما بذلك.
* وقوله: (به إلى الجبار تعالى وهو مكانه) فيجوز أن يكون أن جبريل مكانه ورسول الله ﷺ علا بمفرده، وقال لديه ما قال في ذلك من الكلام، وتأخر على قدر حفظ الراوي.
* وفيه أيضًا من السر أن الله تعالى كان قادرًا في أول مرة أن يضع عن محمد ﷺ الخمس والأربعين ولا يردده، ولكن أراد الله تدريب محمد ﷺ في المراجعة بالسؤال والطلب لأجل أمته، فالرحمة الحقيقية هي من الرب تعالى لعباده، وإنما هو ﷻ يرتبها في الوسائط حفظًا لما بينه وبين خلقه من ستور الهيبة، وإلا فهو سبحانه خلق محمدًا رحمة للعالمين من رحمته بهم، فكيف تتطاول رحمة مخلوق إلى بلوغ رحمة خالق للرحمة ، وقد افتتح كتابه ﷻ بأن قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. فهي تبشرة لكل ناطق بها أنه لا يرى بعدها إلى الخير، ولما كان من قضاء الله تعالى وقدره أن يجعلها خمسًا بخمسين، أوقع في قلب رسول الله ﷺ الحياء من رجوعه مرة أخرى، فإنه سبحانه سبق في فضله تضعيف هذه الخمس ليكون سعر الحسنات كلها، فكان تسمية رسول الله ﷺ للنزول بعد أن ثبت ذلك له في سعر الحسنات لأمته أولى.
* أما البراق: فقد سبق الكلام عليها.
стр. 1211
فأما الحكمة في أنه عرج به من بيت المقدس، ولم يعرج به من مكة، ومكة أفضل من بيت المقدس؛ فالذي أراه في ذلك أنه لو عرج به من مكة لفاتته مشاهدة بيت المقدس، ولما كان يقوم الحجة على قريش بصفة النبي ﷺ ؛ كما ثبتت حجته عليهم (١٥٨/أ) حين وصف لهم بيت المقدس والنظر إليه، فلما عرج به من بيت المقدس اجتمع له الحالان، وليكون أيضًا خطاه إلى قصد ربه سعيًا وعروجًا.
* وإنما ذكر ابني الخالة في هذا الحديث عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام، وكونهما في مقام واحد وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو ذر فهو من رواية أنس عنه أيضًا، ولم يذكر فيه يحيى ﵇ إلا أنه قد كان يحيى صديق عيسى ﵉ لقوله : ﴿مصدقًا بكلمة من الله﴾ والكلمة هي عيسى.
* وقوله في البيت المعمور، وإن إبراهيم مسندًا ظهره إليه، وأنه يدخله كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه، فلا أرى في ذلك إلا إعلام النبي ﷺ بكثرة جنود الله تعالى، وتضاعف عدد ملائكته حتى أن هذا البيت المعمور في كل يوم يدخله سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، فانظر ما قد مضى من الدنيا من الأيام، وهو على ما قد مضى من ألوف السنين كل سنة ثلثمائة وستون يومًا، وهكذا إلى يوم القيامة في كل يوم سبعون ألف ملك ولم تفرغ النوبة حتى تنتهي إلى الأول.
* وأما إسناد إبراهيم ظهره إليه، فالذي أراد في ذلك أنه لم يبق بعد الموت عبادة ولا تكليف ولا توجه إلى قبله بل أسند ظهره إلى البيت لأن الدار
стр. 1212
الآخرة، دار راحة.
* وقوله : ﴿ومن هم بحسنة﴾ إلى آخر الكلام في ذلك فقد تقدم الكلام عليه.
* وأما قول النبي ﷺ في سدرة المنتهى في بعض طرق هذا الحديث: (ثم انتهيت إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ثمرها وورقها؛ فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت حتى ما يستطيع أحد نعتها)، فقد سبق قولنا لما تكلمنا عن سدرة المنتهى.
* وأما قول النبي ﷺ في هذا النطق: (أعرف أنها سدرة، أعرف ثمرها، وورقها)، أي إني أعرف ورقها ورق السدر، ثم ذكر أنها تحولت إلى ما لا يستطيع أحد نعته إلى أن الذي أرى في ذلك أن تخصيص شجرة المنتهى بأن جعلها سدرة؛ لأن السدر شجر العرب، فلما كان آخر الأنبياء نبي العرب فهي منتهى الأنبياء وأمته منتهى الأمم، وهي مقام مناجاته كان ذلك سابقًا في علم الله تعالى، (١٥٨/ب) جعل الشجرة التي يناجيه عندها عربية.
فإن شجرة موسى ﵇ على ما ذكر شجرة عوسجة. والشجرة التي تبايع المسلمون تحتها سمرة، وهذه الشجرة فهي سدرة، فهي عربية قد كان يستشف منها علماء الملائكة أنها مقام مناجاة للنبي العربي.
стр. 1213
* والنحر: أول الصدر، وهو موضع القلادة.
* واللغاديد: لحمات في اللهوات، واحدها لغدود.
-١٥٦٧ -
الحديث الخمسون:
[عن أنس عن النبي ﷺ قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)].
* هذا الحديث قد مضى في مسند أبي موسى بزيادة، وأشير إليه فيما تقدم من تفسيره.
* فأما قوله ﵇ لعائشة: (فضلك على سائر النساء) يدل على تصريحه بفضلها على سائر النساء، ثم أتبع ذلك بأن ضرب له قياسا بتثنيه ودليلا يستند إليه، وهو قوله: (كفضل الثريد على سائر الطعام)، قد تقدم ذكرنا له أنه يكون من عدة وجوه.
стр. 1214
-١٥٦٨ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أنس، قال: (دخل رسول الله ﷺ على أم حرام بنت ملحان، قال بعض الرواة: وهي خالة أنس، فاتكأ عندها ثم ضحك، فقالت: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: (ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرة)، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (اللهم اجعلها منهم) ثم عاد فضحك، فقالت له مثل ذلك، أو مم ذلك؟ فقال لها مثل ذلك، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: (إنك من الأولين، ولست من الآخرين).
قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت، فركبت مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها، فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت)].
* كانت أم حرام من رسول الله ﷺ بمحرم، ولهذا جعل رسول الله ﷺ رأسه في حجرها.
* وفي هذا الحديث أن من وقص عن دابته كان شهيدا كالمقتول بالسيف.
стр. 1215
* وفيه أن لله تعالى استجاب دعاء رسول الله ﷺ في حقها.
* وفيه جواز تمني الشهادة ولا يكون ذلك تمنيا للموت، فإن تمني الموت بتنقيص العسكر الإسلام، وتمني الشهادة إعزاز للإسلام.
* وفيه ما يدل على فضيلة معاوية ﵁ وصحة إمارته، وأنه من (١٥٩/أ) الغزاة في سبيل الله، وأن الغزاة الذين كانوا تحت يده كانوا كالملوك على الأسرة.
-١٥٦٩ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله)].
* معنى هذا الحديث أنه يتبع الميت ثلاث صور من صور الأحوال فيما أرى، ومعناها أن الإنسان إذا مات تبعه في زوال الحال أهله وقد ينصرف هذا إلى الزوجة. وقد تكون هي وغيرها، فإن موسى ﵇ لم يكن معه إلا ابنة شعيب ﴿فقال لأهله امكثوا﴾.
وإنما الذي رأيت في قوله موسى ﵇ لأهله ﴿امكثوا﴾ أنه خاطبها بخطاب الجماعة ولم يقل امكثي ليكون ذكر الجمع أقرب إلى الخفر؛ لأنه لو
стр. 1216
قال: امكثي لتعينت للسامع، وخرجت من شياع الجمع إلى انفراد الوحدة.
* وكذلك المال فإنه ينتقل بموته إلى الوارث، والعمل ينتقل عن استمراره إلى الانقطاع.
* وقوله: (فرجع عنه) الذي أرى فيه أنه من رجوع الخذلان، كما يقال رجع فلان عن فلان أي خذله، فالمعنى أنه خذله أهله وماله ولا يخذله عمله.
-١٥٧٠ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أنس أنه وصف النبي ﷺ فقال: (كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض ولا آدم، ليس بجعد قطط، ولا سبط رجل، أنزل عليه، وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأي ستين، وليس في رأسه ﷺ ولحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره ﷺ ، فإذا هو أحمر، فسألت؟ فقيل: احمر من الطيب).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله ﷺ ضخم القدمين، حسن الوجه، لم أر بعده مثله ﷺ ).
وفي رواية: (وكان شعر النبي ﷺ رجلا، لا جعدا ولا سبطا).
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس والقدمين، لم أر قبله ولا بعده مثله، وكان سبط الكفين).
стр. 1217
وفي رواية (١٥٩/ب): (كان النبي ﷺ شثن الكفين والقدمين).
وفي رواية عن أنس أو جابر قال: (كان النبي ﷺ ضخم الكفين والقدمين، لم أر بعده شبيها له).
وفي رواية عن أنس: (ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي ﷺ ، ولا شممت ريحا قط ولا عرقا أطيب من ريح أو عرق رسول الله ﷺ ).
وفي رواية لمسلم: (كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ ).
وفي رواية: (ما شممت عبيرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ ، ولا مسست شيئا قط ديباجا ولا حريرا ألين مسا من رسول الله ﷺ )].
* قد سبق شرح صفات النبي ﷺ .
* وقوله: (كان ربعة) أي ليس هو بالطويل ولا بالقصير.
* وقوله: (أزهر اللون) أي هو نير اللون.
стр. 1218
والآدم: الأسمر، والجعد القطط: الجعودة في الشعر انثناء وانقباضه، والقطط الذي قد زادت جعودته، والسبط: هو السهل المسترسل، وشثن الكفين: غليظهما.
والعرف: الطيب، والعنبر: أخلاط من الطيب تجمع.
* أما حسن وجهه ﷺ فإنه يدل على أن الخير يكثر في كل صبيح الوجه.
* وقد دل الحديث على أن رسول الله ﷺ كان كثير الطيب حتى احمر شعره على أن الله تعالى خلقه طيبا ﷺ وإنما استعمل الطيب للتشريع.
-١٥٧١ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: (التمس بنا غلاما من غلمانكم يخدمني) عند خروجه إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال) فلم أزل أخدمه حتى ابتلينا من خيبر، وأقبل بصفية بنت حيي قد حازها، فكنت أراه نحوي وأراه يحوي وراءه بعباءة أو بكساء (١٦٠/أ)، ثم يردفها وراءه حتى إذ كنا بالصهباء، صنع حيسا في نطع، ثم أرسلني فدعوت رجالا فأكلوا، وكان ذلك بناءه بها، ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: (هذا جبل يحبنا ونحبه) فلما أشرف على المدينة، فقال: (اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم
стр. 1219
وصاعهم).
وفي رواية: (أن أنسا قال: قدم رسول الله ﷺ خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسا، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغ سد الروحاء، فحلت، فبنى بها، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال رسول الله ﷺ : (آذن من حولك)، فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، قال: فرأيت رسول الله ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة، صم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب).
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).
وفي رواية: (وأرذل العمر).
وفي رواية: (قلت لأنس: أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: نعم ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث فيها حديثا، ثم قال لي: هذه شديدة من أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا).
وفي رواية: (سألت أنسا أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: نعم هي حرام لا يختلى خلالها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
وفي رواية: (عن أنس أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بغلس، ثم ركب، فقال: (الله أكبر، خربت خيبر، إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)،
стр. 1220
فخرجوا يسعون في السكك، يقولون: محمد والخميس.
قال (١٦٠/ب): والخميس: الجيش-فظهر رسول الله ﷺ عليهم، فقتل المقاتلة، وسبى الذراري، صارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله ﷺ ثم تزوجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسا ما مهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم).
وفي رواية: (فحرك ثابت رأيه تصديقا له).
وفي رواية: (سبى النبي ﷺ صفية، فأعتقها وتزوجها).
وفي رواية: (أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، قال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها، فأعتقها).
وفي رواية: (أن صفية كانت في السبي، فصارت إلى دحية، ثم صارت إلى النبي ﷺ ).
وفي رواية: (أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النبي ﷺ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخد نبي الله ﷺ ، وانحسر الإزار عن فخد نبي الله، فإني لأرى بياض فخد النبي ﷺ ).
وفي رواية: (حسر رسول الله ﷺ الإزار عن فخده، حتى إني أنظر إلى بياض فخد النبي ﷺ ، فلما دخل القرية، قال: (الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين) قالها ثلاث مرات-قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد، والله.
قال عبد العزيز: وقال بعض أصحابنا: والخميس قال: وأصبناها
стр. 1221
عنوة، وجمع السبي، فجاءه دحية، فقال: يا رسول الله، أعطني جارية من السبي، فقال: (اذهب فخذ جارية)، فأخذ صفية بنت حيي، سيد قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك، قال: (ادعوه بها)، فجاء بها، فلما نظر إليها ﷺ قال: (خذ جارية من السبي غيرها)، فأعتقها وتزوجها، فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها.
حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي ﷺ عروسا، فقال: (من كان عنده شيء فليجئ (١٦٢/أ) به) وبسط نطعا، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله ﷺ ).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم؛ فلما رأوه قالوا: محمد والخميس. فقال النبي ﷺ : خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ أقام على صفية بنت حيي بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب).
وفي رواية: (فأصبنا من لحوم الحمر، فنادى منادي رسول الله ﷺ إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس).
ومنهم من قال عنه: إنها رجس أو نجس، وإن المنادي كان أبا طلحة.
وفي رواية: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت
стр. 1222
القدور وإنها تفور باللحم).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال فبنى بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته ﷺ ، وما كان فيها من خبز ولا لحم قط، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط والسمن فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه. فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأها خلفه ومد الحجاب.
وف رواية: (لما أتى رسول الله ﷺ خيبر قال: إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
وفي رواية: (كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمس قدم النبي ﷺ قال: فأتينا حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم، ومرورهم، فقالوا: هذا محمد والخميس، قال: وقال رسول الله ﷺ (خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)، قال: وهزمهم الله، ووقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها (١٦١/ب) إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، (قال: وأحسبه قال) وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي، قال: فجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن فحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن، فشبع الناس قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها، أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ ودفعنا، قال:
стр. 1223
فعثرت الناقة العضباء، وندر رسول الله ﷺ وندرت، فقام فسترها، وقد أشرفت النساء، فقلن: أبعد الله اليهودية، قال: قلت: يا أبا حمزة، أوقع برسول الله؟ قال: إي والله لقد وقع.
قال أنس: (وشهدت وليمة زينب، فأشبع الناس خبزا ولحما، وكان يبعثني فأدعو الناس، فلما فرغ قام وتبعته، فتخلف رجلان استأنس بهما الحديث، لما يخرجا، فجعل يمر على نسائه، فيسلم على كل واحدة منهن: (سلام عليكم، كيف أنتم يا أهل البيت)؟ فيقولون: بخير يا رسول الله، كيف وحدت أهلك؟ فيقول: (بخير)، فلما فرع رجع، ورجعت معه، فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث، فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا، فوالله ما أدري: أنا أخبرته، أم أنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا؟، فرجع ورجعت معه، فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾
[الأحزاب: ٥٣]
وفي رواية: (صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله ﷺ ، ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاه بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي، فقال: (أصلحيها)، ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القبة، فلما أصبح قال: (من كان عنده فضل زاد فليأتنا به)، قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سوادا حيسا، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس، ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء.
قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها، قال
стр. 1224
(١٦٢/أ): فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها، فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله ﷺ مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها، قال: فعثرت مطية رسول الله ﷺ ، فصرع وصرعت، قال: فليس أحد من الناس إلا ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله ﷺ فسترها قال: فأتيناه فقال: (لم نضر). قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه، يتراءينها ويشمتن بصرعتها).
وفي رواية للبخاري: (كنا مع النبي مقفله من عسفان، ورسول الله ﷺ على راحلته، وقد أردف صفية بنت حيي، فعثرت ناقته، فصرعا جميعا، فاقتحم ألو طلحة، فقال: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، هل أصابك شيء؟ قال: لا، ولكن عليك بالمرأة، فقلب أبو طلحة ثوبا على وجهه وقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، وأصلح لهما مركبهما فركبا، واكتنفنا رسول الله ﷺ ، فلما أشرفنا على المدينة قال النبي ﷺ : (آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون). قال: فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة)].
стр. 1225
* قد تقدم شرح هذا الحديث متفرقا في مواضع.
* وفيه جواز الاستخدام لقوله: (التمس لي غلاما يخدمني).
* وقوله: كانت صفية تضع رجلها على ركبته، وإنما كان ذلك لأنه كان يرى أن مثل هذا لا يتولاه من أهله سواه، لأن وضع الرجل على ركبة الرجل يكون طريقا إلى الإحساس ببدن المرأة من خفتها، وذلك مما يستحب ستره.
* وقوله: (خربت خيبر)، كلام موقن بالنصر.
* وقوله: (وجعل عتقها صداقها) فيه دليل على جواز أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها؛ وذلك لا يتنافى؛ لأن العتق عبادة والنكاح عبادة.
* وقوله: (أرى بياض فخد النبي ﷺ ): إنما رأى ذلك لا عن قصد؛ لأنه لا يحل له أن يقصد رؤية ذلك، وإنما ذكر مخبرا عن نفسه بما اتفق له.
* وفي الحديث دليل على أن للإمام أن يأمر لبعض الغزاة بجارية (١٦٢/ب) غير معينة؛ إلا أنه إذا أخذ خير الجواري، كان للإمام أن يعترض عليه، لأنه قال له: خذ جارية، على لفظ النكرة فلم ينصرف إلى خير الجواري.
* وفيه أيضا أنه يجوز للإمام إذا اتفق له مثل ذلك أن يقيم بالناس أياما لأجل غرضه.
стр. 1226
* وفيه ما يدل على أنه إنما كان يحجب الزوجات لا ملك اليمين.
* وقوله: (فيجوز أن يباع البعير) بالأبعرة.
* وقوله: (وتعتد في بيتها) دليل على أنه لم يطأها حتى قضت عدتها.
* وأما عثور الناقة فإن الله تعالى قدر ذلك ليظهر له، يحفظه في حالة العثور كما يحفظه في حالة السلامة. فإذا جرى مثل ذلك من هذه العثرة فلا يجوز أن يرتاع متطيرا بذلك كما يفعل الجهال.
* وأنا قوله: (اصطفاها) فالمعنى انه أخذها صفيا، والصفي سهم رسول الله ﷺ من المغنم، وكان إذا غنم الجيش غنيمة أخذ له من رأس المال قبل أن يقسم ما يختاره.
* والحيس: أخلاط من تمر وأقط وسمن، وقد سبق ذكره.
* وقول النساء: (أبعد الله اليهودية) وقد جاء في الحديث أن جواري رسول الله ﷺ شمتن بصرعتها، فأما نساؤه فقد نزهن الله عن ذلك، ومما يدل على تمس حفاظ رسول الله ﷺ ولطفه أنه قال لأبي طلحة عليك بالمرأة ومما يدل على تأتي أبي طلحة وحسن أدبه أنه جعل على وجهه ثوبا لئلا ينظر إلى المرأة.
-١٥٧٢ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن محمد بن أبي بكر بن عوف، قال: (سألت أنس بن مالك، ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف أنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: مان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه).
وفي رواية: (قلت لأنس-غداة عرفة-: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟
стр. 1227
قال: سرت هذا المسير مع النبي ﷺ وأصحابه، فمنا المكبر، ومنا المهلل، فلا يعيب أحدنا على صاحبه)].
* السنة (١٦٣/أ) في هذا المقام التلبية، وأن لا تقطع حتى ترمي أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر.
* وقول أنس يحتمل أن من كبر كان يدخل التكبير في خلال التلبية.
-١٥٧٣ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن معبد بن هلال، قال: (انطلقنا إلى أنس بن مالك، وتشفعنا بثابت، فانتهينا إليه، وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه؛ فجلس ثابتا معه على سريره، فقال له: يا أبا حمزة، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: (إذ كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم ﵇، فيقولون له: تشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فيأتوني فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستاذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه،
стр. 1228
فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله، ثم أخر ساجدا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل: يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق، فمن كان في قلبه حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا فيقول لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه حبة خردل من إيمان فأخرجه مناه، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي أحمد بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك. وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل).
هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان، قلنا: لو ملنا إلى الحسن، فسلمنا عليه، وهو مستخف في دار أبي خليفة؟ قال: فدخلنا (١٦٣/ب) عليه، فسلمنا عليه، فقلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة، فقال: هيه، فحدثتناه الحديث، فقال: هيه، قلنا: ما زادنا؟ قال: قد حدثنا هو منذ عشرين، وهو يومئذ جميع، ولقد ترك شيئا ما أدري: أنسي الشيخ، أم كره أن يحدثكم فتتكلوا؟ قلنا له: حدثنا، فضحك فقال: خلق الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إل وأنا أريد أن أحدثكموه.
قال: (ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال:
стр. 1229
فليس ذلك-أو قال: ليس ذلك إليك-ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله) قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك أراه قال: قبل عشرين وهو يومئذ جميع).
وفي رواية (عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا؟ قال: فيأتون آدم، فيقولون أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
قال: فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله، وأعطاه التوراة.
قال: فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا، عبدا قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال: قال رسول الله ﷺ : (فيأتونني، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله (١٦٤/أ)، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني،
стр. 1230
ثم يقال لي: ارفع رأسك يا محمد، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة-قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة-فأقول: يا رب، ما بقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود).
وأخرجه البخاري تعليقا وفيه: (يحبس المؤمنون يوم القيامة ... وفي آخره ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن إي وجب عليه الخلود-ثم تلا هذه الآية: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾).
قال: (وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ ).
زاد في حديث هشام فقال النبي ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن ذرة).
وفي رواية شعبة: (ذرة)، قال يزيد: صحف فيها أبو بسطام، وفي رواية: (ذرة من إيمان، مكان خير).
وفي رواية: (فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه).
وفي رواية: (إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء، قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ ).
следующие страницы →