Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
المسؤول ينطق به بلسانه، فيقال: هل مضى عليك حين من الدهر، وما كنت شيئًا مذكورًا؟ فيقول: نعم، فيكون الحجة عليه بإقراره، فهو أبلغ في إثبات الحق.
* وفيها أيضًا: صفة الجنة والمعاد وغير ذلك.
-٢٠٠٠ -
الحديث الثاني والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (قريش والأنصار وجهينة، ومزينة، وأسلم، وأشجع، وغفار موالي، ليس لهم مولي دون الله ورسوله).
وفي رواية: (والذي نفس محمد بيده، لغفار، وأسلم، ومزينة، ومن كان من جهينة- أو قال: جهينة، ومن كان من مزينة- خير عند الله يوم القيامة من أسد، وطيئ، وغطفان).
وفي رواية: (لأسلم، وغفار، وشيء من مزينة (٥١/ أ) - أو شيء من جهينة ومزينة- خير عند الله- قال: أحسبه قال: يوم القيامة- من أسد وغطفان، وهوازن، وتميم).
وفي رواية لمسلم: (أسلم، وغفار، ومزينة، ومن كان من جهينة- أو جهينة- خير من بني تميم، وبني عامر، والحليفتين أسد وغطفان)].
стр. 1752
* قد مضى ذكر هذا الحديث في مواضع، وبينا أن الفضل لهما يكون بالإيمان والعمل لا بالأنساب؛ فإن الإيمان يرفع الوضيع والكفر يحط الرفيع.
-٢٠٠١ -
الحديث الثالث والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)].
* قد سبق هذا الحديث بعد الحديث السبعين من هذا المسند، وتكلمنا عليه هنالك.
-٢٠٠٢ -
الحديث الرابع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم نهاق الحمير، فتعوذوا
стр. 1753
بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا، وإذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لما كان صوت الحمار أنكر الأصوات كان الشيطان وشيكًا بالتعرض له ليثير من النهاق الذي يزعج المسلمين فتنكره نفوسهم؛ فأمر رسول الله ﷺ بالتعوذ من الشيطان؛ ولما كانت الديكة يؤنس إلى أصواتها من حيث إنها في الليل توقظ (٥١/ ب) النائم لأفضل الأوقات للذكر، وهو وقت السحر، كانت عند رؤية الملائكة يثور صاحبها، فيذكر الله سبحانه حينئذ، ويسأل من فضله.
-٢٠٠٣ -
الحديث الخامس والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: (اركبها)، فقال: إنها بدنة؛ فقال: (اركبها)، فقال: إنها بدنة، فقال: (اركبها ويلك)، في الثانية أو في الثالثة.
وفي رواية للبخاري: رأى رجلًا يسوق بدنة، قال: (اركبها)، قال: إنها بدنة، قال: (اركبها)، قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي ﷺ ، والنعل في عنقها).
стр. 1754
وفي رواية: بينما رجل يسوق بدنة مقلدة.
وفي رواية: أنه ﷺ قال: (ويلك، اركبها)، فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: (ويلك، اركبها)].
* قد سبق ذكر هذا الحديث في مواضع.
-٢٠٠٤ -
الحديث السادس والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ولينعلهما جميعًا، أو ليخلعهما).
وفي رواية: (ليحفهما جميعًا أو لينعلهما جميعًا).
وفي رواية لمسلم: خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنكم تحدثون إني أكذب على رسول الله ﷺ لتهتدوا وأضل، ألا وإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها).
وفي رواية: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ
стр. 1755
بالشمال، ولينعلهما جميعًا أو ليحفهما جميعًا)].
* في هذا الحديث كراهية أن يمشي الرجل في نعل (٥٢/ أ) واحدة، وذلك مناف لاستعمال العدل بين الرجلين، والعدل في ذلك أن ينعلهما معًا أو يحفهما معًا؛ ولأن الشيطان قد يمشي في نعل واحدة.
وقد حكى الشيخ محمد بن يحيى ﵀، قال: خرجت من مكة إلى المدينة قاصدًا زيارة رسول الله ﷺ وحدي، وكنت عزمت ألا أستصحب معي زادًا ولا ماءً، قال: فجئت إلى قرية هنالك، فدخلت إليها، فأعطيت زادًا في جراب، فحملته معي، وذهبت متوجهًا إلى المدينة، قال: فأخذني الصداع، فقلت: من أين هذا الصداع؟ فنظرت فقلت: من حملي الزاد، فعزمت على أن ألقيه مكاني وأمشي، ثم قلت: لا يحل لي أن ألقيه، ولكن أرجع إلى هذه القرية فأتصدق به وأرجع، فحملته ورجعت إلى القرية، فلقيني شيخ لا أحسب إلا أنه قال: في رجله نعل واحدة، فوقف لي في الطريق، فقال: هيه رجعت، فقذف في روعي أنه الشيطان، فقلت: يا عدو الله، إنما رجعت لأتصدق بهذا، وأمضي في طريقي.
والذي أراه أنا في الشيخ ﵀ كان ذلك في عنفوان شبابه، وإلا فما كنت أراه حين علم العلم يسافر إلا ومعه الزاد عملًا بالسنة؛ لأنه حدثني أنه صحب رجلًا يقال له: (محمد) في مركب، وأنهما نزلا من المركب على أن يمشيا على الماء، فقيض الله لهما سفينة فركبا فيها ووصلا إلى الساحل إلى
стр. 1756
موضع يقال له: السرين، وأنهما لما صعدا من السفينة إلى ساحل البحر، أجمع عليهما جماعة من المستسلحة لصاحب مكة، يريدون أن يمسكوا من وصل في صحبتهما، قال: فجلس الشيخ إزائي وغمضت عيني- أو قال: أغفيت فاستيقظت- أو قال: (٥٢/ ب)، فتحت عيني، فإذا أنا وصاحبي في أرض غير تلك الأرض.
قال يحيى بن محمد ﵀: فسألته: كم كان من الموضع الذي كنتما فيه جالسين، والموضع الذي صرتما إليه؟ فقال: مسيرة ثلاثة أيام، وكان يقول ﵀: إلى ساعتي هذه- يعني وقت حكايته لي- ما أشك أن الله أوجدنا هناك وأعدمنا من الموضع الأول؛ لأن الحال كانت أسرع من أن يكون فيها سير وحركة، قال: فعطشت عطشًا شديدًا، فجعلت أصيح: اللهم اسقني ماء!، فالتفت الشيخ إلي وقال: يا محمد، ما هذا سوء الأدب. ثم مد يده إلى الأرض، فأخرج قرصًا، فقال لي: خذ، فقلت: ما أصنع بالطعام، وإنما أريد الماء؟؛ قال: فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت في الحال سقيفة دارت علينا وحلف لي فقال: لقد رأيتها مرشوشة، وفيها سقاء مترع، فقال لي: اشرب من هذا، فشربت. قال: فقال لي حينئذ: قد تركنا كوزًا كنا نحمل فيه الماء، وجرابًا فيه دقيق، قال الشيخ محمد بن يحيى ﵀، ومن كانت حالته تلك الحالة، فما أراه أراد استصحاب الزاد إلا اتباعًا للسنة.
* وفي هذا الحديث من السنة أن يبتدئ المنتعل باليمنى إذا انتعل؛ وباليسرى إذا خلع.
стр. 1757
-٢٠٠٥ -
الحديث السابع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه).
وفي رواية لمسلم: (والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، فيقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء)].
* في هذا الحديث (٥٣/ أ) إنذار بشدة تشتد على المسلمين حتى يفزع منها الناس إلى الموت، ويتمنونه، فأما سفهاؤهم فللضجر من البلاد، وأما ذوو الأحلام فللخوف من الفتنة في الدين.
-٢٠٠٦ -
الحديث الثامن والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار).
وفي رواية: (طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب).
стр. 1758
وفي رواية: (طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات).
وفي حديث ابن المغفل: (وعفروه الثامنة بالتراب)].
* في هذا الحديث تخصيص للكلب بهذا العدد في الغسل من ولوغه.
* وفيه إشارة إلى النهي عن اقتنائه بتغليظ أمر نجاسته فوق غيره من النجاسات؛ ليكون مقتنيه لنفعه، من رعاية ماشية أو حرث أو صيد، معلنًا بين ما ينتفع به في تلك الحالة وبين ما يتكلف من تكرير طهارة الآنية من ولوغه سبعًا إحداهن بالتراب.
فهو إما أن يكره اقتناؤه فيتخلص من ذلك، وإما أن يكون تكريره هذه العبادة مكفرًا لاقتنائه؛ لأنه في الجملة يروع المسلم ويقهر الغريب، ويزعج صوته في الليل والنهار، ويتعرض منه عند شدة العطش الذي يفضي به إلى الكلب، أن يكون في عضته الحتف المرجئ.
* فأما كون الثامنة هي التعفير بالتراب؛ فإن هذا يعرض الإناء لأن يغسل مرة أخرى؛ لأنه إذا أراد استعمال الإناء لطعامه فإنه لابد أن يزيل عنه التراب، ويغسله، وقد سبق شرح هذا الحديث وذكره، في مسند ابن (٥٣/ ب) مغفل.
стр. 1759
-٢٠٠٧ -
الحديث التاسع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تتلقى الركبان للبيع، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر).
وفي رواية: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر).
وفي رواية: (من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر).
وفي رواية: (من اشترى شاة مصراة، فلينقلب بها فليحلبها، فإن رضي حلابها أمسكها، وإلا ردها ومعها صاع من تمر).
وفي رواية: (من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر).
стр. 1760
وفي رواية: (من اشترى شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام لا سمراء).
وفي رواية: (فإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر لا سمراء).
وفي رواية: (من اشترى من الغنم، يعني مصراة فهو بالخيار).
وفي رواية: (إذا ما اشترى أحدكم لقحة مصراة؛ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إما هي وإلا فليردها وصاعًا من تمر)].
* أصل التصرية: الحبس والإمساك، والمصراة: الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صري اللبن في ضرعها، أي حبس فلا يحلب أيامًا ليعظم ضرعها، فيظن المشتري أن ذلك منها كل يوم لا يتغير فيغتر بذلك، فيشتري، وهذا الفعل سبب (٥٤/ أ) لإثبات خيار الرد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل ﵃، خلافًا لأبي حنيفة ﵀، والحديث نص لا يمكن تأويله.
* وقد سبق الكلام في تلقي الركبان في مواضع.
стр. 1761
-٢٠٠٨ -
الحديث السبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، فيسأل الله شيئًَا إلا أعطاه إياه)، وأشار بيده- يقللها.
وفي رواية: (إن في الجمعة ساعة)، وقال بيده، قلنا: يقللها يزهدها).
وفي رواية مسدد: قال بيده، ووضع أثملته على بطن الوسطى والخنصر- قلنا: يزهدها.
وفي رواية: (إن في الجمعة لساعة، وهي ساعة خفيفة)].
* وقد اختلفت الأحاديث في هذه الساعة، وقد سبق في مسند أبي موسى أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة.
стр. 1762
وجاء في حديث جابر أنه قال: (التمسوها آخر الساعات بعد العصر). وفي حديث آخر: (إذا تدلى نصف عين الشمس للغروب).
قال أبو بكر الأثرم: فلا تخلو هذه الأحاديث من وجهين:
إما أن يكون بعضها أصح من بعض.
وإما أن تكون هذه الساعة تتنقل في الأوقات، كانتقال ليلة القدر في ليالي العشر.
-٢٠٠٩ -
الحديث الحادي والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (هل ترون قبلتي هاهنا؟، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري)].
стр. 1763
* هذه معجزة من معجزات نبينا ﷺ قد سبق ذكرها، وأنه كان يرى من وراء ظهره كما ينظر من بين (٥٤/ ب) يديه.
-٢٠١٠ -
الحديث الثاني والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهو يصلون، وأتيناهم وهم يصلون).
وفي رواية: (والملائكة يتعاقبون فيكم)].
* قد سبق أن الملائكة يجتمعون عند الفجر وعند المغرب، وشرحنا هذا فيما مضى.
стр. 1764
-٢٠١١ -
الحديث الثالث والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه يجوز أن يكون المراد بالغني: الذي عليه الدين، فلا يحل له المطل مع قدرته على الأداء. وقد يكون المراد بالغني: صاحب الدين، فيقول رسول الله ﷺ : إن مطلك إياه، وإن كان غنيًا عنه ظلم.
* وقوله: (من أحيل على مليء فليتبع) أي: ليحتل؛ وذلك أنه إذا أحيل صاحب الدين على ذمة قابلة للأداء لم يجز أن يمتنع من قبول الإحالة، وإن أشرف الذمم وأجلها أن يقول الله لعبده المظلوم في القيامة مظلمتك على أخيك هذا علي، فليس له أن يمتنع، لأنه إذا كانت الإحالة على مليء من أهل الدنيا تلزم قبولها، فكيف الإحالة على خالق الخلق .
стр. 1765
-٢٠١٢ -
الحديث الرابع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (٥٥/ أ) (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)].
* الإشارة بهذا الحديث إلى الإيثار، وأن ما يكتفي به الشخص يكفي شخصين.
* وفيه تنبيه على البلغة وقدر الكفاية.
-٢٠١٣ -
الحديث الخامس والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة) ,
وفي رواية: (لا نورث؛ ما تركناه صدقة)].
стр. 1766
* هذا الحديث قد سبق في أول الكتاب، وشرحناه شرحًا بليغًا، والحمد لله وحده.
-٢٠١٤ -
الحديث السادس والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (اختتن إبراهيم ﵇ بالقدوم). قال أبو الزناد: القدوم، مخفف، هو موضع)].
* قال أبو سليمان الخطابي: وكذلك القدوم الذي يعمل به خفيف أيضًا.
* وفي هذا الحديث الحث على الختان على اختلاف بين الناس في وجوبه.
-٢٠١٥ -
الحديث السابع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنوا لقاء العدو، فإذا
стр. 1767
لقيتموهم فاصبروا)].
* اعلم أن تمني لقاء العدو يتضمن الدعوى للصبر؛ فلهذا نهى عن تمني ذلك؛ لأنه ربما وكل المتمني إلى دعواه، ولأن الإنسان لا يعلم المصلحة في أي شيء هي، فأما إذا جرى القضاء بلقاء العدو، كان الصبر معينًا.
-٢٠١٦ -
الحديث الثامن والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة؛ لا يزن عند الله جناح (٥٥/ ب) بعوضة)، وقال: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾].
* اعلم أن أوزان القيامة إنما تثقل بالمعاني لا بالصور؛ فإذا كان صاحب جثة وليس فيه من معاني الإيمان ما يثقل الميزان لم يكن له وزن.
* وفي هذا الحديث أن السمن ليس مما يمدح به الرجل؛ لأنه من ممادح النسوان، فهو على نحو الحلية التي قال الله : ﴿أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾.
стр. 1768
-٢٠١٧ -
الحديث التاسع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لما قضى الله الخلق- وفي رواية- لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي).
وفي رواية: (لما قضى الله الخلق، كتب عنده- وفي رواية- لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب كتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي).
وفي رواية: (إن الله كتب كتابًا، قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش).
وفي رواية: (لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي)].
стр. 1769
* هذا الحديث يتضمن سعة رحمة الله، وكثرة فضله في حلمه قبل انتقامه، وعفوه قبل عقوبته، وذكر الكتاب تأكيد بالغ في معناه؛ لأن ما زاد تأكيده يثبت في كتاب.
* وفي هذا الحديث (٥٦/ أ) من الفقه أن رسول الله ﷺ أعلم أمته، أن الله تعالى كتب على نفسه، في كتاب شرف عنده، حتى لم يول خزنه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولم يرض في مكان خزنه إلا أن جعله فوق العرش؛ وذلك أن غضبه ﷻ لم تكن لتقوم له السموات والأرض لولا أنه غلبته رحمته، فدفع العظيم بالعظيم، وكان هذا مما لولا أنه سبق، كما قال سبحانه: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ وإلا فإنما كانت أحوال بني آدم تكون في كفة رجحان الغضب؛ لأنه سبحانه لما خلق آدم رافعًا له على الملائكة، وأسجد له الملائكة فسجدوا كلهم، فلما امتنع منهم واحد من أن يسجد لآدم لعنه وطرده وأوجب له النار، وقضى عليه بسخطه، وجعله عذرًا لكل عاص، ومنصرفًا للمذام إلى يوم القيامة، فكان من الحق أن بني آدم يكونون لهذا الشيطان وذريته على أشد عداوة، وأعظم إرغام؛ لأن الله سبحانه إنما لعنه وطرده فيهم، ولأجلهم، فلما اتبعوه إلا فريقًا منهم كان ذلك من موجبات الغضب، وقد قال سبحانه: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾.
وهذه الآية مما عد العلماء أنه يذاق منها حلاوة القرآن، ألا ترى إلى ما قد استحوذ عليه الشيطان من إغواء هذه البرية، حتى إذا نظر الناظر من بني آدم
стр. 1770
إلى ما قد اجتالت الشياطين من إخوته الذين هم صلب أبيه آدم، وكيف صدق عليهم إبليس ظنه (٥٦/ ب)، وصح فيهم حديث، وأنه أغوى من أغوى من الأمم الماضية والقرون الخالية، مذ عهد نوح ﵇ والأنبياء بعده، قرنًا بعد قرن، وجيلًا على أثر جيل، حتى لم يتخلص من أن يتابعه منهم إلا من اتبع المرسلين على قلة عددهم، بالإضافة إلى تبليغ الخلائق في كل وقت إلى أن انتهى الوقت إلى مبعث المصطفى محمد ﷺ ، فكيف أقام الحجة، وأوضح السبيل، وبصر من كل عمى، وهدى من كل ضلالة، وأبان من مكايد الشيطان ما لم يبق معه عدد لتابع غواية، وأنه على ذلك كان الذين اتبعوه وصحبوه، إلى أن توفاه الله ، وخلفه الهداة من أصحابه، المدة التي علم مقدارها.
ثم إن الشيطان أدب عقارب كيده، وأوقع من الفتن ما وقع من كل فتنة هي، وإن كانت قد وقتها وانطفأت في العيان شرها، فإن سمها ليعاذ كل لديغ بشيء من أنبائها إلى يوم القيامة، وإن وقتنا هذا من بني آدم؛ إذا فكر فيهم ذو اهتمام بأمر الكل، وأخو حزن من الحياء من موافقة الجنس فيما يسيء أدبه به بين يدي ربه ﷻ في قوله الذي أخبرنا الله سبحانه به عنه؛ إذ يقول: ﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا﴾، فكيف لا يجد المؤمن من هذه الوصمة خلاصًا لغمة إخوته من بني آدم عن مرارة عارها وشنارها، إذا نظرنا إلى ما عليه أهل الأطراف في أكناف الدنيا من مخالفة الأوامر؛ وارتكاب المناهي، ثم دنى
стр. 1771
عن أولئك البعداء إلى أهل القرى والمدن، فنظر إلى ما فيه أهل القرى من اطراح أمر الدين، والإضراب عن التفقه والعلم، (٥٧/ أ) وما عليه أهل المدن من تطفيف المكاييل، ونقص الموازين، واطراح أمر الشرع في العقود والبياعات، وأكل الربا، والمرخص في النجاسات والاستخفاف بأمرها، والتظالم بين الخلطاء، والغل والغش إلى ألا يكاد يرضى منهم عن أحد إلا من انقطع إلى العلم؛ أو عزفت نفسه عن هذه الدنيا.
ثم إنه يسوءه فيهم ما يرى عليه أهل العلم من التنافس والذم، ذم بعضهم بعضًا، والطعن من كل منهم فيمن يخالفه، وتنافس أهل الانقطاع منهم أيضًا في أشياء تفصح عن مقاصدهم فيها، عزيز على المؤمن أن يراهم أو يجدهم عندها من كل حال يشمت بها إبليس، فيرى المؤمن أنه لولا أن الله سبقت رحمته غضبه، وغلب عفوه عقوبته؛ لكان أن يخسف الأرض بمن عليها من بني آدم، ويضرمها بهم نارًا، غير جور منه سبحانه، ولا حيف، لكن لما سبقت رحمته غضبه في كتاب كتبه على نفسه، لما علم ﷻ أن ذلك لا يكون منهم إذا خلقهم.
ثم إنه خلقهم على علمه بهم، فهو يرعى فيهم سوابق اختياره، ويلاحظ منهم مواضع آثاره، وأنهم على ما كان منهم؛ فإنهم بأقرانهم شهود خلقه لهم، وفعله فيهم، وأن منهم المخلصين له، والمجاهدين فيه، والمؤثرين سبحانه بأرواحهم، والمنفقين فيه حياتهم، فيكون أولئك حماة لجنسهم، وأمانًا لسائر بني أبيهم، ممن يرتضي الله إن شاء الله تعالى.
стр. 1772
-٢٠١٨ -
(٥٧/ ب) الحديث الثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا، تجدون من خير الناس، أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه).
وفي رواية: (تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشد كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).
وفي رواية: (أن شر الناس ذو الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه).
وفي رواية: (تجدون من أشر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).
وفي رواية: (تجدون من خير الناس في الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه)].
* قوله: (الناس تبع لقريش)، فيه تفضيل قريش على سائر العرب، وتقديمهم في الإمامة والإمارة.
стр. 1773
* وقوله: (في هذا الشأن)؛ يعني الإمارة.
* وقوله: (وكافرهم تبع لكافرهم)؛ حكاية للحال التي كانت في الجاهلية.
* وقوله: (الناس معادن)؛ قد سبق قبل أحاديث يسيرة في هذا المسند.
* وقوله: (تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن)؛ يعني الإمارة، وإنما يكرهها المؤمن من حيث الحذر على دينه؛ فإذا وقع فيها يشتهي العزل، ولذلك قال بعض الصحابة لعمر ﵁: ما سرتني الولاية؛ ولقد ساءني العزل.
(٥٨/ أ) وقال الخطابي: معنى الكلام: إذا وقعوا فيها لم يجز أن يكرهوها؛ لأنهم إذا كان قيامهم بها عن كره ضيعوا حقوقها، فليقبلوا عليها وليجتهدوا فيها.
* وقوله: (تجدون من شر الناس ذا الوجهين)، وهذا هو المنافق، وقد شرحنا معنى هذا الحديث في مسند ابن عمر.
-٢٠١٩ -
الحديث الحادي والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح).
стр. 1774
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون، وقال: لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح).
وفي رواية: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند سهل بن سعد، وشرحناه هنالك.
-٢٠٢٠ -
الحديث الثاني والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك)، زاد أبو بكر بن أبي شيبة في روايته: (لا مالك إلا الله).
قال الأشعثي: قال سفيان: مثل شاهان شاه.
وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو عن أخنع؟ قال: أوضع.
стр. 1775
وفي رواية: (أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك).
وفي رواية لمسلم: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه، رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ].
وقد ذكرنا عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: عن أبي عمرو: أخنع بمعنى أوضع، وقد قال أبو عبيد: أشد الأسماء ذلًا وأوضعها: الخانع الذليل (٥٨/ ب) الخاضع. قال أبو عبيد: وقد روي: (أخنع)، ومعناه: أقتل الأسماء وأهلكها. والنخع: هو القتل الشديد.
وأما أخنى ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون من الخنا في الكلام وهو الفاحش، فيكون المعنى: أفحش الأسماء وأبشعها.
والثاني: بمعنى الهلاك، يقال: أخنى عليهم الدهر.
والثالث: بمعنى الفساد، يقال: أخنيت عليهم، أي أفسدت.
-٢٠٢١ -
الحديث الثالث والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : أعددت
стр. 1776
لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرًا، بله ما أطعكم عليه)، ثم قرأ: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾.
* وفي رواية أبي معاوية: ﴿من قرأت أعين﴾.
* وفي رواية: (بله ما أطلعكم الله عليه)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لما كانت الدنيا دار ضيق وحرج، وكانت الآخرة دار إكرام الله تعالى لأوليائه، ومستقرًا لمن رضي عنه، أعد لهم الله فيها ما لم تر عين، وما لم تسمع أذن، ولا خطر على قلب بشر، صونًا لعطائه في الآخرة، وعن أن يوصف على جهته، فلا تصدقه النفوس لعظمته؛ لأن هذه الأعين ضيقة، وهذه النفوس نشأت في محل صغير، فإذا حدثت بما يتجاوز مقدار عقولها أو مبلغ إحساسها، مما ليس عندها أصل تقيسه عليه إلا ما تشاهده وتراه وتألفه، عجلت إلى الارتياب فيه، وسارعت إلى الشك في الخبر عنه؛ فلذلك أرى أن الله قال: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾.
стр. 1777
وعلى أن مما أخبرنا به عن ذلك المقر الذي هذا الحديث يدل على (٥٩/ أ) أنه أخفى أضعاف ما أظهر نفاسة وشرفًا، أن منه أن يأتي الولي في الجنة ملك من عند ربه ، فيقول لبعض خول الولي وحشمه: إني رسول الله من عند الله إني الملك، فاستأذنوا عليه، فيقولون له: وأين أنت من الملك الآن؟ فلا يخبره بحضوره إلا شجرة تكلم شجرة حتى يتصل ذلك إليه، فيقول: ائذنوا لرسول ربي، فيدخل إليه الملك، فيسلم عليه، ويحمل له من عند ربه تحفة في تفاحة، إذا أخذها، انصدعت عن جارية مكتوب بين عينيها: من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت، وإن مما أظهر أن الله سبحانه يقول لأهل الجنة إذا رأوه، خلعت عليكم أن تقولوا للأشياء: كوني فتكون، فما الظن بما وراء هذا؟.
* وقوله: (بله ما أطلعكم عليه) أي: سوى ما أطلعكم عليه.
وقال أبو عبيد: دع ما أطلعكم عليه.
-٢٠٢٢ -
الحديث الرابع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدًا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر، يحب الوتر).
وفي رواية: (من أحصاها).
وفي رواية: (إن لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة).
стр. 1778
وفي رواية: (إنه وتر يحب الوتر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن أسماء الله تعالى دالة على صفاته، فمن أحصاها دخل الجنة. واختلفوا في معنى (أحصاها)، فقيل: حفظها، كما روي في بعض الألفاظ، وقيل: عدها، وهذه الأسماء إذا حفظها أو عدها وفهم معانيها، وكان من العلماء بالله سبحانه فإياه الخير من قبل ذلك.
* فأما كونها تسعة وتسعين اسمًا: فإن التسعة (٥٩/ ب) نهاية الآحاد، والتسعين نهاية العشرات، وليس وراء هذين عدد يشير بنطقه المنفرد إلى أكثر من ذلك، والتسعة والتسعون وتر، والله يحب الوتر، من أجل أنه يذكر ربه سبحانه ويشعر به هذا الذاكر، أن ربه ﷻ مستغن منفرد غير محتاج إلى غيره ﷻ .
* فمن ذلك: أن من أسمائه: الله، وهذا اسم علم لم يتسم به غيره ﷻ . وقال أهل العربية فيه أقوالًا، رأيت أن مجموع معانيها في النطق الذي يخلص عن سوء الأدب فيها: هو أن يقال: إن الله اسم يستنبط منه استحقاقه العبودية، وأنه محبوب القلوب التي لا تزال تتوله إليه، وأنه الرفيع والمعبود، فسمى الله سبحانه نفسه هذا الاسم الذي يتجلى عن هذه المعاني كلها، قبل أن يخلق خلقه، وقبل أن ينطق بشر اللسان العربي،
стр. 1779
لعلمه سبحانه أنه سيخلق بشرًا منهم العرب؛ الذي ينتهى الأمر إليهم. وتقوم الساعة عليهم، فيستدلون من لغتهم على معاني هذا الاسم العظيم.
* ولا أرى أن أقول كما تقول النحاة من أن هذا كان أوله إله نكره، ثم كثر استعماله، فعرف بالألف واللام، فصار الإله ثم فخمت اللامان فصار الله؛ لأن الله اسم قديم قبل خلق الخلق؛ بل إن هذه المعاني تستنبط منه، وتستفاد عنه.
وهذا الاسم فهو الذي كان يقول الشيخ محمد بن يحيى ﵀ أنه هو المراد بقوله: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ معنى هذا الاسم، وذكر له خصائص فمنها: إنه لا يثنى، ولا يجمع، ولا تلحق اليا من الأسماء الحسنى إلا له، ولا الميم في النداء، إلا إياه، إلى غير ذلك من الخصائص.
* وأما الرحمن: فهو الذي عظمت رحمته.
* والرحيم: أرق من (٦٠/ أ) الرحمن وأبلغ في اللطف، كما أن الرحمن أبلغ في الكثرة.
* والرب: المالك، ولا يطلق الرب إلا على الله ؛ فأما إذا ذكر لغيره، ذكر مقيدًا؛ كقولهم: رب الدار.
* وأما الملك: فهو المالك المتصرف بمقتضى سلطانه.
* وأما القدوس: فهو المتنزه عن كل نقص.
* والسلام: السالم من كل عيب.
стр. 1780
* والمؤمن: الذي يصدق ما وعد.
* والمهيمن: أصله المؤتمن.
* والعزيز: المنيع.
* والجبار: فعال من الجبر أي يجبر الكسر.
* والمتكبر: المستحق للتعظيم، وهذه تاء التفرد لا تاء التعاطي والتكلف.
* الخالق: الفاطر المبتدئ.
* والمصور: مرتب الأشكال والصور.
* والحليم: الذي لا يعجل.
* والعليم: فعيل من العلم، بمعنى عالم.
* والسميع: فعيل من السمع، بمعنى سامع.
* وكذلك البصير.
* والحي: الدائم الحياة.
* والقيوم: فعول من القيام بالقسط للمبالغة.
* والواسع: الغني، على أنه واسع العفو والغفران.
* واللطيف: الرفيق بخلقه، وهو المحيط بكل دقيق من الأمور، كما يحيط بكل جليل.
* والخبير: المطلع على دقائق الأمور.
* والحنان: الذي يحنو على عباده.
стр. 1781
* والمنان: الذي يتابع عطاياه.
* والبديع: المبتدع.
* والودود: الذي كلما قوطع وصل، وكلما عصي رزق.
* والغفور: من الغفران.
* والشكور: فعول من الشكر.
* والمجيد: فعيل من ماجد للمبالغة.
* والمبتدئ: المنشئ لكل خلق.
* والمعيد: لكل ميت؛ ولكل خير بدأ به.
* والنور: لأنه نور كل موجود؛ فمن ذلك أن حقه ودينه وشرعه، كل ذلك ليس في شيء منه خفاء ولا إشكال.
* والبادي: هو الظاهر لخلقه من آثاره في صنائعه.
* والأول: هو السابق لكل أول.
* والأكرم: الأفعل من (٦٠/ ب) الكرم.
* والرؤوف: فعول من الرأفة.
* والمدبر: هو المنفرد بتدبيره في عباده وأرضه وسمائه.
* والمالك: هو الذي يملك كل شيء مالك وما يملك ذلك المالك.
* والقاهر: الذي يقهر كل جبار وعات ومعاند.
* والهادي: فهو الذي يهدي كل ضال.
стр. 1782
* والشاكر: فهو سبحانه يشكر على ما هو المنعم به.
* والكريم: الجواد، والكريم: العزيز.
* والرفيع: هو المرتفع عن كل دناءة.
* والشهيد: فهو الذي لا يغيب، ولا يغيب عنه شيء.
* ذو المعارج: إنه سبحانه تعرج إليه أعمال بني آدم.
* ذو الفضل: ذو الخير الدائم المعروف بالفضل.
* والخلاق: فعال من الخلق، للتكثير.
* والكفيل: هو الذي تكفل بكل ضائع، وبكل ما وعد على لسان رسله.
* والجميل: هو الجميل الصنع، جميل الستر، جميل الصفح، جميل الأخذ، جميل الذكر جميل العادة.
* فهذا تفسير الأسماء على الاختصار.
-٢٠٢٣ -
الحديث الخامس والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: خرج النبي ﷺ في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: (أثم لكع)، فحسبته شيئًا، فظننت أنها تلبسه سخابًا أو تغسله، فجاء يشتد حتى عانقه، وقبله، يعني قال: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه).
وفي رواية: أن أبا هريرة، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سوق من أسواق المدينة، فانصرف وانصرفت، فقال: (أي لكع)، ثلاثًا، ادع الحسن
стр. 1783
ابن علي، فقام الحسن بن علي يمشي في عنقه السخاب، فقال النبي (٦١/ أ) ﷺ بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه، وقال: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه). قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعدما قال رسول الله ﷺ ما قال].
* في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (أثم لكع) يعني باللكع: الصغير.
قال أبو سليمان الخطابي: اللكع يقال على وجهين: أحدهما، الاستصغار، والثاني: الذم. والذي أراده الرسول ﷺ للاستصغار. والسخاب: قلادة يتخذ خرزها من الطيب من غير ذهب ولا فضة.
* وقوله في الحسن: (اللهم إني أحبه)، إنما اشتد حبه له؛ لأن الله تعالى أصلح به بين أمته، فصان به دماءها، وأصلح به دهماءها.
* وقوله: (فأحبه)، الذي أرى فيه أنه إشارة من رسول الله ﷺ إلى ربه جل وعز أني أحبه يا رب يكون مصلحًا بين أمتي، تاركًا الأمر لمن يجوز أن يتركه له، راغبًا بذلك عن أن يسفك دم أو تزل بعد الثبوت قدم، (وأحب من يحبه) أي؛ حينئذ فإنه لا يحبه إلا مريد.
стр. 1784
* وفيه أيضًا: استحباب لطف الرجل بولده، ورفقه به، ومد يده إليه حتى يعتنقه الصبي.
* وفيه أيضًا: أن هذه قد كانت عادة لرسول الله ﷺ حتى قد ألفها الصبي منه.
* وفيه أن الحسن من أهل الجنة؛ لأنه أخبرنا بأنه يحبه، وسأل ربه ﷻ أن يحبه، وأن يحب كل من يحبه، وهذه الحال تكون للملوك من أهل الجنة، وأن الحسن بن علي (٦١/ ب) ﵁ لهنالك.
* وفي الحديث دليل على أن كل من أحب الحسن بن علي ﵁ من هذه الأمة إلى يوم القيامة؛ فإنه تشمله دعوة رسول الله ﷺ بأن الله تعالى يحبه.
* وفيه أيضًا من مفهوم الخطاب أن الله يبغض من يبغضه.
* وفيه أيضًا جواز أن يلبس الصبي السخاب، وهو القلادة.
-٢٠٢٤ -
الحديث السادس والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له؛ فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى) فسكت، ثم قال: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه
стр. 1785
رأسه وجسده).
وليس فيه عند مسلم ذكر الغسل.
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له؛ فالناس لنا فيه تبع؛ اليهود غدًا، والنصارى بعد غد).
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة؛ بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتب الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد)؛ ولم يذكر الغسل.
وفي رواية: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا).
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يقوم القيامة (٦٢/ أ) بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد).
وفي رواية عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم
стр. 1786
القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق).
وفي رواية: (المقضي بينهم)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند حذيفة، وسبق بيان تفضيل هذه الأمة أيضًا في مسند ابن مسعود على أنا نشير إليه هاهنا، فنقول: المعنى: نحن الآخرون في الزمان، السابقون في دخول الجنة.
* وقوله: (بيد أنهم). قال أبو عبيد: غير أنهم، وعلى أنهم، ويقال ميد بالميم، والميم تدخل على الباء، نحو قولهم: أغمطت الحمى، وأغبطت، وسبد رأسه وسمده.
* وقوله: (فهذا يومهم)، يعني الذي فرض تعليمه والتعبد فيه.
* وقوله: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام)، لا يخلو هذا من أمرين: إما أن يكون على وجه الوجوب، وذلك منسوخ بما قدمنا بيانه، أو أن يكون على وجه الندب، فهو باق على الندب.
стр. 1787
-٢٠٢٥ -
الحديث السابع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما (٦٢/ ب) جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة بمكانها) - قال: رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه: (فلو رأيته: يوسعها ولا توسع).
وفي رواية: فسمع النبي ﷺ يقول: (فيجتهد أن يوسعها، ولا تتسع).
وفي رواية: (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجل عليه جنتان أو جبتان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ ضربه مثلًا للبخيل والمتصدق، في أن البخيل كلما قبض يده، ضيق الله عليه، وملأ قلبه خوفًا من الفقر، ويأسًا من الخلف، وأن المتصدق كلما بسط يده بالخير، بسط الله عليه فضله
стр. 1788
حتى يخلف عليه أضعاف ما ينفق.
وقوله: (جبتان أو جنتان)؛ فإنه مثل شديد الموقع في موضعه؛ من حيث أنهما للمتصدق جنة من كل سوء، تقيه الآفات، وتحول بينه وبين مصارع السوء، وتصفو عليه حتى تغطي أنامله، وتعفو آثاره، فلا يترك منه جزءًا إلا كانت حائلة بينه وبين ما يكره.
ومثل البخيل كمثل من كانت له جنة ممكنة أن يتعرض لأن يضيقها الله عليه، ويستره بها، فقبض الله جبته حتى حصلت عند ثدييه منحسرة عن مقابله، وكانت في عنقه غلًا عليه، وثقلًا معلقًا في رقبته، يحرص حتى يوسعها، وهي لا تتسع عليه، والجنة كلما استترت به، وتعفي أثره أي: تمحو، وتقلصت: اجتمعت. والتراقي: جمع ترقوة، وللإنسان ترقوتان، وهما العظمان المشرفان (٦٣/ أ) في أعلى الصدر.
-٢٠٢٦ -
الحديث الثامن والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)].
стр. 1789
* قال الخطابي: هذا الحشر قبل يوم القيامة، تحشر الناس أحياء إلى الشام. فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور، فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل، بل يحشرون حفاة عراة، كما سبق في حديث ابن عباس.
قال يحيى بن محمد ﵀: ويحتمل أن يشار بهذا إلى حشر يوم القيامة؛ أي أن القوم يحشرون يوم القيامة متفاوتي الأحوال، (راغبين)؛ وهو منصوب على الحال، أي الذين سبقت لهم البشرى، فهم يذهبون في حال رغبة وطمع، و (راهبين) حال أيضًا؛ وذلك لأنه سبق إليهم المنذرون بالمخاوف فيردون القيامة راغبين وراهبين، ويكون أعمال بعضهم مقصرة، فلا يفرد على بعير، وقوله: (عشرة على بعير)، وهذا لا يمكن إلا أن يتعلق بعضهم ببعض، ثم يبقى أقوام ليس لهم ما يحملهم، فتحملهم النار، فتسير بهم على قدر طاقتهم في منازلهم ومقادير السير فيها؛ إذ ليس هناك ليل ولا نهار. إنما ذلك على تقدير ما كانوا عليه في أسفار الدنيا.
* وفيه ما يدل على أن الدواب تحشر، ومنها الإبل، قال الله تعالى (٦٣/ ب) ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾.
стр. 1790
-٢٠٢٧ -
الحديث التاسع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، وله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر)، فقال رسول الله ﷺ : (فلو كنت ثم لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر).
وفي رواية عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها) فذكر بمعناه].
* هذا الحديث قد ذكر فيه على بن عقيل كلامًا لم أرضه له، ولم أرضه لنفسي أن أترك الرد عليه، فإنه قال فيه قولًا يشير به إلى تخطئة موسى، وإلى خطأ ملك الموت، كيف لم يطرح موسى ميتًا، ولا يعود إلى ربه شاكيًا؟، ثم خلط القول إلى داخل التدبير الإلهي برأيه القليل، وسبب ذلك أنه ضاق فطنته عن فهم الحديث، فحمله على أفظع محمل؛ فلم يكن في
следующие страницы →