Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
*هذا الحديث يدل على كون مسيلمة قد كان يستشف منه كل من رآه منذ كان أنه مبطل لقوله: لو أن جعل لي الأمر بعده لتبعته، وهذا يدل على أنه ليس يوثق بحاله، ومما يدل على صدق رسول الله ﷺ مع كثرة دلائله التي كثرت حصى الأرض ونجوم السماء أنه لما رآه ذا تلبيس وباطل لم يرض أن يجعله في مجعل العمال، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وأشار إلى قطعة من جريد كانت في يده معه، والمعنى إذا كنت لا أعطيك هذه، فيكيف أوليك على الناس.
ومن دلائل نبوة نبينا ﷺ أنه قال له: ولئن أدبرت ليعقرنك الله، فكان كما قال؛ فإنه لما أدبر عن أتباعه عقره الله وقتله.
*وقوله: وهذا ثابت يجيبك عني، يدل على أن الرفيع القدر يترفع عن إجابة سفيه القوم، ومن لا يكون إزاء مقامه فإن ذلك جائز، وأراد أن محلك دون أن أجيبك.
*وقوله: (وإني لأراك الذي: أريت فيك ما أريت) ثم فسره بما روى في الحديث: أريت في يدي سوارين.
وأما اهتمام رسول الله ﷺ بما رأى في يديه من السوارين، فإنما أهمه ذلك من أجل أن ذلك مما يلبسه النساء. فإذا لبسه الرجال دل على وهن في الحال؛ لأن المرأة ذات وهن، فلما نفخهما رسول الله ﷺ فطارا، (٩٥/أ)،
стр. 1507
فاستدل بذلك على أنهما كذابان يحلان في غير محلهما من جهة أن السوار من حلي النساء، فإذا دلا في يدي رجل فقد كذبا عن المحل الذي عرفا به، فلما طارا بالنفخ وهو أسهل ما يكون من الآدمي، أول رسول الله ﷺ أن كذب هادر، لا يؤثر في دينه، وأن نفخه أطارهما، فكان ما قدم رسول الله ﷺ من كلامه الحق، ووصاياه الصدق، هي التي اعتمد عليها المسلمون، وتمسك بها المؤمنون حتى قتلوا مسيلمة. وهذا لأن النفخ من حديث يخرج الكلام، فكان هذا التأويل موافقا لما جرى.
*والجريد: سعف النخل، الواحدة جريدة، وسميت بذلك لأنه قد جرد منه الخوص.
*وقوله: (ليعقرنك الله) أي ليهلكنك.
والعنسي اسمه الأسود، وهو صاحب صنعاء، وكان قد ادعى النبوة هو ومسيلمة أيضا.
*وأما قوله: (نحن الآخرون السابقون)؛ فإنه يعني نحن الآخرون زمانًا السابقون يوم القيامة إلى الجنة، وأشار بقوله: (نحن الآخرون)، أن كل مدع النبوة بعدي فهو كاذب.
-١٨١٤ -
الحديث الثالث:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قال الله : إذا تقرب
стр. 1508
عبدي مني شبرًا، قربت منه زراعًا، وإذا تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، -أو بوعًا- وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).
زاد أبو مسعود: (وإن هرول سعيت إليه، والله أسرع بالمغفرة).
وفي رواية: (يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ (٩٥/ب) ذكرته في ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
وفي رواية: (أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني).
وفي رواية لمسلم: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول).
وفي رواية: (إذا تلقاني عبدي بشبر، تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع)].
стр. 1509
*قد تقدم من هذا الحديث كلمات في مسند أنس وغيره.
*وقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، يعني: إنه إن تباعد ظنه فبلغ أقصى مبلغ من الأماني العريضة والآمال الطويلة، فإني عند ظنه كما أنه إن جهلني عبدي فظن في ظنا ضعيفًا فأملني أملا صغيرًا، فلم يتسع أمله لسوء ظنه بجودي، كان الحد الذي انتهى إليه قصور نفسه، هو الذي حبسه عن النيل لما أدركه أهل حسن الظن.
*وقوله: (وإن ذكرني في نفسه)، يدل على أن الذكر ف النفس خير من الذكر في الناس؛ لأن من يذكر الله في نفسه خير ممن يذكر الله في ملأ، إلا أن ذكره في نفسه قد يبدو عليه، ويغلب فيذكره في ملأ؛ فوعده الله أنه يذكر في ملأ خير منهم، وذلك أن يذكره ﷻ في الملائكة المقربين مثل أن يقول سبحانه: نعم العبد فلان، فلو قد مشى العبد على حر وجهه طول عمره في طاعة الله حتى يسمع تلك الكلمة أو حتى يقال عنه في ذلك الملأ؛ لكان ذلك يسيرًا، إلا (٩٦/أ) أن الله من على هذه الأمة بالعافية فلا يعرضهم لما لا يطيقونه بل يرفق به ويلطف.
*وأما حديث الضالة فقد سبق في مواضع منها مسند ابن مسعود.
*وقوله: (إذا تلقاني عبدي بشبر). هذه التاء متعلقة بمضمر تقديره شبر من القرب إلى تلقيته بذراع من السعي في معونته أو بشبر من البعد عن ما أكرهه تلقيته بذراع من البعد عن ما يسوؤه، فلما أضمر هذا المذكور ولم
стр. 1510
يظهر احتمل هذه الأشياء وجنسها مكان ذلك فضلا فوق الفضل، وطولا فوق الطول.
فأما ذكر الباع فإنه غاية ما ينتهى إليه امتداد خلق الآدمي، وأسرع في وزن أفعل؛ فلابد له أن يقتضي مذكورًا، فلما لم يذكر شيئًا، تناول كل محتمل أن يذكر، كقولنا: بأسرع مما جاءني به أو بأسرع في القلب إليه أو بأسرع في المعونة، أو بأسرع في النصر له، أو بأسرع في إغنائه عن ضري إلى غير ذلك.
*وقوله: (لله أفرح بتوبة عبده)، قد مضى تفسيره، وأشير إليه، فأقول: إنه حيث أنطق الله رسوله ﷺ مخبرا عن فرحه سبحانه بتوبة عبده وبلوغه إلى هذا المبلغ الذي ذكره، فإنه لمستدع يستحدب منتهض فطن التائبين إلى أن يكونوا لو استطاعوا أن يطيروا فرحا لطاروا، وإن لو قدروا أن يملأوا أكوان الوجود بسرورهم لملأوا؛ لأنه إذا فرح ربهم؛ الذي هو غني عنهم، ولا حاجة به إليهم، وأنه سبحانه سواهم وأعواض منهم هكذا، فكيف ينبغي أن فرح العبد التائب بربه، وهو الفقير إليه الذي ليس له سواه ولا (٩٦/ب) عوض منه، ولا له حاجة إلى غيره، وعلى هذا فينبغي للممنين أن يفرحوا لأخيهم التائب وبه ولأجله؛ فإنه مقام سرور قال:
ذلك هو متاب من ذنب .... ووراه المتاب من التقصير
والمتاب من التأخر، والمتاب من ترك الأفضل، والمتاب من إيثار الأدنى على الأعلى، والمتاب من الرضا عن النفس في قناعتها لربها بمبذول أو من ربها بمسؤول، أو هكذا في كل متاب يلهمه الله المؤمنين من
стр. 1511
عباده إذا جعلوا الطريق إلى معرفته تصفية الأعمال، وأكل الحلال، وقولي: أكل الحلال له معينان:
أحدهما، أن يكون لا يتناول المؤمن إلا ما أفتاه الشرع بحله.
والمعنى الآخر، أنه لا يتورع المؤمن من أكل حلال أفتاه الشرع فأكله؛ فإن تحريم الحلال كتحليل الحرام.
-١٨٤٢ -
الحديث الرابع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله).
وفي رواية: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند عمر، وتقدم الكلام على الله.
-١٨٤٣ -
الحديث الخامس:
[عن أبي هريرة: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقوم الساعة
стр. 1512
حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) وذو الخلصة: (٩٧/أ) طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.
زاد مهمر: (بتبالة)].
*ذو الخلصة: بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة، وكان يسمى الكعبة الثمانية، فبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله لهدمه، وعقد له لواء فهدمه، فأخبر النبي ﷺ أن الناس يعودون في آخر الزمان إلى بنائه والعكوف عليه، ويكون ذلك من أشراط الساعة حتى وصف حرص النساء على السعي حول ذلك الصندم حتى تضطرب أليات النساء، وهي جمع إلية، وهي الفحش.
-١٨٤٤ -
الحديث السادس:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل بببصرى)].
стр. 1513
*هذه آية من آيات القيامة، وهي امتداد ضوء النار من أرض الحجاز إلى بصرى، وهي من أرض الشام.
-١٨٤٥ -
الحديث السابع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله).
وفي رواية: (هلك كسرى، ولا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله)].
*قد سبق الكلام في هذا الحديث، وبينا أن هذا من الدلائل على صحة نبوة نبينا ﷺ ؛ فإنه أخبر بما سيكون فكان على ما أخبر، وأن الله تعالى مزق ملك كسرى وقيصر، وغلب المسلمون الحربين، وأنفقوا كنوزهما في سقبيل الله، وهذا من أخباره ﷺ بالغيوب، وهو من أعظم دلائله (٩٧/ب) ﷺ ؛
стр. 1514
لأنه جمع بين أمرين عظيمين يعجز عنهما قدرة كل بشر، ويضيق بهما ذرع كل مخلوق، وهو أنه أشار إلى مهلك كسرى وقيصر، وهما ملكا الخافقين من المشرق والمغرب في قوة جنودهما، وتضاعف عساكرهما، ويوم قوله ﷺ كسرى في عنفوان ملكه؛ وكذلك قيصر في أثر يزياد تطاوله؛ وقد امتد لكل منهما الملك عن أنباه واحدًا، وثبت في عنصره واسونح أمره، ونائل ملكه، واستحكم عقده، فأخبر رسول الله ﷺ بمهلكهما جميعًا، ونزعهما من ملكهما مقهورين مغلوبين بأيدي أمته حتى قال: ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله.
*ثم المعنى الآخر قوله: وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وأخبر ﷺ أن بعد مهلكهما لا يقوم لهما عمد، وأن نارهما لا تضيء بعد أن تخبو، وعامر حدهما لا ينهض بعد أن يكبو، فكان كما قال ﷺ ؛ لأن الله هو الذي أطفأ نارهما فلم يشب، وصغر حدودهما، وأخل أمرهما فلم تستتب، فهو من دلائل رسول الله ﷺ القاطعة، وحججه الظاهرة البارعة، ومن كان ذا لب سليم وعقل مستقيم، فإنه لا يبقى عنده شك، ولا يخالطه ارتياب في أن أمر رسول الله ﷺ إنما استتب واستمر لأن الله هو الذي أظهره وشاده، وقواه وعضده، فلم يقم له ملك من ملوك الأرض، ولم يثبت بين يديه جبار من جبابرة الدنيا.
*ولقد جرى لي في هذا أنه لما كنت بالمخزن حضر عندي فيمن يحضر (٩٨/أ) من كتاب معاملات المخزن رجل من أهل الذمة يعرف بفرح بن كمونة، فقال فيما قال: إنه كان له جد يعرف بغنايم بن كمونة، وكان كاتبا بالمخزن، وكان ابن عمه متعبدًا في يهدويته؛ حتى إنه مرض مرضة فلم
стр. 1515
يستعمل الدواء رضا بما يقضى عليه، حتى أرسل إليه المعروف ببركات الطبيب يقول له: إن المتداوين لم يتداووا على أنهم لا يرضون بأقدار الله فيهم؛ ولكن أرادوا أن يدبروا أبدانهم بالصواب. وهذا الكلام من بركات فهو كلام واهن انلطق إلا أن معناه صحيح، ولا أخاله إلا قد سمعه من بعض علماء المسلمين ثم لم يحسن أن يعبر عنه.
*والصحيح في ذلك أن يقال: إن النفس مع الآدمي وديعة لله في يده، فهو على مثل الصبي في حجر الوصي، فلا يصلح أن يدبرها إلا بأصوب التدبير؛ فإن الوصي لو أهمل الطفل حتى تجري عليه الآفات معتذرا بالأقدار لكان ملومًا، من حيث إنه أساء القيام على من أوصي بالقيام عليه، وإن كانت الأقدار جرت عليه بما لو أحسن هو التدبير لم يكن تجر إلا بمثله؛ ولكن فاتت هو أن يقوم بما عليه؛ ثم انفصل المجلس؛ فأفكرت في قول ذلك الكافر من مدحه لجده توطئه لمدح دينه، وكيف لم أجبه عنه.
*ثم إني بعد ذلك فتح الله لي من الجواب ما أنا ذاكره: وهو أني استدعيته، فحضر ومعه كافر آخر، وأحضرت أنا معي مسلمًا ثم استعدت منه الحديث فاعترف بما قاله منه، فقلت له: أتراك قد استدللت بهذا على أن اليهودية دين حق، إذ يوفق المبطلون للتوكل والقوة على ترك الدواء، وأشار بأن: نعم، فقلت له: فماذا تقول فيمن يعتمد هذا منا معشر (٩٨/ب) المسلمين، وأضعاف ما تعمده جدك هذا، ونحن عندك على ما تعلم، وكذلك ما يعتمده بعض النصارى من ذلك، فلا يستدل بضمن هذا على صحة ما علية فاعلة من الدين، فكأنه اعترف لي.
فقلت له: فالآن يخطر في قلبك أنك تقول: فكيف يجري الله طاعاته من التوكل والقوة في الأمور الصالحة على أحوال بغضائه وأعدائه، فتبسم
стр. 1516
إلي تبسم المصدق لي على أني وقفت على ما في قلبه، فقلت له: إن الله لا يبغض الطاعة، ولكن إذا وازنت ذلك بما قد آتاه هذا المطيع من المعصية، رجع به العصيان، وقس ذلك أنه لو أن هذا أمير المؤمنين، وعنيت به المقتفي ﵁ إذ ذاك، وكنت حينئذ مشرفا بالمخزن ولا أعلم الغيب ولكن أنطقني الله سبحانه الذي أنطق كل شيء نصب وزيرًا، فقال للناس: هذا مني ومنكم، فمن أراد إلي حاجة فليقلها إليه ليذكرها هو لي، فأطاع الناس إلا واحدًا، قال: أنا أطيعك فيما بيني وبينك من غير واسطة الوزير، ضعفي ما أطيعك في وساطته لكان من الحق أنه هو يقول: إني لا أقل ذلك وأنكره، وذلك لا لأني أحب الطاعة، ولكن من أجل أن هذا القول هو وإن كان يقرب من جهة طاعتي؛ فإنه تباعد كل الأبعاد عني من حيث الطعن في تدبيري، والتسوية لرأي فهل هذا حقي، فضحك الكافر على معنى أذكره.
فقلت له: مهلا، بقي أنه صبت أنه وزيره، وعنيت به محمدًا ﷺ فضحك مصدقًا لي في إصابتي لما في نفسه. فقلت له: الآن يقول الله : يضاعف لكم يامخالفين سخطي لأن غضبي كان عليكم من حيث إنكم طعنتم في تدبيري (٩٩/أ)، والآن فقد استبان طعنكم في وجودي؛ فإنه من ظن أن محمد قدر على ما قدر عليه من الاستيلاء على الأرض، وقهر ملوكها، ونسخ الشرائع التي كانت بين يديه فيها، وتحليل ما حلل، وتحريم ما حرم، ووضع ما وضع، ورفع ما رفع، وقسمه للمواريث، وشرع الشريعة، ووضع الفقه، وإراقة الدماء وحقنها، وإباحة الفروج وصونها مسندًا ذلك كله إلى، ومقرنا بزعكم قاتلكم الله على، ثم يستمر له ذلك ويستتب وال يدفع إلى يوم القيامة، فإن هذا لا يطيقه إلا من لا يرى أني موجود؛ إذ لا يرضى بإقرار الكذب عليه أحدكم، فكيف بخالق السموات والأرض؟!
стр. 1517
فرأيته قد انتفع لونه، حتى ظننت أنه يمد يده ليسلم. فقلت له: ولا يظن أن هذا من علمي؛ ولكن الله علمنيه من استنباط كلامه العزيز؛ حيث يقول: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾، وقوله سبحانه: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ يعني ﷻ أنه من كان تقدم أو تجرأ على أن يدعي أن الله أنزل عليه كتابًا كاذبًا ثم يترك ولا يخسف الأرض به، وال تخر الجبال عليه، ولا تسقط السماء كسفًا من فوقه، ثم قال: ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس﴾؛ يعني أن موسى ﵇ ليس في الوجود اليوم من يعترف ببعثه الرسل إلا وهو يقر بكتاب موسى.
وقوله سبحانه: ﴿نورًا وهدى﴾، يعني سبحانه أنه يأتي بالنور والهدى (٩٩/ب) إلا بحق وفقه الله وهداه لقوله سبحانه: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾.
وقوله سبحانه: ﴿تجعلونه قراطيس تبدونها﴾ أي في قراطيس تكتب وتضبط، ويحصر عليهم ما جاءوا به ونطقوا، أي ليس فيهم مغالط ولا من يخشى عاقبة درك ما جاء به، وقال سبحانه ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله
стр. 1518
كذبًا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ثم إنه أدركته الشقوة فانسل.
-١٨٤٦ -
الحديث الثامن:
[عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد؛ فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها).
ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
وفي رواية: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه الشيطان إلا ابن مريم وأمه).
وفي رواية: (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب).
وفي رواية: (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها).
وفي رواية: (صياح المولود حين يقع نزغة من الشطيان)].
стр. 1519
*في هذا الحديث ما يدل على شدة عداوة هذا العدو الكافر؛ لأنه بلغ من عداوته أنه إذا رأى الطفل حين ولادته على ضعفه ووهنه بادر إلى نخسه حتى يستهل صارخًا، فأراد رسول الله ﷺ أن يعلمنا هذه عداوته ليكون الطفل حذرًا (١٠٠/أ) من نزغاته.
*وفيه أن الله تعالى سلم مريم وابنها منه، باستعاذة أم مريم هو قولها: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ فدل هذا على أنه يستحب لكل مؤمن أن يستعيذ بربه لذريته من الشيطان الرجيم.
وقد ذكرنا في مسند ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من إنسان يدنو من أهله فيقول: اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني، فيقضى بينهما ولد إلا لم يضره الشيطان) أو كما قال.
*والاستهلال: رفع الصوت والمراد به الصياح.
والحجاب: المشيمة والمراد أنه لم يصل إليه.
ونزغة الشيطان: قصده الفساد.
*وفيه أيضًا من التنبيه على أن الشيطان ينخس المولود نخسًا فيستهل صارخًا، وعلى هذا فإنه نخس الآدمي في اطنه بنزغاته بالنخس الذي لا يدركه حسه؛ ولكن يدركه إيمانه وعقله، فينبغي أن يكون على أقل أحواله إذا رأى تأثير تلك النزغة عنده أن يدملها بالحجة، فإن لم يقدر فليقنع
стр. 1520
بحالة الطفل في الصراخ من شرها غير ساكن معها ولا مطمئن إليها، فإن الشيخ أبا عبد الله محمد بن يحيى ﵀ كان جالسًا عندي في يوم وهو يكرر ذكر الله أحسب أنه يريد تميم ذلك ألف مرة أو عشرة آلاف مرة، فبينما هو في الذكر كان يصيح في أثنائة، ففهمت الحالة وسألته: لم يصح؟ فقال: الإنسان في حرب أو محاربة.
-١٨٤٧ -
الحديث التاسع:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي (١٠٠/ب) بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).
وفي رواية: (حتى تتكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها)، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾.
وفي رواية: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم)، وفير رواية: (فأمكم منكم).
وقال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ .
стр. 1521
وفي رواية: (والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليطعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتخاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد)].
*في هذا الحديث من الفقه الإيمان بنزل عيسى بن مريم وكونه صلى بملة الإسلام.
*وقوله: فأمكم منكم فيه قولان:
أحدهما: فيؤمكم وهو منكم، أي إنه على دينكم ليس على دين النصارى.
والثاني: فيؤمكم منكم، أي إن إمامكم منكم، وهو يصلي خلفه، وفي هذا تنبيه من رسول الله ﷺ على أن الإسلام لا يجوز نسخه، وأنه الدين الذي بعث الله به آدم، ووصى به نوحًا، ويختم به في آخر الأمر عيسى بن مريم.
*وقوله: ليوشكن: القرب. والقسط: الحكم بالعدل.
*ومن فوائد بقاء أهل الكتاب أن ينزل عيسى وقد بقي أقوام يعبدون
стр. 1522
الصليب فيكسره، ومن يكون له منهم مال يضرب عليه الجزية، وعى أن الأشبه في قوله: ويضح الجزية أن يكون وضعها (١٠١/أ) إسقاطها.
*ويجمع بين قوله: (لا نبي بعدي) ومن نزول عيسى، بأن عيسى كان في الدنيا داعيًا لأمته، ثم ينزل بعد درفعه لأجل أمة محمد ﷺ ، فإنه لما جاء بالحق من عند الله جز وجل فكذبه اليهود، وادعوا على أمه بما ادعوا، قام محمد ﷺ بالحق من المنافحة عنهما، فيما عصوهما به، بإبطال ما كانت عليه اليهود، وبرأه الله تعالى على لسان محمد ﷺ من كل ما قرفوه به، وشهد بأنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، ووعد بالصلاة عليه، والإيمان به، وأنه رسول الله وعبده وكلمته، ثوابًا بالجنة.
*كما أنه ﷺ لما رأى أن آخرين قد أعطوه من الأمر ما لم يرضه هو، وادعوا أنه ولد الله تعالى الله عن ذلك فكذبهم فيما ادعوه، وشهد هو وأمته بكفرهم وضلالهم، فكان المعنى في أنه استأهل منه ﷺ ، فحيث برأه من هاتين العوارين؛ مما قالت فيه اليهود من الباطل والبهتان، وما قالت فيه النصارى من الإفك والعدوان، فنزل هو ﵇ في آخر أمته مشيدًا لأمره حكمًا مقسطًا أي عادلا، يكسر الصليب، ويأخذ الجزية التي شرعها نبينا ﷺ ، فيكون عيسى في معنى تتميم أمر رسول الله ﷺ ، وتقوية برهانه، وإظهار علو شأنه ﷺ .
*وقوله: (ليتركن القلاص فلا يسعى عليها)؛ فلا أظنه إلا لكثرة الخير، فلا يحتاج أحد إلى ضرب في الأرض.
стр. 1523
وأما فيض المال فلكثرة الخير، وقلة الراغبين فيه مما عندهم. وذهاب الشحناء والتحاسد والتباغض إنما سببه كثرة (١٠١/ب) الخير واتساع الخير عند رخاء العيش.
-١٨٤٨ -
الحديث العاشر:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)، قالوا: يا رسول الله! أيها هو؟ قال: (القتل القتل).
وفي رواية: (يتفاوت الزمان، وينقص العلم)، وفيه: قالوا: وما الهرج؟ قال: (القتل).
وفي رواية: (يقبض العلم، وتكثر الفتن، ويكثر الهرج)، قيل: يا رسول الله! وما الهرج؟، قال هكذا بيده؛ فحرفها كأنه يريد القتل.
وفي رواية ذكرها البرقاني وأبو مسعود: (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون، كلهم يزعم: أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج). قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: (القتل القتل).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يهم رب المال من يقبض منه صدقته). وقال: (يقبض العلم، ويقترب الزمان،
стр. 1524
وتظهر الفتن، ويكثر الهرج).
وذكر أبو مسعود: (لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه، ويدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه).
وفي رواية لمسلم: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله، فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)].
*في هذا الحديث من الفقه أن تقارب الزمان على ما قيل أنه اقتراب الساعة، والذي أراه في ذلك: أنه تقارب آجال الناس، لأن أجل كل إنسان زمانه، فإذا تقارب الزمان يعني من الكل كان آجال (١٠٢/أ) الناس مقاربة أي قصارًا.
*وقوله: (يلقى الشح)؛ فإن الذي أراه فيه أنه لمعنى يطرح في القلوب ويوضع فيها أي يفرغ فيها، فيكن في الأرض.
стр. 1525
*وقوله: (ويقبض العلم) وذلك بموت العلماء، وقلة حملة العلم، وقد مضى ذكر الدجال.
وأما ذكره فيض المال مع كون باقي هذا الحديث يناسب الشدة وفيض المال ضده، لأنه مناسب للرخاء، فلا أراه يكون إلا أن ذلك عند نزول عيسى، وقد تقدم ذكرنا له.
*وقوله: (حتى يهم رب المال من يقبض صدقته)، دليل على أنه لا يكون ذلك إلا في الرخاء وعند نزول عيسى ﵇.
-١٨٤٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (يقبض الله تعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض)].
*أشار رسول الله ﷺ بذكر طي السماء، وقبض الأرض، إلى أن كلما كانت ملوك الدنيا تزاحم في ناحية منها بعضها بعضًا، فإن الله سبحانه في قبضته الجميع يوم القيامة كما قال ، فقد انعزل ملوك الدنيا فذهب ملكهم كما ذهبوا.
стр. 1526
-١٨٥٠ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا كأن وجوههم المجان المطرقة).
قال سفيان: وزاد فيه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية: (صغار الأعين، ذلف الأنوف، كأن وجوهم المجان المطرقة).
وفي رواية: (تقاتلون (١٠٢/ب) بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشعر، كأن وجوهم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين).
وفي رواية البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هريرة، فقال: (صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. سمعته يقول: -وقال هكذا بيده- (بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وهو هذا المبارز). وقال سفيان مرة: وهم من أهل البارز (يعني أهل فارس).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، وتجدون خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه. الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله).
стр. 1527
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر).
وفي رواية لمسلم: قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل السلمون الترك، قومًا وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر)].
*في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى أظهر ما وعد نبيه ﷺ ، وحقق صدقه في ذلك، وأنه ﷺ حلاهم بتحلية شملت كل صغير منهم وكبير، وذكر وأنثى من كونهم صغار الأعين، ذلف الأنوف، وكأن وجوههم المجان المطرقة، وليس في جميع الأجناس جنس يشتمل جميعه هذه (١٠٣/أ) التحلية إلا الترك.
والمجان جمع مجن، وهو الترس. قال أبو عبيد: المطرقة التي أطرقت بالجلود والعقب؛ أي ألبست.
وقوله: (تجدون خيار الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى تقع فيه)؛ يعني أن المجود إذا كان محيدًا في الكفر كان أحرى التحويل في الإسلام إذا
стр. 1528
هداه الله، ويكون المراد بالأمر الإسلام.
*وقوله: (ليأتين على أحدكم زمان لئن يراني أحب إليه من أن يكون مثل أهله وماله)؛ فالذي أرى أن الرسول ﷺ إذا قال هذا من أجل أشياء يختلف فلا يكن عند الإنسان أهم من أن يرى رسول الله ﷺ فيسأله عنها.
ولقد جرى لي في مثل هذا منام عجيب، قد ذكرته في موضعه الذي اقتضاه، وأعيده هاهنا لكون الكلام الذي نحن فيه يقتضي ذكره، ففي المواضع الأول ذكرته للاحتجاج لصحة توبة القاتل، وذكرته هاهنا لهذا المعنى الآخر.
ولقد كنت يومًا أنا وختن لي ومعنا آخرون فجرت مسألة القضاء والقدر، فكان فيها بيني وبينهم كلام طويل، إال أنه كان من الكلام التعجب من كون المغفرة تقع للقاتل على ما فيه من هضم حق المقتول. ثم تفرقنا وقد اطلع الله على قلبي ورأى ما فيه من يمنى الإصابة للحق في تلك المسألة.
فنمت فرأيتني في مسجد قد رأيته في النوم مرارًا إلا أني أعرفه في اليقظة، فيه رجل جالس، فألقى في نفسي أنه بعض العلماء من التابعين أو نحوهم فاستأذنته في أن أسأله فأذن لي. فقلت له مسألة القضاء والقدر، فقال لي: أهذه مسألتك؟ اصبر حتى نصلي الجمعة، وأجيبك (١٠٣/ب)، فقام من مقامه ذلك، فرقى المنبر وخطب، وجلست في الصف الأول، إلى أن قضى خطبته، أوقع الله في نفسي أن أقول له: هل سأل أحد عن هذه المسأله رسول الله ﷺ أم لا؛ ليكون جوابه عن فتيا رسول الله ﷺ لا عن فتياه، فتحرر هذا في نفسي.
стр. 1529
ثم إن ذلك الشخص نزل فصلى بنا إمامًا وصليت خلفه، ثم عاد إلى مجلسه ذلك، فجئت فقلت له: هذه المسألة ما سأل أحد عنها رسول الله ﷺ ، فقال: بلى، فقلت: من؟ قال: المرأة التي قضيتها مشهورة، فقلت له: وماذا قال لها؟، فقال: قال لها: (يغفر الله لك)، ثم استيقظت، ولا أعلم ما معنى هذا القول.
فأصبحت إلى الموضع الذي كنت فيه مع ذلك الختن، فصليت معه الصبح في جماعة، ثم جلسنا نتحدث فذكرت له المنام، فعجب منه تعجبًا شديدًا، وقال لي: إنك بعد أن خرجت من عندي، نظرت في هذا الكتاب، وهو كتاب (تنبيه الغافلين) لأبي الليث السمرقندي، فوجدت فيه هذا الحديث، (وهو أن أبا هريرة قال: أتتني امرأة فقالت لي: يا أبا هريرة، سل لي رسول الله ﷺ عن امرأة زنت ثم قتلت، هل لها من توبة؟.
قال أبو هريرة: فقلت لها: لقد هلكت وأهلكت، فانصرفت عني، ثم قلت: أفتي ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، فجئت إليه وقلت: يا رسول الله! لقد استقبلتني اليوم امرأة بأمر هائل، فقال: (وما ذاك)، فقلت: إن امرأة قالت لي: سل رسول الله ﷺ عن المرأة زنت ثم قتلت، لها من توبة؟ فقال: (وماذا قلت لها؟) قال: إني قلت لها: قد هلكت وأهلكت. فقال رسول الله (١٠٤/أ) ﷺ : (بل أنت هلكت وأهلكت يا أبا هريرة، اذهب إليها وقل لها: إن الله يغفر لك).
قال: (فخرجت أطوف عليها المدينة فلم أجدها، فطفقت أقول: من رأى لي امرأة صفتها كذا وكذا حتى كان الصبيان يسعون في أثري ويقولون: جن أبو هريرة).
قال خنتي: وإني أعلمت على هذا الحديث لأريك إياه فعجبت من ذلك
стр. 1530
وحمدت الله .
وإنما ذكرت هذا في هذا الموضع من أجل أن أشد ما كان عند العلماء مهما أن يروا رسول الله ﷺ ليسألوه عن الذي يحيك في صدورهم بما لا يجدون فيه شفاء، كما قال عمر ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن؛ فذكر الحديث.
*وقوله: فطس الأنف، الفطس: انفراش الأنف وطمأنينة وسطه. والذلف: الاستواء في طرف الأنف.
وقال الزجاج: قصر الأنف وصغره، فشبه عرض وجوههم ونتوء جباههم بظهور الترسة.
*وقوله: الناس معادن؛ شبه رسول الله ﷺ الناس بالمعادن؛ فمنهم من يكون صالحًا، ويكون ما يدرونه في الغالب على جنسهم، فإذا بدر من لا يشاكلهم استنكروه فلذلك قال: ﴿يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوٍء وما كانت أمك بغيا﴾.
فينبغي للإنسان أن يعلم أن هذا يقع في الأكثر، وقد ندر أن يأتي الخبيث من الطيب، ويأتي الطيب من الخبيث.
-١٨٥١ -
الحديث الثالث عشر:
(١٠٤/ب) [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يلدغ المؤمن من
стр. 1531
جحر مرتين)].
*يروى بضم الغين على معنى الخبر، وبكسرها على معنى الأمر.
قال أبو سليمان الخطابي: وهو لفظ الخبر ومعناه الأمر.
يقول: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة في الدين والدنيا، ومبتغيات الأمر أن العبد المؤمن ينظر ما يجري له من حركاته وسكناته أن كلها من الله ، فإذا أيقظه مرة لشأن ما، فينبغي له أن يكون فطنًا ولا يتعرض لإيقاظ في العذر له مرة أخرى.
وقد روى أن سبب هذا الحديث أن أبا عزة الشاعر لما من عليه النبي ﷺ وأطلقه يوم بدر وشرط عليه أن لا يذكره بسوء، فخرج محرضًا عليه، فلما ظفر به ثانية، فقال: من علي قال: لا تمسح عارضيك بمكة، وتقول: سخرن من محمد مرتين، وال: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).
-١٨٥٢ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (اللهم فأيما عبد مؤمن سببته؛ فاجعل ذلك له قربة إليك إلى يوم القيامة).
стр. 1532
وفي رواية: (اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مسلم سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة).
وفي رواية: (اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة).
وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: (اللهم إني أتخذ عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأي المؤمنين آذيته، شتمته، جلدته، لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة).
وفي رواية أنه (١٠٥/أ) قال: (أو جلدة)، وهي لغة أبي هريرة.
وفي رواية: (إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيام مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة وقربة بها إليك يوم القيامة)].
*قد مضى هذا الحديث وتفسيره.
-١٨٥٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدخل من أمتي
стр. 1533
زمرة -وهم سبعون ألفًا- تضيئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر)، قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم اجعله منهم)، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! ادع الله لي أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ : (سبقك بها عكاشة).
وفي رواية: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب)، فقال رجل: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (اللهم اجعله منهم)، ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة).
وفي رواية: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا زمرة واحدة منهم على صورة القمر)].
*قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في مسند عمران بن حصين.
стр. 1534
..........................
стр. 1535
-١٨٥٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمك عنده تسعة وتسعين، وأنزل (١٠٥/ب) في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه).
وفي رواية، قال: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون؛ وبها يتراحمون، وبها تعطف
стр. 1536
الوحش على أولادها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم الله بها عباده يوم القيام).
وفي رواية: (خلق الله مائة رحمة؛ فوضع واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مائة إلا واحدة).
وفي رواية: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائًة رحمٍة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل ف ي خلقه كلهم رحمة واحدة؛ فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار)].
*في هذا الحديث من الفقه أن هذه الرحمة مخلوقة، فأما رحمة الله التي هي صفة من صفاته فقديمة غير مخلوقة؛ فكل ما يتراحم به أهل الدنيا حتى البهائم في رفعها حوافرها عن أولادها؛ لئلا تؤذيهن فإنه عن جزء مثبت في العالم فمن تلك الرحمة، وإن الله سبحانه أعد تسعًا وتسعين رحمة ادخرها ليوم القيامة؛ ليضم إليها هذه الرحمة الأخرى ثم يثبتها قلوب عباده ليرحم بعضهم بعضًا، يكون كل ما تراحم به المتراحمون مذ قامت الدنيا إلى يوم القيامة جزءًا من مائة جزء من الرحمة التي حددها الله في قلوب عبادة يومئذ ليعفو المظلوم عمن ظلمه رحمة له مما يرى من هول ذلك اليوم، فيعود شفيعًا فيه، وسائلا في حقه، كالمشتوم عمن شتمه، والمغصوب عمن غصبه، (١٠٦/أ) والمؤذي عن من آذاه.
*وأن قوله: (يرحم بها عباده)، فإنه لما يوضع في قلوبهم تلك
стр. 1537
الرحمة؛ كان وصفه رحمة للظالم والمظلوم معًا ليهب هذا لهذا، ولو أنه سبحانه يولي رحمة عبادة من غير سؤال من المظلوم ولا شفاعة من المجني عليه لكان يكون في ذلك انكسار للمظلوم واستمرار لبعد انتصاره، فلما أن الحق له والقصاص بيده ثم أفرغ في قلوبه من الرحمة ما أفرغ، عاد هو الشفيع، ويكون المنة عليه والضعية عنده في العفو عن الجاني، فلهذا فهو من المواعيد الصادقة التي جعلها الله يجب أعطيه من حكمته يشير بها إلى أهل العلم أنه يظهر يوم القيامة عن كل صفة من صفاته ما لم يكن ولا يكون طوق أحد ولا قدرة مخلوق بالغة مبلغ كنه، وصفها فمنها رحمته وعفوه، وتمام الحديث مصداق لهذا الشرح، وهو قوله: فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولم يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار.
-١٨٥٥ -
الحديث السابع عشر:
قال: ([عن ابن المسيب البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء-قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار، كان أول من سيب السوائب).
وفي رواية: (رأيت عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف، أخا بني كعب، وهو يجر قصبه في النار).
وفي رواية: (أبو خزاعة)].
стр. 1538
*في هذا الحديث ما يدل على أن كل مبدئ بسنة سبيئة كفلا من وزرها (١٠٦/ب) من غير أن ينقص ذلك من وزر فاعلها شيئًا، وإنما أرى الله رسوله عمرو بن عامر يجر قصبه في النار -والقصب: المعاء- حتى يزجر بذلك أمته عن أن يسيبوا سائبة أو يسنوا سنة سيئة.
والسائبة: أن الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سيبت؛ فلم تركب ولم يجز لها وبر، وهذا من عاداتهم القبيحة.
-١٨٥٦ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: طول الحياة، وحب المال).
وفي رواية: (حب العيش والمال)].
*قد سبق هذا وشرحه في مسند أنس بن مالك.
-١٨٥٧ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال لرجل ممن
стр. 1539
يدعي الإسلام: (هذا من أهل النار) فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله! الرجل الذي قلت له آنفًا: إنه من أهل النار؛ فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدًا وقد مات. فقال النبي ﷺ : (إلى النار)، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي ﷺ فقال: (الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله) ثم أمر بلالا فنادى في الناس: (إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)].
*قد سبق شرح هذه القصة، وذكرنا اسم هذا الرجل، وبينا أنه (١٠٧/أ) من المنافقين في مسند سهل بن سعد.
стр. 1540
-١٨٥٨ -
الحديث العشرون:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (للعبد المملوك المصلح أجران)، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي: لأحببت أن أموت وأنا مملوك.
زاد في رواية: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه، لصحبتها.
وفي رواية بشر بن محمد: (للعبد المملوك المصلح).
وفي رواية: (نعم ما لأحدهم: يحسن عبادة ربه، وينصح لسيده).
وفي رواية: (إذا أدى العبد حق الله ، وحق مواليه كان له أجران)، قال: فحدثها كعبًا، فقال كعب: ليس عليه حساب، ولا على مؤمن مزهد).
стр. 1541
وفي رواية: (نعمًا للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده، نعمًا له)].
*في نعم أربع لغات: (نعم) بفتح النون وكسر العين مثل علم، و (نعم) بكسرهما، و (نعم) بفتح النون وتسكين العين، و (نعم) بكسر النون وتسكين العين.
قال الزجاج: و (ما) في تأويل الشيء، والمعنى نعم الشيء.
*وهذا الحديث يتضمن مدح المملوك إذا أدى حق ربه وحق سيده، فله أجر على أداء حق الله ، وأجر على أداء حق السيد، وامتناع تمني أبي هريرة للملكة لأجل الحج والجهاد وبر أمه، وإنما يعني بذلك أن الملكة كانت تمنعه من الحج والجهاد تطوعًا إلا بإذن من سيده.
-١٨٥٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة (١٠٧/ب) الدعوة، وتشميت العاطس).
وفي رواية: (حق المسلم على المسلم: ست)، قيل: ما هن يا رسول الله؟
стр. 1542
قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه)].
*قد مضى هذا وسبق شرحه.
стр. 1543
-١٨٦٠ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أبن هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ليلة أسرى بي لقيت موسى ﵇، قال: فنعته النبي ﷺ ، (فإذا رجل) - حسبته قال: (مضطرب- رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة).قال: ولقيت عيسى فنعته النبي ﷺ ، فقال: ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس) يعني: الحمام، ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به)، قال: (وأتيت بإناءين: أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن وشربته، فقال: هديت الفطرة-أو أصبت الفطرة- أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك).
стр. 1544
وفي رواية: (رأيت موسى، فإذا رجل ضرب رجل، كأنه من رجال شنوءة)].
*قد سبق بحث الأنبياء فلي أماكن. وقد فسر الديماس هاهنا أنه الحمام.
وقال الخطابي: الديماس السرب، والمعنى كأنه يخرج من كن، والإشارة بذلك إلى نضارة وجهه، والضرب الخفيف من الرجال، وهذه الألفاظ المذكورة في الحديث كلها قد سبقت وشرحت.
-١٨٦١ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها)] (١٠٨/أ).
стр. 1545
*وهذا قد تقدم في مسند عمر وغيره.
-١٨٦٢ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وفي رواية: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].
*قد سبق الكلام على هذا الحديث، وبينا أنه نهي منه ﷺ أن يتخذ قبره مسجدًا مذكرًا، ولعنهم لئلا نقتدي بمثل أفعالهم.
-١٨٦٣ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرب الكعبة سو السويقتين من الحبشة).
следующие страницы →