Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
-٢٠٨٩ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (فقدت أمه من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت، قال أبو هريرة: فحدثت كعبًا بهذا، فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقوله؟: قلت: نعم-فقال لي مرارًا- فقلت: فأثرأ التوراة).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (الفأرة مسخ، وأية ذلك أن يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه. فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟، قال: أفأنزلت على التوراة!)].
*أما قوله: (لا أراها إلا الفأر)؛ فإنه يدل على أن رسول الله ﷺ لم يقطع بذلك، وقد سبق في مسند ابن مسعود: (إن الله لم يمسخ مسخًا، فيجعل له نسلا) فالعمل على ذلك الذي قطع عليه.
-٢٠٩٠ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لو آمن بي عشرة من اليهود، لآمن
стр. 2102
بي اليهود)
وفي رواية: (لو تابعني عشرة من اليهود، لم يبق (٥٥/أ) على ظهرها يهودي إلا أسلم)].
*المعنى الذي أراه في العشرة أنه أراد عشرة معينين، والا فقد آمن به ألوف منهم، وإنما أراد إن أثم المخالفين لي منهم في رقاب أولئك العشرة؛ لكونهم رؤساء القوم، وهذا على معنى قوله لهرقل: (فعليك إثم الأريسين)، وقد دل رسول الله ﷺ بهذا على أن اليهود أهل تقليد لرؤسائهم، وطرح الإرسان مقادتهم في أيدي علمائهم، لا أنهم يتبعون الدليل، فإذا أمر عشرة منهم آمنوا مقلدين لهم، فلما لم يؤمن أولئك الرؤساء لم يؤمن أولئك، قد عرض الاتباع تقليد أولئك، ويستنبط من فحوى هذا الكلام أن رسول الله ﷺ قد عرض في هذا: النهي عن التقليد في الإيمان.
-٢٠٩١ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل
стр. 2103
شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند أبي ذر وغيره.
-٢٠٩٢ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد-أو شابًا، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها-أو عنه- فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟) قال: فكأنهم صغروا أمرها-أو أمره- فقال: (دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليها ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)].
*تقم: تكنس، والقمامة: الكناسة.
стр. 2104
*وفي هذا الحديث ما يحث على تنظيف المساجد وكنسها، وإخراج ما يؤذي منها حتى ما يقذي العين.
*وفيه أيضًا: افتقاد الصاحب، والسؤال عنه مستحب، ألا ترى إلى قوله: (هلا آذنتموني حتى أصلي عليه؟).
*وفيه: وجوب الصلاة على الميت.
*وفيه: أن صلاة الرسول ﷺ على (٥٥/ب) الميت تنور له؛ فمن له بصلاة الرسول، قال الله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾.
*وفيه: أن الصلاة على الميت شفاعة في حقه، وكلما كان الشفيع وجيهًا، كانت شفاعته أسرع قبولًا، ورسول الله ﷺ هو الوجيه في الدنيا والآخرة، المقبول الشفاعة في الجمع كلهم، فما الظن بواحد يصلي عليه ويشفع فيه في صلاته؛ لأنه شرع لأمته لفظ الشفاعة في الصلاة على الجنازة، فلم يكن ليخل به، ولم يكن ليشفع إلا وتشفع، والله تعالى يوفقهم للصواب.
-٢٠٩٣ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أنه لقيه رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة؛ وهو جنب، فانسل، فذهب فاغتسل، ففقده النبي ﷺ ، فلما جاء، قال: (أين كنت يا أبا هريرة)؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن
стр. 2105
أجالسك حتى أغتسل، فقال: سبحان الله؛ إن المؤمن لا ينجس)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند حذيفة وتكلمنا عليه.
-٢٠٩٤ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل)
وفي رواية: (وإن لم ينزل).
وقال زهير بن حرب: (بين أشعبها الأربع: يداها ورجلاها)].
*وقوله: ثم جهدها، أي: اجتهد في الوصول إليها، والإشارة إلى التقاء الختانين، وهذا ناسخ لقوله ﷺ :الماء من الماء.
стр. 2106
-٢٠٩٥ -
الحديث السابع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن زينب كان اسمها برة فقيل: تزكي نفسها، فسماها رسول الله ﷺ زينب)].
*في هذا الحديث من الفقه (٥٦/أ) أنه لا يحسن بالإنسان أن يسمي نفسه بما يزكيها به نحو التقي، والزكي، والأشرف، والأفضل؛ كما أنه لا ينبغي أن يسمي نفسه اسمًا يتشاءم به كدار له وضربه، ونحو هذا، بل يسمي نفسه عبد الله وعبد الرحمن وغير ذلك.
-٢٠٩٦ -
الحديث الثامن والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (من أعتق شقصًا من مملوك، فعيه خلاصه في ماله؛ فإن لم يكن له مال، قوم المملوك قيمة عدٍل، ثم استسعي
стр. 2107
غير مشقوق عليه).
وفي حديث ابن يونس: (ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق، غير المشقوق عليه)].
*والشقيص والشقص: الشرك والنصيب.
*وقد أوضحنا الكلام على هذا في مسند ابن عمر، فهذا الحديث هناك، والكلام عليه تم.
-٢٠٩٧ -
الحديث التاسع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (العمرى جائزة).
وفي رواية: (العمرى ميراث لأهلها، أو قال: جائزة)].
*هذا الحديث أصل في جواز العمرى، وهو أن يقول الرجل للرجل:
стр. 2108
(أسكنك هذه الدار عمري أو عمرك؛ فإذا انقضت المدة عادت إلى ورثة معمرها.
-٢٠٩٨ -
الحديث الستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن خاتم الذهب)].
*قد تقدم هذا الحديث في مسند ابن عمر والبراء وغيرهما ﵃ أجمعين.
-٢٠٩٩ -
الحديث الحادي والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم به). قال (٥٦/ب). قال قتادة: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلم).
وفي رواية: (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست صدورها ما لم يعمل أو
стр. 2109
يتكلم).
وفي رواية: (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به، أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن كل ما حدث به الإنسان نفسه مما يتصور أن يعمل؛ فإنه معفو عنه عند الله حتى يعمله، وكذلك إن كان مما ينطق بطه، فإنه مما يعفو عنه حتى ينطق به مضمره، والظاهر أن هذا لا يكون إلا في خواطر السوء؛ لقوله: (تجاوز)، فإن التجاوز لا يستعمل في الحسنات إلا أن هذا يتبين بضرب مثال: وهو أنه لو خطر في قلب مريض أن يتداوى، وكان المثير لهذا العزم منه أن يتبع في التداوي السنة، ويدبر بدنه المودع عنده لله سبحانه بأصوب البليتين، فهذا إيمان وتوفيق؛ فإن خطر في قلبه أو وسوس له الشيطان ما معناه أنه إذا لم يتداو ربما يهلك، ويوهمه الشيطان أنه يموت بغير أجله إن لم يتادو؛ كما قذف في قلوب المشركين حتى قالوا يوم بدر ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ فتداوى بهذا العزم فيكون كافرًا.
стр. 2110
-٢١٠٠ -
الحديث الثاني والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: (إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة؛ ليقطع علي صلاتي، وأمكنني الله منه؛ فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فرددته خاسئًا)].
*العفريت: المارد الخبيث من الجن.
*وقوله: (تفلت علي)، أي: تعرض لي فلته، أي فجاء (٥٧/أ) ليغلبني على صلاتي.
* (فرددته خاسئًا)، أي: مبعدًا.
*قد سبق شرح هذا الحديث فيما تقدم.
стр. 2111
-٢١٠١ -
الحديث الثالث والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار؟)].
*في هذا الحديث من الفقه: شدة كراهة المبادرة للمأموم أن يرفع رأسه قبل الإمام.
*قوله: (يجعل الله رأسه رأس حمار أو صورة حمار)؛ فإنه ينبغي أن لا يستبعد هذا؛ فإن الله سبحانه تعالى إن لم يجعل رأسه على شكل رأس الحمار؛ فإنه قد يجعل رأسه في المعنى رأس حمار في البلادة وبعد الفهم، وهو على صورة الآدميين، وقد أخذ على المأموم أن لا يسبق الإمام في التسليم، فما الذي تفيده المسابقة في الركوع أو السجود مع كنونه لا يمكنه الخروج من الصلاة إلا بخروج الإمام؛ فلا يحصل له من ذلك إلا سوء الأدب، وأن يظهر للمصلين معه قلة أدبه ودينه، ونزارة علمه وعدم ثباته، فإذن هذه كلها من أخلاق من رأسه في المعنى رأس حمار.
стр. 2112
-٢١٠٢ -
الحديث الرابع والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبيه فقال: (ويل للأعقاب من النار).
وفي رواية عن أبي هريرة: (أنه رأى قومًا يتوضؤون في المطهرة، فقال: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (ويل للعراقيب من النار)].
في هذا الحديث من الفقه: الحث على تفقد الأماكن التي لا يصل إليها الماء غالبًا إلا بالتفقد؛ فإن العقب لكونه من وراء الإنسان قد ربما لا يشمله الماء، ولا يرى المتوضئ ذلك، وعلى هذا يقاس المفصل الذي بين اللحية والأذن، وكذلك المرفقان.
*وأسبغوا بمعنى: أتموا (٥٧/ب).
*والأعقاب: جمع عقب، وهو ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك.
стр. 2113
-٢١٠٣ -
الحديث الخامس والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي ﵁ تمرة من تمر الصدقة؛ فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : (كخ كخ، إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟).
وفي رواية: (أنا لا يحل لنا الصدقة؟).
وفي رواية عن رسول الله ﷺ قال: (إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة، فألقيها)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن الصدقات لا تحل لآل رسول الله ﷺ .
*وفيه أيضًا: أن العالم الفصيح إذا اضطر إلى تكليم صبي، أو من هو في الفهم في رتبة الصبي، فإنه ينزل عن رتبة فصاحته إلى الكلام الذي يفهمه ذلك المخاطب؛ كما فعل رسول الله ﷺ ، وهو أفصح العرب؛ بأن نزل إلى ما فهمه الحسن بن علي ﵁.
*وقوله: كخ، ردع للصبي وزجر.
стр. 2114
-٢١٠٤ -
الحديث السادس والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين). في رواية للبخاري عن آدم.
وفي رواية الربيع بن مسلم: (فإن غمى عليكم فأكملوا العدة).
وفي رواية: (فإن أغمى عليكم الشهر بعدوا ثلاثين).
وفي رواية لمسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا؛ فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا).
وفي رواية: ذكر رسول الله ﷺ الهلال فقال: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا (٥٨/أ) ثلاثين)].
*في هذا الحديث من الفقه: وجوب الصوم برؤية هلال رمضان. ولا يحل للصائم أن يفطر حتى يرى هلال شوال؛ إلا أنه إذا رأى هلال رمضان عدل واحد، وجب عليه صيامه وعلى الناس بقوله، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وأبو حنيفة يفرق بين الليلة المعتمة والمصبحة.
стр. 2115
*وأما هلال شوال فإن رآه عدل واحد لم يفطر، لا هو ولا غيره، إلا أن يوافقه عدل آخر احتياطًا للعبادة؛ ولأن الشاهد الواحد في حقوق الآدميين لا توجب شهادته ولا تسقط بانفراده، فحقوق الله تعالى أولى أن يحاط لها، فلا يسقط الصيام بشهادة الواحد، وإنما وجب الصوم في أول الشهر بقول الواحد احتياطًا للعبادة.
*فأما قوله: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين): فهذا اللفظ انفرد به آدم عن شعبة، وقد رواه الإسماعيلي بالإسناد الذي ذكره البخاري، وقال فيه: (فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين).
قال الإسماعيلي: قد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي، وابن علية، وعيسى بن يونس، وشبابة، وعاصم بن علي، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وأبي داود، وكلهم عن شعبة فلم يذكر واحد منهم: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).
فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بني من رواه عنه وجه.
وقد أخرج مسلم فيما سيأتي في أفراده من حديث أبي هريرة هذا الحديث، فقال فيه: (فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين).
فدل على أن المراد بقوله: (فعدوا): عد رمضان لا شعبان.
فعلى هذا يكون الاحتياط أن يكون عدة رمضان ثلاثين.
стр. 2116
-٢١٠٥ -
الحديث السابع والستون بعد المائتين:
(٥٨/ب) [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لأذودن رجالًا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض).
وفي رواية للبخاري عن سعيد بن المسيب أنه كان يحدث بعض أصحاب النبي ﷺ قال: (يرد على الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه، فأقول: يا رب، أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).
وأخرجه تعليقًا عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي، فيحلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقال: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).
وفي لفظ: (يجلون) بالجيم.
وفي رواية للبخاري: (بينا أنا نائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلى مثل همل النعم)].
стр. 2117
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن مسعود، وفي مسند حذيفة، وفي مسند سهل بن سعد، وفي مسند أنس بن مالك.
* والذود: الطرد، يقال: ذدته، إذا طردته.
* وقوله: كما تذاد الغريبة من الإبل، وذلك أن الإبل إذا وردت على الماء فدخلت فيها غريبة طردت حتى تخرج عنها.
* ومعنى يحلؤون: يمنعون، قال الشاعر:
مخلا عن سبيل الورد مصدود
ومن رواه بالجيم، فمعناه يطردون، يقال جلى القوم عن منازلهم وأجليتهم: إذا أخرجتهم.
* والقهقرى: (٥٩/ أ) الرجوع على العقب إلى خلف.
* الهمل من الغنم: المهملة التي ليس معها راع ولا حافظ، ولا تكاد تسلم من السباع وغيرها.
* ولا أرى هذا يرجع إلا للذين ارتدوا بعد موت النبي ﷺ ومنعوا الزكاة، فقاتلهم الصديق على ذلك إلى الخوارج الذين رأوا تكفير الصحابة كعثمان
стр. 2118
وعلي ﵄، وهم أهل النهروان ومن شابهههم وتابعهم.
-٢١٠٦ -
الحديث الثامن والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل به إلى يوم القيامة).
وفي رواية: (بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبرداه إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة).
وفي رواية لمسلم: (بينا رجل يتبختر فمشى في بردته قد أعجبته نفسه، فخسف الله به، فهو مجلل فيها إلى يوم القيامة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر.
* والجمة من الإنسان: مجتمع شعر ناصيته، وهي جمة إذا بلغت المنكبين؛ فإذا كانت إلى شحمة الأذن فهي وفرة على ما بينا في مسند ابن عمر ﵁.
* والخسف: غئوص ظاهر الأرض، وسؤوخها بما عليها.
* ويتجلجل بمعنى: يهوى، ويزعج في الخسف.
стр. 2119
* والتبختر: مشية فيها تمايل.
-٢١٠٧ -
الحديث التاسع والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: (كلوا) ولما يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله صان رسوله ﷺ عن أكل الصدقة، وأذن له في (٥٩/ ب) الهدية، من أجل أن الهدية مع نية المكافأة، وكان رسول الله ﷺ يثيب على الهدية إذا قبلها.
فأما الصدقة: فإنما يطلب منها ثواب الآخرة؛ لعجز الفقير أن يجازي عليها فيكون ذليلًا للمتصدق، والرسول ﷺ منزه عن ذلك.
-٢١٠٨ -
الحديث السبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: سمى النبي ﷺ الحرب خدعة).
وفي رواية: (هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن
стр. 2120
ثم لا يكون قيصر بعده، ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله) وسمى الحرب خدعة].
* هذا الحديث قد تقدم في هذا المسند وتكلم عليه، وقد سبق ذكر كسرى وقيصر في مسند جابر بن سمرة، وفي مسند عدي بن حاتم.
-٢١٠٩ -
الحديث الحادي والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : (غزا نبي من الأنبياء، فقال
стр. 2121
لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحدًا اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور. اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت- يعني النار- لتأكلها، فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولا: فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعها فجاءت النار فأكلتها).
زاد في حديث عبد الرازق: (فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا) ثم أحل الله لنا الغنائم].
* في هذا الحديث من (٦٠/ أ) الفقه: تعليم الغزاة ألا يستعين واحدًا جاء له لم يبن، ترك قلبه وراءه، فلا يؤمن من أن يحمله ما في قلبه على أن يفر من المعركة في وقت، فيكون عدمه أنفع للجيش من حضوره؛ والذي ملك بضع امرأة ولم يبن بها، فإن تملك الرجل بضع المرأة يقوي قومه إلى الغشيان.
стр. 2122
* وإن عامر البيوت التي لم تسقف، شديد الحرص على تكملة ما بدأ به من البنيان، ومالك الحوامل شديد التوقع لما فتح له، ولا يؤمن على واحد من هؤلاء أن يستثير له الشيطان.
* وفيه أيضًا دليل على بطلان ما يزعمه المنجمون من أن الأفلاك لا يتصور وقوفها، بل قد وقف الله جريان الأفلاك لدعوة ذلك العبد الصالح.
* وفيه أيضًا ما يزيدك أن دعوات المؤمنين إنما تزيد حسنًا إذا قوي إيمانهم فيها؛ لأن الله يخرق العوائد فلا يدعونه دعاء الجبناء؛ الذين يقفون مع العوائد، فإنهم إذا فكروا في ذلك لم يؤمن أن يكونوا كالمشركين بالعوائد.
* فيه أيضًا ما يدل على أن الغلول إذا كان في جزء من مال يمنع قبول الله جميع ذلك المال.
* وفيه: أنه لما كان الغلول من اثنين في جماعة، وكان شياع التهمة تعم غيرهما، يلطف النبي ﵇ إلى أن علم ذلك بقدرة من الله تعالى في سر لصقها بحيث لصقت بيده يد الغال حتى رد الغلول، فقبل الله ذلك، ونزلت النار فأكلت الغنيمة.
وأما كون الغنائم قد كانت العلامة في قبول الله لها أن تأكلها النار، فإني لأرى الحكمة في ذلك إلا ليكون جهاد المجاهدين خالصًا لله سبحانه من غير أن يشاب بطمع من غنيمة تحصل للمجاهدين؛ ليكون المجاهد في سبيل الله قد علم هو خصمه أنه لا يقاتل على عرض يأخذه، ما يغنمه المجاهد بفرض أن تنزل نار من عند الله فتأكله (٦٠/ ب).
стр. 2123
فكان هذا مما صفى العبادة لله ، فلما عمت السلامة من سوء القصد هذه الأمة أبيحت لها الغنائم، فكان الإخلاص النهائي: القتال لوجهه . فلم يسلبهم أخذ غنيمة، وإذا يظل لهم وفيمن أذعنه الغرض؛ لكونه لم يؤمن عليه فتنة، وفيمن أبيح له تناول ذلك؛ لأنه أمن عليه ما منعه؛ بان التفاوت الذي يبين قوله : ﴿كنتم خير أمة أخرجت الناس﴾.
-٢١١٠ -
الحديث الثاني والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: (قيل لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم﴾، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم. وقالوا: حبة في شعرة)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب سجدًا لله تعالى شكرًا على ما أنعم به عليهم.
وسجدًا: منصوب على الحال.
وذلك أن الله أراد أن يكون دخولهم إلى الباب شاكرين لله
стр. 2124
سبحانه، وأن تكون كلمتهم (حطة)، ومعنى حطة: حط عنا الذنوب، كما يقول القائل: مغفرة، إلا أن حطة أبلغ؛ لأن الحط يتضمن محو الذنوب، ومحو الذنب وحطه، والغفر إنما هو الستر، فكل قول كان يتضمن هذا المعنى ممن طلبهم حط الذنوب عند دخولهم الباب شاكرين له بالسجود؛ قد كان مجزئًا عنهم؛ لكن لما ظنوا أن حطة لم يكن المقصود بها إلا هذا النطق، بدلوه تبديلًا أحال معناه، ولم يقع فعلهم وفق المأمور به، وأرسل عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون.
وإنما كان الأمر لهم عند دخولهم المدينة بأن يلتمسوا حط الذنوب ومحوها شكر من جهة أن المجاهد إذا فتح على يديه، كان وقت الفتح، طلبه من مولاه فلما ذهلوا عن معرفة معنى قوله: حطة كانوا أهلًا لنزول الرجز (٦١/ أ)، وأنهم لما أمرهم الله سبحانه أن يدخلوا الباب سجدًا، فلم يفهموا الأمر، ولم يحسنوا إلى القيدين به في الأمرين؛ بل إلى الاستهزاء بأن قالوا: حبة في شعرة، وهذا أسند بالآية فيه؛ لأنهم أشاروا إلى ضعف المتعلق بضعف الشعيرة، والحبة إلى الطعمة فيما أرى.
-٢١١١ -
الحديث الثالث والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى
стр. 2125
عليه السلام بإثره، يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. فقالوا: والله ما بموسى من بأس.
فقام الحجر حتى نظر إليه، قال: فأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربًا، قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ندبا- ستة أو سبعة- من ضرب موسى بالحجر).
وفي رواية: (إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يرى شيء من جلده، استحياء منه، فآذاه من لآذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فو الله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه- ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا- فذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين (٦١/ ب) آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾).
ورواية لمسلم قال: (كان موسى رجلًا حييا، قال: فكان لا يرى متجردًا، قال: فقالت بنو إسرائيل: إنه آدر، قال: فاغتسل عند مويه: فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يسعى، وأتبعه بعصاه يضربه: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى وقف على ملأ من بني إسرائيل، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا
стр. 2126
تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمن حيي، وأنه يستتر عند اغتساله، ولا أرى في هذه القصة إلا أن موسى ﵇ كان مستترًا مؤزرا؛ لأنه لا يستحب للرجل أن يتجرد حيث تتكشف عورته، وإن كان خاليًا.
وإنما الذي اتهمه بنو إسرائيل أنهم قالوا: هو آدر.
قال ابن قتيبة: (الآدر): عظيم الخصيتين، يقال: رجل آدر بين الأدرة والشرج: أن تعظم وتصغر أخرى، والأدر لا يمنعه المئرز بل يصفه، فلما نزع موسى ثيابه واغتسل، ذهب الحجر بثوبه، فاتبعه موسى ثوبي حجر؛ فبرأه الله تعالى مما كانوا يظنون به من الأدرة.
* وأما ضربه الحجر، فلأجل ما فعله الحجر لم يرد موسى، ولا علم مراد الله تعالى بذلك، وإنه مما يبرئه الله تعالى به، والندب: الأثر.
-٢١١٢ -
الحديث الرابع والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا
стр. 2127
عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن (٦٢/ أ) الصلاة) هذا لفظ البخاري، وانتهى حديث مسلم إلى قوله: (فصلوا جلوسًا أجمعون).
وفي رواية: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
وفي رواية: (وإذا سجد فاسجدوا، وأقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة).
وفي رواية: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
زاد في رواية: (فقولوا: ربنا لك الحمد).
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يعلمنا، يقول: (لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
وفي رواية: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
стр. 2128
وفي رواية: (إنما الإمام جنة، فإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه)].
* قد سبق هذا الحديث في هذا المسند، وفي غيره مما تقدم، وتكلمنا عليه.
-٢١١٣ -
الحديث الخامس والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غيره أمره، فله نصف الأجر).
وأول حديث مسلم: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له).
وفي رواية: (لا يحل للمرأة أن تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة من غير إذنه، فإنه يؤدي إليه شطرها)].
стр. 2129
* في هذا الحديث من الفقه: أنه ينصرف إلى امرأة تعلم من زوجها، أنه يريد الإنفاق ويعجبه ذلك ولا يكربه ولا يكرهه من ذلك ما يعلم أنه له رضا يتضمنه، فيكون لزوجته نصف أجره من غير أن ينقص أجره هو من الكمال شيئًَا، وإنما ورد هذا؛ لتحذير امرأة تعلم أن زوجها يريد الإنفاق، إن تقف عند انتهاز الفرص في سبيل الخير التي قد اعتدت من زوجها الصالح، أن يتطلع إلى اغتنام الظفر بمثلها، فتفوته ذلك من أجل أنه لم يكن أذن لها فتأبى بذلك حجة، ويجعلها الشيطان سببًا إعاقة عن خير.
* فأما قوله: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد)، ففيه احتراز عن زمان غيبته، والذي أراه أن الصوم في حال غيبته أولى؛ لأنه يعينها على الصبر عنه، فأما في حضوره فإنها إذا أخبرته أنها صائمة عند إيثاره غشيانها، وقفته بين أمرين: إما أن يفسد صيامها فيفوتها الأجر، أو يؤخر غشيانها فيكدر عيشه.
* وقوله: (ولا تأذن لأحد، وهو شاهد إلا بإذنه)، وهذا لأنها إذا أذنت في غيبته، كان ذلك كالخيانة؛ لأنها رضي بها نائبة عنه في بيته، فأما إذا كان شاهدًا، فإن الأمر يعود إلى الأصل الذي هو الزوج، فإذا أذنت وهو حاضر كان ذلك افتئاتًا عليه.
стр. 2130
-٢١١٤ -
الحديث السادس والسبعون بعد المائتين:
(٦٣/ أ) [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس)، قال: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته، فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة).
قال: (والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي موسى، وفي مسند أبي ذر، وشرحناه، وشرحنا معنى السلامى وغيرها.
-٢١١٥ -
الحديث السابع والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم
стр. 2131
قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: رحمة الله، وكل من يدخل الجنة على صورة آدم، قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن).
وفي رواية: (على صورته)].
* أما اختيار الستين، فلأنه عدد مقصود يتعلق به الحساب أمور كثيرة، ويتفرع منه أصول، وتنسب إليه.
* أما آدم ﵇ وكونه ستين ذراعًا، فإن هذا لا يدل على نحو خلق أحدنا اليوم، وذلك أكثر أنهمة ورواء وشارة، ويجوز أن يكون قد كانت له خيل يركبها تناسب خلقه.
* وقوله: (فلم يزل الخلق ينقص)، يعد دليل على أنه ينقص من خلق الراكب والمركوب.
والذي أراه في ذلك أنه لما كانت أعمار الأوائل طوالًا لم يكن يقتضى طول بلوغ الأشد منه؛ لأن مده يناسب ذلك الطول، وأن ابتداء الخلق من ...
стр. 2132
الآدمي إلى أن يبلغ أشده، فإنه يكون ما يخلف عليه في مدته (٦٣/ ب) أكبر ما يتخلل منه دائمًا إلى القوة والزيادة، فإذا حسبت هذا على مقتضى ما يستحق العمر الذي هو الآن من الستين إلى السبعين، أو العمر الذي هو ستمائة أو سبعمائة وألف كان قريبًا مما ذكر أن طوله كان ستين ذراعًا.
* وأما الحكمة في نقص الخلق، فإنه تخفيف على المؤمن ومحق للكافر، وليكون عدد هذه الأمة أكبر من عدد ما مضى قبلها من الأمم؛ لأنهم لما قصرت أعمارهم تضاعف عددهم.
* فأما قوله: (اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة)، فإن الذي أراه أنه سلف من آدم ﵇ على الملائكة؛ ليكون الملائكة تسلم على ذريته قضاء لذلك الحق كقوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (٢٣) سلام عليكم بما صبرتم﴾.
* وأما قوله: (فتلك تحية ذريتك)، يعني أنه سيحيون ذريتك بذلك، ويجوز أن يراد فإنه تحية ذريتك فيما بينهم، فيكون ذلك مانعًا من تعمق المتعمقين في التحية لئلا يستنكف عن القناعة بذلك من يحيي به.
* فأما قوله: (فزادوه: ورحمة الله)، فإنه لما قال ﷺ قال لهم: (السلام عليكم): زادوه، وفي ذلك من الفقه: أنه لا يحيى أحد بتحية إلا كان مندوبًا إلى أن يحيى بأحسن منها، إلا أنه إن لم يوفق لاستعمال الندب رد مثلها.
стр. 2133
-٢١١٦ -
الحديث الثامن والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني).
وفي حديث معمر: (وكذبت نفسي)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه ينبغي تأويل من حلف (٦٤/ أ) له بالله أنه صادق ولو رأى أن يكذب نفسه؛ ليكون معلنًا حسن الظن بالمسلم في أنه لا يحلف بالله إلا صادقًا على نظر عينه التي يجوز عليها أن ترى الشيء على خلافه؛ فإن فعل عيسى ﵇ ذلك، واختيار نبينا ﷺ لنا عن عيسى ذلك، دليل على ندبنا إليه وحضنا عليه.
-٢١١٧ -
الحديث التاسع والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (اشترى رجل من رجل عقارًا، فوجد الذي اشترى العقار، في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك عني، إنما اشتريت منك الأرض؛ ولم أشتر الذهب، وقال
стр. 2134
الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، فقال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدقا)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله ﷺ جلى لأمته حديث الرجلين اللذين تدافعا المال، فكل منهما يدفعه عنه إلى صاحبه ترغيبًا للناس في الاقتداء بهما، وإن ذلك أفضى بهما إلى حصول الشيء لهما؛ لأنه صار في أحسن مواقعه منهما؛ فإنه لو كانا قد اقتسما لم يكن الواحد منهما يتركه إلا لولده، فزوج ابن هذا ابنة هذا، فصار المال إليهما، فلم يفتهما من ذلك خير بل كسبا أجرًا، وحصلا عند الله به ذخرًا، وكان من أحسن الثناء عليهما أن رسول الله ﷺ يذكر مثل ذلك عنهما، وهذه القصة توبخ أهل الحرص والشرة والتفاني في طلب الدنيا.
-٢١١٨ -
الحديث الثمانون بعد المائتين:
(٦٤/ ب) [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة).
стр. 2135
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج- وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرض، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس يعني آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة يبلغ به قال: (تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يليط في حوضه، فما تصدر حتى تقوم)].
стр. 2136
* هذه أشراط، هي علامات لقرب الساعة.
والفئة المدعاة (٦٥/ أ)، والدعوى: الانتماء يعني في انتمائها إلى دين واحد.
* وقوله: (يتقارب الزمان) قد فسرناه في أوائل مسند أبي هريرة. واللقحة: واحد اللقاح، وهي الناقة ذات اللبن.
* وقوله: (وهو يليط حوضه)، يقال: لاط فلان حوضه وألاطه ويلوطه ويليطه، إذا طانه بالطين، وسد خروقه ليحفظ الماء.
* والأكلة: اللقمة، وتصدر: ترجع، والمراد أن الساعة بغتة.
-٢١١٩ -
الحديث الحادي والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه- يشير إلى رباعيته- اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)].
* أما ما جرى لرسول الله ﷺ يوم أحد؛ من كسر رباعيته فقد تقدم في مسند
стр. 2137
أنس، وفي مسند سهل بن سعد.
* وأما اشتداد الغضب على من قتله رسول الله ﷺ ، فلأن رسول الله ﷺ بعث بالرحمة والعفو؛ فإذا قتل شخصًا دل على أن الشخص كان مستحقًا لعقوبة غير أهل الرحمة، لذلك اشتد الغضب عليه.
-٢١٢٠ -
الحديث الثاني والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟)
زاد في رواية محمد بن رافع: وغرتهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله.
وفي رواية محمد بن رافع: حتى يضع الله ﵎ رجله (٦٥/ ب) فتقول: قط- قط- قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة: فإن الله ينشئ لها خلقًا).
وفي رواية للبخاري: (اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: .. فقال [الله]
стр. 2138
للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال: فأما الجنة، فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد؟، حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط).
وفي رواية: يرفعها بعض الرواة تارة، وتقفها أخرى: (يقال لجهنم: هل امتلأت؟؛ فتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب قدمه عليها فتقول: قط قط).
وفي رواية لمسلم: (فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وعجرهم؟ وفي آخره: (فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع قدمه فيها، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الفائدة فيه، تعيين أهل النار: وأنهم المتكبرون والجبارون، وتعيين أهل الجنة: وأنهم ضعفاء الناس، سموا سقطًا على معنى أنهم لا يكرمون بصدر المجالس، ولا يفتقدون إذا غابوا، ولا يعرفون إذا حضروا، وهذا هو الأغلب من صفة أهل الجنة.
* وأما قوله للجنة: أنت رحمتي، وللنار: أنت عذابي، فإنه يقطع العجربين الدارين: من جهة أن هذه دار نعمة، وهذه دار نقمة.
стр. 2139
* وقوله: (لكل منكما ملؤها)، سكانها، فجعل شعبها على قدر سكانها ومالهم.
وخلق النار، فجعلها في الضيق والحرج على قدر عدد سكانها في أحرج مكان يتصور تقديره، فكان مقدار ما بينهما مقدار ما بين أهليهما؛ لأنه (٦٦/ أ) قال ﵇: ولكل واحدة منهما ملؤها، فليس يبقى في الجنة موضع يعوزه ساكن، ولا ساكن يعوزه موضع.
* فأما النار؛ فإنها دار الضيق والحرج، فيملؤها الله بمن يدخله إليها، فهذه ملأى بمن فيها، وهذه ملأى بمن فيها، ولكن بين العرضين تفاوت عظيم.
* وأما قوله: (يضع فيها قدمه)، فقد ذكرناه في مسند أنس، وكذلك فسرنا هنالك معنى قط قط، وعلى ما سبق في هذا وأمثاله، فإن الإمساك عن الإبانة في مواضع المواطن قد لا يصلح، والمقصود من هذا الحديث: إعلام الخلق أن النار إذا سلطت أتت على الأشياء، حتى إنه لولا رحمة الإله سبحانه لأتت على السموات والأرض وسائر المخلوقات، فمجموع هذا يبين من قوله: سبقت رحمتي غضبي، وقد شرحناه فيما قبل.
وإنما كانت السنة المتبوعة في رواة الحديث أن تمر هذه الأحاديث كما جاءت، ولا ينقلوا نطقها عن صيغته اكتفاء بما ذكره رسول الله ﷺ في صيغتها؛ إذ نقلها عن صيغتها قد لا تقع من البلاغة مع سعتها عن نفي التشبيه موقع نطق
стр. 2140
رسول الله ﷺ في ذلك، وإنما ذكر رسول الله ﷺ ما ذكر من هذه الأحاديث مع كونه قد أنزل عليه قوله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وأنزل عليه قوله سبحانه: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾.
فإنما أراد الله فيما أرى تحقيق الصفات المقدسة، وتمكين الآيات بما ذكره ﷺ عن ربه ليكون كافيًا قلوب أهل الصلاة بذلك، وناكبًا قلوب أهل الزيغ، ودامغًا رؤوس أهل التعليل، الذين لما اضطرهم الاعتراف بوجود الخالق سبحانه عدلوا إلى جحد (٦٦/ ب) صفاته ... من غير ذلك بما ألحدوا به في أسمائه.
فكانت هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ كبًا لقلوب الكافرين، ونكأ لصدور المعطلين، وعلم بها أهل الحق أنه كما وصف به رسوله ﷺ يؤمنون بأنه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحد والحصر والميل والشبه والتأليف والاقتران والمضامة والاتساق، بل هو سبحانه واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
следующие страницы →