← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ثم (١٨٩/أ) رأيت فيها وجهًا ثالثًا، وهو أن قول الله : ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا﴾ يعني ﷻ أن نفس إقسامكم يشعر بسوء ظنكم في ظننا فيكم، ويفصح عن قلة وثوقكم به توثقنا بكم، إذ لو لم تروا أننا نراكم بعين المتهمين لما أقسمتم على البراءة من التهمة فلا تقسموا. ثم رأيت أبا الطيب قد أخذ هذا المعنى فنظمه في قوله: عقبى اليمين على عقبى الوفى ندم .... ماذا يزيدك في إقدامك القسم وفي اليمين على ما أنت واعده .... ما دل أنك في الميعاد متهم فنظرت فإذا هذه الوجوه الثلاثة تخرج على قول سيبويه أن يكون الخبر محذوفًا، وهو قولنا أمثل وأحق. -١٦٥٧ - الحديث الأربعون بعد المائة: [عن أنس قال: (قدم علي ﵁ على النبي ﷺ من اليمن، فقال رسول الله ﷺ : (بما أهللت يا علي؟ فقال: أهللت بإهلال كإهلال النبي ﷺ فقال: لولا أن معي الهدي لأحللت)].

стр. 1332

* قد سبق بيان هذا الحديث في مسند أبي موسى ﵁. -١٦٥٨ - الحديث الحادي والأربعون بعد المائة: [عن أبي مسلمة، قال: (سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم)]. * في هذا الحديث جواز أن يصلي الرجل في نعليه إذا كانتا طاهرتين. -١٦٥٩ - الحديث الثاني والأربعون بعد المائة: [عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا، معنا إداوة من ماء -يعني: يستنجي به).

стр. 1333

وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلال، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء، وعنزة، يستنجي بالماء). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا، وتبعه غلام ومعه ميضأة، وهو أصغرنا، فوضعها عند سدرة، فقضى رسول الله ﷺ حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء)]. * أما حمل صاحبه الماء فإنه يحمله إلى موضع الاستنجاء، وأما حمل العنزة (١٨٩/ب) معه فلئلا يخل بحمل السلاح. -١٦٦٠ - الحديث الثالث والأربعون بعد المائة: [عن أنس، قال: قال أبو جهل: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجرة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)، فنزلت: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (٣٣) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ إلى آخر الآية].

стр. 1334

* في هذا الحديث من الدليل على أن الله ينطق الكافر والفاسق بما يأخذه به. وقوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ المعنى إنما امتنع العذاب عنهم بمكة لكونك فيهم. * وقوله: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ أي لو استغفروا لما عذبوا. * وقوله: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ فكانوا يظنون أن هذه عبادة عند البيت. والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق. فأخبر الله بذلك منذرًا لكل من يظن أن التصفيق يكون عبادة وهذا التصفيق والشبابة لا يحل لمؤمن من أن يسمي ذلك عبادة وأنه الباطل، ولم يكتف متخذه أن يستعمل الباطل حتى جر إليه طائفة من أهل الحق فيلبسها لباس الباطل ليكون بذلك خارجًا عن حد إغواء المعتدين إلى إغواء أهل الدين. -١٦٦١ - الحديث الرابع والأربعون بعد المائة: [عن أنس، أن النبي ﷺ وجد تمرة فقال: (لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها).

стр. 1335

ومنهم من قال: (إن رسول الله ﷺ مر بتمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)]. * في هذا الحديث أن الشيء قد يجوز أن يكون مما لا يصلح فيترك احتياطًا كرجل يؤتى بماء لوضوءه من دار مجهولة، وإن سأل عن طهارته أمن بذلك أن يقال له بعد إن الإناء الذي أعطيناك منه كانت فيه نجاسة فيقدم الاحتراز خوفًا من مثل هذا إلا أن هذا إذا فعله الإنسان فهو الأولى، وإن لم يفعله فلا بأس عليه، فإن الأصول تستصحب، ومتى يطلع الإنسان على ما يخالف ذلك الأصل استدرك، وإن لم يطلع عليه استصحب الحال. -١٦٦٢ - الحديث الخامس والأربعون بعد المائة: [عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ ، أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: أفعل كما يفعل أمراؤك؟). وفي رواية (١٩٠/أ) (خرجت إلى منى يوم التروية، فلقين أنسًا ذاهبًا على حمار، فقلت: أين صلى النبي ﷺ الظهر هذا اليوم؟ قال: انظر، حيث

стр. 1336

يصلي أمراؤك)]. * قد سبق هذا الحديث والكلام عليه إلا أني أشير إليه، وأقول إنه يدل على اتباع الأئمة والتمسك بالجماعة والتحذير من الفرقة. -١٦٦٣ - الحديث السادس والأربعون بعد المائة: [عن أنس، أن النبي ﷺ قال: (آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)]. وفي رواية: (آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار)]. * فيه من الفقه أن الأنصار هم الذين اتخذوا البيضاء عند كل مسلم بما فعلوا مع رسول الله ﷺ ؛ لأنهم آووا ونصروا وآثروا، فكل مؤمن يعتقد عنده لهم يدًا وصنيعة بإحسانهم إلى رسول الله ﷺ والمؤمنين، وكل كافر يكون عدوًا لله وعدوًا للإسلام يبغض ما فعله الأنصار ويشنأهم على ذلك إلا أنه لم يقدر لظهور كلمة الحق وعلو الإسلام أن يظهر بغض رسول الله ﷺ بل يسر ذلك ويظهر بغض من آواه ونصره، فلذلك كان حب الأنصار آية الإيمان وبغض الأنصار آية النفاق. * الآية: العلامة والأمارة.

стр. 1337

-١٦٦٤ - الحديث السابع والأربعون بعد المائة: [عن أنس قال: (كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد). وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك). وفي رواية ابن مهدي: (بخمس مكاكي)]. * المراد من هذا الحديث أنه يستحب للمتوضئ أن لا ينقص عن ذلك المقدار، فإن زاد أو نقص مع الإسباغ جاز له ذلك، إلا أن الإسراف في الماء مكروه منهي عنه؛ لأن الذي يفرط فيه من الماء وإن قل، يجوز أن يكون فوت نفس قد أشرفت على الموت، فيكون إذا منحه الرجل أخاه المسلم لم يكن في الميزان على مقدار جرعة من ماء، ولكنه يكون في مقدار الموازنة أنه لو قد سقاه ظمآن قد قارب التلف، فإن الله يكتب له إحياء نفس يكون في التضعيف من حيث إنها يتأتى منها أن يكون أصلًا لأمة أو للناس جميعًا، فيكون الاعتداد له بإحياء نفس هي أصل لأمة أو للناس جميعًا يتناسلون ويعبدون الله إلى يوم القيامة (١٩٠/ب)، فهذا يكون من بركة حسن التقدير في الوضوء.

стр. 1338

-١٦٦٥ - الحديث الثامن الأربعون بعد المائة: [عن أنس قال: كان رجل نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا، فألقوا، فحفروا له فأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا، فألقوه، فحفروا له وأعمقوا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه). وفي رواية لمسلم قال: (كان منا رجل من بني النجار، وقد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب. قال: فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصهم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهه، فتركوه منبوذًا)]. * في هذا الحديث ذكر آية من آيات الله وهي أن هذا الرجل لما كذب على رسول الله ﷺ ، وادعى خلاف ما كان يمليه عليه، وكانت دعواه على السر

стр. 1339

الذي لولا استدناء رسول الله ﷺ له لم يقدر على تلك الدعوى، فأظهر الله تعالى فيه تلك الآية وهي لفظ الأرض له. وذلك أنه لما أظهر سر رسول الله ﷺ كان عقوبته من جنس ذنبه كما قدمناه فأظهرت الأرض من سوأته ما توار به من كل أحد. -١٦٦٦ - الحديث التاسع والأربعون بعد المائة: [عن أنس قال: (كان النبي ﷺ يقول: اللهم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار). وفي رواية: (كان أكثر دعاء النبي ﷺ : اللهم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار). وفي رواية عن عبد العزيز: أنه سأل أنسًا: (أي دعوة كان يدعو بها رسول الله ﷺ أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: اللهم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار). قال: (١٩١/أ) وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه)].

стр. 1340

* في هذا الحديث من الفقه هو أن هذه الكلمات جامعة لخير الدنيا والآخرة، لأنه إذا طلب في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة فقد طلب الحسنين في الدنيا والآخرة، وحسنة صفة لموصوف محذوف وفي حذفه فوائد: وهي أن كل مطلوب من النعمة والقربة والحياة والعافية والنصرة والبركة والكفاية والإصابة وغير ذلك -يجوز أن يكون في الموصوف، فلما حذف الموصوف وذكر الصفة جاز أن ينصرف ذلك إلى ذلك كله. * وقوله: (آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة) دعاء عارف أن أقل قليل من آلاء الله في الدنيا والآخرة لا يقوم له العبد، فمن طلب أن يؤتيه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة فقد طلب أن ينقله من عافية إلى عافية، ويقلبه من نعمة إلى نعمة، فلم يبق في ذلك ما يخاف على هذا العبد إلا ما عساه أن يتوجه إليه من عقوبة على خطاياه، ولما كان من الجائز أن ينال حسنة الآخرة بعد مسيس شيء من عذاب النار، فقال بعد السؤالين: وقنا عذاب النار، فتم له الدعاء وشمله الاحتياط. -١٦٦٧ - الحديث الخمسون بعد المائة: [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يبرح الناس يسألون، حتى يقولوا: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله). في رواية لمسلم: (أن رسول الله ﷺ قال: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله)].

стр. 1341

* في هذا الحديث من الفقه كراهية تخريج المسائل المتناقضة وتشكيك المقالات المتنافية، وأنها إنما تعترض في قلب كل شاك يرتاب فيقول القائل: من خلق الله بعد أن ثبت أنه لا أمارة للحدث فيه تعالى، كلام مختل، لأن قوله: ﴿الله خالق كل شيء﴾ إقرار بأنه أحدث الأشياء وتسليم أنه لا تسلط للحدث عليه، فإذا عاد وقال: (فمن خلق الله) ناقض قوله بقوله. (١٩١/ب) * وفي هذا الحديث من فضل الله سبحانه وحكمته على ما في قلوب المؤمنين لتجرع نطقه من مرارته أن أنطق الله ﷻ به رسوله ﷺ ليكون عند الأمة شيئًا من مثل الداء العضال، استحالة إذا عرض تناقضه، وليعلموا أن الشيطان ينتهي في إغواء الخلق وإلقاء الوساوس الخبيثة في قلوبهم إلى هذا الحد، ولو لم يذكر رسول الله ﷺ هذا، حتى يطرح الشيطان مثله في قلب من القلوب لم يكن مقدمًا على أن يفضح عما قذفه الشيطان في ضميره منه، فكان يموت العبد بدائه، ويفضي بغصته، ويبقى على كفره. -١٦٦٨ - الحديث الحادي والخمسون بعد المائة: [عن أنس (أن النبي ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنه، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنه. فقال: اركبها -ثلاثًا).

стр. 1342

وفي رواية: (فقال في الثالثة أو الرابعة: اركبها، ويلك! أو-ويحك!). وفي رواية عن أنس قال: (أمر رسول الله ﷺ برجل يسوق بدنة فقال: (إنها بدنة. فقال: اركبها -مرتين أو ثلاثًا). وفي رواية: (مر على النبي ﷺ ببدنة -أو هدية-فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة -أو هدية-قال: وإن)]. * قد دل الحديث على جواز ركوب البدنة من الهدي. * وفي أيضًا دليل على أن الأعرابي لما أمره رسول الله ﷺ بالركوب فقال: إنها بدنة. فقال له: اركبها، وقوله: (وإن)، يعني وإن كانت بدنة، فإنه قد كان له أن يركبها في وقته فلما راجع رسول الله ﷺ ثانية وثالثة أغلظ له، بأن قال: (ويلك-أو: ويحك) في جواب جهله، وعلى هذا فإنه إذا كان المخاطب بليدًا ولا يفهم إلا بالزجر والقول الخشن، فإنه يستعمل معه مثل هذا. -١٦٦٩ - الحديث الثاني والخمسون بعد المائة: [عن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ،

стр. 1343

وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني (١٩٢/أ) أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)]. * في هذا الحديث من الفقه أن معنى العبادة امتثال أمر المعبود، ومن ذلك فضل الصلاة وقت الأمر بفعلها، وتركها وقت الأمر بتركها، وكذلك سائر العبادات، وقد جاءت شريعة رسول الله ﷺ بعبادات كثيرة من صوم، وصلاة، وحج، وجهاد، وإنفاق، وابتغاء ولد يخلف أباه في عبادة ربه وبره، وقراءة، وتعلم وتعليم إلى غير ذلك، فمتى مد العابد الزمان في عبادة واحدة أضر بباقي العبادات فبحسب ما يزيد في شيء ينقص من غيره وذلك لا يصلح. * وأما قوله ﷺ : (إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له) فإنه قاله جوابًا للقائلين، إنا لسنا كرسول الله ﷺ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأعملهم أنه لم يزده ذلك إلا خشية من الله وانفا له؛ لئلا يظنوا أنه خفف عبادة ربه اتكالًا

стр. 1344

على أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولم يكن كذلك بل الذي فعله هو الغاية القصوى في الجمع بين العبادات كلها وعمارة الأرض بأسرها، ولا يكون الإنسان قادرًا على اتباع أمر رسول الله ﷺ في عمارة الطرق بأسرها حتى يكون وفق الشرع فيرى النكاح عبادة والنظر عبادة إلى غيرهما من الأحوال التي يقوى على عمارة جميع الطرق. -١٦٧٠ - الحديث الثالث والخمسون بعد المائة: [عن أنس (أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش، فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ ، وأبوا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ : (يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره). (١٩٢/ب) وعن أنس (أن أخت الربيع أم حارثة: جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: القصاص، القصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله: أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها، فقال النبي ﷺ : سبحان الله، يا أم الربيع، القصاص كتاب الله، فذكره، وفيه: إنهم قبلوا الدية فقال رسول الله ﷺ : (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)].

стр. 1345

* في هذا الحديث من الفقه أن السن بالسن. * وفيه أن العبد الصالح قد تعتريه الغيرة فيقول: ما ليس له قوله، نحو قول أنس بن النضر، وقول أمه. * وفيه أيضًا أن العبد الصالح والأمة الصالحة إذا وثقا من الله يوفق عودهما فأقسما عليه ثقة بكرمه سبحانه مع العلم بأنه يقدر على تيسير ما استضعب على غيره فإن إيمانهما يشفع لهما، فإنني لا أرى أنسًا ﵁ قال ما قال، وحلف عليه حين تسدد الخصوم ولم يبق في الأمر مطمع من جهة الخلق، فاعتمد على الله وحلف على أنه لا تكسر سن الربيع، فأبر الله يمينه وأوقع في قلوب الخصوم العفو، ومثل هذا القسم المذكور لا يصلح لغير أنس أن يتسوغ إليه، ولا سيما إن كان المقسم في مقام مدل فيدعو بشيء لا يصلح مما يستعجل به الشر من إهلاك شخص ونحو ذلك، فمن قمين أن يكذبه الله تعالى فيما تألى عليه به، فأما من رجاء رحمة الله فطمع لعصاة عباده في غفرانه فآمل لخطائي خلقه عفوه فلا لوم عليه. -١٦٧١ - الحديث الرابع والخمسون بعد المائة: [عن أنس قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا

стр. 1346

رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه-وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، فقال سعد: فما استطعت برسول الله ﷺ ما صنع، قال أنس: فوجدناه (١٩٣/أ) به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى -أو نظن-أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ الآية). وفي رواية لمسلم: (قال أنس: عمي سميت به، لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرًا، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، ولئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع! قال: وهاب أن يقول غيرها، فقال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين؟ ثم قال: واهًا لريح الجنة، أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة ورمية وطعنة، ثم ذكر نحو ما تقدم)].

стр. 1347

* في هذا الحديث من ذكر بلاء أنس بن النضر وعلو مقامه في جهاد الأعداء ما تبين ما ذكرناه في الحديث الذي قبله من استيهاله إبرار قسمه، وأنه لما غاب عن بدر، وهي أول المشاهد استدرك أي استدراك بفعلته هذه حتى قال سعد بن معاذ -الذي اهتز العرض عند موته-الذي قال: إني ما استطعت ما صنع، وحتى توجد فيه بضع وثمانون بين رمية وضربة وطعنة. * وفيه أيضًا أن الله قد يبلغ من لطفه بعبده المؤمن إلى أن يرزقه الله زيادة الحرص على الخير بأن يفوته من شيء من الخير قد كان أدركه غيره، فإن أنس بن النضر حين فاتته بدر أزاد حرصه حتى بات الناس في يوم أحد فاستدرك ما فاته وجعل حسن بلائه مقتدى لكل من أراد أن يستدرك فائتًا من أمره أن يفعل كفعله. * وفيه أيضًا مما يدل على إيمانه أنه قال: ليرين الله، ولم يقل ليرين غيره، فدل قوله هذا على لباب إخلاصه، وأنه لم يرد أن يرى ما فعله غير الله ولا جرم أن الله أظهر بركة إخلاصه عليه. * وفيه أيضًا أنه لما انكشف من المسلمين من انكشف انحيازًا (١٩٣/ب) إلى فيئهم لم يقنع بأن يأخذ بالرخصة بل رجع عن صف المنكشفين من المسلمين مستقبلًا صف المشركين بمفرده فقاتل حتى قتل في موطن وأي موطن.

стр. 1348

-١٦٧٢ - الحديث الخامس والخمسون بعد المائة: [عن انس عن النبي ﷺ قال: (لغدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها)]. * قد سبق هذا الحديث والكلام عليه. -١٦٧٣ - الحديث السادس والخمسون بعد المائة: [عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر، حتى نظن أنه لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا قائمًا إلا رأيته). وفي رواية: (سألت أنسًا عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، ولا مسست خزة ولا حرير ألين من كف

стр. 1349

رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكة ولا عبيرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ). وفي رواية: (كان يصوم حتى يقال: قد صام، ويفطر حتى يقال: قد أفطر أفطر)]. * قد سبق ذكر هذا الحديث في مواضع. -١٦٧٤ - الحديث السابع والخمسون بعد المائة: [عن أنس قال: قال النبي ﷺ : (تسحروا؛ فإن في السحور بركة)]. * قد سبق هذا الحديث في مواطن وشرحناه مستوفيًا. -١٦٧٥ - الحديث الثامن والخمسون بعد المائة: [عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلال، قال: (اللهم إني أعوذ

стр. 1350

بك من الخبث والخبائث). وفي رواية: (إذا أراد أن يدخل الخلاء). وفي رواية: (إذا دخل الكنيف). وفي رواية: (أعوذ بك من الخبث والخبائث)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ استعاذ بالله لما دخل الخلاء؛ لأنه مقام كشف العورة وانقطاع عن ذكر الله ، المحصن من شياطين الجن والأنس، وحالة استيحاش من العبد لذكر ربه إلى حين عوده. قال أبو عبيد: الخبث: الشر، والخبائث الشياطين. -١٦٧٦ - الحديث التاسع والخمسون بعد المائة: [عن النبي ﷺ قال: (من لبس الحرير في الدنيا (١٩٤/أ)، فلن يلبسه في الآخرة).

стр. 1351

* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه. -١٦٧٧ - الحديث الستون بعد المائة: [عن أنس قال: أبصر النبي ﷺ نساءً وصبيانًا مقبلين من عرس، فقام فقال: (اللهم أنتم من أحب الناس إلي). وفي رواية: (رأي صبيانًا ونساءً مقبلين من عرس فقام ﷺ فقال: (اللهم إنهم من أحب الناس إلي، اللهم إنهم من أحب الناس إلي، اللهم إنهم من أحب الناس إلي. يعني الأنصار)]. * قد سبق هذا الحديث، وهو مشتمل على فضيلة الأنصار، وتكريره لذلك ثلاثًا، فهو تأكيد إلا أنه مع كونه يعلم أن الله تعالى يعلم منه مثل ما أخبر به، فإن الذي أرى فيه أن قوله ذلك ﷺ جهرًا غير سر فإنما أراد أن يعلم الخلق أنه قد أشهد الله على ما أخبر به من ذلك.

стр. 1352

-١٦٧٨ - الحديث الحادي والستون بعد المائة: [عن أنس قال: (نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الزعفران هو من طيب النساء؛ وليس من طيب الرجال، فعلى هذا أرى أن لا يتطيب الرجل بطيب فيه زعفران. والتزعفر: هو استعمال الزعفران. -١٦٧٩ - الحديث الثاني والستون بعد المائة: [عن أنس قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج رسول الله ﷺ وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء). وفي رواية: (لم يكن بينهما إلا قليل). وفي رواية: (كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها). وفي رواية عن المختار بن فلفل، قال: (سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب

стр. 1353

فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا)] (١٩٤/ب). * قد سبق الكلام على هذا الحديث وبينا أنه إذا غربت الشمس جاز التنفل، وإنما ترك ذلك لضيق وقت المغرب. -١٦٨٠ - الحديث الثالث والستون بعد المائة: [عن أنس: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح: ١] قال: هو الحديبية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، فما لنا. فأنزل الله : ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات﴾ [الفتح: ٥]. قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، فعن أنس، أما (هنيئًا

стр. 1354

مريئًا) فعن عكرمة. وفي رواية: (لما نزلت: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا (١) ليغفر لك الله﴾ إلى قوله: ﴿فوزًا عظيمًا﴾ مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية. قال رسول الله ﷺ : (لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا)]. * وفي هذا الحديث أن سورة الفتح نزلت مبشرة رسول الله ﷺ بالفتح من قبل كونه. * وفيه أيضًا أن الله تعالى بشر المؤمنين بما وعدهم به في الجنة. * وفيه أيضًا جواز أن يهنأ الرجل بنعم الله ويقال له: هنيئًا. * وفيه أيضًا دليل على جواز تلفيق الراوي الحديث إذا سمعه من رجلين أو ثلاث ليتضح معناه.

стр. 1355

-١٦٨١ - الحديث الرابع والستون بعد المائة: [عن أنس (أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأيه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي ﷺ ، فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى بن أنس: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة). وفي رواية: (لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية [الحجرات: ٢]، جلس ثابت في بيته، وقال: أنا من أهل النار، (١٩٥/أ) واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول النبي ﷺ ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، وقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: بل هو من أهل الجنة). وفي رواية: (كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية. وذكر الحديث. وفي رواية: (فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة)].

стр. 1356

* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل الصالح قد يشتد خوفه من صغائره أضعاف ما يكون من غير الرجل الصالح عند فعله الكبائر. * وفيه أيضًا دليل على استحباب السؤال عن الصاحب إذا انقطع. * وفيه أيضًا أن رسول الله ﷺ لما رأى شدة خوفه بلغ منه إلى الانقطاع عن رسول الله ﷺ أظهر له ما أخفاه عن غيره من بشراه بالجنة، وعلى ذلك أن رسول الله ﷺ بشره بالجنة في جواب شدة خوفه من رفع صوته على النبي ﷺ ثم لم يفسح له فيه. -١٦٨٢ - الحديث الخامس والستون بعد المائة: [عن أنس (أن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعًا، فيقيل عندها على ذلك النطع، فإذا قام النبي ﷺ أخذت من عرقه وشعره، فجمعته في سك، قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك، قال: فجعل في حنوطه). وفي رواية: (كان النبي ﷺ يدخل ويبيت عند أم سليم، فينام على فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيت، فقيل لها: هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك! قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تنشف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ ، فقال: ماذا تصنعين يا أم

стр. 1357

سليم؟ فقالت: يا رسول الله، نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت). وفي رواية لمسلم: (دخل علينا النبي ﷺ ، فقال عندنا، فعرق وجاءت أمي بقارورة (٢٩٥/ب)، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو أطيب الطيب)]. * قد سبق أن أم سليم كانت ذا محرم من رسول الله ﷺ ، ويقال أن ذلك من الرضاعة. * وفيه جواز أخذ عرق رسول الله ﷺ من غير استئذانه لعلمها أن النبي ﷺ لا يمنع ذلك. * وفيه أيضًا أن القيلولة سنة لقوله: (يقال عندها). * وفيه أيضًا جواز النوم على النطع لقوله: (كان يدخل فينام على نطع لنا). * وفيه أيضًا أنها كانت تلتقط شعرات رسول الله ﷺ . * وفيه أيضًا جواز أن يجعل من عرق النبي ﷺ وشعره مع الميت لقوله: (فأوصى أنس أن يجعل في حنوطه). * وفيه أيضًا جواز النوم على فراش الغير بغير إذن منه؛ إن كان يعلم أن ذلك يسرح ويفرح به. * وقوله: (ففزع رسول الله ﷺ ) أحسب معناه فانتبه بانزعاج.

стр. 1358

-١٦٨٣ - الحديث السادس والستون بعد المائة: [عن أنس قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف-القين-وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم، فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال: (يا ابن عوف، إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون). وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : (ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف-امرأة قين، يقال له: أبو سيف-فانطلق يأتيه فاتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف-وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا-فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله ﷺ ، فأمسك، فدعا النبي ﷺ بالصبي، فضمه إليه، وقال: ما شاء الله تعالى أن يقول، فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه-بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ (١٩٦/أ) فقال: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إل ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون)].

стр. 1359

* في هذا الحديث من الفقه جواز البكاء على الميت من غير نياحة. * وفيه أيضًا استحباب رحمة الأطفال. * الظئر: هي الحاضن والقين: هو الحديد. * وفيه جواز أن يسمى المولود ليلة ولادته لقوله: (ولد لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم). * ويستحب للرجل أن يسمى ولده باسم أبيه إذا كان قد مات أبوه. -١٦٨٤ - الحديث السابع والستون بعد المائة: [عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة). وفي رواية عن أنس: (من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)]. * في هذا الحديث دليل على أن الرؤيا الصالحة بشرى من الله دون الرؤيا السيئة.

стр. 1360

* فأما قوله: (ستة وأربعين) فقد ذكر العلماء فيها أنه أقام بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرا، وأنه كان بها ستة أشهر يوحى إليه في المنام، هي جزء من ستة وأربعين على ما بينا في مسند عبادة بن الصامت. -١٦٨٥ - الحديث الثامن والستون بعد المائة: [عن أنس، قال: (بنما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، ثم أناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ -

стр. 1361

متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي ﷺ : (قد أجبتك). فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: (سل عما بدا لك). فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: (اللهم نعم). قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: (اللهم نعم)، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: (اللهم نعم) قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : (اللهم نعم)، فقال (١٩٦/ب) الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد ابن بكر). وفي رواية لمسلم: (نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: (صدق)، قال: فمن خلق السماء؟ قال: (الله)، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: (الله)، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: (الله)، قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمر بهذا؟ قال: (نعم). قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال:

стр. 1362

(نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: (صدق). قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك هذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: (صدق). قال: ثم ولى، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ : (إن صدق ليدخلن الجنة)]. * في هذا الحديث من الفقه أن هذا السائل وهو ضمام لما ثبت عنده الحق بطريق سكن إليها قلبه، وحصل له الإيمان رضي رسول الله ﷺ بذلك منه إيمانًا، وشهد له بدخول الجنة إن صدق، وهذا الاشتراط للصدق إنما هو في الأعمال التي ذكر له يؤديها على أنه قد كلم رسول الله ﷺ بكلام عالم بخالق الخلق، عارف بقدر فخامة اليمين به عند من يؤمن به. * وفي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجلسون معه، ولا يقوم واحد منهم على رأسه كما يفعل الأعاجم في غير حاجة، إلا أنه إن كان قيام القائمة لحاجة أو لتنفيذ في أمر أو ليستعان به فله حكم آخر. * وفيه أيضًا جواز الاتكاء بين القوم الجلوس. * وقول النبي ﷺ له: (قد أجبتك)، فإنه لما لم يدعه بالنبوة لم يجبه بالجواب المرضي، ولهذا جاء في حديث آخر أن رجلًا قال: يا محمد، فأجابه بأن قال:

стр. 1363

(هاؤم). -١٦٨٦ - الحديث الأول من أفراد البخاري: (١٩٧/أ) [عن الزهري، قال: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت). وفي رواية: (ما أعرف شيئًا مما كان على عهد رسول الله ﷺ قبل الصلاة، قال: أليس قد صنعتم ما صنعتم فيها). وفي رواية: (أنه قدم للمدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف)]. الإشارة من أنس إلى مثل ما كان يفعل الحجاج من تأخير الصلاة. * وقد سبق هذا في مسند أبي الدرداء شرح هذا المعنى.

стр. 1364

-١٦٨٧ - الحديث الثاني: [عن أنس، قال: (لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي ﵉. وفي رواية عن ابن سيرين قال: (أتي عبد الله بن زياد برأس الحسين ﵁، فجعل في طست فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبًا بالوسمة)]. * قد سبق الكلام في أنه كان الحسن يشبه رسول الله ﷺ في مسند أبي بكر ﵁. * وقوله (في حسنه شيئًا) المعنى أنه مدحه بالحسن، وينكت: يقرع شيئًا يؤثر. * فأما القول فيما جرى على الحسين بن علي ﵁ فإن قولنا فيه ما قال الربيع بن خثيم: فإنه لما قيل له: قد قتل الحسين ﵇؟! قال: اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ونحن غير راضين بما جرى إلا أن إظهار النكير في هذا الأمر يوجب ما يستحقه، إلا من بعد فوته وذهاب زمانه وموت فاعله

стр. 1365

لا يثير إلا ما يتعلق به جهال هذا الزمان ويجدونه سلمًا إلى سب غير الجاني وتعميم الكل بالأقوال التي ليست بجائزة؛ فكان الإمساك عن ذلك اتباعًا للعلماء، وذلك هو الحق. -١٦٨٨ - الحديث الثالث: [عن أنس أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، (١٩٧/ب) فقال: (لا تدعون منه درهمًا)]. * هذا الفداء إنما كان عن العباس حين أسر يوم بدر. * وقول الأنصار ذلك أرادوا به التقرب إلى رسول الله ﷺ وإكرام العباس. * وقولهم: (ابن أختنا) لأن هاشمًا كان قد تزوج امرأة من بني النجار، يقال يها: سلمى، فولدت له عبد المطلب. فلذلك قالوا: ابن أختنا. * وقوله: (لا تدعون) بالنون فإنه إخبار يتضمن الحث على الترك؛ فكأنه قال: ما تدعون، ويجوز أن يكون الراوي قد لحن بإثبات النون فيكون نهيًا لهم عن أن يدعوه، وقد كان جرى من قبول الفداء منهم ما قد جرى. * وفيه من حسن الأدب أنهم قالوا: (ابن أختنا) ولم يقولوا: (عمك) لتكون

стр. 1366

المنة بالترك عليهم لا عليه. -١٦٨٩ - الحديث الرابع: [عن أنس، (أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ برد حرير سيراء)]. * قد سبق شرح هذا في مسند ابن عمر. -١٦٩٠ - الحديث الخامس: [عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إن كان ظالمًا: كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره). وفي رواية: (كيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يده)]. * هذا الحديث قد سبق وتقدم الكلام عليه.

стр. 1367

-١٦٩١ - الحديث السادس: [عن أنس، (قال: كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل التمرات). وفي رواية: (يأكلهن وترًا)]. * هذا الحديث يدل على استحباب الفطر قبل الصلاة وبخلاف الأضحى لأنه قد كان صائمًا فأمر أن يفطر بخلاف الأضحى، وذلك أن الناس يعتادون الصوم في رمضان فإذا أصبحوا تفرغوا من الأكل والعادة، فأكل ﷺ لتغير العادات. * وفيه ما يدل على استحباب التمر عند الفطر، وقد تقدم اختيار الوتر؛ لكونه يذكر بالوتر، الوتر سبحانه. -١٦٩٢ - الحديث السابع: [عن أنس عن النبي ﷺ : (أنه كان إذا تكلم بكلمة: أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم سلم عليهم سلم (١٩٨/أ) عليهم ثلاثًا)].

стр. 1368

* أما إعادته الكلمة فذلك يدل على أنه كلام محق غير مغالط ولا من يخاف أن يؤخذ عليه ما يقول ولا أن ينقض عليه قول. * وأما التسليم ثلاثًا فلتكثير البركة؛ أو يسمع من لم يسمع فيرد السلام فتجب له الرحمة. -١٦٩٣ - الحديث الثامن: [عن أنس، قال: (يرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾)]. * هذا الحديث طرف من حديث تقدم في مسند أنس أيضًا، وقد سبق الكلام عليه هنالك. -١٦٩٤ - الحديث التاسع: [عن ثمامة، قال: (حج أنس على رحل، ولم يكن شحيحًا، وحدث أن النبي ﷺ حج على رحل وكانت زاملته)].

стр. 1369

* هنا يدل على أن الحج على الرحل أفضل من الحج على المحمل. * وقوله: (لم يكن شحيحًا) يدل على أن مقصوده اتباع السنة. -١٦٩٥ - الحديث العاشر: [عن أنس، (أن قيس بن سعد بن عبادة: كان يكون بين يدي النبي ﷺ ، بمنزلة صاحب الشرط من الأمير)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن ما قلنا من أمر صاحب الشرطة في الاثني عشر الذين تقدم ذكرهم. -١٦٩٦ - الحديث الحادي عشر: [عن ثمامة قال: (كان أنس لا يرد الطيب، قال: وزعم أنس: أن النبي ﷺ -

стр. 1370

كان لا يرد الطيب)]. * ويدل على قبول الهدية، وقد كان النبي ﷺ لا يرد الطيب خاصة وإنما غير فربما رده. -١٦٩٧ - الحديث الثاني عشر: [عن أنس قال: قال النبي ﷺ : (إنكم ستلقون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). وفي رواية: (دعا النبي ﷺ للأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا: لا، إلا أن يقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها). فقال: (أما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة بعدي)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ أراد إيثار الأنصار بإقطاع البحرين حكمًا منه على المهاجرين، لأن المهاجرين منه وأهله فلما فهمت الأنصار أن رسول الله ﷺ أراد ذلك (١٩٨/ب) إيثارًا لهم، وجزاء بإحسانهم بما آثروا به
следующие страницы →