Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار) [.
* قد سبق هذا الحديث في مواضع.
-٢٠٥٨ -
الحديث العشرون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: (سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة) قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة، من أنِّي لم أتطهَّر طهورًا تامًّا في ساعة من ليلة أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
وفي رواية: (سمعت دفَّ نعليك)، والدَّفُ: التحريك). [
стр. 1892
-٢٠٥٩ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: كنا مع النبي ﷺ في دعوة، فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُبْصرهم الناظر، ويُسمعُهُمُ الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم، ألا تنظرونَ منْ يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك (١٠٧أ) من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفعُ لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا؟
فقال: إن ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفعُ لنا إلى ربك؟
فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتُ بها على قومي، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك، أما ترى
стр. 1893
إلى ما نحن فيه؟
فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات .. فذكرها أبو حيان يحيى بن سعيد في الحديث، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه إلى الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟
فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم اُومرْ بقتلها، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا على عيسى، فيأتون عيسى: فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، (١٠٧/ب)، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضبَ اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون محمدًا.
وفي رواية محمد بن بشير: فيأتون فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلي ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟
فأنطلقُ، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده؛ وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا
стр. 1894
محمد، ارفع رأسك، سلْ تعطه، واشفع تُشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، وإن من ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصري.
وفي كتاب البخاري: كما بين مكة وحمير).
وفي رواية: (وُضِعتْ بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع، وكانت أحبَّ الشاة إليه، فنهس نهسة، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون: كيْفَهْ؟ قالوا: كيْفه هو يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين ...). فساق الحديث بمعنى ما تقدَّم، وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم (١٠٨/ أ) هذا.
وقوله: إني سقيم، وقال: (والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب، لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة)، لا أدري أيَّ ذلك قال؟).
وفي رواية عن أبي هريرة وعن حذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : (يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم
стр. 1895
خليل الله، قال: فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلًا من وراءَ وراءَ، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا.
فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا على عيسى، كلمة الله وروحه فيقول: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا فيقوم فيؤذّن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق. قال: قلت: بأبي وأمي، أي شيء كمر البرق؟، قال: ألمْ تروا إلى البرق، كيف يَمُرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشدّ الرِّحال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلّم سلّم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا.
قال: وفي حافتي الصراط كلاليبُ معلقة مأمورة، تأخذ من أمرت به؛ فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفًا) [.
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الذراع، وذلك أنه ﷺ (١٠٨/ ب) لم يتوخ من كل حال إلا الأصلح والأصوب، وذلك أن
стр. 1896
الذراع أصلح مضغة في الشاة وأقلها فضولًا، من حيث إنها أكثر أعضائها حركة، فلذلك تتحلل فضلاتها فتكون أحمد أعضائها غذاءً، فيسرع هضمها، وتكون على البدن فيما تحلل منه أعجل أعضاء الحيوان إخلاقًا.
* ومنها: أنه ﷺ نهس الذراع نهسًا، وذلك أجود للهضم، وأبعث للقوة الطاعمة.
* وفيه من الفقه أن رسول الله ﷺ لما أجاب الدعوة، وأكل الذراع ناهسًا منها، أخبر بشرف مقامه ليعلم أن التواضع لا ينافي شرف المقام بل يلائمه.
* فأما قوله ﷺ : (أنا سيد الناس يوم القيامة)، فإنه يعني به ﷺ : أنا سيد السادات، وكبير الكبراء، وكريم الكرماء؛ حيث تجمع السادات من الأنبياء كلهم، فأكون حينئذٍ سيد الناس ذلك اليوم، الذي يعقب كل سيادة ولا يعقبه ما ينقضه.
* فأما قوله: (هل تدرون: ممَّ ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد)، والصعيد: الأرض المستوية.
* (يبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي)، ومعنى ذلك أن الصعيد يمتد من غير شرف يرد الطرف، ولا جبل يحول دون المرأى، فيكون بصر كل إنسان ذلك اليوم حديدًا؛ ليبلغ بصر كل واحد من أهل الموقف إلى كل أحد من أهل الموقف على كثرتهم حتى إن الواحد منهم لينظر من الأشكال مقدار البيضة، وبينه وبينها كما بين المشرق والمغرب، وذلك ليشاهد كل واحد من الجمع
стр. 1897
عظمة الله تعالى، وكثرة من يقف في العرصة؛ فقال النبي ﷺ : (يبصرهم (١٠٩/ أ) الناظر، ويسمعهم الداعي)، ثم قال ﷺ : (تدنو منهم الشمس)؛ يعني تقرب، وقد يرون قربها، فإذا ارتفعت في طول أيام الصيف، وأنها على دنوها بينها وبين الأرض ألوف الفراسخ، كيف يكون حرها؟! فبماذا يوصف دنوها يوم القيامة، حتى تكون عند رؤوس الناس، على كثرة ذلك الزحام، وتصاعد الأنفاس الحرار.
ثم يطول المكث انتظارًا يستراح منه إلى دخول النار، حتى يأتون آدم ﷺ ، فيعتذر إليهم بشدة غضب الله سبحانه في ذلك اليوم لقوله: إن ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله.
وهذا فلا أراه إلا عن علم قد كان عنده منه، وعند الأنبياء كلهم حتى قالوه. ولا أراه إلا من حيث إن الله تعالى لما أمهل الخلائق، وأخر انتصار المظلوم مع تكرار استصراخه به سبحانه، وأمهل الكافر مع جحده الحق وغمطه الصواب، وإرجائه سبحانه أهل النفاق على ما يسد الصبر عند كل محق، يتراخى استطالة الباطل عليه، فكان لاشتداد غضبه في ذلك اليوم بمقتضى طول إمهاله، وتضاعف سخطه بحسب اندفاع أخذه، حتى ظن الكافرون أنهم مهملون أو مغفول عنهم.
قال الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ الآية.
* وأما قول آدم نهائي عن الشجرة فعصيت؛ فإن هذا القول ليس من آدم دالًّا على ارتياب؛ بأن الله تاب عليه من ذلك الذنب، فإن الله تعالى قرأ طه ويس
стр. 1898
قبل أن يخلق الخلق. وفي طه ذكر التوبة على آدم وهو قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ (١٠٩/ ب) فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، إنما رأى أن غفران الذنب إقالة عثرة وليس بارتفاع درجة، فكأنه قال: أنا وإن كان قد غفر ذنبي؛ فإنه لا يحسن بي أن أتهجم بالشفاعة في حق البُراء من الأنبياء والمرسلين؛ لأن من آداب الشفيع ألا يشفع فيمن يعلم أنه أوجه عند المشفوع إليه.
* وقوله: (نفسي نفسي)، لا أراه إلا نهيًا لهم عن التزكية التي ذكروها، من أنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته؛ يعني ﷺ أن النفس عند التزكية، لا يؤمن عليها نزق، فنهاهم عن ذلك بقوله: (نفسي، نفسي).
فأما تكرير قوله: (نفسي، نفسي، نفسي)، فإنه كرره تكريرًا هو أقل الجمع، ولو قيل: إنهم لما زكوه بثلاثة فصول؛ أحدها: خلق الله له بيده، وثانيها: نفخه فيه من روحه، وثالثها: سجود الملائكة. فقال ﵇: نفسي، نفسي، نفسي، ثلاث مرات مقابلًا لكل تزكية منها بمرة من المرات الثلاث كان وجهًا.
* وقوله: (اذهبوا إلى نوح، فيقول نوح: إني قد كانت لي دعوة، دعوت بها على قومي)، فليس يعني بهذا أن ذلك كان ذنبًا مني، ولكن هو من معنى قول النبي ﷺ : (إن لكل نبي دعوة)، فقال نوح ﵇: إني دعوتي التي كانت وحكمت في أن أجاب إليها، دعوت بها على قومي، فلم يبق لي دعوة أخرى أعرضها في مثل ذلك.
وقول نوح: (نفسي، نفسي، نفسي)، فإنه لما قدمنا ذكره من مخافة
стр. 1899
التزكية وتكريره لذلك؛ فلأنه أتى بعدد هو أول الجمع، ولعله اقتدى في ذلك بأبيه آدم حيث كرر قوله: نفسي، نفسي، نفسي ثلاثًا مقابلًا بها فصول التزكية الثلاثة؛ لأن ذلك مما خبأه الله (١١٠/ أ) لنبينا ﷺ .
* وقول إبراهيم واعتذاره؛ لأنه قال قولًا يشبه الكذب، ولا أرى أنه رأى ذلك نقصًا في حالة الأمن؛ حيث أتى بقول ظاهره يُرضي به العدو، له فيه مخرج، فلام نفسه كيف لم يقل الحق صادعًا به على نطق لا يحتمل تأويلًا حتى يرغم الكفار لأنهم لا يرون لجهلهم أنه قال قولًا يحتمل أن يطعن عليه بالاستحالة، وإن كان له وجه لقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. ويعني بذلك أنهم لما قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ أخرج إليهم الجواب في مخرج فقال: (﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فسلوهم على معنى التبكيت لهم، والاستهزاء منهم؛ أي نعم فعلته، وإلا فمن يفعله كبيرهم هذا؟ وهذا فإن فهمه منهم آحاد بقي الباقون في غمار أنه قال قولًا لم يكن كما قال، فيغلط سوء ظنونهم فيه، فاعتذر من ذلك، ورأى أنها كذبة من حيث الحال، وكذلك لما قال للملك: (هذه أختي) عن زوجته، وهي أخته في الإسلام كما قال إلا إنه من حيث إنه عرضها لأن يلتمس نكاحها الفاجر، اعتذر من ذلك وسماه كذبًا في الحال.
وقوله لما رأى الكوكب: (إني سقيم)، فالذي أراه أنه أراد إني سقيم في المستقبل أي سأسقم، كما قال سبحانه لنبيه ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ وخاطبه بذلك في حال حياته أي: سيموت إلا إنه من حيث إن جهالهم يرون ذلك كذبًا، رآه إبراهيم ﵇ في حاله نقصًا يغاد خجلًا منه، وهذا مما يدلك على أن يوم
стр. 1900
القيامة تصفو فيه الأذهان، ويعظم فيه من كل أحد التحرير حتى الأنبياء، ولم يكن (١١٠/ ب) لإبراهيم صلوات الله عليه وآدم ونوح لما استعملوا التحرير وجودوا التفتيش إلا هذا القدر، فكيف بمن لعله في كل يوم يحصى عليه الألوف من الذنوب؟!
وقوله: (نفسي، نفسي، نفسي)، فيه المعنى الذي قدمنا ذكره في نوح؛ لأن الإنسان في القيامة في موقف حذر، ولا يأمن حتى يدخل الجنة.
* وأما قول موسى ﵇: (إني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها)، فإنه إنما قتل نفسًا كافرة مباح قتلها، ولكن إنما أخطأ من حيث إنه لم يكن تقدم له إذن في ذلك من الله ، وقد أخبرنا الله سبحانه أنه تعالى غفر له ذلك، وأن موسى علم أن الله غفر له، وإنما تفكر موسى ﵇ فوجد أن المهيج لقتل النفس التي قتلها، كان من العصبية لقومه، والله قد غفر له قتل النفس، إلا أنه بقي معه خجل أن يكون إنما أثار ما أثار منه حتى قتلها، العصبية لقومه لا الغيرة لله، وقوله: (نفسي، نفسي، نفسي) على نحو ما تقدم.
* فأما كون عيسى ﵇ لم يذكر ذنبًا، فإنه قال: (نفسي، نفسي)، مرتين، وكلهم قالها ثلاثًا، فلا أراه إلا لقربه من صاحب البحر، وكونه لم يبق بينه وبينه أحد، فلم يكن يحسن أن يذكر ذنبًا يشير إلى السائلين بأن هذا الذنب منعني من السؤال، وهو يعلم أن الوجيه صاحب الأمر مصدق المرسلين كلهم، لم يبق بينه وبينه أحد، بل أشار لهم إليه، ودلهم عليه، فلم يذكر ذنبًا، وحتى اختصر في قوله: (نفسي، نفسي) مرتين من ثلاث حتى يسرع بإرشادهم إلى صاحب المسألة لأنه ﷺ صدق المرسلين كلهم.
стр. 1901
* فأما قول كل واد منهم: اذهبوا (١١١/ أ) إلى غيري، اذهبوا على فلان، فإن ذلك مشير من كل منهم إلى أنه كان على طرف لسانه ذكر محمد ﷺ ، على علم منهم كلهم أنه صاحب الأمر، لكن لم يحسن بالواحد منهم ﵇ أن يرشد إلى النبي ﷺ وبينه وبينه عدد من الأنبياء، فيكون هضمًا منه لمنازلهم، وليكون أيضًا كل المرسلين دالًّا عليه، ومرشدًا إليه، فيتعين الأمر له ﷺ باعتراف أماثل الأنبياء له وإشارتهم إليه.
* وقوله ﷺ : (فأنطلق فآتي تحت العرش)، وعرصة القيامة تحت العرش، ولكن أراد ﷺ أن يمشي لأجل الشفاعة، ويسعى في فكاك أهل الجمع إلى حيث يخر ساجدًا لله تعالى، ثم قال: (فيفتح) الله علي من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي). وهذا يدل على أن الله تعالى يعلم من محامده في ذلك الوقت ما يخصه به، مما لم يكن قد عرفه نبي قبله.
* وقوله: (يا محمد، ارفع رأسك)، وهذا مما يدل على أن أحسن ما قدم ين يدي الشفاعة من المحامد، والتعريض، ما يحبه المشفوع حتى يأذن في السؤال ليعطى الشفاعة، ويشفع.
* وقوله: (ارفع رأسك)؛ يعني من السجود.
وقوله: (فأقول أمتي يا رب)، ثلاث مرات، وهو ﷺ إنما جاء شافعًا لأهل الجمع حتى الأنبياء، فكيف لم يذكر إلا أمته، وكرر السؤال فيهم ثلاثًا، فالظاهر من هذا أن الراوي للحديث قد يرويه مرة مختصرًا، علمًا بأنه قد سمع منه ما كان اختصره، ثم يكون السامع له ممن لا يستجيز أن يزيد فيه، ولا أن ينقص منه (١١١/ ب) فيروي منه ما سمع، فيأتي على مثل هذا، فيجوز أن
стр. 1902
يكون تمام الحديث إذا أعوزه معنى مما قد أخل به الراوي، إلا إن هذا الحديث ها هنا يدل على أن قوله: (أمتي، أمتي، أمتي)؛ أي إنك وعدتني أن أمتي يكونون أول الناس حسابًا، وأنهم المقضي لهم قبل الخلائق كما تقدم، فأراد ﵇ أن يعلم ربه أنه غير مرتاب بوعد وعده إياه، وأنه واثق بما وعده من ذلك، فأراد: يا رب اقض الحساب على الحال التي وعدتني من أنك تقضي بين أمتي أول الخلائق ثم يتبعهم الناس، فيكون كأنه سأل في الخلق كلهم.
* فأما قول الله : (أدخل من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، قد أفرد لكل من لا حساب عليهم من أمتك، وإنهم شركاء الناس في باقي الأبواب.
* وقوله: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وحمير)، وتلك المواضع كلها متقاربة في البعد، فهذا مما يدل على عظم سعة ما بين المصراعين من مصاريع الجنة.
* وقول النبي ﷺ : أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم إنه لما رأى أصحابه لا يسألونه عن ذلك، بعثهم على سؤاله بقوله ﷺ : (ألا تقولون: كيفه؟، وهذه الهاء في كيفه هاء السكت.
قد سبق شرح هذا الحديث حديث الشفاعة في حديث أنس وغيره.
-٢٠٦٠ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل
стр. 1903
فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن (١١٢/ أ) بالبعث الآخر)، قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: (الإسلام أن تعبُدَ الله، لا تشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)، قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إلا تراه فإنه يراك).
قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل؛ ولكن سأحدِّثُك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن كثير من الناس، وإذا تطاول رِعاءُ البهم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾).
قال: ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : (رُدُّوا عليَّ الرَّجل)، فأخذوا ليردُّوه فلم يروا شيئًا. فقال رسول الله ﷺ : (هذا جبريل ﵇، جاء ليعلم الناس دينهم).
وفي رواية: (إذا ولدت الأمة بعلها) يعني السراري.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: (سلوني) فهابُوهُ أن يسألوه، فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ ثم ذكر نحو ما في الذي قبله من السؤال وزاد أنه قال له في آخر كل سؤال منها: صدقت.
стр. 1904
وقال في الإحسان: (أن تخشى الله كأنك تراه)، ثم اقتص الحديث إلى آخره، قال: ثم قام الرجل فقال رسول الله ﷺ : (ردوه علي) فالتمس (١١٢/ ب) فلم يجدوه، فقال رسول الله ﷺ : (هذا جبريل أراد أن تعلموا، إذا لم تسألوا). قال البخاري: جعل ذلك كله من الإيمان).
* هذا الحديث قد سبق في مسند عمر ﵁، وفي مسند ابن عمر ﵁، وتكلمنا عليه.
-٢٠٦١ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. فقال: (تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا، ولا أنقص منه، فلما ولي قال النبي ﷺ : (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذ [).
* هذا الحديث قد سبق في مواضع، وتكلمنا عليه.
стр. 1905
-٢٠٦٢ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائتين:
]
عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلُولَ، فعظّمه وعظَّم أمره ثم قال: (لا ألفِينَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة، على رقبته بعيرٌ له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، يقول: يا رسولا لله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته (١١٣/ أ) نفسٌ لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخْفقُ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. لا ألفينَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول لا أملك لك شيئًا، قد أبلغت)].
* هذا الحديث يدل على تشديد في الغلول، قد سبق في مواضع ذكر الوعيد على ذلك.
стр. 1906
والرغاء: صوت البعير.
والحمحمة: صوت الفرس.
والثغاء: صوت الشاة.
وأما الرقاع التي تخفق: فلا أراها إلا ما يكون من الذنوب في ذمة الإنسان، وما يكسبه بخطه مما لا يحل.
والصامت من المال: الذهب والفضة.
-٢٠٦٣ -
الحديث الخامس والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يُهلك الناس هذا الحي من قريش). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم؟).
*وفي رواية: (هلاك امتي علي يدي أغيلمة من قريش) فقال مروان: علمه. قال أبو هريرة: إن شئت بني فلان وبني فلا)]
* ما أرى هذا الحديث ينصرف غلا إلى من أثار الفتن من أحداث بني أمية ويدل عليه قول النبي ﷺ : أغيلمة من قريش؛ أي تجمعهم قريش، فيخلص
стр. 1907
بنو هاشم، وبنو العباس، وبنو عبد المطلب من هذا.
-٢٠٦٤ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (١١٣/ ب): (إن أول زمرة يدخلون الجنة: على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيٌّ في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوَّطون، ولا يتْفُلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة -الألنجوح عُود الطيب- أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء).
وفي رواية: (إن أول زمرة تلج الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم من الحُسْن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغُض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا).
وفي رواية: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، ثم ذكر نحو حديث همام، وفيه: (قوبهم على قلب رجل واحد، وفيه: (لا يسقمون، ولا يمتخطون) وفي آخره: (ووقود مجامرهم الألوة) قال أبو اليمان: يعني العود.
وفي رواية: (أول زمرة تدخل الجنة: على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دريّ في السماء إضاءة، قلوبهم على
стр. 1908
قلب واحد، لا تباض بينهم، ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين، يُرى مُخّ سوقهن من وراء العظم واللحم).
وفي رواية لمسلم: (أول زمرة تدخل الجنة من أمتي، على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدّ نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل)، قال ابن أبي شيبة (١١٤/ أ): (على خُلُقِ رجل).
وقال أبو كريب: (على خلْقِ رجل).
وفي رواية: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجالُ أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أوَلم يقل أبو القاسم ﷺ : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دريّ في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة عزب؟).
وفي رواية: اختصم الرجال والنساء: أيهم في الجنة أكثر؟ فسألوا أبو هريرة، فقال قال أبو القاسم ﷺ : ... وذكر مثل ذلك)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن أكثر المؤمنين نورًا؛ أولهم دخولًا الجنة، وأن أهل الجنة على كون الجنة تجمعهم؛ فإنهم ليسوا سواء في دخولها، فإن
стр. 1909
منازلهم على حسب منازلهم، والذين يكونون على صورة القمر ليلة البدر، ينتشر نورهم حتى يضيء لهم ولغيرهم، ومعنى تشبيههم بنور القمر؛ لأنه نور لا ضرر فيه، ولا وهج.
* ثم قال في حق الذين يلونهم، (على أشد كوكب دري في السماء)، يعني ﷺ أن الذي بقي بعد القمر، يمكن التمثيل به؛ هو أشد كوكب إضاءة.
* وقوله: (لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون)؛ فلذلك لأن أغذيتهم ما لا تفل له، وإنا هي جواهر كلها، ويعدون منها بحسب ما يستلذون، فإن أبدانهم حينئذٍ معمورة عمارة لا تقبل الانهدام، وإنما يأكلون الطيبات تلذذًا وتنعمًا، لا حاجة ولا تقوتًا.
* وقوله: (إن أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك) أي: يطيبهم رشحهم.
* وقوله: (على خلق رجل واحد) يعني: أن طولهم (١١٤/ ب) في الهواء ستون ذراعًا، وذلك أن كلما عظم البدن، وازدادت بسطته، زاد التمتع به، وزادت القوى على اللذات. فأما اختلاف الرواة في أنهم على خَلْقِ رجل واحد، فمن روى على خَلْق رجل واحد بمعناه أنهم مستوون في حسن الصورة، بحيث لا يرى أحد منهم أن غيره أحسن منه، وأما من روى على خُلُق رجل واحد، فيدل على أن أغراضهم متحدة، فلا يريد واحد منهم ما يكره منه الآخر، فلا يجري أبدًا ليهم ولا بينهم نزاع، ولا يحدث عنهم خلاف.
* والحور: البيض، والعِين: الملاح الأعين، وقيل: كبار الأعين حسانها.
* وقال: (ومجامرهم الألوة). قال: أبو عبيد: الألوة: العود الذي يتبخر به، فارسية معربة، ومنه الحديث: كان ابن عمر يستجمر بالألوة غير مطراة،
стр. 1910
وفيه لغتان: ألوّة، وألوة.
* وقوله: (لكل منهم زوجتان)، يعني ﷺ بذلك نفي الغيرة، فإن الزوجتين مظنة شدة الغيرة؛ بخلاف الثلاث والأربع فأراد إنهما لا يتخاصمان ولا يتغايران.
* وقوله: (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم) أي: عظامهما لا يواريان مخ سوقهما من صفاتهما.
* وقوله: (لا تحاسد بينهم)، يعني أن الله تعالى نزع الغل من قلوبهم وصدورهم، وفي تفسير هذا معنيان:
أحدهما: أن يكون المراد بنزع الغل، إزالته من القلب.
والثاني: نزع موجباته، وأن الجنة لا تبقي لمن يدخلها أمنية إلا ويبلغها ويزاد عليها ثم تنقطع الأماني، والرفد عنهم لا ينقطع، من حالتهم هذه لا يتصور فيما بينهم التحاسد.
* وقوله: (يسبحون الله بكرة وعشيًّا)، يجوز أن يكون الإشارة بهذا التسبيح إلى أنه في الجنة، فكلما تجددت له نعمة من النعم سبحوا، وقد نطق القرآن بآيتين: رزقهم فيها بكرة (١١٥/ أ) وعشيًّا، ويجوز أن تكن الإشارة إلى الدنيا فيكون هذا وصفًا كما كانوا عليه من تسبيحهم بالغداة والعشي.
* وقوله: (ولا يسقمون)، فإن الله تعالى كتب لهم المن والسلامة من كل مخوف كان في الدنيا: من هم، وسقم، وأذى، ونصّب، وفقر، وموت.
* وقوله: (لكل واحد منهم زوجتان)؛ يعني من الحور العين، فأما نساء
стр. 1911
الدنيا في الجنة فقليل، بدليل بقية الأحاديث، وقد ذكرنا مصداق هذا في مسند عمران بن حصين وغيره.
-٢٠٦٥ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك).
وفي رواية: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك، أدناك [
* في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر بالقسط، وندب إلى العدل، فإن الآدمي تتكلف له أمه من حملها إياه في حشاها حالًا يضرب بها الأمثال في العمرة لمكان الذي تشفق عليه، ثم إنه يأخذ من غذائها الذي يتجاوز حلقها، فتغذيه من دمها ولحمها، فإذا وضعته كان غذاؤه من ثدييها؛ بأن أحال الله ذلك الدم الذي كانت تغذوه به في حشاها إلى ثدييها، تغذيه منهما لبنًا خالصًا سائغًا، ثم إنها جعلت فخذاها له مهادًا، ولبنها زادًا، وحملته وهنًا على وهن، وكرهًا
стр. 1912
على كره، إلا أنها على ما قاست منه في كل ذلك لم يشنه ذلك عندها، ولا أثر عظم أذاه في نفسها، بحيث يحملها ذلك على أن تشنأه أو تبغضه، بل كانت تتجرع أذاه محبة له، وتصبر على تجرمه وتعنته (١١٥/ ب) مستلذة لطول صحبته، تود أن لو فدته بنفسها، فهذا هو الخوف بالغ، وإن كان قد جبل عليه طبعها، فإنه قد وصل إلى هذا المحسن إليه نفعه، فكان من جزاء الإحسان، أن يكون فاضلًا لها في المجازاة إذا أحسنت إليه في حال ضعفه، وكان جزاؤه لها في حال قوته، إلا إنها لما قصرت قدرته عن أن يفضل عليها في الجزاء، فقد كان ينبغي أن يجازيها بغاية الوسع الذي لا تنتهي قدرته إلى غيره، فإذا غفل عن هذا كله ونسي إحسانها القديم إليه، وأراد أن يكون من الكافرين بحاله لأول المحسنين بعد الله إليه، فليس يرجى من مثل هذا خير إذن، إلا أن يكون قد كان غافلًا ناسيًا مشدوهًا عن تفقدها؛ فإنه يتعين عليه أن يتدارك ذلك.
* فقول رسول الله ﷺ ، لما قال له الرجل من أحق الناس بصحابتي؟ قال: (أمك ثم أمك ثم أمك)، ثلاثًا يعني به ﷺ فيما أرى أن لها الحق الأول؛ حيث كنت حملًا في حشاها، ولها الحق الثاني؛ حيث كنت رضيعًا في حجرها، ولها الحق الثالث؛ حيث كنت صغيرًا في كتفها.
فهذه حقوق ثلاثة، ثم قال له في الرابعة: (ثم أباك)، يعنيك إن أباك وضعك شهوة، وأنفق عليك من مال الله، الذي أوجب عليه إنفاقه، فإنه حق عظيم إلا أن الأم تفضله بما ذكرناه؛ فلهذا وصى رسول الله ﷺ بالأمهات.
* وقوله بعد ذلك: (ثم أدناك، أدناك)، يعني ﷺ أن برك وصلتك ينبغي أن ترتبها على نحو ما رتبها الله في الميراث، فإنه سبحانه لم يورث إلا الأدنى
стр. 1913
فالأدنى، فأراد ﵇ أن يكون العبد متابعًا في بره في الدنيا القرابة الأدنى فالأدنى على حسب المواريث بعد موته، فكان هذا من أحسن الكلام وأشرقه كفاية وإقناعًا.
-٢٠٦٦ -
الحديث الثامن والعشرون (١١٦/ أ) بعد المائتين:
] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (انتدب الله -ولمسلم في حديث جرير عن عمارة- تضمَّن الله لمن خرج في سبيله- لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي -فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة).
وفي رواية: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله -لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته- أن يدخله الجنة، أو يرُدّه إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة).
وفي رواية: (مثلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم وتوكَّل الله للمجاهد في سبيله، بأن يتوفاه: أن يُدخله الجنة، أو يرْجعه إلى بيته سالمًا مع أجر وغنيمة).
وفي رواية: (تضمَّن الله لمن خرج في سبيله ..)].
стр. 1914
* في هذا الحديث سوى ما تقدم ذكره، أن قوله: (انتدب في سبيله)، بمعنى أجاب، يقال: ندبت فلانًا للجهاد فانتدب؛ أي أجاب، ويجوز أن يكون بمعنى تضمن، وتكفل، وتوكل؛ لأن هذا النطق يشمل الكفالة والضمان، فلم يبق لهذا المعنى اسم فيما أعلم سوى هذه الألفاظ، ليكون الناهض في سبيل الله، قد كفل له، وانتدب وضمن، وتوكل.
* وقوله: (فهو ضامن علي)، فيه وجهان:
أحدهما: أن محمدًا ﷺ ضمن ما ضمن علي؛ فإني أفي بما ضمنه علي نبيي محمد ﷺ
والوجه الثاني: فهو علي، وأنا ضامن له.
* وقوله: (أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه)؛ وذلك أن الغازي قد يأتي مرة بغير غنيمة من الدنيا؛ فيكون له الأجر فحسب ويأتي مرة بأجر وغنيمة.
* وقوله: (لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي)؛ يعني أنه لا يكون خروجه لعداوة قوم، ولا ليذكر، ولا ليكسب.
* وقوله: (أن أدخله الجنة)، مبتدئًا بذلك على ذكر الأجر والغنيمة؛ لأن دخول الجنة كان (١١٦/ ب) عن تفصيل؛ لأنها جملة تتضمنها تفاصيل كثيرة.
* وأما قوله: (مثل المجاهد في سبيل الله؛ كمثل الصائم القائم)، فهذا لا يدل
стр. 1915
على أن الصيام والجهاد أفضل من الجهاد في سبيل الله حتى يقاس عليه، وينضاف إليه؛ لكن على أن المجاهد في سبيل الله له أجر الجهاد؛ كأجر الصائم القائم مضافًا إلى فضيلة الجهاد.
* وقوله: (والله أعلم بمن يجاهد في سبيله)؛ يعني أنه سبحانه مطلع على نيات عباده، عالم بمن يجاهد في سبيله أو سبيل غيره.
-٢٠٦٧ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مكلوم يكلَم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون دم، والريح ريح مسك).
وفي رواية: (كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت, تفجر دما, اللون لون دم, والعرف عرف المسك)
وفي رواية: (لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، واللون لون دم، والريح ريح المسك).
* في هذا الحديث من الفقه أن الله من كرامة المجاهد عنده، أنه إذا كلم أو أصابه أثر لم يزل ذلك الأثر عن هيئته، حتى يكون ذلك الكلم
стр. 1916
والأثر، شاهدان له في ذلك الملأ الكريم، فهو أحسن من الحليّ على العروس، وكلما كان منه شيء في وجهه أو صدره، تهلل له وجه الغازي يومئذٍ، وود أن لا يغطي، ومعاذ الله، أن يكون شيء من ذلك في ظهره؛ فإنه يخجله، ويود لو أنه لم يَبْدُ.
- وأما قوله: (وريحه ريح المسك)؛ فإنه يدل على أن كل من يبلغه ريحه بقرب منه، ويدنو إليه، فأرى أن رسول الله (١١٧/ أ) ﷺ ذكر هذا للغزاة ليكونوا على حذر من أن يردوا يوم القيامة، ومن جراحهم شيء في غير وجوههم وصدورهم. والكلم: الجرح. والعرف: الرائحة.
-٢٠٦٨ -
الحديث الثلاثون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة، سكتَ هُنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سُكوتكَ بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: (أقول: اللهم نقني من خطاياي، كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء البارد) [.
* في هذا الحديث أن الإمام يمسك عن الجهر بالقراءة هنية؛ ليقرأ فيها المأمومون فاتحة الكتاب، وكما أنهم يقرؤون فاتحة الكتاب، فيستحب للإمام ألا يكون وقوفه سكوتًا بغير ذكر؛ بل يذكر الله سبحانه في سكوته سرًّا في
стр. 1917
نفسه، ليستوفي المأمومون القراءة، ويكون هو أيضًا قد سأل سؤالًا يلائم حاله، فإنه شفيع لمن وراءه، كما سأل رسول الله ﷺ في هذا بأن قال: (اللهم نقني من خطاياي)، فأراد ﵇ أن يبدأ بالسؤال أن ينقيه الله من خطاياه قبل الشروع في الصلاة؛ ليكون ذلك قدوة لمن صلى بقوم، وهو ممن يجوز عليه الخطايا؛ فإن رسول الله ﷺ ليس فيه دنس، وقد قال: (نقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) أي: احمني أن أتدنس.
- وقوله: (اغسلني من خطاياي بالماء البارد والثلج)، معناه أنه سأل أن ينقيه الله من ذنوبه ويغسله منها مع العافية لا البلاء ومع المعافاة لا مع الأمراض.
-٢٠٦٩ -
(١١٧/ ب) / الحديث الحادي والثلاثون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (أن تصدَّقَ؛ وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر، وتأمل الغنى).
وفي حديث ابن فُضيل: (وتأمل البقاء، ولا تُمْهِلُ حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان)، وفي أول حديث ابن فضيل: (أما وأبيك لتُنَبَّأَنَّه: أنْ تصدق وأنت صحيح شحيح).
وفي أول حديث أبي كامل الجحدري: أيُّ الصدقة أفضل؟ [.
стр. 1918
* في هذا الحديث أن الله كان قادرًا على أن يغني الخلق فلا يجد أ، حد مصرفًا لصدقته، إلا أن ذلك كان يعود ضارًّا للخلق من وجوه: منها أنهم كانوا لاستغنائهم كلهم؛ لأنه لم يكن أحد منهم يحتاج إلى أن يعمل غيره شغلًا؛ فكان من يريد حاجة من دواء في بلد ناءٍ بعيد أو حاجات دواء في بلاد نائية بعيدة يحتاج أن ينهد بنفسه إلى ذلك البلد، فيأتي بتلك الحوائج منفقًا على كل حاجة منها أضعاف ثمنها، وعلى هذا في الصناعات والحرف والمهن وغير ذلك، فكان يفتقر الكل، ويضطرب التدبير، وإنما كانت حكمة الله سبحانه أبلغ، وتقديره أنفع، أن عمم الفقر في الكل حتى استغنى الكل، وفي هذا أقول:
جسوم لا يلائمها البقاء .... وأجزاء تخللها الثواء
وكون الشيء لا ينفك يعني .... بذلك أن غايته الفناء
نكب على التكاثر وهو فقر .... وتعجبنا السلامة وهي داء
ونجزع للشدائد وهي نصح .... وتلهينا وقد عز الرجاء
(١١٨/ أ)
تنافى الناس فانتفوا اضطرارًا .... وقد يرجى من الداء الدواء
وعم الفقر فاستغنوا ولولا .... عموم الفقر ما عم الغناء
* وكان معنى الصدقة أن الله تعالى وضعها ليبلو بعضنا ببعض، وينظر كيف نعمل فيما حولنا، فاقتضى هذا ألا تسمى الصدقة صدقة إلا أن يتصدق بها المتصدق، وهو صحيح شحيح يخشى الفقر، ويأمل البقاء أو الغنى؛ لأنه في ذلك على هذا المعنى تصح البلوى، ويستقيم الأصل، فأما إذا بلغت الحلقوم،
стр. 1919
ويئس من الحياة، وعلم أنه خارج عما هو فيه ينتقل إلى غيره، قال حينئذٍ: لفلان كذا, ولفلان كذا، فإنه إنما جاد حينئذٍ بما ليس له، وأخرج ما تيقن خروجه من يده.
* فأما قوله: (أن تصدق وأنت صحيح)، فإن المرض منذر بالموت. وقوله: (وأنت شحيح)؛ يعني ﷺ أن كل نفس على الإطلاق لا يزايلها شح، فإذا عصى شحه ذلك مجاهدًا لنفسه، كان محسوبًا في جملة المجاهدين في سبيل الله.
* وأما قوله: (تأمل البقاء)؛ يعني أنه إذا كان على أمل من البقاء؛ فإن الصدقة تحسب له على ما وعده الله بها؛ لأنها لم تخرج ممن يئس من الحياة.
* وأما قوله: (تأمل الغنى) في الرواية الأخرى، فإن الذي أراه أن الذي يأمل الغنى يكون أشد من الغني في الجمع والاحتشاد؛ فإذا عاصي هواه، وجاهد شرهه وحرصه، وتصدق به، كان له فيه فضل آخر إن شاء الله.
-٢٠٧٠ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم اغفرْ للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر (١١٨/ ب) للمحلِّقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: وللمقصرين)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر وأنس وغيرهما، وهو طرف
стр. 1920
من حديث الحديبية، وسيأتي شرحه في حديث الحديبية إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1921
-٢٠٧١ -
(٢/أ) الحديث الثالث والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: لا أزال أحبُّ بني تميم، بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (هم أشد أمتي على الدجال)، قال: وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ : (هذه صدقات قومنا) قال: وكان سَبيَّةُ منهم عند عائشة ﵂، فقال رسول الله ﷺ : (أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل).
وفي رواية: (ثلاث خصال سمعتهن من رسول الله ﷺ في بني تميم لا أزال أحبهم بعده: كان على عائشة ﵂ مُحَرَّر، فقال النبي ﷺ : (أعتقي من هؤلاء).
وجاءت صدقاتُهُم فقال: (هذه صدقات قومي).
وقال: (وهم أشد الناس قتالًا في الملاحم) ولم يذكر الدجال)]
* في هذا الحديث ما يدل على فضل بني تميم. وهو تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
стр. 1922
فهم يجتمعون مع رسول الله ﷺ في إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان؛ لأنه وصفهم بخصال ثلاث:
* أما الأولى: فهم أشد الأمة على الدجال، فهذا يدل على شجاعتهم، وثبات إيمانهم في آخر الزمان عند تزلزل إيمان الناس.
* والثانية: أنه لما جاءت صدقاتهم قال النبي ﷺ : (هذه صدقات قومنا)؛ لأنه يجمعه إياهم ما ذكرنا من النسب.
* وأما قوله لعائشة في السبية التي كانت عندها منهم: (أعتقيها، فإنها من ولد إسماعيل) فإنه صدق ﷺ لأن عدنان هو أبن أدبن أدد بن اليسع بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيذار بن إسماعيل على اختلاف في ذلك بين أهل النسب، إلا أنهم يجتمعون على أن عدنان من ولد إسماعيل، وإنما يختلفون في عدد الآباء إلى (٢/ب) إسماعيل فقط؛ لأنه تكرر في هذا الحديث ذكر النسب، وما يتعلق بعلمه في قوله ﷺ في صدقات بني تميم، هذه صدقات قومنا لما جاءته صدقاتهم.
* وقوله ﷺ لعائشة ﵂ في السبية التي كانت عندها منهم: (أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل).
وقول أبي هريرة: لا أزال أحب بني تميم) أي لما قال رسول الله ﷺ من
стр. 1923
قوله: (بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم)، ذكر خصلتين من الثلاث في ذكر الصدقات والسَبيَّة وهما متعلقان بالنسب، فإذًا والحال هذه فقد اقتضى ذكر نسب سيدنا رسول الله ﷺ ـ، ذكر أصول القبائل التي تلقاه من قريش وغيرها، ويتصل بنسبة الشريف، وتنفصل؛ ليوقف على ذلك مختصرًا ملخصًا مُوشحًا بنكت لا يليق بذي دين وعلم جهلها، ولا يحسن بمسلم على الإطلاق عدم المعرفة بها، إذ معرفة الطالب بخواص مطلوبه ونسبه، والصاحب بمصحوبة ورغبته في تعرف ذلك وتعريفه دال على صدقه في طلبه وصحبته، وضد ذلك مشيرًا إلى ضده، فكيف بهادي الهداة وإمام الأئمة، وسيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء ﷺ .
وبمعرفة ذلك أيضًا تعرف وشائج الإنسان، وتوصل الأرحام، ويقع الميز بين ذي السطة منهم والبعيد، ويتحقق بالشرف منهم: من ولده فهر بن مالك، إذ من لم يلده فهر، فليس من قريش، هذا هو القول المجتمع عليه عند علماء السيرة ومحققي النسابين، أن قريشًا الذين أشار إليهم النبي ﷺ في غير ما حديث في هذا الكتاب الصحيح، مما قد مضى ومما سيأتي: (أنهم ولاة هذا
стр. 1924
الأمر وأن الناس أبتاعهم) إلى غير ذلك من ما أبد لهم من ولده: فهر بن مالك، وأنهم قريش دون سائر الناس من بني كنانة بن خزيمة؛ إذ أولئك (٣/أ) ممن لم يدله فهر، فلا يقال لهم وإنما ينسب إلى أنه من غير الآباء، هذا قول الأكثرين منهم كالزبير بن بكار وغيره، وأن منتهى من يقع عليه اسم قريش من ولده فهرٌ.
وقال آخرون منهم: من لم يلده النضر بن كنانة فليس من قريش، وأن منتهى جماع قريش هو النضر بن كنانة.
والقول الأول: أظهر وأكثر، وهذا أعم منه، وإن كان القولان يرجعان إلى قول واحد؛ لأنه ليس بين فهر والنضر إلا مالك، ومالك لم يبق له عقب إلا من فهر فيما أعلم.
* فلنذكر الآن أصولًا موجزة من علم النسب مقدمة بين يدي المصطفى ﷺ لتكون مقربة للعلم بما يحتاج إليه من ذلك، إذ معرفة القبائل والأنساب لا بد لها من أصل تُردُ إليه، وعلم يهّدى إليه، فنقول والله الموفق:
إن العرب على ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخد،
стр. 1925
وفصيلة، وما بينها من الآباء يعرفها أهلها.
قال الله : ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، وقال : ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (١١) وصاحبته وأخيه (١٢) وفصيلته التي تؤويه﴾.
* وفي هذا الكتاب في حديث جابر عن النبي ﷺ : (جعل على كل بطن عقوله).
وفي الحديث في تفسير قوله : ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾. قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي ﷺ منهم قرابة.
وفي حديث آخر لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا قومه ففخدهم فخدًا فخدًا.
стр. 1926
وقال الأخنس بن شهاب التغلبي:
لكل أناس من معد عمارة .... عروض إليها يلجأون وجانب
ومثال ما ذكرن من الطبقات الست: أن مضر شعب، وكنانة (٣/ب) قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخد، وبني العباس فصيلة، وعلى ذلك فقس.
* وإنما سميت الشعوب شعوبًا، لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل قبائل؛ لأن العمارة تقابلت عليها، فالشعب تجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاد، والفخد يجمع الفصائل.
* واختلف النسابون بعد إجماعهم على ما وصفنا من قبل؛ لم سميت قرش قريشًا:
فقال الزبير عن عمه هو: قريش بن بدر بن يخلد بن النضر، كان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال: (قدمت عير قريش)؛ فسميت قريش به، وأبوه بدر بن يخلد، صاحب بدر، الموضع الذي لقي فيه رسول الله ﷺ قريشًا،
стр. 1927
وذكره الله في القرآن فقال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ الآية.
وقال الزبير: وقال غير عمي: إنه هو قريش بن الحارث بن يخلد، وابنه بدر الذي سميت به بدر، وهو احتفرها.
وقال الزبير: وقال غير عمي: إنه هو قريش بن الحارث بن يخلد، وابنه بدر الذي سميت به بدر، وهو احتفرها.
وقال الزبير: وقد قالوا: إنما قريش هو اسم فهر بن مالك، وإنما فهر لقب كانت أمه تنبزه به؛ كما يسمى الصبي: غرارة وشملة وغير ذلك، وحكى هذا القول عن جماعة من علماء السير منهم: ابن شهاب الزهري، وناهيك به إمامًا
وقال الشعبي: إن النضر بن كنانة هو قريش، وإنما سمي قريشًا لأنه كان يقرش عن خُلة الناس وحاجتهم، فيسد ذلك بماله، والتقريش: هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون الناس في الموسم عن الحاجة، فيرفدونهم بما يبلغهم، فسموا بذلك من قبلهم، وقرشهم: قريشًا.
قال الحارث بن حلزة في بيان القرش أنه التفتيش:
أيها الناطق المقرش عنا .... عند عمرو فهل لذاك إبقاء
стр. 1928
وهذا فهو أظهر الوجوه فيما أرى. وقد قيل في ذاك غير (٤/أ) هذه الأقوال.
* وإسماعيل ﵇ أول من نطق العربية، ألهمه الله ذلك إلهامًا، ولم ينطق بها غيره قبله ولم ينطق بلسانه.
* ولم يختلف العلماء كافة على أن نزارًا بأسرها، وهي مضر وربيعة هي الصحيح الصريح من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵇.
* وأجمع العلماء بالأنساب والأخبار وسائر الخبراء في الأنساب بالأمصار إجماع تواتر، ونقل كافة عن كافة أن نبينا وسيدنا أبا القاسم المصطفى ﷺ :
стр. 1929
خيرة الله سبحانه من خلقه، وخلاصته من عباده، وسيد ولد آدم من النبيين والمرسلين والخلق أجمعين من الملائكة المقربين وأهل السموات والأرضين ﷺ تسليمًا هو:
* محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلام بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا ما لم يختلف فيه أحد ولم يقع فيه نزاع.
وقد نسب نفسه ﷺ كذلك فيما أخبرناه أبو غالب أحمد بن الحسين بن البناء كتابة أن أبا محمد بن الحسن علي المقنعي أنبأهم قال: أخبرنا أبو عمر بن العباس الجزار عن ...... علي الطيب الكوكبي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن أبي جعد الوراق قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن إسحاق المسيبي قال: علي عن أبي ذؤيب عن أبي الجهم عن عمرو بن العاص أن رجلًا قال لامرأة من بني هاشم: إنما مثل رسول الله ﷺ كمثل سدرة نبتت في
стр. 1930
كبا فقال رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر، ورأينا وجهه أن يتوقد توقد من الغضب حتى رضي من الناس ثم قال: (إن الله اختار العرب على الناس، واختار قريشًا على العرب، واختارني على من أنا منه، فأنا محمد بن (٤/ب) عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر ابن كنانة)، ثم قال: من قال غير ذلك فقد كذب).
* وأمه ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، تزوجها عبد الله بن عبد المطلب، وهو ابن ثلاثين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، خرج به أبوه عبد المطلب إلى وهيب بن عبد مناف، وآمنة كانت في حجره فخطب إليه أبو هالة بنت وهيب بن عبد مناف لنفسه، وخطب على ابنه عبد الله ابنة أخيه آمنة بنت وهب، فزوجه وزوج ابنه في مجلس واحد، فولدت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة لعبد الله: رسول الله ﷺ ، وولدت هالة لعبد المطلب: حمزة فأرضعت ثويبة جارية أبي لهب رسول الله ﷺ وحمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة بن عبد الأسد ﵄، فهم أخوة من الرضاعة.
وفي ذكر آمنة يقول الشاعر:
صلى الإله على ابن آمنة الذي .... جاءت به سمح البنان كريمًا
следующие страницы →