← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

* ونوفل أقدمهم إسلامًا، ويكنى أبا الحارث، وهو أسن إخوته، وأسن من جميع من أسلم من بني هاشم كلهم، كان أسن من حمزة والعباس، أسر يوم بدر، ففدى نفسه برماحه، وكان لما أسر قال له رسول الله ﷺ : (افد نفسك) قال: مالي شيء أفتدي به قال: (افد نفسك برماحك التي بجدة) فقال: والله ما علم أحد أن لي بجدة رماحًا غيري بعد الله، أشهد أنك رسول الله، هكذا ذكره ابن سعد، هاجر أيام الخندق، وشهد مع النبي ﷺ الفتح وحنينًا والطائف، وكان ممن ثبت مع النبي ﷺ يوم حنين. * وربيعة ويكنى أبا أروى، وهو الذي قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: (ألا إن كل دم ومأثرة كانت في الجاهلة، فهي تحت قدمي، وإن أول دم أضع دم ربيعةبن الحارث)، وذلك أنه قتل لربيعة ابن في الجاهلية، فأبطل رسول الله ﷺ الطلب به في الإسلام، ولم يجعل لربيعة في ذلك بيعة. وقد اختلف العلماء في اسم ابن ربيعة المقتول- جدًا، ووقع فيه تصحيف فيما يقال من حماد بن سلمة فقال: اسمه آدم، وإنما كان دم ابن ربيعة، فصحفه، وكان ربيعة أسن من العباس، وأسلم، وروى عن النبي ﷺ عدة أحاديث. * وأبو سفيان، أخوهما فهو الشاعر، وهو ابن عم النبي ﷺ كإخوته المذكورين، ويزيد عليهما أنه أخو النبي ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما حليمة

стр. 2032

السعدية، وأميمة المغيرة، وكان يشبه (٣٢/أ) رسول الله ﷺ في صورته. * والذين كانوا يشهبون رسول الله ﷺ جماعة هم: أبو سفيان هذا، وجعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي، والحسين ﵄، اقتسما شبهه، وقثم بن العباس بن عبد المطلب، والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب. * وأسلم أبو سفيان هذا يوم الفتح، واعتذر إلى النبي ﷺ فقبل منه، وحسن إسلامه، وشهد حنينًا، وأبلى فيها بلاءًا حسنًا، وكان ممن ثبت، ولم يفارق يده لجام بغلة النبي ﷺ حتى انصرف الناس إليه، وكان النبي ﷺ يحبه، وشهد له بالجنة في غير حديث رواها الأئمة العلماء. وروى أن النبي ﷺ كان يقول له: (أرجو أن تكون خلفًا من حمزة)، وهو معدود في أفاضل الصحابة. * وعبد الله بن الحارث، اسمه عبد شمس، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، مات بالصفراء، في حياة النبي ﷺ ، فدفنه النبي ﷺ في قميصه وقال: (سعيد أدركته السعادة) ذكره مصعب الزبيري وغيره.

стр. 2033

* فهؤلاء بنو الحارث الأربعة كلهم أسلموا. * ومن أولادهم: جعفر بن أبي سفيان بن الحارث، أسلم مع أبيه أبي سفيان، ويكنى أبا الهياج، رأى النبي ﷺ . * والحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أسلم مع أبيه نوفل. * وابنه عبد الله بن الحارث الملقب (ببه) الذي اصطلح عليه أهل البصرة حين مات معاوية، ولد (ببه) على عهد المصطفى ﷺ . * المطلب بن ربيعة، ولد على عهد المصطفى ﷺ . * ومحمد بن ربيعة، ويكنى أبا حمزة، ولا عقب اليوم لأبي سفيان بن الحارث ولا لعبد الله (٣٢/ب) بن الحارث، فهؤلاء بنو الحارث بن عبد المطلب وبنوهم. * وأما الزبير بن عبد المطلب، والمقوم، وحجل، وضرار، والغيداق فلا عقب لهم، وقثم فقد قدمنا أنه مات صغيرًا. * وأما العباس ﵁، فولد: الفضل، ويكنى أبا محمد، وكان رديف النبي ﷺ وحفظ منه، وروى عنه، وشهد غسله، وبه كان يكنى

стр. 2034

العباس؛ لأنه أكبر ولده، ولم يخلف إلا بنتًا، وقد انقرض عقبه. * وعبد الله ويكنى أبا العباس الحبر، والحبر: هو حبر الأمة وعالمها بعلومها كلها، وأبو الأئمة، ترجمان القرآن، دعا له النبي ﷺ (بالحكمة وتأويل القرآن). وفي رواية: (بالفقه في الدين وعلم التأويل). وفي حديث آخر: (بأن يبارك فيه، وينشر منه، وأن يجعله من الصالحين). وهي أحاديث كلها صحاح؛ فكلها تحققت فيه بحمد الله ومنه، فإن الله

стр. 2035

سبحانه بارك فيه، ونشر منه، وفقهه في الدين، وعلمه التأويل، والحكمة والتفسير، فهو عالم الأمة وحبرها وفقيهها، وأبو أئمتها وخلفائها؛ الذين هم منار البلاد وسرج العباد. قال مجاهد: قال ابن عباس: رأيت جبريل عند النبي ﷺ مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. فكان عمر بن الخطاب ﵁ يحبه ويُدنيه، ويقربه ويدخله مع أجلة أصحابه، والبدريين منهم ذوي الأسنان. وكان ابن عباس يُقرئ القرآن جماعة من المهاجرين الأولين منهم عبد الرحمن بن عوف. وقال ابن مسعود: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل. وكان عمر يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول. وقال القاسم بن محمد: ونظر الحطيئة إلى مجلس عمر بن الخطاب، وفيه ابن عباس (٣٣/أ)، فقال: من هذا الغلام الذي أراه هنا يأتي إلى المجلس برع

стр. 2036

الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنه؟ فقالوا: عبد الله بن عباس، فقال: أبياتًا منها: إني وجدت بيان المرء نافلة .... تُهدي له ووجدت العي كالصمم والمرء يفنى ويبقى سائر الكلم .... وقد يلام الفتى يومًا ولم يلم. وقال مسروق: كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس، قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. ونظر معاوية إلى ابن عباس، وهو يتكلم فأتبعه بصره وقال متمثلًا: إذا قال لم يترك مقالًا لقائل .... مصيب ولم يثن اللسان على هجر يصرف بالقول اللسان إذا انتحى .... وينظر في أعطافه نظر الصقر وفيه يقول حسان ﵀: إذا ما ابن عباس بدالك وجهه .... رأيت له في كل أحواله فضلا إذا قال لم يترك مقالًا لقائل .... بمنتظمات لا ترى بينها فصلا كفى وشغل ما في النفوس فلم يدع .... لذى إربها في القول جدًا ولا هزلا

стр. 2037

سموت إلى العليا بغير مشقة .... فنلت ذراها لا دنيا ولا وعلا خلقت خليقًا للمودة والندى .... فليجا ولم تخلق جبانًا ولا كهلا وقال العباس لولده عبد الله: يا بني أرى هذا الرجل -يعني عمر- قد قربك وأدناك وأجلاك، فأحفظ عني ثلاث: لا تفشين له سرًا، ولا يخزن عليك كذبًا، ولا تغتابن عنده أحدًا. قال الشعبي: قلت لابن عباس، يا ابن عباس، كل واحدة خير من ألف قال: ومن عشرة ألاف. وسمع ابن عباس النبي ﷺ وروى عنه. ومات النبي ﷺ وابن عباس صبي، فحفظ عنه علمًا جمًا. وروى عنه تقي بن مخلد، له في مسنده ألف حديث وستمائة حديث وستين حديثًا، أخرج له في الصحيح مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا، وفضائله مشهورة (٣٣/ب) جمة كثيرة، لا يحتمل هذا الفصل إن زاد أكثر من هذا منها.

стр. 2038

وعبيد الله بن العباس كان جوادًا ممدحًا مطعامًا، رأى النبي ﷺ فيما قيل. وقثم بن العباس، ومعبد بن العباس، وكثير بن العباس، وكان فاضلًا، وعبد الرحمن بن العباس، والحارث بن العباس، وتمام بن العباس، وكان من أشد الناس بطشًا، وأم حبيب بنت العباس، وآمنة بنت العباس، وصفية بنت العباس. وهؤلاء ولد العباس لصلبه منهم: عبد الله، وعبيد الله، والفضل، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب أمهم كلهم: لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم، أم الفضل، وهي أخت ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبي ﷺ لها مكرمًا، وهي منجبة أخت منجبات، وهن أخوات تسع كلهن نجبات، وأمهن هند بنت عوف التي يقال لها هي أكرم الخلق أصهارًا.

стр. 2039

* فولد عبد الله بن عباس أولادًا جماعة منهم: علي بن عبد الله، وكنيته، أبو محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكان أصغر ولد عبد الله سنًا، وكان أجمل قرشي، وأوسمه وأمراه، وكان يقال له السجاد. * فولد علي بن عبد الله بن العباس أولادًا منهم: محمد بن علي، أبو الخلائف، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وعبد الصمد بن علي، وهو آخرهم موتًا، حج يزيد بن معاوية بالناس سنة خمسين من الهجرة، وحج بالناس عبد الصمد ابن علي سنة خمسين ومائة من الهجرة، وبين الوقتين مائة عام، وبين وفاتيهما أكثر من مائة سنة وعشرة أعوام، وهما في التعدد بعبد مناف سواء. * فولد محمد بن علي، أبو الخلائف، عبد الله أبا جعفر، أمير المؤمنين، وعبد الله أبا العباس أمير المؤمنين، وإبراهيم الإمام، وموسى وغيرهم (٣٤/أ) ولكل منهم عقب. * وفي شهر ربيع الآخر من سنة اثنين وثلاثين ومائة منَّ الله سبحانه بالدولة العباسية، ثبتها الله سبحانه وأطدها وشيد قواعدها ومهدها- فولى أبو العباس

стр. 2040

عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المذكور الخلافة، ويلقب بالسفاح، وكانت ولايته الخلافة سنتين وثمانية أشهر وأيامًا. * ثم ولى الأمر أخوه: أبو جعفر عبد الله المنصور، وكان أكبرهما، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير أيام، وقيل: غير شهر. * وكان له من الولد: أبو عبد الله محمد، وصالح، وسليمان، وعيسى، ويعقوب، وجعفر، والقاسم، وعبد العزيز، والعباس، والعالية. * فولي الخلافة بعده ابنه: أبو عبد الله محمد المهدي بن عبد الله المنصور، فكانت خلافته عشر سنين وشهرًا وأيامًا، وكان له من الولد: موسى، وهارون، وعلي، وعبيد الله، ومنصور، ويعقوب، وإسحاق، وإبراهيم، وعالية، وسليمة.

стр. 2041

* فولي الخلافة بعده من ولده اثنان: موسى الهادي، وهارون الرشيد، فالذي تلاه في الأمر ولاية أكبرهما سنًا: أبو محمد موسى بن محمد المهدي، ولقبه الهادي، فكانت خلافته سنة أيامًا، واختلفوا في مقدارها. * ثم ولي الخلافة بعده أخوه: أبو جعفر هارون الرشيد بن محمد المهدي، وكان رشيدًا كاسمه ﵁، غزاءً حجاجًا، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا، اختلف فيها، وكان له من الولد: محمد، وعبد الله، وأبو إسحاق محمد، وأبو محمد صالح، وأبو عيسى علي، وإسحاق، والعباس، وأبو أيوب، وأبو أحمد، وأبو علي، وبنات. * وولي الخلافة من ولده ثلاثة: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، وأبو إسحاق محمد المعتصم. والذي تلاه في الأمر منهم: أبو عبد الله محمد الأمين، ولم يل الأمر بعد علي من أبوه وأمه هاشميان سواه، وأمه: أمة الواجد (٣٤/ب) وقيل: أمة العزيز زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية عشر يومًا، وكان له من الولد: موسى، وعبد الله،

стр. 2042

وإبراهيم. * فولى الخلافة بعده أبو العباس عبد الله المأمون، وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر. وله من الولد: محمد الأكبر، ومحمد يعرف بالأصغر، وعبيد الله، والعباس، وعلي، والحسن، وإسماعيل، والفضل، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب، وإسحاق، وسليمان، وجعفر، وأحمد، وعلي الأصغر، والحسن الأصغر، وهارون، وبنات. * فولي الخلافة بعده: أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، فكانت خلافته ثمان سنين، وثمانية أشهر، وثمانية أيام، وقيل: ويومين، غزى بنفسه دفعات، ,كان له من الولد: هارون، وهو الواثق، وجعفر، وهو المتوكل، ومحمد وهو أبو السمعين. * ولي الخلافة منهم اثنان: فأولهما واليًا أكبرهما، وهو: الواثق أبو جعفر هارون بن محمد المعتصم، فكانت خلافته خمس سنين، وتسعة أشهر، وستة

стр. 2043

أيام، وأولاده: محمد، وهو المهتدي، وعبد الله، وأحمد، وإبراهيم، ومحمد الأصغر، وعائشة. * فولي الخلافة بعده أخوه أبو الفضل جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله، فكانت خلافته أربع عشر سنة وتسعة أشهر، وتسعة أيام، وقيل: وخمسة عشر يومًا. وأولاده: أبو أحمد الموفق طلحة، ولم يل الأمر بل كان أميرًا كبيرًا، ومحمد، وهو المنتصر، والزبير، وهو المغيرة، وإبراهيم، وهو المؤيد، وموسى، وإسماعيل، وأحمد المعتمد. * فولي الخلافة من ولده ثلاثة: المنتصر، والمعتز، والمعتمد، وأولهم ولي بعده المنتصر أبو جعفر محمد، فكانت خلافته ستة أشهر، وكان له أولاد أربعة. * فولي الخلافة بعد المنتصر ابن عمه: المستعين بالله، وهو أبو العباس أحمد ابن محمد المعتصم، فكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، ولم يل الخلافة (٣٥/أ) من بني العباس ﵃ وعنه- بعد المنصور من لم

стр. 2044

يكن أبوه خليفة إلا المستعين، ثم المعتضد، ثم القادر، وسيأتي بيان ذكرهما إذا انتهى إليه. وكان للمستعين عدة أولاد. * ثم استقرت الخلافة بعد المستعين في أبي عبد الله محمد، وقيل الزبير، وهو المعتز بالله، فكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر غير أيام، ولم يكن له سوى ولد واحد اسمه: عبد الله. * فولي الخلافة بعد المعتز ابن عمه: أبو عبد الله محمد، هو المهتدي بالله ابن هارون، الواثق بالله، وكانت خلافته أحد عشر شهرًا وبضعة عشر يومًا، وكان متحريًا سيرة عمر بن عبد العزيز ﵄، وكان له خمسة عشر ولدًا ذكرًا، وعقبه باق. * فويل الخلافة بعد المهتدي ابن عمه: أبو العباس أحمد المعتمد على الله ابن جعفر، المتوكل على الله، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا، وقيل: يومًا، وفي أيامه خرج صاحب الريح الخارجي بالبصرة، فندب إليه المعتمد أخاه أبا أحمد الموفق، فلم يزل مجتهدًا في قتاله حتى قتله، وكان أمره قد استفحل، لولا أن الله تعالى دفع.

стр. 2045

وكان للمعتمد من الأولاد: جعفر، وإسحاق. * فولي الخلافة بعد المعتمد أخيه: أبو العباس أحمد المعتضد بالله ابن أبي أحمد الموفق طلحة، وقيل: محمد بن المتوكل على الله جعفر، وكانت خلافته عشر سنين غير شهرين وأيام، وكان له: علي، وهو المكتفي، وجعفر، وهو المقتدر، ومحمد، وهوا لقاهر، وهارون، وأحد عشر بنتًا. * فولي الخلافة بعده أخوه أبو الفضل جعفر (٣٥/ب) المقتدر أحمد بن المعتضد، فكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرًا، وأربعة عشر يومًا، كان له من الولد: أبو العباس أحمد الراضي، وأبو إسحاق إبراهيم المقتفي، وإسحاق والد القادر، وأبو القاسم الفضل المطيع، وقيل كنتيه: أبو العباس، وعبد الواحد، وعباس، وهارون، وعلي، وإسماعيل،

стр. 2046

وعيسى، وموسى وغيرهم. * فولي الخلافة ثالثة: الراضي، والمتقي، والمطيع. * فولي الخلافة بعد المقتدر أخوه: أبو منصور محمد بن القاهر بن أحمد المعتضد فكانت خلافته سنة، وستة أشهر، وأيامًا، كان له من الولد: أبو الفضل، وعبد الصمد والد القاسم، وعبد العزيز. * ثم ولي الخلافة بعد ابن أخيه: أبو العباس محمد الراضي بالله، وجعفر المقتدر بالله، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وأيامًا، وكانت له عدة أولاد: أحمد، وعبد الله، وغيرهما. * فولي الخلافة بعده أخوه: أبو إسحاق إبراهيم المتقي، ابن جعفر المقتدر، فكانت خلافته أربع سنين غير شهر واحد، وكان له ولد واحد. * فولي الخلافة بعده ابن عمه أبو القاسم عبد الله المستكفي بالله بن علي المكتفي بالله، فكانت خلافته سنة وأربعة أشهر إلا يومًا واحدًا. * فولي الخلافة بعده: ابن عمه، أبو القاسم، وقيل: أبو العباس الفضل المطيع

стр. 2047

ابن جعفر المقتدر، فكانت خلافته سبعًا وعشرين سنة. وأربعة أشهر، وأيامًا، وله أولاد منهم: أبو بكر عبد الكريم الطايع، وجعفر. * فولي الخلافة بعده ابنه أبو بكر عبد الكريم الطائع بن الفضل، فكانت خلافته سبع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وأيامًا، ولم يل الخلافة من يكنى أبا بكر بعد الصديق ﵁ سواه، ولا من اسمه عبد الكريم على الإطلاق سواه. * فولي الخلافة بعده: ابن عمه، أبو العباس أحمد القادر بن إسحاق بن جعفر المقتدر بالله، فكانت خلافته ثلاثًا وأربعين سنة. * وولده: أبو جعفر عبد الله، فولي (٣٦/أ) الخلافة بعده ابنه الإمام أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله بن أحمد القادر بالله، فكانت خلافته خمسًا وأربعين سنة، وكان له عدة أولاد، ولم يعقبوا، سوى الأمير ذخيرة الدين أبي العباس محمد؛ فإنه أعقب الأمير أبا القاسم عبد الله، وأحيا الله تعالى جده حتى رآه بحيث يصلح للأمر ففوضه إليه، ونص عليه، والحمد لله رب العالمين. * فولي الخلافة بعد: ابن ابنه الإمام أبو القاسم عبد الله المقتدي ابن الأمير ذخيرة الدين أبي العباس محمد بن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله،

стр. 2048

فكانت خلافته عشرين سنة، وكان له من الولد عدد وافر بحمد الله ومنه، وقد بقي حتى الآن منهم. * فولي الخلافة بعده منهم: ابنه الإمام أبو العباس أحمد، المستظهر بالله بن الإمام المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله، فكانت خلافته خمسًا وعشرين سنة وشهورًا، وكان له من الولد عدد كبير وافر، وقد بقي منه بقية. * فولي الخلافة منهم: ابنه الإمام المسترشد بالله أبو المنصور الفضل، فكانت خلافته سبع عشرة سنة، وسبعة أشهر، وله أولاد جماعة. * فولي الخلافة أخوه الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبو عبد الله، محمد قدس الله روحه، فكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر وأيامًا. * ثم ثبت الأمر واستقوت الخلافة في سيدنا ومولانا الإمام المستنجد بالله أمير المؤمنين: أبي المظفر يوسف بن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن الإمام المتقدي بالله أبي القاسم عبد الله بن الأمير ذخيرة دين الله أبي العباس محمد بن الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبي جعفر عبد الله بن الإمام القادر بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن الأمير أبي محمد إسحاق بن الإمام أبي الفضل جعفر المقتدر بالله أمير المؤمنين أبن الإمام أبي العباس (٣٦/ب) أحمد المعتضد بالله ابن الإمام المعتصم بالله، ابن الإمام أمير المؤمنين أبي أحمد الموفق طلحة بن الإمام أبي أحمد الموفق طلحة بن الإمام أبي الفضل جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين

стр. 2049

أبي إسحاق محمد بن الإمام أبي جعفر بن هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين ب الإمام أبي جعفر عبد الله المنصور بالله أمير المؤمنين بن محمد بن علي بين عبد الله بن العباس عم المصطفى ﷺ بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وكان إمامته الشريفة المحمدية، وخلافته العباسية في ثاني شهر ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، والله سبحانه يطيل في عمره، ويُديم أيامه، وينفذ في مشارق الأرض ومغاربه أوامره وأحكامه، ويملكه ما طلعت عليه الشمس، وحواه من بسيطة الأنس، ويعينه من أمر أمة محمد ﷺ على ما ولاه، ويحفظه فيما منهم استرعاه، ويبارك له في ذريته الشريفة المباركة، الأمراء الغر الميامين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، ويجعل الخلافة باقية في عقبه إلى يوم الدين برحمته، إنه أرحم الراحمين. * فهؤلاء بنو العباس بن عبد المطلب ﵁ على الاختصار، أبقى الله سبحانه دولتهم مدى الأحقاب والأعصار. * فولد عبد الله بن عبد المطلب: أبا القاسم محمدًا رسول الله ﷺ ، سيد ولد آدم ﷺ . وخاتم النبيين ﷺ ، والمصطفى من الخلق أجمعين؛ الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، وأنقذ به من الضلالة، وبصر به من الجهالة، فهو الذي أنارت به الأرض، وهو سيد ولد آدم، وما ولد تحت لوائه إلي يوم القيامة،

стр. 2050

وهو الشفيع (٣٧/أ) عن الجميع يوم العرض، حيث له الأنبياء والمرسلون متوقفون لنبينا، اثبت من فضله، ونتائج مقامه من ربه . فهو ﷺ الذي انتهى إليه الأمر، وختم به الأنبياء، فكانت أمته آخر الأمم، فهو لكل متأمل مشيري بمنزلته إلى أنها الفضلى؛ لأن الأنبياء كلهم جاءوا بين يديه، مرشدين إليه ومحيلين عليه، أخذ ميثاقهم وإصرهم على أن يؤمنوا به. قال الله : ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. فشهد الله ﷻ على ذلك، وأن النبي ﷺ إليه المقضي، وهو من الأنبياء المنتهى، فهو كالشمس إذا تقدمت من يديها كواكب الأسحار، وهو رسول الله ﷺ حقًا، ونبيه صدقًا، بشر به الأنبياء، وأوصى به كل نبي قومه. ولقد كان الشيخ محمد بين يحيى يقول: والله الذي لا إله إلا هو، لكأني أسمع بأذني موسى بن عمر أن يقول لبني إسرائيل: سيأتي محمد ﷺ نبيًا من حاله كذا وكذا، فيقول بنو إسرائيل: صلى الله على محمد؛ لأن الله يقول: ﴿يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل﴾. الآية.

стр. 2051

فهو قد جمع الله له ﷺ بين معجزات الأنبياء كلهم، فإن الله سبحانه جعل دلائله قوله وبرهانه كلامه، فصدق الله به وعوده، ونفذ به أوامره، فقال : ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. وكان ذلك مما تولى الله تصديقه فيه، ونصره بالرعب (٣٧/ب)، وجعل الأمر في الدعاء له، كرامة في العاجلة والآجلة، وكمل له إثبات الفضائل والمحاسن وأصناف المناقب والمآثر، ومحاسن الأخلاق والأوصاف، وكريم السجايا والمزايا. وأجل له ولأمته ما كان محرمًا على من قبله، ونسخ له ولهم ما كان محظورًا، ونصره بالرعب بين يدي عده شهرًا بين يديه، وأحل له ولأمته الغنائم، وأرسله إلى الأحمر والأسود، والجن والإنس، وشرفه في خطابه في القرآن العظيم، فلم يأت بذكره مفردًا إلا ومعه ذكر النبوة والرسالة، والتعظيم والتفخيم، وقرن ذكر نبوته بذكر توحيده سبحانه والإيمان به. فلا يصح لأحد اسم الإسلام إلا بالإيمان به، والإقرار بنبوته، ثم جعل اسمه تاليًا لاسمه في الأذان والأذكار والصلوات، فلا يذكر الرب سبحانه إلا ويتبع ذكره بذكره.

стр. 2052

وشرح صدره، وأعلى على كل قدر قدره، وأنزل في الكتب صفته ونعته، فبشر به الأنبياء، ويقدموه في البعث، وجاء خاتمًا لهم، مصدقًا لجميعهم، ناسخًا لجميع الشرائع بشريعته. وأنزل عليه كتابًا مهيمنًا على كل الكتب الذي قبله، وجعله مختارًا من أشرف البيوت وأوسطها، وجعل معجزاته الشاهدة بتصديقه، أكبر من عدد الحصى وورق الشجر؛ حتى أيقنت النفوس، واضطرت إلى الإيمان به، ومن أعلامه ومعجزاته: القرآن الكريم، وإنما كان القرآن معجزًا؛ لأن الخلق عجزة أن يأتوا بمثله. فأما من حيث ظهور عجزهم؛ فإنه قد بان لعوام الناس من أنه لما مضى على إنزاله ما مضى من السنين، ولم يقدر أحد على أن يأتي بمثله مع تحديهم به، التحدي الذي ظهر وانتشر، ودعاهم وهم بلغاء الناس منذ بعثه الله وجزيرة العرب يومئذ مملوءة بالآلاف منهم، ومن جاء بعده منهم ﵇ في أقطار المشارق والمغارب. قرنًا فقرنًا إلى وقتنا هذا منذ خمسمائة سنة (٣٨/أ) ونيف وخمسين عامًا من هجرته ﷺ . مع تحديهم بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله أو متلوا منه، وهي قوله : ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ تقريعًا وتعجيزًا، فكلهم عجز عن ذلك، وكع عنه، وانقطع دونه، وخسر، وأخلدوا إلى أن

стр. 2053

عرضوا نفوسهم للقتل، وأولادهم للسبي، وأموالهم للتلف، وديارهم للخراب، ولو أحسوا في نفسهم قوة ومسكة لما وقفوا عندما وقفوا عليه من ذلك، فهل يصح أن مثل هذه الحالة الباهرة، وظهور هذه العجزة القاهرة، كانت بتعصب من أعداء النبي الأمي محمد ﷺ لمحمد ﷺ ، على تنائي أوطانهم، وتباعد أغراضهم، وتباين مقاصدهم أسلفت ذات بينهم، واصطلح أمرهم فالتأم شنانهم في القلوب والأبدان، وتواطئوا على بعد الآراء والأمكنة والأزمنة على أن يتعصبوا لمحمد ﷺ ويحققوا قوله في هلاكهم، وخراب ديارهم، وقتل أنفسهم، وذهاب أموالهم في زمانه، وزمان أصحابه. وبصروا على وقع السيوف والسهام، ويعجزوا أنفسهم عما تحداهم به مع قدرتهم عليه أو على بعضه حتى يتم لمحمد ﷺ أمره، ويظهر صدقه، مع كونه هو ﷺ نابذًا لهم كلهم، مجاهدًا بتكذيب جميعهم، وأنهم لا يقدرون على شيء مما تحداهم به أصلًا ومسجلًا عليهم بذلك، وهم مع ذلك قادرون على أن يدحضوا عنهم شيئًا مما لزمهم من العار؛ أو يدفعوا عنه بشيء مما تحداهم به شيئًا من هذه الأسباب الموله ولا يفعلون. هذا مستحيل قطعًا غاية الاستحالة، ولكن الحق يبهر الخلق، ويملك النفوس، ويعجز الناس، ويأخذ بالقلوب، فهل يخفى هذا الحق الواضح الجلي (٣٨/ب) على من له أدنى بصيرة، أو يتدبر عقله القرآن العظيم الذي أعجز الخلق، لا تنقضي عجائبه، ولا تذهب معجزاته، كما أن نبوته باقية بائنة لا معقب لنبوة ولا نسخ. * فأما أهل العلم فإنهم لما سمعوه بأول وهلة، عرفوا أن الجن والإنس لا

стр. 2054

يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، لأن فيه قوله : ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون﴾ وهذه نزلت عليه ﵇، والذين كفروا عنده يومئذ هم الذين اشتملت أيديهم على الأرض طولها والعرض، فأمر أن يفصح ويعلن لهم بأنكم ستغلبون، بالسين المخلصة الفعل للاستقبال، ثم أتبعها بقوله: ﴿وتحشرون إلى جهنم﴾، وكان تحت هذه الكلمة أنه يجب عليه إزهاق أرواحكم، وسبي ذراريكم ونسائكم، وسلب ممالككم، والاستيلاء على أراضيكم، ونزع التيجان عن رؤوس مملوككم، وأمره أن يعلن بذلك، وأن يقوله في وقت ضعفه ﷺ ، وأنه كائن صائر، فكان كما أخبر الله سبحانه، ومن عجيب صدقه أن هذا لم يستتب في زمانه، فكان ربما تخيل الكافر أنه استتب له هذا فقاله، ولكنه ﷺ خرج من الدنيا ولم يستتب ذلك، فأتمه الله له كما كان وعده؛ ليعلم كل ذي لب أن الله تعالى هو الذي وعد به، فهذا من معجزات القرآن التي هي أخبار غيوبه التي لا تدخل الإحاطة بها تحت قدرة البشر. * ومن معجزات القرآن: وعده سبحانه بنصر الضعيف على القوي، والوحيد على ذي الجمع، فهذا والذي قبله من الغيوب المستقبلية. * ومن معجزات القرآن: الأخبار عن الغيوب الماضية، كالحال فيما جرى لموسى ﵇ حين نودي من شاطئ الوادي الأيمن، وحين نودي من جانب الطور، مما كان أهل الكتاب يسرونه ولا يظهرونه، فلما أخبر سبحانه (٣٩/أ) رسوله ﷺ بما كان عليه حال موسى ﵇ في قوله

стр. 2055

سبحانه: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾، ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾، فكان ما أخبر به ﷺ بما أنزل في التوراه بتلك اللغة بهذه اللغة حتى قال سبحانه: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾. * ومن معجزات القرآن وعجائبه: فصاحته، فمن ذلك قوله: ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾، وقد اشتملت هذه الحروف على علوم جمة منها: أن الألف إذا أتى به أولًا، فكانت همزة، وهي أول المخارج من أقصى الصدر، لأن أصول المخارج للحروف ثلاثة، وهي الحلق، واللسان، والشفتان، فلما كان أول مخارج الحلق الهمزة، ومعتمد مخارج اللسان اللام، وآخر الحروف مخرجًا الميم، وهي التي ينطبق عليها الفم، كان في التنزيل هذا الترتيب، إشارة إلى هذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي يكون منها ستة عشر مخرجًا التي يخرج منها تسعة وعشرون حرفًا، وهي يدور عليها كلام الأولين والآخرين، ترتيبها ألف لا ميم، فتبارك الله رب العالمين. * ومن معجزات القرآن: (طس)، فإن هذين الحرفين وهما: الطاء والسين، اقتسما صفات الحروف كلها، فإن أقسام الحروف عشرة، وهي: مجهور، ومهموس، وشديد، ورخو، وعال، ومستفل، ومطبق، ومنفتح، وصفيري، ومعرى. فأما الطاء: فجمعت خمس صفات، ليس في الحروف ما يجمع الخمس

стр. 2056

صفات غيرها، وهي: الجهر، والشدة، والاستعلاء، والإطباق، التعرية. وليس في الحروف ما يجمع هذه الخمس غير الطاء، كما أن السين حرف مهموس رخو مستفل صفيري منفتح، لا يقدر الأولون ولا الآخرون، ولا الجن والإنس أن يلحقوا بالطاء حرفًا حرفًا غير السين جامعًا لهذه الأوصاف، ولا مع السين (٣٩/ب) غير الطاء جامعة لهذه الأوصاف، فلما كان هذان الحرفان جامعين لأوقاف القرآن كلها جميعًا، جمعها الله فقال سبحانه: ﴿طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين﴾ يعني ﷻ أن هذا الحرفين فيهما صفات الحروف التي هي مدار كلام الأولين والآخرين، وهذا وما تقدمه كان يقوله الشيخ محمد بن يحيى ﵀. * ومنها: رشده، فإنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فهو قول فصل وليس بالهزل. * ومنها: حلاوته؛ التي تسلب كل قلب سليم نحو قوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتعبون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا (٢٧) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾. ونحو قوله سبحانه: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا﴾. وكقوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.

стр. 2057

* ومن معجزاته: قصصه، فإنه ﷺ جمع فيه أخبار الأولين والآخرين على ما قص في كتابه، وعلى ما جاء في الحديث: (فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم). وقد مضى في هذا الكتاب، ويأتي من معجزات القرآن ما فتح الله به سبحانه. ومن معجزاته: قوله سبحانه: ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾، وهذه الكلمة قطعت كلمة حجاج أعداء الرسل، وقد مضى ذلك بنذة، وسيأتي ذلك مشروحًا إن شاء الله تعالى. * هذا إلى غير ذلك من معجزاته ﷺ التي هي آتت معجزات موسى وعيسى صلى الله عليه وعليهما جميعًا، وزادت عليهما عند النظر الذي لا يمكن جحده، من شق الله القمر له بمكة، إذ سألته قريش ذلك آية، حتى رآه من حضر وغاب عنه، وأخبر به الشعاب بعضهم بعضًا، وأنزل الله سبحانه ذكر ذلك في القرآن العظيم. * وإطعامه ﷺ النفر الكثير من الطعام اليسير تارات كثيرة (٤٠/أ) في منزل جابر مرة، وفي منزل أبي طلحة أخرى، وفي يوم الخندق مرتين: ثمانين رجلًا من أربعة أمداد من شعير، وعناق، وهو من أولاد المعز فوق العنود، ومرة

стр. 2058

أكثر من ثمانين رجلًا من أقراص شعير حملها أنس في يده، ومرة أهل الجيش كله من تمر يسير حملته بنت بشير في يدها، فأكلوا حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم. ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ فشرب أهل العسكر كلهم، وهم عطاش، وقد بينا أن انفجار الماء من بين الأصابع أبلغ وآكد في المعجزة من انفجاره من بين الأحجار، وتوضؤوا من قدح صغير ضاق أن يبسط يده ﷺ وضوؤه فيه. وأهرق ﷺ وضوءه في غير تبوك ولا ماء فيها. ومرة يوم الحديبية في البئر المعروفة هناك فحاشا بالماء الرواء حتى شرب من غير تبوك أهل الجيش وهم ألوف، يقاربون ثلاثين ألفًا، لأنه ﷺ لم يجتمع له في غزاة ما اجتمع له في غزوة تبوك حتى قيل: إنهم ثلاثون ألفًا، وبالجملة فهم ألوف كثيرة، وشرب من بئر الحديبية ألف وخمسمائة؛ ولم يكن فيها قبل ذلك ماء. ورمى ﷺ الجيش بقبضة من تراب فعمت عيونهم، ونزل القرآن العظيم بذلك في يقوله : ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. وأبطل الله الكهانة بمبعثه فعدمت، وكانت ظاهرة موجودة. وحن إليه الجذع الذي كان يخطب عليه لما عمل له منبره، حتى سمع أصحابه والحاضرون كلهم صوته.

стр. 2059

ودعى اليهود إلى تمني الموت؛ فأخبرهم أنهم لا يتمنونه أبدًا، فحيل بينهم وبين النطق بذلك، وهذا مذكور في القرآن في (٤٠/ب) سورة فيها يقرأ بها في جمع جامع له الله الإسلام شهد غيرنا جهرًا تعظيم الآية التي فيها. ودعى النصارى إلى المباهلة فامتنعوا، وأخبر أنهم إن فعلوا هلكوا، فعرفوا صحة قوله فامتنعوا. وأخبر ﷺ بالغيوب فكانت كما أخبر، كإخباره عن الحسن ﵁: (وإنه سيد وإنه يصلح الله به بين فئتين) وأن عثمان تصيبه بلوى بعدها الجنة. وإخباره أن قزمان من أهل النار مع اجتهاده في القتال لأعداء الله، وأخبر بمقتل العنسي الكذاب ليلة قتله، وهو بصنعاء اليمن، وإخباره بمن قتله .. إلى غير ذلك من إخباره الغيوب، يزيد لو عدت على أخبار الأنبياء كلهم ومعجزاتهم كلهم كثيرة، وإفرادها بنفسها يحتمل كتابًا كبيرًا، فكانت كلها كما أخبر، وهذا لا يعلم البتة إلا بوحي من الله سبحانه، وكما أخبر الله ﷺ أنه يقتل أبيًا فكان كما أخبر، وكما أخبر بمصارع أهل بدر، وأرى أصحابه مواضعهم، فما أخطئوا المواضع التي أشار إليها. * وأما دعواته المجابة ﵇ فأكثر من أن يحاط بها، فمنها: دعاؤه ﷺ -

стр. 2060

كحالة أمر سراقة في سفر الهجرة، فساخت قدما فرسه، وأتبعها دخان حتى استغاثه، فدعا له فانطلقت الفرس، ودعاؤه على ابن أبي لهب أن يسلط عليه كلبًا من كلابه، فأجيبت، ولو ذهبنا إلى تعديد ذلك لطال جدًا. * وأما الأفعال التي جرت على يده ﷺ خارقة للعوائد مظهرة للإعجاز فكثيرة جدًا، قد تقدم (٤١/أ) منها ما تقدم، ومنها أن أبا قتادة بدرت عينه فسقطت فردها ﵇ بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما. وتفل في عين علي وهو أرمد فصح من وقته. وأصيب رجل عبد الله بن عتيك فمسحها بيده، فبرئت من حينها إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته المشهورة المنقولة نقل التواتر. * فأما صفته ﷺ ، فهي إذا تؤملت تشهد له أنه ﷺ رسول الله حقًا: فإنه ﷺ لا يختلف اثنان أنه نشأ أميًا في قوم أميين، معروف منشأه ومولده، وأبوه وأمه، وأجداده وجداته، وأنه كان فقيرًا أميًا لا يقرأ ولا يكتب، يرعى الغنم على قراريط يتقوتها، لم يرحل قط عن قومه إلا مرتين معروفتين: أحدهما مع عمه وهو صبي إلى الشام، فرده عمه من الطريق قبل أن يبلغ الشام. والثانية: مع جماعة من قومه حتى بلغ إلى الشام، وانصرف، فعلمه الله سبحانه الكتاب والحكمة، وأخبار الأولين والآخرين، ومحاسن الأخلاق، وكرائم الأوصاف، وحميد الطرائق، وصالح الشيم، وآتاه جوامع الكلم،

стр. 2061

وما فيه من النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والصلاح في الدنيا، دون توسط معلم أصلًا، أو قراءة كتاب، أو تلق من موقف، وهذا من أكبر معجزاته، بل مَنَّ عليه سبحانه بذلك من غير واسطة، وآتاه النبوة، فدعا قومه إلى الله سبحانه، وغيرهم فكتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله سبحانه كلهم، والالتزام لأمره، والأخذ بحدود شرعه، وجريان الأحكام عليهم، وترك ما هم عليه من مألوفات النفوس، ومحبوبات الطباع، ومجبولات الخلق إلى التكاليف الشرعية وتحمل أعبائها (٤١/ب) بلا مال، ولا أعوان، ولا حرس ولا سور، ولا قصر. من غير أن يمني أحدًا منهم ولاية، ولا ملكًا، فراسله الملوك، ودانت له العرب بعد حاله التي نشأ عليها، وأقروا بنبوته، وذعنوا برسالته لما بهرهم من صدقه، وظهر لديهم من معجزاته حتى اضطروا إلى الإيمان به. ثم لم تتغير نفسه عليه بعد ذلك، ولا حالت سيرته عما كانت عليه، وكان على خلق عظيم، كما قال ، أعدل الناس، وأحلم الناس وأشجع الناس، وأعف الناس، وأكرم الناس، وأعظم الخلق تواضعًا على عظيم شرفه ومنزلته من ربه تعالى، وأشد الناس حياء، يجيب دعوة العبد والمسكين والأمة، تعصب لربه ولا تعصب لنفسه، وينفذ الحق على من توجه؛ وإن عاد ذلك بالضرر عليه، أو على أصحابه، عرض عليه الانتصار بالمشركين، وهو في قلة وحاجة إلى إنسان يزيده في عدد معه، فأبى، وقال: (إنا لا نستعين

стр. 2062

بمشرك). ووجد أصحابه قتيلًا من خيارهم وفضلائهم بهذه البلاد العظيمة والعساكر الكثيرة بعد مثلة فلم يحف لهم من أجله على أعدائه من اليهود الذين وجد مقتولًا بينهم، ولا زاد على مر الحق بل وداه بمائة ناقة من صدقات المسلمين، وإن لأصحابه إلى بعير واحد يتقوون به، وكان يؤثر على نفسه بالطعام، ويصبر على ذلك، حتى لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية إيثارًا على نفسه فلا فقرًا ولا بخلًا. يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، أشد الناس تواضعًا، وأسكنهم في غير كبر، وأبلغهم في غير إطالة، وأحسنهم برًا، لا يهوله شيء من أمر الدنيا، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويقبل المعذرة، ولا يحتقر مسكينًا (٤٢/أ) لفقره وزمانته، ولا ينأى ملكًا لملكه. يدعو هذا وهذا إلى الله دعاءً واحدًا إلى غير ذلك من سيرته الشريفة ﷺ . وهذا الكتاب كله، وكتب الإسلام المصنفة لا تأتي على فضله ﷺ ، ولا على معجزاته، ولا على دلائله ﷺ ، فكان الاقتصار في هذا الموضع عن شرح ذلك وبسطه دليلًا على إشاعة وعظمة وتوفيره عن الحصر والجمع والضم في موضع من الكتاب.

стр. 2063

* وأما ذكر سنه ومولده وسنة وفاته ومبعثه. فقد مضى ذكر نسبه ﷺ . * وأما مولده ﷺ ؛ فولد بمكة في الدار التي كانت تدعى آخرًا لمحمد بن يوسف الثقفي، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. وقيل: لليلتين خلتا منه عام الفيل إذ ساقه الحبشة إلى مكة في جيشهم، يغزون البيت، فردهم الله عنه، وأرسل عليهم الطير الأبابيل فأهلكتهم ببركة مولده، لا خلاف بين العلماء أنه ولد عام الفيل. * وعاش يتيمًا؛ إذ مات أبوه وأمه كما قدمنا ذكر ذلك، فكفله جده، ثم عمه، كما قدمنا، وأرضعته ثويبة وحليمة، وحضنته أم أيمن، وأتته الرسالة من الله سبحانه وهو في غار حراء في تحنثه وتعبده، فأقام بمكة ثلاثة عشر سنة مع سني الشعب الثلاثة التي أسلم فيها رجال ونساء، ثم ساق الله إلى الأنصار الكرامة، بأن جعل دار هجرته إليهم، فهاجر إليهم، فأقام عندهم عشر سنين، وكانت هجرته إليهم بعد بيعة العقبة بشهرين وليال. وخرج لإهلال شهر ربيع الأول، وقدم النبي ﷺ المدينة يوم الاثنين لأيام

стр. 2064

خلون من ربيع الأول؛ قيل: ثمان، وقيل: اثنا عشر، (٤٢/ب) ومن مقدمه إلى المدينة أرخ التاريخ في زمن عمر بن الخطاب، ثم أذن الله سبحانه له بالقتال، فبعث البعوث والسرايا، وغزا بنفسه، دفعات، وكان أعظمها يوم بدر، واعتمر عمرًا، وحج حجة واحدة بعدما هاجر، وتمهد الشرع وتقرر الأمر بالمدينة في سنيه العشر، وتزوج ﷺ عددًا من النساء زائدًا على الأربع، خذ بذلك. * وكان له من الولد أربع بنات لا خلاف في ذلك، فهن: زينب، وهي الأكبر بلا خلاف، ثم أم كلثوم، ورقية، وفاطمة. واختلف في عدد أولاده الذكور فقيل: القاسم، والطيب، وعبد الله، والطاهر. والصحيح أنهما اثنان: عبد الله وهو الطيب والطاهر؛ لقبان له، والقاسم، وبه كان يكنى، وجميعهم من خديجة، وإبراهيم من مارية. والذكور والإناث كلهما ماتوا قبله سوى فاطمة فإنها بقيت بعده ستة أشهر في أصح الأقاويل، وقيل: أقل من ذلك، ولم يبق من ولده ذكرهم وأنثاهم أحد حيًا بعده سواها ثم لحقته، فلم يبق من ينسب إليه بولادة سوى أولادها. ثم لم يمت حتى استقر به الدين، فأكمل البيان، وبلغ ما أوحي إليه،

стр. 2065

وانقطع الوحي بموته، فلا نبي بعده، ثم لم يقبضه الله إليه حتى خيره بين البقاء وبين لقاء ربه، فاختار ﷺ لقاء ربه، فكان انتقاله إلى الكرامة العظمى الذي قال الله في ذلك: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ في يوم الاثنين لاستهلال شهر ربيع الأول. وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاثنتي عشر، سنة إحدى عشرة من الهجرة حين اشتد الضحى. * ودفن ليلة الأربعاء في أصح الأقاويل، وكانت مدة مرضه اثنى عشر يومًا، وكان في بيت عائشة موته ﷺ ، ودفن في بيتها، وهو الآن في المسجد، وإنما دفن ﷺ حيث قبض من بيت عائشة، وصلى عليه المسلمون أفرادًا بعد أن كفن في (٤٣/أ) في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وتولى غسله علي والفضل ﵄، وقثم، وكان أسامة بن زيد وشقران وأوس بن خولي معاونين لهم في ذلك. ﷺ عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. وهذا آخر ما قدر إيراده من نسب المصطفى ﷺ ، وذكر أصول القبائل المتصلة به على الاختصار والإيجاز، ونرجوا أن نكون قد أتينا فيه مع ذلك على جملة من المعارف، وقطعة صالحة من علم السير، والله سبحانه هو الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2066

-٢٠٧٢ - الحديث الرابع والثلاثون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، قال: (أتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام- أو طعام، وشراب؛ فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ قبل أن تأتيه خديجة، آمرًا بأن يبشرها عند إتيانها على الصفة التي ذكرناها عن ربه ، ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. * وسمعت شيخنا محمد بن يحيى ﵀ يقول: إنه بشرها بذلك، ليؤمنها من النار، فإن القصب لا يكون حيث تكون النار. * وقوله: لا صخب فيه، يعني: لا سخط. ولا نصب أي: لا تعب فيه. * وقد سبق هذا الحديث في مسند عبد الله بن أبي أوفى.

стр. 2067

-٢٠٧٣ - الحديث الخامس والثلاثون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا تنفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل). وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من (٤٣/ب) مغربها؛ فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا). وفي رواية ثالثة: (إذا خرجت لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض). وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يخرج قريب من ثلاثين كذابين دجالين، كلهم يقول: إنه نبي، ولا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويؤمن الناس أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود،

стр. 2068

فيفر اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا عبد الله، يا مسلم، هذا يهودي ورائي، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر). وفي رواية: (بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدجال، أو الدخان، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة). وفي رواية: (بادروا بالأعمال ستًا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم). وفي رواية لمسلم: (من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها، تاب الله عليه]. * في هذا الحديث وجوب الإيمان بطلوع الشمس من مغربها، فقد قال : ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾، فقال المفسرون: هي طلوع الشمس من مغربها، وإنما كان طلوعها من مغربها؛ أنه لرؤية أهل المشارق والمغارب

стр. 2069

لذلك، ولا يحتاجون إلى من يخبرهم به إذا كان الإنسان ذا بصر. * وفيه أيضًا: أنه لم يوقت لذلك وقت ما، من ليله، إلا ويجوز أن تكون الليلة التي تتطلع فيها، إلا أنه إذا توافرت الأشراط كان ذلك أقرب. * وقوله: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ فمعناه أن الإيمان ينفع إذا كان بحالة غيرها، فإذا خرج الغيب إلى المشاهدة زال (٤٤/أ) زمن الإيمان فلا ينفع نفسًا إيمانها؛ لأنه لا يقى ما يؤمن به. وقوله: ﴿لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ يعنى أنها إن كانت مؤمنة ولم تكسب في إيمانها خيرًا، يعني طلعت الشمس من مغربها؛ فحينئذ لا ينفعها ما تكسبه. * وفيه أيضًا: وجوب الإيمان بخروج الدجال، وقد مضى ذكره. * وفيه من الآيات بخروج دابة من الأرض؛ كما قال الله : ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾. * وفيه: أن بين يدي الساعة خروج قريب من ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه نبي، فينبغي لكل مؤمن أن يكون حذرًا على دينه من بعضهم؛ فإنه لم يقل ﷺ إنهم يخرجون في وقت معين، ولا أنهم يخرجون في مرة واحدة فليحذر الإنسان على دينه، من كل من يتظاهر بالخبر مع بدعة يبتدعها في

стр. 2070

الدين، فإنه وإن لم يقل إني نبي بلسانه إذا رغب عما كان عليه ﷺ وابتدع بدعة، ودعا الناس إليها؛ فإنه يقول: إني نبي بلسان حاله. * وفيه ما يدل على أن اليهود عود باقي العداوة، لا تزيل البغضاء من قلبه كر الليل والنهار، وإنهم سيقاتلون المسلمين، وإن المسلمين يظهرون عليهم، فيقتلونهم حتى ينادي الحجر المسلم، أن هذا يهودي ورائي فاقتله، وإنما يدل الحجر عليه؛ لأن الحجر خاف أن يكون وقاية لعدو الله . * وقوله: (يقاتلون قومًا نعالهم الشعر)، وأنهم الترك، قد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن مسعود. * وقوله: (خاصة أحدكم)، يعني أنه لا يستطيل أحدكم المدة بأن يقول أنا أحيي إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإن خاصة نفسه غير متروكة إلى أن تخرج الدابة، ورآها تجر عذاب الله في الدنيا والآخرة، كل شغل شاغل. * وقوله: (٤٤/ب) (أو أمر العامة)، يعني أنه يصيب عوام المسلمين أمر يشغلهم فيكون شغل الإنسان في خاصة نفسه من فعاله. * وقوله: (خويصة أحدكم)، تصغير خاصة، وقيل: خاصة أحدكم: الموت الذي يخصه، والعامة: القيامة التي تعم الخلق. * وفيه أيضًا: ما يدل على أن باب التوبة مفتوح لكل تائب، ولا يرد إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
следующие страницы →