← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وفي رواية: (ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فمن تشرف لها استشرفه فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به). * وفي رواية: (ستكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليستعذ). * وفي رواية: (ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن الفتن شر كلها، وإن القاعد خير من القائم، فإن مني بها، فإن كان قاعدًا فلا يقم، وإن كان قائمًا فلا يمش، وإن كان ماشيًا فلا يسع. وأراد بهذه الألفاظ ﷺ أن كل حركة في الفتن فتنة، ويصل من الشر إلى التحرك فيها بمقدار حركته منها. * وقوله: (من تشرف لها تستشرفه) أي من تطلع (٣/ ب) إليها تسلية تأخذه غلبة، فلا ينبغي لأحد أن يتطلع إلى شيء من الفتن فإنها تعلو عليه.

стр. 1612

-١٩٠٢ - الحديث الرابع والستون: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن). وفي رواية: كان أبو هريرة يلحق معهن- (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن). وفي رواية: (يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها، وهو حين ينتهبها مؤمن). وفي رواية: (لا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم). وفي رواية لمسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد)]. * قد سبق أن شرحنا هذا الحديث، وبينا فيه وجوهًا، منها: أنه لا يفعل ذلك وهو كامل الإيمان.

стр. 1613

* وقوله: (ذات شرف) أي: علو في قدرها. * وقوله: (إياكم، إياكم) مبالغة في التحذير. * وقوله: (والتوبة معروضة بعد) أي: لم يغلق بابها. * وفيه دليل على أن توبة السارق والزاني وفاعل هذه الأشياء مقبولة. -١٩٠٣ - الحديث الخامس والستون: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (بينما راع في غنمه عدا الذئب، فأخذ منها شاة فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟) فقال الناس: سبحان الله! فقال النبي ﷺ : (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر، وما أثم أبو بكر وعمر). وفي رواية: (بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، التفت إليه، فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث)، فقال الناس: (٤/ أ) سبحان الله! - تعجبًا وفزعًا- البقرة تكلم؟ فقال رسول الله ﷺ : (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر) قال أبو هريرة: وقال رسول الله ﷺ : (بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فاستنقذها منه ...). وفي رواية: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: (بينما رجل يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث)، فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم؟ فقال:

стр. 1614

(فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ ذكر حال فيها الراعي وضربه مثلًا للرعاة الذين يرعون الناس، وأنه إذا وثب على بعضهم ذئب من ذئاب الظلمة؛ فإنه يتعين على الراعي أن يطلبه حتى يستنفذه منه. * وقوله: (من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري)، يعني: أن في قوتك أن تدفع الذئب، فكيف لو كان السبع؟ فحينئذ أكون أنا المشارك له أو الطالب ويجوز أن يكون المعنى: لو كان سبع فأخذك بقيت أنا وهي لا راعي لها غيري. وقال ابن الأعرابي: إنما هو السبع بتسكين الباء، وهو الموضع الذي يحشر فيه الناس يوم القيامة. وقيل: السبع الشدة والذعر. وقيل: المعنى من لها يوم الفزع، يوم يتركها الناس هملًا لا راعي لها، نهب الذئاب والسباع. * وفي الحديث دلالة على فضيلة أبي بكر وعمر وثقة رسول الله ﷺ بإيمانهما إيمانًا لا يعقبه ارتياب. * وفيه دليل على أن الله تعالى ينطق الحيوان البهيم إذا شاء.

стр. 1615

* وفيه أن البقر خلقت للحرث وضعًا. -١٩٠٤ - الحديث السادس (٤/ ب) والستون: [عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قرصت نملة نبيًا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟). وفي رواية: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟)]. * في هذا الحديث من الفقه التحذير من التعدي في الاقتصاص، وأنه لا ينبغي للإنسان، وإن شرفت منزلته أن يتجاوز في استيفاء القصاص حد المشروع، فإن هذا وهو نبي من الأنبياء لم يسامح في الحيف على نملة، وعوتب في ذلك. -١٩٠٥ - الحديث السابع والستون: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في الحبة السوداء: (شفاء من كل داء إلا السام).

стр. 1616

قال ابن شهاب: والسام: الموت، والحبة السوداء: الشونيز. وفي رواية: (ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء إلا السام)]. * تفسير الحديث مذكور فيه، والذي أرى أن الاستشفاء بهذه الحبة من وجوه: منها أن تشتم فإنها تفتح السدد من الرأس، فإذا تفتحت السدد من الرأس، والرأس عماد البدن كان في تفتيح السدد خروج الأبخرة المضيقة على الروح والحاصرة للقلب، ومع تفتح السدد فإنه ينتشق الروح من الهواء الخارج ما يقوى به على دفع الداء الباطن. وهذا منه فإنه نافع في كل داء إلا الموت، فإنه ما دامت الروح في البدن فإن يفتح السدد من منافذ الرأس المتصلة إلى القلب (٥/ أ) حتى ينشق الأراشيح التي يتغذي بها القلب، فإنه إجماع من الأطباء من غير خلاف أعرفه بينهم، أن ذلك ينفع في الأدواء كلها ويشفي منها. * وقوله: (يشفي من كل داء)، دلل على أنه يشفي من الداء أن يشفي من جميع الداء. -١٩٠٦ - الحديث الثامن والستون: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا فضل الماء ليمنعوا

стр. 1617

به الكلأ). وفي رواية: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ). وفي رواية: (لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ)]. * قال أبو عبيد: هي البئر التي تكون في بعض البوادي، ويكون قربها كلأ، فربما سبق إليها بعض الناس فمنعوا من جاء بعدهم، فإذا منعوهم الماء فقد منعوهم الكلأ، ولم يرووها من الماء قتلها العطش. -١٩٠٧ - الحديث التاسع والستون: [عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنبيًا) وقال في الميزان مثل ذلك)].

стр. 1618

* في هذا الحديث تعليم النبي ﷺ كيفية الخروج من الربا، بأن يباع الشيء بالدراهم، ويشترى بالدراهم ذلك الشيء، وإنما حرم رسول الله ﷺ ذلك؛ لأن اسم التمر يجمعها، فإذا أجيز بيع صاع من تمر بصاعين من تمر فقد بيع شيء من جنسه كيلًا بمثليه، فيكون الربا فيه ظاهرًا، والتمر الجنيب الجيد من التمر. -١٩٠٨ - الحديث السبعون: [عن أبي هريرة قال: (أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا). وفي رواية: (فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه (٥/ ب) ذكر أنه جنب، فقال لنا: (مكانكم). وفي رواية: (فمكثنا على هيئتنا- يعني قيامًا- حتى رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه). وفي رواية لمسلم: (إن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقول النبي ﷺ مقامه)].

стр. 1619

* في هذا الحديث ما يدل على الأمر بتسوية الصفوف. * وفيه ما يدل على صدقه، وأنه ينبغي لكل مسلم أن يتأسي به في الصدق عن حاله، ويخاف الله ولا يخاف قالة الناس. * وفيه ما يدل على أن النسيان جائز على رسول الله ﷺ . * وفيه أنه ينبغي للمأمومين الوقوف لانتظار الإمام إذا جرى له مثل هذه الحال. -١٩٠٩ - الحديث الحادي والسبعون: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). وفي رواية: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام). وفي رواية: (فقد أدرك الصلاة كلها). وفي رواية للبخاري: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة الصبح قبل

стр. 1620

أن تطلع الشمس فليتم صلاته)]. * المراد بهذا الإدراك: إدراك فضيلة الجماعة، وأما ما فاته فلابد من قضائه. واختلف العلماء فيما يأتي بعد تسليم الإمام: هل هو أول صلاته أو لآخرها؟ فمذهب الشافعي أن ما يدركه أول صلاته، ومذهب أحمد أنه آخرها. والمراد بالسجدة الركعة. * وفيه من الفقه أن الله تعالى رفق بعبيده رفقًا ظهر لمتأمله؛ فإنه لما شرع لكل صلاة وقتًا تؤتى بها فيه كان من حيث التقدير متسعًا (٦/ أ) لأمثال فعل تلك الصلاة، فإذا ترك العبد فضيلة أول الوقت ثم زاد به التأخير حتى لم يبق من الوقت مقدار فعل الصلاة فقد ضايق الأمر، أو عرض عبادته لخطر الفوات، إلا أنه أحسن حالًا ممن أخر ذلك حتى لم يبق من وقت الصلاة إلا مقدار ركعة؛ فإنه من غير شك يصلي باقي صلاته بعد فوت الوقت. إلا إنه سبحانه رفق بعبده فاحتسب له بأول فعله في الوقت وأجرى آخرها مجرى أولها؛ فإن عرض هذا في وقت لضرورة نادرًا فليكن داعيًا إلى الحذر من مثله فيما بعد، ويعلم أن هذا الرفق ينبغي أن يخجل المؤمن عند الاحتساب لبه به لا ليتجرأ على تكريره ما استطاع.

стр. 1621

-١٩١٠ - الحديث الثاني والسبعون: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في يوم القيامة). وفي رواية: أن أبا هريرة قال لكعب الأحبار: إن نبي الله ﷺ قال: (لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، قال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم). وفي رواية: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا). وفي رواية: (لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب (٦/ ب) له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة). وفي رواية: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)].

стр. 1622

* هذا الحديث قد سبق وذكرنا الكلام عليه، وهو يدل على قوة فقه رسول الله ﷺ ، وفضل فهمه؛ لأنه رأى أن ما يستعجل في الدنيا يفنى هو ونفعه، فادخر ذلك لما يبقى هو وأثره. * وقوله: (وهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئًا)، يدل على أن شفاعته ﷺ منبسطة، وأن جاهه عريش متسع لأن يرفع كل جرم إلا الشرك؛ فإن الشرك يمنع رسول الله ﷺ أن يستحس أو يستجيز في مجاهدته في سبيل الله ربه لأهل الشرك ومعاداته إياهم لأجله؛ أن يعود شفيعًا فيهم، فيكون هذا من الأمور التي لا يحسن بمؤمن فكيف برسول الله ﷺ أن يبرد قلبه عن كافر كفر بالله أو أشرك به؟ -١٩١١ - الحديث الثالث والسبعون: [عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: (وأيكم مثلي؟، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: (لو تأخر لزدتكم) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا). وفي رواية للبخاري: (إياكم والوصال) - مرتين-، فقيل: إنك تواصل، قال: (أبيت يطعمني ربي ويسقيني؛ فاكفلوا ما تطيقون). وفي رواية لمسلم: (إياكم والوصال) قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله

стр. 1623

(٧/ أ) قال: (إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون) وفي رواية: (فاكلفوا ما لكم به طاقة)]. * قد سبق هذا الحديث، وبينا أنه أمرهم بالرفق، فلما أبوا أراد أن يذيقهم أمر مخالفتهم فلطف الله تعالى بطلوع الهلال، وبين لهم ﷺ أنه ليس كأحدهم؛ لأنه لمكان اختيار الله تعالى يقدر على ما لا يطيقون. -١٩١٢ - الحديث الرابع والسبعون: [عن أبي هريرة أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ). وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر

стр. 1624

حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس). زاد في حديث ابن جريج، ثم يقول أبو هريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، وزاد هو وغيره: الواو، في قوله: (ولك الحمد). وفي رواية: (أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد- وذكر نحوه- وقال في آخره: ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ ، إن كانت هذه لصلاته (٧/ ب) حتى فارق الدنيا- قال: وقال أبو هريرة- كان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه يقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو الرجال، فيسميهم بأسمائهم، فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف)، وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له). وفي رواية لمسلم: (أن أبا هريرة كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع، فقلنا له: يا أبا هريرة، ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ . وفي رواية عن أبي هريرة: أنه كان يكبر كلما خفض ورفع، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك)].

стр. 1625

* قد سبق ذكر التكبير في مسند ابن عباس وغيره، وسبق ذكر القنوت. * وقوله: (اشدد وطأتك على مضر)؛ لأنهم حينئذ كانوا عدوًا له. -١٩١٣ - الحديث الخامس والسبعون: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي: أن يتغنى بالقرآن). قال سفيان: إن تفسيره أن يستغنى به. وفي حديث: (يريد يجهر به). وفي رواية: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به). وفي رواية: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) - زاد غيره-: (يجهر به)]. * قوله: (ما أذن) أي: ما استمع.

стр. 1626

* وقوله: (لنبي) أشد الخلق فهمًا لكلام ربه وهو يقرأه عن فهم له وتدبر فيه فيظهر ذلك التدبر، وفهم تلك المعاني على قراءته وفي صوته، فيكون الله ﷻ (٨/ أ)، أشد أذنا؛ لأنه يتلو كلام ربه عن فهم له بصوت حسن، فإذا سمعه السامع أشار له حسن الترتيل إلى فهم لم يحصل له عند غير تلك التلاوة. * وقوله: (يتغنى بالقرآن) أي: إنه إذا كان طرب أهل الأشعار بأشعارهم، كان طرب المؤمن بكلام ربه ولذته فيه؛ فهو هجيراه. * ولا يجوز أن يحمل على تفسيح الحروف ولا تمطيطها كما يفعل بعض قراء زماننا من الأعاجم وغيرهم؛ فإن ذلك غير جائز. وإنما القراءة الحسنة هي التي يوفى فيها الكلم مبالغ الإثبات، ولا يخل فيها بمد في ألف ولا واو ولا ياء، وإذا وليت واحدًا منها الهمزة؛ وكذلك إذا توالى الساكنان فلابد من مد في نحو ﴿آلم (١) ذلك الكتاب﴾، وفي نحو: ﴿صواف﴾. وكذلك فإنه يحترز للراء في تفخيمها مفتوحة وترقيقها مكسورة؛ فإن كانت ساكنة في نحو (مريم) فإنها تكون إلى التفخيم، وكذلك في تمكين التشديدات؛ فإنها في النطق على نحو (الأبراج في الجدر) إلى غير ذلك.

стр. 1627

على أن هذا وأمثاله هو من تجويد القراءة، فلا ينبغي للقارئ أن يقف معه دون فتح بصيرته للفهم الذي إذا مد ناشق إليه حاسة انتشاقه بارح عرف طيبه فعلق منه برأس الإنسان وفي قلبه ما يظهر على جملته من آثار الطرب، والإعجاب ما لا يخفى على من شاهده، فكيف بمن هو الطرب نفسه؟ وإن قيل: المراد به الاستغناء، كان المعنى يستغني به أن يسأل غيره في فتوى ويستشفى به من كل داء يعرض له في قلبه وبدنه (٨/ ب)، ويستغنى بما فيه من الوعد عن أن يذل لأحد من الخلق، ويستغنى به غنى ينتهي أنه لم يبق عنده حاجة إلى شيء سواه. -١٩١٤ - الحديث السادس والسبعون: [عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (ننزل غدًا إن شاء الله، بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر- يريد المحصب). وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال- حين أراد قدوم مكة-: (منزلنا غدًا إن شاء الله: بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر). وفي رواية: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر- وهو بمنى-: (نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر)، يعنى بذلك: المحصب- وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب- أو بني عبد المطلب- أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ . قال البخاري: (وبني المطلب أشبه).

стр. 1628

وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال حين أراد حنينًا: (منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر). وفي رواية: (منزلنا، إن شاء الله، إذا فتح الله الخيف؛ حيث تقاسموا على الكفر)]. * وقد مضى هذا في مسند ابن عمر، وقد فسر في الحديث. والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن السيل. وتقاسموا: بمعنى تحالفوا. وإنما آثر النزول هنالك لما قدم مكة شكرًا لنعمة الله تعالى في التمكين، ونقضًا لعهد المشركين. -١٩١٥ - الحديث السابع والسبعون: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر (٩/ أ)، وأشد ما تجدون من

стр. 1629

الزمهرير). وفي رواية: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضًا؛ فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف؛ فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير). وفي رواية عن أبي هريرة وعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم). وفي رواية: (قالت النار: أكل بعضي بعضًا، فأذن لي أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم). وفي رواية: (إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وذكر أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. وفي رواية: (إذا كان اليوم الحار فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم). وفي رواية: (أبردوا عن الحر في الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم). وفي رواية: (إن هذا الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة)].

стр. 1630

* في هذا الحديث من الفقه أن في النار عذابًا من حر وبرد، فإنه قال: إن شدة ما ترون من الحر، وشدة ما ترون من الزمهرير يعني أن ذينك من جهنم. * وقوله: (فأذن لها في كل عام بنفسين) يدلك على أنها خلق من خلق الله موجودة، وأن العذاب جمع كله فيها؛ حتى إنه لو لم يؤذن لها في النفسين لما رأينا في هذه الدنيا حرًا ولا بردًا، فإذن يشير هذا الحديث إلى أن العذاب (٩/ ب) كله مجموع فيها؛ لأنها دار سخط الله ، فليس نوع من أنواع العذاب إلا وهي مشتملة عليه، وإنها تزدحم الشرر فيها حتى يأكل بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها قد تأكل ما يلقى فيها، ثم يعودوا. وكلما أكل بعضها بعضًا تضاعف شرها، فإذا تنفست هذين النفسين في شدة الصيف والشتاء، كان هذا النفس في الصيف، وهذا النفس في الشتاء دليلًا صريحًا على أنها مخلوقة موجودة، فإن قال قائل: فأين هي؟ قلنا: إذا ثبت أن هذا العذاب منها دل على وجودها، وعلم الله سبحانه محيط بمكانها، وهذا أثرها على ما بعدها ونأيها، فكيف في حال قربها؟. -١٩١٦ - الحديث الثامن والسبعون: [عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الفخر والخيلاء

стр. 1631

في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم). زاد شعيب عن الزهري: (والإيمان يمان، والحكمة يمانية). قال البخاري: وسميت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشأم؛ لأنها عن يسار الكعبة. وفي رواية: (رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل بالفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم). وفي رواية: (أتاكم أهل اليمن، هم ألين طوعًا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، ورأس الكفر قبل المشرق). وفي رواية: (والفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة والوقار في أصحاب الشاة). وفي رواية: (الإيمان يمان، والفتنة هاهنا؛ حيث يطلع قرن الشيطان). وفي رواية: (أتاكم أهل اليمن، اضعف قلوبًا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، (١٠/ أ) والحكمة يمانية). وفي رواية: (جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس). وفي رواية: (جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة. الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية). وفي رواية: (الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسكينة في أهل

стр. 1632

الغنم، والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر)]. * قد تقدم الكلام في هذا الحديث، وبينا الخلاف في تشديد لفظة الفدادين وتخفيفها، وذكرنا وجه قوله: (الإيمان يمان).

стр. 1633

-١٩١٧ - الحديث التاسع والسبعون: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء). قال ابن شهاب: وقد رأيت رجالًا من أهل العلم يسبحون ويشيرون)]. * التسبيح في الصلاة إذا وجد لما ينافها؛ لأنه مذكور في الصلاة، وإنما شرع التصفيق للنساء لأشياء منها: - أن لا يسمع المؤمنون صوت المرأة في الصلاة، فإنه وأن لم يكن عورة، فإن الأولى تجنبه مخافة الفتنة؛ لأن في أصوات النساء ترخيمًا ليس في

стр. 1634

أصوات الرجال. - ومنها أيضًا: أنه قد يكون في المصلين من تكون زوجته أو ابنته في الصلاة، فإذا تكلمت تلك تأثر زوجها لكلامها من حيث إنه في عبادة، فإذا سمع صوتًا يعرفه تأثر بسماعه تأثرًا إما لغيرة تهيج، وإما إن تذكر حالًا قد كان بينه وبينها، أو غير ذلك. - ومنها أيضًا: أنه بصوتها يعرف مكانها من الصفوف، وفي ذلك (١٠/ ب) أيضًا ما يستدل به على ما يتغير به لبه من كونها في أوائل الصفوف أو في أواخرها أو في جوانبها، فكان التصفيق سترًا على ذلك كله، فأمرت أن تصفق ببطن كف على ظهر أخرى؛ لأن التصفيق ببطن كف على بطن الأخرى قد يستلذ، فلم يصلح ذلك في الصلاة ولا في غيرها. ولا أرى الذين يصفقون راغبين إن ذلك عبادة إلا على خطر من الله تعالى. -١٩١٨ - الحديث الثمانون: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره). وفي رواية: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر

стр. 1635

فليقل خيرًا أو ليسكت)]. * في هذا الحديث من الفقه أن يعتقد الإنسان أن إكرام الضيف عبادة، لا ينقصها أن يضيف الإنسان غنيًا، ولا يغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسير مما عنده؛ فإكرامه أن يسارع إلى البشر في وجهه، وتطييت الحديث له. * وعماد أمر الضيافة هو على إطعام الطعام، فينبغي له أن يبادر بما فتح الله به من غير كلفة إلا أنه يتبعه ببذل الوسع من غير إضرار بأهله على أنه إذا آثره، ورغب البالغين من أهله في الإيثار أيضًا، فإنه من الكرم، فأما الأصاغر فليس له أن يحملهم على ذلك. وأما حديث الأنصاري الذي قال لامرأته: أطفئي المصباح، ونومي الصبيان؛ فإنما فعل ذلك على العادة في الصبر على العشاء ليلة.

стр. 1636

* وقوله: (فليصل رحمه) فيه من الفقه: أن صلة الرحم من العبادات التي تقع مقامها عن الله سبحانه (١١/ أ)، لأن الرحم يزيد على ما بين المسلمين بسبب التوارث والنصرة والانتساب، فيتعين على الرجل أن يبدأ بصلة ذوي رحمه على غيره وإن قطعته؛ لأن قوله: يصل يدل على أن أحدهما هو الواصل؛ لأنه لو كان من جانبين لكان يقول: يواصل الأرحام. * وقوله: (فليقل خيرًا أو ليسكت)؛ فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت، والصمت خير من قول الشر، إلا أن هذا الحديث يدل على فضل القول؛ لأنه بلام الأمر، ثم بدأ به على الصمت، فقال: فليقل خيرًا، ثم قال: أو ليسكت، يعني إن لم يقل خيرًا فليصمت. ومن قول الخير: الإبلاغ عن الله ، وقول نبيه ﷺ ، وتعليم المسلمين، والأمر بالمعروف عن علم؛ وإنكار المنكر عن علم، والإصلاح بين الناس، وأن نقول التي هي أحسن، وأن نقول للناس حسنًا، ومن أفضل الكلمات: كلمة حق عند من يخاف ويرجى في تأت وسداد. * فأما الإحسان إلى الجار؛ فإن الجار قد يكون المصاحب، وقد يكون الملتجئ، فعليه أن يكرم الجارين إكرامًا يرفع نفسه عن أن يرضى لها أن يقتصر بجاره على أن لا يؤذيه؛ فإن منعه الأذى عن الأبعد متعين، فكيف الأقرب!، ولكن إن حرمها غنيمة، فلا أقل بما يعف على أن لا يؤذيه، وليس وراء ذلك من مقامات الفضل شيء.

стр. 1637

وقد تتفاوت حقوق الجار؛ فمن الجيران من يدلي بالقرب في الدار، وبقرب نسبه، وبالإسلام، ومنهم من يدلي بحقين، ومنهم من يدلي بحق واحد، وهو الجار الذمي، ومن حقه أن يدعوه جاره المسلم إلى الإسلام. -١٩١٩ - الحديث الحادي والثمانون: [عن أبي هريرة أن رسول الله (١١/ ب) ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)، وزاد: (والإمام حنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل؛ فإن له بذلك أجر، وإن يأمر بضده كان عليه منه)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن طاعة الله في طاعة رسوله ﷺ ، وعصيان الله في عصيان رسوله ﷺ ، وأن طاعة الأمير من جانب رسول الله ﷺ ، وكل أمير ولايته من شرع رسول الله ﷺ ، فإنه من جانب رسول الله ﷺ فطاعته طاعة لرسول الله ﷺ . * وقوله: نحن الآخرون السابقون قد سبق.

стр. 1638

* وقوله: (الإمام جنة يقاتل من ورائه)؛ وذلك أنه إذا كان المجاهد تحت راية الإمام، كان انتماؤه إليه جنة له من النار، ويتقى به من سخط الله . * وقوله: (فإن أمر بتقوى الله وعدل)؛ أي تأمر بالأمرين. وفي رواية: بتقوى وعدل (بفتح الدال)، والمراد أن يجمع بين القول والعمل الصالح، الأمر بالتقوى والعدل؛ لأنه قد يأمر الإنسان بالتقوى ولا يعدل، والآخر حاصل له في التقوى والعدل. وإن أمر بغير ذلك كان عليه منه، لا أرى هذه الهاء في منه إلا راجعة إلى الله ؛ فيكون المعنى أن مقاتلته لا تكون إلا منه؛ لأن الرعية لا تطول إلى إمامها؛ ولأنكم إذا قاتلتموه آثرتم الفتن؛ وإنما مقابلته من الله . (١٢/ أ) -١٩٢٠ - الحديث الثاني والثمانون: [عن أبي هريرة قال: (قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي- ﵇ وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: من لا يرحم لا يرحم)].

стр. 1639

* في هذا الحديث من الفقه أن تقبيل الولد سنة، على أن يكون ذلك رحمة؛ لأنه في مقام رحمة لا يقدر على البطش، ولا على إطعام نفسه، ولا على أن يستغني ساعة عن كل ما يقوم بمصالحه، ولو قد قبله ليطيب قلب أمه، كان له بذلك أجر. -١٩٢١ - الحديث الثالث والثمانون: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته: حتى لا يدري كم صلى؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين، وهو جالس). وفي رواية: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط، حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضى الأذان أقبل، فإذا ثوب أدبر، فإذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل إن يدري: كم صلى؟ فإذا لم يدر أحدكم ثلاثًا صلى أو أربعًا، فليسجد سجدتين، وهو جالس). وفي رواية: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان) ثم ذكر نحوه إلى قوله: (حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى). وفي رواية: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي التأذين أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل وقل ما يدري (١٢/ ب) كم صلى).

стр. 1640

وفي رواية: (حتى يظل الرجل). وفي رواية: (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط، حتى لا يسمع صوته؛ فإذا سكت رجع فوسوس؛ فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته؛ فإذا انتهت رجع فوسوس). وفي رواية: (إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله حصاص). وفي رواية عن سهل بن أبي صالح، قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا (أو صاحب لنا)، فناداه مناد من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا. قال: فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى؛ وله حصاص)]. * في هذا الحديث من الفقه دليل على أن الصلاة التي يوسوس فيها الشيطان، ويقول للمصلي: اذكر كذا، واذكر كذا؛ فإنها صحيحة، يكفي من السهو فيها سجدتان، إلا أنه ينبغي للمصلي أن يدفع الشيطان ويستخلص من وقته ذلك الزمان اليسير، يخلو فيه مع ربه خلوًا لا يقبل فيه مشاور إبليس.

стр. 1641

* وقد بينا فيما سبق أن المراد بالتثويب الإقامة. * وقد دل الحديث على أن من ترك شيئًا من صلاته أتى به ثم سجد. * ودل أيضًا على اختيار الصيت من المؤذنين، لأنه كلما ارتفع الصوت زاد بعد الشيطان. والحصاص: أن يحرك الذنب الذي له يمينًا وشمالًا (١٣/ أ). -١٩٢٢ - الحديث الرابع والثمانون: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) ثم يقول: (اقرؤوا: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾). وفي رواية: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل فيها من جدعاء)، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾. وفي رواية: (ما من مولود يولد على هذه الفطرة، وأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون الإبل، فهل تجدون فيها جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها). قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

стр. 1642

وفي رواية عن الزهري، قال: يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على طفرة الإسلام، يدعى أبواه الإسلام، أو أبوه خاصة، وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهل صارخًا، ولا يصلى على من لم يستهل، من أجل أنه سقط؛ فإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي ﷺ قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾. وفي رواية لمسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه)، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لو مات قبل ذلك؟، قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). وفي رواية: (١٣/ ب): (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة). وفي رواية: (إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه). وفي رواية: (ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه حتى تعبر عنه لسانه). وفي رواية: (كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه أو يمجسانه؛ فإن كانا مسلمين فمسلم). وفي رواية: (كل إنسان تلده أمه يلكز الشيطان في خصيته، إلا مريم وابنها). وفي رواية: (سئل النبي ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). وفي رواية: (سئل عن أطفال المشركين عن من يموت منهم صغيرًا،

стр. 1643

فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)]. * قال أبو محمد بن قتيبة، قال: حماد بن مسلمة في هذا الحديث: هذا حين أخذ الله العهد على الخلق في أصلاب آبائهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس واحدًا واحدًا إلا وهو مقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإن سماه بغير اسمه؛ أو عبد ودنه، قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾. فالمعنى: كل مولود يولد على ذلك العهد والإقرار الأول، وهو الفطرة؛ لأن معنى الفطرة ابتداءً، وهو الحنيفية التي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطر العقول، ثم يهود اليهود أبناءهم، ويمجس المجوس أبناءهم؛ أي يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم أو عليه ثواب، ألا ترى أن الطفل من أطفال المشركين محكوم عليه بدين أبويه، فإن خرج عنهما إلى مسلم (١٤/ أ) حكم له بدين مالكه؟ * وقوله: (مما ينتج البهيمة بهيمة جمعاء)، وهي السليمة، سميت بذلك لاجتماع السلامة في أعضائها. * وقد سبق ذكر وكز الشيطان للمولود في هذا المسند وشرحناه.

стр. 1644

-١٩٢٣ - الحديث الخامس والثمانون: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فيسأل: (هل ترك لدينه قضاء)، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم)، فلما فتح الله الفتوح، قال: (أنا أولى من المؤمنين من أنفسكم؛ فمن توفى من المؤمنين؛ فترك دينًا؛ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته). وفي رواية: (ومن ترك كلا فإلينا). وفي رواية: (من ترك كلا وليته). وفي رواية للبخاري: (ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، وقرؤوا إن شئتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾، فأيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني، فأنا مولاه). وفي رواية: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وترك مالًا؛ فماله لموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعًا؛ فأنا وليه، فلأدعى له). وفي رواية لمسلم: (والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به، فأيكم ترك دينًا أو ضياعًا فأنا مولاه، وأيكم ترك مالًا فإلى العصبة من كان). وفي رواية: (أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم ما ترك دينًا أو ضيعة فادعوني فأنا وليه، وأيكم ما ترك مالًا فليؤثر بماله عصبته من

стр. 1645

كان)]. * هذا الحديث ناسخ لحديث أبي قتادة، وإنه كان لا يصلي على صاحب الدين. * وفيه من الفقه أن الرجل إذا ترك (١٤/ ب) دينًا ولم يترك قضاء له، قضي من سهم الغارمين، أو الفيء إلا أنه ينبغي للإنسان أن لا يتوسع في الدين اتكالًا على هذا، ولا يدان إلا بقدر ضرورته ناويًا للقضاء بجهده، فإن سبقه الموت وفي ذمته دين لم يقضه تعين قضاؤه من بيت المال. والضياع مصدر ضاع يضيع ضياعًا؛ والمعنى: شيئًَا ضائعًا كالأطفال، ومعنى أنا مولاه؛ أي وليه. -١٩٢٤ - الحديث السادس والثمانون: [عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن

стр. 1646

مريم، الأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي). وفي رواية: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد). وفي رواية: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة) قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن دين الأنبياء كلهم دين الإسلام. * وقوله: (في الأولى والآخرة)، أما في الأولى؛ فلأنه بشر عيسى بوجوده فنصره، وهو دفع عنه ما رمي به، وأما الأخرى؛ فلأنه ينزل في آخر الزمان ذابًا عن دينه. * (والعلات): الإخوة من الأب الواحد، وأمهاتهم شتى. -١٩٢٥ - الحديث السابع والثمانون: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي).

стр. 1647

وفي رواية: (من رآني فقد رأى الحق). وفي رواية: (من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الله كما حمى صورة (١٥/ أ) رسول الله ﷺ في اليقظة عن أن يتمثل بها شيطان لئلا يغير على المسلمين أحكامهم، ولا يجرى كما جري في حق سليمان ﵇؛ إذ قال الله سبحانه: ﴿وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب﴾. حمى الله مثال صورته في المنام ليكون ما أداه إلى أمته في اليقظة محروسًا محميًا مصونًا، وما يلقيه إليهم بعد موته في المنامات، وهي المبشرات التي أخبر ﷺ أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة محمية من أن يخالطها نفث الشيطان بحال. -فأما قوله: (فسيراني في اليقظة)؛ فإنه يدل على أنه لا يراه في المنام إلا مؤمن، فلذلك وعد ﷺ بأنه سيراه في اليقظة يعني في القيامة. * وفيه أيضًا من الفقه أن السين تخلص الفعل للاستقبال. وقوله: فسيراني في اليقظة، يقتضي أنه راء ما أخبرته به أو أشرت إليه فيه؛ فإنه على يقظة من الأمر إلا يظنه ظان منا.

стр. 1648

* وقوله: (فكأنما رآني في اليقظة)؛ لأنه إن كان هو نائمًا فأنا مستيقظ. * وقوله: (فقد رأي الحق)، يعني: أن رؤيتي هي الحق. -١٩٢٦ - الحديث الثامن والثمانون: [عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁، وصدرًا من خلافة عمر ﵁. وفي رواية: (سمعت رسول الله ﷺ يقول (١٥/ ب) لرمضان: (من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي رواية: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي رواية عن الزهري: (فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁ وصدرًا من خلافة عمر ﵁. وفي رواية عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر ابن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل بصلاته الرهط، فقال عمر ﵁: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم

стр. 1649

عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها عندي أفضل من التي يقومون، يريد آخر الناس، وكان الناس يقومون أوله). وفي رواية: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي رواية: (من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي رواية: (من يقم ليلة القدر فيوافقها- أراه (قال) إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)]. * قد سبق الكلام في صوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، وفي قيام ليلة القدر أيضًا. والمراد من صامه تصديقًا بالأمر به، عالمًا بوجوبه، خائفًا من عقاب تركه، محتسبًا جزيل الأجر في صومه، وهذه صفة المؤمن. * وفي الحديث استحباب صلاة التراويح جماعة.

стр. 1650

-١٩٢٧ - الحديث التاسع والثمانون (١٦/ أ) [عن أبي هريرة قال: إن النبي ﷺ قال: (لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة)، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها؟ قال: (فمن أعدى الأول؟). وفي رواية: (لا يورد ممرض على مصح)، وأنكر أبو هريرة حديثه الأول، قلنا: ألم تحدث: أنه (لا عدوى؟) فرطن بالحبشية، قال أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثًا غيره. وفي رواية: (لا عدوى) وأن رسول الله ﷺ قال: (لا يورد ممرض على مصح) قال الزهري: قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدث بهما كليهما عن رسول الله ﷺ ، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: (لا عدوى)، وأقام على أن (لا يورد ممرض على مصح)، فقال الحارث بن أبي ذياب،- وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله ﷺ : (لا عدوى)، فأبى أبو هريرة أنه يعرف ذلك، وقال: (لا يورد ممرض على مصح) فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أبو هريرة: إني
следующие страницы →