Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
فهذه الثانية والأربعون.
* وروينا عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)، فهذا الحديث خصلة واحدة، وهو العي، فهي الثالثة والأربعون، والحياء قد تقدم ذكره.
* وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان)، قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾)، فهذه الرابعة والأربعون.
* وروينا عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل المؤمنين توادهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى شيء منه، تداعى سائره بالسهر والحمى).
* وروينا عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)، فهذه السادسة والأربعون.
* وقد روينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن يألف، ولا خير
стр. 1822
فيمن لا يألف ولا يؤلف)، فهذه السابعة (٧٥/ ب) والأربعون.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من تمام إيمان العبد أن يستثني في كل حديثه) فهذه الثامنة والأربعون.
* وروينا عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)، فهذه التاسعة والأربعون.
* وروينا عن أبي قلابة عن رجل من أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (أسلم تسلم، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، وأن تهجر السوء) في حديث طويل، ففيه خصلتان: الخمسون والحادية والخمسون.
* وروينا عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل المؤمن مثل السنبلة، تميل أحيانًا، وتقوم أحيانًا) فهذه الثانية والخمسون.
* وروينا عن علي- ﵇ أنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة،
стр. 1823
لعهد إلي نبي الله ﷺ أنه: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) فهذه الثالثة والخمسون.
* وروينا عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (إن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان) فهذه الرابعة والخمسون.
* وروينا عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن من وجوه ناس من أصحابك من وقائع أوقعنا فيهم، فقال رسول الله ﷺ (قد فعلوا؟) قال: نعم. قال: (ما هم ليؤمنوا حتى يحبونكم لله ولرسوله ...) الحديث بطوله، فهذه الخامسة والخمسون، والسادسة والخمسون، والسابعة والخمسون، والثامنة والخمسون، والتاسعة (٧٦/ أ) والخمسون؛ الخصال الأربع كلها في حديث.
* روينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه ذكر خصالا تقدمت ثم قال: (والأمر
стр. 1824
بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على المرء إذا مررت بهم).
* والخصلة الستون في حديث طويل رويناه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (والطهور شطر الإيمان).
* وروينا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنك لن تجد طعم الإيمان حتى تكون كذلك، ولن تنال ولاية الله إلا بذلك ثم قرأ: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ وقرأ ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ...﴾ الآية. فهذه الخصلة الحادية والستون.
* وروينا عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يستكمل العبد الإيمان حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه) فحسن الخلق قد تقدم ذكره، وإنما الخصلة الثانية والستون هي ألا يشفي غيظه.
стр. 1825
* وروينا عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ : (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)، فهذه الثالثة والستون.
* وروينا عن ابن عباس قال: (لا يصيب عبد- أو قال: رجل- حقيقة الإيمان، حتى يرى الناس كلهم حمقى في دينهم)، فهذه الرابعة والستون.
* وروينا عن عبد الله بن مسعود في حديث طويل عنه (٧٦/ ب): (واستكثر من قول: سبحان الله، والحمد لله) في حديث ذكر فيه الإيمان وخصاله، فهذه الخامسة والستون.
* وروينا عن أبي الدرداء أنه قال: (ذروة الإيمان أربع: الصبر بالحكم، والرضا بالذكر، وإخلاص التوكل، والاستسلام للرب)، فهذه خصال أربعة هي: السادسة والستون، والسابعة والستون، والثامنة والستون، والتاسعة والستون.
* وروينا عن عمار بن ياسر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من استكملهن فقد استكمل الإيمان: الإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار،
стр. 1826
وبذل السلام للعالم) فهذه خصال ثلاثة هي السبعون والحادي والسبعون، والثاني والسبعون.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من حبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بموعد الله، كان شبعه وبوله، وروثه، حسنات في ميزانه يوم القيامة)، وهذه الخصلة الثالثة والسبعون، فقد تمت بهذه الخصلة ثلاثًَا وسبعين كما ذكرها المصطفى ﷺ في حديث أبي هريرة: إنها بضع وسبعون، وإنما ذكرنا هذا التفصيل على حسب ما وقع إلينا، وتأدى بالرواية إلينا.
ونحن الآن بعون الله وحسن توفيقه نذكر الخصال المذكورة خصلة خصلة، ونشير إلى كل منها، بما وفقنا الله لإيراده، وأنطقنا به، وما توفيقنا إلا بالله سبحانه.
* فأولها: قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهذه أصل الأصول، والعماد التي تقوم به الأشياء، وعليه يبنى، وقد عمل شيخنا محمد بن يحيى ﵀ في (لا إله إلا الله) خمسين بابًا، منها أربعة وعشرون (٧٧/ أ) في إعرابها، وستة وعشرون في ديانتها، فهي التي تنبني عليها الأركان، وهي العروة الوثقى لا انفصام لها، وأما محمد رسول الله ﷺ عن إيمان قائلها، بأن محمدًا رسول الله ﷺ إلى خلقه، وأنه ﷺ رسول ربه، فلا يقال فيه ما قالت النصارى في عيسى مما لم يكن له
стр. 1827
بحق؛ بل هو رسول الله ﷺ وبعده، بلغ ما أرسله به، وشرع ما أمره بشرعه مصدقًا فيه للأنبياء قبله.
* الخصلة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.
والإيمان بالله سبحانه هو معتمد هذه الخصال كلها، وقاعدة الباب بأسره، وإنما جاء هكذا؛ لأنه ينبني عليه ما بعده من الإيمان: بكتب الله ورسله وملائكته حتى تكون الهاء في كتبه ورسله، راجعة إليه ، وهي من الفروض التي يجب اعتقادها في جميع الأوقات والأحوال، لا تتخصص بزمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل هي الأس الذي تزكو الأعمال به، وتصح بوجوده، وتبطل بعدمه، فهو الأصل الذي تقع المحافظة عليه، وتحديده، والنظر في أدلته وبراهينه أبدًا.
* وأما قوله: وبملائكته، فإنه لما كان من إيمان المؤمن أن يؤمن بما أخبره الله به على لسان رسوله ﷺ ، أنه مع كل آدمي ملكان: ملك يمين وملك شمال، وكذلك يؤمن بملائكة العذاب، وملائكة الرحمة، وملائكة الجنان، وملائكة النيران، وبالسفرة الكرام البررة، وبالصافين المسبحين، وملائكة السموات والأرضين الذين ذكروا في (٧٧/ ب) القرآن والأخبار الثابتة عن الرسول ﷺ ، فيجب عليه أن يؤمن بالملائكة وإن لم ترهم عينه، فإنه إنما يرى بعينه ما أراه الله إياه، ويؤمن أن جبريل كان ينزل إلى النبي ﷺ بالوحي، وإن الملائكة نزلوا يوم بدر، وقاتلوا، ويؤمن بكل ما جاءت به الأحاديث الصحاح في ذلك، وأن جبريل طلب من النبي ﷺ أن يسلم على عائشة، فقال لها النبي ﷺ : (يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام). قالت: وعليه السلام
стр. 1828
ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى.
* ولقد قلت يومًا لرجل كان عندي أن عن يمينك وشمالك ملكين لله، وإن لم ترهما، فلا تستبعد ذلك من أجل أنك لا تراهما بعينك، فهل ترى ظل شخصك هاهنا عندي في الظل. فقال: لا. فقلت له: اخرج إلى الشمس؛ فإنك ترى ظل شخصك. المعنى في ذلك: أنه إنما منع الإنسان من أن يرى ملائكة ربه ظلمته، ولو قد أضاءت له شمس البصيرة، لرآهم بإذن الله، كما أن ذلك الشخص لم ير ظل نفسه ف الظلمة، فلما غشيه نور الشمس رأى ذلك.
* وكنت مرة أصلي على النبي ﷺ وعيناي منطبقتان، فرأيت من وراء جفني كاتبًا يكتب بمداد أسود في قرطاس أبيض صلاتي على النبي ﷺ ، وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس، ففتحت عيني لأنظره بحاسة بصري، فرأيته وقد توارى عن يميني حتى رأيت بياض ثوبه، وقد أشرت إلى هذا فيما قبل في موضع اقتضاه في كتابنا، ورأيت أن الله إنما أراني ذلك في صلاتي على النبي ﷺ ليثبت عندي صحة الإسلام (٧٨/ أ) فكان الإيمان بملائكة الله من أركان الإيمان.
* وأما قوله: وكتبه، فأن تؤمن بكتب الله المنزلة على رسله، المتضمنة للشرع والتحليل والتحريم، والقضايا والأحكام، والحظر والإباحة، وقسمة المواريث وتنزيل أهل الجنة والنار، وأخبار الأمم الماضية، وما يكون بعد الموت. فيكون
стр. 1829
الإيمان بكتب الله سبحانه لا بكتب الأوائل، وقد تكون الكتب أيضًا كتب الأعمال، والإيمان بأن ما يعمله الإنسان من عمل، فإنه يكتب عليه، وأن كل مؤمن يعمل عملًا صالحًا، فإنه يكتب ولا يضاع، وأن كل من يعمل سيئًا؛ فإنه يكتب عليه ولا يهمل، ويكون أيضًا في كتبه أنه في كتب الأقدار، وأن الأشياء مكتوبة مقدرة، سبق بها القلم، وأنها كتبت ونفدت ومضت.
* فأما قوله: (ورسله)، فأن يؤمن بأن المرسلين كلهم رسل الله، وأن دينهم واحد، وإن كانت أمهاتهم شتى، وأنه يتعين على كل مؤمن أن يؤمن برسل الله كلهم إلى خلقه، وأن يؤمن برسل الله وملائكته إلى رسله وأنبيائه.
* الخصلة السادسة: الإيمان بعد الموت بالبعث.
وهذا فإنه يقتضي من كل مؤمن به، أن يكون عمله على مقتضى إيمانه، وأنه كما يموت، فإنه يبعث.
وهذه الخصلة فهي القرحة التي تغلب في صدور المشركين، فيها كفر من كفر من المغضوب عليه والضالين، ولذلك كرر الله سبحانه الدلائل عليها، وكثر البراهين فيها، حتى إنه جعل نصف زمان الآدمي على التقريب موتًا، ونصفه بعثًا؛ ليكون مستدلًا بنومه على موته، وبيقظته على بعثه عند ممسى كل يوم ومصبحه، وإقبال كل ليل وانقضائه، فهذا بعث بعد موت يراه الآدمي في كل ليلة ويوم.
ثم جعل له (٧٨/ ب) سبحانه بعثًا آخر في كل شهر، وهو أنه لما قدر على القمر ما قدر حتى أعاده كالعرجون القديم حتى تلاشى واضمحل وغاب، ثم إنه بعثه حتى استوى وعاد إلى إبداره؛ لينظر الخلائق أنه بعثه بعد ذهابه، واطلع عليهم بعد مغيبه.
ثم إنه جعل بعثًا آخر في كل عام، وهو أنه سبحانه وتعالى
стр. 1830
إذا ألبس الأرض كسوتها، وازينت في حللها، وأندب ثمارها من أكمامها، وأوجدت عجائب صنع الله ما بين ألوانها وطعومها وأراييحها ذائعا لها حتى إذا أنس من أربابها، وتوهموا استمرار دوامها، سلط عليها من انقضاء آجالها، ونفض أوراقها، واقشعرارها وذهابها، حتى تبدلت الأرض من خضرتها بالغبرة، وتعرت القضبان من أوراقها بالتجريد عنها فيما تدركه المشاهدة، أرسل عليها سبحانه من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وكانت على حالة من يبعث بعد موته.
فهذا بعث في كل يوم وليلة، وهذا بعث في كل شهر، وهذا بعث في كل عام.
* ولقد كنت يومًا جالسًا بالديوان، فحضر عندي قارئ فقرأ سورة الدخان من أولها إلى آخرها، وكان يحضر في جماعة، فيهم من كنت ربما ارتبت بحاله في دينه، فلما أتى القارئ على قوله سبحانه: ﴿إن هؤلاء ليقولون (٣٤) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (٣٥) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (٣٦) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (٣٧) وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ لمحت من القوم أو خفت أن يعرض عليهم ظن غير صالح من كونهم إن الجواب الذي أجيبوا به عن قولهم: ﴿فأتوا بآبائنا (٧٩/ أ) إن كنتم صادقين﴾ من قوله سبحانه: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ إن هذا ليس بالجواب المقنع، فقلت لهم في الحال: لا تظنوا أن الله سبحانه إذا ذكر لنا شبهة خصم ثم أتبعها بجواب منه سبحانه، إلا أن جوابه سبحانه هو الجواب المقنع الكافي المغني؛ لأن الله سبحانه أنزل كتابه هاديًا مرشدًا.
стр. 1831
ثم ذكرت لهم في ذلك بيانًا حررته بعد ذلك، وأوسعت القول لحواشيه، وأنا ذاكره، وهو أنه ذكر لي عن أبي الحسن علي بن عيسى الرماني أنه قال في هذه الآية: إن الله سبحانه حكى لنا سؤال الكفار على فساده فقلت أنا من عندي: إنما حكى الله لنا سؤال الكفار على فساده ليعلمنا وجه القول لجواب السؤال الفاسد، ثم قلت: فما الذي في هذا السؤال من الفساد؟ فنظرت فإذا هو فاسد كما قال، وهو أنهم قالوا: ﴿ما نحن بمنشرين﴾ ثم قالوا: ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ فادعوا دعوى ثم طلبوا الدليل من غيرهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ما نحن بمنشرين﴾ وهذه دعوى منهم، فعليهم البينة، أن يقيموها، إنهم ليسوا بمنشرين، فقالوا للمرسلين: (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾، ولم يحكوا هاهنا عن المرسلين قولًا يعطفون هذا الكلام عليه، فكأنهم إذا أرادوا أن يقولوا: (ما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنا كاذبين) فلم يوفقوا لذلك فانفسد سؤالهم به، فقد بان فساد سؤالهم به، فقد بان فساد سؤالهم إذًا.
فلو جاز أن يسوى لسائل فاسد السؤال سؤاله، ويقال: إن معنى هذا أنكم يا معشر المرسلين (٧٩/ ب) تزعمون أنا نبعث بعد الموت ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾؛ إذ قد عرف ذلك من مذهبكم فيقال: إن إجابة السؤال غير لازمة إلا إنا لو سويناه لهم فالجواب عنه: إن الذي التمسوه دليلًا في المسألة، إنما هو
стр. 1832
لجهلكم الذي تعالى جلال الله أن يرضى أن يحتج لحقه مثله، فإنه لو قد أنشر أبا السائلين كان ذلك في زمان رسول الله ﷺ لم يكن ذلك دليلًا على البعث بعد الموت إلا من حيث إحياء الجنس، وليس من ضرورة إحياء زيد أن يحيا عمرو.
فيقال للسائلين في هذا: تبًا لعقولكم، فإنكم أنتم كل منكم قد أوجد بعد العدم، وسيحيا بعد الموت، وأنتم لا تصدقون بذلك، فكيف تصدقون به إذا رأيتموه بغيركم، وأنتم الأدلاء في هذه المسألة على أنفسكم، وكل مخلوق فهو دليل في هذه المسألة على نفسه، وشاهد فيها بجملته وأجزائه، فكيف يرجى لمن لا يؤمن بذلك مع شهادة نفسه به، أن يؤمن به مع شهادة غيره؟!
* وفيه أيضًا وجه آخر، وهو أنه إذا أحيي لكم آباؤكم مع قريش، فماذا يكون فيه من الحجة على باقي الخلق إلى يوم القيامة؟؛ لأنه لا يعود إلا خبرًا لمن يأتي بعدكم، يجوز عليه ما يجوز على الخبر، وكيف يكون حجة على من تقدمكم من لدن آدم إلى زمانكم؟، وهل كان يزيد على أنهم إذا طلبوا الحجة على البعث أنه كان يقال لهم: سيأتي في آخر الزمان نبي يطلب منه قومه الحجة على البعث، فيحيي لهم آباءهم، فيكون وعدًا يدخل عليه ما يدخل على الوعد؟، اللهم إلا أن يحيا لكل مخلوق في هذه الدنيا أبوه مع (٨٠/ أ) أن كل واحد يجوز أن يكون أبًا لولده، فكانت تكون هذه الدار، هي دار البعث، ولا تكون دار أخرى تحتاج إلى الإيمان بها، ويبطل الإيمان بالغيب في ذلك كله، فصار هذا أيضًا فاسدًا من هذه الطريق الأخرى.
وأيضًا فإن قولكم يا معشر قريش مع كونكم لستم أكثر الخلائق عددًا، وما مقداركم في الخلائق؟ ومن ذا الذي كان يعرفكم قبل أن نتصل به أخباركم أو
стр. 1833
ينتهي إليه أنباؤكم؟، وإنما هذا لو كان مما يصلح أن يكون دليلًا في هذه المسألة لكان ذلك يكون في كل من تيسر أخباره، ويسير في الدنيا ذكره، ويتهادى أهل المشارق والمغارب أحاديثه، نحو الملوك الذي تقدموا، فإن كل واحد منهم، تطيف به الأمم من الجنود والعساكر في وقته، وتدخل النواحي الكثيرة من الأرض في قبضته، فتبقى على طول السنين والأحقاب أخباره، ويتمسك أهل المدن بوعوده، وما يتعاملون به من شروطه وطسوقه وتقديراته.
فلو جاز أن يكون إحياء الآباء دليلًا في مسألة البعث بعد الموت؛ لكان يكون ذلك في بعض أولئك كتبع، وذلك قول الله سبحانه: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ فإن تبعًا ملك الأرض من بلاد العرب والعجم، فلما بطل دليلهم، الذي طلبوه، واستحكم فساده، تطلعت القلوب إلى معرفة الحجة عليهم فيما أخبروا به من البعث بعد الموت، جاء بالدليل الواضح البين المكشوف الذي يستوي في قيام الحجة به عليه الأولون والآخرون، والمحقون والمبطلون، وهو قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين (٣٨) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ (٨٠/ ب).
يعني سبحانه أنه خلق السموات والأرض وما بينهما من إحكام الصنعة، وإتقان الخلق، مع ما قدره الله من ورفع ووضع، وتفريق وجمع، فرفع السماء، وزينها بالأنوار، ووضع الأرض، وجعلها من جنس قابل للسير في أرجائها، والحرث فيها لإنبات النبات، وجريه الأنهار، وتلقي
стр. 1834
الغيوث، ودفع السيول، وخزن الثلوج، من أجناس كل منها، لو كان على شكل الآخر لبطل المعنى المراد به فيه، ثم لما عدل فيها الهواء، لما جعله غذاء للأرواح بأن أجراه على يبس وبلل، معتدل ما بين بر وبحر، ليكون صالحًا لإنشاق الآدمي له، من حيث إنه يلائم طبعه، وجعل في هذه الدار قوت الآدمي، وسخر الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والليل والنهار، وجميع ما في هذه الدار لأجله وسببه.
فهي إذا نظر فيها المؤمن رآها كلها خدمًا له، ومسخرة لأجله، ثم إنه مع ذلك ينزعج عنها، وينقل منها، ولا يمكن من سكناها، فدل ذلك على أنها إذ ثبت فيها من الحكمة ما دل على حكمة صانعها، وأنه لا يخلق مثلها باطلًا ولا عبثًا، أنها ناقلة إلى دار أخرى مؤدية إلى مقر غير هذا المقر؛ لأنه إذا عمل عامل من الآدميين مأدبة، ثم لم يمكن أحدًا أن يأكل منها شيئًا، قالت له عقول العقلاء: لقد أضعت ما عملت، وأبطلت ما صنعت، فقال : ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار﴾.
وكذلك قال سبحانه: ﴿وما خلقنا السموات (٨١/ أ) والأرض وما بينهما لاعبين﴾ أي: إن لم تكن ناقلة إلى البعث فذلك يكون- معاذ الله- لعبًا، فثبت حينئذ أن خلق السموات والأرض دال بمعنى وجوده على البعث بعد الموت، ثم تتبعت ما في القرآن من ذلك فوجدته بحمد الله شاهدًا صادقًا على ما ذهب إليه من ذلك.
стр. 1835
فمن ذلك قوله سبحانه في سورة الحجر: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية﴾ الآية.
وقوله سبحانه في صورة ص: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (٢٦) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾ ثم أتبع ذلك بدليل آخر من جنسه فقال سبحانه: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعلموا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ أي: لو لم يبعث الناس لاستوى المؤمنون والكافرون في أن هؤلاء لم يبعثوا، وهؤلاء لم يبعثوا. ثم قال سبحانه: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا لآياته وليتذكر أولوا الألباب﴾.
وقال سبحانه في سورة الجاثية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ ثم قال سبحانه: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
وقال سبحانه في سورة الأحقاف: ﴿حم (١) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (٢) (٨١/ ب) ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل
стр. 1836
مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾.
قال ابن سلام في تفسيره في قوله : ﴿وأجل مسمى﴾: البعث.
وقال سبحانه في سورة سبأ: ﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (٧) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (٨)﴾، ثم قال ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب﴾.
وقال سبحانه: ﴿ق والقرآن المجيد (١) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (٢) أئذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد (٣) قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (٤) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (٥) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (٦)
стр. 1837
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (٧) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (٨) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (٩) والنخل باسقات لها طلع نضيد (١٠) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾.
وقال سبحانه: ﴿عم يتساءلون (١) عن النبأ العظيم (٢) الذي هم فيه مختلفون (٣) كلا سيعلمون (٤) ثم كلا سيعلمون (٥) ألم نجعل الأرض مهادًا (٦) والجبال أوتادًا (٧) وخلقناكم أزواجًا (٨) وجعلنا نومكم سباتًا (٩) وجعلنا الليل لباسًا (١٠) وجعلنا النهار معاشًا (١١) وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا (١٢) (٨٢/ أ) وجعلنا سراجًا وهاجًا (١٣) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجًا (١٤) لنخرج به حبًا ونباتًا (١٥) وجنات ألفافًا (١٦) إن يوم الفصل كان ميقاتًا﴾ حتى إنني لا أحسب في القرآن موضعًا فيه ذكر السموات والأرض إلا وقد ذكر سبحانه قبله أو بعده أو في أثنائه ما يدل على أنه الآية على البعث، فتبارك الله رب العالمين.
* الخصلة السابعة: الإيمان بالجنة.
ولما كان وعد الله الصادق من الأجرة يشتمل على أشياء تضيق الدنيا عن أن يضرب منها أمثلة القياس لها، وما كان من رحمة الله التي أخبر بها رسوله ﷺ وهو ينشر في القيامة، كان من ذلك ما يستبعده عقول الجاهلين، من حيث إنه إذا قاسوه بما شاهدوه؛ خرق عقولهم الأخبار، على نحو ما روي أن شجرة واحدة من شجر الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهذه
стр. 1838
الشجرة يكون مقدارها على التقريب مثل الدنيا مائة مرة، وكان من الإخبار عنها أن أهلها يأكلون، ولا يتغوطون، وأنهم لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم ... إلى غير ذلك من عجائب الآخرة، فأي مؤمن سكن قلبه على ذلك، وصدق ما وعد به، ولم يستبعد ذلك في قدرة الله ولا سعة فضله فهو المؤمن، فلذلك كانت هذه الخصلة من خصال الإيمان.
* الخصلة الثامنة: الإيمان بالنار.
ولما كان ما توعد الله به العصاة من خلقه في الآخرة في عذاب النار، مما تستبعده عقول الجاهلين، من أنه كيف يبقى نفس على عذاب النار ولا تطفى؟! (٨٢/ ب) وكيف تسلم فيها الحيات والأفاعي التي ذكر كونها فيها؟! وكيف تجدد الجلود فيها، وهي تحرق كل ما مرت به؟! ويأكل بعضها بعضًا؟! وكان المؤمن يرى أن ذلك في قدرة الله غير ممتنع ولا مستحيل، بل قدرة الله تتسع له ولأضعافه، وأن ما أخبر الله به كما أخبر، وكان من إيمان المؤمن أن يؤمن بما أخبره الله ورسوله، وأنه على وجد لابد منه ولا محيد عنه، فكان هذا ركنًا من أركان الإيمان.
* الخصلة التاسعة: الإيمان بالقدر خيره وشره.
ولما كان القدر قد سبق بما الخلق فاعلوه إلى يوم القيامة، وعلم الله قد سبق بتفصيل ذلك وجملته، فكان من تعلقات الآدمي واستراحاته إلى العجز أنه يحاج ربه، فيعارض نفسه بأنه إذا كان قد قدر علي كذا، فكيف أنهى عن فعل ما قدر على فعله؟! وكانت هذه من أشد المسائل غموضًا إلا لمن هداه الله، فأخبر رسول الله ﷺ : أن الإيمان بالقدر مع الاعتقاد أن عدل الله فيما يأتيه من عذاب من يعذبه على معصيته التي قدرها سبحانه عليه
стр. 1839
من أبلغ العدل وأعظم الإنصاف، فكان هذا ركنًا أيضًا من أركان الإيمان.
فأما ما يقذفه الشيطان في القلوب في هذه المسألة؛ فإنه قد أشرنا إليها في كتابنا هذا في موضع إشارة على سبيل، لكنا نقول في هذا الموضع: إن علم الله سبحانه السابق لخلقه وما يكون منهم، هو يفصح عن كماله سبحانه، ولا حجة على الله لأحد فيما سبق من علمه فيه، فإنه (٨٣/ أ) علم الأشياء قبل كونها، ثم خلقها على علم منه بها، وأنه خلق خلقه، فمن عصاه وأفحش المخالفة لأمره سبحانه وبالغ في العدوان، فليكن العجب من حلم الله في إيجاده خلقًا قد علم أنهم سيفعلون ذلك، ولم يمنعه علمه بما يصيرون إليه من مخالفته أن يخلقهم أيضًا لسابق علمه، وما اقتضته صفاته سبحانه من إكرام المطيع وتعذيب الكافر.
فأما ما خلق للنار من هذه البرية، فإن الله خلقهم للنار لمصالح؛ منها:
- تخويف المؤمنين كما قاله سبحانه: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده﴾، وليكون تعذيبه سبحانه من عذب من خلقه الذين خلقهم للنار سوطًا يسوق به عباده المؤمنين إلى الجنة.
- ومن الفوائد في ذلك: أنه سبحانه لو أدخل الجنة ولم يروا من جنسهم من دخل النار، حتى يرى الوالد ولده في النار، والأخ أخاه، لم يكن شكرهم بالاعتداد بالجنة بالغًا مبلغه؛ حيث زحزحهم عن النار وأدخلهم الجنة.
- ومنها أن كل من يدخل النار ممن خلق للنار، فإنما هو كرامة لمن يدخل الجنة؛ لأن الله خلق ممن خلق للنار مشركين به، يقاتلهم الموحدون له، ليحظى المؤمنون بالشهادة في سبيله، ولو لم يخلق الله خلقًا
стр. 1840
للنار، ولم يحظ واحد من المؤمنين بالشهادة أبدًا، وهكذا لو لم يخلق الله ظالمًا يدخله النار، لم يكن في الأرض مظلوم يدخل نصيره على ذلك الجنة، وهكذا لو لم يكن في الأرض غني يطغى إذا استغنى فيراه الفقير (٨٣/ ب) فيصبر انتظارًا للعقبى، لم يكن ذلك ليتم فيهما.
- ولقد كنت مرة أسير فقدر الله لي أن تدبرت قوله : ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾، ومجرميها هاهنا منصوب على البدل من أكابر، وأكابر لا ينصرف على وزن مساجد، تقديره: جعلنا مجرميها أكابر ليمكروا فيها، فأخطر الله في قلبي- وكنت سائرًا راكبًا- حديث مسعود بن محمد الذي كان ملكًا في ذلك الوقت، فأوقع الله في قلبي أنه من المجرمين الأكابر، وأن الله سبحانه قدر فيه ما قدر؛ ليثاب عليه الصابرون، ويؤجر على إنكارهم عليه المنكرون، فرأيت وإذا هو على نحو الشمعة التي تحترق بالنار ليضيء المجلس لأهله، وليس كذلك، وإنما خلقت الشمعة للوقود؛ وكذا كل من خلق للنار.
فأما حالة المؤمن إذا واقع الخطيئة؛ فإنه لو قد احتج عليه بأن قيل له: يا هذا؛ كنت تود أن لو خلقك الله أعمى، أصم، لا تحس، ولا تنظر، ولا تستحسن الحسن؛ لكان من شأنه أن يقول: لا، ثم يقال له: فلما خلقك تنظر وتشم وتذوق أكنت تحب أن الله يحول بينك وبين أن تنظر شيئًا أبدًا، فإنه
стр. 1841
يقول: لا. فيقال له: أفكان من شأنك أنك لما رأيت الحسن أكنت تحب أن الله تعالى يبغضه إليك فكان يقول: لا، فيقال له: فهذا الحسن لما أراك الله إياه، أكنت تحب أن الله يطلعه لمن رآه منك ومن غيرك، فكان يتطرق مثله على أهلك وأقاربك وبنتك وزوجتك (٨٤/ أ) ويلذ ذلك لك؟ فيقول: لا.
فيقال له: والذي نقمت من أن الله أعطاك من نظر المستحسن ما طلبت، ومنع من الحرام في ذلك ليحفظ عليك في مثله من أهلك وأقاربك في بقاء غيرتك وسلامة أنفتك ما عليه جبلت، فالقدر قد أجرى الأمور على اختيار، ولم تكن تحسن أنت أن تتمناه، ثم أنه تداركك بعد ذلك بأن قال: إن خطرت منك زلة أو هفوة فمن ورائك التدارك لك بتوبة وكلمة وإنابة ورجعة وأوبة، فإنه سبق مني القول بأني أحب التوابين، فكان ما أتيته من ذلك ثم تداركتك بتوفيقي إياك للتوبة، فألحقتك بمن وعدت أني أحبه؛ فما هذه الغوغاء على الأقدار.
وإنما جرى ما جرى منها على سبيل اختيارك، وتكميل لذاتك، وحفظ غيرتك عليك، ومع هذا فيا محتجًا بالأقدار بزعمه، قائلًا بلسان حاله: أنه لا حيلة لك فيما تأتيه من المعصية، هلا احتسبت في ذلك في مثل هذا بما تأتيه بمن الطاعة، وكيف تحسب ذلك أنه لك، ولا تخرج منه حولك وقوتك وتنسبه إلى الفاعل الحقيقي سبحانه، بل لا تنسب إليه إلا المعصية خاصة، وتحتسب لنفسك بالطاعة فيالجورك وحيفك وميلك، فكان هذا ركنًا وأي ركن من أركان الإيمان.
стр. 1842
* الخصلة العاشرة: الصلاة.
فأما الصلاة من حيث إنها شعار المؤمنين الدال على إيمانهم بربهم، الذي يصلون له، وينقطعون عن الخلق في صلاتهم إليه، ويمتنعون في كلام الأغيار في حالة وقوقهم بين يديه مستقبلي كعبته بوجوههم زحًا على المشرق (٨٤/ ب) والمغرب، اللذين هما خافقا الشمس التي كانت تعبد من دون الله، عن يمين وشمال، مفتتحي صلاتهم بتكبير الله عن أن يبعدوا غيره، أو يتوجهوا لسواه، ثم متبعي ذلك باستعاذتهم ربهم من الشيطان الحاسد لهم على صلواتهم؛ كما حسد أباهم على رفع الله سبحانه له عليه، ثم التحصن ببسم: الله الرحمن الرحيم، متلقين بشراه سبحانه الذي يفصح عنها نطق بسم الله الرحمن الرحيم، من كون الرحمة أتت في الصيغة بكلا النطقين المشتملين على أبعد غايات الرحمة في الكثرة والرأفة، ثم ذكر الحمد لله، ثم الإيمان بأنه رب العالمين، وأنه ﷻ على كونه رب العالمين، فإنه الرحمن الرحيم، فكان يعيد ذكر الرحمة مسكنًا للناطق عما كان يستدعيه من استشعار الهيبة.
ثم ذكر ملك يوم الدين، فأشعر بإيمانه بيوم الحساب، وأن الملك يومئذ لله وحده، ولما تكررت هذه الأوصاف التي تناهت في التعريف، انتقلت حالة الناطق بها عن المغايبة إلى المشاهدة فقال: ﴿إياك نعبد﴾ بكاف الخطاب، ﴿وإياك نستعين﴾ على عبادتك؛ إذ لولا إعانتك على عبادتك لم يقم بها أحد، ثم طلب بعد ذلك الهداية لطريق الحق، وهي: ﴿الصراط المستقيم﴾،
стр. 1843
والمستقيم الأقرب، ثم ذكر ما يدل على أنه سأل توفيقه للاتباع في أن يسألك صراط الذين سبقت إليهم المنة، وتمت لديهم النعمة، فقال: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾.
ثم عرف أنه بعد السؤال تعرض عوارض الغضب (٨٥/ أ) والضلال، وأن ذلك قد جرى على من كان قد تقدم فاستثنى ب ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. ثم ختم بعد ذلك بآمين.
ثم يقرأ شيئًا من القرآن، ثم ركع ليعبد الله راكعًا كما عبده قائمًا، فيخضع بالركوع لعظمة ربه، ويمد عنقه بين يديه، ثم يعيد بعد ذلك ذكر التكبير مجددًا تعظيم ربه سبحانه عند ابتدائه بهذه الحالة؛ حيث انتقل فيها من صورة إلى صورة، فإذا اطمأن راكعًا قال حينئذ بعد طمأنينته؛ لئلا تختلط عليه أذكاره: سبحان ربي العظيم، فنزه ربه بالتسبيح وشهد له بالعظمة.
ثم كرر ذلك تكرير أدنى الكمال منه أقل الجمع، ثم عاد انتصابه ليشعر أنه إنما ركع خضوعًا ليميز ذلك عن هويه للسجود، فيكون عائدًا لله بركوعه، وعائدًا لله بسجوده، فإذا انتصب قائمًا قال: ربنا ولك الحمد، على نعم منها: هدايته لذلك، ومنها: عافيته التي تمكن بها من ذلك، ثم خر ساجدًا، فوضع أشرف شيء فيه بين يدي ربه على التراب، ثم نزه الله فقال: سبحان ربي الأعلى، فاعترف لربه حين سجد على الأرض، ثم إنه لم يسجد
стр. 1844
على الأرض إلا على اليقين منه أن ربه الأعلى، وكرر ذلك كتكريره في ركوعه.
وهكذا حتى انتهى إلى تشهده، فجلس جلوس محتشم غير مبتذل ولا متبدد ثم قال: (التحيات لله) وهي جمع تحية، فكأنه لم يرض بتحية واحدة حتى أتى بالجمع من ذلك، ثم قال بعده: (والصلوات)، فيقتضي أن يعني بها مجتمع أذكاره ومحامده سبحانه، وكذلك (٨٥/ ب) أتبعها بقوله: (والطيبات) وهي الكلمات المطيبات.
ثم قال: (السلام عليك أيها النبي)؛ فكأنه في مقامه ذلك استشعر قربه من ربه سبحانه، فكان من أدبه أن يكون سلامه على رسوله إجلالا وإكرامًا، ثم قال: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فتصيب كل عبد صالح في السماء والأرض.
ثم جدد الشهادة فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وذكر العبودية هاهنا قبل ذكر الرسالة إشارة إلى ما ذكرناه من السلام عليه ﷺ ، ثم استعاذ من العذاب والفقر والفتن ثم سلم تسليمتين عن يمينه وشماله مشعرًا بسلامه أنه على نحو القادم من الغيبة، والراجع إلى الخلق من الملائكة وبني آدم وغيرهم.
فهذه الصلاة بسائر أجزائها تدل على الإيمان من حيث تكبيره، والاستعاذة به، وقبول بشراه، والحمد لله، والاعتراف بربوبيته، وملكه يوم القيامة، وإفراده بالعبادة، وطلب الاستعانة منه، وسؤال الهداية للطريق المستقيم، وتجنب الضلالة من حالة المغضوب عليهم والضالين، وتكبيره عند ركوعه وتعظيمه وتسبيحه في السجود، والإيمان بأنه الأعلى ... إلى غير ذلك، فهذا
стр. 1845
كله إيمان فثبت حينئذ أن هذه الصلاة خصلة- وأي خصلة! - من الإيمان، وقد سمى الله الصلاة إيمانًا بقوله سبحانه: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي: صلاتكم، قاله أكثر المفسرين.
* الخصلة الحادية عشرة: الزكاة.
وهي أنه لما كان المال قوامًا للآدمي كما قال الله (٨٦/ أ) : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ وكانت النفوس كما أخبر الله عنها، أنها أحضرت الشح، وكان فيما يتعادى الناس فيه، ويتقاتلون عنه، ويزدهون به، ويتنافسون فيه، هو هذا المال، فأخرج المؤمن ما أخرج منه طيبًا بذلك نفسه وتماكيا عليه قلبه، وهو قد يأتي على النفيسة من أمواله، والمرغوب فيها من عباده، فأخرج ذلك راضيًا بإخراجه ومحتسبًا ما عند الله في أدائه، وصارفًا ذلك إلى مصارفه، مما يكون متباعدًا عن مظان التهم فيه، فلما فعل ذلك أشهر بأنه عن إيمان بربه، ويقين استقر في صدره، فأخرج له المال، وأحسن في توخي حسن مصرفه، فكانت هذه الخصلة مؤذنة بأنها من خصال الإيمان.
* الخصلة الثانية عشرة: الصوم.
وذلك أن الصوم لما كان مما لا يظهر عليه آدمي، من حيث أنه تستدام صحته باستدامة النية فيه فكان محضًا في الإيمان، وقد تقدم ذكرنا لما ذكرنا من تمخضه في ذلك في مواضع عدة من كتابنا هذا، فلا يحتاج إلى ذكرها
стр. 1846
هاهنا، فهو من خصال الإيمان الواضحة البينة.
* الخصلة الثالثة عشرة: الحج.
وذلك أنه لما جعل الله بيته الحرام، بحيث جعله من أرضه، بواد غير ذي زرع، لا يوصل إليه إلا بشق الأنفس، وحملها على الأخطار، وتعريضها لأنواع المخاوف من احتمال الظمأ والجوع والسير في أرض قفر، من بر وبحر؛ لأن سائر نواحي الدنيا كلها مسلكها إلى البيت الحرام في شق وجهد، فكان إيثار المسلم احتمال هذه الأخطار وانتهاضه إلى هذا البلد؛ الذي ليس بذي ريف وأشجار وثمار، (٨٦/ ب) فكان يتهم القاصد إليه من أجل ريفه وثماره؛ ولا هو بلد رخي العيش رخيص السعر، فكان يخال في قاصده أنه نهض إليه لطلب الرفق.
فلما نهض المسلمون محتملين لما قدمنا ذكره إلى قصده، حتى وقفوا في عرفات بين جبال موقفًا تشهد الفطرة فيه أنه عن إيمان من الواقفين في امتثال لأمر الآمر به، ثم دفعوا إلى منى لرمي الجمرات، وقصد البيت للطواف والسعي مشعرين بكل ذلك أنه لمحض الإيمان بشارع ذلك سبحانه، ومختارين له على تحسين عقولهم وتقبيحها، وإن كان في إحرام الحاج عند ورودهم إلى أول المواقيت من مضيق يشبه دركاء الملك، فيحرمون من هناك خالعين عنهم أثواب الحياة، داخلين في لبس الأكفان بعد الاغتسال الذي يشبه اغتسال الميت، ضاجين بالتلبية كأنهم مجيبين إبراهيم؛ إذ ينادى في الناس بالحج، فلو مثل الإنسان نفسه أنه في مكان كوكب من السماء على مقدار ظهر الكعبة ينظر إلى الحاج كلهم حين أحرموا، يقصدون البلد الحرام محرمين صائحين بالتلبية من سائر نواحيه لرأى تمثالًا عجيبًا، وهذا كله دليل صريح واضح على أنه إيمان كله.
стр. 1847
* الخصلة الرابعة عشرة: الجهاد.
وهو أن الآدمي إنما يريد الأشياء في هذه الدنيا لبقاء نفسه، ويحامي بها جميعًا عن سلامة مهجته، فإذا نهض المؤمن من أهله غازيًا في سبيل الله مجاهدًا أعداء الله، طالبًا أن تكون العليا هي كلمة الله، واجدًا من الكمد في باطنه، والمغيظة على من كفر بالله، وجحد برهان الله، وكذب بما جاء به رسول الله ﷺ ، ما أثار منه (٨٧/ أ) إزعاجًا أقلقه حتى استسهل فراق أهله وإنفاق ماله، وتعريض نفسه لأن تعطب في سبيل الله ربه، موقنًا بأنه ثبت عنده المقر الذي بين يديه، فهو كما تقدم من قولنا: شهيد، أي: شاهد بحاله لا إله إلا هو سبحانه، فهذه حالة دالة بجملها على أنها محض الإيمان ولبابه وصفوه.
الخصلة الخامسة عشرة: أداء الخمس من المغنم.
وهذه الخصلة هي ذات معنى راجع إلى أنه أعطى مما حصل عنده على نحو الفريسة بين يدي الأسد، فهو له عنده من الموقع خلاف مال التاجر والوارث، فإنه إنما غنم ما غنم من ذلك تحت ظلال السيوف، ومن بين رءوس الأسنة وسنابك الخيل، فلما أعطى الخمس من المغنم، طيبة بذلك نفسه، وراضيًا عن إخراجه ذلك قلبه طاعة لله ولرسوله كان ذلك دليلًا واضحًا أنه من خصال الإيمان.
* الخصلة السادسة عشرة: الأمر بالمعروف.
ولما كان الأمر بالمعروف هو الذي يقتضيه إيمان المؤمن بالله؛ لأن الله سبحانه، هو الذي أقر المعروف، وأوصى به، فإذا أمر الإنسان بالمعروف، الذي أقره الله تعالى، وصلح عليه عباده، وغمرت به أرضه وبلاده، كان أمر
стр. 1848
الآمر بذلك دليلًا على أنه آمن بمن هذا المعروف رضي عنده.
* الخصلة السابعة عشرة: النهي عن المنكر.
ولما كان المنكر، هو الذي أنكره الشرع، ونهى عنه الرسول ﷺ ، فكان من المؤمن إنكار ذلك من حيث إنه كان بإنكاره مؤمنًا يصدق الرسول الذي شرع إنكاره؛ إذ لو كان إنما أنكر ما يستقبحه العقل خاصة لكان غير منكر لما شرع الرسول ﷺ (٨٧/ ب) إنكاره، فحينئذ استدل لكل منكر بما أنكره الشرع وحرمه الله على لسان رسوله ﷺ أنه يتضوع أمر منكره عن أرج إيمانه.
* الخصلة الثامنة عشرة: الموالاة في الله.
وذلك أنه لما كانت الموالاة لها أسباب تستدعيها ما بين لحمة نسب أو طول صحبة أو اجتلاب نفع أو دفع ضرر، ثم كانت الموالاة في الله سبحانه هي التي تخلص عن ذلك كله، وتصفو عن شوائبه، فكون إذا والى المؤمن المؤمن لا عن قرابة بينهما، ولا عن منفعة يرجوها من صاحبه أو لا لاستجلاب نفع الدنيا ولا دفع ضرر منها؛ بل لأجل أنه مؤمن بالذي هو أيضًا مؤمن به، ومحب لمن هو أيضًا محبوبه، كان ذلك أيضًا دليلًا واضحًا ظاهرًا من أدلة الإيمان.
* الخصلة التاسعة عشرة: المعادة في الله.
ولما كانت العداوة من الناس تستدعيها أسباب ما بين ترات متقدمة أو إحن سابقة، أو تنافس على منزلة، أو نزاع في مال، أو ملاحاة في قول، أو مشاجرة على رتبة، كان من يعادي عدوًا في الله من أنه يراه
стр. 1849
على معصية له ﷻ ، أو بدعة في دينه، أو ظلم لعباده، ولا موجب أسخطه عليه غير ذلك، فثار من عزمه معاداته في الله، واغتفار ما عساه تجره عليه عداوته من شره، ويجلبه إليه نزاعه من أذاه لأجل الله تعالى وفي سبيله، وكان ذلك دليلًا تشاركه الشمس وضوحًا في كونه نشأ عن إيمان به.
* الخصلة العشرون: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
ولما كان مقتضى الإيمان بالله، وأنه الموجد سبحانه أوسع فيما أنعم به على عبده حتى أعد له (٨٨/ أ) الجنة نزلًا، على ما تحت هذا الإجمال من كثير لتفصيل، وكان رسول الله ﷺ هو الهادي إلى ربه، والمبلغ عنه، ودليل الخلق إليه، التي كانت منافع الدنيا والآخرة حاصلة عن بركة دلائله، كان من الضرورة عند كل مؤمن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فثبت حينئذ أن هذا ركن من أركان الإيمان، ومن مقتضيات هذا الإيمان ومجال اعتباره ألا يؤثر على الله غيره، ولا يراجع رسوله في حكمه، ولا يكون في صدره حرج مما قضى به، بل يسلم تسليمًا لأوامره.
* الخصلة الحادية والعشرون: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله تعالى.
ولما كان الآدمي قد يستدعي حبه آدميًا آخر أشياء كثيرة، ما بين اجتلاب نفع أو دفع ضرر، أو لحمة نسب، أو حسن صورة أو غير ذلك، وكان المؤمن إذا أحب مؤمنًا آخر لا لشيء مما ذكرناه؛ بل لأجل أنه مؤمن بالله ، كان معدودًا من خصال الإيمان.
* الخصلة الثانية والعشرون: أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله تعالى منه؛ كما يكره أن يعود في النار.
ولما كان الشرك بالله على معنى النار التي يرى المؤمن حال المشركين فيها،
стр. 1850
وأنهم يحترقون إذا مثلهم لعينه، وتصورهم بقلبه إلا أنها نار لا تنقضي ولا تخبو ورأى أنه قد تخلص منها، ثم قد عرض لأن يعود إلى النار الكبرى أو يقذف في نار صغرى تنقضي وتخبو؛ فإن من ضرورة إيمانه أن يختار أن يقذف في النار الصغرى؛ لأن الشري أري عند طعم الحنظل، وكان هذا من خصال الإيمان.
* الخصلة الثالثة والعشرون: أن يكون النبي ﷺ أحب (٨٨/ ب) إلى المؤمن من ولده ووالده والناس أجمعين.
ولما كان حب المؤمن للنبي ﷺ فاصلًا كاملًا تامًا بالغًا، حسن أن يعتبره بمن يحبه بمقتضى الطبع من والده وولده والناس أجمعين، فهو المؤمن وإلا فهو بضده، فكانت هذه من خصال الإيمان.
* الخصلة الرابعة والعشرون: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ولما كان الإيمان يقتضي من كل مؤمن أن يكون ناظرًا إلى نفسه في صورة أخيه، وإلى أخيه في صورة نفسه، من حيث يود أن أخاه أحب له ما يحب لنفسه، تعين عليه هو أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وكان ذلك مما لا يطلع عليه أخوه كما لا يطلع هو على ما في نفس أخيه، فكان مما يعامل به كل منهما ربه ؛ فكان ذلك ناشئًا عن الإيمان.
* الخصلة الخامسة والعشرون: حب الأنصار.
ولما كان الأنصار قد أسدوا إلى كل مسلم يدًا بيضاء، وفعلة زهراء، من حيث إنهم آووا رسول الله ﷺ ، ونصروه، وصبروا على حرب الأحمر والأسود معه، فكانت الهجرة إليهم، ونزول الوحي عليه في دارهم، وود كل مؤمن أن يقدر له أن يحسن جزاءهم، فلما فاته ذلك عدل عنه إلى حبهم، فلا
стр. 1851
يحبهم إلا عن إيمان منه برسالة محمد ﷺ ، كما أنه إذا أبغضهم دل ذلك على نفاقه، فكان حبهم ناشئًا عن محض الإيمان.
* الخصلة السادسة والعشرون: حب الطهور.
ولما كان الطهور مما يدخل فيه الغسل من الجنابة، وهي أمانة، والاحتراز من الأحداث التي تنقض الطهارة من الخارج من السبيلين، ولمس النساء لشهوة وغير ذلك، وإنها كلها على سبيل الأمانة عند العبد، لم يكن على العبد فيها (٨٩/ أ) رقيب غير إيمانه، فمن أدى طهارته بكمالها، وحافظ عليها، كان ذلك من دلائل إيمانه.
* الخصلة السابعة والعشرون: إفشاء السلام.
ولما كان السلام من المسلم أمانًا له، وتأنيسًا منه، وطردًا للكبر عن كل تأذ به، وهو الأمارة على صلح المتهاجرين، والآية عند تلاقي الغائبين كان إفشاؤه وإظهاره لما فيه من هذه الفضائل المذكورة ما يجري مجراها ناشئًا عن الإيمان، لإيثار جمع كلمة المسلمين ولإصلاح ذات بينهم.
* الخصلة الثامنة والعشرون: صوم رمضان إيمانًا واحتسابًا.
ولما كان شهر رمضان يدور على المؤمن شتاءً وصيفًا، ولا يدخل في شيء منه تبديل كما فعلت النصارى بصومهم، حتى زادوا فيه؛ لأنهم جعلوه في الفصل المعتدل وثبت المؤمنون على صيام هذا الشهر في كونه يأتيهم أحيانًا في حمارة القيظ وأحيانًا في الشتاء، غير ناظرين إلى ما يستصوبه أهل الأبدان، مع سلامة اليقين في الإيمان، كان إيمانهم بأن هذا الشهر، وفرضه الذي فرضه الله عليهم، واحتساب ما يلقونه من الصبر عن الطعام والشراب والجماع من أركان الإيمان.
стр. 1852
* الخصلة التاسعة والعشرون: قيام ليلة القدر.
ولما كانت ليلة القدر؛ هي التي أخبر الله أنها خير من ألف شهر، كان مقتضى الإيمان لذلك فيها، الجد في الحرص عليها، والدأب في التعرض للقائها، فمن وفقه الله تعالى ليقومها، فإن ذلك يقومها إيمانًا واحتسابًا، فإن ذلك من مقتضيات الإيمان.
والحديث في هذا الأمر المحضوض عليه، هو مصادقة قيامها، فإن كل مسلم يراها من حيث إنها تمر عليه (٨٩/ ب)؛ إذ هي ليلة من شهر رمضان، فمن مر عليه شهر رمضان كله، وهو صحيح لم يغب عقله في ليلة منه، يجوز أن يكون هي التي قد كان يطلبها، فإنه قد رآها إلا أنها لم تتعين له أي الليالي هي، وقد يقومها الإنسان ولا يرى شيئًا من ملكوت السموات، إلا إنني قد تقدم إخباري بأن رأيت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، وكنت واصلت القيام فيها، فرأيت في السماء بابًا مفتوحًا ولم أزل أشاهده حتى التفت إلى الفجر، فكان أول طلوعه فحينئذ غاب ما كنت أراه، فكان الحرص عليها والطلب لها من خصال الإيمان.
* الخصلة الثلاثون: اتباع الجنائز.
ولما كان الموت محتومًا على بني آدم، وكان مما شرع الله لعباده منبهًا بذلك على فضله وجوده على المسلمين من أمة محمد ﷺ أنه شرع الصلاة على الميت، ثم شرع في أذكار هذه الصلاة أن يقول المصلون: اللهم نزل بك، وأنت خير منزول به، كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولا
стр. 1853
نعلم إلا خيرًا. اللهم إن كان محسنًا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، جئناك شفعاء فيه طالبين له، فمن تنبه لجود الله وفضله، علم أنه لم يشرع هذا بهذه الأذكار إلا وهو سبحانه يقبل شفاعة الشافعين، ويرحم المشفوع فيه.
ثم لما كان مواراة المسلمين، وشهود جنائزهم من فروض الكفايات وقد وعد رسول الله ﷺ في ذلك بما وعد من الأجر، وهو قيراطان، كل منهما مثل جبل أحد، (٩٠/ أ) كان اتباع الجنائز إيمانًا بحصول ذلك يبلغه مع الإيمان بثقل صنجته أيضًا من خصال الإيمان.
* الخصلة الحادية والثلاثون: ألا يؤذي جاره.
ولما كان الجار، إما اللاجئ وإما القريب بالمنزل، كلاهما فمن من ذوي النفوس الأبية بإسعافه، والمناضلة عنه، والمراماة دونه، وأن يكون المؤمن لا يتقصد أذية المؤمن، فإن قارف أذية لمؤمن فليكن صارفًا لذلك الأذى عن جاره؛ إذ قد أوصاه الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، فكان كف الأذى عن الجار من مقتضيات الإيمان.
* الخصلة الثانية والثلاثون: إكرام الضيف.
ولما كان الضيف من حيث إنه يأوي إلى مضيفه في حالة يتعين على المضيف أن يقوم منها بمبلغ وسعه إيمانًا بأن الله سيخلف عليه ما أنفق على ضيف قصده، لا قرابة بينه وبينه، ولا يرجوه ولا يخافه، بل من حيث إنه يأوي إليه، فكان ذلك من خصال الإيمان؛ لأن الضيف قد يأتى في وقت، وهو ملك في زي مسكين؛ لأنه قد يأتي في وقت لا يمكنه أن ينتفع بملكه في موضع لا يمكنه أن يبتاع ما يريده، فيكون المضيف له كالمتصدق عليه
стр. 1854
إلا أنها صدقة كريمة، أخرجت مخرج الضيافة ليقبلها الغني، ولا يستنكف عنها ذو الوجد، فكان المؤمن إذا رأى ذلك من أسرارها، رأى أن الله ساق إليه ذلك الغني ليضيفه، فتصدق عليه بفضله، فهو من محاسن فقه الإيمان.
* الخصلة الثالثة والثلاثون (٩٠/ ب): أن يقول خيرًا أو ليصمت.
ولما كان القول هو الذي تركب عليه أرواح المعاني، حتى يوصلها القول إلى أوكد الأذكار، وكان مما هدى الله به إلى الحق، هو القول الطيب، وكان مما يوصل إلى النار، هو القول الخبيث، كان قول المؤمن الخير إن قدر عليه، أو الصمت عن الشر إن لم يقدر على قول الخير، من خصال الإيمان إلا إنه يدلك هذا أن قول الخير؛ هو أعلى وأرفع وأكمل، فإن لم يقدر على ذلك انتقل عنه إلى الصمت قانعًا فيه بالسلامة؛ إذ لم يتهيأ له الربح في قول الخير.
* الخصلة الرابعة والثلاثون: انتدب الله لمن خرج في سبيله.
ولما كان انتداب المؤمن ونفس انتهاضه محصلًا له إحدى الحسنيين بيقين: إما الشهادة المحصلة لفوز الآجل، وإما الغنيمة المحصلة لفوز العاجل، كان نفس إيمانه بهذا الذي اقتضى نهضته ناشئًا عن إيمانه.
* الخصلة الخامسة والثلاثون: البذاذة.
ولما كان اهتمام الرجل غير مستحسن منه أن يكون مقصورًا على تحسين ثوبه أو تسوية عمته، وأن المستحب من أحواله أن يكون ساعيًا في تسوية مغابنه غير معوج على تسوية ظاهره إلا لمعنى غير راجع إلى هذه العاجلة، كانت البذاذة، وهي تجنب الزينة في الملبوس، والعدول إلى طهارة الثوب
стр. 1855
وحله، عن حسنه وصقالته، من دلائل الإيمان.
* الخصلة السادسة والثلاثون: أن تسره حسنته وتسوءه سيئته.
ولما كان من مقتضيات إيمان المؤمن أنه إذا وفقه للحسنة، رأى أن الله قد أنعم عليه بتوفيقه لها، فسره توفيق الله له (٩١/ أ) للحسنة فسرته، وإذا قارف خطيئة رأى أنه قد عداه الصون والحماية حتى واقعها فساءه ذلك، وكان نفس إيمانه بأن الحسنة حسنة، والسيئة سيئة، بالتوفيق للحسنة وبالخذلان في السيئة، هو الذي أثار سروره بالحسنة ومساءته بالسيئة، فكان ذلك من دلائل الإيمان.
* الخصلة السابعة والثلاثون: مدافعة الوسواس.
ولما كان المؤمن رقيبًا لربه على قلبه، من حيث إن إيمانه بربه يستدعي ذلك منه، فلا يطمئن إلى أن يراه الله قد سكن مع عدوه، وساكنه لمحادثة أو مقاولة في غير غضب عليه، وزجر له، فإنه على نحو ما يدخل الرجل من أهل الفسق إلى بلده، فلا يسكن إلا في دار رجل من أهل الفسق، فالمؤمن يقول للشيطان: وماذا الذي جاءك إلي؟ وماذا الذي يجمع بينك وبيني؟ وأنت عدو الله وأنا وليه، وكيف تطلع على قلبي، ويراك فيه ساكنًا سكون المطمئن؛ فيدفعه عن نفسه إن تهيأ له بالحجر، وإلا بالطرد والصياح عليه، والمجانبة له؛ فإنه لا يزال كذلك حتى يعلم الشيطان أنه ليس عنده مبيت ولا مقيل، فلا يكاد يعرج عليه، فكان هذا من خصال الإيمان.
* الخصلة الثامنة والثلاثون: أداء الأمانة.
ولما كان أداء الأمانة؛ من حيث إنها قد تكون إذا تمخضت أمانة بحيث لا يعلم بها إلا الله سبحانه، نحو أن يودع رجل رجلًا شيئًا لولده، قد يموت عنه، ولثقته بالمودع، لم يعلم الولد بما له عند المودع، فيحمل المودع إيمانه على أن يؤدي الأمانة (٩١/ ب) وقد كانت مما لا يعلم بها إلا الله سبحانه، فكانت من
стр. 1856
خصال الإيمان.
* الخصلة التاسعة والثلاثون: حسن العهد.
ولما كان الكبر وغمص الحق، وإطراح الصحبة، ونسيان الجميل، من شعب النفاق، كان حسن العهد من المسلمين، وذكر ما سبق من الإحسان، أو تقدم من الصحبة؛ أو وجد المسلم بالمسلم من الراحة، مما إذا ذكره استدل به على أنه إنما أثار ذكره له الإيمان، فكان حسن عهده من الإيمان.
* الخصلة الأربعون: حسن الخلق.
ولما كان حسن الخلق، وهو الذي يخرج في الاعتدال من كل سجية عن طرفين مذمومين، نحو الشجاعة: بين الجبن والتغرير، والجود: بين البخل والتبذير، والعفة: بين العنة والغلمة، كان حسن الخلق، وهو الذي حماه الله أن يميل بصاحبه إلى أحد الطرفين، بل وقفه على الاعتدال، فكان ذلك آية واضحة؛ أنه لم ينشأ إلا عن إيمان أراه الله به قبح الغلو والتقصير، وسوء الإفراط والتفريط، فوقف على الاعتدال مطرحًا للميل مع الهوى، فكان ذلك من دلائل الإيمان.
* الخصلة الحادية والأربعون: ثبوت الإيمان بعد موت النبي ﷺ .
ولما كان الإيمان برسول الله ﷺ بعد موته، من حيث إنه ظهر للمتأخرين من دلائل صدقه، وشواهد حقه، ما يناسب أن يكون إيمانهم على نهاية الكمال؛ فإنه لما أنزل الله على رسوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ الآية. فهذا الأمر وجبت فيه الحجة على من جاء (٩٢/ أ) بعد رسول الله ﷺ من أمته،
стр. 1857
فوق ما وجبت على من كان منهم في زمانه؛ لأنه- أعني من جاء بعده- رأى صدقه في خبره، فلذلك قال الله في آخر الآية المذكورة: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾.
وكان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يقول: والله لئن كفرت؛ ليكونن كفري أقبح من كفر أبي جهل بن هشام؛ لأن أبا جهل لم ير من صدق رسول الله ﷺ في أخباره بعد موته ما رأيته أنا، وهذا فهو من حيث إنه أعجب؛ لأنه أمكن في الثبوت، فكان ذلك من الإيمان.
* الخصلة الثانية والأربعون: الحياء.
ولما كان الحياء ناشئًا عن عقل، عرف قبح القبيح الذي قبحه الشرع، فاستحيى من إتيانه، وكان المؤمن قد جبله الله على الحياء من حيث إنه استنفذ وسع العبد بالحياء من تواتر فضل الله في الطاعة، أضعاف ما يستنفذ به وسع أهل القحة بالسياط، فجبلهم على الحياء؛ لأنه ترك سياط سوق عباده إليه استحياؤهم منه، نحو الذي قد تقدم من قول الله سبحانه لعبده المستغفر مرة ثالثة: (غفرت لك، فاعمل ما شئت)، فكان هذا من أركان الإيمان.
* الخصلة الثالثة والأربعون: العي.
ولما كان العي من ثمار الحياء، وكون المؤمن يمنعه إيمانه من أن ينتحل الأقوال أو يخرجها مخرج التشدق، كان العي من المؤمن عن ترك الدخول فيما لا يعلم، والقول فيما لم يحط به، والفزع في جل أمره إلى قول:
стр. 1858
(٩٢/ ب) لا أدري، دليلًا من أدلة الإيمان.
* الخصلة الرابعة والأربعون: اعتياد المسجد.
ولما كانت المساجد بيوت الله ، وملتقى عباده الصالحين، ومحل أذكاره، ومواطن رفع اسمه سبحانه، منزهة عما لا يناسب عبادته، كان اعتياد المؤمن لها دليلًا واضحًا على إيمانه، فينبغي للإنسان أن يفرق بين الأعمال الصالحة والأعمال السيئة؛ بأن كل عمل لا يستحسن أن يعمله في المسجد فلتجنبه، ومن ذلك الرقص والتصفيق.
* الخصلة الخامسة والأربعون: إطعام الطعام.
ولما كان إطعام الطعام أبلغ وأشمل من إكرام الضيف، من حيث إنه يطعم الطعام لضيفه ولسائله ولأهله ولعياله، فكانت هذه من أخلاق المؤمن، من حيث إنها شاملة عامة واسعة إلا إنها تدل على الإيمان من حيث إنها تشعر باستيقان الخلف وكرم السجية.
* الخصلة السادسة والأربعون: الصبر.
ولما كان الصبر مما مدحه الله تعالى، وذكره في مائة موضع وأربعة موضع من كتابه، ولم يذكر شيء من القرآن بهذه العدة، كان كل صابر على ما يكره أو عما يحب في إيمان بالله أنه سيؤول صبره على حصول لما صبر عنه؛ أو راحة مما صبر عليه، أو تعويض منه في الدنيا والآخرة، دليلًا على الإيمان بمن صبر له وفيه ولأجله، وهذا الصبر قد يجل ويدق، فيكون منه صبرك على أخيك حتى يقضي كلامه، ويكون منه صبرك على المتنازعين حتى يصطلحا، وصبرك على المتعلم السيئ الفهم حتى يفقه، وصبرك (٩٣/ أ) على تجرم الطفل وتعنته، وصبرك على المراء وأنت محق، فأما صبرك عليه وأنت مبطل؛ فتلك فريضة، وكان ذلك من خصال الإيمان.
стр. 1859
* الخصلة السابعة والأربعون: السماحة.
ولما كانت السماحة لا تخلو من أن تكون من المؤمنين بصدق الله في وعده؛ إذ يقول: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ فذلك صريح في الإيمان؛ إذ يكون ممن جبله الله من السماحة على ما يحب، وكلا الوجهين يدل على مثير من الإيمان، وهو بعرضة أن يؤول به إلى حقيقة الإيمان، وليس السماحة هي التبذير، والتبذير: أن يخرج الرجل ماله فيما لا يرجو به أجرًا في الآخرة، ولا حمدًا في الدنيا، وهذا هو حد حده الفقهاء، وهو كما ذكروا إلا إنه من قلة فقه المنفق أن ينفق شيئًا إلا وقد توجه له بوجه من وجوه الفقه إلى أن يكون الله، إذا لم يصرفه في محرم، فكانت السماحة حينئذ دليلًا واضحًا على الإيمان، لأن الله يرزق المنفق، ويجزي المتصدقين.
* الخصلة الثامنة والأربعون: اليقين.
ولما كان اليقين درجة في الإيمان، وهو تمكن الإيمان من القلب حتى لا يعارضه ارتياب في حسن خلق ولا نصر حق، ولا اضمحلال باطل، ولا سوء عاقبة مفسد، وحسن عاقبة مصلح، ولا يضطرب عند تأخر إجابة الدعاء، ولا يشك في أنه ربما يكره ما هو خير، ويحب ما هو شر؛ بل يؤمن بأن الله يعلم وهو لا يعلم، فكان هذا من الإيمان فوق أن يقال له: خصلة؛ لأنه من لباب الإيمان.
* الخصلة التاسعة والأربعون: مثل المؤمنين في توادهم ...
ولما كان الإيمان ضامًا شمل المؤمنين، يتراحمون به، ويتوادون (٩٣/ ب) فيه، ويتواصلون من أجله، كان تواصل المؤمنين، وتوادهم، وتراحمهم، دالًا
стр. 1860
على إيمان كل منهم، ويدخل في هذا من كان يحب أن تجمع كلمة المسلمين، وأن ينصلح ذات بينهم، وأن يزول الشقاق عنهم والنفار، فإنه المؤمن حقًا، ومن كان بضد ذلك فهو بضده.
* الخصلة الخمسون: المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا.
ولما كان المؤمنون يرتفدون بالمؤمنين، ويتعاضدون ويتساعدون؛ فتقوى شوكتهم، ويعلو أمرهم، كان ذلك مشعرًا بإيمانهم، فإنهم على شكل البنيان الذي كل لبنة منه من حيث إنها تتصل بأختها، وأختها بأخرى وهكذا، وكل من المؤمنين مرتفد به، كل المؤمنين: الكبير والصغير، والعالم والمتعلم، والمصحوب والصاحب، فيكون مثلهم كمثل البنيان الذي كل شيء منه نافع لشيء منه، فكان ذلك من الإيمان.
* الخصلة الحادية والخمسون: المؤمن يألف.
ولما كان المؤمن يألف من يناسبه في إيمانه، صار إلفًا مألوفًا غير مرتاب من يصاحبه فيزور عنه، ولا شاك فيه، فيرتاب به، فلذلك كانت الألفة من أخلاق المؤمنين.
* الخصلة الثانية والخمسون: الاستثناء.
ولما كان المؤمن قد علم أن الله سبحانه سبقت مشيئته، ونفذ أمره بما يكون في أرضه وسمائه، وكان من مقتضى إيمانه وحسن أدبه، ألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، فإنه لا يدرى: هل يفعل الله سبحانه ذلك فيه وبه أم لا؟
وهذا يدل على ما يقوله أهل الحق من أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده؛ لأن الاستطاعة لو كانت وقت الفعل لكانت لا حرج على من يقول: (٩٤/ أ) أفعل ذلك في غد، ولا يقول: إن شاء الله، فهذا من خصال الإيمان.
следующие страницы →