Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
به)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود وغيره
-١٦٢٩ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
[عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (الصبر عند الصدمة الأولى).
وفي رواية: (أنه ﵊ أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي لمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأخذها مثل الموت، فأتت به، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عن أول صدمة-أو عند الصدمة الأولى-).
وفي رواية: (إليك عني، فإنك لم تصب مصيبتي، ولم تعرفه، وأنه قال لما جاءته وقالت: لم أعرفك، قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى)].
стр. 1297
* قال يحيى بن محمد رحمه الله تعالى: الصدمة الأولى هي فجاءة المصيبة، ومعنى الكلام أن الصبر الذي هو صبر حقيقة عند الصدمة الأولى؛ لأن مرور الزمان يهون المصاب، وإنما القوة في مقاومة البلاء في مبدئه.
-١٦٣٠ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
[عن أنس قال: (إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت (١٨٠/ب) رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل (قد نسي، وإذا رفع رأسه في السجدة مكث قلت حتى يقول القائل: قد نسي).
وفي رواية: (إذا رفع رأسه بين السجدتين).
وفي رواية عن ثابت، قال: (كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ ، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي)].
* في هذا الحديث دليل على إتمام الركوع والسجود وتطويل التسبيح.
-١٦٣١ -
الحديث الرابع عشر بعد المائة:
[عن أنس، قال: (مر على النبي ﷺ فأثنوا عليها خيرا، فقال:
(وجبت). ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا، أو قال: غير ذلك، فقال:
стр. 1298
(وجبت). فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: (شهادة القوم، المؤمنون شهداء الله في الأرض).
وفي رواية. (مروا بجنازة فأئنوا عليها خيرًا، فذكره نحوه. وفيه قال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
وفي رواية لمسلم: (مر بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت. ومر بجنازة فأثني عليها شرًا فقلت: وجبت، وجبت، وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له [النار]، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)].
* هذه كرامة كرم بها المؤمنين، وهي قبول شهادتهم، وهذا لأنهم كانوا: أمناء، علماء، فهماء، فأما كونهم أمناء فإن الأمين لا يشهد لأحد بخير حتى يتحقق أنه على خير، وكذلك لا يشهد على أحد بالسوء حتى يتيقن أنه قد كان ذا سوء.
* وأما كونهم علماء، فأنهم كانوا يفرقون بين الخير والشر، فلا يلتبس عليهم الباطل بالحق، ويعرفون السنة وأهلها، ويعرفون الخير والعاملين به، وكانت شهادتهم معبرة.
* وأما كونهم فهماء، فأنهم كانوا أولي فهم واطلاع، يذوقون طعم الإيمان من المؤمن، ويذوقون طعم النفاق (١٨١/أ) من المنافق، فإن للإيمان أرجًا
стр. 1299
وعرفًا على نحو المسك، وللنفاق والكفر ثقلًا ودفرًا يفهمه كل ذي لب، فكانت شهادتهم على هؤلاء وهؤلاء عن أمانة وعلم فلذلك قال: (وجبت، وجبت، وجبت) فوجبت من حيث الأمانة، ووجبت من حيث العلم، ووجبت من حيث الفهم، فكل واحدة واجبة في فيها.
-١٦٣٢ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
[عن أنس (أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة؟ فقال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ : (أنت مع من أحببت)، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن أكون معهم، بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم).
وفي رواية: (ما أعددت لها من كبير أحمد عليه نفسي).
وفي رواية: (متى الساعة؟ قال له: ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت).
وفي رواية عن أنس قال: (بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ فكأن الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت له كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله قال: (أنت مع من أحببت).
стр. 1300
وفي رواية: (أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك، وما أعددت لها، قال: ما أعددت إلا أني أحب الله ورسوله، قال: (إنك مع من أحببت)، قال: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا، فمر غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: (إن أخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة).
وفي رواية لمسلم: (أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : متى تقوم الساعة وعنده غلام من الأنصار، يقال له: محمد، فقال رسول الله ﷺ : إن يعش هذا الغلام، فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم (١٨١/ب) الساعة).
وفي رواية: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، قال: متى الساعة؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة، فقال: إن عمر هذا، لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ)].
* في هذا الحديث من الفقه أن من أحب قومًا كان معهم، ومعنى ذلك أنه أحبهم على الإيمان لعملهم بالحق فصار ذلك من محبي الحق وحزبه، فكان به بمحبة الحق درجة الذين يؤثرون نصر الحق وظهوره، فألحقه الله تعالى بفضله بأهل الحق.
* وأما قوله: (إن يعش هذا الغلام أو يؤخر أو يعمر) فإن هذه الزيادة انفرد بها قتادة، ومعبد بن هلال الغزي، ولم يوافقهما عليها جميع من يروي هذا
стр. 1301
الحديث، ومذهب أهل العراق في الزيادة إذا رويت في حديث من ترك الاعتداد بها معروف، إلا أن وجه هذه الزيادة عندي أن أقول ﵊ لما ذكر له السائل متى الساعة؟ رده إلى الاشتغال بما ينفعه، فقال له: ما أعددت لها؟ فلما قال: حب الله ورسوله، قال له: المرء مع من أحب.
* ثم إن رسول الله ﷺ لما رأى من كلام ذلك السائل ما يدل على أنه كان قد استبعد قيام الساعة ضرب له مثلًا على نهاية الحسن، وهو أنه قال له: إن أخر هذا الغلام أو إن يعش أو يعمر -كله بلفظ الاستقبال-لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، يعني به ﷺ أن جواز التعمير على الأرض غير ممتنع خلافًا للذين يزعمون من أهل الطبائع أن الآدمي ينتهي إلى عمر معلوم لا يتجاوزه، وهو عندهم مائة وعشرون سنة، وقد أكذبهم الله تعالى في قوله: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾، فأجاب رسول الله ﷺ في هذه مسألة عنها وعن مسألة أخرى فقال: (إن عمر هذا الغلام لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة)، وأراد ﷺ بذلك أيضًا أن يعلم أمته أن الموت هو حكم، حكم الله به على خلقه، وليس هو فسادًا كما يزعمه الطبائعية.
стр. 1302
والمعنى أن الله قادر أن (١٨٢/أ) يمد عمر هذا الغلام إلى قيام الساعة فما هذا الاستبعاد لما يكون بمقدار عمر واحد، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
دع النفس تأخذ وسعها قبل بينها .... فمقترن جاران دارهما عمر
فكان هذا الجواب مزيلًا عن قلب السائل ما استبعده من أمر القيامة وردًا على الطبائعيين الذين لا يجوزون على الآدمي أن يعيش أكثر من مائة وعشرين سنة، على أن الظاهر في الحديث أنه قد اختلف على راويه.
* وقد بينا أنه قد تفرد به من روى أصل الحديث أثبت منه وإلا فرسول الله ﷺ قد بلغ ما أنزل عليه إلى الناس، وشهد عليه به المسلمون من أنه صرح لسائله عن الساعة بأن قال: ﴿إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾، وقال: ﴿عنده علم الساعة﴾.
وقال ﷺ لجبريل لما سأله-: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، فكيف يجوز لعاقل أن يظن أن رسول الله ﷺ بعد ما ثبت عنه هذه الأقوال أن يقدر ذلك بعمر واحد، إذ لو كان كذلك كان قد أحاط بعلمها، وحاش لله من هذا القول، وقد أنكر ما أنكرناه: أبو بكر بن إبراهيم الإسماعيلي في كتابه
стр. 1303
(المخرج على الصحيح) ثم تأول الحديث، وكذلك أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي الفقيه في كتابه الذي صنفه: (في تبديل اليهود والنصارى ما بأيديهم) ونص على أن قتادة ومعبد بن هلال غلطا فيه، وكان إنكاري له قبل أن أرى ما ذكره هذان الشيخان؛ فلما رأيت ما ذكراه حمدت الله تعالى إذ وافق إنكارهما ما أنكرته.
-١٦٣٣ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
[عن أنس، قال: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أفٍ قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا؟).
وفي رواية: (أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أنسًا غلام كيس، فليخدمك، قال: فخدمته (١٨٢/ب) في السفر والحضر، والله ما قال لي
стр. 1304
لشيء صنعته: لم صنعت هذا، ولا شيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟).
وفي رواية: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ).
وفي رواية: (خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، فما أعمله قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئًا قط).
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض على قفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، ذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا؟)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان كما يرضي الخادم لحسن الأدب في خدمة سيده، كذلك يعلم السادة كيف يستخدمون أتباعهم فإن أنسًا قال: فخدمته عشر سنين فلم يقل لي أف قط، ولا قال: لم فعلت هذا؟ وذلك
стр. 1305
يدل على توفيق أنس، وعلى تجاوز رسول الله ﷺ ، فهو تعليم لمن أراد أن يستخدم خادمًا إلا أنه إذا ساء الخادم فمباح مقابلته على إساءته بحسب ذلك من غير أن ينتهي به إلى حد، وليكن قاصدًا في مقابلته تعليمه ولئلا يعود إلى مثل ذلك الذنب.
* وليحذر من مقابلة عبيده أو خادميه على أثر معصية أو بغضب موجده، فإنه في ذلك الوقت لا يصلح له تدبير نفسه فربما تقابل مقابلة يندم عليها في تأني الحال، أو يكون القصد فيها غير وجه الله ، وليكن ذلك مما يعامل به ربه في تقويم عوج الخادم والرفق به، كما أنه قد يعامل الله في أخذه اتباعه وعبيده بالجد في الأمور، وأن لا يهملهم، ومما يدل على حكمة رسول الله ﷺ أنه وكأنه قال له حين قبض على عنقه من ورائه وما أتركك إلا عن قدرة عليك؟
* وقوله: والله لا أذهب لم يقصد (١٨٣/أ) عقد اليمين، فلا تجب عليه كفارة، لأنه قال: وفي نفسي أن أذهب.
-١٦٣٤ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
[عن أنس (أنه سئل عن أجر الحجام؟ فقال: احتجتم رسول الله ﷺ ، حجمه أبو طيبة، وأعصاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه، وقال: (إن أمثل ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحري)، وقال: (لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط).
وفي رواية: (دعا رسول الله ﷺ غلامًا حجامًا، فأمر له بصاع أو
стр. 1306
صاعين، أو مدًا أو مدين، وكلم فيه فخفف من ضريبته).
وفي رواية: (كان النبي ﷺ يحتجم، ولم يكن يظلم أحدًا أجره)].
* قد سبق في مسند ابن عباس ذكر الحجامة، وأن أبا طيبة حجم رسول الله ﷺ .
* وقوله: (لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة)، العذرة وجع الحلق، وسيأتي هذا مشروحًا في مسند أم قيس إن شاء الله تعالى.
-١٦٣٥ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
[عن أنس عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن بيع التمر حتى تزهو. فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر، وتصفر. قال: أرأيت لو منع الله الثمرة. فيم تستحل مال أخيك؟.
وفي رواية: (إن لم يثمرها الله تعالى، فيم تستحل ما أخيك؟)].
стр. 1307
* وقد سبق في مسند ابن عمر بيان هذا الحديث.
* وقد دل هذا الحديث على أن ما تهلكه الجوائح فهو من مال البائع.
-١٦٣٦ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
[عن أنس قال: (كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، لم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم).
وفي رواية عن حميد قال: (خرجت فصمت، فقالوا: أعد، فقلت: إن أنسًا أخبرني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة، فأخبرني عن عائشة مثله).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله ﷺ في السفر: فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حار أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب (١٨٣/ب) فقال رسول الله ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر)].
стр. 1308
* قد سبق هذا الحديث وتفسيره.
-١٦٣٧ -
الحديث العشرون بعد المائة:
[عن أنس قال: نادى رجل رجلا بالبقيع، يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقل: يا رسول الله، إني لم أعنك، وإنما دعوت فلانا، فقال رسول الله ﷺ : (تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي)].
* في هذا الحديث ما يدل على النهي أن يجمع الإنسان بين كنية رسول الله ﷺ واسمه؛ وذلك شديد في زمن رسول الله ﷺ ، وكذلك كنيته في زمنه، وعلى أنه ينبغي أن يكرم كل متسم باسم رسول الله ﷺ ولا يسمي الإنسان ولده محمدا، أو لا يكتني بأبي القاسم ثم يسبه، ولكن ليمتنع عن ذلك مهما استطاع.
стр. 1309
-١٦٣٨ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (قيل للنبي ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبي؟ فانطلق إليه النبي ﷺ ، وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني، لقد آذاني حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (سورة الحجرات: الآية ٩))].
* في هذا الحديث جواز أن يعود الإمام الرجل الذي لا ترضى ناحيته.
* وفيه جواز ركوب الحمار؛ لأن رسول الله ﷺ ركبه.
* وفيه جواز أن يركب الإمام والمسلمون يمشون معه.
* وفيه أيضا استحسان حضور الجواب من المؤمن، إذا كان صاحب الحق فيه كرم وحياء يمنعه من إجابة السفيه، فأن المؤمن يجيب عنه كما قال الأنصاري لابن أبي: لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ ذلك ولا أحد ممن سمعه.
стр. 1310
* وفيه أن الرجل الصالح قد يلتبس عليه الأمر فيغضب للباطل كما جرى في هذا الحديث الذي غضب (١٨٤/أ) لابن أبي.
* فأما قوله: (ونزلت فيهم هذه الآية) فأن المعول عليه أنها عامة في كل طائفة تبغي، فإنه يباح قتالها حتى تفيء إلى الحق.
* وقد مضى فيما تقدم شرح هذا المعنى وأغنى عن الإعادة.
-١٦٣٩ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ قال: فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل؟ في كتاب البخاري من حديث ابن علية: أنت يا أبا جهل؟ قال سليمان: هكذا قالها أنس: أنت أبا جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو قال: قتله قومه).
وفي رواية: (ولو غير أكار قتلني؟)].
* الأكار: الزراع.
* فأما قوله: (أنت أبا جهل)، فإن وجهه أنت يا أبا جهل كأنه يناديه،
стр. 1311
وحذف حرف النداء فهذا وجه مستقيم في النحو، وهو الأولى.
-١٦٤٠ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائة:
[عن أنس قال: (عطس رجلان عند النبي ﷺ ، فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني فقال: (إن هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند أبي موسى.
стр. 1312
-١٦٤١ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (أسر النبي ﷺ سرًا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني عنه أم سليم، فما أخبرتها به).
وفي رواية لمسلم: (أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدًا.
قال أنس: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت)].
* في هذا الحديث ما يدل على حسن عهد أنس وحفظه للسر إلا أن هذا السر فيما أراه لم يكن كتمانه إلا ليكون أثقل في ميزان إخلاصه إذ لا يجوز على رسول الله ﷺ أن يكون من أعماله ما يكتمه إلا لذلك، وإنه قد كان (١٨٤/ب) راجعًا إلى شيء في بعض أصحابه في سبيل خير أو صدقة مما لم يكن الصواب ظهوره.
-١٦٤٢ -
الحديث الخامس والعشرون بعد المائة:
[عن أنس أن النبي ﷺ ، قال: (لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني
стр. 1313
اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
وفي رواية: (أن نبي الله ﷺ ، قال: (لكل نبي دعوة).
وفي رواية: (أنا أول الناس يشفه في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا).
وفي رواية: (وأنا أول من يقرع الجنة).
وفي رواية: (أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد)].
* قوله: (إن لكل نبي دعوة لأمته) أي لعموم الأمة: إنا بالنصر أو بإعطائهم بلدًا من البلاد أو نحو ذلك. فلما كفى الله أمة محمد بأن وعدهم بالنصر بقوله تعالى: ﴿ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾، فاختيار رسول الله ﷺ دعوته لهم إلى يوم القيامة أحوج ما كانوا إليها، وهي الشفاعة.
* وقوله: (أنا أول شفيع في الجنة) أي في دخول الجنة.
* ومن فضائله ﷺ أنه كان أخيرًا في البعث، فإنه أول داخل إلى الجنة.
* وقوله: (من الأنبياء من لا يصدقه إلا واحد) في ذلك أسوة لكل من يدعو الناس إلى الحق فيعرضون عنه ويهجرونه؛ فلا ينبغي أن يستدل بذلك على أنه ليس بحق، فإن رسول الله ﷺ قد صرح بأن النبي من الأنبياء كان يبعثه الله
стр. 1314
فيذهب عمره في الدعاء إلى الله تعالى فلا يتبعه إلا الرجل الواحد.
* وفيه أيضًا من الفقه أن من هدى الله على يديه رجلًا واحدًا فلا ينبغي أن يحقره ولا يستقله، وليعلم أن النبي الكريم قد كان يذهب أكثر عمره في هداية رجل واحد.
-١٦٤٣ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فيسجد عليه)].
* في هذا الحديث دليل على جواز السجود على بعض الثياب.
-١٦٤٤ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائة:
[عن بكر عن أنس، قال: (سمعت النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة (١٨٥/أ) جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدونا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجًا).
وفي رواية لمسلم: (سمعت رسول الله ﷺ : أهل بهما جميعًا: لبيك
стр. 1315
عمرة وحجًا، لبيك عمرة وحجًا).
وفي رواية: (لبيك بعمرة وحج)].
* قد مضى هذا الحديث والكلام عليه في مسند علي ﵁.
-١٦٤٥ -
الحديث الثامن والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (أقيمت الصلاة ورجل يناجي النبي ﷺ فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى).
وفي حديث عبد الوارث: (فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم).
وفي رواية: (فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه فصلى بهم).
وفي رواية للبخاري من حديث حميد، قال: (سألت ثابتًا عن الرجل يكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة، فحدثني عن أنس قال: أقيمت الصلاة، فعرض للنبي ﷺ رجل، فحبسه بعدما أقيمت).
وفي رواية: (أقيمت الصلاة والنبي ﷺ نجي رجل فذكره).
وفي رواية: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون؛ ثم يصلون ولا يتوضؤون. قال: قلت: سمعته من أنس قال: إي والله).
стр. 1316
وفي رواية: (أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه، حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلوا)].
* في هذا الحديث دليل على أنه إذا أقيمت الصلاة فعرض مهم جاز للإمام أن يقف لاستماع ذلك.
* وفيه أن النائم وهو جالس لا ينتقض وضوؤه.
-١٦٤٦ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائة:
[عن عبد العزيز قال: قيل لأنس: ما سمعت من النبي ﷺ في الثوم. قال: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا)].
* قد سبق هذا الحديث.
-١٦٤٧ -
الحديث الثلاثون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (لما كان يوم أحد: انهزم الناس عن النبي ﷺ ، وأبو
стр. 1317
طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب به عليه بجحفة، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا، شديد النزع، لقد كسر يومئذ قوسين، أو ثلاثة، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة.
قال: ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، (١٨٥/ب) بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة وأم سلمة لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان، فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة: إما مرتين، أو ثلاثًا).
وفي رواية: (كان أبو طلحة يتترس مع النبي ﷺ بترس واحد، وكان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى يشرف النبي ﷺ فينظر إلى موضع نبله)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ ثبت يوم أحد حين ولى من ولى ثم عفى الله عنهم، وأن أبا طلحة ثبت مع رسول الله ﷺ يفديه بنفسه، وكان يرى من فقهه أنه لو لم يجد له من الوقاية إلا نحره لفداه به.
стр. 1318
* وفيه أيضًا أنه كان مع دينه هذا باسلًا راميًا، شديد النزع، وهكذا ينبغي أن يكون المجاهد: إن كان راميًا كان شديد النزع، وإن كان سايفًا كان شديد الضربة، وإن كان رامحًا كان شديد الطعنة وسديدها. ومع ذلك فإن أبا طلحة أشفق على النبي ﷺ حتى قال: لا تشرف، والمعنى لا تشرف من وراء الجحفة، وكان رسول الله ﷺ يبصر مواقع نبل أبي طلحة ليعلم ما أصاب من سهامه.
* وفيه دليل على أن الإمام إذا رأى راميًا باسلًا شديد النزع، ورأى مع غيره نبلًا وليس بمنزلته، أمره أن ينثرها له.
* وفيه أن الإمام يعد من السلاح ما يمكنه فإنه لو لم يكن لأبي طلحة عوض لقوسه لبقي بغير قس: ألم تسمع في هذا الحديث أنه كسر قوسين أو ثلاث، وأما وقوع السيف من يده فلأجل النعاس الذي اعتراهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن أبا بكر قوام إذا الأمر اشتد أو الحرب، كان سادة القوم خادمهم ألا ترى إلى خروج عائشة ﵂ وهي حبيبة رسول الله ﷺ حين اشتد الأمر قبضت الحذر، وخرجت برزة في سبيل الله تحمل القربة حتى تفرغ في أفواه المجاهدين، ثم تعود فتملأها.
* الحجفة: ترس صغير، والجعبة: خريطة النشاب من جلود.
* والسوق: جمع ساق، والخدم: جمع خدمة وهي الخلخال.
стр. 1319
-١٦٤٨ -
الحديث الحادي والثلاثون بعد المائة: (١٨٦/أ)
[عن أنس، أن النبي ﷺ قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وفي رواية لمسلم: (بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا، قلنا: ما أضحك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إنا أعطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر﴾ ثم قال: تدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك).
وفي رواية قال: (فهو نهر وعدنيه ربي في الجنة عليه حوضي ولم يذكر آنيته عدد النجوم)].
* قد سبق هذا الحديث في مواضع أقربها أوائل مسند أنس.
* واختلجوا بمعنى اقتطعوا.
стр. 1320
-١٦٤٩ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعا أحدكم فليعزم في المسألة، ولا يقولن: اللهم، إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له).
وفي رواية: (إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء)].
* في هذا الحديث أن الداعي ينبغي أن يعزم في السؤال ولا يردد؛ فإن التردد في المسألة نذير التردد في الإيمان، فإن الله تعالى كما قال رسوله ﷺ لا يكره ولا يغيض ما عنده سبحانه.
* ومعنى قوله ﵇: لا مكره له، فإنه يعني به ﷺ أنه لم يكن ما وعد به ﷻ من قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ عن سبيل إكراه لكنه عن فضل منه ولا يغيض، وجود لا يقلع، فإذا قال العبد في دعائه: إن شئت يا رب، فإنه كلام من لم يفهم أن الله سبحانه استدعى سؤال كل طالب بقوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، فهو قد شاء وسبق استدعاؤه الطلب من الطالبين والسؤال من السائلين حتى أنه قد جعل إجابته الداعين باب معرفة معروفة منه؛ فإنه يجيب الدعاء حتى أنه قد يجيب
стр. 1321
الكافر إقامة للحجة عليه، وليكون المؤمن عظيم (١٨٦/ب) الوثوق بإجابة دعائه إذا رأى الطلب من الله سبحانه لا يكدى بأحد.
-١٦٥٠ -
الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).
وفي رواية: (وسكنوا ولا تنفروا)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند أبي موسى.
* والمراد التسهيل والتيسير، فإن قوله ﷺ : (يسروا) في إطلاق وتعميم، يتناول كل شيء يقبل التعسير، فلم يقصر ذلك على تيسير شيء بعينه، كما أنه لم يقصر النهي عن التعسير في شيء بعينه، فكل شيء يكون فيه الأمر بين أمرين فإن الأحسن بمن يريد توخي أوامر رسول الله ﷺ أن يختار أيسرهما على أعسرهما.
* وهذا فإني أراه على ما فيه من هذا التعميم فإنه يفهم منه أنه أمر لكل امرئ
стр. 1322
وكبير وسيد لقوله: (يسروا) أي أمروا بالتيسير، ولا تعسروا أي لا تأخذوا بالمأمورين في التعسير، وأن من أولي الأمر: العلماء، وأنهم من أول من امتثل أمر رسول الله ﷺ في تيسيرهم على المتعلمين بأقوالهم وأحوالهم، فإن ذلك مما يسهل العلم والعمل على عباد الله، ومما يحبب إليهم دوام صحبته، ألا ترى إلى قوله: (وبشروا ولا تنفروا).
* وفي الرواية الأخرى: (وسكنوا ولا تنفروا) يعني به ﷺ بشروا معاملي الله بقبض الأرباح ومضاعفة الحسنات، وبشروا المعرضين بحسن القبول لكل آيب منهم، وبشروا المجدين بقرب أمد الراحة، وبشروا المنفقين بحسن الخلف في المقرين معًا، فإن الله يقول: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾، وقوله تعالى فهو يخلفه ثم لم يتبع هذه بأن قال في الدنيا دون الآخرة والآخرة دون الدنيا بل أطلق فتناول الدنيا والآخرة.
* وأما من روى (سكنوا) فمعناه سكنوا المنزعجين عند مقارفتهم شيئًا من الزلل، فإن نفس انزعاجهم له بشر، ولذلك سكنوا الخائفين فإنه لا خوف على مؤمن بالله، وسكنوا الفتن مهما استطعتم فلا توقظوا منها نائمًا، ولا تنفروا منها كامنًا، حتى إن من ذلك أن لو تلاحا رجلان فقصد منكم إصلاح ما بينهما فينبغي أن لا ينطق بكلمة حتى يراها مسكنة للنفرة.
* فأما قوله صلى الله عليه (١٨٧/أ) وسلم: لا تنفروا؛ فإن التنفير أن تحكي للناس العزائم دون الرخص بقصد تحريج كلما ذكر.
وذكر عن رجل صالح كانت له أحوال فلا يخرج منها إلا الأشد الأحمر، وكذلك ما عساه يتبعه القصاص من حكايات وردت شاذة كالإسرائيليات
стр. 1323
وغيرها من تعذيب النفوس وتكليفها المشاق والشديد من الأحوال، والغلو هو ترك المباحات ما تنفر الخلق عن عبادة الله، ويبغض إليهم طاعته، فإن ادعى منهم واحد أنه سلك ذلك وتمشى له فأحسن أحواله أنه ترك الأفضل.
* وجمع هذا الكلام كله: أن الحق هو الشرع المشروع؛ فكل من غلا فيه فهو بمنزلة من قصر عنه.
-١٦٥١ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي ﷺ يصلي في مرابض الغنم، ثم سمعته بعد يقول: كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ من بني النجار، فجاؤوا متقلدين سيوفهم، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ من بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى بني النجار فجاءوا. فقال: (يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا)، قالوا: لا والله، ما نطلب ثمنه إلا إلى الله.
قال أنس: فكان فيه نخل، وقبور المشركين، وخرب، فأمر رسول الله ﷺ : بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ -
стр. 1324
معهم وهم يقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة .... فاغفر للأنصار والمهاجرة
وفي رواية: جعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم وهو يقول:
اللهم إن الخير خير الآخرة .... فاغفر للأنصار والمهاجرة)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث.
* وقوله: (ثامنوني بحائطكم) هو كناية عن بيعه وتقدير ثمنه.
-١٦٥٢ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (كان (١٨٧/ب) رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير -قال: أحسبه قال: فطيمًا-قال: وكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير، نغر كان يلعب به).
وفي رواية: (فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي
стр. 1325
تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا)].
* في هذا الحديث ما يدل أنه كان ﷺ رحمة لصغيرهم وكبيرهم، وكان لكل الخلق منه راحة وله به سرور، وأنه كان ينزل عن رتبته العليا في الفصاحة والمكانة إلى مناطقة الصبي والطفل ليوجده روحًا فيسر بذلك قلوب الأطفال وقلوب آباء الأطفال بإباحته لهم ذلك فيقتدون به في ملاطفتهم صبيانهم، وليخرج أيضًا بذلك من حيز الجبارين والمتكبرين.
* وفيه دليل على أن ذلك مشروع في كل من له صبي فيستحب أن يلاطفه.
* وفيه جواز الكنية للصغير الذي لم يولد لمثله ويكون ذلك على وجه التفاؤل أنه سيولد له.
-١٦٥٣ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (البركة في نواصي الخيل).
وفي رواية: (معقود في نواصيها الخير)].
стр. 1326
* وهذا الحديث أيضًا قد مضى شرحه، وأشير إليه هاهنا، فأقول إن الخير والخيل إلا ما بين الراء واللام، وأقرب المخارج من الراء اللام والنون، ولم يأت في القرآن لام إلا ومعها ميم أو راء، فالخيل الخير، والخير الخيل، وأي خير أفضل وأعظم مما كانت توصله عباد الله سبحانه المؤمنين إليه من الشهادة في سبيله، وكانت وصلة إلى خير لا ينقطع أبدًا.
-١٦٥٤ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس قال: (خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة فقلت: أقمتم بها شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا).
وفي رواية: (أقمنا مع النبي ﷺ عشرة نقصر الصلاة)].
* قد سبق الكلام في قصر الصلاة في مواضع.
-١٦٥٥ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائة:
[عن عاصم بن سليمان قال: قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين
стр. 1327
الصفا والمروة؟ قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله : (١٨٨/أ): ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.
وفي رواية: (كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله، وذكر الآية)].
* وهذا الحديث قد مضى أيضًا.
-١٦٥٦ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة:
[عن عاصم، قال: (قلت لأنس: أبلغك أن النبي ﷺ قال: لا حلف في
стр. 1328
الإسلام؟ قال: قد حالف النبي ﷺ الأنصار في داري)].
* حالف بمعنى آخى، وإنما سماهم أنس محالفة لأن معناها معنى المؤاخاة، يقال: فلان خلف فلان وحليفه إذا لازمه، فكأنها من الملازمة، فعلى هذا يخرج كلام أنس. والأصل المنع من ذلك كما قال ﷺ : (لا حلف في الإسلام).
قال الشيخ محمد بن يحيى ﵀ قال: المحالفة حرام، لأنه إن كان يتحالفان على حق، فلأن الله تعالى أمرهما به، فلأن يأتيانه امتثالًا لأمر الله تعالى خيرًا لهم من إتيانه من أجل أنهما كانا تحالفا عليه، وإن كانا يتحالفان على فعل باطل فذلك لأجل الوفاء به، ولا عقده إلا أنه جهل جاهل حلف ثم حنث كان عليه كفارة يمين.
* ولقد كنت مرة جالسًا في الترب الشريفة على ساكنها السلام في زيارة، فقسمت فينا ربعة، فكان الجزء الذي في يدي فيه سورة النور، فقرأته حتى أتيت على قوله سبحانه: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾ فأثار الله سبحانه همي لتدبر هذه الآية فقلت: وما
стр. 1329
الحكمة في قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾ فشرعت في تدبر ذلك.
ثم رأيت أنه إن استمررت على التدبر طال على الآخرين انتظاري، فرأيت أن أقرأ معهم، ثم أتدبر هذه الآية فيما بعد، فأتممت القراءة معهم، ثم ختمت الختمة، وخرجنا فركبت وجئنا ففي طريقي تدبرت هذه الآية فوجدت فيها ما أنا ذاكره؛ وهو أني كنت عرفت أن سيبويه، قال: إن قوله: ﴿طاعة معروفة﴾ مبتدأ وخبره محذوف، وإن (١٨٨/ب) الفراء قال: هو خبر ومبتدأ محذوف، لأن المرفوع إذا انفرد جاز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف وجاز أن يكون خبرًا والمبتدأ محذوف.
فشرعت في تدبير معنى ذلك على رأي سيبويه، وهو أن جعلها مبتدأ والخبر محذوف، وتقديره طاعة معروفة أمثل، فنخرج من ذلك أنه لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لما أمرهم رسول الله ﷺ بالخروج إلى قتال العدو فحلفوا فإنهم يخرجون فقال : ﴿لا تقسموا﴾، فرأيت أن في ذلك من
стр. 1330
الحكمة أنكم إذا أقسمتم ثم خرجتم كان خروجكم وفاءً بالأيمان لا انقيادًا لموجب الإيمان، وإذا لم تقسموا ثم خرجتم كان ذلك دليل أمارة إيمانكم ومغنى عن تقديم إيمانكم هذا وجه.
ثم رأيت فيه وجهًا آخر، وهو أنه إذا أقسمتم لرسول الله ﷺ مع علمكم أن الله سبحانه يطلعه على الغيب فيكم، وأنكم إن كنتم مؤمنين فإن الله تعالى يعلم ذلك أيضًا، فإذا أقسمتم على ما لا يستند إلى الأيمان فقد أشعرتم بأنكم لم تؤمنوا بأن الله يعلم ما في الصدور، فكيف يحلف العبد لربه أني مؤمن بك؛ فإن الله يقول: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا﴾ يعني أنه سبحانه أن الأواب هو الرجاع الذي يرجع إلى التوبة بعد الذنب، ثم يتكرر ذلك منه، ولذلك قيل له: أواب أي رجاع.
فإذا كان سبحانه للأوابين غفورًا، فكيف بالصالحين، ولم يقل فإنه كان للصالحين غفورًا، وفي هذا زيادة فائدة، وهو أن الغفر في حال الأوابين أوقع منه في حال الصالحين، فإن الله سبحانه إذا شهد لقوم بالصلاح فإن حالهم يقتضي رفع المنازل والدرجات على أن فيها إشارة إلى أن كل صالح غير آمن من حال يصدر عنه تتبعها الأوبة فيلحقها المغفرة فسبحان المتكلم بهذا القرآن. والغفر: هو الستر للهفوة والزلة، فهذا وجه.
стр. 1331
ثم (١٨٩/أ) رأيت فيها وجهًا ثالثًا، وهو أن قول الله : ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا﴾ يعني ﷻ أن نفس إقسامكم يشعر بسوء ظنكم في ظننا فيكم، ويفصح عن قلة وثوقكم به توثقنا بكم، إذ لو لم تروا أننا نراكم بعين المتهمين لما أقسمتم على البراءة من التهمة فلا تقسموا. ثم رأيت أبا الطيب قد أخذ هذا المعنى فنظمه في قوله:
عقبى اليمين على عقبى الوفى ندم .... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وفي اليمين على ما أنت واعده .... ما دل أنك في الميعاد متهم
فنظرت فإذا هذه الوجوه الثلاثة تخرج على قول سيبويه أن يكون الخبر محذوفًا، وهو قولنا أمثل وأحق.
-١٦٥٧ -
الحديث الأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: (قدم علي ﵁ على النبي ﷺ من اليمن، فقال رسول الله ﷺ : (بما أهللت يا علي؟ فقال: أهللت بإهلال كإهلال النبي ﷺ فقال: لولا أن معي الهدي لأحللت)].
стр. 1332
* قد سبق بيان هذا الحديث في مسند أبي موسى ﵁.
-١٦٥٨ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائة:
[عن أبي مسلمة، قال: (سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم)].
* في هذا الحديث جواز أن يصلي الرجل في نعليه إذا كانتا طاهرتين.
-١٦٥٩ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا، معنا إداوة من ماء -يعني: يستنجي به).
стр. 1333
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلال، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء، وعنزة، يستنجي بالماء).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا، وتبعه غلام ومعه ميضأة، وهو أصغرنا، فوضعها عند سدرة، فقضى رسول الله ﷺ حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء)].
* أما حمل صاحبه الماء فإنه يحمله إلى موضع الاستنجاء، وأما حمل العنزة (١٨٩/ب) معه فلئلا يخل بحمل السلاح.
-١٦٦٠ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال أبو جهل: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجرة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)، فنزلت: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (٣٣) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ إلى آخر الآية].
стр. 1334
* في هذا الحديث من الدليل على أن الله ينطق الكافر والفاسق بما يأخذه به. وقوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ المعنى إنما امتنع العذاب عنهم بمكة لكونك فيهم.
* وقوله: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ أي لو استغفروا لما عذبوا.
* وقوله: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ فكانوا يظنون أن هذه عبادة عند البيت.
والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق.
فأخبر الله بذلك منذرًا لكل من يظن أن التصفيق يكون عبادة وهذا التصفيق والشبابة لا يحل لمؤمن من أن يسمي ذلك عبادة وأنه الباطل، ولم يكتف متخذه أن يستعمل الباطل حتى جر إليه طائفة من أهل الحق فيلبسها لباس الباطل ليكون بذلك خارجًا عن حد إغواء المعتدين إلى إغواء أهل الدين.
-١٦٦١ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائة:
[عن أنس، أن النبي ﷺ وجد تمرة فقال: (لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها).
стр. 1335
ومنهم من قال: (إن رسول الله ﷺ مر بتمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)].
* في هذا الحديث أن الشيء قد يجوز أن يكون مما لا يصلح فيترك احتياطًا كرجل يؤتى بماء لوضوءه من دار مجهولة، وإن سأل عن طهارته أمن بذلك أن يقال له بعد إن الإناء الذي أعطيناك منه كانت فيه نجاسة فيقدم الاحتراز خوفًا من مثل هذا إلا أن هذا إذا فعله الإنسان فهو الأولى، وإن لم يفعله فلا بأس عليه، فإن الأصول تستصحب، ومتى يطلع الإنسان على ما يخالف ذلك الأصل استدرك، وإن لم يطلع عليه استصحب الحال.
-١٦٦٢ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائة:
[عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ ، أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: أفعل كما يفعل أمراؤك؟).
وفي رواية (١٩٠/أ) (خرجت إلى منى يوم التروية، فلقين أنسًا ذاهبًا على حمار، فقلت: أين صلى النبي ﷺ الظهر هذا اليوم؟ قال: انظر، حيث
следующие страницы →