Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
-٢٠٧٢ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (أتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام- أو طعام، وشراب؛ فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ قبل أن تأتيه خديجة، آمرًا بأن يبشرها عند إتيانها على الصفة التي ذكرناها عن ربه ، ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
* وسمعت شيخنا محمد بن يحيى ﵀ يقول: إنه بشرها بذلك، ليؤمنها من النار، فإن القصب لا يكون حيث تكون النار.
* وقوله: لا صخب فيه، يعني: لا سخط. ولا نصب أي: لا تعب فيه.
* وقد سبق هذا الحديث في مسند عبد الله بن أبي أوفى.
стр. 2067
-٢٠٧٣ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا تنفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من (٤٣/ب) مغربها؛ فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا).
وفي رواية ثالثة: (إذا خرجت لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يخرج قريب من ثلاثين كذابين دجالين، كلهم يقول: إنه نبي، ولا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويؤمن الناس أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود،
стр. 2068
فيفر اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا عبد الله، يا مسلم، هذا يهودي ورائي، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر).
وفي رواية: (بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدجال، أو الدخان، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة).
وفي رواية: (بادروا بالأعمال ستًا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم).
وفي رواية لمسلم: (من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها، تاب الله عليه].
* في هذا الحديث وجوب الإيمان بطلوع الشمس من مغربها، فقد قال : ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾، فقال المفسرون: هي طلوع الشمس من مغربها، وإنما كان طلوعها من مغربها؛ أنه لرؤية أهل المشارق والمغارب
стр. 2069
لذلك، ولا يحتاجون إلى من يخبرهم به إذا كان الإنسان ذا بصر.
* وفيه أيضًا: أنه لم يوقت لذلك وقت ما، من ليله، إلا ويجوز أن تكون الليلة التي تتطلع فيها، إلا أنه إذا توافرت الأشراط كان ذلك أقرب.
* وقوله: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ فمعناه أن الإيمان ينفع إذا كان بحالة غيرها، فإذا خرج الغيب إلى المشاهدة زال (٤٤/أ) زمن الإيمان فلا ينفع نفسًا إيمانها؛ لأنه لا يقى ما يؤمن به.
وقوله: ﴿لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ يعنى أنها إن كانت مؤمنة ولم تكسب في إيمانها خيرًا، يعني طلعت الشمس من مغربها؛ فحينئذ لا ينفعها ما تكسبه.
* وفيه أيضًا: وجوب الإيمان بخروج الدجال، وقد مضى ذكره.
* وفيه من الآيات بخروج دابة من الأرض؛ كما قال الله : ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾.
* وفيه: أن بين يدي الساعة خروج قريب من ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه نبي، فينبغي لكل مؤمن أن يكون حذرًا على دينه من بعضهم؛ فإنه لم يقل ﷺ إنهم يخرجون في وقت معين، ولا أنهم يخرجون في مرة واحدة فليحذر الإنسان على دينه، من كل من يتظاهر بالخبر مع بدعة يبتدعها في
стр. 2070
الدين، فإنه وإن لم يقل إني نبي بلسانه إذا رغب عما كان عليه ﷺ وابتدع بدعة، ودعا الناس إليها؛ فإنه يقول: إني نبي بلسان حاله.
* وفيه ما يدل على أن اليهود عود باقي العداوة، لا تزيل البغضاء من قلبه كر الليل والنهار، وإنهم سيقاتلون المسلمين، وإن المسلمين يظهرون عليهم، فيقتلونهم حتى ينادي الحجر المسلم، أن هذا يهودي ورائي فاقتله، وإنما يدل الحجر عليه؛ لأن الحجر خاف أن يكون وقاية لعدو الله .
* وقوله: (يقاتلون قومًا نعالهم الشعر)، وأنهم الترك، قد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن مسعود.
* وقوله: (خاصة أحدكم)، يعني أنه لا يستطيل أحدكم المدة بأن يقول أنا أحيي إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإن خاصة نفسه غير متروكة إلى أن تخرج الدابة، ورآها تجر عذاب الله في الدنيا والآخرة، كل شغل شاغل.
* وقوله: (٤٤/ب) (أو أمر العامة)، يعني أنه يصيب عوام المسلمين أمر يشغلهم فيكون شغل الإنسان في خاصة نفسه من فعاله.
* وقوله: (خويصة أحدكم)، تصغير خاصة، وقيل: خاصة أحدكم: الموت الذي يخصه، والعامة: القيامة التي تعم الخلق.
* وفيه أيضًا: ما يدل على أن باب التوبة مفتوح لكل تائب، ولا يرد إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
стр. 2071
-٢٠٧٤ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي زرعة قال: دخلت أنا وأبو هريرة دار مروان، فرأى فيها تصاوير -وفي حديث جرير- دار بالمدينة تبتنى لسعيد أو لمروان، فرأى مصورًا يصور في الدار، فقال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : ومن أظلم ممن ذهب بخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة).
وفي حديث عبد الواحد بن زياد نحوه، وزاد: ثم دعا بتنور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ فقال: نعم منتهى الحلية].
* في هذا الحديث ما يدل على تحريم الصور، وقد سبق ذكر ذلك، ولما صور هؤلاء صول الأجسام عاجزين على أن يخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة، فإنما يصنعون أصنامًا مجردة، فكانوا في المعنى أقبح ممن يعبد الأصنام من وجه؛ لأنهم يعملون الأصنام التي يعبدها من يعبدها، فلذلك اشتدت جريمتهم، وعظمت خطيئتهم.
* وقول أبي هريرة: منتهى الحلية، معناه: أن الحلية في الآخرة تبلغ إلى حيث يبلغ الوضوء من الأعضاء.
стр. 2072
-٢٠٧٥ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)].
* في هذا (٤٥/أ) الحديث أن الكلم في الميزان لا يكون عن كثرة حروفها ولكن عن عظم معناها؛ فإن (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، إنما ثقلتا في الميزان من حيث إن معناهما أجل عظيم؛ لأنهما تسبيح الله وحمده على تسبيحه في إقرار بأن تسبيحه إنما كان بتوفيقه، ثم تعظيم الله سبحانه بعد تجديد تسبيحه، والتسبيح هو التنزيه وقد تقدم ذكره.
* وقوله: (خفيفتان على اللسان)، أي من حيث النطق، ومن حيث اتساق الحروف؛ فإن الحروف من النون إلى الهمزة، ومن الهاء إلى الواو وإلى السين، وإلى اللام الساكنة سهل لأنه يتناسب في المخارج ويتقارب، بخلاف خروجك من صاد إلى كاف، أو خروجك من كاف إلى جيم، أو من باء إلى زاي، فإن هاتين الكلمتين نزية من التكلف.
* وأما قوله: (كلمتان) وهي كلمات، فالمعنى: أنهما جملتان، والعرب
стр. 2073
تسمي القصيدة كلمة، فتقول قلت في كلمتي كذا، كما يعنون القصيدة.
ويجوز أن يكون معنى قوله: (خفيفتان على اللسان): أن كل كلمتين من هاتين الجملتين خفيفة على اللسان.
* وأما قوله: (حبيبتان إلى الرحمن)؛ فلأجل أنهما جمعتا بين التنزيه والتعظيم، فالتنزيه: ناف لكل ما لا يجوز، والتعظيم: لكل ما لا يجب.
-٢٠٧٦ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم أجعل رزق آل محمد قوتا).
وفي رواية: (كفافًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ أخبر أن من الرزق ما يكون بلغة ولا يعوز ولا يفضل؛ لأن الكفاف ما كان مبلغًا المحل غير قاصر فيشغل بفضول أو معوز فيشغل في تحصيله وعلى أن هذا الدعاء هو الكفاف الحاصل لم يكون من الرزق لسائر أهل الدنيا، فإنه لا يحصل لكبر إنكار سوى قوته؛ وللذي يتقي الفتن من الدنيا وقد قاسى (٤٥/ب) شيء مما قدر له عن كفاية فثبت أن الفاضل عن القوت فيه إشغال، وقد أجاد أبو الطيب حين يقول:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته .... ما فاته وفضول العيش إشغال
стр. 2074
* وفيه أيضًا: أنه ﷺ دعا لآله أن يكون رزقهم قوتًا، فلا يطغون بالإكثار، ولا يحسدهم أهل الدنيا في أرزاقهم، إذا رآهم الفقير استعمل الرضا، وإذا رآهم الغني استحيا.
-٢٠٧٧ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وفي رواية: (والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه؛ فتأبي عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها).
وفي رواية: (إذا باتت المرأة مُهاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وفي رواية: (حتى ترجع)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الرجل إذا دعا امرأته إلى فراشه فامتنعت، كانت ظالمة بمنعها إياه حقه، فتكون عاصية لله بمنع الحق، وبالظلم، وبكفران العشير، وبتكدير عيش الصاحب، وبسوء الرفقة، وبكونها عرضت زوجها
стр. 2075
ونفسها لفتنة؛ فلذلك لعنتها الملائكة حتى تصبح أو حتى ترجع، ويعني ﷺ أنها إذا رجعت قطعت الملائكة لعنتها، لكن ما مضى من اللعنة فبحاله إلا أن يعفو الله .
* وقوله: (إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها)، فإنه يعني به الله ، وقد قال الله سبحانه: ﴿أأمنتم من في السماء﴾.
- ٢٠٧٨ -
الحديث الأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه (٤٦/أ) كسرته، فإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)
وفي رواية: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهم خلقن من ضلع ...).
وفي رواية لمسلم: (أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير وليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع ...).
وفي رواية: (المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج).
стр. 2076
وفي رواية: (إن المرأة خلقت من ضلع، ولن تستقيم على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)].
* المراد من هذا الحديث أن قوله: (خلقت المرأة من ضلع) إشارة إلى أن أصل خلقها زائغ عن الاستقامة، فلا ينبغي للرجل أن يحمله على عقله، فلا يكلفها مقتضيات كل رأيه؛ بل يستمت هبها في علم ما خلقت عليه مستوصيًا بها خيرًا من حيث عرفانه بفضله عليها في الرأي والعقل؛ فيكون في ذلك كالراحم لها، فيبني أمرها على المسامحة.
* وقوله: (أعوج ما في الضلع أعلاه)، يعني به ﷺ فيما أراه أن حنوها الذي يبدو منها؛ إنما هو عن عوج خلق فيها، وهو أعلا ما فيها من حيث الرفعة على ذلك، فإن أعلا ما فيها الحنو، وذلك الحنو فيه عوج.
* وقوله: (لن تستقيم لك على طريقة)، يعني ﷺ أنها كثيرة التلون والتقلب في أي طريقة أردت من سلوكها لم تستقم عليها كل الاستقامة، وهذا ينصرف إلى الغالب منهن والأكثر فيهن، ولا يمتنع مع ذلك أن تبرز فيهن الصالحات الحافظات بالغيب بما حفظ الله.
стр. 2077
وأما قوله ﷺ : (وإن ذهبت تقيمها (٤٦/ب) كسرتها، وكسرها طلاقها)، فالذي أراه أن المعنى: إذا أردت تقيم العوج الذي بها كسرت الضلع.
* ثم قوله: (وكسرها طلاقها) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى: أنك متى أردت أن تقيمها طلقها، والآخر: أنك تستغني عن كسره؛ بأن تطلقها.
* وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت)، فمعناه: إذا شهد أمرًا بين قوم فلينبئهم بخير، أي: بالحق الواجب عليه في ذلك، إلا إذا لم يقدر على ذلك؛ فلا أقل من السكوت والإمساك عن الشر.
-٢٠٧٩ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون) قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (أوفوا بيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم)].
* في هذا الحديث من الفقه: جواز ذكر السياسة، وأنه لا بأس بذكر هذه الكلمة.
стр. 2078
* وفيه: أن الله تعالى عاض هذه الأمة من الخلفاء بما كانت تقوم به الأنبياء من بني إسرائيل.
* وفيه: شرف لنبينا ﷺ من حيث إن كل نبي من بني إسرائيل كان إذا هلك بعث الله بعده نبيًا يوحى إليه، فيشرف محمد ﷺ أن الخلفاء بعده يكونون نوابًا عنه، ويعملون بشرعه؛ بخلاف ما تقدم من الأنبياء.
* وفيه: آية على صدقه ﷺ فيما أخبر به؛ لأنه أخبر بهذا قبل كونه، وكان كما أخبر ﷺ .
* وفيه: أن حيث كانت الخلفاء أقامهم الله مقام الأنبياء في بني إسرائيل أنه يجب على كل الناس أن يروا الخلفاء بذلك المقام، وأنه يجب أن يطاع كل منهم في وقته، كما كان يطاع النبي في أمته.
* وفي (٤٧/أ) أيضًا: أنه ينبغي للخلفاء أن يكونوا على سيرة الأنبياء؛ لأن الله تعالى جعلهم عوضًا منهم، وخلفاء عنهم.
* وفيه أيضًا: أن الخلفاء يكثرون، وهذا دليل على بقاء الخلافة إلى آخر الدهر؛ لأنه قال: فيكثرون، ولم يذكر أنه يأتي نبي بعدهم.
* وقوله: (فأفوا للأول)، يعني: أن الأول في البيعة هو الخليفة، وكذلك جاء في الحديث الآخر: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما).
* وقوله: (أعطوهم حقهم)، المعنى: لا تكونوا أنتم الذين تحاسبونهم، وإنما
стр. 2079
عليكم إعطاؤهم الحق، وحسابهم على الله، وهذا دليل على شرف الخلافة؛ لكونها نزهت أن يكون عليها مشرف أو معارض، بل الله تعالى هو المتولي لذلك؛ بل يجب على الناس طاعتهم وفاء بحقهم، ومن حقهم طاعتهم سرًا وجهرًا.
-٢٠٨٠ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك؛ لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، فقال: (من يضيف هذا الليلة؟ فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ).
وفي رواية: (هل عندك شيء؟ قال: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء).
وفي حديث أبي أسامة: (وإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، فأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفيئه، قال: فقعدوا فأكل الضيف).
وفي حديث عبد الله بن داود: (باتا طاويين، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ فقال: (لقد عجب الله من صنيعكما (٤٧/ب) بضيفكما الليلة).
وفي رواية ابن فضيل: (فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة،
стр. 2080
فانطلق به إلى رحله، ثم ذكره نحوه)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن لفظه الجهد، لا تستعمل في الأكثر إلا في حالة المرض، وعلى هذا يكون الرسول ﷺ قد رأى علاج المريض: إطعامه الطعام، فيكون هذا الحديث دالًا على خلاف ما يذهب إليه المتنطعون في التداوي، من أنهم يحمون المجهود الطعام، وهذا ما لا أراه في كل مرض؛ بل إنما يكون الامتناع من الطعام دواء لمن داؤه الامتلاء، أو يكون هضمه قد ضعف، فينبغي أن يوفر القوى الهاضمة بالتجويع إلى أن تهضم ما كانت ضعيفة عن هضمه، وأما باقي الأمراض فلا أعلم أنه يصلح فيها قطع الغذاء، وقد جربت هذا مرارًا.
ويجوز أن يكون المراد بقوله في الحديث: إني مجهود، أن الجوع قد بلغ منه الجهد فأمرضه.
*وفيه أيضًا أن رسول الله ﷺ لم يعرض لغيره، حتى ذكر نساؤه ﵅ خلو بيوتهن من قوت؛ فحينئذ قال: من يضيف هذا الليلة؟
*وفيه أيضًا دليل على جواز أن يضيف الرجل الرجل، وليس عنده إلا قوت صبيانه، ولا يكره ذلك له إلا أن يستمر فيضر بأهله؛ لأن رسول الله ﷺ قال له: (لقد عجب الله من صنيعكما الليلة).
*وفيه دليل على أن الرجل قد لا يعلم ما في بيته كذلك، تفويضًا لذلك إلى
стр. 2081
زوجته.
*وفيه أيضًا دليل على جواز التوصل في تسكين الأطفال وتعليلهم، مع أخذ زادهم في مثل هذه الحالة النادرة تغنمًا لسده الحاجة الشديدة؛ فإن هذا الرجل بلغ منه الجهد؛ وليس كل ضيف يكون مثل هذا.
*وفيه أيضًا من التوفيق أن هذا الرجل جمع بين توفير الزاد على الضيف مع التوصل (٤٨/أ) في تطييب نفس الضيف؛ إذ أمر امرأته لعتم المكان إذ لو قد كان المصباح يقد حتى رأى امتناعهم من الطعام توفيرًا عليه إذ لم يتعد أن يتكدر قلبه.
*وفيه أيضًا ما يدل على أن الله تعالى جعل أصحاب رسول الله ﷺ أصولًا في عمارة الطرق كلها، يقتدى بهم، فإن فعل هذا الأنصاري مما قل فيما سمع أن أحدًا سبقه إليه أو لحقه فيه، وهو في معنى قوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
-٢٠٨١ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: (ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، كان إذا اشتهى شيئًا أكله، وإذا كرهه تركه).
وفي رواية: (ما رأيت رسول الله ﷺ عاب طعامًا قط، كان إذا اشتهاه أكله
стр. 2082
وإن لم يشتهه سكت)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان ينبغي أن يرى نفسه في هذه الدنيا ضيفًا لله ، وأن كل ما يقدم إليه في بيته وبيت غيره إنما هو من ضيافة الله؛ لأن إضافة الرجل للرجل بالشيء المستطرف والمستحسن من الأطعمة فقد سبق خلق الله لذلك الشيء وإعداده سبحانه إياه، فلو لم يجد الضيف ذلك الشيء المضاف به مخلوقًا معدًا لم تبلغ قدرته إيجاده، فصار المضيف على الحقيقة هو الله تعالى، وحقيق بمن يرى أنه ضيف الله وإن أكل طعامًا فإنما هو مجموع أجناس قد بدأ الله بخلقها، وسهل حصولها، ولا ينبغي له أن يعيب شيئًا منها؛ بل إن كان به حاجة إليه يتناوله، وإن لم يكن إليه حاجة تركه.
فكما أنه لا يحسن بالمؤمن أن يهين شيئًا مما خلقه الله له من جميع الأشياء، فكذلك لا ينبغي له أن يتناول منه فوق حاجته؛ لأنها قوته وقوت غيره، فالقسمة بينه وبين غيره لم يكن تقديرها إلا بالإشارة بحالة الاحتياج، فإذا أخذ من شيء هو مشاع بينه وبين غيره أكثر من حاجته فقد ظلم غيره مقدار التفاوت (٤٨/ب).
*وفيه: أن النبي ﷺ لا يأكل إلا ما يشتهيه لقوله: (كان إذا اشتهى شيئًا أكله)، وهذا يدل على أنه يستحب للإنسان ألا يأكل من الطعام إلا ما يشتهيه، ولا يجاهد نفسه على تناول ما لا يريده؛ فإنه من أضر شيء بالبدن، وقد جاء
стр. 2083
في صفة أهل الجنة: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾.
*وفيه أيضًا رد على من يزعم أن تناول ما يشتهى مكروه.
*وقوله: (وإن لم يشتهه سكت) أي: لم يعبه.
-٢٠٨٢ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام، حتى قبض).
وفي رواية عن أبي حازم، قال: (رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارًا يقول: والذي نفس أبي هريرة بيده، ما شبع نبي الله ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا).
وفي رواية: (والذي نفس أبي هريرة بيده ما أشبع رسول الله ﷺ أهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا).
وفي رواية عن أبر هريرة: أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكلها، وقال: (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)].
*قوله: لم يشبع ثلاثة أيام، أي: لم يوال الشبع ثلاثة أيام، وهذا يدل على
стр. 2084
جواز الشبع، وأنه إذا لم يواله لم يكره بحال؛ إلا أن المستحب أن يكون أكل الإنسان وفق حاجته من غير أن يكظ معدته، ولا يخليها ما أمكنه، ويجوز أن يكون ما اتفق لرسول الله ﷺ ما يشبعه.
*وأما ذكره لخبز الشعير، فيجوز أن يكون عوزًا، ويجوز أن يكون إيثارًا لغير الشعير، لأن غير الشعير أصلح للأبدان.
-٢٠٨٣ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ انصرف من (٤٩/أ) اثتنين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ :أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع).
وفي حديث سلمة بن علقمة: (قلت لمحمد- يعني ابن سيرين -:في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة).
وفي رواية: (صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي).
قال محمد: وأكثر ظني: العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم: أبو بكر وعمر ﵄ فهاباه أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ :ذو اليدين فقال: يا نبي الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟
стр. 2085
فقال: (لم أنس ولم تقصر)، قال: بلى قد نسيت، قالوا: صدق ذو اليدين، فقام فصلى ركعتين، ثم سلم، فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر).
وفي حديث سفيان بن عيينة عن أيوب نحوه، وفيه: (ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا، وفيه: (فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع- قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم).
وفي رواية: (صلى النبي ﷺ الظهر ركعتين، فقيل: صليت ركعتين، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين).
وفي رواية: (صلى بنا النبي ﷺ (٤٩/ب) الظهر أو العصر فسلم، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله، أنقصت؟ فقال النبي ﷺ لأصحابه أحق ما يقول؟ قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين، قال سعد ابن إبراهيم: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين؛ فسلم وتكلم، ثم صلى ما بقي، وسجد سجدتين، وقال: هكذا فعل النبي ﷺ ).
وفي رواية لمسلم: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : (كل ذلك لم يكن)، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا
стр. 2086
رسول الله، فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلم، فأتاه رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ ... وساق الحديث)].
*هذا الحديث برواية ابن سيرين عن أبي هريرة: فالطريق الصحيحة عنه: أن ذو اليدين قال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: (كل ذلك لم يكن). فقال له الرجل: قد كن بعض ذلك. فهذه الرواية هي الصحيحة التي يشهد بعضها لبعض، وأما الرواية الأخرى التي رويت عن ابن سيرين، وفيها: (لم أنس ولم تقصر) فإن مثل هذا لا يجوز أن يجري على رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يجوز أن يقول لم أنس وقد نسي؛ لأن الراوي روى الحديث عن ابن سيرين بالمعنى على ظن صفة أن هذا المعنى معبر عن ذلك، ولم يكن عالمًا؛ فأتى بمعنى لا يصح.
*ثم روي هذا الحديث من طرق ليس فيها هذه الزيادة، وفي الحديث دليل على أنه إذا أخبر الواحد عن مثل هذه الحالة في سهو، وظن المخبر ما ذكره،
стр. 2087
فرجع إلى غيره في السؤال إلى صدق ما يقول: كان ذلك في موضعه لا علم يجيزه عن غائب، فكان يقبل خبره، إذ خبر الواحد مقبول؛ ولكن لما خبر ذو اليدين رسول الله ﷺ بما لم يذكره (٥٠/أ) رسول الله ﷺ رجع إلى الناس، فقال: أحق ما يقول ذو اليدين؟
*وفيه من الفقه: أن من سلم وقد بقي عليه من صلاته أتى بما بقي وسلم، ثم سجد للسهو بعد السلام.
*وقوله: خرج سرعان الناس. قال الخطابي: الصواب نصب السين وفتح الراء، هكذا يقول الكساني. وغيره يقول: بتسكين الراء. والأول أجود.
*وقد ذكرنا تحريم الكلام في الصلاة في مسند ابن مسعود. وتكلمنا في كلام أبي بكر وعمر في ذلك اليوم في مسند عمران بن الحصين.
стр. 2088
-٢٠٨٤ -
الحديث السادس والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: نهي عن الخصر في الصلاة).
وفي رواية: (نهى أن يصلي الرجل مختصرًا).
وفي رواية: (نهى النبي ﷺ ...)].
*يجوز أن يكون هذا من وضع اليد على الخصر؛ وذلك ينافي الخشوع.
ويجوز أن يكون المراد شد الوسط.
ويجوز أن يكون نهيًا عن اختصار الصلاة؛ بأن لا يتم ركوعها ولا سجودها.
-٢٠٨٥ -
الحديث السابع والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها).
وفي رواية: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها؛
стр. 2089
لكن الله قالها)].
*هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي ذر وابن عمر وغيرهما.
-٢٠٨٦ -
الحديث الثامن والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله؛ قوله: ﴿إني سقيم﴾، وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾، وواحدة في شأن سارة؛ فإن قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجابر إن يعلم أنك امرأتي (٥٠/ب) يغلبني عليك؛ فإن سألك فأخبريه أنك أختي؛ فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل هذا الجبار، فأتاه، فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد
стр. 2090
من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله إلا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر، قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم انصرف، قال لها: مهيم، فقالت: خيرًا، كف الله يد الفاجر، فأخدم خادمًا)، قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء).
وفي رواية للبخار موقوفًا على أبي هريرة وفيه: (بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها؟، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده ... ثم ذكر نحو ما تقدم في منعه، ودعائها إلى أخره ... وفيه: فأخدمها هاجر، وقول أبي هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء).
وفي رواية: (هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل له: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء، فأرسل إليه أن يا إبراهيم: من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها فقال: لا تكذبيني حديثي، فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن (٥١/أ) على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا
стр. 2091
على زوجي، فلا تسلط على يد الكافر، فغط، حتى ركض برجله، وفيه أن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته، فأرسل، ثم قام إليها، فقامت توضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي فلا تسلط على هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله، قال أبو هريرة: فقالت: (اللهم إن يمت، يقال: هي قتلته، فأرسل في الثانية أو الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إلى إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوه هاجر، فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة)].
*أما حديث الكذبات الثلاث؛ فقد تقدم في هذا المسند قبل سبعة وعشرين حديثًا، وتكلمنا على معاني الثلاثة.
*وإنما قال: هي أختي، ولم يقل هي زوجتي لئلا يقتله، فإنه لو قال: زوجتي قتله، وتزوجها.
стр. 2092
*وقوله: (مهيم؟):سبق تفسيرها في مسند أنس.
*وقوله: فتلك أمكم يا بني ماء السماء: قال الخطابي: يعني العرب، وذلك أنهم يعيشون بماء السماء، ويتبعون مواقع القطر في بواديهم، قال: ويقال إنما أراد زمزم أنبطها الله لهاجر فعاشوا بها، وصاروا كلهم كأنهم أولادها.
-٢٠٨٧ -
الحديث التاسع والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لم يتكلم في المهد لا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: ياجريج، فقال: يا رب، أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت. فلما كان من الغد، أتته وهو يصلي، فقالت: ياجريج، فقال: يا رب، أمي وصلاتي، فاقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج فقال: أي رب، أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات،.
فتذاكر بنو إسرائل جريجًا (٥١/ب) وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه، قال: فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه.
стр. 2093
فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: عوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟ فقال: فلان الراعي.
قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا.
وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه، فجعل يرتضع- قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها- قال: ومروا بجارية وهم يضربونا، ويقولون: زنيت، سرقت، وهي تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع، ونظر إليها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهنالك تراجعا الحديث، فقالت: مر رجل حسن الهيئة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله.
ومروا بهذه الأمة وهم يضربونا ويقولون: زنيت، سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذلك الرجل كان جبارًا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها). لفظ حديث مسلم عن زهير بن حرب، وهو أتم، وأخرجه البخاري مختصرًا.
وأخرج البخاري حديث المرأة وابنها خاصة من حديث شعيب بن أبي حمزة (بينا امرأة ترضع ابنًا لها، إذ مر راكب وهي ترضعه، فقالت: اللهم لا
стр. 2094
تمت ابني (٥٢/أ) حتى يكون مثل هذا، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع في الثدي.
ومر بامرأة تجرر، ويلتعن بها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقال: أما الراكب فكافر، وأما المرأة، فإنه يقال لها: تزني، وتقول: حسبي الله، ويقولون: تسرق، وتقول: حسبي الله).
وأخرج البخاري أيضًا حديث جريج تعليقًا من حديث جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (نادت امرأة ابنها وهو في صومعة له، فقالت: يا جريج، قال: اللهم أمي وصلاتي، فقالت: ياجريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فقالت: يا جريج، قال: اللهم أمي وصلاتي، قالت: اللهم لا يموت جريج حتى ينظر وجوه المياميس.
وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم، فولدت، فقيل لها: ممن هذا الولد؟ قالت: من جريج، نزل من صومعته، قال جريج: أين هذه التي تزعم أن ولدها لي؟ قال: يا بابوس، من أبوك؟ قال: راعي الغنم).
وأخرج مسلم منه طرفًا في جريج خاصة، من حديث أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: (كان جريج يتعبد في صومعة، فجاءت أمه، قال حميد بن هلال: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله ﷺ حين دعته، كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه- فقالت: يا جريج، أنا أمك كلمني، فصادفته يصلي، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج ابني وإني كلمته فأبي أن يكلمني، اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، قال: ولو دعت عليه أن يفتن فتن، قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الراعي،
стр. 2095
فحملت، فولدت غلامًا، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير، قال: فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم، فنادوه، فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك، نزل إليهم، فقالوا له: سل هذه، قال: فتبسم، ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: راعي الضأن، فلما سمعوا ذلك، قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة؟ قال: لا، ولكن أعيدوه ترابًا كما كان، ثم علاه)].
*في هذا الحديث وجوب (٥٢/ب) الإيمان بأنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، حتى إنه قد روي على النبي ﷺ من الأحاديث الواهية أنه قد تكلم غير هؤلاء، رد ذلك، وعمل بهذا.
*وفيه أيضًا أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة شؤون كبار مهمة من حيث إنه قرن كل شيء منها بما يناسبه؛ لأن أولها كلام عيسى بن مريم ﵇ في المهد، وذلك مما يدل على علوه على الحالتين الأخريين لمشاركتهما قصة عيسى.
*فأما كلام غيسى في المهد، فإنه لم يكن تبرئة أمه مما قذفت به إلا بنطق الولد، فإنها لما أتت به من غير ذكر، وكانت حالًا في ظاهر الأمر هائلة خارقًا للعادة أتى الله فيها بأمر بديع من كلام صبي في المهد يقول: ﴿إني
стр. 2096
عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ وكان ذلك من الشأن العظيم الذي قاوم الأمر العظيم، فقامت به الحجة وثبت به المعجزة.
*وأما جريج فإنه كان عبدًا صالحًا، إلا أنه لما دخل عليه من استغراقه في التعبد بالصلاة، كان غير ناظر إلى أن عبادة الله في كل الطرق المشروعة متى أكب الإنسان على طريق منها، أضر بالبواقي، فيكون على نحو من أرجح كفه بأن أسف الأخرى، فلما أتته أمه، فكان كلامه لأمه أفضل عند الله من الصلاة النافلة، فقال: رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته وترك أمه، وكان من الفقه أن يقدم أمه؛ لأن صلاته إنما تكون له، وتكليمه أمه يكون عملًا متعبدًا يشمله ويشمل غيره، فربما كانت أمه قد جاءت في حاجة مهمة، بحيث يجب عليه أن يجيبها عنه.
*وفيه أيضًا أنها صلة رحم، هي أولى الأرحام بالصلة فآثر عليها ما لا يتعداه من الصلاة، فغلط في الموازنة فخسر، وقد ترددت إليه يومًا بعد يوم، وهو يؤثر الأدنى على الأرفع حتى هاج صدرها، بأن دعت عليه دعاء لا يبلغ فيه إلى الغاية؛ لأنها رفقت به؛ إذا خفي عليها فقالت: اللهم لا تمته حتى (٥٣/أ) تيه وجوه المومسات؛ يعني الفواجر، فلما لم ينظر في وجه أمه، دعت عليه بعقوبة من جنس ما أعرض عنه من النظر في وجوه المومسات، والمومسات: جمع مومسة، وهي الفاجرة، ويقال: مومسات وميامس.
стр. 2097
وإنما أجيب من دعائها مقدار ما سألت على وجه الرفق به من أن ينظر في وجوه الفواجر؛ فاتهم بتهمة هو بريء منها، إلا أنه لما آثر ما هو له، على ما هو له ولأمه، ابتلي ببلية لا ذنب له فيها؛ بل اطلع في وجه الفاجرة حتى أظهر الله بذلك كرامة عرفه الله غلطه في إيثاره صلاة النافلة على إجابة أمه.
*وفيه أيضًا دليل على أنه لا يجوز أن يسرع طاعن في مسلم بقول عن غير بينة، فإن هؤلاء لو كانوا عملوا بما أوجبه الله تعالى في شرعه، من أنه لا يقبل طعن في مسلم إلا ببينة لم يهدموا صومعته ولم يؤذوه.
*وفيه أيضًا من الفقه: أن جريجًا لما بلي بهذه البلية وعلم براءته منها، قوي إيمانه بالله في أن يكشف كل لبس؛ فجاء إلى المولود فطعن في بطنه فقال: يا بابوس أو يا غلام، من أبوك؟ فقال: أبي الراعي، فكفر بصدق إيمانه، وحسن يقينه بالله سبحانه ما كان منه إلى أمه، فأنطلق الله الغلام ببراءته، حتى قال: أبي الراعي.
ولم يذكر رسول الله ﷺ هذه الحالة إلا منبهًا لكل من جرى عليه تلبيس حتى يتفاقم أمره ويعظم، فإنه ينبغي ألا يستطرح، بل بفزع إلى الله ، فإن الذي أنطق المولود حتى بادر يسمع ويرى، ولم يذكر رسول الله ﷺ مثل هذا سمرًا قط بل ليعمل به، فكانت هذه القصة جامعة لفضل الوالدة، ولكونها أجيب دعاؤها في مثل الولد الصالح مع كونه لم يشتغل عنها بمنكر ولا بمحرم، وإنما اشتغل بعبادة فجرى في حقه هذا.
*وفيه: أن الله تعالى قائم بالقسط، عند كشف كل إلباس.
*وفيه أيضًا: أن الله (٥٣/ب) تعالى يجيب الدعاء عند السؤال.
стр. 2098
*وقوله: يا بابوس، فهي كلمة تقال للصغير.
*وأما القصة الثالثة: فالشارة الحسنة الجمال الظاهرة في الهيئة.
*وفيه من الفقه: أن يتعوذ الإنسان أن يكون مثل الجبار؛ لأنه قال: لا تجعلني مثله، فأنطق الله تعالى ذلك المولود بهذا؛ لتكون هذه الحالة أوقع عند كل سامع لئلا يتمنى الناس أحوال الجبارين؛ ولبسه الظالمين أدهى مقام فتنة؛ لأنه قد يأتي إبليس من هذه الطريق ويقول: فهذا الظالم أو الجبار مع عنفه وغشمه هو أصلح حالًا في عاجل الدنيا من كثير الخلق، فأوضح الله الحق في ذلك، بإنطاق المولود؛ الذي نطقه بدع في وقته؛ لتسير به الأخبار، ويتهاداه الرفاق؛ وحتى يذكره رسول الله ﷺ فينقل إلى يوم القيامة، وليعلم الناس أن الإملاء للظالمين ليس بخير لهم.
*فأما حديث الجارية؛ فإنه قد يتهم الجهال المرأة الصالحة بالزنا والسرق، وليست من أهل ذلك، فلا ينبغي أن يترك الرجل أهله من أجل أن يقول عدو له أو لهم أو يطبع الشيطان في أفواه الناس: إنها زانية أو سارقة، ولا يحل لمسلم أن يقبل هذا ولا يؤثر عنده بحال إلا أن يثبت ذلك بثبوت مثله، أو يرى من قرائن الأحوال ما يفيده عليه الظن، فيكون لذلك حكمه؛ فأما مجرد أقوال الأعداء فلا يحل العمل بذلك، إلا أن كثيرًا من النسوان يستجزن أن يقلن في ضرائرهن الكلمة الخبيثة؛ ليكون سببًا لإتلاف من يتلف، وإبعاد من يبعد.
ولقد حدثني ثلاثة رجال، أحدهم كان ذا طريقة صالحة، وممن حج بيت الله الحرام، أنهم سمعوا في الليل أنينًا يصعد من قبر فحكيت أنا هذه الحكاية لرجل، قال لي ذلك الرجل: إن خالي هو صاحب البستان الذي ذلك القبر
стр. 2099
إلى جانبه، وقد كان أنس خالي بهذا الأنين لكثرة ما يسمعه قال: وهذا القبر (٥٤/أ) لرجل من أهل الكتاب المتعاطين القدامى، أتى امرأة فاسدة اختصمت الفاجرة مع أخت هذه المتعاطي، فقالت الفاجرة له: إن أختك قد زنت فحمله تعاطبه على أن أخذ أجنة وبقر بطنها فوجدها بكرًا لم تصب، ثم أعماه الله على أثر ذلك، ثم أماته فدفن في هذا القبر، فمذ ليلة دفن سمع هذا الأنين.
فلا يحل لمسلم أن يقبل في دعوى الزنا إلا البينة التي شرطها الله تعالى في ذلك أن قال: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ هذا ولو أنهم رأوا وشاهدوا؛ فإنهم عند الله كاذبون، وذلك لأن هذه الوصمة إذا وصم بها رجل رجلًا أو امرأة فقد أتى عظيمًا من الأمر، فإذا عمل الإنسان بقوله صار شريكًا له فيما أناه الله.
*وأما قول المرأة: لا تجعل ابني مثل هذه؛ فلأنها رأت صورة كرهتها، من أنها تقذف وتؤدى، وما علمت الباطن.
*وأما إخراج الصبي الثدي من فمه، فإنه آثر قول الحق على الرضاع المستلذ، فقال: اللهم اجعلني مثل هذه، ولو قبالت لا تبل ولدي بمثل ما ابتليت هذه لم ينكر ذلك إن شاء الله، إنما قالت: لا تجعل ولدي مثل هذه، وكان هذا شأنًا عظيمًا منهما في الخلق، وهو أنه لا يسوغ قبول قول الفجار
стр. 2100
والفساق في العوامل مع كونه قد يجوز أن يكون بعضه كما يقال؛ ولكن الله حرم علينا أن نقبله أو نعمل به، فأنطق الله المولود في أمر بديع، شاع وسار حتى ذكر رسول الله ﷺ ، فصار ذكر رسول الله ﷺ قائمًا عند كل مؤمن مقام مشاهدة الطفل، وهو يقول ذلك، واستغنى بذلك عن أن يتكلم مولود في الإسلام، بمثل هذه الحادثتين، فقد أخبر بهذا الصادق ﷺ .
-٢٠٨٨ -
الحديث الخمسون بعد المائتين:
(٥٤/ب) [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)].
*قوله: (إن الله أطعمه) المعنى: أنه لم يأكل وهو ذاكر، إنما أطعمه الله وسقاه، ولا يعقب إطعام الله لعبده حرج، ولا نقص في عبادة، ولا حرمان من خير، فكان ما أطعمه الله صدقة عليه، واحتسب له بصيامه، وهذا الحديث يحج به أحمد، فهو حجة الفقهاء كلهم في صحة صوم الآكل والشارب ناسياً، وأنه لا يقض سوى مالك وحده؛ فإنه يوجب عليه القضاء.
стр. 2101
-٢٠٨٩ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (فقدت أمه من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت، قال أبو هريرة: فحدثت كعبًا بهذا، فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقوله؟: قلت: نعم-فقال لي مرارًا- فقلت: فأثرأ التوراة).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (الفأرة مسخ، وأية ذلك أن يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه. فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟، قال: أفأنزلت على التوراة!)].
*أما قوله: (لا أراها إلا الفأر)؛ فإنه يدل على أن رسول الله ﷺ لم يقطع بذلك، وقد سبق في مسند ابن مسعود: (إن الله لم يمسخ مسخًا، فيجعل له نسلا) فالعمل على ذلك الذي قطع عليه.
-٢٠٩٠ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لو آمن بي عشرة من اليهود، لآمن
стр. 2102
بي اليهود)
وفي رواية: (لو تابعني عشرة من اليهود، لم يبق (٥٥/أ) على ظهرها يهودي إلا أسلم)].
*المعنى الذي أراه في العشرة أنه أراد عشرة معينين، والا فقد آمن به ألوف منهم، وإنما أراد إن أثم المخالفين لي منهم في رقاب أولئك العشرة؛ لكونهم رؤساء القوم، وهذا على معنى قوله لهرقل: (فعليك إثم الأريسين)، وقد دل رسول الله ﷺ بهذا على أن اليهود أهل تقليد لرؤسائهم، وطرح الإرسان مقادتهم في أيدي علمائهم، لا أنهم يتبعون الدليل، فإذا أمر عشرة منهم آمنوا مقلدين لهم، فلما لم يؤمن أولئك الرؤساء لم يؤمن أولئك، قد عرض الاتباع تقليد أولئك، ويستنبط من فحوى هذا الكلام أن رسول الله ﷺ قد عرض في هذا: النهي عن التقليد في الإيمان.
-٢٠٩١ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل
стр. 2103
شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند أبي ذر وغيره.
-٢٠٩٢ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد-أو شابًا، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها-أو عنه- فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟) قال: فكأنهم صغروا أمرها-أو أمره- فقال: (دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليها ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)].
*تقم: تكنس، والقمامة: الكناسة.
стр. 2104
*وفي هذا الحديث ما يحث على تنظيف المساجد وكنسها، وإخراج ما يؤذي منها حتى ما يقذي العين.
*وفيه أيضًا: افتقاد الصاحب، والسؤال عنه مستحب، ألا ترى إلى قوله: (هلا آذنتموني حتى أصلي عليه؟).
*وفيه: وجوب الصلاة على الميت.
*وفيه: أن صلاة الرسول ﷺ على (٥٥/ب) الميت تنور له؛ فمن له بصلاة الرسول، قال الله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾.
*وفيه: أن الصلاة على الميت شفاعة في حقه، وكلما كان الشفيع وجيهًا، كانت شفاعته أسرع قبولًا، ورسول الله ﷺ هو الوجيه في الدنيا والآخرة، المقبول الشفاعة في الجمع كلهم، فما الظن بواحد يصلي عليه ويشفع فيه في صلاته؛ لأنه شرع لأمته لفظ الشفاعة في الصلاة على الجنازة، فلم يكن ليخل به، ولم يكن ليشفع إلا وتشفع، والله تعالى يوفقهم للصواب.
-٢٠٩٣ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أنه لقيه رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة؛ وهو جنب، فانسل، فذهب فاغتسل، ففقده النبي ﷺ ، فلما جاء، قال: (أين كنت يا أبا هريرة)؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن
стр. 2105
أجالسك حتى أغتسل، فقال: سبحان الله؛ إن المؤمن لا ينجس)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند حذيفة وتكلمنا عليه.
-٢٠٩٤ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل)
وفي رواية: (وإن لم ينزل).
وقال زهير بن حرب: (بين أشعبها الأربع: يداها ورجلاها)].
*وقوله: ثم جهدها، أي: اجتهد في الوصول إليها، والإشارة إلى التقاء الختانين، وهذا ناسخ لقوله ﷺ :الماء من الماء.
следующие страницы →