← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

غير موقن بالآخرة؛ فإن الله يطعمه في الدنيا طعمة تكون عوض إحسانه ذلك. وأما المؤمن فإنه يجمع له بين الدنيا والآخرة إلا أنه يقدم له سبحانه ما يعده في الآخرة لأنه أشرف العناوين وأكرم الخزائن، فكان هو المقدم، ثم قوله بعد ذلك: (ويعقبه رزقًا في الدنيا) وذلك يدل على مدح الرزق، وأما ما يتعلق بالكافر فإنه جعله طعمة له لأن الكافر لم ينشأ ما نشأ منه إلا على فرع من فوق الأرض. فأما المؤمن فإنه نشأ منه إحسانه في الدنيا عن نظره إل الآخرة فقدم إعداد الله تعالى له ما أعد في الآخرة ثم بما رزقه في الدنيا ليكون هذا الخير الذي له في الدنيا ناشئًا من تلك الجهة، فلا يكون عليه عقوبة لأن عطاء الآخرة كله هني العاقبة. * وفي هذا الحديث ما يدل على أن المؤمن يعطى على نية الآخرة الدنيا والآخرة كما قال الله : ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ يعني في الدنيا والآخرة، وقال : ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾، وقال تعالى: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، وقال تعالى: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء﴾، فعد نعمته على يوسف من نصره له وتمكينه ثم قال بعد ذلك: ﴿ولأجر الآخرة خير﴾ أي ثواب دار الآخرة

стр. 1437

خير من هذا الخير، والله له الدنيا والآخرة يعطيها من يشاء من عباده، وأما الدنيا فقد يعطيها كافرًا ويمنعها كافر آخر فيجعل إعطاءها للكافر عذابًا عليه. لقوله: ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا﴾ الآية. -١٧٧٧ - الحديث العاشر: [عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن (٢١٤/ ب) يسمعكم عذاب القبر)]. * هذا الحديث يدل على وجوب الإيمان بعذاب القبر، وأنه لولا خوف رسول الله ﷺ أنه كان إذا سمعه الخلق تركوا موتاهم على وجه الأرض، لا يوارون سوءاتهم لذلك لكان ﷺ دعا الله أن يسمعهموه. * والفقه في هذا الحديث أن النبي ﷺ اشتد حرصه على أن يبين للمسلمين كلهم عذاب القبر يقينًا لا يتمارون فيه حتى كاد يدعو الله أن يسمعهموه. * وفيه أيضًا أن من كان لا يؤمن للآن بعذاب القبر فإنه هو الذي كان الغالب عليه أن لا يدفن ميته، وأن من يؤمن بعذاب القبر قد ثبت عنده كما لو سمعه بأذنه ثم أنه بعد ذلك يدفن ميته صابرًا لما حكم الله به من ذلك.

стр. 1438

-١٧٧٨ - الحديث الحادي عشر: [عن أنس: (أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا). وفي رواية عن قتادة: (فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذلك أشر وأخبث)]. * وإنما نهى رسول الله ﷺ عن الشرب قائمًا لأن الشارب على تلك الحال غير متمكن من تقطيع الأنفاس في الشرب كما يتمكن الجالس إلا أنه على ذلك أخف من الأكل قائمًا، فإن ذلك يجمع مع ترك الأصلح للبدن، ترك الأحسن للمروءة، فإن الأكل قائمًا يشير إلى أنه مستوفر حتى أنه إن كان معه من يطعمه أذنه بالاقتصار والتقليل فهو غير جميل في ذلك ولا في مصلحة البدن، فإن أجود الطعام ما أكله الإنسان في عقيب حركة ثم تبعه السكون، فإذا أكل وهو قائم لم يكن فيما أعرف صالحًا لبدنه فإن من وصايا أهل علوم الأبدان أن لا يتحرك الإنسان بعد غذائه، فإن اضطر إلى الحركة فليجتهد في الراحة عقب الغذاء ولو بأيسر زمان، فإن لم يمكنه فليتوخ الهوينا من السير دون العنيف، على أن من كان سائرًا على ظهر فأكل وهو يسير فلا أراه داخلًا في هذا النهي من حيث كراهية أكل الإنسان وحده، فإن كان معه رفيق زالت الكراهية على أن أكل الماشي فعل جائز. -١٧٧٩ - الحديث الثاني عشر: [عن أنس: (أن نبي الله ? ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى

стр. 1439

النجاشي، وإلى كل جبار (٢١٥/ أ) يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ). وفي رواية: (أنه أراد أن يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي فقيل إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم، وأنه ﷺ صنع خاتمًا)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان ينذر قبل القتال بالكتب والرسائل. *وقيل أن أهل الحبشة يسمون كل ملك لهم بالنجاشي. * وقيل أن أهل فارس يسمون كل ملك لهم كسرى. * وأن الروم يسمون كل ملك لهم قيصر. * وأما الخاتم فقد سبق الكلام عليه. -١٧٨٠ - الحديث الثالث عشر: [عن أنس، أن نبي الله ﷺ قال: -وجنازته موضوعة- (اهتز لها عرش الرحمن) يعني به سعد بن معاذ)].

стр. 1440

* في هذا الحديث ما يدل على شرف سعد بن معاذ. * وقد سبق ذكرنا العرش، وأنه أكبر مخلوقات الله إذ كلها فيه وهو محيط بها، فقدرها بالقياس إليه كالحلقة في جنب الفلاة وأما اهتزازه لجنازة سعد يدل على حركته لاستقبال روحه أو سرورا بقدومها عليه اهتشاشًا بها. -١٧٨١ - الحديث الرابع عشر: [عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين، قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه -أو لا تستطيعه- ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ قال: فدعا الله له، فشفاه)] * في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يدعو الإنسان بدعاء حتى يكون ذلك الدعاء قد ورد عن النبي ﷺ إذ هو بحمد الله مؤيد بالعصمة مسدد من قبل الرب ، يرى من ورائه كما يرى من بين يديه وهذا الداعي لم

стр. 1441

يؤت إلا من سوء اختياره، ولو كان قد دعا بدعاء قد آثره عن النبي ﷺ مما يحترز فيه لكل داع في حاضره (٢١٥/ ب) ومستقبله وشاهده وغائبه لكان قد وفق، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما رأى من مرض هذا الشخص الذي كان ببدنه ناشئًا عن مرضه الذي هو سوء تدبيره لنفسه، داواه بما علمه من سؤال الحسنة في الدنيا حسنة وفي الآخرة، فجمع له بين الحسنتين، ينقل إحداهما إلى الآخرى فشتان ما بين الاختيارين. * وفيه دليل على أنه لا يتعرض الإنسان لربه ﵎ بإظهار الجلد على سوط من سياط عذابه، ولا التقاوي لنفخة من نفخات انتقامه بل يسأل الله العافية، وليكن في عافيته كالمحسن أشد عذاب في كل نوع من أنواع الانتقام لتلا يكون ممن لا يعرف العذاب حتى يقع فيه، ولا يصدق بكونه حتى ينزل به. -١٧٨٢ - الحديث الخامس عشر: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب، وإن ذلك كان عليه عامة جمهورهم يوم حرمت الخمر)]. * هذا الحديث قد سبق الكلام عليه.

стр. 1442

-١٧٨٣ - الحديث السادس عشر: [عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله). وعن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)]. * في هذا الحديث من الفقه أنه مادام في الأرض ذكر الله واسمه الأعظم الذي هو الله، يتزاحم به أهلها، ويتساءلون به، ويتناشدون به، ويخوف به الظالم، ويسلى به المظلوم، ويرجو معه المتصدق الخلف، ويخاف منه المتعدي العقوبة، فإن الكون في مدة بقاء ومهلة تأخير فإذا بلغ الأمر إلى أن لا يذكر في الأرض هذا الاسم، الذي هو الله لعدم من يعرفه أو من يصدق به أو من ينزع عن شر أو يرغب في خير أو يأمل خلفا، ويكف عن ظلم لأجل هذا لأسم الكريم الشريف فحينئذ يعلم أنه قد حان خراب الأرض، وجاء وقت انقلاب هذا المقر بأهله. -١٧٨٤ - الحديث السابع عشر: [عن أنس: (أن النبي ﷺ صلى على قبر)].

стр. 1443

* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه. -١٧٨٥ - الحديث الثامن عشر: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ -وهو يلعب مع الغلمان- (٢١٦/ أ) فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حط الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره)]. * قد سبق الكلام في نحو هذا الحديث، وهذا كان في حال صغره، ولأمه: بمعنى جمع بينه، والمنتقع اللون هو المتغير اللون، والمخيط: الإبرة التي يخاط بها، وإنما بقي أثر ذلك ليذكر رسول الله ﷺ ذلك، ويذكره من يراه، ويعلم أن حظ الشيطان قد نزع من قلبه، فلا يكون عنده ﷺ ريب فيما يقذفه الله تعالى من حق في قلبه، وهذا المعنى قد شر حناه فيما تقدم، وأشير إليه هاهنا فأقول: إن هذا الحديث هو لرسول الله ﷺ صورة ومعنى.

стр. 1444

* وفيه أيضًا تنبيه لأمته أنهم إنما يخلصون من أن يكون للشيطان فيهم حظ بأن يغسلوا بيد الشرع مواضع آثار وساوسه، فإذا عرض الشيطان لأحدهم بوسواس أزال نجاسة الشيطان من قلبه بالطاهر من ماء الشريعة، والشريعة إنما سميت شريعة من حيث إن الماء إذا كان حياة الأنفس في هذه الدار الدنيا، وكان لا يواصل إليه في الأنهار إلا من شرائعها فسميت الشريعة شريعة من حيث إنها موصلة للخلق إلى الحق، كما كانت شريعة الماء موصلة للخلق إلى الماء. * فثمرة هذا أن المسلم إذا أفتاه الشرع بحل سيء وإباحته فأوهمه الشيطان أو خوفه من استباحة ذلك أو استحلاله بما يريه فيه أنه باب تحرج في الدين أو تورع عن المشتبه، فيترك تناول الحلال فإن هذا التورع مما ينبغي للمسلم أن يتورع من هذا التورع، ويتنزه من هذا التنزه فإنه ليس في الإعراض عما أباح الله تعالى من حيث أن الله تعالى أباحه لمعرض ثواب بل عليه عقاب وإنما (٢١٦/ ب) أن كان لا يستكثر من تناول المباح توقيرا له على سبيل بر أو ضر ناله إلى وجه حق فذلك عن هذا المعنى الذي أشرنا إليه، وما يروى أنا كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة الحرام فإن هذا غير معمول به، ولا يحل أن يترك شيء من الحلال على أنه حلال، بل الترك للحرام فريضة، والترك للأمور المشتبهات هو الورع والفضيلة فأما ترك ما يصدع الشرع حله من سائر وجوهه، فلا يحل أن يعبد الله بترك ما أباحه. - ١٧٨٦ - الحديث التاسع عشر: [عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (يخرج من النار أربعة، فيعرضون

стр. 1445

على الله). زاد في رواية البرقاني: (ثم يؤمر بهم إلى النار، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب، إذ أخرجتني منها فلا تعدني فيها فينجيه الله منها)]. * هذا الحديث يفيد أن حسن الظن بالله خير متعلق، وبينه على أن المنعم بالنعمة لا يعقبها بضدها، ويحث الكرماء على اتمام ما انعموا به. * وفيه من الفقه أن رسول الله ﷺ إنما ذكره تنبيهًا به على عجز هؤلاء الثلاثة وعدم معرفتهم بالله ، فإنه حيث أخرجهم من النار وعرضهم لأن سألوه، فلما عرضوا عليه سبحانه وقدروا على أن يسألوه كان كل منهم به الخذلان وعدم التوفيق، ما إنه لما عرض على ربه لم يغتنم ذلك الوقت فيسأل الله فيه بغير واسطة ولكنهم لعجزهم وركة طباعهم وخذلانهم لم يفطنوا إلى أن الله لم يخرجهم من النار ويعرضهم عليه ثم يعيدهم إليها لغير معنى، وإنما أراد تذكيرهم وتعرضهم لأن يسألوه، ويقربهم لأن يطلبوا منه العفو والإقالة فلما أبت شقوتهم والظلمة التي في قلوبهم من شؤم اكتسابهم إلا العي والخذلان والحصر وعدم الفطنة أعيدوا إلى النار ما عدا ذلك المتيقظ منهم قال: رب إذا أخرتني منها فلا تعدني فيها. * وقوله: رب إذ أخرجتني منها، وهذا كلام موفق لأنه اعترف لربه باستحقاقه (٢١٧/ أ) بالمكث فيها لكنه قال: إذا أخرجتني يا رب أنت منها فلا تعدني فيها، فإنك أهل لأن تتبع النعمة النعمة، وتنقذ من السوء إلى الراحة

стр. 1446

فلا تعدني فيها، فأعود في العذاب من الراحة بعد عرضي إليك فأنجاه الله منها، وإنما أنطق الله تعالى نبيه ﷺ بهذا الحديث ذاكرًا له لأمته ليعرفهم سوء نتائج العجز ومرارة إضاعة انتهاز الفرص في مواطن العناية لئلا يعز أحد عن تناول فائدة، وقد بقي في قوس حيلته منزع ولا سيما عند الفرص التي تذهب كما تذهب الرياح. - ١٧٨٧ - الحديث العشرون: [عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار). فلما قضى دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار)]. * في هذا الحديث من الفقه أن هذا الرجل سأله وهو مؤمن عن أبيه المشرك سؤالًا لم يكن -فيما أرى-في موضعه لأن المؤمن لا يشك في أن المشرك في النار، ولا يحتاج أن يسأل عن ذلك لأن الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾، إلا أن رسول الله ﷺ لما سأله هذا السائل أجابه بمر الحق في ذلك، فلما ولى عنه أراد ﷺ أن يلقنه أن يتأسى به في الرضا بأمر الله سبحانه عنه في أقضيته فقال له: وأبي أنا أيضًا في النار، فيكون هذا الجواب كافيًا لكل من يختلج من ذلك في صدره أمر بعده، فإنه

стр. 1447

لو كان ولد ينفع والدًا مشركًا لكان الأولى بذلك رسول الله ﷺ ، فلما صرح بأن أباه في النار قطع بهذه الكلمة ظنون الظانين إلى يوم القيامة. - ١٧٨٨ - الحديث الحادي والعشرون: [عن أنس: (أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ ؟ فأنزل الله : ﴿ويسألونك (٢١٧/ ب) عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشير، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أو لا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما)]. * في هذا الحديث ما يدل على استحباب مخالفة أهل الكتاب إلا أن تكون

стр. 1448

في مخالفتهم مخالفة شرعنا، فإن الوطء في الحيض أذى جر المتلبس به، وذلك أن الإنسان في هذه الدنيا مع زوجته التي أباحها الله له وما ملكت يمينه إذا نظر إلى حكمة الله تعالى في منعه من وطئها في وقت الحيض، نظر إلى أنه سبحانه كالمهدي لها إليه في كل وقت من كمال حسن الهدية أن تزف على أحسن حالاتها في طيب ريحها وطهارة باطنها وظاهرها ليستدل بذلك على احتفال مهديها بالمهدى إليه. * فإذا عرض للمرأة من حيض قدره الله لحكمة أخرى وهي أن الحيض قضاه الله على النساء دون الرجال من أجل أن دم الحيض إذا حملت المرأة كان هو بعينه قوتا للجنين يتغذى منه في حال كونه في البطن على جهته، وعند خرجه إلى الدنيا من الثدي مقلوبا إلى اللبن عن أصل خلقة، فلو قد كان هذا الغذاء للطفل من جملة غذاء المرأة المعهود لكان يضر بها ويسقمها في الزمن اليسير، ولكن لما كان مما جبلها الله تعالى عليه أنها في كل شهر يفضل منه عن حد ما يفتدى به بدنها مبلغا ترميه عنها في مجاري الحيض دائمًا حتى إذا حملت انقلب غذاء للجنين لم يتجدد على مادة قواها ما ينقصها ولا يزال تحيض هكذا حتى إذا بلغت من السن ما لا يحيض معه لضعف هضمها (٢١٨/ أ) قطع الله حينئذ الحبل عنها، فمن لا تحيض لا تحبل إلا ما ذكره الله آية في زوجتي إبراهيم وزكريا. * وكان اشتغال النساء زمانًا بالحيض للاستعداد بحملهن، وزمانًا بالحمل مشغولات بالأجنة في بطونهن، وزمانًا بالرضاع وتربية الأطفال في حجورهن؛ فلذلك أباح الله للرجل من النساء أربعًا، ولم يبح

стр. 1449

للواحدة منهن إلا الرجل الواحد إلا أن الله عاضهن في الدماء أضعافها عند إنزالهن وإنزال الرجل معهن. فكانت حال المرأة في مدة الحيض حالة تلوث بأذى فلم يصح لمن يراد إكرامه بإهدائها إليه أن يتعرض بها غير تامة الأحوال فإنه مما نرضي به المهدي ليكون ما هداه في مقام الكمال فلذلك لما غضب رسول الله ﷺ حين قالوا: ألا نجامعن يا رسول الله. * فأما إرساله إلى الرجلين وسقيه إياهما اللبن، فإنه لا يدل على أنه لم يغضب في مثل ذلك السؤال إلا أن رسول الله ﷺ لم يكن بلغ منه الغضب إلى أن يمنع السائل من طعامه أو يشركه في زاده. * وأما الذي صنعه أهل الكتاب من مجانبة الحائض إلى أنهم لا يباشرونهن ولا يضاجعوهن، ولا يشربون مما يضعن أيديهن فيه، فإن ذلك مما كذبوا فيه وغلوا، وزادوا على الواجب، وإنما الحق اجتنابهم في مواضع الحيض خاصة دون المؤاكلة والمشاربة والمضاجعة إذ ليس حيضتها في غير موضع حيضتها. - ١٧٨٩ - الحديث الثاني والعشرون: [عن أنس، قال: (كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ : (على الفطرة)، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : (خرجت من النار)، فنظروا فإذا هو راعي معزى)].

стр. 1450

* في هذا الحديث من الفقه أن الغارة يستحب أن يتوخى لها ما بعد طلوع الفجر، (٢١٨/ ب) وتدبير ذلك أن يكون على ما قال الله فيما أقسم به في قوله: ﴿والعاديات ضبحًا﴾ فإن العاديات جمع عادية، وهي الخيل تعدو بفرسانهن، قال: ﴿فالموريات قدحًا﴾ يعني أنهن يسار عليهن في الليل حتى يورين حوافرهن إذا ضربن بهن الحجارة، فيصخب الموضع الذي يممنه. * وقد سبق شرح هذه السورة فيما تقدم، وذلك أني تدبرت آيات هذه السورة فوجدت قوله سبحانه: ﴿والعاديات ضبحًا﴾ ثلاثة عشرة حرفًا، ﴿فالموريات قدحًا﴾ ثلاثة عشرة حرفًا أيضًا، ﴿فالمغيرات صبحًا﴾ ثلاثة عشرة حرفًا، فرأيت أن هذا العدد وهو ثلاثة عشر من الأعداد الصم التي لا تقبل الكسر، فنظرت أن الله تعالى أشار بهذا العدد في هذه الآيات أنه يستحب أن يكون عدد السرايا من الأعداد الصم التي لا تقبل الكسر تفاؤلًا بذلك. * ثم إني نظرت في عدد أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر فوجدته ثلثمئة وثلاثة عشر، عددًا أصم لا يقبل الكسر، كما كان عدة أصحاب طالوت حين جازوا معه النهر ثلثمئة وثلاثة عشر، وهو جزء أصم لا يقبل الكسر، فلما

стр. 1451

أقسم الله تعالى بهذه الخيل عادية في سبيله، ساهرة في نصر رسوله ﷺ ، قد أورت القدح في الليل فوافت المغار عند الصبح؛ فأتبع ذلك بأن قال سبحانه: ﴿فأثرن به نقعًا﴾ لأنهن خرجن من ظلمة الليل إلى ضياء الصبح، ويجوز أن يعود إلى المغار فقوله سبحانه: ﴿فأثرن به نقعًا﴾ أي العجاج. * ﴿فوسطن به جمعًا﴾، ومعنى وسطن أي أثرن به العجاج حتى صار بينهن وبين الناظرين، فادر عنه عوضًا من ادراعهن الليل حتى وسطن الجمع، ثم كان عدد ما بين الاثنين كل آية منهما أحد عشر حرفًا، وهو جزء أصم أيضًا إلا أنه لما كانت الآيات الأول في صفات الخيل نفسها كانت ثلاثة عشر، فلما كانت الآيتان اللتان بعدها في صفات ما فعلت الخيل نقصت صفاتها عن ذاتها لحروب إلا أنه جزأ أصم أيضًا لا يقبل الكسر. * وقوله (٢١٩/ أ) سبحانه: ﴿إن الإنسان لربه لكنود (٦) وإنه على ذلك لشهيد (٧) إنه لحب الخير لشديد﴾ فهي ثلاثة فصول، كل منها مؤكد بإن، ثم أجيبت بثلاثة على عددها فقال سبحانه: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (٩) وحصل ما في الصدور (١٠) إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾؛ فكانت هذه الثلاثة أجوبة للفصول الثلاثة. * وأما قوله: (فإن سمع أذانا أمسك) فإن الأذان إذا أعلن به معلن في حي

стр. 1452

فقد دل على أن أهل ذلك الحي راضون ذلك الإعلان، فتحرم دماؤهم وأمواهم. * وقوله: (على الفطرة) يجوز أن يريد به أن هذا كلام يقوله كل من هو على الفطرة ممن لم يبتدع. ويجوز أن يكون معنى قوله ﷺ على الفطرة أي يكون إن شاء الله عليها، كما تقول من لاح له شخص فلان أرجو أن يكون فلانا. *وقوله: (خرجت من النار)، قد جاء فيما تقدم أن الشهادة لله بالتوحيد من ضرورتها الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة والنبوة. * وفيه أنه يستحب للراعي وإن كان وحده أن يؤذن، وكذلك كل من كان في البادية. - ١٧٩٠ - الحديث الثالث والعشرون: [عن ثابت، عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فمر رجل من بني سلمة، وهم في ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة)].

стр. 1453

* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر وغيره وشرحناه هنالك. - ١٧٩١ - الحديث الرابع والعشرون: [عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي، إذ جاء رجل وقد حفزه النفس فقال: الله أكبر، والحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: (أيكم المتكلم بالكلمات؟)، فأرم القوم، فقال: (إنه لم يقل بأسًا)، فقال الرجل: أنا يا رسول الله قلتها، فقال النبي ﷺ : (لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها، أيهم يرفعها)]. * قال يحيى بن محمد ﵀: الذي أخطر الله في قلبي وقت إملاء الكلام على هذا (٢١٩/ ب) الحديث أن قوله: الله أكبر، فصل، وقوله: الحمد لله فصل، وقوله: كثيرًا طيبًا فصل، وقوله: مباركًا فيه فصل، فلما كانت أربعة فصول لم يحمل كل فصل إلا جمع من الملائكة، وكان أقل الجمع ثلاثة، وثلاثة في أربعة باثني عشر، فيكون اثني عشر ملكاً، وإنما لم يحمل كل كلمة منها إلا جمع لأن كل فصل منها يكمل معناه بالنيابة فهو قائم بنفسه، ولما كان كل فصل منها جمعا لم يكن ليحمله إلا جمع من الملائكة فحمل كل فصل جمع.

стр. 1454

* وقوله: أيهم يرفعها أي أي هذه الجموع الأربعة تسبق بها إلى الله تعالى متقربًا برفعها إليه. وأرم القوم: سكتوا، وحفزه: أي جهده من شدة السعي. - ١٧٩٢ - الحديث الخامس والعشرون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: (اللهم إنك إن تشأ، لا تعبد في الأرض)]. * قد سبق في مسند عمر الكلام في هذا. ومعناه إن فإن بمعنى ما، أي ما تشاء لا تعبد.

стр. 1455

- ١٧٩٣ - الحديث السادس والعشرون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا، حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، وإذا قال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه، قال: مالي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف، وقال: (والذي نفسي بيده، لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم، قال: فقال رسول الله ﷺ (٢٢٠/ أ): (هذا مصرع فلان-ويضع يده على الأرض ها هنا- قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ )].

стр. 1456

* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الله ملأ قلوب أصحاب رسول الله ﷺ إيمانًا ويقينًا، فإن هؤلاء النفر الذين وقوا رسول الله ﷺ بنفوسهم، وفدوه بأرواحهم واحد بعد واحد، ولم يتردد فيهم متردد، ولا تلوم منهم متلوم، بل أقدموا إقدامًا على الموت ورضى بالجنة ثمنًا من الدنيا، وهذا مما يدل كل الدلالة على أن الله تعالى خصهم من الإيمان واليقين بنا كانوا له أهلًا. * فأما يوم أحد فقد كانت فيه لله أسرار كثيرة إلا أن منها فعل هؤلاء الرهط الذين بان فضلهم بأن جمعهم على ذلك الماقط حول رسول الله ﷺ ، وأكب المشركون عليهم، ظهرت منهم هذه الجواهر التي يبقى عرف طيبها على المسلمين كافة إلى يوم القيامة. * وفيه أن المصلي إذا كان في صلاته فتكلم عنده القوم ففهم ما يقولونه لم تبطل صلاته، لأن رسول الله ﷺ فهم ما جرى لأصحابه مع الغلام، وأجابهم بعد انقضاء صلاته بما دل على أنه فهم ما جرى لهم. - ١٧٩٤ - الحديث السابع والعشرون: [عن أنس: (أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ ، فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي ﵁: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما بسم الله فما ندري (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ولكن أكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب من محمد رسول الله، قالوا: لو علمنا

стр. 1457

أنك رسول الله لا تبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ : اكتب من محمد بن عبد الله، فاشترطوا على النبي ﷺ : أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا)]. * قد سبق تفسير هذا الحديث فيما مضى.

стр. 1458

- ١٧٩٥ - (٢٢٠/ ب) الحديث الثامن والعشرون: [عن أنس: (أن النبي ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ -أو هو رفيقي في الجنة- فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا)]. * أما قول رسول الله ?: ما أنصفنا أصحابنا، كأنه كالعتب على المهاجرين إذ تقدم الأنصار فقاتلوا دونهم. * وفيه الفضيلة العظمى للأنصار ﵃. - ١٧٩٦ - الحديث التاسع والعشرون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم، فأنزل الله : ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [٣ آل عمران: ١٢٨]].

стр. 1459

* قد سبق الكلام في هذا، وقدمنا تفسير الآية، وأن هذا اعتداد من الله تعالى لرسوله بإخلاصه فيه، وأنه ليس له في حربهم وشنآنهم شيء راجع إلى نفسه بل كله لله فكان من أحسن مواقعه عند شج وجهه وكسر رباعيته أن يقال له: (ليس لك من الأمر شيء)، أو أن هذا جرى عليك ليس لك فيه شيء فإنما هو لأجلنا وفينا ومن جرانا ونحن المجازون عليه. - ١٧٩٧ - الحديث الثلاثون: [عن أنس: (أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به فقال: ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض، فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به، فقال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فو الله لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن المجهز للغازي كالغازي، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر من تجهز ليغزو فانقطع بمرض أن يعطيه من يغزو ليكون كأنه غزا، ولذلك فهم الرجل هذا المقصود فقال لزوجته: لا تحبسي من جهازي شيئًا.

стр. 1460

* وأما قوله: فيبارك لك فيه، يكون على وجه الغلول إذ أمره رسول الله ﷺ بإعطاء الكل. - ١٨٩٨ - الحديث الحادي (٢٢١/ أ) والثلاثون: [عن أنس، قال رسول الله ﷺ : (من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه)]. * معنى الحديث أنه من طلب الشهادة صادقًا في طلبها لا يذكرها ليسمعه غيره فيظن به الخير وليس به لكن يسألها ربه صادقًا في السؤال والطلب. - ١٨٩٩ - الحديث الثاني والثلاثون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، وأمرنا أن نسلت القصعة، قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)]. * في لعق الأصابع معان منها: زوال الكبر، وحفظ بعض أجزاء الزاد وإن

стр. 1461

قل، لأن الكثير يجتمع من القليل، ومتى لم يلعق الأصابع ويمسح القصعة ضاع ما فيها، وقد نهي عن إضاعة المال. * وقوله في اللقمة: (فليمط عنها الأذى) وذلك لئلا يكون مضيعًا للمال من جهة أن تلك اللقمة قد تكون سادة جوع مسلم أو مثقلة للميزان، ميزان متصدق بها أو ببعضها، فلا معنى في إضاعتها؛ فربما تكون ميزانه في القيامة قد وقفت على أن ترجح تلك اللقمة، وذا رجحت بها دخل الجنة، وإن لم تكن اللقمة فرجحت سيئاته دخل النار، فيكون إهماله لتلك اللقمة تكبره عن أن يزيل عنها الأذى قد أدخله النار؛ ولو فعل لأدخله الجنة، وهذه اللقمة أمر ظاهر وميزانها مكشوف، والوزن فيها بين، وكم فيها من ذرة، وقد قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾. [* وقوله: (ولا يدعها للشيطان) بمعنى من أجله. * وقوله: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) وهذا لأن البركة ربما تكون في الجزء الملقى. - ١٨٠٠ - الحديث الثالث والثلاثون: [عن أنس: (أن جارًا لرسول الله ﷺ فارسيًّا، كان طيب المرق، فصنع لرسول الله ﷺ طعامًا، ثم جاء يدعوه، فقال: (وهذه) لعائشة. فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : (لا) ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : (وهذه؟)

стр. 1462

قال: نعم (٢٢١/ ب) في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله)]. * في هذا الحديث من الفقه إجابة الدعوة. * وفيه أنه لا يجوز للمدعو أن يضم إليه غيره إلا بإذن، فإن لم يأذن صاحب المنزل لم يجز، فإن لم تكن الدعوة وليمة عرس لم تجب الإجابة ولهذا قال له: ولهذه فقال: لا، فقال: لا. * وفيه دليل على أن الكريم النفس إذا كان معه صاحب له أو رفيق جالس فإنه لا يستحب له أن ينفرد عنه بطعام طيب دون أن يشركه فيه، لأن ذلك الفارسي لما أراد أن يستدعي رسول الله ﷺ وحده وقد كان عند عائشة لم يذهب حتى أخذ رفيقته معه. * وفيه دليل على أن رسول الله ﷺ كان بريئًا من الكبر، ومن نخوة الجاهلية؛ فإنه بعد أن رده الرجل مرتين أجابه في الثالثة. -١٨٠١ - الحديث الرابع والثلاثون: [عن أنس: (أن النبي ﷺ كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه، فقال: يا فلان، هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به، فلم أكن أظن بك، فقال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى

стр. 1463

الدم)]. * في هذا الحديث دليل على أنه يحب على كل مسلم أن يتباعد عن مواقف الريب، وأن لا يقنع ببراءة نفسه عند نفسه حتى يكون دليله على ذلك برهانًا واضحًا ينوب عن مقاله ولا يحوجه إلى بسط عذره، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يظن به الشر مسلم إلا أنه ﷺ أراد بذلك أن يسلم ذلك الشخص الناظر من أن يعرض له الشيطان في تخييل ما لم يكن، وأن يقتدي به كل مؤمن إلى يوم القيامة، فلا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم فرأى خاليًا بها عرف الناظر إليه ذلك. -١٨٠٢ - الحديث الخامس والثلاثون: [عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت- ذات ليلة- فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)]. * في هذا الحديث من الفقه أن يستفاد تعلم عبر الرؤيا من هذا الأسلوب،

стр. 1464

وهو أسلوب من أساليب عبر الرؤيا (٢٢٢/ أ) واستخراجها من النطق والتسمية، وهو أن يذكر العاقبة بعقبة، والرفعة بذكر رافع، والطيبة بذكر طاب، وعلى هذا في كل الأسماء إلا أن هذا مهما عبر الإنسان به الرؤيا فيما يكون بشرى وإيذان بالخير فهو في موضعه، فأما إن عبره بما يكون محزنًا لقلوب المؤمنين أو ذاهبًا إلى طيرة أو إنذار بسوء فلا يقطعن به، فإن ذلك من الشيطان ويدفع بذكر الله والصلاة. -١٨٠٣ - الحديث السادس والثلاثون: [عن أنس (أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: (يا أم فلان، أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها)]. * في هذا الحديث جواز أن يخلو الرجل بالمرأة في الطريق لأن رسول الله ﷺ قال: انظري أي السكك شئت، وذلك لأن الخلوة في الطريق ليست خلوة. * وفيه دليل على حسن خلق رسول الله ﷺ وتواضعه ورفقه. -١٨٠٤ - الحديث السابع والثلاثون: [عن أنس، عن عائشة: (أن النبي ﷺ مر يقوم يلقحون، فقال: لو لم يفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت

стр. 1465

كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم)]. * قد سبق هذا الحديث واستوضحنا الكلام عليه. * والشيص: هو أردأ التمر. -١٨٠٥ - الحديث الثامن والثلاثون: [عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: (مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره)]. * قد سبق هذا الحديث، وإنما مربه في حالة الإسراء إلى بيت المقدس ثم جمع الله بينه وبينه في السماء السادسة أو السابعة، والله على كل شيء قدير. * وفيه من فضل الله سبحانه لأنه أرى رسول ﷺ موسى ﵇ يصلي في قبره؛ ليعرف ﷺ أنه ليس في دفنه هو في الأرض غضاضة، ولا نزول عن مرتبة موسى؛ ولتكون قبورهم أمانًا لأهل الأرض، ويثاب قاصدوها من فجاجها.

стр. 1466

* فأما رؤيته له في السماء السادسة فيدل أنه انهز من قبره قاصدًا لأجل مقدم رسول (٢٢٢/ ب) الله ﷺ وتلقيه والاجتماع به، حيث يعرف به محمد ﷺ مقام موسى ومنزلته، ويعرف موسى مقام محمد ﷺ وتجاوزه إلى ربه. * فأما صلاة موسى في قبره فالذي أرى في ذلك أن دار الآخرة هي دار نيل الملاذ، وأن المؤمن قد يجد في صلاته وفي عبادته من اللذة ما لا توازيه لذة في الدنيا، فكيف بالأنبياء، فإن الله صلاته ﵇ مما قد التذ بها فشرع فيها التذاذًا بها لا تكليفًا فغير بعيد، ولأن الأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم. -١٨٠٦ - الحديث التاسع والثلاثون: [عن أنس، عن النبي ﷺ قال: (دخلت الجنة، فسمعت خشفة، قلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك)]. * هذا الحديث يدل على تبشير أم سليم بالجنة. * وقوله سمعت خشفة: الخشفة: وهو الصوت والحركة، وتعني أنها أن لها ضبنة وجمعًا عند دخولها الجنة. -١٨٠٧ - الحديث الأربعون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد، فقال: من يأخذ مني

стр. 1467

هذا؟ فبسطوا أيديهم- كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا، قال: فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال سماك أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين)]. * في هذا الحديث من الفقه استحباب توصل الإمام إلى كل ما يشد به عزائم المجاهدين، ويحمي به أنوفهم للحق، فأما ما فعل رسول الله ﷺ من عرض هذا السيف على القوم متخيرا من يتناوله منهم بحقه حتى انتدب له سماك ففلق به هام المشركين. * وفيه أيضًا أن المستحب للإمام أن يختار أجود السلاح لأجود الرجال، ولا يترك السلاح الأجود مع الرجل الأدون حتى إن كان ملكًا للرجل، فرأى الإمام أنه لا يغني به صاحبه شيئًا، وغيره يغني به الغناء الواسع وليس ذا سلاح، أمر صاحب السلاح أن يدفع سلاحه إلى هذا الأعزل قصدًا بذلك مصلحة الجميع متوصلًا إلى طيب نفس صاحبه في ذلك، فإنه الأولى كما كان يقول لمن مر به انثر كنانتك لأبي طلحة. -١٨٠٨ - الحديث الحادي والأربعون: [عن أنس: (أن النبي ﷺ آخى بين أبي طلحة وبين أبي عبيدة)].

стр. 1468

* قد سبق ذكر الأخوة في مسند عبد الرحمن (٢٢٣/ أ) بن عوف. وفيما مضي من مسند أنس، وبينا أن المراد تعيين كل اثنين في التعاون وإلا فكل المسلمين أخوة لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾. -١٨٠٩ - الحديث الثاني والأربعون: [عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: (لما صور الله آدم في الجنة تركه كما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك)]. * الذي أراه في ترك آدم مدة طويلة؛ أنه يوطئه للملائكة على تفضيله عليهم، لينظروا في تلك المدة إلى الحكم التي وضع عليها إلى أن نفخ فيه الروح، فأما ظن إبليس أنه لا يتمالك لكونه أجوف، فتشتبه الروح التي فيه بشمس الملكوت وقمره، يظهر عند استيقاظه من منامه وقت طلوع الشمس الملكوت؛ كما أنها يخلفها الحياة فيه دون الروح في منامه كما يخلف القمر والكواكب الشمس في الليل، وعزوفه شبيه بالأودية التي في فجاج الأرض، وعظامه شبيه بالجبال التي فيها، وكل شيء من الملكوت ففي الآدمي شبيهه. * وما فيه من الشعر فعلى شبه نبات الأرض فكان من حسن صنعة الخالق

стр. 1469

سبحانه أن بسط الملكوت ثم قبضه في خلقه الآدمي، فلم يخل بشيء مما أودعه في المبسوط إلا وجعل مثاله في المقبوض؛ بل إن المقبوض يزيد عليه بأن فيه من معرفة الله سبحانه، والعلم به والفهم عنه، وأهليته للخطاب والتكليف ما يفضل به المبسوط كله. * ولأن المبسوط كله خلق له، ومن أجله، وكله في خدمته، ويسخر له فهل يغفل عن هذه في مواقع الحكم في خلقه هذه البنية إلا أعمى البصيرة، جهل إبليس ظن أنه لا يتمالك، وإنما كانت الحكم المودعة جوف الآدمي وباطنه مثمرات ما كان من بدائع الحكم في ظاهره من علقه وتمييزه وإدراكه وفهمه وذوقه ولمسه وإحساسه. * ولأن ما خلق الله في أرضه من بدائع الثمار، واختلاف الطعوم، وما ضمن الحشائش والنباتات من المنافع والمضار، لو لم يخلق الآدمي، أجوف؛ ليدرك بحاجته إلى الطعام ما خلق الله تعالى من عجائب صنعته فيما أودعه الثمار، مما لا يمكن أن يصفه شخص لشخص (٢٢٣/ ب)؛ فإنما يدرك بالذوق لا يمكن أن يوصف، حتى إن في المطعم الواحد الحلو مثلًا من التفاوت الذي أودعه الله في كل جنس من أجناس مخلوقاته ما ليس في الآخر، على نحو حلاوة الرطب التي هي غير حلاوة العنب، التي هي غير حلاوة الرمان؛ التي هي غير حلاوة التفاح؛ التي هي غير حلاوة البطيخ؛ التي هي غير حلاوة المن؛ التي هي غير حلاوة السكر؛ التي هي غير حلاوة الفرصاد؛ حتى إن في طعم الحل خاصة ما يزيد عن عشرين جنسا؛ كل واحد منها في حلاوته بينه وبين الآخر في حلاوته تفاوت لا يمكن واصف

стр. 1470

أن يصفه لمن لا يذوقه. وكذلك في الحامض والقوابض والمز والمالح والعفص لا يمكن صفاته في تفاوت طعومه إلا بالذوق، فكيف كان يمكن أن تدرك هذه الحكم من بدائع خلق الله لو لم يجعل الآدمي أجوف مضطرًا إلى تناول هذه الأشياء قال الله : ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾. * وهكذا لما جعله أجوف ليعرض في باطنه من الأمراض ما قد جعل الله شفاءه في الأدوية التي خلقها وأودعها ذلك؛ فلو لم يكن هذا على ما فعله الله سبحانه لم يطلع على هذه أبدًا، حتى إن الإنسان ليتناول من بعض الأطعمة ما لا يصلح له، فخلق الله له طعامًا آخر إذا تناوله دفع ضرر ذلك الطعام الذي تناوله من قبل، فكيف كان يتطلع على هذه الحكم كلها لولا أن الله خلقه أجوف. * وإنما أتي إبليس من نظره بعين العداوة، فعمي عما في الآدمي من حكم وأنه مخلوق على ترتيب مهيئ للعلوم والأعمال، وملك الحيوان كله بأمر خالقه ، وهو دليل على خالقه سبحانه بباطنه وظاهره وكونه لم ينظره دليلًا، ودليلًا لمن يلمسه، ودليلًا لمن يسمع منه، ودليلًا لمن يروي عنه لغيره، فهو مستدل على خالقه بجميع أحواله وحركاته وسكناته، فهو دال على خالقه بجميع أجزائه. * وأتي إبليس أيضًا لعنه الله من حيث أنه رأى التمالك والاستمساك (٢٢٤/ أ) في الخلق من حيث الخلق، فلذلك دخل الجهل عليه ونسي خالقه،

стр. 1471

وإنما تماسك الآدمي وتمالكه بأمر خالقه، ولذلك قال أهل الحق: إن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده، وإن العبد لا يقدر على شيء إلا بإقدار الله له فهو سبحانه يمده به حالًا فحالًا. * ولا جرم أنه ثبت قدمه حين زلت قدم إبليس، ورسخ في العلم حين طاش إبليس جهله، فإن الله تعالى سمى الراسخين في العلم من بني آدم راسخين لثباتهم فيه، وكان طيش إبليس أنه رأى نفسه لجهله في مقام الاعتبار على الله لما صنعه في آدم حتى قال مخاطبًا لربه سبحانه: ﴿أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾. وكما روي عن ابن سمعون ﵀ أنه قال: رأيت إبليس لعنه الله في المنام على صورة كنا عنها. قال ابن سمعون: وكنت قد سمعت عن إبليس أنه قال: علام يلومني اللائمون، وإنما المعصية وصفي والرحمة وصفه فأتيت وصفي؛ وتعلقت بوصفه؟ قال ابن سمعون: فسألته في المنام عن هذا الكلمات التي بلغتني عنه في اليقظة. قلت له: أأنت قلت هذا الكلام؟ فقال: نعم. فقلت له: هذا من جهلك يا جاهل. ثم تجاوز ابن سمعون إلى باقي الكلام في المنام، فقلت أنا: ما الذي أنكر ابن سمعون على إبليس من هذه الكلمات، وظاهرها فيه رسومة، فنظرت فإذا إنكار ابن سمعون في موضعه، وذلك أن قول إبليس المعصية وصفي والرحمة وصفه، فإنه جيء بهذا القول من حيث إنه ظن أنه فلج، بالحجة لأني قلت له

стр. 1472

ومثلته كأنه جالس بين يدي، يا عدو الله: ما وصفك إلا المعصية خاصة أو ليس من وصفك الطاعة أيضًا، وربك أليس من وصفه الانتقام أيضًا كما من وصفه الرحمة، فلم اخترت من وصفك وصفاك لربك أقبحها واخترت لنفسك من وصفي ربك أرفقهما فحينئذ قاتلك الله، لو أن الخلق يقتدون بك لما كان يكون (٢٢٤/ ب) لله سبحانه على وجه الأرض طائع، ولا من انتقامه خائف، فعرفت أن ابن سمعون إنما أنكر عليه في موضعه. ثم ذكر ابن سمعون بقيه المنام فقال: إني قلت له: يا جاهل تدري أي عذاب أنت معذب؟ فقال لي: نعم، فقلت له: بأي عذاب أنت معذب؟ فقال: بعذاب المخالفة، قال: فقلت له أيضًا: وهذه أيضًا مما تدل على زيادة جهلك أما ما خالفه غيرك، أما خالفه آدم فتاب عليه واجتباه وهداه، قال: فقال لي فبأي عذاب أنا معذب؟ قال: فقلت له: أنت معذب بعذاب المقت. قال: فصرخ صرخة فاستحال قردًا قال: ثم قلت له: إنما سميت إبليس؛ لأن اشتقاق معناك كان مودعًا في نسمتك أو نحو هذا الكلام، قال: فقال لي: شيخ، فماذا يكون تدبيري؟ قال: فقلت له: يا هذا تنزلك مع أمره، وتسلمك إلى حكمه. قال: ثم قلت له: يا جاهل، يا عديم العلم لأجهل منك من ظن أنك شممت ريح العلم، أليس بلغ من جهلك أنك لما قال لك ربك اسجد لآدم ابيت، ثم عللت إباءك أن قلت أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، ويلك بلغ من أمرك أنك تسوي أنت لربك تدبيره وتتم له أموره. قلت أنا عند هذا الكلام: يا جاهل، أنت بزعمك خير من آدم جنسًا في ضمن اعتراضك هذا، وممن هو خير تدبيرًا.

стр. 1473

قال ابن سمعون: فاستخذى واستسلم، ثم قال لي بعد ذلك: يا شيخ، اتركني وأهل البدع، ثم انقطع منام ابن سمعون. * فرأيت أنا في المنام شرح الحال أنه قال له: دعني وأهل البدع، أن معناه أنه أراد أن أهل البدع يأتون ما يأتون من مساخط الله سبحانه في مقام لا يتوبون منه، ولا يعتذرون عنه، فأراد الفاسق من ابن سمعون أن لا ينبه على ما عليه أهل البدع من الضلالة، ظنا منه أن ابن سمعون قد بلغ بغضه لأهل البدع وشنآنه إياهم إلى الحد الذي لا يستنقذهم بعمله من يده، فيتركهم معه. * وكان مقام ابن سمعون ﵀ وإن كان له مبغضًا من حيث البدعة؛ فإنه لهم راحمًا من حيث المعرفة، فهو يحرص على هداهم فقد كان أحمد ﵁ أعلا مقامًا (٢٢٥/ أ) من ابن سمعون حيث كان من دعائه: (اللهم ما كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد). * فأما إبليس فإنما من جهله من حيث أنه لم يستيقظ المعنى الذي خلق له، فإنه لما كان من صفات الله سبحانه اللوازم أن يكون عفوا غفورًا صفوحًا، منتقمًا معاقبًا، لم يكن بد مع هذه الصفات من خلق يذنبون فيغفر ويسيئون فيعفو، ومن خلق يأتون الموبقات، ويصرون على المقمحات؛ فينتقم ويعاقب، وكان من رحمته لآدم وذريته أنه لما خلق إبليس مزينا للضلالة، وداعيًا إليها، كان متصرفًا للمذام، ومحققًا في مواقع العذر لبني آدم، وكان إبليس ومن تبعه من ذريته آدم من خلقه الله أحطبًا للنار؛ التي هي محل نقمة الله سبحانه فكان من حيث تنافي الأحوال واختلافها، كان الله سبحانه الحمد أولًا وآخرًا، وبدءًا وعودًا، وقولًا وعقدًا؛ ولأن في باطن

стр. 1474

الآدمي حكمًا من نسج العروق، وتركيب العظام حتى كأنه على شكل السفينة، فإن أول ما تمد من السفينة الخشبة التي هي حرزة ظهر الآدمي، ثم تبنى الألواح التي هي كأضلاع الآدمي ثم تبنى عليها، إلا أن خلق الآدمي تستنبط منه صورة الملكوت. * ويتمالك: يتفاعل فهي مفاعلة تملك، كما أن يتماسك مفاعلة يمسك يعني لا يمكنه تنفعل الملك. * وبعد هذا فإن الله تعالى خلق الآدمي على صورة يطمع فيها إبليس، وهذه الصورة بعينها قد يمر ببعض أصحابها إبليس، وهو يذكر الله فيصرع الشيطان كعمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك). -١٨١٠ - الحديث الثالث والأربعون: [عن أنس: (أن ثمانين رجلًا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي ﷺ ، فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، وأنزل الله تعالى : ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]].

стр. 1475

* في هذا الحديث ما يدل على أن لا يؤتمن إلى المشركين في وقت (٢٢٥/ ب) معاهدتهم كل الأمن، وعلى ذلك فليف لهم معتمدا على الله في كف أذاهم، فإن هؤلاء الرهط اهتبلوا غفلة رسول الله ﷺ ، فسلطه الله عليهم فأخذهم سلمًا أي لا عن حرب فاستحياهم أي استبقاهم، والمراد أنه وفى لهم إذا غدروا ولم ينقض عهدهم بما مكروا، ولم يجازهم على غدرهم بالفتك بهم. -١٨١١ - الحديث الرابع والأربعون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان في غالب أمره وأكثر حاله إنما يأوي إلى فراشه لينام عليه بعد أن يأكل ويشرب وذلك من حكمته في عباده، فإنه يلذ له النوم ويلطف الله حرارته على باطنه فتهضم غذاءه فيخلف على بدنه ما تملك في يقظته، فلما أوى رسول الله ﷺ إلى الفراش ذكر النعمة التي تقدمت على الفراش من الطعام والشراب وقال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا) يعني ﷺ أنه من أسدي إليه نعمة على أثر نعمة فلا ينبغي له أن
следующие страницы →