← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

* هذا الحديث قد تقدم في مسند عبد الرحمن بن عوف. * وقد ذكر أبو عبيد: إن النواة في الوزن خمسة دراهم. وقال الخطابي: هو اسم معروف لمقدار معلوم، قال: ويشبه أن تكون النواة ووزن خمسة دراهم ذهبًا كان أو فضة. والوليمة: الإطعام عند العرس. * وقوله: (يناصفه أهله وماله) أي يأخذ نصف ذلك. والوضر: لطخ من خلوق أو طيب له لون؛ وذلك من فعل العروس إذا بنى بأهله، وقد يكون الوضر من الصفرة والحمرة والطيب والزهومة، وقوله: (مهيم): قال أبو عبيد: هي كلمة يمانية، ومعناها ما أمرك، وما الذي

стр. 1262

أرى بك؟ -١٥٩٥ - الحديث الثامن والسبعون: [عن أنس، (أن النبي ﷺ (١٧٢/ب) رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير، لحكه بهما). وفي رواية: (أن عبد الرحمن والزبير شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل، فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما). وفي رواية: (أنهما شكيا إلى رسول الله ﷺ القمل، فرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة). وفي رواية: (رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجه كان بهما)]. * إنما حرم الحرير لأجل الخيلاء والزينة، وهو لبس النسوان، فإذا عرض للرجل مرض كالحكة صار يلبسه تداويًا، فذهب المعنى الذي حرم لأجله، وكذلك في القتال، فإنه يشغل الإنسان تلك الحال عن النظر إلى نفسه، ولكونه أقوى الثياب حرمًا في الحرب، فهو أدفع للأذى.

стр. 1263

* وفي هذا الحديث ما يبيح التداوي. -١٥٩٦ - الحديث التاسع والسبعون: [عن أنس أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بريرة، فقال: (هو عليها صدقة، وهو لنا هدية). وفي رواية: (أهدت بريرة إلى رسول الله ﷺ لحمًا تصدق به عليها، فقال: (هو لها صدقة، ولنا هدية)]. * هذا حديث بريرة سيأتي مشروحًا في مسند عائشة ﵂. -١٥٩٧ - الحديث الثمانون: [عن أنس، (أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر ﵄، كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين). وفي رواية: (صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم).

стр. 1264

وفي رواية لمسلم: (أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك). وفي رواية لمسلم: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃؛ فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها)]. * قوله: (كانوا يفتتحون بالحمد لله) أي بهذه السورة. * وقوله: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) فهذه حجة من لا يرى الجهر بها. ويحتمل أن يكون ذلك قصد به أنس أنهم كانوا إذا قرأوا من أثناء السورة، ولم يقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم. وأما الرواية التي انفرد بها مسلم فهي حجة لمن يرى الجهر بها أيضًا، وقيل: إن ذلك كان كتابًا من قتادة إلى الأوزاعي (١٧٣/أ) من غير مشابهة. -١٥٩٨ - الحديث الحادي والثمانون: [عن انس، قال: (كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة، يقال له: المندوب، فركب، فلما رجع، قال: (ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا). وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ : أحسن الناس وجهًا، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس

стр. 1265

قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ ، وقد سبقهم إلى الصوت). وفي رواية: (وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: (ما تراعوا) فقال: وجدناه بحرًا-أو أنه لبحر) قال: (وكان فرسًا يبطأ). وفي رواية: (استقبلهم النبي ﷺ على فرس عري، ما عليه سرج، في عنقه سيف). وفي رواية: (أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرسًا لأبي طلحة كان يقطف -أو كان فيه قطاف-فلما رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحرًا، وكان بعد لا يجارى). وفي رواية: (فزع الناس، فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: لم تراعوا، إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم)].

стр. 1266

* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله ﷺ كان أشجع الناس، كما كان أجود الناس؛ مثل ما كان أحسن الناس، فيجمع الله تعالى له المحاسن في الخلق والخلق. * فأما خروجه بنفسه عند فزع أهل المدينة وإسراعه حتى ركب فرس أبي طلحة، فإنني أرى فيه أنه ﷺ أراد بذلك أن يشعرهم أن الحال في مثل هذه على مثال النفير، فلا يحبس أحد نفسه على إخراج رجل، ولا استصحاب خيمة، ولا إسراج فرس، لأنه ركب الفرس معروريًا. ومثل هذا الفزع إنما يكون في الغارات، وإذا مكث الإنسان في الغارة نال المغير ما يبغيه، فأراد رسول الله ﷺ أن يشعر المسلمين إلى يوم القيامة أن تدبير مثل هذا الحال هذا التدبير، وهو أن يركب كل إنسان من مكانه، وإن لم يكن الفرس مسرجًا ركبه معروريًا. * وعلى أن الله تعالى جعل معارف الخيل قائمة لفرسانها مقام (١٧٣/ب) لجمها، بل أوكد فهي يستمسك بها الفارس عند اقتضاء الحال زيادة الإسراع ولو لم يكن بدأ بالخروج لظن ظان في مثل هذه الحال هذا التدبير، وهو أن يركب كل إنسان من مكانه تمييز لقومه دون قوم فأشعر بما صنع أن هذا تدبير مثل هذه الحال، ومن إبانة الدلالة على صدق نبوته إسراع الفرس وسبقه وقد كان يبطأ. * وقوله: (وجدناه بحرًا) وصف للفرس بسرعة الجري، وإنما أسرع العود إلى الناس، ليعلمهم أنه ليس ثم روع فيسكنوا.

стр. 1267

-١٥٩٩ - الحديث الثاني والثمانون: [عن أنس أن النبي ﷺ قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا؛ وله على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة). وفي رواية: (لما يرى من فضل الشهادة)]. * في هذا الحديث من الفقه، أن الشهيد قد بلغ من فضل الله تعالى إلى أن تقطعت الأماني فلم يبق لأمنية تمناها بشر عنده منفذة، لذلك لما كرر عليه السؤال، وقيل: لابد أن يسأل لم تبق له أمنية فعدل إلى أن يرجع إلى الدنيا فيستشهد ليشكر بذلك بعض ما عنده من النعم؛ وذلك أن الشهيد رأى من كرامة الله تعالى ما لا قبل له بشكره، ثم ذكر حينئذ قتله في سبيل الله فوجد لذة وروحًا؛ لأنه اتخذ تسليم نفسه للقتل في سبيل الله عند الله تعالى يدًا، فرفعت هذه الحالة رأس خجلة من قلة الشكر، فلم يجد غير طلب الإعادة؛ فلما رأى الله أنه إنما يطلب شيئًا لأجل الله لا لأجله لم يجبه إليه، ورده ردًا لطيفًا: بأن قال: سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. * وفي هذا الحديث من الفائدة أن الله تعالى أعلمنا أن الشهداء أعطوا حتى لم يبق لواحد منهم في الوجود أمنية لها منفذ.

стр. 1268

-١٦٠٠ - الحديث الثالث والثمانون: [عن أنس (أن رسول الله ﷺ قال: (إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقلبوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم). وفي رواية: (مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: (١٧٤/أ) فصعد النبي ﷺ على المنبر-ولم يصعده بعد ذلك اليوم-فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)]. * الكرش: الجماعة من الناس، فكأنه ﷺ قال: الأنصار جماعتي الذين أثق فيهم، وأعتمد عليهم في أموري. * وهذا دليل على فضيلة الأنصار. * وفيه إشارة إلى أنهم ليس لهم في الخلافة شيء، لأنه أوصى بهم لا إليهم. * وقوله: (وعيبتي) أي موضع سري؛ لأن الإنسان يضع في عيبته خير متاعه.

стр. 1269

-١٦٠١ - الحديث الرابع والثمانون: [عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة). ومنهم من قال: (فأصلح الأنصار والمهاجرة). ومنهم من قال: (فأكرم الأنصار والمهاجرة). وفي رواية: (عن أنس، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة .... فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا .... على الجهاد ما بقينا أبدا وفي رواية: (كانت الأنصار يوم الخندق، تقول: نحن الذين بايعوا محمدا .... على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم النبي ﷺ : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة .... فأكرم الأنصار والمهاجرة وفي رواية: (جعل المهاجرون يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، وهم يقولون:

стр. 1270

نحن الذين بايعوا محمدا .... على الجهاد ما بقينا أبدا قال، يقول النبي ﷺ : اللهم لا خير إلا خير الآخرة .... فبارك في الأنصار والمهاجرة قال: فيؤتون بملء كف من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منكرة)]. * قال أبو عبيد: الإهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به خاصة مثل الزيت والألية المذابة، والسنخة: المتغيرة. والبشع: الكريه الطعم. * والمراد أنهم كانوا يأكلون على الجوع ما (١٧٤/ب) حضر لموضع الأعواز، فإذا لم يعوز فلا ينبغي أكل السنخ من الأدهان لأنه يقارب السموم، وإن بم يقتل فإنه يؤذي لاسيما إذا أفرد فأما إذا كان مع طعام غيره قرب أمره.

стр. 1271

* وما فيه من استشهاد النبي ﷺ من الشعر، تقدم تفسيره. -١٦٠٢ - الحديث الخامس والثمانون: [عن أنس قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد-يعني: ابن ثابت، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: بعض عمومتي). وفي رواية: (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه). وفي رواية: (مات أبو زيد، ولم يترك عقبا، وكان بدريا)]. * لم يختلف الرواة في أن الذين جمعوا القرآن في حياة الرسول ﷺ أربعة رجال، وهي غاية الشهادة، وقد ألحق قوم بهم غيرهم، والصحيح هذا. -١٦٠٣ - الحديث السادس والثمانون: [عن أنس، قال: قال النبي ﷺ لأبي: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم

стр. 1272

يكن الذين كفروا﴾ قال: وسماني. قال: نعم، فبكى). وفي رواية: (أنه لم يسم سورة، وقال: الله سماني لك؟ قال: لله سماك لي؟ قال: فجعل أبي يبكي). وفي رواية للبخاري: (أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرئك القرآن، قال: الله سماني لك؟ قال: نعم، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه)]. * في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يجوز أن يتكبر كبير أن يقرأ على صغير، ولأن سماع القرآن عبادة؛ كما في القراءة له، ويجوز أن يكون مراد الله من قراءة النبي ﷺ على أبي أن يعلمه كيف يقرأ؛ ولهذا جاء في نطق له: قرأ عليه. وفي رواية: (أن أبيا قرأ على النبي ﷺ ). وقد ذكر-هناك-فإن أبيا استعظم عظيما، وهو أنه فهم من هذه الحال أن الله أمر رسوله ﷺ أن يقرأ على أبي، وذلك فيه من تخصيص أبي بأن يقرأ عليه رسول الله ﷺ دون غيره من الصحابة، وهذا فإنه إذا كان ليعلمه كيف يقرأ أبي على رسول الله ﷺ فإنه من جهة التصوير في (١٧٥/أ) التعليم بالغ في التشريف

стр. 1273

من حيث أنه قد رأى حال أبي مكتفية في تعلم الدراسة والتجويد التي منها: الإثبات، والحذف، والحركة، والسكون، والروم، والإشمام، والتحقيق، والتسهيل، والإمالة، والإدغام، والمد، واللين، والترقيق، والتفخيم، والإظهار، والإخفاء، وجميع وجوه القراءات فإنها أربعة عشر تجري مجاري التصريف-أنه يقنعه من تعلم ذلك كله أن يقرأ ذلك عليه رسول الله ﷺ فيتعلم ذلك مرة واحدة. -١٦٠٤ - الحديث السابع والثمانون: [عن أنس، قال: (انشق القمر فرقتين). وفي رواية: (سأل أهل مكة أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر)]. * قد سبق ذكر انشقاق القمر في مسند ابن مسعد وغيره. -١٦٠٥ - الحديث الثامن والثمانون: [عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: (لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل،

стр. 1274

قال: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة). وفي رواية: (ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة). وفي رواية: (الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة)]. * لا يجوز أن يقول قائل: أعداني مرض فلان، ولا يجوز التطير وكل ذلك تخيلات فاسدة. * وأما الفأل فقد فسره أن الكلمة الطيبة يسمعها المسلم فيستدل بها على ما يسره، والمعنى في ذلك أن الشرع نهى عن الطيرة والتشاؤم، واستحب التفاؤل لأن الفأل حسن ظن بالله تعالى، والطيرة سوء ظن به . قال الله تعالى مخبرا عن نبيه صالح ﵇ أنه قال: ﴿لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة﴾ فأجابوه: ﴿قالوا اطيرنا بك﴾، وكل أمارة دلتك على خير من عند الله فاقبلها فإنه أهل كل خير، وكل أمارة أوهمك الشيطان أنها تدل على خلاف الجميل من ربك فلا تركن إليها، فإنه لا يحل لمؤمن أن يسيء الظن بربه .

стр. 1275

-١٦٠٦ - الحديث التاسع والثمانون: [عن أنس، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيهما أعطيته). وفي رواية: (دخل النبي ﷺ على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، ثم قام إلى ناحية البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: (١٧٥/ب) يا رسول الله، إن لي خويصة، قال: ما هي؟ قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخره ولا دنيا إلا دعا به: اللهم ارزقه مالا، وولدا، وبارك له) فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ابنتي أمينه: أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة: بضع وعشرون ومئة). وفي رواية: (أن أم سليم قالت: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له). وفي رواية: (دخل النبي ﷺ علينا، وما هو إلا أنا، وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: قوموا، فلأصلي لكم، في غير وقت صلاة، فصلى بنا-فقال رجل لثابت: أين جعل أنسا منه؟ قال: جعله على يمينه ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يا رسول الله، خويدمك، ادع الله له، قال: فدعا بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي أن قال: (اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه).

стр. 1276

وفي رواية: (جاءت بي أمي-أم سليم-إلى رسول الله ﷺ قد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله، هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده. قال: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المئة اليوم). وفي رواية: (مر رسول الله ﷺ ، فسمعت أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيس، فدعا لي رسول الله ﷺ بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة)]. * في هذا الحديث من الفقه جواز الدعاء لشخص معين، كما سألت أم سليم أن يدعو لولدها أنيس. * وفيه ما يدل على كثرة المال والولد ليس بمكروه على الإطلاق؛ ولكنه قد يكون سبيل خير وبركة وفلاح، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يدعو لأنس إلا لما فيه الخير لدينه، ولاسيما قد بلغ ولده على ما يزيد على مئة مسلم، فهؤلاء يدخل الوالد بواحد منهم الجنة. * وفيه دليل على أن أنسا من المغفور لهم لأنه قال: أرجو الثالثة في الآخرة،

стр. 1277

وما كان رسول الله ﷺ ليخيب. * وفيه أن رسول الله ﷺ دعا لأنس بما رآه هو ﷺ ولم يكله إلى اختيار غيره، فإنه لم يأت عن أن سليم أنها التمست الدعاء لولدها لولد ولا بمال، ولكن فوضت ذلك إلى اختيار رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ (١٧٦/أ) بدعوات فيها ذلك، فكان من بركة دعاء رسول الله ﷺ أنه لم يضره المال والولد. * وفيه أيضا جواز أن يصلي النافلة في جماعة. وقولها: خويصة أي حاجة تخصني. -١٦٠٧ - الحديث التسعون: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، يعني إصبعيه). وفي رواية: (قال قتادة في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى، فلا أدري أذكره عن أنس، أو قاله قتادة). وفي رواية: (بعثت أنا والساعة كهذا، وقرن شعبة بين إصبعيه: المسبحة والوسطى، يحكيه). وفي رواية: (وضم السبابة والوسطى)].

стр. 1278

* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه. -١٦٠٨ - الحديث الحادي والتسعون: [عن أنس، (أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين). وفي رواية: (أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريد نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر؛ فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر)]. * أما الكلام في الحدود فقد سبق، وأما الضرب بالجريد والنعال فإنه كان في أول الإسلام على وجه التأنيب والتوبيخ، ثم استقرت الحدود بالسياط.

стр. 1279

-١٦٠٩ - الحديث الثاني والتسعون: [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (يهرم ابن آدم وتشيب فيه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر). وفي حديث هشام: (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال، وطول العمر)]. * إنما يشيب مع الآدمي هاتان الخصلتان لطول صحبته إياهما، وكثرة أنسه بهما، فكلما طال صحبتهما عسر الخلاص من حبهما، فيكون معنى قوله: تشبت أي تقوى فكأنه لما كبر هو ضعف، وكلما زادت صحبتهما له قويا. -١٦١٠ - الحديث الثالث والتسعون: [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه (ك ف ر)). وفي رواية: (الدجال مكتوب بين عينيه (ك ف ر) أي كافر). وفي رواية: (الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه (كافر) ثم

стр. 1280

تهجاها (ك ف ر) يقرؤه كل مسلم)]. * قد سبق الكلام في هذا الحديث وذكر الدجال (١٧٦/ب)، وقد تقدم قولنا في على وجه الدجال بأنه كافر، وأنه يجوز أن يكون من الكتابة التي تقرأ بالحروف، وأنه يجوز أن يكون المعنى أن حاله من كفره بالله سبحانه، وعظيم أمره فيه يعرفه كل من يستقرأ أحواله أنه: كافر. * وفي هجاء رسول الله ﷺ كافر بقول (ك ف ر) وأسقط الألف هاهنا قارئ في ذلك أنه لو كان المتهجي في ذلك بإثبات الألف لكان يدل على أنه كافر أي في المستقبل، لأن كافر اسم فاعل؛ وذلك يخص الاستقبال في الغالب، فلما أسقط الألف بقى كفر، فدل على أنه حكم ﷺ بكفره. -١٦١١ - الحديث الرابع والتسعون: [عن أنس، أن نبي الله ﷺ كان يقول: (يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك). وفي رواية: (يقول الله لأهون أهل النار عذابا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتديا؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون

стр. 1281

من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك فأبيت إلا الشرك)]. * هذا الحديث يدل ويتضمن زيادة توبيخ الكافر، وتضعيف حسرته، فليحذر المؤمن من أن يرتكب ما يوجب حسرة، وذلك لأن الإيمان لا ضرر على المؤمن فيه؛ فإنه آمن العاجل والآجل قال الله تعالى: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله﴾ فلما أشرك هذا العبد المشرك بربه مستعجلا بذلك الشر وعداوة المؤمنين، ومتأجلا شر الوعيد في غير ما بينة ولا متابعة هدى، كان خاسرا نفسه خسرانا؛ لما انكشف له في صورته كان يود أن لو كانت الدنيا كلها له لافتداه بها، وقد كان في الدنيا يمكنه أن يسلم من ذلك كله باختيار الأجود، وما تدعو إليه ضرورة العقل من تحصيل الأمن كما قال تعال: ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾. وقد شرحنا هذا مستقصى في حديث عياض بن حمار ﵁،

стр. 1282

إلا أن هذا على ما تدعو إلية ضرورة العقل فإنه يؤمن من سيوف المسلمين في الدنيا، ومن عذاب الله تعالى في الآخرة إذا كان إيمانا في إسلام، فأما إن كان إسلاما فقط بمعنى الاستسلام؛ فإنه يحتمي به من سيوف المسلمين في الدنيا (١٧٧/أ) ويكون غير محمي من عذاب الله في الآخرة إلا أن يتيقن صدق المرسلين فحينئذ تتم له السعادتان، وليس في ذلك خفاء على من أراد الله هدايته. -١٦١٢ - الحديث الخامس والتسعون: [عن أنس (كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ أن يلبسها الحبرة). وفي رواية همام: قلنا لأنس: (أي اللباس كان أحب إلى رسول الله ﷺ أو أعجب لرسول الله ﷺ ؟ قال: الحبرة)]. * الحبرة: ما كان من البرود مخططا موشيا. وإنما كان رسول الله ﷺ يلبس ما قدر له فأخبر أنس لكثرة ما رآه يلبس ذلك أنه كان يحبه.

стр. 1283

* والذي أراه أن كان يحبه ﷺ لقوة هذا الجنس من الثياب، وصبره على الاستعمال؛ ولكونه أيضا ليس بالغاية في البياض، فيؤثر فيه القليل من الدنس، ويحتاج إلى معاناة في غسله، فمفهوم هذا الكلام أن رسول الله ﷺ كان يعجبه من الثياب ما ينافي أثواب المترفين. -١٦١٣ - الحديث السادس والتسعون: [عن أنس، (أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، صدقا من قلبه، إلا حرمه على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما). وفي رواية: (عن أنس قال: ذكر لي أن النبي ﷺ قال لمعاذ: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، قال: ألا أبشر الناس؟ قال: أخاف أن يتكلوا)]. * هذا الحديث قد تقدم في مسند معاذ، وتكلمنا عليه هنالك.

стр. 1284

-١٦١٤ - الحديث السابع والتسعون: [عن أنس، قال: (كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه، إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه). وفي رواية لمسلم: (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه). وفي رواية: (أن النبي ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء)]. * هذا الحديث (١٧٧/ب) يدل على أن رفع اليدين في الدعاء مستحب،

стр. 1285

ورفع اليدين مناسب لذل الطالب ولإظهار فاقته وحاجته. -١٦١٥ - الحديث الثامن والتسعون: [عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى وذهب عنه أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم،-وفي رواية: خفق نعالهم-إذا انصرفوا، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي ﷺ : (فيراهما جميعا. قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره-ثم نرجع إلى حديث أنس: وأما الكافر-أو المنافق-وفي رواية: وأما المنافق والكافر-فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين). وفي رواية قال قتادة: (وذكر لنا: أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون)]. * في هذا الحديث دليل على وجوب الإيمان بمنكر ونكير، وأنهما ينزلان إلى كل عبد في قبره، وهو أول بلوى الآخرة.

стр. 1286

* وفيه ما يدل على أن من كان إيمانه تقليدا، وأنه كان يقول كلمة الحق كما يقول الناس من غير تيقن بها، فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة. * وقوله: (لا تليت) قال ابن السكيت: بعضهم يقول: فلا تليت ترويحا للكلام، وقال ابن قتيبة: هو غلط، قال يونس البصري: إنما هو فلا أتليت يدعو عليه أن يبلى إبله، أي لا يكون لها أولاد تتلوها أي تتبعها، قال: وقال غيره: ولا أتليت على وزن اعتليت من قولك: ما ألوت هذا ولا استطعته. * قوله: (يسمع قرع نعالهم) أي إذا بعدوا عنه، لأنه قد نهي عن لبس النعال بين القبور. * وقوله: (ومن يليه) يعني من الأموات، إذا لو سمع ذلك الأحياء لم يبق للإيمان بالغيب معنى. قوله: (وتملأ عليه خضرا) الخضر: كل شيء ناعم غض طري. -١٦١٦ - الحديث التاسع والتسعون: [عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العرش-وفي رواية: رب العزة-فيها قدمه (١٧٨/أ)، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشئ الله فيها خلقا، فيسكنهم فضل الجنة).

стр. 1287

وفي رواية: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العزة قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض). وفي رواية لمسلم: (يبقى في الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم ينشئ الله لها خلقا مما يشاء)]. * قد سبق هذا الحديث، وتكلمنا عليه وعلى أمثاله، وبينا أن الأصوب إمرار هذه الأحاديث كما جاءت من غير تمثيل ولا تشبيه ولا مساكنة خيال، إلا أن هذا الحديث يدل على أن الله يسلط النار في الآخرة تسليطا لولا أنه سبحانه ينزعها هو ﷻ ، لأكلت جميع الوجود من السموات والأرض والجن والإنس وسائر الجميع. -١٦١٧ - الحديث المائة: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، فلا كفارة لها إلا ذلك). وفي رواية: (قال نبي الله ﷺ : (من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها

стр. 1288

أن يصليها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ (سورة طه: الآية ١٤))]. * قد سبق هذا الحديث في مواضع. -١٦١٨ - الحديث الأول بعد المائة: [عن أنس (أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة، إلا التي مع حجته، عمرة من الحديبية-أو زمن الحديبية-في ذي القعدة، وعمرة في العالم المقبل في ذي القعدة، وعمرة في حجته). وفي رواية عن قتادة قال: (سألت أنسا، كم حج النبي ﷺ ؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر)]. * هذا الحديث يدل على استحباب الاعتمار في ذي القعدة، ليتبع المعتمر

стр. 1289

عمرته بالحج في الشهر التالي. -١٦١٩ - الحديث الثاني بعد المائة: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان يضرب شعره منكبيه). وفي رواية عن قتادة قال: سألت أنسا، كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: (كان شعرا رجلا، ليس بالجعد ولا بالسبط، بين أذنيه وعاتقه ﷺ ). وفي رواية لمسلم: (كان شعر (١٧٨/ب) رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه)]. * قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر وبينا أن السنة ترك الشعر أن حلقه جائز، وإنما المكروه أن يحلق بعضه ويترك بعضه. -١٦٢٠ - الحديث الثالث بعد المائة: [عن أنس قال: قال رسول لله ﷺ : (لله أفرح بتوبة أحدكم، من رجل

стр. 1290

سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة). وفي رواية: (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظليها-قد أيس من راحلته-فبينما هو كذلك، إذا هي بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي أنا ربك، فأخطأ من شدة الفرح)]. * قد يبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود وغيره. * وقوله: (أيس)، كذا وقع في الرواية والصواب فأيس، وهذا يدل على أن الفرح قد يستزل صاحبه حتى يقول غير ما في قلبه إلا أنه يعذر للعلم بأن حاله تلك مغيرة عملهم. * وهذا قد تقدم ما ذكرنا فيه من أنه إذا نظر منه صيغة الحديث فإنه لا يمكن أن يحمل إلا على ما ذكره رسول الله ﷺ من التمثيل إلا أنه مقام عظيم، وكل من فاء إلى طاعة الله سبحانه-بعد مروق منها-فإنه يأتي ذلك من فرح ربه سبحانه بعوده إلى طاعته إلى المبلغ الذي يمثل الإنسان نفسه له لو لم يكن له في الوجود عبد غيره؛ كما أن المضل راحلته لم يكن له في مقامه في حالته تلك سوى راحلته تلك، وأنه قد كان بإباقه على ربه قد أشعر ظن إبليس بتصديقه له، فكان ذلك في مقام فلح إبليس حيث: ﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت على﴾

стр. 1291

فصار هذا الآبق شمتا إبليس بآدم الذي خلقه الله سبحانه بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، فكان حال كل مؤمن في وفد إباق من يأنف من ذرية آدم عن طاعة ربهم سبحانه بمرى من العدو الذي قد أخبر الله فإن النظرة له إلى يوم القيامة سبقت فيعود حالهم في مثل الفرية والمصيبة للمؤمنين كلهم؛ فإذا رجع كان (١٧٩/أ) في المعنى، وتلك الضالة الذي يفرح المؤمنون كلهم بعودها إليهم ووجدانهم لها؛ فلذلك الذي يفرح الله به. -١٦٢١ - الحديث الرابع بعد المائة: [عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة). قال قتادة: بلى، وعزة ربنا)]. * في هذا الحديث دليل على أن العالم يتوصل إلى تفهيم المتعلم بالنزول من رتبة فصاحته إلى مقدار فهم السائل المتعلم، فإن هذا الجواب من رسول الله ﷺ تضمن إقامة دليل على أن من استبعد الحشر على الوجه؛ فإما أن يكون قد حضر عند رسول الله ﷺ من الأعراب من استبعد الحشر على الوجه؛ فسأل عنه،

стр. 1292

فقال النبي ﷺ كذلك جوابا عنه، وأن رسول الله ﷺ أن هذا الحديث سينقل عنه إلى يوم القيامة، وقد سمعه من يقف على الحشر، ويستبعد الأمر فيه، فأودع رسول الله ﷺ الحديث الدواء للمرض الذي جوز حدوثه في قلوب سامعيه، وذلك أنه قل: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)، وذلك أن مشي الإنسان على رجليه إذا نظر الإنسان فيه، وفكر في القدرة في مطاويه سلم لفاعلها ﷻ نفاد القدرة على كل شيء على الإطلاق. -١٦٢٢ - الحديث الخامس بعد المائة: [عن أنس قال: (أهدي لرسول الله ﷺ جبة من سندس-وكان ينهي عن الحرير-فعجب الناس منها، فقال: (والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا). وفي رواية: (أن أكيدر ردومة أهدى)]. * قد سبق هذا الحديث والكلام عليه، ولم يختلف المفسرون أن السندس

стр. 1293

هو رقيق الديباج. -١٦٢٣ - الحديث السادس بعد المائة: [عن أنس قال: قال النبي ﷺ (١٧٩/ب): (ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل من طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى يحتسب للعبد أعمال البر مضاعفة وبما ينتهي إليه، وكل ما يبلغ من مبالغها، فإن من غرس شجرة كان له ثواب كل من أكل منها، واستظل بظلها، أو اهتدى في الطريق بها أو غير ذلك، فكذلك إذا زرع زرعا. * وفيه أيضا أنه إن أكل من ذلك آدمي حسب بذلك صدقة؛ وكذلك إن أكل منه طائر أو بهيمة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وقد اعتدوا من شيء قد كان للآدمي فيه نية صالحة فربح هو في ذلك.

стр. 1294

* قوله: (يهادى بين اثنين)، أي يمشي معتمدا عليهما لضعفه، وهذا الرجل قد كان نذر أن يمشي، ولم يرد في هذا الحديث مشيه إلى أمد معلوم كالكعبة ونحوها، بل نذر أن يمشي فلما رآه قد مشى ما ينطق عليه اسم المشي أمره بالركوب لخلوصه من نذره بموجب كلامه، وأنه قد خرج منه. -١٦٢٦ - الحديث التاسع بعد المائة: [عن أنس، قال: (واصل رسول الله ﷺ في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي-أو قال: لست مثلكم-إني أظل يطعمني ربي ويسقيني). وفي رواية: (لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كأحد منكم، إني أطعم أسقى-أو: أني أبيت أطعم وأسقى). وفي رواية عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل فقام أيضا، حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي ﷺ أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله يصلي صلاة لا يصليها عندنا، قال: فقلنا له حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال نعم، ذلك الذي حملني (١٨٠/أ) على الذي صنعت، قال: فأخذ يواصل رسول الله ﷺ ، وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون،

стр. 1295

فقال النبي ﷺ : (ما بال رجال يواصلون، إنكم لستم مثلي، أما والله لو تمادى لي الشهر لواصلت وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم)]. * هذا الحديث قد سبق، والتعمق: طلب عمق الشيء بمكان ما لا يلزم. -١٦٢٧ - الحديث العاشر بعد المائة: [عن ثابت، قال: (مر أنس على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي ﷺ يفعله)]. * في هذا الحديث دليل على استحباب تسليم الرجل على الصبيان إذا مر عليهم، وإذا سلم عليهم قال: سلام عليكم يا صبيان. والمراد من التسليم عليهم أنه لا يحقر الصبي ربما خرج عالما أو عابدا، وكأن المسلم رأى بعين إيمانه منتهى أحدهم، ثم إن ذلك يكون سببا لتعلم الصبي ذلك، فكأنه أودع تلم السنة من يغلب على ظنه أنهم أطول منه عمرا. -١٦٢٨ - الحديث الحادي عشر بعد المائة: [عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف

стр. 1296

به)]. * قد سبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود وغيره -١٦٢٩ - الحديث الثاني عشر بعد المائة: [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (الصبر عند الصدمة الأولى). وفي رواية: (أنه ﵊ أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي لمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأخذها مثل الموت، فأتت به، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عن أول صدمة-أو عند الصدمة الأولى-). وفي رواية: (إليك عني، فإنك لم تصب مصيبتي، ولم تعرفه، وأنه قال لما جاءته وقالت: لم أعرفك، قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى)].

стр. 1297

* قال يحيى بن محمد رحمه الله تعالى: الصدمة الأولى هي فجاءة المصيبة، ومعنى الكلام أن الصبر الذي هو صبر حقيقة عند الصدمة الأولى؛ لأن مرور الزمان يهون المصاب، وإنما القوة في مقاومة البلاء في مبدئه. -١٦٣٠ - الحديث الثالث عشر بعد المائة: [عن أنس قال: (إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت (١٨٠/ب) رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل (قد نسي، وإذا رفع رأسه في السجدة مكث قلت حتى يقول القائل: قد نسي). وفي رواية: (إذا رفع رأسه بين السجدتين). وفي رواية عن ثابت، قال: (كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ ، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي)]. * في هذا الحديث دليل على إتمام الركوع والسجود وتطويل التسبيح. -١٦٣١ - الحديث الرابع عشر بعد المائة: [عن أنس، قال: (مر على النبي ﷺ فأثنوا عليها خيرا، فقال: (وجبت). ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا، أو قال: غير ذلك، فقال:

стр. 1298

(وجبت). فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: (شهادة القوم، المؤمنون شهداء الله في الأرض). وفي رواية. (مروا بجنازة فأئنوا عليها خيرًا، فذكره نحوه. وفيه قال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض). وفي رواية لمسلم: (مر بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت. ومر بجنازة فأثني عليها شرًا فقلت: وجبت، وجبت، وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له [النار]، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)]. * هذه كرامة كرم بها المؤمنين، وهي قبول شهادتهم، وهذا لأنهم كانوا: أمناء، علماء، فهماء، فأما كونهم أمناء فإن الأمين لا يشهد لأحد بخير حتى يتحقق أنه على خير، وكذلك لا يشهد على أحد بالسوء حتى يتيقن أنه قد كان ذا سوء. * وأما كونهم علماء، فأنهم كانوا يفرقون بين الخير والشر، فلا يلتبس عليهم الباطل بالحق، ويعرفون السنة وأهلها، ويعرفون الخير والعاملين به، وكانت شهادتهم معبرة. * وأما كونهم فهماء، فأنهم كانوا أولي فهم واطلاع، يذوقون طعم الإيمان من المؤمن، ويذوقون طعم النفاق (١٨١/أ) من المنافق، فإن للإيمان أرجًا

стр. 1299

وعرفًا على نحو المسك، وللنفاق والكفر ثقلًا ودفرًا يفهمه كل ذي لب، فكانت شهادتهم على هؤلاء وهؤلاء عن أمانة وعلم فلذلك قال: (وجبت، وجبت، وجبت) فوجبت من حيث الأمانة، ووجبت من حيث العلم، ووجبت من حيث الفهم، فكل واحدة واجبة في فيها. -١٦٣٢ - الحديث الخامس عشر بعد المائة: [عن أنس (أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة؟ فقال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ : (أنت مع من أحببت)، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن أكون معهم، بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم). وفي رواية: (ما أعددت لها من كبير أحمد عليه نفسي). وفي رواية: (متى الساعة؟ قال له: ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت). وفي رواية عن أنس قال: (بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ فكأن الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت له كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله قال: (أنت مع من أحببت).

стр. 1300

وفي رواية: (أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك، وما أعددت لها، قال: ما أعددت إلا أني أحب الله ورسوله، قال: (إنك مع من أحببت)، قال: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا، فمر غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: (إن أخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة). وفي رواية لمسلم: (أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : متى تقوم الساعة وعنده غلام من الأنصار، يقال له: محمد، فقال رسول الله ﷺ : إن يعش هذا الغلام، فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم (١٨١/ب) الساعة). وفي رواية: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، قال: متى الساعة؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة، فقال: إن عمر هذا، لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ)]. * في هذا الحديث من الفقه أن من أحب قومًا كان معهم، ومعنى ذلك أنه أحبهم على الإيمان لعملهم بالحق فصار ذلك من محبي الحق وحزبه، فكان به بمحبة الحق درجة الذين يؤثرون نصر الحق وظهوره، فألحقه الله تعالى بفضله بأهل الحق. * وأما قوله: (إن يعش هذا الغلام أو يؤخر أو يعمر) فإن هذه الزيادة انفرد بها قتادة، ومعبد بن هلال الغزي، ولم يوافقهما عليها جميع من يروي هذا
следующие страницы →