Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
* في هذا الحديث من الفقه جواز إعداد السير وإنضاء الدواب لتعجيل الورود على الأهل، وقد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ فعل ذلك رعاية لقلوب أصحابه؛ لأنه قد يكون فيهم المشتاق إلى أهله والحديث العهد ببنائه أهله، فكان الإسراع في السير عند العود نزولًا عن قوته إلى رتبة الضعفاء المشتاقين إلى أهليهم، وكان هذا الإسراع في المعنى متناولًا نطقه ﷺ : (سيروا سير أضعفكم) أي سير أضعفكم في العجز عن إطاقة الحث وتطويل المنازل فكان ضعف القلوب في التأخير لأجل الاشتياق إلى الأهل نظير الضعف في الأبدان عند الحث في السير.
-١٧٣٦ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أنس، قال: (آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا، وكانت انفكت قدمه، فجلس في علية له، فجاء عمر، فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، ولكن آليت منهن شهرًا، فمكث تسعًا وعشرين يومًا ثم نزل، فدخل على نسائه).
وفي رواية: (فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرًا؟ فقال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ (٢٠٥/ ب) صرع من فرسه، فجحش شقه، أو كتفه، وآلى من نسائه شهرًا، فجلس في مشربة له، درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإن صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا
стр. 1402
قعودًا، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع). وقال: ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول الله، إنك آليت شهرًا، فقال: (إن الشهر تسع وعشرون)].
* قد تقدم الكلام في هذا الحديث في مسند عمر.
* وأما انفكاك قدم رسول الله ﷺ فإنه يدل على أن رسول الله ﷺ جلس لذلك موليًا عن نسائه جامعًا في ذلك بين معالجة الكريمة بالراحة، وبين معالجة، أخلاق النساء بالإيلاء.
-١٧٣٧ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أنس، قال: (أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب مسجده، فكره
стр. 1403
رسول الله ﷺ أن تعرى المدينة، فقال: يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا)].
* في هذا الحديث أن الاحتساب بالخطا إلى المساجد فكلما كثرت زاد ثوابها.
* وفيه دليل على أن الإمام إذا نظر مصلحة راجعة إلى بلد من البلاد أخرج الأمر بها مخرجًا صالحًا في الدين، لأن في الحديث وكره رسول الله ﷺ أن تعرى المدينة أي لا تكون حولها من البيوت ما يشبهه الكسرة، فقال النبي: (يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟)
فأخرج ذلك مخرجًا جميلًا كريمًا، ولم يظهر عنه مبالاة بما يكره لأجله أن تعرى المدينة ممن يكون حولها، وليكون أصحابه في لزومهم أبنيتهم حول المدينة لأجل الاحتساب بكثرة الخطا مأجورين، وإن انضم إلى ذلك عمارة ما حول المدينة.
-١٧٣٨ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أنس، قال: (كنا نبكر إلى الجمعة؛ ثم نقيل بعدها).
وفي رواية: (كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة)].
стр. 1404
* التبكير هو التقديم، وباكورة كل شيء أوله.
* وفيه استحباب القيلولة، ويستحب أن تكون بعد الجمعة.
* وقد مضى هذا الحديث في مسند سهل بن سعد وذكرنا تفسيره.
-١٧٣٩ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أنس، قال: (كانت الريح إذا هبت عرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ )].
* فيه من الفقه الخوف من الريح، لأنها إذا جاءت رعرعًا فقل ما ينتفع بها، وإنما الريح المنتفع بها هي المرسلات عرفًا، فكان (٢٠٦/ أ) رسول الله ﷺ يخاف من ذلك لتجويزه أن تأتي بالعذاب.
-١٧٤٠ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أنس، قال: (كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، فسقطت
стр. 1405
الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: (غارت أمكم)، ثم حبس الخادم، حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت)].
* في هذا الحديث استحباب مداراة النساء، وعلى هذا الحديث اعتراض لقائل أن يقول الصحفة من ذوات القيم فكيف غرمها؟
الجواب أن الظاهر فيما يحويه بيت الرسول ﷺ أنه ملكه فنقل من ملكه إلى ملكه لا على وجه الغرامة بالقيمة.
-١٧٤١ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أنس قال: (بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة -فقال عبد الله بن بك عن بكر عن حميد: وهو في أرض يحترف- فأتاه، وقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؛ ما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شيء ينوع الولد إلى أخواله؟
فقال رسول الله ﷺ : (خبرني بهن آنفًا جبريل) قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة.
стр. 1406
زاد في رواية عبد الله بن بكر عن حميد فقرأ هذه الآية: (من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزل على قلبك﴾ فقال رسول الله ?: (أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها).
قال: أشهد أنك رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله ﷺ : (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام) فقالوا: أعلمنا (٢٠٦/ ب)، وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله ﷺ : (أفرأيتم إن أسلم عبد الله). قالوا: أعاذه الله من ذلك).
زاد في رواية: (فأعاد عليهم- فقالوا مثل ذلك- فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا، وابن شرنا، ووقعوا فيه. قال يعني ابن سلام-: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله).
وفي رواية: (أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ﵁، وأبو بكر يعرف، ورسول الله ﷺ شاب لا يعرف، قال: فليقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
стр. 1407
فالتفت أبو بكر ﵁ فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا. فالتفت النبي ﷺ فقال: (اللهم اصرعه) فصرعه فرسه، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت، فقال: (قف مكانك، لا تترك أحدًا يلحق بنا)، قال: فكان أول النهار جاهدًا على النبي ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له.
فنزل نبي الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبي الله وأبي بكر فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر، وحفوا دونهما بالسلاح، قيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، وأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل له يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ، ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله ﷺ : (أي بيوت أهلنا أقرب)، فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، قال: (فانطلق فهيئ لنا مقيلًا)، قال: قوما على بركة الله.
فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله ﷺ ، وأنك جئت بحق، وقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في.
فأرسل نبي الله ﷺ ، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : (يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم (٢٠٧/ أ) لتعلمون
стр. 1408
أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا)، فقالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ ، وقالها ثلاث مرار، قال: (فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام) قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: (أفرأيتم إن أسلم)، قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: (أفرأيتم إن أسلم)، قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: (أفرأيتم إن أسلم) قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: (يا ابن سلام اخرج عليهم)، فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ )].
*قد سبق تفسير هذا الحديث في غير موضع.
*ومعنى يخترف يجتني الثمر. وقوله: ينزغ الولد أي يميل ويرجع في الشبه.
*وقوله: بهتوني عندك أي كذبوا علي كذبًا فاحشًا. وقوله: مسلحة أي
стр. 1409
حارسًا بسلاحه.
- ١٧٤٢ -
الحديث السابع والخمسون:
عن أنس، قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت)].
* في هذا الحديث صفة حسن خلق رسول الله ﷺ إنه لم يكن ممتنعًا ولا بعيدًا عن من يريد أن يكلمه، ويدل على أنه ﷺ كان من الأمانة وبعد الظنة بحيث لا يتأثر عرضه ﷺ بأن تذهب به الأمة حيث شاءت، ولأن للنساء حوائج كما للرجال، وللإمام من إنصافه وإنعامه كما للحرائر لأنه أبو الأمة.
-١٧٤٣ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها).
وفي رواية: (وحسابهم على الله).
стр. 1410
وفي رواية: (سأل ميمون بن سياه أنسًا: ما يحرم دم العبد وماله؟ فقال: من شهد أن لا إله إلا الله، واسقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم)].
* هذا الحديث موقوف قد تقدم في مسند عمر ﵁.
-١٧٤٤ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أنس، قال: (لم يبق ممن صلى (٢٠٧/ ب) القبلتين غيري)].
* هذا يدل على أن من صلى القبلتين أفضل من غيره، والمراد بالقبلتين قبلة بيت المقدس والكعبة.
-١٧٤٥ -
الحديث الستون:
[عن سليمان التيمي، قال: (رأيت على أنس برنسًا أصفر من خز)].
* في هذا دليل على جواز لبس البرانس التي من خز؛ لأنه ليس بلباس كامل.
стр. 1411
-١٧٤٦ -
الحديث الحادي والستون:
[عن أنس قال: (كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ?: (أميطي عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)].
* قد سبق في ذكر الصور ما سبق إلا أن في هذا الحديث ما يدل على أن المصلي إذا عرض له في صلاته خيالات وذكر محرم لو غيره لم تفسد صلاته.
* والقرام: هو الستر الرقيق، والإماطة: هي الإزالة.
-١٧٤٧ -
الحديث الثاني والستون:
[عن عبد العزيز، قال: (دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، قال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ، قال: بلى قال: (اللهم رب الناس مذهب الباس، اشف، أنت الشافي، لا
стр. 1412
شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذه رقية.
* فأما قوله: رب الناس، فإن المعنى يا رب الناس، فحذف منه حرف النداء لاستشعار قرب المنادى؛ وكذلك قوله: مذهب الباس فحذف منه حرف النداء لذلك. وقوله: مذهب نكرة عرفها الإضافة، والمعنى أن الله تعالى معروف بإذهاب الباس، فدعاه باسم يناسب المسألة التي يريد السائل أن يسألها، وهي قوله: اشف أنت الشافي، يعني إن أشفيت بسبب فأنت الشافي بغير سبب.
* وقوله: لا شفاء إلا شفاؤك، يعني أن الشفاء من كل طريق وعلى كل وجه فإنه منك.
* وقوله: شفاء لا يغادر سقمًا، شفا مصدر لقوله اشف، يعني اشف شفاء لا يغادر سقمًا أي لا يخلف سقمًا، وسقمًا ها هنا مصدر نكرة فهو في هذا الموضع أبلغ من المعرف أي لا يغادر سقمًا من الأسقام.
-١٧٤٨ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أنس قال: دخل النبي ﷺ ، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: هذا (٢٠٨/ أ) حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ : حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد)].
* في هذا الحديث من الفقه أن لا يجوز للعبد أن يعرض نفسه لأن يضجر من
стр. 1413
عبادة الله تعالى، وقد تقدم الكلام في هذا.
* وفيه أيضًا أنه إذا رأى العالم إنسانًا قد تعرض بذلك نهاه.
* وفيه أيضًا أن الإنسان إذا نشط للصلاة فصلى بمقدار نشاطه لم يقدح ذلك في جده وإخلاصه وإن كان للنفس فيه مراد.
* وفيه أن من فتر عن العبادة قعد ولم يكابد نفسه.
-١٧٤٩ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)].
* هذا الحديث قد سبق وشرح مستوفى، ومعناه أنه يزيد إيمانه.
-١٧٥٠ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أنس، قال: (أتي النبي ﷺ بمال من البحرين، فقال: انشروه في
стр. 1414
المسجد - وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ،، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة، جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاء العباس ﵁، فقال: يا رسول الله، أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا، فقال رسول الله ﷺ : خذ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله، فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلي، قال: لا، قال: فارفعه أنت على، قال: لا، فنثر منه ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبًا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثمَّ منها درهم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن إذن رسول الله ﷺ للعباس بالأخذ، ينصرف إلى ما يطيق حمله، فلما أخذ ما لم يطق حمله لم يعنه عليه، لأنه أخذ أكثر من المأمور به.
* وقوله: تعجبًا من حرصه، هو من كلام الراوي، وليس هو من كلام رسول الله ﷺ .
-١٧٥١ -
الحديث السادس والستون:
[عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله (٢٠٨/ ب) عليه وسلم:
стр. 1415
(اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة).
وفي رواية قال لأبي ذر: (اسمع وأطع، ولو لحبشي، كأن رأسه زبيبة)].
* في هذا الحديث أنه لو قد ولي على الأشراف ذوي القدر والمآثر عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، يعني بذلك ﷺ سواد رأسه وقماءته، وأنه لا ينبغي أن ينظر إلى صورته ولا إلى كونه حبشيًّا فقال غيره أولى منه، وهذا فإنه إنما يكون في الولاة بين الخلفاء، فإن الأئمة من قريش كما قال النبي ﷺ : (لا يزال هذا الأمر في قريش).
-١٧٥٢ -
الحديث السابع والستون:
[عن عاصم بن سلمان قال: (رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار.
قال أنس: (لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا)، قال: وقال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئًا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه).
وفي رواية: (أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه).
стр. 1416
وفي رواية لمسلم: (لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كله، العسل، والنبيذ، والماء واللبن)].
* في هذا الحديث جواز تضبيب القدح بالفضة، ولا يكون ذلك من متاع الدنيا المذموم؛ بل هو من المعاون على العبادة.
* وفيه أنه يستحب اتخاذ القدح من الشيء الخالص لأن النضار هو الخالص من كل شيء، وقيل النضار: أقداح حمر شبهت بالذهب، ويقال للذهب: النضار. وهذا يدل على أنه يستحب للإنسان أن لا يستعمل ألا الأجود من كل شيء، فإن ذلك أبلغ لما يراد في جنسه، وأما الحلقة التي اتخذت فيه من حديد فلا أرى ذلك إلا ليعلقه الراكب معه إذا ركب فيكون أحفظ له وأصون للراكب عن الاشتغال به في غير وقت الحاجة إليه.
* وأما قوله: قد (٢٠٩/ أ) سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كله، فإنه عنى أن النبي ﷺ لم يكن من المنعمين المترفين الذين عندهم لكل شراب آنية مفردة، وأنه كان يشرب كل الشراب في هذا القدح، ويعني بالنبيذ النبيذ من الماء والتمر قبل أن يشتد أو يعود إلى حال يسكر كثيره، فإن ذلك لا يجوز شربه وقد سبق بيان هذا فيما تقدم.
стр. 1417
-١٧٥٣ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (أكثرت عليكم في السواك)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه ﷺ لما أمر بالسواك وحض عليه، وتابع ذلك خاف أن يكون أمره بذلك يبعث بعض الناس على الإلحاح عليه إلى الحد الذي يزعزع الأسنان، فقد قال ابن زكريا في كتابه المعروف (بالحاوى) في باب: حفظ الأسنان: ولا تلح على الأسنان بالسواك، ويريد بذلك أن خير الأمور أوساطها كما أن هجر السواك وإطراحه يعفن الأسنان ويفسدها، وأن الإلحاح المتجاوز حده فيما يزعزعها ويضعف أصول منابتها.
-١٧٥٤ -
الحديث التاسع والستون:
[نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة، فقال: (كأنهم الساعة يهود خيبر)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الطيالسة محدثة، وليست بالأردية، فإن الرداء للمسلم سنة، وقد تقدم ذكره.
стр. 1418
-١٧٥٥ -
الحديث السبعون:
[عن أنس، قال: (كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه، يغتسلان من إناء واحد).
وفي رواية: (من الجنابة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الجنب إذا وضع يده في الماء لم ينجسه والمرأة أيضًا.
* وفيه جواز أن ينظر كل واحد من الزوجين إلى جميع الآخر.
-١٧٥٦ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أنس، قال: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون في ذلك؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث)].
* في هذا الحديث أن الفضيلة في الوضوء لكل صلاة؛ فإن الجمع بين الصلوات بالوضوء الواحد مجزئ، ومن توضأ وهو على وضوء فإنما ينوي بوضوئه تجديد الوضوء (٢٠٩/ ب) إلا أن صلاته إنما تؤدى بالوضوء الأول؛ وهذا الوضوء الثاني محسن ومقو للوضوء الأول، وإنما يخبر النبي ﷺ ذلك
стр. 1419
لكونه أفضل الخلق فناسب حاله أفضل الحالات والأعمال.
-١٧٥٧ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن ابن سيرين وابن عدي قالا: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: (اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقون ربكم. سمعته من نبيكم ﷺ )].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الدنيا إلى انقضاء وتول، ولعله أراد ﷺ بهذا الحديث أهل موضع بعينه، إلا فالأحاديث التي قدمت منها حديث حذيفة: (هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم) أوضح من هذا، فإنه حديث مجمل تلك مفسرة فتعين ما تناولناه من أنه تحض موضعًا يعينه أو قومًا بأعيانهم.
-١٧٥٨ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)].
* هذا الحديث يدل على أنه كان يصلي صلاة الجمعة في أول الزوال؛ لأن
стр. 1420
الصلاة في أول الوقت أفضل، فقدم هذه لفضلها.
-١٧٥٩ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أنس، قال: شهدنا بنت رسول الله ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: (هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟) فقال أبو طلحة: أنا، قال: (فانزل في قبرها،) فنزل في قبرها)].
* في هذا تفسير للراوي، وهو فليخ فإنه قال: أراه الذنب. والذي أراه أنا أنه أراد ﷺ أن يتولى إلحادها الكبير السن، لأن الكبير السن يخل بالمقارفة، وهي المجامعة، وإنما أراد به أن لا يكون قريب عهد بجماع من حيث أنه يكون حديث عهد بتقليب امرأة في انبساط غير خاشع ولا متحازن، فينافي حاله حال امرأة ميتة لا سيما ابنة رسول الله ﷺ مما يقتضي حمله لها أن يكون في حال اجتماع واحتشام وخشوع وإعظام، ولأن الجماع في الجملة يبسط النفس.
-١٧٦٠ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن أنس، قال: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا، ولا لعانًا، ولا سبابًا،
стр. 1421
كان يقول عند المعتبة: (ما له تربت يمينه)].
* في هذا (٢١٠/ أ) الحديث ما يدل على أن الفحش واللعن لم يكن من أخلاق النبي ﷺ ، فإذا رأيته الغالب على كلام شخص فلا تقتد به.
* وقوله: (عند المعتبة) أي أنه إذا أراد أن يعاتب شخصًا قال: (ما له)، فيذكره بلفظ الغيبة ولا يواجهه فيقول: مالك
* وقوله (ترتب يمينه) كلمة قد تكون دعاء عليه أحيانًا، وقد تكون جارية مجرى التخصيص فكانت فائدة هذا الحديث أن النبي ﷺ إذا بلغت منه الموجدة يقول كلمة محتملة لمعنيين، يكون الخيار في توجيهها إلى أحدهما عن طريق المعاتبة لا المواجهة.
-١٧٦١ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أنس، قال: إن رسول الله ﷺ صلى لنا يومًا الصلاة، ثم رقى إلى المنبر، فأشار بيده إلى قبل قبلة المسجد فقال: (قد رأيت الآن، منذ صليت لكم الصلاة، الجنة والنار ممثلتين في قبل هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير
стр. 1422
والشر)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في مواضع
-١٧٦٢ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر، فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فأصيب -وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة، ففتح له).
وفي رواية: (خطب النبي ﷺ ، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب. وذكر نحوه).
وفى رواية: (ما يسرنا أنهم عندنا- قال أيوب: أو قال: -ما يسرهم أنهم عندنا- وعيناه تذرفان).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيه خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فذكرهم. وقال في آخره: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)].
стр. 1423
*في هذا ما يدل على أن الله تعالى كشف لنبيه ﷺ عن أهل مؤتة، وهم منه على منازل حتى نظر من أخذ الراية منهم واستشهد وعد الأمراء واحدًا بعد واحد على ما كانوا عليه.
* وقوله: (ثم أخذ الراية خالد من غير إمرة) يعني ﷺ أنه إنما عين أولئك فلما استشهدوا (٢١٠/ ب) اجتمع المسلمون فولوا خالد بن الوليد، فقوله (من غير إمرة) أي من غير إمرة سبقت مني.
* وأما بكاؤه ﷺ فيجوز أن يكون للاستيحاش لفراق ابن عمه وأصحابه، ويجوز أن يكون من طريق الرحمة؛ لأنه لما بكى على ابنه قال: (إنما رحمة وضعها الله تعالى في قلوب عباده).
* وفيه دليل على أنه إذا عين الإمام أمراء مخصوصين فاستشهدوا كلهم وأصيبوا، فإن للمسلمين أن يجتهدوا في نصب أمير يجمع كلمتهم ويقول بالأمر فيهم، ويثبت له الإمارة وإن لم يكن ذلك من نص متقدم من الإمام.
-١٧٦٣ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أنس، قال: (كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم، موكب جبريل ﵇، حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة)].
стр. 1424
* في هذا الحديث ما يدل على رؤية أصحابه آثار الملائكة.
* وفيه ما يدل على أن جبريل سعى في موكب لنفسه مع رسول الله ﷺ إلى بني قريظة.
-١٧٦٤ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن أنس، قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات). قال البخاري: يعني المهلكات)].
* قد سبق شرح هذا الحديث. والمراد أنكم تحقرون تلك العمال لقلتها، وقلة الحذر من عاقبتها، وهي مهلكة.
-١٧٦٥ -
الحديث الثمانون:
[عن غيلان بن جرير، قال: (قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار، أكنتم
стр. 1425
تسمون به، أم سماكم الله ﵎؟ قال: بل سمانا الله ، وقال غيلان: كنا ندخل على أنس، فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل علي، أو على رجل من الأزد، فيقول: فعل قومك يوم كذا: كذا وكذا)].
في هذا الحديث أن تسمية الأنصار بالأنصار اسم شرف الله به ذلك الحي، فقال فذكرهم أنصارًا على الإطلاق، وهذا الإطلاق يتناول أن يكونوا أنصار الله، وأنصار كتابه، وأنصار رسوله، وأنصار دينه، فهو أشرف الأسماء.
-١٧٦٦ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أنس، قال: (كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر الصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة -يعني الجمعة- قال: (٢١١/ أ) وقال بشر بن ثابت: حدثنا أبو خلدة، قال: (صلى بنا أمير الجمعة ثم قال لأنس: كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر؟ فذكره)].
* قد سبق بيان الإبراد بالصلاة لشدة الحر في مواضع، وتكلمنا عليها، والتبكير: التقديم.
стр. 1426
-١٧٦٧ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أنس قال: (قدم النبي ﷺ وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر ﵁ فغلفها بالحناء والكتم)].
* الشميط: هو اختلاف الشيب بسواد الشعر، وكل خليطين خلطتهما فقد شمطتهما. وغلفها يعني عمها بذلك، وسمي غلاف الشيء لإحاطته به.
* وفي هذا استحباب تغيير الشيب بالحناء والكتم.
-١٧٦٨ -
الحديث الأول من إفراد مسلم:
[عن أنس، قال: (ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة).
وفي رواية: (أن رجلا سأل النبي ﷺ غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فوالله إن محمدًا يعطي عطاء ما يخاف الفقر).
فقال أنس: (إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى
стр. 1427
يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)].
* في هذا الحديث دليل على أن إجزال العطاء هو حقيقة الجود، وإنما يكون ذلك إما من مؤمن لا يخشى الفاقة، لأنه يعطي مما أعطاه الله تعالى، فهو لا يتوهم قطع الله عطاءه ولا انزراره أو من رجل على غير بينه من أمره يعطي سرفًا في الباطل فيكون من المبذرين، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾، فعطاء رسول الله ﷺ كان عطاء من لا يخشى الفاقة.
* وفي قوله: (لا يخشى الفاقة) وجهان:
أحدهما: لا يخشى الفاقة معطيه.
والثاني: لا يخشى الفاقة معطاه بعده، أي أنه يغني السائل إلى آخره عمره ويكون قوله: (يخشى)، عائدًا إلى العطاء في الوجهين، والمعنى أن (٢١١/ ب) العطاء لكثرته لا يخشى الفاقة؛ فإن خشى معطاه فذلك لبخل نفسه وإلا فالعطاء فوق الكفاية.
* وإن عرض للمؤمن في وقت مكان استحقاق وليس عنده إلا زهيد من البر ولو ظلف محرق فلا ينبغي أن يحقر ذلك، بل يخرجه في سبيل الله كما يخرج الكثير إذا أمكنه، فيكون بهذين الأمرين جامعًا لمقامين شريفين وهما: جوده بالكثير وتواضعه في بذل اليسير، فيبين أن بذله للكثير كان لله، وأن بذله
стр. 1428
لليسير كان من تواضعه في سبيل الله.
* وقوله: (إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا) هذا يحض على تحصيل القلوب بكل ما يستطاع أولًا، وأنها إذا حصلت رجي لها أن تعي الحق ويعود ما كان نافرًا إلى الطمأنينة وقبول الهدى.
* وفي هذا الحديث أيضًا نهي عن التنفير عن مقاصد التائبين والاقتناع منهم بما يظهرونه، ثم التلطف في غرس الإخلاص في قلوبهم بالتدريج والتعليم رجاء أن يصيروا إلى ما يحب المؤمن. وقد لا يفطن إبليس لإفساد هذا التوصل الحسن لأن الشيطان يرى إسلام من يسلم أو توبة من يتوب لملاحظة حال من الدنيا يوهن إسلام المسلم وتوبة التائب فلا يحرص على إغواء المسلم أو التائب عن هذا الإسلام والتوبة المعروفين، ويرى العالم أن يغش حصولهما في قربهما منه بحيث تنالهما سهام الموعظة، وتبلغهما قوارع تذكيره، وتبصيرهما الحق بعينه، فإذا بدا لهما الحق في كمال صورته وصباحة وجوهه، عاد كل واحد منهما خصمًا للشيطان مخلصًا في خصومته له فحينئذ يرى الشيطان خسران صفقته في كونه رضي منهما بذلك الإسلام والتوبة الموسمين، راجيًا أن يهلكهما بما جعله الله سبب فلاحهما فهذا معنى قولنا: وقد لا يفطن إبليس لإفساد هذا التوصل الحسن، وهذا دليل على أن المسلم لعاجل الدنيا يسمى مسلمًا، ومثل هذا إن مات في مهلة النظر فإن له ما للمسلمين.
- ١٧٦٩ -
الحديث الثاني:
[عن أنس عن النبي ﷺ قال: (من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم
стр. 1429
القيامة أنا وهو، وضم أصابعه)].
* في هذا الحديث (٢١٢/ أ) ما يدل على شرف الإنفاق على العيال ولا سيما البنات؛ فإنهن لا يتعلق طمع الأب منهن من الاعتضداد بهن والصول على الأعداء بقوتهن وإحياء اسمه واتصال نسبه وغير ذلك كما يتعلق بالذكر، فلما زاد الإناث على الذكور في درج إخلاص المنفق عليهن لله، فإنه يستر منهن عورات في البيوت، ويرزق منهن حرمًا لا يطقن الكسب على أنفسهن.
* فإذا بلغن فصلحن للرجال كانت أنساب أولادهن لعصبات أزواجهن فكان العول للجاريتين منهن يبلغ بحسن النية من العبد المؤمن إلى أن يكون فاعل ذلك منضمًا إلى رسول الله ﷺ انضمام الأصبع إلى الأصبع ليس بينهما حائل.
ولأن العرب كان من شأنهم الأنفة من البنات حتى كان منهم الوأد الذي أخبر الله به عنهم من قتلهم البنات، فإذا كان المؤمن على خلاف ما كانوا عليه وصبر على أن يعول بناته كان متمسكًا بشرع رسول الله ﷺ راغبًا عما كانت الجاهلية عليه فلما انضم إلى شرعه انضم في القيامة إليه.
* وقوله: (من عال جاريتين)، كأنه إذا كان للرجل البنت الواحدة وكان مع ذكر لم يكن تبرمه بها كما إذا كانتا اثنتين، فالاثنتان على الرجل أشد من الواحدة، وهذا إنما ذكره رسول الله ﷺ لأنه جمع أنثى إلى أنثى فهو ضم شيء إلى شيء حتى قال فيه قوم إنه أقل الجمع. فيدل نطق هذا الحديث أن من كان
стр. 1430
له ثلاث بنات أو أربع أو أكثر كان قربه إلى رسول الله ﷺ بنسبة ذلك إذا عالهن.
- ١٧٧٠ -
الحديث الثالث:
[عن أنس، قال: (كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال: أنت هيه!؟ لقد كبرت، لا كبر سنك، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا علي رسول الله ﷺ أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني، (٢١٢/ ب) فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله ﷺ ،فقال لها رسول الله ﷺ : ما لك يا أم سليم؟ قال: فقالت، يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي، قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا تكبر سنها، ولا تكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه- وقال: يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ إني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان على شرف مقامه وحفظه
стр. 1431
حواشي قوله؛ قد طلب من ربه ﷻ له أنه إذا دعى أو سب أحدًا، وذلك المسبوب أو المدعو عليه غير مستحق لذلك؛ أن يجعله الله طهرة له، فبان من هذا أن المؤمن قد يقول القول في محل لا يكون ذلك المحل متأهلًا لذلك القول فيه، فإذا صدقه الله عن دعائه إلى غير محله تعين عليه أن يعلم أن الله تعالى قد سوى له سهامه التي رمى بها صيدًا عن أن تصيب مسلمًا فلا يكره ما يحب الله من سؤال ما لا يصلح، وهذا فإنما ذكره رسول الله ﷺ ليكون أصلًا يقاس عليه أمثاله وإلا فإنه لم يكن قوله ليتيمة أم سليم ذلك القول على جهة الدعاء عليها، وإن كان نطقه نطق الدعاء إذ مثله يقال للجواري كثيرًا ولا يراد به الدعاء عليهن، ولهذا تميز الدعاء المحتفل به برفع اليدين فيه وبالتوجه إلى الكعبة، ورفع الطرف إلى السماء، وأن يتطهر الداعي إلى غير ذلك من آداب الدعاء ليتبين صميم الدعاء على ما يطلبه دون ما يقوله على سبيل عوائده.
* وقوله: تلوث خمارها أي تلويه على رأسها.
-١٧٧١ -
الحديث الرابع:
[عن أنس، قال: (جارت أم سليم -وهي جدة إسحاق- إلى رسول الله ﷺ فقالت له وعائشة عنده: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أم سليم، فضحت النساء (٢١/ أ) تربت يمينك، فقال لعائشة: بل أنت فتربت يمينك، نعم، فلتغتسل يا أم سليم، إذا رأت ذلك).
стр. 1432
وفي رواية البرقاني: (أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال لها النبي ﷺ : (يا أم سليم، إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل). فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، وهل يكون هذا؟ فقال النبي ﷺ : نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه).
وأخرجه مسلم عن أنس قال: (سألت امرأة رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه، فقال: إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن المرأة تحتلم في المنام كما يحتلم الرجل، وأنه يجب عليها الغسل إذا رأت الماء، وإنه من الدين السؤال عن ذلك.
* وقوله: (فمن أين يكون الشبه؟) يدل على أن شبه الولد بوالده يكون على قدر غلبة مائه لماء المرأة أو سبقه إياه.
* وقوله لعائشة ﵂: (فتربت يمينك) قد سبق ذكره.
- ١٧٧٢ -
الحديث الخامس:
[عن أنس (أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها
стр. 1433
أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر؟ فقال لها رسول الله ﷺ ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك -تعني يوم هوازن-، فقال رسول الله ﷺ : يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على جواز خروج المرأة إلى الجهاد مع زوجها وحملها السلاح، فإن رسول الله ﷺ ضحك لذلك ولم ينكره.
وفيه أنه لما غضب علي المنهزمين، وأشارت فيهم بما أشارت رجع رسول الله ﷺ إلى المعهود من سجاياه الكريمة فقال لها: (إن الله قد كفى وأحسن) (٢١٣/ ب)، يعني أن الله تعالى قد كفانا أمرهم وأحسن في ذلك فلا نسيء نحن.
* وبقرت بطنه: أي شققتها، والطلقاء: من أطلق ومُنَّ عليه من مسلمة الفتح.
- ١٧٧٣ -
الحديث السادس:
[عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الدجال من يهود أصبهان ألف عليهم الطيالسة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الدجال يخرج من قبل المشرق.
* ويريد بقوله عليهم الطيالسة أنهم من المتظاهرين بالدين فيكون ذلك أشد في
стр. 1434
إضلال الخلق.
- ١٧٧٤ -
الحديث السابع:
[عن أنس (أن رسول الله ﷺ : استغفر للأنصار، قال: وأحسبه قال: (ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار- لا شك فيه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإحسان من الكريم إذا شمل قومًا لم يرض أن يقتصر بهم على نفوسهم دون أن يشتمل ذراريهم ومواليهم فيكون ذلك حينئذ إنعامًا صافيًا وكرمًا سابغًا.
- ١٧٧٥ -
الحديث الثامن:
[عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك، وأنا أرى أن عنده منه علمًا فقال: (إن هلال بن أمية، قذف امرأته بشريك بن سحماء -وكان أخا البراء بن مالك لأمه-، فكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال: فلاعنها. فقال رسول الله ﷺ : (أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدًا، حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء -قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين)].
* قد سبق تفسير هذا الحديث فيما مضى.
стр. 1435
* والسبط: هو السهل الشعر وهو ضد الجعد.
* وقضيء العينين: فاسدهما. يقال في فلان قضأة أي فساد.
* والكحل: سواد العين خلقة.
وقد بينا هذا في مسند ابن عباس.
* وقوله: حمش الساقين أي دقيقهما، وامرأة حمشاء الساقين، والمراد بذلك الدقة.
- ١٧٧٦ -
الحديث التاسع:
[عن أنس عن رسول الله ﷺ ، قال: (إن الكافر، إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا، على طاعته).
وفي رواية: (أن الله لا يظلم مؤمنًا (٢١٤/ أ) حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنه يجزى بها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل فمن أحسن وهو
стр. 1436
غير موقن بالآخرة؛ فإن الله يطعمه في الدنيا طعمة تكون عوض إحسانه ذلك. وأما المؤمن فإنه يجمع له بين الدنيا والآخرة إلا أنه يقدم له سبحانه ما يعده في الآخرة لأنه أشرف العناوين وأكرم الخزائن، فكان هو المقدم، ثم قوله بعد ذلك: (ويعقبه رزقًا في الدنيا) وذلك يدل على مدح الرزق، وأما ما يتعلق بالكافر فإنه جعله طعمة له لأن الكافر لم ينشأ ما نشأ منه إلا على فرع من فوق الأرض. فأما المؤمن فإنه نشأ منه إحسانه في الدنيا عن نظره إل الآخرة فقدم إعداد الله تعالى له ما أعد في الآخرة ثم بما رزقه في الدنيا ليكون هذا الخير الذي له في الدنيا ناشئًا من تلك الجهة، فلا يكون عليه عقوبة لأن عطاء الآخرة كله هني العاقبة.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن المؤمن يعطى على نية الآخرة الدنيا والآخرة كما قال الله : ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ يعني في الدنيا والآخرة، وقال : ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾، وقال تعالى: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، وقال تعالى: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء﴾، فعد نعمته على يوسف من نصره له وتمكينه ثم قال بعد ذلك: ﴿ولأجر الآخرة خير﴾ أي ثواب دار الآخرة
стр. 1437
خير من هذا الخير، والله له الدنيا والآخرة يعطيها من يشاء من عباده، وأما الدنيا فقد يعطيها كافرًا ويمنعها كافر آخر فيجعل إعطاءها للكافر عذابًا عليه. لقوله: ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا﴾ الآية.
-١٧٧٧ -
الحديث العاشر:
[عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن (٢١٤/ ب) يسمعكم عذاب القبر)].
* هذا الحديث يدل على وجوب الإيمان بعذاب القبر، وأنه لولا خوف رسول الله ﷺ أنه كان إذا سمعه الخلق تركوا موتاهم على وجه الأرض، لا يوارون سوءاتهم لذلك لكان ﷺ دعا الله أن يسمعهموه.
* والفقه في هذا الحديث أن النبي ﷺ اشتد حرصه على أن يبين للمسلمين كلهم عذاب القبر يقينًا لا يتمارون فيه حتى كاد يدعو الله أن يسمعهموه.
* وفيه أيضًا أن من كان لا يؤمن للآن بعذاب القبر فإنه هو الذي كان الغالب عليه أن لا يدفن ميته، وأن من يؤمن بعذاب القبر قد ثبت عنده كما لو سمعه بأذنه ثم أنه بعد ذلك يدفن ميته صابرًا لما حكم الله به من ذلك.
стр. 1438
-١٧٧٨ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أنس: (أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا).
وفي رواية عن قتادة: (فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذلك أشر وأخبث)].
* وإنما نهى رسول الله ﷺ عن الشرب قائمًا لأن الشارب على تلك الحال غير متمكن من تقطيع الأنفاس في الشرب كما يتمكن الجالس إلا أنه على ذلك أخف من الأكل قائمًا، فإن ذلك يجمع مع ترك الأصلح للبدن، ترك الأحسن للمروءة، فإن الأكل قائمًا يشير إلى أنه مستوفر حتى أنه إن كان معه من يطعمه أذنه بالاقتصار والتقليل فهو غير جميل في ذلك ولا في مصلحة البدن، فإن أجود الطعام ما أكله الإنسان في عقيب حركة ثم تبعه السكون، فإذا أكل وهو قائم لم يكن فيما أعرف صالحًا لبدنه فإن من وصايا أهل علوم الأبدان أن لا يتحرك الإنسان بعد غذائه، فإن اضطر إلى الحركة فليجتهد في الراحة عقب الغذاء ولو بأيسر زمان، فإن لم يمكنه فليتوخ الهوينا من السير دون العنيف، على أن من كان سائرًا على ظهر فأكل وهو يسير فلا أراه داخلًا في هذا النهي من حيث كراهية أكل الإنسان وحده، فإن كان معه رفيق زالت الكراهية على أن أكل الماشي فعل جائز.
-١٧٧٩ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أنس: (أن نبي الله ? ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى
стр. 1439
النجاشي، وإلى كل جبار (٢١٥/ أ) يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ).
وفي رواية: (أنه أراد أن يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي فقيل إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم، وأنه ﷺ صنع خاتمًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان ينذر قبل القتال بالكتب والرسائل.
*وقيل أن أهل الحبشة يسمون كل ملك لهم بالنجاشي.
* وقيل أن أهل فارس يسمون كل ملك لهم كسرى.
* وأن الروم يسمون كل ملك لهم قيصر.
* وأما الخاتم فقد سبق الكلام عليه.
-١٧٨٠ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أنس، أن نبي الله ﷺ قال: -وجنازته موضوعة- (اهتز لها عرش الرحمن) يعني به سعد بن معاذ)].
стр. 1440
* في هذا الحديث ما يدل على شرف سعد بن معاذ.
* وقد سبق ذكرنا العرش، وأنه أكبر مخلوقات الله إذ كلها فيه وهو محيط بها، فقدرها بالقياس إليه كالحلقة في جنب الفلاة وأما اهتزازه لجنازة سعد يدل على حركته لاستقبال روحه أو سرورا بقدومها عليه اهتشاشًا بها.
-١٧٨١ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين، قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه -أو لا تستطيعه- ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ قال: فدعا الله له، فشفاه)]
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يدعو الإنسان بدعاء حتى يكون ذلك الدعاء قد ورد عن النبي ﷺ إذ هو بحمد الله مؤيد بالعصمة مسدد من قبل الرب ، يرى من ورائه كما يرى من بين يديه وهذا الداعي لم
следующие страницы →