Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
النبيين، فكل ذلك مما خص به ﷺ دون (١١٨/ أ) غيره، وجعل الخاتم من وراء ظهره ليعلم بوضع الخاتم من وراء ظهره ليعلم بوضع الخاتم خلفه أنه الخاتم للأنبياء فليس بعده نبي.
* وقول أبي هريرة: (وأنتم تنتثلونها) إنما أراد أن يدل بذلك على صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، ويظهر صدق وعده فيما وعد به، ومعنى تنتثلونها تستخرجونها من مواضعها.
يقال: نثلت البئر وانتثلتها إذا استخرجت ترابها.
-١٨٨٧ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده)، قال: يقول أبو هريرة على أثر ذلك: (ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط).
وفي رواية: أن النبي ﷺ خطب أم هاني بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله: إني قد كبرت، ولي عيال، فقال رسول الله ﷺ : (خير نساء ركبن الإبل ...) ثم ذكر مثل حديث يونس، غير أنه قال: (أحناه على ولد في صغره).
وفي رواية: (خير نساء ركبن الإبل).
وفي رواية صالح: (نساء قريش أحناه على يتيم في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده).
стр. 1577
وفي رواية: (خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده).
وفي رواية: (صالح نساء قريش)].
* في هذا الحديث دليل على أن أفضل النساء اللواتي ركبن الإبل نساء قريش.
* وقوله: (أحناه)، من الحنو، وهو العطف والشفقة، وذلك مطلوب في حق الصغار.
* وقوله: (وأوعاه على زوج في ذات يده)، أنهن لسن بمبذرات.
-١٨٨٨ -
(١٨٨/ ب) الحديث الخمسون:
[عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ : (أن يبيع حاضر لبادٍ، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها).
وفي رواية: (ولا يزيدن على بيع أخيه).
стр. 1578
وفي رواية: (ولا يسم الرجل على سوم أخيه).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ نهى عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه، ونهى عن النجش والتصرية).
وفي رواية: (نهى عن التلقي، وأن يبيع حاضر لباد).
وفي راوية: (نهينا). وفي رواية: (نهى).
وفي رواية: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدر لها).
وفي رواية: (لا يسم المسلم على سوم المسلم، ولا يخطب على خطبة أخيه).
وفي رواية: (نهى رسول الله ﷺ أن يتلقى الجلب).
وفي حديث ابن جريج: (فمن تلقى فاشتراه منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار)].
стр. 1579
* وقد مضى الكلام في هذا في مسند ابن عباس إلا قوله: ولا تسأل المرأة طلاق أختها. قال أبو عبيد: يعني ضرتها.
وقوله: (لتكفأ) أي تمثل حظ تلك إلى نفسها، وإنما نهيت المرأة عن هذا لكونها تسأل طلاقها لتكفأ ما في صحيفتها، وأما إذا كانت تلك المرأة لا دين لها جاز أن تسأل طلاقها؛ فإن النبي ﷺ قال في حق علي ﵇ أراد أن ينكح بنت أبي جهل: (فليطلق ابنتي). (١١٩/ أ)
-١٨٨٩ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات).
وفي رواية: (نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة يوم الذي
стр. 1580
مات فيه، فقال: استغفروا لأخيكم)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث، وثبتنا أن هذا من معجزات رسول الله ﷺ ، وذكر أن فيه حجة في الصلاة على الميت الغائب.
-١٨٩٠ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: (لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية، قال: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف).
وفي رواية: (وكان يقول في بعض صلاة الفجر حين يفرغ من صلاة
стр. 1581
الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد)، وذكر إلى قوله: (كسني يوسف، اللهم العن فلانًا وفلانًا) لأحياء من العرب؛ حتى أنزل الله : ﴿ليس لك من الأمر شيء ...﴾ الآية، سماهم في رواية يونس: (اللهم العن لحيان ورعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾).
وفي رواية: (بينا النبي ﷺ يصلي العشاء، إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، (١١٩/ ب)، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاته شهرًا، إذا قال: سمع الله لمن حمده، يقول في قنوته: اللهم نج الوليد بن الوليد ...) وذكر الدعاء بنحوه إلى قوله: (كسني يوسف) وفي آخره، قال أبو هريرة: (ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد، فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء؟ وقال: وما تراهم قدموا؟).
وفي رواية: (كان يدعو في الصلاة: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة).
وفي رواية: (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله).
وفي رواية: (لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت
стр. 1582
في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار)].
* هذا الحديث قد سبق. والوطأة: البأس والعقوبة، وهي ما أصابهم من الجوع والشدة.
*وقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ في مثل هذا الموضع عند دعائه على الكافرين، فقد مضى تفسيره، وهذا الموضع من أحسن ما وقع معنى ما أشرنا إليه في هذا الموضع، وهو أنه ليس لك من الأمر شيء في الدعاء عليهم حظ نفسك ولا في غير ذلك، وإنما ذلك كله لله.
فأما قول أبي هريرة: (ثم بلغنا أنه ترك الدعاء عليهم)؛ فإن هذا يقوم
стр. 1583
مقام الرواية عن من لم يسمه، فالمرسل أقوى منه، ووجهه بعد ذلك أن الله سبحانه لما أنزل عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي أنك أعلنت من الدعاء عليهم بما قد كفى في معناه، فإن الكلمة الواحدة منك أعظم قدرًا من قراب الأرض أمثالهم، فكأنه على معنى الآية الأخرى في قوله (١٢٠/ أ) سبحانه: ﴿وذرني والمكذبين﴾ وقوله سبحانه: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾.
-١٨٩١ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه).
قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: (آمين).
وفي رواية: (إذا أمن القارئ فأمنوا؛ فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فقال من خلفه: آمين، فوافق قوله قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من
стр. 1584
ذنبه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الملائكة لما سمعت اهدنا بلفظ الجمع، قالت: آمين؛ لأنه دعاء للكل، فمن كانت إرادته من المصلين هداية الكل غفر له.
-١٨٩٢ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وفي رواية: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وفي رواية لمسلم: (إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم؛ ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، فصل ما أدركت، واقض ما سبقك).
زاد العلاء في آخر حديثه: (فإن (١٢٠/ ب) فأحدكم إذا كان يعمد إلى
стр. 1585
الصلاة فهو في الصلاة)].
* الثوب: الإقامة، قال الخطابي: وأصل هذا أن يلوح الرجل ثوبه عند الفزع، وهذا الحديث قد سبق في مسند أبي قتادة.
стр. 1586
-١٨٩٣ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، قال: (يا معشر قريش-أو كلمة نحوها-اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله ﷺ ، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا).
وفي رواية: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا).
وفي رواية: (يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير عمة رسول الله ﷺ ، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما).
وفي رواية عن أبي هريرة: (قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فاجتمعوا، فعم وخص، فقال: (يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب (١٢١/ أ)، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة
стр. 1587
أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها)].
* قد تكلمنا على هذا الحديث، وبينا أن رسول الله ﷺ بالغ في إنذار عشيرته.
* فأما قوله: (سأبلها ببلالها)، قال أبو عبيد: يقال: تلك رحمي أبلها بلا وبلالا، إذا وصلتها.
* وفيه من الفقه أن النذارة قائمة في طرف التخويف؛ إزاء البشارة في طرف الإيمان بقوله سبحانه ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ يعني ﷻ أن أنذر عشيرتك الأقربين أن تكونوا أول جاحد بحقك. قال: وأول كافر بما أنزل عليك؛ فإنه لا عذر لمن كفر بما جئت من أباعد الناس عنك، فكيف بأقربهم إليك.
من كان من شأنه وعاده أن يذهب في طاعة الشيطان بالعصبية في النسب، والحمية في العشيرة كل مذهب، حتى يهراق منهم الدماء، ويعظم فيهم اللأواء؛ فلما جئتهم بالحق وتلوت عليهم الصدق، حرجت بغضاؤك
стр. 1588
إلى أن جحدوا لك الحق الذي يعترفون للبعيد، واطرحوا من وفاقك ما كان من عادتهم في حمية الأهبة للقريب، فأنذر عشيرتك الأقربين حينئذ من عذاب لا تقوم له السموات والأرض.
* وقوله بعدها: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾، فإن الجناح يستعمل في كل شيء تكون الإشارة فيه إلى المبالغة في الرقة والرحمة، كما قال سبحانه في حق الوالدين: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ يعني اخفض لوالدين جناح ذل منك، يعني ﷻ أن لا تراهما بعين المسكنة عندك، وأن يكون خطابك لهما خطاب ذليل قد خفض جناحه لهما خفض ذل؛ قد أجمع على الاستسلام لأمرهما والإلقاء (١٢١/ ب) لنفسه بين أيديهما.
ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿من الرحمة﴾ يعني ﷻ لا تفعل ذلك لهما من الحاجة؛ فيكون نظرك إلى ما عساه تفعله في وقت الحاجة دون وقت الغناء عنهما، ولا قال من الرقة ولا من الخوف منهما، ولكن من الرحمة، أي افعل ذلك إذا عادا في حال ضعف من القوم، فحينئذ اخفض لهما أنت جناح الذل من الرحمة، وهذا لما كان في حق الوالدين يتوجه أن يؤتي فيه بذكر الذل، فلما كان الخطاب مع النبي ﷺ وعطفه على المؤمنين لم يقل: جناح الذل، بل قال: (جناحك)، يعني ﷻ جناح عطفك ورأفتك ورفقك وتعظيمك ولطفك ورفدك، وكل حسن من أوصافك، فإنه داخل تحت ذلك قرنه بكاف الخطاب.
стр. 1589
* وقوله: ﴿لمن اتبعك من المؤمنين﴾ فيجوز أن يكون من هاهنا لسبب الحسن، فإن لا يتبعه إلا المؤمنون، ولا يسمى مؤمنًا إلا من اتبعه، ويجوز أن يكون ميزة من اتبعه من المؤمنين ليخرج منها المنافقون، وهذا أمر له ﷺ بأن يخفض جناحه لكل تابع له مسلم.
فهو يتناول من كان في عصره، ومن جاء بعده إلى يوم القيامة، ويكون خفض جناحه لمن لم يره بما علمه من وصاياه وعلومه التي أنقذه بها على ألسنة المبلغين، وبما شرع من إصلاح ذات بينهم، وتسكين الفتن الثائرة فيهم، وما وصى به نوابه من حفظهم إلى غير ذلك.
* ثم قال: (يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا). فقوله: يا بني عبد مناف: يجمع هاشمًا والمطلب عبد شمس ونوفلًا. فذلك تعميم، ثم أتى بالتخصيص، فقال: يا عباس، وإنما خاطبهم هاهنا بحذف الألف واللام التي للتعريف؛ لأنه جاء بحرف النداء، فكان (١٢٢/ أ) مقام نداء، والمنادى فيه معذور في إسقاط الألف واللام، فإن المنادى قد عرف من شهوده ممن يناديه أنه لا يحتاج إلى التعريف بالألف واللام، فلما لم يبق من عمومته ذكر عاد إلى عمته؛ ليسوي في الدرجة من الأقارب.
وهذا يدل على شرف العباس وفخامة منزلته، ثم انتقل بعد ذكر العم والعمة إلى الولد؛ فقال: يا فاطمة بنت محمد.
* وقوله: (اشتروا، اشتريا أنفسكما من الله)، يفصح بأن نفس العبد ليست له، وكذلك قال: اشتر نفسك من الله يعني ﷺ أن يشتري العبد نفسه من ربه هو بما شرطه أن يقوم به مما خلقه له، فقال: ﴿وما خلقت
стр. 1590
الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون).
فإن قال قائل: كيف يجمع بين قوله : ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾، فدل النطق أن أنفسهم ملكهم الله إياها، وفي الحديث ثم اشتراها منهم، ما يدل على أن النفس لله وأن العبد هو المشتري.
فالجواب أن قوله ﷺ : (اشتروا أنفسكم من الله)، يعني ﷺ : أنكم إذا آمنتم به، وأنه خلقكم لعبادته فقد اشتريتموها منه سبحانه شراءً عامًا، وهو أنكم حررتموها من رق غيره من الشياطين التي تحتال وتعوي.
فأما مشرى الله سبحانه أنفس المقاتلين في سبيله؛ فإن ذلك الشراء الأول منهم هو الذي طيب النفوس بأن تصلح لهذا الشراء، والثاني فإنه لما طابت غلا ثمنها، فزاد مقدار مبلغه عن أن يكون الدنيا كلها له ثمنًا، فأعلم الله أنها أنفس من أن تثامن بشيء من الدنيا، فقال: ﴿بأن لهم الجنة﴾ بالألف واللام المتعرفتين للجنس أو العهد، فكانت مشتراة لهم أولًا (١٢٢/ ب) مبادئه ومشتراة منهم ثانيًا بجنته.
ثم لما فرغ من ندائه الأقربين، عاد ذاكرًا لمن هو أبعد منهم نسبًا، فقال: يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة ابن كعب، فأما تكريره ذكر بني عبد شمس وبني عبد هاشم وبني عبد المطلب مع إجماله في قوله: بني عبد مناف والذي أراه أنه كرر الوصية على كل من رأى أنه سيصير إلى شيء من الأمر، وصاة له بأمته، واحتفالًا لمن ترك من المسلمين بعده.
стр. 1591
* وقوله في كل قول: (لا أغني عنكم من الله شيئًا)، أي لا تتكلوا على قرابتي فتخالفوني في وصاياي، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا.
* وقوله: (غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها)، أي فوصيتي هذه وتكريري لكم فيها الأنداء من بلالها.
-١٨٩٤ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾.
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (تفضلها بسبع وعشرين).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة من صلاة الفذ).
وفي رواية: (صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده)].
стр. 1592
* قد سبق وجه الحكمة في كونها بخمس وعشرين، وبينا كيفية الجمع بين ذلك وبين سبع وعشرين.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن ملائكة الليل لا ينصرفون حتى تحضر ملائكة النهار فيسلمون الآدمي إليهم ويرتحلون ليعلم (١٢٣/ أ) الآدمي أنه ليس بمخلى ولا لحظة.
-١٨٩٥ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية للبخاري: (المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية لمسلم: (البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية لمسلم: (البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية: (العجماء عقلها جبار)].
стр. 1593
قال أبو عبيد: العجماء البهيمة، وإنما سميت عجما لأنها لا تتكلم؛ وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم.
والجبار: الهدر، وإنما يجعل جرح العجماء جبارًا هدرًا؛ إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب، فإذا كان معها واحد هؤلاء الثلاثة فهو ضامن؛ لأن الجناية حينئذ ليس للعجماء، إنما هي جناية صاحبها.
* وقوله: (البئر جبار)، هي البئر يستأجر عليها صاحبها رجلًا يحفرها في ملكه فتنهار على الحافر، فليس على صاحبها ضمان، وكذلك البئر يكون في ملك الرجل فيسقط فيها إنسان أو دابة فلا ضمان عليه.
* وقوله: (والمعدن جبار)، والمعدن الذي تستخرج منه الذهب والفضة، فيستأجر قومًا يحفره فينهار عليهم فدماؤهم هدر.
* وقوله: (في الركاز الخمس)، الركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، ويعرف ذلك بأن يرى عليه علامات الجاهلية، وسواء كان في موات أو في مكان مملوك لكنه لا يعرف مالكه، فهذا يجب فيه الخمس في الحال، أي نوع كان من المال في مذهب (١٢٣/ ب) أحمد، وأحد قولي مالك والشافعي.
وفي القول الآخر: لا يجب الخمس إلا في الذهب والفضة.
واختلف العلماء، هل يعتبر فيه النصاب؟
стр. 1594
فعند أبي حنيفة وأحمد: لا يعتبر فيه النصاب، وهو قول الشافعي ﵃.
واختلفوا في مصرف هذا الخمس على قولين:
أحدهما: أنه مصرف خمس الفيء، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني، مصرف الزكاة، وهو قول الشافعي.
وأما حكم المعدن، فإن المعدن اسم لكل شيء فيه من الخصائص المنتفع بها، كالذهب والفضة والياقوت والزبرجد والصفر والزئبق، فمن استخرج من ذلك ما يبلغ نصابًا أو قيمة نصاب تعلق به الحق.
وأما مالك والشافعي لا يتعلق الحق إلا بالذهب والفضة.
وقال أبو حنيفة: يتعلق بكل ما يتطبع.
واختلفوا في الحق المتعلق به على قولين:
أحدهما: أنه ربع العشر، وهو مذهب أحمد.
والثاني: الخمس، وهو قول أبي حنيفة، وعن الشافعي كالقولين.
وله قول ثالث: إن أصابه متفرقًا بتعب فربع العشر، وإلا فالخمس. ومتى يجب ذلك الحق؟ عند الجماعة، أنه يجب في الحال كما يجب في الركاز، خلافًا لداود، فإنه يعتبر الحول.
وأما مصرف ذلك الحق فمصرف الركاز عند أحمد، وعند أبي حنيفة مصرفه مصرف الفيء.
стр. 1595
-١٨٩٦ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي). (١٢٤/ أ).
وفي رواية: (رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبت).
وفي رواية: (يغفر الله للوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد)].
* ليس في هذا إثبات شك نبينا ﷺ ولا لإبراهيم ﵇، بل هو متضمن نفي الشك عنهما؛ لأن المعنى: إذا لم أشك بما في قدرة الله تعالى
стр. 1596
عليه إحياء الموتى فإبراهيم أولى أن لا يشك؛ فكأنه نبه بهذا على أن إبراهيم ما سأل لأجل الشك نطق يفيده اليقين، ومشاهدة كيفية الإحياء، والدليل على ذلك أن الله تعالى قال له: ﴿أولم تؤمن قال بلى﴾ فكيف يظن ظان أن إبراهيم يقول لربه: بلى، إلا جوابًا لقوله: ﴿أولم تؤمن﴾؟ وإبراهيم يعلم أن الله يعلم من إبراهيم صدقه في قوله: بلى.
وذكر يوسف بما ذكره به تفضيل له وثناء عليه من جهة أن يوسف أراد أن يخرج خروج من قد ثبتت له الحجة لا خروج من عفي عنه. وأما لوط وقول النبي ﷺ : (لقد كان يأوي إلى ركن شديد) فالذي أراه فيه أن لوطًا لم يعن بذلك إلا أنه لم يكن يأوي إلى غيره، فكأن الذي انتقده رسول الله ﷺ واعتبره في النطق أن رسول الله ﷺ أحب للوط أن يأتي بنطق لا يتناول هذا الاحتمال؛ لأنه كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله .
-١٨٩٧ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: (إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى (١٢٤/ ب) الله عليه وسلم، على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا.
وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة أعي حين ينسون، ولقد قال رسول الله ﷺ في حديث
стр. 1597
يحدثه: (إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعى ما أقول)، فبسطت نمرة علي حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ من شيء).
وفي رواية: (ولولا لآيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ...﴾ إلى آخر الآيتين.
* وفي رواية: (قلت لرسول الله ﷺ : إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، فقال: ابسط رداءك، فبسطته، فغرف بيده، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعد)].
* في هذا الحديث يتعين التبليغ، وإن قال الناس في المحدث: أكثرت.
* وفيه دليل على جواز السعي في طلب التجارة لقوله: (كان يشغلهم الصفق في الأسواق)، والصفق: ضرب اليد على اليد عن التبايع.
* وفيه دليل على بطلان إنكار الجمع بين الكسب والتعلم، فإنه قال: لا
стр. 1598
عالم أفضل من رسول الله ﷺ ، ولا متعلم أقبل للتعلم من المهاجرين، وقد كانوا يجمعون بين الكسب والتعلم.
* وفيه أيضًا جواز ملء البطن، والمراد به الشبع، إلا أن قولنا في جواز الشبع وإباحته في هذا الموضع وفيها قبله من المواضع إنما نعني به الرد على من يرى التجوع المفرط الذي يفضي إلى إنهاك القوى؛ التي هي البضاعة التي تنفق في عبادة الله سبحانه المتنوعة، وأنه إذا طال جوع الفقير ومن لا يجد ما يحتاج (١٢٥/ أ) إليه ثم وجد ذلك في وقت شبعه منه بمباح صالح، ولاسيما إذا كان يعرضه ألا يجده متى أراده.
فأما تكرير الشبع من الواجدين حتى يتتابع بذلك التابع إلى نصر هواه، وينجم به إلى الكسل والإفراط في النوم. وتعريضه تخمة، وهي من أقبح ما عرض لأهل الدين والمروءة، وأن يحملهم ذلك على المتبوع في الشهوات والمبالغة لطلب الملذوذات طعمًا من غير منفعة راجعة إلى حال تخص البدن، فإن ذلك مذموم غير مطلوب، ولا يصلح للمؤمنين، فإن أكل المؤمنين وفق الحاجة.
* وفيه جواز أن يشغل الإنسان عمله في ضيعته، ولا يكون ذلك قادحًا في إيمانه ولا توكله.
* وفيه أيضًا أن الصفة كانت مجتمع المساكين.
* وفيه أيضًا ما يدل على نبوة نبينا محمد ﷺ ؛ لأن أبا هريرة بسط ثوبه، كما قال رسول الله ﷺ فلم ينس، وقد يجوز أن يريد بالثوب الثوب حقيقة، ويجوز أن يراد بالثوب القلب كما قال الله : ﴿وثيابك فطهر﴾،
стр. 1599
أي قلبك، ويكون بسط قلبه إحضاره للفهم عن رسول الله ﷺ ، وجمعه إياه حفظه لما حصل فيه.
والأول أظهر لقوله: فبسطت نمرة. ويجوز أن يكون النبي ﷺ أشار إلى ما أشرنا ففهم أبو هريرة الظاهر، فبسط نمرته، وهي كساء ملون.
* وفيه أيضًا أن رسول الله ﷺ ضرب ذلك مثالًا لأبي هريرة، أي كما أنك تبسط الثوب ثم تجمعه إليك؛ فكذلك يحفظ العلم.
-١٨٩٨ -
الحديث الستون:
[عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل (١٢٥/ ب) تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله. قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)، فقالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًَا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوط السعدان؟) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل
стр. 1600
شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
ثم يفرغ الله من القصاص بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل لوجهه قبل النار، فيقول: يارب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت إن أفعل ذلك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك. فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت.
ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله (١٢٦/ أ) له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟، فيقول: لا وعزتك، لا أسال غير هذا، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور).
* وفي حديث إبراهيم بن سعد: (فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة، فرأى فيها من الخيرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك؟ أليس
стр. 1601
قد أعطيت العهود ألا تسأل غير الذي أعطيت، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمن، فيتمنى، حتى إذا انقطعت أمنيته، قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا- يذكره ربه- حتى إذا انتهت به الأماني قال الله: لك ذلك ومثله معه).
قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: (قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله)، قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلا قوله: (لك ذلك ومثله معه). قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: (لك ذلك وعشرة أمثاله)].
* في هذا الحديث الدليل الواضح على رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، وأنهم لا يشكون في رؤيتهم، كما لا يشك أهل الدنيا في رؤية الشمس، وهذا فإنما ضربه النبي ﷺ مثلًا للرؤية؛ إذ الله لأجل من أن يشبه بالشمس أو القمر، إنما ضرب ذلك مثلًا لإيضاح الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
* وقوله: (ليس دونه سحاب)، يعني: أن الله سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين (١٢٦/ ب) تجليًا يوقع فيه بينه وبينهم كل حجاب.
стр. 1602
* وفيه أيضًا أن من كان يبعد فانيًا فإنه يلحق به، فإن عباد الشمس إذا هي كورت لم يبق لهم ما يعبدونه؛ وكذلك القمر، وكذلك الطواغيت وهي الشياطين، وإنهم إذا رموا في الجحيم ضل عنهم ما كانوا يفترون.
* وقوله: (وهي هذه الأمة فيها منافقوها)؛ فإنه إنما تخلص أمة محمد ﷺ من بين سائر من كان يعبد الأشكال والأجسام، وكل محصور ومحدود، وما قبل الفناء موصوم بوصمة الحدث ومشوه بآثار الصنعة فيه، ومن بقي من هذه الأمة وليس من دينها أن تعبد الأشكال ولا الصور ولا الشمس ولا القمر، وإنما تعبد خالق الكون الذي يدل عليه محدثاته وصنائعه، وترشد إليه أفعاله، فهو سبحانه القريب المجيب.
* وقوله: (فيأتيهم الله ، فيقول: أنا ربكم)، فيكون من توفيقهم أن يقولوا هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، ولم يقولوا: أنت ربنا، ولكن كلامهم يدل على أننا نعرف ربنا.
* وقوله: (فيأتيهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)، وذلك أنه يريهم ما لا أمارة للحدث فيه، ولا هو جزء ولا جملة؛ بل هو ﷻ يخالف كل الأجسام والمثل لغيره والشبيه لسواه، فكأن كل دلائل الأجسام وأمارات التأليف والتفريق المرشدة إليه ودالة عليه، فصار معروفًا من حيث إن النقص في سواه ، فعرفه عباده الذين آمنوا به في الدنيا بأول وهلة، حتى كأنهم لم يعرفوا غيره قط، ولا كأنهم فارقوه لأنهم رأوا من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ومذهب كل من كان يعبد غير الله من الأجسام والأشكال (١٢٧/ أ) والشمس والقمر؛ فيفترق عابدهم ومعبودهم كأنهم لم يكن بينهم معرفة قط.
стр. 1603
* وقوله: (فيدعوهم)، المعنى أنه ما كان دعاؤهم إياه في الدنيا دعاهم هو يوم القيامة.
* وقوله: (ثم نصب الصراط)، وهذا يدل على أن الله تعالى يدعوهم من وراء الحشر، والحشر آخر الأهوال التي تقطع إليه ، وكل جهاد أن يتخوض إليه الأهوال في الدنيا؛ يخفف عنه يوم القيامة كل هو إن شاء الله.
* وقوله: (دعوى الرسل اللهم سلم سلم)؛ فإن الحال يومئذ لا يقتضي سؤال منزلة ولا طلب كرامة؛ بل يكون إيثار الكل السلامة والخلاص من هول ذلك اليوم.
* وقوله: (كحسك السعدان)، الحسك جمع حسكة، وهو شوكة حديدة صلبة يقال لها السعدان، والمراد أن أهل النار جمع فيها كل شدة، وإن من أشد السلاح نشبًا في جسم الآدمي ما كان على شكل الحسك، فإنه ينشب ولا يقدر من أثبته على تخليته.
* وقوله: (فمنهم الموثق بعمله) أي الهالك، ومنهم المخردل، والمخردل: المقطع، يقال: خردل الشاة إذا قطعها قطعًا.
* وفي الحديث ما يدل على أن أقوامًا يخرجون من النار وأن آثار السجود مانعة من العذاب.
* وقوله: (قد امتحشوا)، قال ابن قتيبة: يعني احترقوا.
стр. 1604
* وقوله: (فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل). قال أبو عبيد: كل شيء له حب، فاسم الحب منه حبة، فأما الحنطة والشعير فحبة لا غير.
وحميل السيل: كل ما حمله، وكل محمول حميل، وإنما المراد سرعة نباتهم بعد احتراقهم.
* وقوله: (وقد قشبني ريحها)، هو من القشب، والقشب: السم، كأنه قال: قد سمني ريحها، ويقال: لكل مسموم قشيب (١٢٧/ ب).
* وقوله: (وأحرقني ذكاؤها)، وذكاء النار اشتعالها. يقال: ذك النار ذكوًا ذكوًا.
* وقوله: (انفهقت له الجنة): أي انفتحت واتسعت، ومنه صحراء فيهق أي واسعة.
* في هذا الحديث من الفقه أن هذا الرجل كان آخر أهل الجنة دخولًا إليها، وإنه كان في النار؛ ثم أن خرج من النار، ثم قانعًا بعد ذلك بأن يحول وجهه عنها، وبقي في ذلك، ثم أعرب بعد ذلك بأن يدنى إلى الجنة، ثم أذن في ذلك، حتى يسأل فيعطيه الله ما أعطاه من ذلك.
* وهذا يدل على أن ﷻ حيث كان من عدله في هذا أن عذبه بالنار إلى أجل انتهى به إلى وقت اقتضت رحمته أن يخرجه من النار، فأخرجه منها، ثم صرف وجهه إليها ليكون ناظرًا من أهوالها ما ذكر ناظرًا إليه،
стр. 1605
وهو فيها، وناشقًا من حثيث ريحها ما لم يسم كنه إلا بعد خروجه عنها، وواجدًا من لهبها ما لم يحسبه إلا بعد أن قل عنده وقعها؛ فكانت أمنيته من الله أن يصرف وجهه عن النار، والله قد علم منه أنه إذا صرف وجهه عنها سأل غير ذلك.
وأراد سبحانه أن يعرفنا على لسان رسول الله ﷺ جهل هذا الرجل بربه، وأنه لم يكن من العلماء به ﷻ ؛ فإنه لما اشترط عليه أن لا يسأل ربه، استدل بذلك على أنه قد كان في الدنيا قل ما يسأل ربه، وإلا فقد كان من وفقه لو كان من أهل التوفيق، أن يقول: يا رب، وكيف لا أسألك؟ وأنت تحب أن تسأل؟ فمنذ قنع وشرط أن لا يسأل شيئًا دل بذلك على أنه كان من أهل عوائد السوء وقلة الطلب من الله في دار الدنيا، ثم إنه لما رأى أنه لم يقدر أن يصبر على سؤال الله ؛ فاشترط عليه ﷻ ثانيًا، لم (١٢٨/ أ) يتيقظ، ولم يقل: رب كيف لا أسألك وقد أريتني نعمة من نعمك فكم أصبر؟، وكيف أصبر على سؤال فضلك؟ وبماذا أستغني عنك، وممن أطلب إذا لم أطلب منك؟ وهل يمكن المؤمن في الدنيا أن يخلو طرفة عين من الطلب منك.
فلو قد عرف هذا الشخص معاملة الله في الدنيا لما غم عليه هذا الأمر في الآخرة؛ فلما دناه إلى باب الجنة فانفهقت له، فرآها، طلب من الله أن يدخلها، فهذا لجهله لم يسأل الجنة إلا عند بابها بخلاف الموفقين من المؤمنين، فإنهم سألوا الجنة وبينهم وبينها مراحل الدنيا كلها، ومراحل البرزخ، ومراحل الآخرة على يقين بها، وهذا لم يعرف صفتها ولا طلبها حتى وصل إلى بابها بالرحمة، يدنيه منزلًا منزلًا، وجهله يبعده، ثم أن الله تعالى أدخله الجنة، وقال له: ما أغدرك؟ يجوز أن يكون المعنى أي شيء أغدرك، أي خلقك على أنه يفيق، فلم يفيق.
стр. 1606
والمعنى الآخر، أن يكون على ظاهره من التعجب من غدره، فكانت له غدرات مقدمة في الدنيا، وهذه الغدرات في الآخرة مضافة، ثم إن الله سبحانه قال له: تمن، فلجهله لم يحسن أن يسأل حتى علمه الله، فقال له: تمن كذا، وتمن كذا، فيذكره ربه حتى إذا انتهت الأماني قال له: هذا لك ومثله معه.
* قال أبو سعيد: إنما سمعت وعشرة أمثاله معه، والله يعطي هذا العطاء عطاء غير نادم ولا بخيل، فهذا يكفي في الإشارة إلى كرم الإله في عطائه؛ لأنه إذا كان هذا المعطي آخر من يدخل الجنة، وآخر من يخرج من النار فقد تبين بذلك مع الإيمان بعدل الله أن هذا قد كان من أشد العابثين جرمًا؛ وإنه ما زالت به غدراته حتى بعد خروجه من النار، وجهله باق.
ثم يعطي الله سبحانه هذا العطاء المستغرق (١٢٨/ ب) لسؤاله من حيث علمه هو، ثم يعلمه الله كيف يسأل، واستغرق أعطاه الأماني كلها حتى تقطعت، فأعطاه الله سبحانه ذلك من حيث التجنيس، ثم أعطاه من جنس الأوصاف، فاتفق الصاحبان السيدان على أن الله سبحانه قال: (لك ذلك ومثله معه)، وزاد الصاحب العدل المقبول القول إنه قال: (لك ذلك وعشرة أمثاله معه).
وهذا العطاء انتهى لهذا الإنسان إلى ما لا يمكن العقل إلى تفسيره، ويعطى هذا العطاء على هذا الجهل، فهل ممكن أن يقدر أحد ما يعطي الله تعالى أهل المعرفة به!.
* وقوله: (وعشرة أمثاله)، هو أن يكون في المقادير سعة وعلو وكثرة وطيب معه.
стр. 1607
-١٨٩٩ -
(ق٢/ أ) الحديث الحادي والستون:
[عن أبي هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين- في قسم يقسم به-، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: (لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق، أو كان ممن استثنى الله ؟).
وفي رواية: (بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟
стр. 1608
فذهب إليه، فقال: يا أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: (لم لطمت وجهه)، فذكره فغضب النبي ﷺ حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله؛ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقة يوم الطور، أم بعث قبلي؟ ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى).
وفي رواية: (فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش).
وفي رواية: (إني لأول من يرفع رأسه بعد (٢/ ب) النفخة، فإذا موسى متعلق بالعرش)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ نهى عن المفاضلة بين الأنبياء. والذي أراه في هذا المعنى لا تفاضلوا أنتم بين الأنبياء؛ أنبياء الله، وكلوا ذلك
стр. 1609
إلى أمر الله تعالى كما قال تعالى: ﴿تلك الرسول فضلنا بعضهم على بعض﴾ فإذا اتبعنا قول الله فيمن فضله، وقول رسول الله ﷺ في ذلك لم يكن نحن قد فضلناه على موسى، فليتأمل ما قال رسول الله ﷺ .
* فأما قوله: (فأكون أول من بعث)، فهو دليل على فضله؛ إذ هو مبعوث فإذا رأى موسى باطشًا بقائمة العرش جوز لذلك أحد أمرين: إما أن يكون حوسب بصعقة الطور فلم يصعق أو بعث قبله.
وأما كون موسى واقفًا عند العرش؛ فلأن نبينا ﷺ مشغول بفصل الأقضية، وإدخال الفريقين منازلهما فلا يتولى أحد قبله شيئًا.
* وقوله: (لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى)، إني لا أقوله من عندي بل التفضيل إلى الله تعالى، وقد سبق الكلام في حق يونس.
-١٩٠٠ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أبي هريرة قال: (أتى رجل من أسلم رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه: فقال: يا رسول الله، إن الآخر قد زنا- يعني: نفسه، فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال له ذلك، فأعرض عنه، فتنحى الرابعة، فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه، فقال: (هل بك جنون؟) قال: لا، قال النبي ﷺ : (اذهبوا به فارجموه)، وكان قد
стр. 1610
أحصن). قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر (٣/ أ) بن عبد الله يقول: فرجمناه بالمصلى بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات)].
* قد سبق الكلام في الرجم وأشرنا إليه في مسند بريدة وغيره.
* وقوله: (فلما أذلقته الحجارة) أي أكربته وأقلقته فخرج منها.
-١٩٠١ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به).
زاد بعض الرواة: (من الصلاة صلاة من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله).
стр. 1611
وفي رواية: (ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فمن تشرف لها استشرفه فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به).
* وفي رواية: (ستكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليستعذ).
* وفي رواية: (ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الفتن شر كلها، وإن القاعد خير من القائم، فإن مني بها، فإن كان قاعدًا فلا يقم، وإن كان قائمًا فلا يمش، وإن كان ماشيًا فلا يسع. وأراد بهذه الألفاظ ﷺ أن كل حركة في الفتن فتنة، ويصل من الشر إلى التحرك فيها بمقدار حركته منها.
* وقوله: (من تشرف لها تستشرفه) أي من تطلع (٣/ ب) إليها تسلية تأخذه غلبة، فلا ينبغي لأحد أن يتطلع إلى شيء من الفتن فإنها تعلو عليه.
стр. 1612
-١٩٠٢ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).
وفي رواية: كان أبو هريرة يلحق معهن- (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن).
وفي رواية: (يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها، وهو حين ينتهبها مؤمن).
وفي رواية: (لا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم).
وفي رواية لمسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد)].
* قد سبق أن شرحنا هذا الحديث، وبينا فيه وجوهًا، منها: أنه لا يفعل ذلك وهو كامل الإيمان.
стр. 1613
* وقوله: (ذات شرف) أي: علو في قدرها.
* وقوله: (إياكم، إياكم) مبالغة في التحذير.
* وقوله: (والتوبة معروضة بعد) أي: لم يغلق بابها.
* وفيه دليل على أن توبة السارق والزاني وفاعل هذه الأشياء مقبولة.
-١٩٠٣ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (بينما راع في غنمه عدا الذئب، فأخذ منها شاة فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟) فقال الناس: سبحان الله! فقال النبي ﷺ : (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر، وما أثم أبو بكر وعمر).
وفي رواية: (بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، التفت إليه، فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث)، فقال الناس: (٤/ أ) سبحان الله! - تعجبًا وفزعًا- البقرة تكلم؟ فقال رسول الله ﷺ : (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر) قال أبو هريرة: وقال رسول الله ﷺ : (بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فاستنقذها منه ...).
وفي رواية: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: (بينما رجل يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث)، فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم؟ فقال:
стр. 1614
(فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ ذكر حال فيها الراعي وضربه مثلًا للرعاة الذين يرعون الناس، وأنه إذا وثب على بعضهم ذئب من ذئاب الظلمة؛ فإنه يتعين على الراعي أن يطلبه حتى يستنفذه منه.
* وقوله: (من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري)، يعني: أن في قوتك أن تدفع الذئب، فكيف لو كان السبع؟ فحينئذ أكون أنا المشارك له أو الطالب ويجوز أن يكون المعنى: لو كان سبع فأخذك بقيت أنا وهي لا راعي لها غيري.
وقال ابن الأعرابي: إنما هو السبع بتسكين الباء، وهو الموضع الذي يحشر فيه الناس يوم القيامة. وقيل: السبع الشدة والذعر.
وقيل: المعنى من لها يوم الفزع، يوم يتركها الناس هملًا لا راعي لها، نهب الذئاب والسباع.
* وفي الحديث دلالة على فضيلة أبي بكر وعمر وثقة رسول الله ﷺ بإيمانهما إيمانًا لا يعقبه ارتياب.
* وفيه دليل على أن الله تعالى ينطق الحيوان البهيم إذا شاء.
стр. 1615
* وفيه أن البقر خلقت للحرث وضعًا.
-١٩٠٤ -
الحديث السادس (٤/ ب) والستون:
[عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قرصت نملة نبيًا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟).
وفي رواية: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟)].
* في هذا الحديث من الفقه التحذير من التعدي في الاقتصاص، وأنه لا ينبغي للإنسان، وإن شرفت منزلته أن يتجاوز في استيفاء القصاص حد المشروع، فإن هذا وهو نبي من الأنبياء لم يسامح في الحيف على نملة، وعوتب في ذلك.
-١٩٠٥ -
الحديث السابع والستون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في الحبة السوداء: (شفاء من كل داء إلا السام).
следующие страницы →