← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

خصال الإيمان. * الخصلة التاسعة والثلاثون: حسن العهد. ولما كان الكبر وغمص الحق، وإطراح الصحبة، ونسيان الجميل، من شعب النفاق، كان حسن العهد من المسلمين، وذكر ما سبق من الإحسان، أو تقدم من الصحبة؛ أو وجد المسلم بالمسلم من الراحة، مما إذا ذكره استدل به على أنه إنما أثار ذكره له الإيمان، فكان حسن عهده من الإيمان. * الخصلة الأربعون: حسن الخلق. ولما كان حسن الخلق، وهو الذي يخرج في الاعتدال من كل سجية عن طرفين مذمومين، نحو الشجاعة: بين الجبن والتغرير، والجود: بين البخل والتبذير، والعفة: بين العنة والغلمة، كان حسن الخلق، وهو الذي حماه الله أن يميل بصاحبه إلى أحد الطرفين، بل وقفه على الاعتدال، فكان ذلك آية واضحة؛ أنه لم ينشأ إلا عن إيمان أراه الله به قبح الغلو والتقصير، وسوء الإفراط والتفريط، فوقف على الاعتدال مطرحًا للميل مع الهوى، فكان ذلك من دلائل الإيمان. * الخصلة الحادية والأربعون: ثبوت الإيمان بعد موت النبي ﷺ . ولما كان الإيمان برسول الله ﷺ بعد موته، من حيث إنه ظهر للمتأخرين من دلائل صدقه، وشواهد حقه، ما يناسب أن يكون إيمانهم على نهاية الكمال؛ فإنه لما أنزل الله على رسوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ الآية. فهذا الأمر وجبت فيه الحجة على من جاء (٩٢/ أ) بعد رسول الله ﷺ من أمته،

стр. 1857

فوق ما وجبت على من كان منهم في زمانه؛ لأنه- أعني من جاء بعده- رأى صدقه في خبره، فلذلك قال الله في آخر الآية المذكورة: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. وكان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يقول: والله لئن كفرت؛ ليكونن كفري أقبح من كفر أبي جهل بن هشام؛ لأن أبا جهل لم ير من صدق رسول الله ﷺ في أخباره بعد موته ما رأيته أنا، وهذا فهو من حيث إنه أعجب؛ لأنه أمكن في الثبوت، فكان ذلك من الإيمان. * الخصلة الثانية والأربعون: الحياء. ولما كان الحياء ناشئًا عن عقل، عرف قبح القبيح الذي قبحه الشرع، فاستحيى من إتيانه، وكان المؤمن قد جبله الله على الحياء من حيث إنه استنفذ وسع العبد بالحياء من تواتر فضل الله في الطاعة، أضعاف ما يستنفذ به وسع أهل القحة بالسياط، فجبلهم على الحياء؛ لأنه ترك سياط سوق عباده إليه استحياؤهم منه، نحو الذي قد تقدم من قول الله سبحانه لعبده المستغفر مرة ثالثة: (غفرت لك، فاعمل ما شئت)، فكان هذا من أركان الإيمان. * الخصلة الثالثة والأربعون: العي. ولما كان العي من ثمار الحياء، وكون المؤمن يمنعه إيمانه من أن ينتحل الأقوال أو يخرجها مخرج التشدق، كان العي من المؤمن عن ترك الدخول فيما لا يعلم، والقول فيما لم يحط به، والفزع في جل أمره إلى قول:

стр. 1858

(٩٢/ ب) لا أدري، دليلًا من أدلة الإيمان. * الخصلة الرابعة والأربعون: اعتياد المسجد. ولما كانت المساجد بيوت الله ، وملتقى عباده الصالحين، ومحل أذكاره، ومواطن رفع اسمه سبحانه، منزهة عما لا يناسب عبادته، كان اعتياد المؤمن لها دليلًا واضحًا على إيمانه، فينبغي للإنسان أن يفرق بين الأعمال الصالحة والأعمال السيئة؛ بأن كل عمل لا يستحسن أن يعمله في المسجد فلتجنبه، ومن ذلك الرقص والتصفيق. * الخصلة الخامسة والأربعون: إطعام الطعام. ولما كان إطعام الطعام أبلغ وأشمل من إكرام الضيف، من حيث إنه يطعم الطعام لضيفه ولسائله ولأهله ولعياله، فكانت هذه من أخلاق المؤمن، من حيث إنها شاملة عامة واسعة إلا إنها تدل على الإيمان من حيث إنها تشعر باستيقان الخلف وكرم السجية. * الخصلة السادسة والأربعون: الصبر. ولما كان الصبر مما مدحه الله تعالى، وذكره في مائة موضع وأربعة موضع من كتابه، ولم يذكر شيء من القرآن بهذه العدة، كان كل صابر على ما يكره أو عما يحب في إيمان بالله أنه سيؤول صبره على حصول لما صبر عنه؛ أو راحة مما صبر عليه، أو تعويض منه في الدنيا والآخرة، دليلًا على الإيمان بمن صبر له وفيه ولأجله، وهذا الصبر قد يجل ويدق، فيكون منه صبرك على أخيك حتى يقضي كلامه، ويكون منه صبرك على المتنازعين حتى يصطلحا، وصبرك على المتعلم السيئ الفهم حتى يفقه، وصبرك (٩٣/ أ) على تجرم الطفل وتعنته، وصبرك على المراء وأنت محق، فأما صبرك عليه وأنت مبطل؛ فتلك فريضة، وكان ذلك من خصال الإيمان.

стр. 1859

* الخصلة السابعة والأربعون: السماحة. ولما كانت السماحة لا تخلو من أن تكون من المؤمنين بصدق الله في وعده؛ إذ يقول: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ فذلك صريح في الإيمان؛ إذ يكون ممن جبله الله من السماحة على ما يحب، وكلا الوجهين يدل على مثير من الإيمان، وهو بعرضة أن يؤول به إلى حقيقة الإيمان، وليس السماحة هي التبذير، والتبذير: أن يخرج الرجل ماله فيما لا يرجو به أجرًا في الآخرة، ولا حمدًا في الدنيا، وهذا هو حد حده الفقهاء، وهو كما ذكروا إلا إنه من قلة فقه المنفق أن ينفق شيئًا إلا وقد توجه له بوجه من وجوه الفقه إلى أن يكون الله، إذا لم يصرفه في محرم، فكانت السماحة حينئذ دليلًا واضحًا على الإيمان، لأن الله يرزق المنفق، ويجزي المتصدقين. * الخصلة الثامنة والأربعون: اليقين. ولما كان اليقين درجة في الإيمان، وهو تمكن الإيمان من القلب حتى لا يعارضه ارتياب في حسن خلق ولا نصر حق، ولا اضمحلال باطل، ولا سوء عاقبة مفسد، وحسن عاقبة مصلح، ولا يضطرب عند تأخر إجابة الدعاء، ولا يشك في أنه ربما يكره ما هو خير، ويحب ما هو شر؛ بل يؤمن بأن الله يعلم وهو لا يعلم، فكان هذا من الإيمان فوق أن يقال له: خصلة؛ لأنه من لباب الإيمان. * الخصلة التاسعة والأربعون: مثل المؤمنين في توادهم ... ولما كان الإيمان ضامًا شمل المؤمنين، يتراحمون به، ويتوادون (٩٣/ ب) فيه، ويتواصلون من أجله، كان تواصل المؤمنين، وتوادهم، وتراحمهم، دالًا

стр. 1860

على إيمان كل منهم، ويدخل في هذا من كان يحب أن تجمع كلمة المسلمين، وأن ينصلح ذات بينهم، وأن يزول الشقاق عنهم والنفار، فإنه المؤمن حقًا، ومن كان بضد ذلك فهو بضده. * الخصلة الخمسون: المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا. ولما كان المؤمنون يرتفدون بالمؤمنين، ويتعاضدون ويتساعدون؛ فتقوى شوكتهم، ويعلو أمرهم، كان ذلك مشعرًا بإيمانهم، فإنهم على شكل البنيان الذي كل لبنة منه من حيث إنها تتصل بأختها، وأختها بأخرى وهكذا، وكل من المؤمنين مرتفد به، كل المؤمنين: الكبير والصغير، والعالم والمتعلم، والمصحوب والصاحب، فيكون مثلهم كمثل البنيان الذي كل شيء منه نافع لشيء منه، فكان ذلك من الإيمان. * الخصلة الحادية والخمسون: المؤمن يألف. ولما كان المؤمن يألف من يناسبه في إيمانه، صار إلفًا مألوفًا غير مرتاب من يصاحبه فيزور عنه، ولا شاك فيه، فيرتاب به، فلذلك كانت الألفة من أخلاق المؤمنين. * الخصلة الثانية والخمسون: الاستثناء. ولما كان المؤمن قد علم أن الله سبحانه سبقت مشيئته، ونفذ أمره بما يكون في أرضه وسمائه، وكان من مقتضى إيمانه وحسن أدبه، ألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، فإنه لا يدرى: هل يفعل الله سبحانه ذلك فيه وبه أم لا؟ وهذا يدل على ما يقوله أهل الحق من أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده؛ لأن الاستطاعة لو كانت وقت الفعل لكانت لا حرج على من يقول: (٩٤/ أ) أفعل ذلك في غد، ولا يقول: إن شاء الله، فهذا من خصال الإيمان.

стр. 1861

* الخصلة الثالثة والخمسون: أن يسلم المسلمون من لسانه ويده. ولما كان من مقتضيات الإيمان ألا يمد المسلم إلى عامة المسلمين يدًا، ولا يبسط إلى عامة المسلمين لسانًا، كان ذلك من دلائل الإيمان، وهذا قد يقتضي سلامة جميع المسلمين، وعلى هذا فمن نال بعض المسلمين بيده أو لسانه، لم يخرج من الإيمان، فيكون ما جرى من الصحابة ﵃، وما جرى من المسلمين بعضهم مع بعض لا يخرجهم من الإيمان. * الخصلة الرابعة والخمسون: أن يكون مثل السنبلة. ولما كان من مقتضيات الإيمان أن يكون المؤمن في هذه الدنيا مفتقرًا إلى مزعج له عن هذا المقر الدني، وكان من فضل الله تعالى عليه أيضًا ألا يشمت به عدوه، ولا يحبس عنه نصره، وأن العاقبة تكون له، كان من حاله أن يكون في معنى السنبلة؛ تميل أحيانًا، وتعتدل أحيانًا، ويجوز أن تكون مثله، أن تميل به الهفوة ميلًا إلا إنها لا تبلغ به إلى الانقطاع والانكسار، لم تعتدل اعتدالًا في لين، لا يؤمن عليه الميل أيضًا، فهو هكذا دأبه حتى يلقى ربه. * الخصلة الخامسة والخمسون: أن يعلم أن الله معه حيث كان. ولما كان من مقتضيات إيمان المؤمن أن يعلم أن الله سبحانه معه حيث كان، فلا يستوحش إذا خلا، ولا يخاف إذا انفرد، كما إنه لا ينبغي أن يتفسح في النطق إذا كان وحده، ولا يكشف عورته إذا لم يكن عنده غيره، كما إنه إذا كان في مواطن منها يشترك الحلم، ويضطرب العزم إلى أن يقول الكلمة التي هي (٩٤/ ب) غير صالحة، فينبغي له أن يؤمن أن الله معه، يسمع ما يقول، ويعلم ما عليه يعزم، فكان هذا من خصال الإيمان بل لبابه. * الخصلة السادسة والخمسون: أن يهجر السوء. ولما كان السوء كله سامه، اقتضى الإيمان أن يهجر كله، فكان هجران

стр. 1862

السوء من خصال الإيمان على الإطلاق. الخصلة السابعة والخمسون: حب (علي) ﵇. ولما كان من مقتضيات الإيمان أنه لما علم رسول الله ﷺ ما سيكون بعده، وما سيقول الخوارج في علي ﵁، وما سيدفع إليه علي ﵇، ويمنى به من الاضطرار أو إلى أن يرى قتل البعض في مصلحة الكل، وعلم ﷺ أن هذا مما يتزلزل له قلوب الذين لا يفقهون، عد حب علي ﵇ ركنًا من أركان الإيمان. * الخصلة الثامنة والخمسون: حب العباس. ولما كان من علم رسول الله ﷺ الذي أعلمه الله به، من أن الأمر يعود إلى ذرية عمه العباس ﵁، وأن بنيه سيكون منهم الخلفاء إلى يوم القيامة إن شاء الله، وعرف ﷺ ما في الولاة من مقتضيات الموجدة، وثمرات الهيبة، ودوام الاستيلاء، جعل حب العباس الذي هو أصل ذريته المباركة الطاهرة ركنًا من أركان الإيمان، وينبغي للمسلمين أن يعرفوا قدر هذه الدولة المباركة، فإن الله سبحانه أصلح بها الأرض بعد فسادها. فالقراءات السبع كان استبيانها وتمامها في أيامها، وهي قراءات الأمصار الخمسة: فبمكة ابن كثير، وبالمدينة نافع، وبالشام ابن عامر،

стр. 1863

وبالبصرة أبو عمرو، وبالكوفة حمزة والكسائي وعاصم ﵃ أجمعين، وكذلك المذاهب الأربعة: وهي مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃ أجمعين، وكذلك علوم النحو وعلماؤه كالخليل وسيبوبه وغيرهما. وكذلك ما عمل الإمامان الكبيران صاحبا هذا الكتاب: البخاري ومسلم، اللذان أسندا الصحيح، فإنهما في هذه الدولة المباركة دوناه، وعلى ذلك فجمهور مصنفات الشريعة في هذه الدولة تمهدت، فكان حب العلماء من الإيمان.

стр. 1864

* الخصلة التاسعة والخمسون: السلام على أهله إذا دخل عليهم، والقوم إذا مر بهم. ولما كان من مقتضيات الإيمان أن الرجل إذا دخل على أهله نزلهم في السلام عليهم ممن يأتيه، فإنه يحظى من ذلك أن يبشرهم منه بحسن الملقى، وبوجدهم فيه الروح لدخوله، ويؤمنهم به من بوادر سخطه. ولما كان السلام على القوم إذا مر بهم يتضمن أمانهم مما يتخوفونه، وتأنيسهم به، وعلمهم أنه مسلم؛ لأن السلام تحية المسلمين، فكان هذا من خصال الإيمان. * الخصلة الستون: يحب للناس ما يحب لنفسه. ولما كان من مقتضيات الإيمان، أن المؤمن يحب المؤمنين كافة، أن يدخلوا في رحمة الله، إيمانًا منه بأن فضله سبحانه يسعهم، ورحمته تغمرهم، وجنته لا تضيق عنهم، كان يحب للناس من دخول الجنة، والأعمال الموصلة إلى دخول الجنة، ما يحب لنفسه، وهذا يدل على أن المؤمن لا يحسد المؤمن على عمل صالح، ولا يبخل المؤمن على المؤمن بفضل ربه، فكان هذا من الإيمان. * الخصلة الحادية والستون: ألا يشفي المؤمن (٩٥/ ب) غيظه. ولما كان المؤمن عالمًا من نفسه أنه قد تحمله المغيظة أحيانًا على فعل ما قد يندم عليه في مستقبل الحال، كان من إيمانه بربه أن يكظم غيظه، ولا يشفيه، متحرجًا أن ينفذ غيظه؛ فإنه لو جاز له إنفاذه في مقام ما، لفاتته فضيلة أنه لم يكن المؤمن الذي قال فيه النبي ﷺ أنه لا يشفي غيظه. * الخصلة الثانية والستون: مخالطة الناس والصبر على أذاهم. ولما كانت مخالطة الخلق في إجماع على الصبر على أذاهم، أفضل من

стр. 1865

تركهم، كان احتمال مداراة الخلق، الصبر على تباين أخلاقهم، وعسر أخلاقهم، وبعد من يبعد عن الحق منهم، من جملة مقامات الجهاد في سبيل الله، فلأجل ذلك قال رسول الله ﷺ : (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)؛ فكان ذلك من الإيمان. * الخصلة الثالثة والستون: أن يرى الناس حمقى في دينهم. ولما كان ما تناله استطاعة الخلق، وتبلغه مقادير همتهم دون ما يستحق الله تعالى عليهم وعندهم، فإنهم خلقه وملكه، وقد جمع بين ضروب الإحسان إليهم كما جمع بين ضروب الحلم عليهم، والأناة بهم، واللطف لهم، حتى إن الواحد منهم ليتجرم ويتنطع في الإساءة لربه إلى ما لا يتنطع فيه على أبيه، ولا على ولده، ثم إنهم بعد ذلك يدلون إدلال المحسنين على ما فيهم من الإساءة، وينبسطون تبسيط المجيدين على ما فيهم من مواصلة التقصير، يستكثرون لربهم قليل طاعتهم، ويستقلون لأنفسهم (٩٦/ أ) كبير نعمه، يغاضبون ربهم إن أخر إجابتهم لما دعوه فيما يضرهم لو أجابهم إليه، ويريد كل منهم ألا يتحرك في الوجود حركة إلا على حسب اختياره، ولا أن تسكن ساكنة إلا بمقتضى إيثاره، فإذا كان العبدان منهم، كل منهم يريد ضد ما يريده لصاحبه، فإذا أجرى الله سبحانه الحال في اقتراحهما رويدًا بهما، ورفقًا لهما، رأيت كلًا منهما يحمله جهله على الاشتطاط والقدح في حسن تدبير رب العالمين، حتى يظهر على جملته وأجزائه، وربما أداه إلى الارتياب، فالمؤمن يراهم من هذه الطريق كلهم حمقى في دينهم.

стр. 1866

* الخصلة الرابعة والستون: قول: سبحان الله، والحمد لله. ولما كان من مقتضيات إيمان المؤمن أن يديم ذكر تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به، خروجًا عن عالم الحس إلى عالم اليقين والإيمان، كما من هجيراه أن يقول دائمًا: سبحان الله، ثم يعطف عليه بما يدل عليه أنه إنما سبح هذا التسبيح بتوفيق الله له، فله المنة في ذلك لا له؛ فقال: والحمد لله. * الخصلة الخامسة والستون: الصبر للحكم. ولما كان من إيمان المؤمن ألا يقتضي إيمانه ألا يتهم ربه سبحانه في أقضيته، وأن يصبر لحكمه، ومن صبره لحكمه أن يصبر لأحكام شريعته، فذلك حكمه الذي حكم به سبحانه، فلا يتفسخ عند حمل شيء من أعباء الشرع، ولا يتطاول أيضًا بوساوسه إلى أن يريد أن يحدث ف يدين الله من الرهبانية ما لم يكتب عليه، فإذا صبر على حكم الله في اتباع الشريعة كان صابرًا لحكم الله تعالى. * الخصلة السادسة والستون: (٩٦/ ب) الرضا بالقدر. ولما كان القدر قد سبق كما ذكرنا بما هو كائن، كان إيمان المؤمن يستدعي منه أن يكون راضيًا بما قدره الله، والرضا مرتبة فوق الصبر، فكان ذلك من خصال الإيمان. * الخصلة السابعة والستون: إخلاص التوكل. ولما كان من مقتضيات الإيمان أن يتوكل المؤمن على من آمن به، في أنه إذا استعانه؛ أو انتصر به؛ أو اعتمد عليه، فإنه كافيه في كل ذلك، فهذا يكون مع العبد في كونه يستعمل الأسباب، وفيها بمعنى إخلاص التوكل؛ لأن الأسباب تكون معه صورة، وهو معتمد على خالقها، فيخلص له التوكل في سره، ويخلص له أيضًا من أن يفسده الناظرون إليه بالتشنيع فيه

стр. 1867

إلا إنه إذا أراد الله منه في حالة ما لا عن تقصد منه؛ أن يحول بينه وبين الأسباب فليثبت حينئذ مع الله ، فإنه لم يذهب عنه إلا الشواغل، فكان ذلك من لباب لباب الإيمان. * الخصلة الثامنة والستون: الاستسلام للرب. ولما كان مقتضى الإيمان من المؤمن؛ أنه لا طاقة له بشيء من عذاب الله، ولا حيلة في استجلاب شيء من فضل الله إلا بالله فيهما؛ بمعنى اقتضى ذلك الاستسلام لله، فكان ذلك من الإيمان. * الخصلة التاسعة والستون: الإنصاف من نفسك. ولما كان الإيمان يقتضي أن تظهر ثمرته عند القدرة على الخصم، فيقين الإيمان في إنصاف الخصم بحيث يعود الإنسان ولا منتصف منه غير نفسه، فإذا أنصف من نفسه، ولم تأخذه العصبية لها على أخيه، كان ذلك آية من آيات الإيمان. * الخصلة السبعون: بذل السلام للعالم. ولما كان (٩٧/ أ) بذل السلامة من حيث إنه لا يخلو أن يكون في طرق المسلمين ومجالستهم غيرهم، كان الإيمان مستدعيًا ألا ينزل المسلم على المسلم من أجل جاره الذمي أو الكافر؛ لأن المسلمين هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، فكان من الإيمان بذل السلام للعالم. * الخصلة الحادية والسبعون: حبس الفرس. ولما كان من مقتضيات الإيمان ألا يخلو المؤمن من جهاز يعده لغزو أعداء الله، وكان من أصل الجهاز لذلك حبس الفرس، كان حبس المؤمن فرسه ليغزو عليه في سبيل الله أو يغزو عليه غيره إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعده، دليلًا على الإيمان، فيكون ممن أعد لأعداء الله شيئًا مما يرغمهم به.

стр. 1868

* الخصلة الثانية والسبعون: الإنفاق من الإقتار. ولما كان الإنفاق من الإقتار، هو الذي لا تثبت فيه الأنفس، موقن بأن الله سبحانه إذا أصار المقتر إلى حالة تعرضه للانفاق فيها من إقتاره؛ فإنه قد أسر إليه بذلك إنني إنما رشحتك بهذه الحالة لمقام الملوك، حيث تنفق من إقتارك؛ إذ الذرة منك قائمة عندي مقام القنطار من الواجدين، فيرى المقتر ببصيرة إيمانه أنه هو الملك من حيث إنه أصاره الله إلى إقتار، يضاعف له يسير النفقة، وليس اليسير مع مضاعفة الله بيسير، كما أنه ليس الكثير مع محق الله ليس بكثير، فكان ذلك من لباب الإيمان. * الخصلة الثالثة والسبعون: وهي أدناها؛ كما قال النبي ﷺ ... لأن الطريق لما كانت يمر فيها المسلم والكافر، والعاصي والطائع، فرأى المؤمن أن إماطته (٩٧/ ب) الأذى عنها يثيره إيمانه، ليسهل سبيل المؤمنين، فإن مر بها غيرهم، كان ذلك على حكم التبع لهم، فكان ذلك من خصال الإيمان. * ذكر رسول الله ﷺ هذه الخصال كلها، ليحرص المؤمن على جمعها، إلا إنه بحمد الله ليس فيها شيء من الترهبن ولا الابتداع في الأقوال والأحوال، فمن أراد الله به خيرًا جمعها له، أو جمع له منها حسب حاله، والحمد لله رب العالمين. -٢٠٤٦ - الحديث الثامن بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال:

стр. 1869

فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين). وفي رواية: (فكنت أنا اللبنة). وفي رواية: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل ابتنى بيوتًا، فأحسنها وأجملها وأكملها، إلا موضع لبنة من زواية من زواياها، فجعل الناس يطوفون، ويعجبهم البنيان، فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنياتك؟ فقال محمد ﷺ : فكنت أنا اللبنة)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ تمم النقائص وسد الثلم، وكمل العوز، وليس هذا مما يدل على أنه مشبه في صغر البنيان بموضع اللبنة من ذلك البنيان؛ ولكنه شبه بأن البنيان تمم به، وكمل بشريعته، فلم يبق بعده إعواز، ولا وراءه نبي، وكان ﷺ الذي كتب له (٩٨/ أ) تكملة الأعمال كلها. وقد جاء في غير حديث أن الاعتماد على الخاتمة. وقد ذكرنا فيما مضى أنه خص بالخاتم بين كتفيه إشارة إلى أنه خاتم الأنبياء، ولذلك كان من ورائه؛ لأنهم ختموا به، فلم يبق وراءه غيره. -٢٠٤٧ - الحديث التاسع بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (السفر قطعة من العذاب؛ يمنع

стр. 1870

أحدكم نومه وطعامه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله)]. * في هذا الحديث من الفقه أن المسافر على قلت وبعرضة؛ ولأنه يسبب همه في نفسه، وتكثر مؤنته، ويحتاج إلى حمل زاده، ومائه، وقل أن يمكنه إقامة فرائضه كاملة من جميع أقسامها، وأن يصلي الصلوات في جماعة، وأن يشتغل بالعلم والتعليم؛ كما كان في الحضر، فلا ينبغي له أن يتعرض له إلا لحاجة، فإذا قضاها، فأولى أفعاله، أن يسرع الكرة إلى أهله؛ ليكون مغتنمًا إنفاق عمره في الأربح فالأربح، من أحوال أوقاته. -٢٠٤٨ - الحديث العاشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء). وفي رواية علي بن عبد الله قال: قال سفيان: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن، وقال عمرو الناقد: أشك أني زدت واحدة (٩٨/ ب) منها)].

стр. 1871

* في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أمر بالتعوذ في هذه الأشياء: - وجهد البلاء: شدته، وقل ما يعرض البلاء لمؤمن إلا ويكفر حوبًا أو يرفع درجة، فإذا اشتد خيف منه، فلذلك استعاذ رسول الله ﷺ منه. - ودرك الشقاء: هو لحوق الشقاء. - وسوء القضاء، ضد حسن القضاء، فيجوز أن يكون المراد به الجور في الحكم، وأن يحكم الحاكم بأحكام زائغة عن الحق، فيكون على معنى قول من قال: والقضاء خطر؛ أي والحكم خطر. - وأما شماتة الأعداء، فإن أعدى الأعداء إبليس، ولا شماتة له أعظم من دخول الإنسان النار، وأن ينصرف من بين يدي ربه، وقد يئس من رحمته، فهذا هو أقطع الشماتة، وما دون هذا من شماتة الأعداء أهل الدنيا؛ فإنه صعب مؤلم كنكاء القرح بالقرح، والله يعيذنا من ذلك في الدنيا والآخرة بكرمه وجوده. -٢٠٤٩ - الحديث الحادي عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). وفي رواية: (من حج لله ، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)].

стр. 1872

* قوله: (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما)، إشارة منه ﷺ إلى أن كبار الطاعات يكفر الله بها ما كان بين الطاعة منها والطاعة الأخرى؛ لأنه لم يقل: كفارة لصغار ذنوبه بل أطلق إطلاقًا يتناول الكبار والصغار. * ثم قال: (والحج المبرور ليس (٩٩/ أ) له جزاء إلا الجنة)، يعني: أنه إذا زادت قيمته، وكثرة مقداره، وغلا ثمنه، فلم يكن يقاومه شيء من الدنيا، ولا نفيس من أعراضها، فلذلك قال: ليس له جزاء إلا الجنة، ومعنى ليس له جزاء إلا الجنة فهذا عقد يشتمل على أحكام كثيرة: فإن الجنة هي دار النظر إلى الله تعالى، وهي مقر الأمن من كل مخوف، والنيل لكل مطلوب، والوصول إلى كل مشتهى، والاجتماع لكل مشتاق، إلى غير ذلك. * وقوله: (من حج فلم يرفث)، أي امتنع عن الرفث والفسوق أيام الحج خاصة أزال ذلك كل وقت وفسوق سبق، فرجع إلى الصفاء والطهارة والخلوص كيوم ولدته أمه، لا ذنب له وبقي حجه فاضلًا له، وباقيًا عليه؛ لأن مما شرع الله أن الحسنات يذهبن السيئات والمذهب الأول. -٢٠٥٠ - الحديث الثاني عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها؛ فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث،

стр. 1873

يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: (في كل كبد رطبة أجر). وفي رواية: (أن امرأة بغيًا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فغفر لها). وفي رواية: (بينما كلب يطيف بركية، قد كاد يقتله العطش، (٩٩/ ب) إذ رأته بغية من بغايا بني إسرائيل، فنزعت له موقها، فاستقت له به، فسقته إياه فغفر لها به). وفي رواية: (أن رجلًا رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش، فأخذ الرجل خفه، فجعل يغرف له به حتى أرواه، فشكر الله له فأدخله الجنة)]. * في هذا الحديث من الفقه: اعتراض الشدائد للإنسان في أوقاته، وهي وإن كانت شدة في وقتها؛ فإنها سيقبلها الله نعمة في وقت آخر، فإن ذلك الإنسان لما اشتد به العطش، ذكر به غيره، فعرفه مبلغ الظمأ من الظمآن، فأوى إلى ذلك الكلب حين رآه في مثل حاله، فكان ذلك سببًا لرحمته الكلب، ورحمه الله به، من حيث إنه أبلاه أولًا حتى راضه وأدبه، فجعل

стр. 1874

رياضته تلك سببًا لرحمته خلقه، فرحمه . * وفيه أيضًا من الفقه: أن الرحمة في القلوب- حتى البهائم- سبب خيرة وأجر، واستعطاف لرب السماء والأرض؛ فإنه يرحم من عباده الرحماء. * وفيه: أن رحمة الدواب- حتى الكلاب التي لا أجر في اقتنائها بل وزر- أجرًا، فدل على أن رحمة ما هو أكرم منها من الدواب كالشاة، والبقر وغيرها، فيها أجر، فذكر ذلك على عادته في الإتيان بجميع الكلم فقال: (في كل كبد رطبة أجر). * وفيه أيضًا من الفقه: أن لطف الله ورحمته عباده تبلغ إلا أن بغيًا من البغايا المسرفات على نفوسهن بفجورهن مدة عمرها، رحمت في وقت واحد كبدًا رطبة، جرى مكان ذلك لها وسيلة إلى الله فأسقط عنها ما كان منها في عمرها لإنابة لحظة في رحمة (١٠٠/ أ) دابة غير كريمة، فكيف رحمة الآدميين المسلمين؟!، فجعل الله هذا حيث قدره وقضاه منيهة لعباده إلى يوم القيامة. -٢٠٥١ - الحديث الثالث عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح؛ لأتوهما ولو حبوا).

стр. 1875

وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوط على الطريق، فأخذه فشكر الله له؛ فغفر له، ثم قال: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله). وقال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول) ثم ذكر مثل ما تقدم في مثل هذين وفي التهجير والعتمة والصبح. وفي رواية: (لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة). وفي رواية: (ما كانت إلا قرعة). وفي رواية لمسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)]. * في هذا الحديث ندب إلى الأذان، وإنه لكذلك؛ لأنه إعلان بتوحيد الله سبحانه، والمؤذن يبلغ جهده برفع صوته، فيذكر الغافلين، ويعود قدوة للذاكرين، فكل من يقول مثل ما يقول؛ فإنه يجدد إسلامه ليدخل في الصلاة بإسلام جديد غير منثلم بما عارضه في نفسه أو خالجه في قلبه من خاطر سيئ، فيكون أجره وأجر شهادته لمن سن هذه السنة (١٠٠/ ب) وبدأ بها، وهو المؤذن؛ لأن من سن سنة خير، فله أجرها، وأجر من عمل بها، فكيف بما في الأذان من الفضائل.

стр. 1876

* وأما الصف الأول، فللقرب من الإمام، واستماع القراءة، وسلامة من دخل الصف الأول من تخطي الناس، وتمكنه من الجلوس، ولا يخفى عليه شيء من أحوال الإمام، ويكون هو مقتديًا بالإمام، ومن وراءه يقتدي به، فيكون له ثوابه، وثواب من يصلي وراءه؛ لأنه هو الوصلة بينه وبين الإمام، وكذلك له ثواب من يصلي وراء من يصلي وراءه هكذا، ما اتصلت الصفوف؛ لأنهم به يقتدون، وعلى فعله يبنون. * وأما الصبح والعتمة فإنهما يخلوان في الأكثر من رؤية أكثر الناس، فالمنافق والمرائي الذي لا يصلي إلا لأجل الناس، لا يمكنه في العصر والظهر ما يمكنه في الفجر، فإنه يغلظ في الفجر والعتمة. * وأما التهجير، فهو التقدم في الوقت، كما أن التبكير كذلك. * وفيه من الفقه أن الله ﷻ ، لا يضيع مثقال ذرة، حتى إن هذا المار في طريقه، رأى غصن شوك في الطريق، فأخره عن المارين فأجر، ولم يذكر أنه قطعه، فشكر الله له تأخيره الغصن فغفر له. * ثم ذكر الشهداء، ونزل آخرهم الشهيد في سبيل الله، ليعلم أن كلا منهم ليس بناقص الشهادة، ولا بمنزور الأجر، وإنما كانت هذه الأحوال توهم في الأكثر أن الميت قد أفلت أو قد نقص من أجله، أو لو لم يعرض به ذلك الأمر لم يمت؛ إذ ليس ما عرض له من الأمراض المعهودة التي تعاود الناس في الأكثر، فكان من ثبت إيمانه في مرض من هذه الأمراض، وعند الهدم، والغرق، يعلم أنه لم يمت إلا بأجله، فكان هذا الإيمان مبلغًا له إلى الشهادة. * وقوله: (خير صفوف النساء آخرها)؛ وذلك (١٠١/ أ) لأن أواخرها

стр. 1877

أبعدها عن الرجال، وأوائل صفوف الرجال أبعدها من النساء، وكان هرب من تهرب من النساء من الفتنة أو لخوف الفتنة، وهرب من يهرب من الرجال لذلك هو الذي جلب الخير إليه. -٢٠٥٢ - الحديث الرابع عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل عمل أكثر منه. ومن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه؛ وإن كانت مثل زبد البحر). وفي رواية: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك أو زاد عليه)]. * هذا الحديث مشروح الكلمات في مسند أبي أيوب، ونزيده هاهنا شرحًا فنقول: لما تكررت على لسان المسلم كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله،

стр. 1878

ومعناها نفي الإلهية بالتعميم؛ لأن لا إذا بنيت معها النكرة على الفتح دلت على تعميم النفي. ثم جاء الاستثناء المثبت بأقوى حروف الاستثناء وهي إلا التي هي معتمد بابه، وهي الكلمة إنما يقولها المؤمن إذا نظر حق النظر، فإنه يقولها عن يقين، ثم يقول: وحده لا شريك له، فيثبت له الوحدة، وينفي عنه الشركاء، ثم تبعها بأن له الملك، واللام في قوله: (له) لام الملك ولام الولاية، ثم قال بعد ذلك: وله الحمد، ولم يقل: (له الحمد (١٠١/ ب) والملك) ليدل على أنه ليس ملك يجمع الملك والحمد غيره. * وقوله: (وهو على كل شيء قدير)، وذلك أنه أتى إلى عباده بما يحمدونه عليه مع كونه سبحانه كان قادرًا على أن يأتي إليهم غيره إلا أنه رفق بهم، ودليل الرفق قوله: (وهو على كل شيء قدير)، ليفهمها من فهمها، فهذه إذا قالها العبد عند مشاهدة مقتضياتها، والفكر فيها في كل يوم مائة مرة، فلابد في بعض المرار من إفاقة، وهي المقصود؛ لكن الشرع جعل نفس نطقها محصلًا لقائلها من الثواب ما ذكره أبو هريرة في روايته للحديث من حيث إن نطقها يعرضه الهداية إلى معرفة معانيها. * فأما كونها بعشر رقاب، فإن العتق في لغة العرب أصله الخلوص؛ وقد تقدم ذكره كذلك، وتقدم ذكر كونها بعشر رقاب في مسند أبي أيوب، فلما كانت كلمة الإخلاص مناسبة للعتق، كان العتق مناسبًا لها، فأما عشر رقاب لمائة مرة، فإن لكل عشر مرار عتق رقبة. * وقوله في تضعيف ثواب قائلها: (إلا رجل عمل أكثر منه)؛ أي قال أكثر من هذه الكلمات.

стр. 1879

* وأما قوله: (سبحانه الله وبحمده)، فقد بينا أنها تنزيه لله من كل سوء، ومن كل ما لا يجوز عليه، فكانت منزهة لقائلها من خطاياه التي تجوز عليه وعلق به، فلما قال ما نزه الله به عما لا يجوز عليه [إلا أن] نزهه من خطاياه كلها التي تجوز عليه. -٢٠٥٣ - الحديث الخامس عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، (١٠٢/ أ)، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن الملائكة تصلي مع المصلين رغبة في فضيلة الجماعة، فلهذا إن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. * وفيه أن الملائكة تتبرك وتغتنم وتبادر إلى الدخول في جملة من دعا له الإمام عند قوله: (سمع الله لمن حمد) (ومن) تتناول من يعقل، فتبادر الملائكة إلى الجهر رغبة أن تشملهم الدعوة. * وقوله: (من وافق قوله قول الملائكة، غفر له)؛ لأنه توافق قول غير متدنس بالذنوب، فيكون ضياء أقوالهم يشمل ما عساه أن يكون في قول غيرهم من ظلمة.

стр. 1880

-٢٠٥٤ - الحديث السادس عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: (وما ذاك؟) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ : (أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟) قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: (تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة)، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (١٠٢/ ب) قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال لك: تسبح ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فرجعت إلى أبي صالح، فقلت له ذلك فأخذ بيدي، فقال: الله أكبر، وسبحانه الله، والحمد لله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله ... حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين. قال ابن عجلان: فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة، فحدثني بمثله عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، لفظ حديث مسلم، وليس عند البخاري قول أبي صالح: فرجع فقراء المهاجرين وما قالوا، وقال لهم رسول الله ﷺ بعد قوله: (تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل

стр. 1881

صلاة، ثلاثًا وثلاثين)، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه فقال: (تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون). وفي رواية للبخاري: قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات، والنعيم المقيم، وذكر نحوه إلى قوله: (أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؛ تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا). وفي رواية لمسلم: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم)، ثم ذكر مثل ما في الحديث الأول، وأدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين، ولم يجعله من قول أبي صالح، وذكره وزاد في آخره يقول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة). وفي رواية له: قال رسول الله (١٠٣/ أ) ﷺ : من سبح الله في دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، قال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده؛ لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)].

стр. 1882

* قد سبق في مسند أبي ذر؛ تفسير قوله: ذهب أهل الدثور بالأجور. * والذي أرى في تفسير هذا الحديث: أن الفقراء لما سمت همتهم إلى ألا يقصروا عن فضيلة غيرهم، كان هذا منهم محمودًا، فعاضهم النبي ﷺ من الإنفاق هذا التسبيح، فلما سمعه الأغنياء وقالون، كان من حسن فقه الفقراء أن الله سبحانه سيكتب لهم مثل تسبيح الأغنياء من حيث إنهم عنهم تعلموه ومنهم أخذوه، وكان الفقراء هو الذين من رسول الله ﷺ أثاروه، فلهم من الثواب مثل من عمل به من الأغنياء وغيرهم، فلما لم يفقهوا، جاءوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله، قد سمعوا التسبيح فقالوا؛ أخرجهم حرصهم إلى الخير إلى ما يشده عن حسن النظر في ثواب المقتدى بمن يقتدي، والتابع لمن يبتدئ، فكان جوابهم من النبي ﷺ أن قال لهم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، يشير إلى الفقه، فإن الذي أعطاهم رسول الله ﷺ هو عطية لا تقبل إلا من أيديهم، ولا تحسب إلا في موازينهم، فالأغنياء لا ينقص أجورهم؛ ولكن الفقراء يتضاعف ثوابهم، والفضل الذي ذكره رسول الله ﷺ هو فضل الآدمي في عمله وفقهه من قول الله سبحانه: ﴿ويؤت (١٠٣/ ب) كل ذي فضل فضله﴾ كل ذي فضل فضله إن شاء الله تعالى. -٢٠٥٥ - الحديث السابع عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية، ولكن لا أجد حمولة، ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشق علي أن يتخلفوا عني، فلوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت، ثم

стр. 1883

أحييت، ثم قتلت، ثم أحييت). وفي رواية: (والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل). وفي رواية: (والذي نفسي بيده لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل)، فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثًا (أشهد بالله). وفي رواية: (والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا؛ ولكني لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل). وفي رواية: (والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولكني لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ لما يعلم من فضل الشهادة،

стр. 1884

أحب أن يكون غازيًا في سبيل الله مع أصحابه المؤمنين؛ لأنه قال: (١٠٤/ أ) (لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة)؛ يعني فيحتملون، ولقد بين عظم أمر الشهادة، وفخم قدرها، حتى تمنى أن يبلغ فيها ما لم يبلغه أحد؛ فإنه لم يقتل أحدثم يعاد، فتمنى ﵇ مقامًا لم يبلغه أحد، وإن كان كل شهيد على وجه الأرض في ميزانه ﷺ ، وثوابه له. -٢٠٥٦ - الحديث الثامن عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، زاد حفص بن مسيرة- لأهل الإسلام- فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طيلها، فاستنت شرفًا أو شرفين كانت له آثارها، وأرواثها حسنات، ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء لأهل الإسلام- وقال حفص الصنعاني: على أهل الإسلام فهي على ذلك وزر، وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر؟ فقال: ما أنزل على فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾). وفي حديث حفص بن ميسرة: (فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها

стр. 1885

حسنات، ولا تقطع طولها، واستنت شرفًا أو شرفين إلا كتبت الله (١٠٤/ ب) له عدد آثارها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر، فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات ...)، ثم ذكره نحوه. في أول الحديث زيادة في مانع الزكاة تتصل به وأولها قال رسول الله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة ولا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وظهره، كلما ردت، أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار). قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: (ولا صاحب إبل لا يؤذي منها حقها- ومن حقها حلبها يوم وردها- إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار). قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم، لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مرت عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره

стр. 1886

خمسين ألف سنه، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار). قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: (الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، ولرجل ستر، ولرجل أجر). ثم ذكر الفصل الذي قدمناه إلى آخره. وفي رواية: (تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت- إذا لم يعط (١٠٥/ أ) فيها حقها- تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها. قال: ومن حقها أن تحلب على الماء، قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته، لها يعار، فيقول: يا محمد! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء، فيقول: يا محمد! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت). وهذا المعنى الأخير، هو في حديث أبي زرعة عن أبي هريرة أتم. وفي رواية للبخاري: (من حق الإبل أن تحلب على الماء). وفي رواية له: (من آتاه الله مالًا، فلم يؤد زكاته: مثل له ماله شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أن كنزك ثم تلا: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ...﴾ الآية. وفي رواية: (يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعًا أقرع). وفي رواية لمسلم: (ما من صاحب كنز، لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه

стр. 1887

في نار جهنم ...)، ثم ذكر نحوه. وقال في ذكر الغنم: (ليس فيها عقصاء ولا جلحاء) - قال سهيل: فلا أدري، أذكر البقر أم لا؟ - قالوا: والخيل يا رسول الله؟ قال: (الخيل في نواصيها) - أو قال: (الخيل معقود في نواصيها- قال سهيل: أنا أشك- الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر ...)، وذكر هذا الفصل إلى آخره على نحو ما تقدم، وفيه: (وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملا، ولا ينسى حق الله في ظهورها وبطونها، في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وزر: فالذي يتخذها أشرا وبطرًا، وبذخًا ورثاء الناس (١٠٥/ ب) فذلك الذي عليه وزر ...) ثم ذكره. وفي رواية: (إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في الثلاثة: بطح لها)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الأعمال بالنيات؛ لأن هذه الخيل من حيث صورها؛ فإنها في الملكة والاقتناء سواء، ومن حيث النيات في اقتنائها متفاوتة، فمن اقتناها لله، وحبسها في سبيل الله، فإنها له أجر كما قال رسول الله ﷺ ، ثم فصل ﷺ هذا الإجمال بأن ذكر: أن مالكها يؤجر على أول نيته بما يتبعها، وإن لم تكن له نية مجددة؛ بأنها لا ترعى في الكلأ المباح

стр. 1888

من روضة غير مملوكة إلا كان لصاحبها برعيها أجر؛ يعني ﷺ فكيف إذا أطعمها من ماله. ثم قال: (ولو أنه انقطع طيلها) أي: حبلها الذي تشد به، وهو لغة في الطول (فاستنت شرفًا أو شرفين)، والاستنان: أن يحضر الفرس وليس عليه الفارس، وذلك من النشاط، وأراد هاهنا أنه يمرج في الطول. والشرف: الموضع، والشرف والمرج: أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب؛ أي ترسل لترعى، والمراد أنها بسقيها بنفسها، وحركاتها من غير قصد صاحبها، تكتب لصاحبها حسنات، فكيف بالقيام عليها، ومراعاة إطعامها وخدمتها. * وقوله: (أو مرت بنهر)، وهذا يصرح أن النية الأولى كافية؛ لأنه لما وردت على نهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كان له حسنات. * وقوله: (وهي لرجل ستر)؛ يعني ﷺ أن الكسب ستر؛ وذلك أن الكاسب قد ستر بكسبه فقره؛ لأن من عادة الناس أن يحيلوا الكاسب على كسبه، بخلاف (١٠٦/ أ) من لا كسب له، فنفس ترك الإنسان الكسب يكون سائلًا للناس بلسان حاله، وبنفس الكسب يتغانى عن سؤال الناس بلسان حاله، فأراد أن الخيل يسترها، ولا أن يسألوا بمقالهم أو بحالهم. * وقوله: (ثم لم ينس حق الله في رقابها)، يدل على صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة من إيجاب الزكاة في الخيل.

стр. 1889

قوله: (ولا ظهورها)؛ يعني أن الله قد ندب إلى إعارتها للمحتاج إلى ذلك، إلا أن هذا الذي هي له ستر، بينه وبين الذي له أجر بون عظيم، إلا أن يكون ناويًا لتجارة فيها واستيلادها تكثير رباط الخيل في المسلمين للجهاد؛ فإنه يبلغ ثوابه في ذلك مبلغ نيته. * وأما الذي ربطها فخرًا ورياء ونواء، فالمراد بالفخر: أن يفخر بها على من لا خيل عنده، ورياء: ليرى الناس قوته بها، ونواء: معادة للإسلام، وهذه هي شرهن، فصارت عليه وزرًا. * وأما سؤاله ﷺ عن الخمر؟ فإنهم أرادوا بذلك هل فيها زكاة؟ فقال: (ما نزل على فيها شيء)؛ يعني من الزكاة (إلا هذه الآية الجامعة الفاذة) يعني الفردة التي جمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات، وهي قوله : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾؛ يعني أنه ليس فيها فريضة، ولكن من يعمل فيها خيرًا؛ من عبادة أو صدقة أو غير ذلك، فإن الله تعالى يرى ذلك، ويجازي عليه، حتى مثقال ذرة من خير أو شر. * وقوله: (ربطها نواء لأهل الإسلام) أي: معاداة لهم، يقال: ناويت الرجل نوًا إذا عاديته. والعقصاء: الملتوية القرنين. والجلحاء: الجماء التي لا قرن لها. والعضباء: مكسورة القرن (١٠٦/ب)، والعضب في الأذن قطعها. واليعار: صوت الشاء.

стр. 1890

والشجاع الأقرع، قال أبو عبيد: الحية، وإنما سمي أقرع؛ لأنه يَقْرى السم، ويجمعه في رأسه حتى يتمعط منه شعره. والزبيبتان: النكتتان السوداوان فوق عينه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه، قال: ويقال في الزبيبتين: الزبيبتان اللتان تكونان في الشدقين إذا غضب الإنسان. والأشر: التكبر والمرح والعجب. والبطر: الطغيان عند النعمة، قال الزجاج: البطر أن يطغى فيتكبر عند الحق فلا يقبله. الرياء: أن يظهر للناس من إرادته الجهاد بالخيل خلاف ما يضمر. وقوله في المال: (يحمي عليه صفائح) وهو الذي لا يؤدي زكاته فكلما كثر المال كثرت الصفيحة, وكان وقعها في جلده أوسع, والثلة: الجماعة الكثيرة من الغنم. -٢٠٥٧ - الحديث التاسع عشر بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي،

стр. 1891

ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار) [. * قد سبق هذا الحديث في مواضع. -٢٠٥٨ - الحديث العشرون بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: (سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة) قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة، من أنِّي لم أتطهَّر طهورًا تامًّا في ساعة من ليلة أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي. وفي رواية: (سمعت دفَّ نعليك)، والدَّفُ: التحريك). [

стр. 1892

-٢٠٥٩ - الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، قال: كنا مع النبي ﷺ في دعوة، فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُبْصرهم الناظر، ويُسمعُهُمُ الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم، ألا تنظرونَ منْ يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك (١٠٧أ) من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفعُ لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفعُ لنا إلى ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتُ بها على قومي، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك، أما ترى

стр. 1893

إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات .. فذكرها أبو حيان يحيى بن سعيد في الحديث، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه إلى الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم اُومرْ بقتلها، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا على عيسى، فيأتون عيسى: فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، (١٠٧/ب)، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضبَ اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون محمدًا. وفي رواية محمد بن بشير: فيأتون فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلي ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلقُ، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده؛ وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا

стр. 1894

محمد، ارفع رأسك، سلْ تعطه، واشفع تُشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، وإن من ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصري. وفي كتاب البخاري: كما بين مكة وحمير). وفي رواية: (وُضِعتْ بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع، وكانت أحبَّ الشاة إليه، فنهس نهسة، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون: كيْفَهْ؟ قالوا: كيْفه هو يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين ...). فساق الحديث بمعنى ما تقدَّم، وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم (١٠٨/ أ) هذا. وقوله: إني سقيم، وقال: (والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب، لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة)، لا أدري أيَّ ذلك قال؟). وفي رواية عن أبي هريرة وعن حذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : (يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم

стр. 1895

خليل الله، قال: فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلًا من وراءَ وراءَ، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا. فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا على عيسى، كلمة الله وروحه فيقول: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا فيقوم فيؤذّن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق. قال: قلت: بأبي وأمي، أي شيء كمر البرق؟، قال: ألمْ تروا إلى البرق، كيف يَمُرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشدّ الرِّحال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلّم سلّم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا. قال: وفي حافتي الصراط كلاليبُ معلقة مأمورة، تأخذ من أمرت به؛ فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفًا) [. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الذراع، وذلك أنه ﷺ (١٠٨/ ب) لم يتوخ من كل حال إلا الأصلح والأصوب، وذلك أن
следующие страницы →