← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وإنما تماسك الآدمي وتمالكه بأمر خالقه، ولذلك قال أهل الحق: إن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده، وإن العبد لا يقدر على شيء إلا بإقدار الله له فهو سبحانه يمده به حالًا فحالًا. * ولا جرم أنه ثبت قدمه حين زلت قدم إبليس، ورسخ في العلم حين طاش إبليس جهله، فإن الله تعالى سمى الراسخين في العلم من بني آدم راسخين لثباتهم فيه، وكان طيش إبليس أنه رأى نفسه لجهله في مقام الاعتبار على الله لما صنعه في آدم حتى قال مخاطبًا لربه سبحانه: ﴿أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾. وكما روي عن ابن سمعون ﵀ أنه قال: رأيت إبليس لعنه الله في المنام على صورة كنا عنها. قال ابن سمعون: وكنت قد سمعت عن إبليس أنه قال: علام يلومني اللائمون، وإنما المعصية وصفي والرحمة وصفه فأتيت وصفي؛ وتعلقت بوصفه؟ قال ابن سمعون: فسألته في المنام عن هذا الكلمات التي بلغتني عنه في اليقظة. قلت له: أأنت قلت هذا الكلام؟ فقال: نعم. فقلت له: هذا من جهلك يا جاهل. ثم تجاوز ابن سمعون إلى باقي الكلام في المنام، فقلت أنا: ما الذي أنكر ابن سمعون على إبليس من هذه الكلمات، وظاهرها فيه رسومة، فنظرت فإذا إنكار ابن سمعون في موضعه، وذلك أن قول إبليس المعصية وصفي والرحمة وصفه، فإنه جيء بهذا القول من حيث إنه ظن أنه فلج، بالحجة لأني قلت له

стр. 1472

ومثلته كأنه جالس بين يدي، يا عدو الله: ما وصفك إلا المعصية خاصة أو ليس من وصفك الطاعة أيضًا، وربك أليس من وصفه الانتقام أيضًا كما من وصفه الرحمة، فلم اخترت من وصفك وصفاك لربك أقبحها واخترت لنفسك من وصفي ربك أرفقهما فحينئذ قاتلك الله، لو أن الخلق يقتدون بك لما كان يكون (٢٢٤/ ب) لله سبحانه على وجه الأرض طائع، ولا من انتقامه خائف، فعرفت أن ابن سمعون إنما أنكر عليه في موضعه. ثم ذكر ابن سمعون بقيه المنام فقال: إني قلت له: يا جاهل تدري أي عذاب أنت معذب؟ فقال لي: نعم، فقلت له: بأي عذاب أنت معذب؟ فقال: بعذاب المخالفة، قال: فقلت له أيضًا: وهذه أيضًا مما تدل على زيادة جهلك أما ما خالفه غيرك، أما خالفه آدم فتاب عليه واجتباه وهداه، قال: فقال لي فبأي عذاب أنا معذب؟ قال: فقلت له: أنت معذب بعذاب المقت. قال: فصرخ صرخة فاستحال قردًا قال: ثم قلت له: إنما سميت إبليس؛ لأن اشتقاق معناك كان مودعًا في نسمتك أو نحو هذا الكلام، قال: فقال لي: شيخ، فماذا يكون تدبيري؟ قال: فقلت له: يا هذا تنزلك مع أمره، وتسلمك إلى حكمه. قال: ثم قلت له: يا جاهل، يا عديم العلم لأجهل منك من ظن أنك شممت ريح العلم، أليس بلغ من جهلك أنك لما قال لك ربك اسجد لآدم ابيت، ثم عللت إباءك أن قلت أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، ويلك بلغ من أمرك أنك تسوي أنت لربك تدبيره وتتم له أموره. قلت أنا عند هذا الكلام: يا جاهل، أنت بزعمك خير من آدم جنسًا في ضمن اعتراضك هذا، وممن هو خير تدبيرًا.

стр. 1473

قال ابن سمعون: فاستخذى واستسلم، ثم قال لي بعد ذلك: يا شيخ، اتركني وأهل البدع، ثم انقطع منام ابن سمعون. * فرأيت أنا في المنام شرح الحال أنه قال له: دعني وأهل البدع، أن معناه أنه أراد أن أهل البدع يأتون ما يأتون من مساخط الله سبحانه في مقام لا يتوبون منه، ولا يعتذرون عنه، فأراد الفاسق من ابن سمعون أن لا ينبه على ما عليه أهل البدع من الضلالة، ظنا منه أن ابن سمعون قد بلغ بغضه لأهل البدع وشنآنه إياهم إلى الحد الذي لا يستنقذهم بعمله من يده، فيتركهم معه. * وكان مقام ابن سمعون ﵀ وإن كان له مبغضًا من حيث البدعة؛ فإنه لهم راحمًا من حيث المعرفة، فهو يحرص على هداهم فقد كان أحمد ﵁ أعلا مقامًا (٢٢٥/ أ) من ابن سمعون حيث كان من دعائه: (اللهم ما كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد). * فأما إبليس فإنما من جهله من حيث أنه لم يستيقظ المعنى الذي خلق له، فإنه لما كان من صفات الله سبحانه اللوازم أن يكون عفوا غفورًا صفوحًا، منتقمًا معاقبًا، لم يكن بد مع هذه الصفات من خلق يذنبون فيغفر ويسيئون فيعفو، ومن خلق يأتون الموبقات، ويصرون على المقمحات؛ فينتقم ويعاقب، وكان من رحمته لآدم وذريته أنه لما خلق إبليس مزينا للضلالة، وداعيًا إليها، كان متصرفًا للمذام، ومحققًا في مواقع العذر لبني آدم، وكان إبليس ومن تبعه من ذريته آدم من خلقه الله أحطبًا للنار؛ التي هي محل نقمة الله سبحانه فكان من حيث تنافي الأحوال واختلافها، كان الله سبحانه الحمد أولًا وآخرًا، وبدءًا وعودًا، وقولًا وعقدًا؛ ولأن في باطن

стр. 1474

الآدمي حكمًا من نسج العروق، وتركيب العظام حتى كأنه على شكل السفينة، فإن أول ما تمد من السفينة الخشبة التي هي حرزة ظهر الآدمي، ثم تبنى الألواح التي هي كأضلاع الآدمي ثم تبنى عليها، إلا أن خلق الآدمي تستنبط منه صورة الملكوت. * ويتمالك: يتفاعل فهي مفاعلة تملك، كما أن يتماسك مفاعلة يمسك يعني لا يمكنه تنفعل الملك. * وبعد هذا فإن الله تعالى خلق الآدمي على صورة يطمع فيها إبليس، وهذه الصورة بعينها قد يمر ببعض أصحابها إبليس، وهو يذكر الله فيصرع الشيطان كعمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك). -١٨١٠ - الحديث الثالث والأربعون: [عن أنس: (أن ثمانين رجلًا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي ﷺ ، فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، وأنزل الله تعالى : ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]].

стр. 1475

* في هذا الحديث ما يدل على أن لا يؤتمن إلى المشركين في وقت (٢٢٥/ ب) معاهدتهم كل الأمن، وعلى ذلك فليف لهم معتمدا على الله في كف أذاهم، فإن هؤلاء الرهط اهتبلوا غفلة رسول الله ﷺ ، فسلطه الله عليهم فأخذهم سلمًا أي لا عن حرب فاستحياهم أي استبقاهم، والمراد أنه وفى لهم إذا غدروا ولم ينقض عهدهم بما مكروا، ولم يجازهم على غدرهم بالفتك بهم. -١٨١١ - الحديث الرابع والأربعون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان في غالب أمره وأكثر حاله إنما يأوي إلى فراشه لينام عليه بعد أن يأكل ويشرب وذلك من حكمته في عباده، فإنه يلذ له النوم ويلطف الله حرارته على باطنه فتهضم غذاءه فيخلف على بدنه ما تملك في يقظته، فلما أوى رسول الله ﷺ إلى الفراش ذكر النعمة التي تقدمت على الفراش من الطعام والشراب وقال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا) يعني ﷺ أنه من أسدي إليه نعمة على أثر نعمة فلا ينبغي له أن

стр. 1476

يشكر إحداهن ولا أن يذكر الأخرى وينسى الأولى بل يعددهن يتمامهن عند تكاملهن، فكان من تمام النعمة على من أكل وشرب أن يسهل له مكانًا يأوي إليه، فكم من آكل لا يجد ماء بشربه، وكم من آكل شارب لا يجد ما يأوي فيه، فقال (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا)، ثم قال: (فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي). * وفيه ما يستدل به على أن الإنسان إذا أنعم عليه بنعمة كان من أحسن الأشياء له أن يذكر من حرم تلك النعمة فيشكر المنعم عليها بما حرمه الله أخاه. -١٨١٢ - الحديث الخامس والأربعون: [عن أنس: (أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي ﵁ فإذا هو في ركي يتبرد، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي ﵁، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله (٢٢٦/ أ): إنه مجبوب ماله ذكر)]. * في هذا الحديث من الفقه أن هذا الرجل إنما أمر رسول الله ﷺ بقتله من غير بينة من حيث تطريقه على نفسه التهمة بدخوله على أم ولد رسول الله ﷺ ،

стр. 1477

ولم يكن له ذلك وإن كان مجبوبًا، فاستدل رسول الله ﷺ على هتكه حرمة بيت رسول الله ﷺ بنقضه العهد؛ لأنه كان في كفره على عهد من رسول الله ﷺ فرأى أن دخوله بيته بغير إذنه نقض عهده فأمر بضرب عنقه. * وفيه من الفقه أن الله سبحانه كان حافظًا لأوامر رسول الله ﷺ ، فلا يقع شيء منها غلطَا بل هو محفوظ معصوم، فإذا أمر بشيء على قضية تستدعي ذلك الأمر بموجب الحق، وإن كان في باطن تلك القضية ما لو علم به رسول الله ﷺ لغير ذلك الأمر، جعل الله الأقدار حائلة دون إنفاذ ذلك المقدم حتى تكشف له ﷺ عن عواقب الأمور، كما جرى من أن عليًّا ﵇ لما أراد أن ينفذ أمر رسول الله ﷺ في قتل ذلك الإنسان وجده في ركي. والركي: هي البئر التي لم تطو فأمره بالخروج فرآه حينئذ مجبوبًا، ولو كان قد رآه وعليه ثيابه لم يبن لعلي ﵇ أنه مجبوب إلا بعد قتله، فحفظ الله ذمة رسول ﷺ من أن يجري فيها غلط يشبه الغدر، كما حفظها من أن يجري فيها حقيقة الغدر، ولما انكشف لعلي ﵇ أنه مجبوب لم يتعرض له بالقتل، لأنه علم أن ذلك الإنسان لم يحمله على دخول بيت رسول الله ﷺ إلا علمه بنفسه أنه لا يتهم لكونه مجبوبًا، فغلط على نفسه ولو فهم أنه لا يكفي براءة الإنسان عند نفسه حتى تكون براءته عند غيره ظاهرة معلومة لم يفعل ذلك، يدل عليه ما سبق من قول النبي ﷺ إنها صفية. -١٨١٣ - الحديث السادس والأربعون: [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل

стр. 1478

النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا (٢٢٦/ ب) قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن مقدار نعيم الإنسان من أول عمره إلى يوم موته، وإن عاش أطول الأعمار، ويغمره ويغلب عليه _حتى ينسى كل شيء كان منه- صبغة واحدة في النار، وكل بؤس يناله الآدمي في الدنيا على طول عمره يغمره ويغلب عليه -حتى ينسى ذكره- غوطة واحدة في الجنة فلا أغبن من يبيع تلك الحسنة بشيء من هذه السيئة، فالله يعيذنا ويسلمنا من آفات هذه الدنيا، إنه على كل شيء قدير. -١٨١٤ - الحديث السابع والأربعون: [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)]. * قوله: حفت الجنه أي أحيطت بالمكاره، وذلك أن المكاره هي ما يكرهه

стр. 1479

الآدمي من خروج مال عن يده في صدقة، أو فجعة بحميم له، أو خروج نفسه بالجهاد في سبيل الله أو ذهاب عرضه مع من يعضهه، أو صبر على لذة محرمة لأجل الله، أو احتساب طعام وشراب وفراق زوجة في صيام لأجل الله تعالى، أو رغبة من وطء وأهل بقصد إلى الحج، أو صبر على برد ماء في إسباغ وضوء في شدة برد لأجل الله تعالى، إلى غير ذلك. * كما حفت النار أي أحيط بها بالشهوات، فجعل جانب منها يدخل إليه من شهوة الزنا، وجانب يدخل إليه بأكل الربا، وجانب منها بشرب الخمر، وجانب منها بالغدر، وجانب بالنميمة، وجانب بالغيبة إلى غير ذلك. -١٨١٥ - الحديث الثامن والأربعون: [عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: (إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادوا حسنًا وجمالًا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم حسنا وجمالا)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن نعيم الجنة لا يزال (٢٢٧/ أ) أبدًا في الزيادة، وهذه السوق التي ذكرت فيها فهي من ذلك لأنها زيادة على نعيمهم

стр. 1480

وليست بسوق بيع ولا شراء، وإنما جعلت سوقًا من حيث إن السوق موضوع للمرابحة، فهؤلاء يربحون فيها، ويعودون وقد ربحوا من بيوتهم أيضًا ذلك الحسن في الزوجات، وهذا يدل على أن أهل الجنة يزدادون في كل لحظة حسنًا إلى حسنهم وجمالًا إلى جمالهم زيادة لا تزال تنمي بنفس خروجهم إلى تلك السوق، ومقامهم فيها يزيد نساؤهم وأهلوهم حسنًا في تلك الساعة. * وفيه دليل على أن ربح الشمال مباركة في الدنيا والآخرة. -١٨١٦ - الحديث التاسع والأربعون: [عن أنس، عن النبي ﷺ قال: (من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ لم يرض أن يصف أهل الجنة بالنعيم فحسب حتى نفى عنهم البؤس، لأن الإنسان قد ينعم ثم يبؤس فاخبر بنفي ما يؤدي لو عرض مع حصول النعيم. والبؤس: هو الشفاء وسوء العيش. * قوله: لا تبلى ثيابه يعني أن ثيابهم ليست قابلة للبلاء. * وإن شبابهم ليس له غائلة ينتهي إليها، لأنه أحسن عمر الإنسان، فعمرهم كله من أوله إلى ما لا نهاية له: شباب كله.

стр. 1481

-١٨١٧ - الحديث الخمسون: [عن أنس: (أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا، فإني قد وجدت ما وعدني حقًّا؟ فسمع عمر قول النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون؟ أو أني يجيبون، وقد جيفوا؟ قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع ما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا، فألقوا في قليب بدر)]. * هذا الحديث قد سبق في مسند عمر ﵁. -١٨١٨ - الحديث الحادي والخمسون: (٢٢٧/ ب) [عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)].

стр. 1482

* قد مضى هذا الحديث والكلام عليه؛ إلا أن فيه ما ينبه على معنى منع موسى في الرؤية لأنه ﷺ إذا كان لا يفتح باب الجنة لأحد قبل محمد ﷺ فإنه يعرف من هذا أن نظر الله أولى أن لا يبدأ به لأحد قبل رسول الله ﷺ ؛ إذ النظر إلى الله لحظة واحدة أفضل من الجنة كلها وأشرف. -١٨١٩ - الحديث الثاني والخمسون: [عن أنس، قال: كان للنبي ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليه، فقالت: هذه زينب، فكف النبي ﷺ يده عنها فتقاولتا حتى استحثتا، وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك، فسمع أصواتها فقال: اخرج يا رسول لله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي ﷺ ، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي ﷺ صلاته، فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي ﷺ صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولًا شديدًا. وقال: أتصنعين هذا؟)]. * في هذا الحديث أن عماد القسم الليل، وأن زيارة المرأة زوجها في ليلة الأخرى جائز، وكانت زيارة أزواج رسول الله ﷺ له للشوق إلى رسول الله ﷺ وليتعلمن الحكمة ولئلا تمكث المرأة تسع ليال لا تراه ولا تسمع كلامه. * وفيه أيضًا أنه مد يده ظانًّا أنها عائشة فلما قيل له هذه زينب كف يده عنها.

стр. 1483

* وفيه أنه يجري بين المرأتين الصالحتين ما يندمان على أثره بدليل قوله: حتى استحثتا أي رمت كل واحدة صاحبتها بالتراب، وإنما قال أبو بكر: يا رسول الله اخرج واحث في أفواههن التراب لأنه كان ذلك في بيت ابنته (٢٨٨/ أ) عائشة أراد زجرهن بذلك. * وقد دل الحديث على حسن مداراة النبي ﷺ أزواجه وصبره عليهن، فيعلم كل إنسان أن هذا من أفضل العبادة فإن بلي رجل بمثل هذا بين امرأتين له فلا ينبغي أن يخرج ذلك عن مقدار جده؛ حيث قد جرى لنساء رسول الله ﷺ وهن من أفضل نساء العالمين بما تقدم ذكره. * والقول الشديد الذي قاله أبو بكر ﵁ لعائشة ﵂ هو التوبيخ فإنه شديد على مثلها. * وفي هذا الحديث ما يدل على أن بيت رسول الله ﷺ لم يكن فيه ليلتئذ مصباح لكونه جعل يده على زينب ظانًّا أنها عائشة فقالت: أنا زينب. -١٨٢٠ - الحديث الثالث والخمسون: [عن أنس، قال: بعث رسول الله ﷺ بسبسة عينًا ينظر ما فعلت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت غير رسول الله ﷺ وغيري، قال: لا أدري ما استثني بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، فقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرهم في علو المدينة، فقال: لا إلا من كان ظهره حاضرًا، فانطلق رسول الله ﷺ -

стр. 1484

وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا أوذنه، فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على أن تقول: بخ بخ؟ قال: لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها. قال: فاخترج تمرات من قرنه، قال: فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه (٢٨٨/ ب) إنها لحياة طويلة، قال: فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ﵁]. * في هذا الحديث دليل على استحباب إرسال العيون والطلائع. * وفيه كتمان الأحوال وترك الإشاعة للأمور. * وفيه أن من صحب الإمام لم يجز له أن يتقدم على أمر إلا بإذنه. * وفيه أنه يستحب في موطن الحرب أن يحض الناس بتحسين الصفات للجنة، فإن قول رسول الله ﷺ قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض من أحسن ما وصفت به. * وفيه أيضًا أن التصديق بها تبين إشارة تمثل حال عمير بن حمام، وقوله: بخ بخ كلمة تقال عند المدح، قال ابن الأنباري: معناها تعظيم الأمر وتفخيمه.

стр. 1485

* وفيه أن زاد القوم كان يسيرًا حتى اخترج تمرات من قرنه، واخترج بمعنى أخرج. والقرن: جعبة صغيرة تضم إلى الجعبة الكبيرة. -١٨٢١ - الحديث الرابع والخمسون: [عن أنس، قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها)]. * في هذا الحديث دليل على قوة إيمان الصحابة وتبركهم برسول الله ﷺ . * وفيه دليل على حسن خلقه وكرم سجيته في موافقتهم وحمل ما يكره من برودة الماء ليبلغوا مرادهم. * وفيه جواز فعل مثل هذا العالم والصالح والمسلم تبركًا به.

стр. 1486

-١٨٢٢ - الحديث الخامس والخمسون: [عن أنس، قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه، وأضاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل)]. * قد سبق هذا الحديث. وقد شرحناه في هذا المسند أيضًا. -١٨٢٣ - الحديث السادس والخمسون: [عن أن قال: (انطلق ﷺ إلى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب، قال: فلا أدري أصادفته صائمًا، أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه، وتذمر عليه)]. * الصخب: الصوت والجلبة، والمعنى: تصيح. تذمر: تغضب. وإنما انبسطت بهذا لأنها حاضنة رسول الله ﷺ .

стр. 1487

-١٨٢٤ - الحديث السابع والخمسون: [عن أنس، أنه قال: ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا: أن رسول الله ﷺ قال: (من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار)]. * قد مضى هذا الحديث في مسند علي ﵇. -١٨٢٥ - الحديث الثامن والخمسون: [عن أنس، قال: وقت لنا، وحكى أبو مسعود وقت لنا -رسول الله ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة؛ ألا يترك أكثر من أربعين ليلة)]. * هذا الحديث هو الغاية في تأخير ذلك، والأولى أخذ ذلك فيما قبل هذه الغاية.

стр. 1488

-١٨٢٧ - الحديث التاسع والخمسون: [عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (يا بني)]. * في هذا الحديث جواز أن يقول الرجل لغير ولده من الصبيان يا بني؛ ولا يكون ذلك كذبًا. -١٨٢٧ - الحديث التسعون: [عن أنس، قال: (قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين)]. * في هذا الحديث أصح ما روي في عمر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فتوافقوا في الأعمار والأحوال والأخلاق والمدفن والمبعث والمقيل. -١٨٢٨ - الحديث الحادي والتسعون: [عن أنس، قال: (كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه،

стр. 1489

يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل)]. * في هذا الحديث من الفقه إظهار الله سبحانه لعباده عدله، ومن عدله أنه لم يجر على تثبيت الحقوق بين يديه أن تكون قضية من قضاياه يحكم فيها بالشهود العدول، ثم إن جاحد الجحد فلا يظهر الله على رؤوس الأشهاد كذب ذلك الجاحد وافتراه؛ فأنطق الله سبحانه جوارح الإنسان بما جحده مزكية للشهود. ولو قد كان معه الشقي توفيق نطق بفيه، وهو يقدر أن ينطق معترفًا لله ، فكان لا يجمع بين فعل ما لا يجوز له فعله وبين أن يجاحد الله ذلك، ومن أن يجهل أن الله قادر على أن يظهر كل خفي، فاجتمع لهذا الشفي معصية وكذب وجهل بربه. والأركان: الأعضاء، وأناضل: بمعنى أدافع واعتذر. * فأما قوله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا وبالكرام الكاتبين شهودًا؛ فإن فيه أن الله سبحانه أنطق جوارحه لتزكية الشهود لا لارتياب بهم ولا لتتميم شهادتهم.

стр. 1490

-١٨٢٩ - الحديث الثاني والستون: [عن أنس: (أن النبي ﷺ سئل عن الخمر: تتخذ خلًّا؟ فقال: لا)] * في هذا الحديث حجة لمن يرى أن الخمر إذا خللت لم تطهر. وأما إذا تخللت بنفسها فذلك جائز بالإجماع. -١٨٣٠ - الحديث الثالث والستون: [عن إسماعيل السدي، قال: (سألت أنس بن مالك: كيف أنصرف إذا سلمت: عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه)]. * قد سبق بيان هذا، وذكرنا أن هذا الفعل كيف اتفق جاز. -١٨٣١ - الحديث الرابع والستون: [عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى ليرضى عن العبد

стр. 1491

يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها)]. * في هذا الحديث حب الله الحمد، وهذا مما رفق فيه تعبده، فإنه لو قال: الأكلة (بضم الألف) كانت اللقمة، فقد رضي بالحمد، وهي كلمة على الأكلة التي هي مرة، وهي تتضمن لقمات كثيرة، وفي النعم في الأكل أن جعل المأكول وإن كان حلالًا وإن ساغ تناوله، وأن جعل له مخرجًا ريح من أثقاله، وأن أودعه لك عند تناوله، وأعقب عنه قوة عند انهضامه وراحة عند خروج أثقاله وغيره في أثناء ذلك مما كان عند تناوله وهضمه والخلاص منه إلى غير ذلك، فرضي الله عن عبده في النعم الكثيرة بالمرة الواحدة من الحمد. -١٨٣٢ - الحديث الخامس والستون: [عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البرية. قال: (ذاك إبراهيم ﵇]. * هذا من رسول الله ﷺ باب من أبواب البر، فإن الوالد إذا فضل عليه ولده قد يسره ذلك، فأما إذا قال الولد لنفسه: أنا خير من أبي، لم يسره ذلك، فلم يرد ﵇ أن يفضل نفسه على أبيه وإنما الله فضله. * وهذا التواضع إلى هذا الحد من جملة فضل نبينا ﷺ .

стр. 1492

-١٨٣٣ - الحديث السادس والستون: [عن أنس، قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات اليوم، فلما قضى الصلاة، أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا القيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي، ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار)]. * قد مضى هذا في مسند أبي قتادة وغيره وشرحناه هنالك. -١٨٣٤ - الحديث السابع والستون: [عن أنس، قال: أتي لرسول الله ﷺ بتمر، فجعل النبي ﷺ يقسمه وهو محتفز، يأكل منه أكلًا ذريعًا).

стр. 1493

وفي رواية: (أكلًا حثيثًا). وفي رواية: (رأيت رسول الله ﷺ مقعيًا يأكل تمرًا)]. * في هذا الحديث دليل على استحباب أكل التمر. * والمتحفز: المستعجل الذي ليس بمتمكن. والذريع: السريع. وإنما استعجل لئلا يضيع الزمان في الأكل؛ وعلى أن أهل علم الأبدان يرون أن العجلة في الأكل أجود لتجميع الطعام فيهضم دفعة. * وأما الإقعاء، فقال النضر بن شميل: الإقعاء أن يجلس على وركيه، وهو الاحتفاز. -١٨٣٥ - الحديث الثامن والستون: [عن أنس في الرقى، قال: (رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة)]. * في هذا الحديث إباحة الرقية، وقد مضى الكلام في العين والحمة.

стр. 1494

* فأما النملة: فقال أبو عبيد: هي قروح تخرج بالجنب وغيره. وإنما رخص رسول لله ﷺ في الرقية من هذا لكون كل منها يمتد إلى جنسه، فإذا أمن العبد أن بركة كلام الله وأسمائه الحسنى بلغ في الشفاء إلى إزالة هذه الأمراض؛ فقد اعترف لله سبحانه بالقدرة على كل شيء وكفر بالطاغوت في مذهب الطبائعيين. -١٨٣٦ - الحديث التاسع والستون: [عن أنس، قال: (ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قينًا، فيأخذه فيقلبه، ثم يرجع، قال عمرو: فلما توفي إبراهيم، قال رسول الله ﷺ : (إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة)]. * أما حديث الرضاع فقد مضى وشرحنا قصة إبراهيم ﵇. فأما كونه ﷺ أرحم بالعيال فإنه من المقامات التي لها تبين حسن خلق المؤمن، فإن العيال في المعنى غرماء يقتضون المؤمن بأنواع هي الديون ما بين قوت ومسكن وكسوة وحوائج شتى على كونهم فهم الأطفال، ولهم زيادة اشتطاط في الطلب، وفيهم النساء المتنوعات الإرادة، والخادم الجاهل فالصبر عليهم من

стр. 1495

أفضل الصبر، فإذا كان خلق رسول الله ﷺ مع عياله أحسن الخلق، فهو أحسن الناس خلقًا مع جميع الناس. * والظئر: المرضعة، وأما رضاع إبراهيم بن النبي ﷺ في الجنة، فإنه من حيث إن الطفل وقت رضاعه أول مرارات الدنيا عنده الفطام، فلما خرج إبراهيم بن النبي ﷺ عن الدنيا وهو يرضع، وأبدله الله من لذات الجنة بتكميل رضاعه لتخلف عليه بذلك مرارة الفطام، فيكون هذه أول ما تخلف عليه مما فاته من الدنيا، ثم تنتقل الأحوال به حينئذ في ملاذ الجنة. -١٨٣٧ - الحديث السبعون: [عن يحيى بن يزيد النهائي قال: (سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين)]. * أما مسيرة ثلاثة أميال فهو الصحيح، والذي شك فيه شعبة في أنه ثلاثة فراسخ، فهو سهو على أنه قد روي عن جماعة من الأوائل، فروي عن ابن عمر أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر، وكان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ إلا أن هذا لا يعمل عليه اليوم.

стр. 1496

-١٨٣٨ - الحديث الحادي والسبعون: [عن أنس، قال: (بعث رسول الله ﷺ إلى عمر ﵁ بجبة سندس فقال عمر: بعثت بها إلي وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: (إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتنتفع بثمنها)]. * وهذا قد سبق في مسند عمر ﵁. آخر مسند أنس بن مالك ﵁.

стр. 1497

كلمة موجزة في ترجمة أبي هريرة ﵁ وأخلاقه وما أخرج له من الأحاديث * (الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ ،أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات. *اختلف في اسمه على أقوال جمة، أرجحها: عبد الرحمن بن صخر، والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية. قال: وجدتها، فأخذتها في كمي، فكنيت بذلك. *حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا طيبا مباركا فيه-لم يلحق في كثرته-، وعن أبي بكر، وعمر، وأسامة، وعائشة، وأبي بن كعب، والفضل، وبصرة بن أبي بصرة ...). *حدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، فقيل: بلغ عدد أصحابه ثمان مئة، واقتصر جمال الدين المزي فذكر من له رواية عنه في كتب الأئمة الستة. *كان أبو هريرة رجلا آدم، بعيد المنكبين، أفرق الثنيتين، ذا ضفيرتين، لحيته حمراء، يختضب. *أسلم أبو هريرة على يدي طفيل بن عمر الدوسي.

стр. 1498

*هاجر إلى المدينة، فعلم أن الرسول ﷺ خرج لخيبر، فخرج إليها ووصل خيبر بعد الفتح، وفرت عينه برؤية خاتم النبيين ﷺ ، واطمأن قلبه بهذا الدين، وأثنى عليه الرسول ﷺ لما رأى من حرصه الشديد وطموحه بملازمته ودعا له. *خرجت أمه-ميمونة بنت صبيح-معه إلى المدينة وهي مشركة، وكان أبو هريرة يخدمها ويدعوها إلى الإسلام وهي ترفض، وتسب النبي ﷺ ، وكان أبو هريرة لا يهدأ باله بما يراه من أمه، حتى دخل يوما من الأيام على النبي ﷺ مغموما محزونا ملتجئا إليه أن يدعو الله أن يدخل الإيمان في قلب أمه، فدعا لها النبي ﷺ ، فقال: (اللهم اهد أم أبي هريرة)، فلما وصل أبو هريرة إلى داره قالت له أمه: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فرجع إلى رسول الله ﷺ يبكي من الفرح، ويقول: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمي. وقال: ادع الله أن يحببني وأمي إلى عبادة المؤمنين، فقال الرسول ﷺ : (اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحببهم إليهما). قال ابن كثير، وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس؛ وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من رواته من أراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة والإمام على المنبر،

стр. 1499

وهذا من تقدير الله العزيز العليم ومحبة الناس له ﵁. *وكان بارًا بأمه؛ اشتد الجوع بأبي هريرة وآخرين، فدخلوا على رسول الله ﷺ ، وأخبروه، فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل تمرتين، وقال: (كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليها من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا)، فأكل أبو هريرة تمرة، وخبأ الأخرى، فقال له رسوله الله ﷺ : (لم رفعتها؟) قال: لأمي، قال: (كلها، فسنعطيك لها تمرتين). *اتخذ أبو هريرة الصفة مسكنا له طول عمر النبي ﷺ ولم ينتقل عنها، وكان يتولى شئون من سكن الصفة من القاطنين، ومن نزلها من الطائرتين. *لزم أبو هريرة رسول الله ﷺ أربع سنوات من فتح خيبر إلى وفاة الرسول ﷺ مخلصًا لله ولرسوله- وحريصا على التلقي والتعليم

стр. 1500

والحفظ عن رسول الله ﷺ . وقد قال الرسول ﷺ : (ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟) قال أبو هريرة: أسألك أن تعلمني مما علمك الله)، وعن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: (لقد ظننت يا أبا هرة لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من نفسه). *وعن أبي هريرة قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثله! وإن إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكان إخواتي من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرًأ مسكينًا من مساكين الصفة، ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه يومًا: (إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثم يجمع إليه ثوابه، إلا وعى ما أقول). فبسطت نمرة عي، حتى إذا قضى مقالته، جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء. وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه؟ قال: (ابسط ردائك) فبسطته، قال: فغرف بيديه، ثم قال:

стр. 1501

(ضمه)، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده. قال شمس الدين الذهبي: احتج المسلمون قديما وحديثا بحديثه؛ لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: (افت يا أبا هريرة ...). وأشاف الذهبي: وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعه علمه، لقد كان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة. *وقد استعمل عمر بن الخطاب أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟، فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطيه تتابعت، فنظروا، فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرا منك: يوسف ﵇، فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة. وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي. وهذه الوقائع تدل على صدقة وكريم أخلاقه وشجاعته.

стр. 1502

*وكان أبو هريرة من العلماء العاملين بما عمروا؛ يكثر العبادة والذكر وإكرام الضيف. قال عثمان النهدي: تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل ثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا. قالت: يا أبا هريرة كيف تصوم، قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا. وعن الطفاوي قال: نزلت على أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر من أصحاب رسول الله ﷺ رجلا أشد تشميرًا ولا أقوم على ضيف من أبي هريرة. *مات أبو هريرة -في الراجح- سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية عن ست وسبعين سنة. *مسنده خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ست مئة وتسعة أحاديث. ونختم هذه الكلمة الموجزة بقول الذهبي عن أبي هريرة: (هو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه).

стр. 1503

(٩٣/ب) مسند أبي هريرة الدوسي ﵁ أخرج له في الصحيحين ست مئة وتسعة أحاديث. المتفق عليه منها: ثلاث مئة وستة وعشرون. وانفرد البخاري بثلاث وتسعين، ومسلم بمئة وتسعين. -١٨٣٩ - الحديث الأول من المتفق عليه: [عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني ذلك وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه). وفي رواية لمسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه)].

стр. 1504

*في هذا الحديث من الفقه أن ابن عباس ﵁ حسب ذلك كله من اللمم الذي يغفره الله ، فإنه قال تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ يعني لا يجتنبون اللمم. وقد يعني ابن عباس النظر والكلام والبطش كله لما، واللمم مغفور. *فأما الذي أراه في ذلك فهو ما تبصره عين عن غير قصد فذلك المغفور، فلذلك سمي لمًا من ألم الرجل بالقوم إذا جاءهم في طريقه إلى غيرهم، فكذلك (٩٤/أ) ما تمشي إليه الرجل من الخطا من غير قصد من الماشي؛ وكذلك نطق اللسان مما يكون من الفرج يصدق جميع ذلك أو يكذبه. والأولى للمسلم كف أطرافه عن ما يتطرق إليه تكذيب الفرج أو تصديقه. *ومعنى قوله: (كتب):قدر، ولا بد من إضافة ما جرى به القدر. -١٨٤٠ - الحديث الثاني: [عن ابن عباس قال: (قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ -

стр. 1505

المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته. قال: وقدمها في بشٍر كثير من قومه، فأقبل النبي ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس. زاد في رواية:-وهو الذي يقال له خطيب رسول الله ﷺ وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد، حتى وقف على مسليمة في أصحابه، فقال: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني)، ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ : (إنك الذي أريت فيه ما أريت؟) فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما فنفختهما، فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي، فكان أحدهم العنسي صاحب صنعاء والآخر: مسيلمة صاحب البمامة). وفي رواية عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (نحن الآخرون السابقون). وقال رسول الله (٩٤/ب) ﷺ : (بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع بين يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلى أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما: الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة)].

стр. 1506

*هذا الحديث يدل على كون مسيلمة قد كان يستشف منه كل من رآه منذ كان أنه مبطل لقوله: لو أن جعل لي الأمر بعده لتبعته، وهذا يدل على أنه ليس يوثق بحاله، ومما يدل على صدق رسول الله ﷺ مع كثرة دلائله التي كثرت حصى الأرض ونجوم السماء أنه لما رآه ذا تلبيس وباطل لم يرض أن يجعله في مجعل العمال، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وأشار إلى قطعة من جريد كانت في يده معه، والمعنى إذا كنت لا أعطيك هذه، فيكيف أوليك على الناس. ومن دلائل نبوة نبينا ﷺ أنه قال له: ولئن أدبرت ليعقرنك الله، فكان كما قال؛ فإنه لما أدبر عن أتباعه عقره الله وقتله. *وقوله: وهذا ثابت يجيبك عني، يدل على أن الرفيع القدر يترفع عن إجابة سفيه القوم، ومن لا يكون إزاء مقامه فإن ذلك جائز، وأراد أن محلك دون أن أجيبك. *وقوله: (وإني لأراك الذي: أريت فيك ما أريت) ثم فسره بما روى في الحديث: أريت في يدي سوارين. وأما اهتمام رسول الله ﷺ بما رأى في يديه من السوارين، فإنما أهمه ذلك من أجل أن ذلك مما يلبسه النساء. فإذا لبسه الرجال دل على وهن في الحال؛ لأن المرأة ذات وهن، فلما نفخهما رسول الله ﷺ فطارا، (٩٥/أ)،

стр. 1507

فاستدل بذلك على أنهما كذابان يحلان في غير محلهما من جهة أن السوار من حلي النساء، فإذا دلا في يدي رجل فقد كذبا عن المحل الذي عرفا به، فلما طارا بالنفخ وهو أسهل ما يكون من الآدمي، أول رسول الله ﷺ أن كذب هادر، لا يؤثر في دينه، وأن نفخه أطارهما، فكان ما قدم رسول الله ﷺ من كلامه الحق، ووصاياه الصدق، هي التي اعتمد عليها المسلمون، وتمسك بها المؤمنون حتى قتلوا مسيلمة. وهذا لأن النفخ من حديث يخرج الكلام، فكان هذا التأويل موافقا لما جرى. *والجريد: سعف النخل، الواحدة جريدة، وسميت بذلك لأنه قد جرد منه الخوص. *وقوله: (ليعقرنك الله) أي ليهلكنك. والعنسي اسمه الأسود، وهو صاحب صنعاء، وكان قد ادعى النبوة هو ومسيلمة أيضا. *وأما قوله: (نحن الآخرون السابقون)؛ فإنه يعني نحن الآخرون زمانًا السابقون يوم القيامة إلى الجنة، وأشار بقوله: (نحن الآخرون)، أن كل مدع النبوة بعدي فهو كاذب. -١٨١٤ - الحديث الثالث: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قال الله : إذا تقرب

стр. 1508

عبدي مني شبرًا، قربت منه زراعًا، وإذا تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، -أو بوعًا- وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة). زاد أبو مسعود: (وإن هرول سعيت إليه، والله أسرع بالمغفرة). وفي رواية: (يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ (٩٥/ب) ذكرته في ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). وفي رواية: (أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني). وفي رواية لمسلم: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول). وفي رواية: (إذا تلقاني عبدي بشبر، تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع)].

стр. 1509

*قد تقدم من هذا الحديث كلمات في مسند أنس وغيره. *وقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، يعني: إنه إن تباعد ظنه فبلغ أقصى مبلغ من الأماني العريضة والآمال الطويلة، فإني عند ظنه كما أنه إن جهلني عبدي فظن في ظنا ضعيفًا فأملني أملا صغيرًا، فلم يتسع أمله لسوء ظنه بجودي، كان الحد الذي انتهى إليه قصور نفسه، هو الذي حبسه عن النيل لما أدركه أهل حسن الظن. *وقوله: (وإن ذكرني في نفسه)، يدل على أن الذكر ف النفس خير من الذكر في الناس؛ لأن من يذكر الله في نفسه خير ممن يذكر الله في ملأ، إلا أن ذكره في نفسه قد يبدو عليه، ويغلب فيذكره في ملأ؛ فوعده الله أنه يذكر في ملأ خير منهم، وذلك أن يذكره ﷻ في الملائكة المقربين مثل أن يقول سبحانه: نعم العبد فلان، فلو قد مشى العبد على حر وجهه طول عمره في طاعة الله حتى يسمع تلك الكلمة أو حتى يقال عنه في ذلك الملأ؛ لكان ذلك يسيرًا، إلا (٩٦/أ) أن الله من على هذه الأمة بالعافية فلا يعرضهم لما لا يطيقونه بل يرفق به ويلطف. *وأما حديث الضالة فقد سبق في مواضع منها مسند ابن مسعود. *وقوله: (إذا تلقاني عبدي بشبر). هذه التاء متعلقة بمضمر تقديره شبر من القرب إلى تلقيته بذراع من السعي في معونته أو بشبر من البعد عن ما أكرهه تلقيته بذراع من البعد عن ما يسوؤه، فلما أضمر هذا المذكور ولم

стр. 1510

يظهر احتمل هذه الأشياء وجنسها مكان ذلك فضلا فوق الفضل، وطولا فوق الطول. فأما ذكر الباع فإنه غاية ما ينتهى إليه امتداد خلق الآدمي، وأسرع في وزن أفعل؛ فلابد له أن يقتضي مذكورًا، فلما لم يذكر شيئًا، تناول كل محتمل أن يذكر، كقولنا: بأسرع مما جاءني به أو بأسرع في القلب إليه أو بأسرع في المعونة، أو بأسرع في النصر له، أو بأسرع في إغنائه عن ضري إلى غير ذلك. *وقوله: (لله أفرح بتوبة عبده)، قد مضى تفسيره، وأشير إليه، فأقول: إنه حيث أنطق الله رسوله ﷺ مخبرا عن فرحه سبحانه بتوبة عبده وبلوغه إلى هذا المبلغ الذي ذكره، فإنه لمستدع يستحدب منتهض فطن التائبين إلى أن يكونوا لو استطاعوا أن يطيروا فرحا لطاروا، وإن لو قدروا أن يملأوا أكوان الوجود بسرورهم لملأوا؛ لأنه إذا فرح ربهم؛ الذي هو غني عنهم، ولا حاجة به إليهم، وأنه سبحانه سواهم وأعواض منهم هكذا، فكيف ينبغي أن فرح العبد التائب بربه، وهو الفقير إليه الذي ليس له سواه ولا (٩٦/ب) عوض منه، ولا له حاجة إلى غيره، وعلى هذا فينبغي للممنين أن يفرحوا لأخيهم التائب وبه ولأجله؛ فإنه مقام سرور قال: ذلك هو متاب من ذنب .... ووراه المتاب من التقصير والمتاب من التأخر، والمتاب من ترك الأفضل، والمتاب من إيثار الأدنى على الأعلى، والمتاب من الرضا عن النفس في قناعتها لربها بمبذول أو من ربها بمسؤول، أو هكذا في كل متاب يلهمه الله المؤمنين من
следующие страницы →