← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

* هذه أشراط، هي علامات لقرب الساعة. والفئة المدعاة (٦٥/ أ)، والدعوى: الانتماء يعني في انتمائها إلى دين واحد. * وقوله: (يتقارب الزمان) قد فسرناه في أوائل مسند أبي هريرة. واللقحة: واحد اللقاح، وهي الناقة ذات اللبن. * وقوله: (وهو يليط حوضه)، يقال: لاط فلان حوضه وألاطه ويلوطه ويليطه، إذا طانه بالطين، وسد خروقه ليحفظ الماء. * والأكلة: اللقمة، وتصدر: ترجع، والمراد أن الساعة بغتة. -٢١١٩ - الحديث الحادي والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه- يشير إلى رباعيته- اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)]. * أما ما جرى لرسول الله ﷺ يوم أحد؛ من كسر رباعيته فقد تقدم في مسند

стр. 2137

أنس، وفي مسند سهل بن سعد. * وأما اشتداد الغضب على من قتله رسول الله ﷺ ، فلأن رسول الله ﷺ بعث بالرحمة والعفو؛ فإذا قتل شخصًا دل على أن الشخص كان مستحقًا لعقوبة غير أهل الرحمة، لذلك اشتد الغضب عليه. -٢١٢٠ - الحديث الثاني والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟) زاد في رواية محمد بن رافع: وغرتهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله. وفي رواية محمد بن رافع: حتى يضع الله ﵎ رجله (٦٥/ ب) فتقول: قط- قط- قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة: فإن الله ينشئ لها خلقًا). وفي رواية للبخاري: (اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: .. فقال [الله]

стр. 2138

للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال: فأما الجنة، فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد؟، حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط). وفي رواية: يرفعها بعض الرواة تارة، وتقفها أخرى: (يقال لجهنم: هل امتلأت؟؛ فتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب قدمه عليها فتقول: قط قط). وفي رواية لمسلم: (فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وعجرهم؟ وفي آخره: (فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع قدمه فيها، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن الفائدة فيه، تعيين أهل النار: وأنهم المتكبرون والجبارون، وتعيين أهل الجنة: وأنهم ضعفاء الناس، سموا سقطًا على معنى أنهم لا يكرمون بصدر المجالس، ولا يفتقدون إذا غابوا، ولا يعرفون إذا حضروا، وهذا هو الأغلب من صفة أهل الجنة. * وأما قوله للجنة: أنت رحمتي، وللنار: أنت عذابي، فإنه يقطع العجربين الدارين: من جهة أن هذه دار نعمة، وهذه دار نقمة.

стр. 2139

* وقوله: (لكل منكما ملؤها)، سكانها، فجعل شعبها على قدر سكانها ومالهم. وخلق النار، فجعلها في الضيق والحرج على قدر عدد سكانها في أحرج مكان يتصور تقديره، فكان مقدار ما بينهما مقدار ما بين أهليهما؛ لأنه (٦٦/ أ) قال ﵇: ولكل واحدة منهما ملؤها، فليس يبقى في الجنة موضع يعوزه ساكن، ولا ساكن يعوزه موضع. * فأما النار؛ فإنها دار الضيق والحرج، فيملؤها الله بمن يدخله إليها، فهذه ملأى بمن فيها، وهذه ملأى بمن فيها، ولكن بين العرضين تفاوت عظيم. * وأما قوله: (يضع فيها قدمه)، فقد ذكرناه في مسند أنس، وكذلك فسرنا هنالك معنى قط قط، وعلى ما سبق في هذا وأمثاله، فإن الإمساك عن الإبانة في مواضع المواطن قد لا يصلح، والمقصود من هذا الحديث: إعلام الخلق أن النار إذا سلطت أتت على الأشياء، حتى إنه لولا رحمة الإله سبحانه لأتت على السموات والأرض وسائر المخلوقات، فمجموع هذا يبين من قوله: سبقت رحمتي غضبي، وقد شرحناه فيما قبل. وإنما كانت السنة المتبوعة في رواة الحديث أن تمر هذه الأحاديث كما جاءت، ولا ينقلوا نطقها عن صيغته اكتفاء بما ذكره رسول الله ﷺ في صيغتها؛ إذ نقلها عن صيغتها قد لا تقع من البلاغة مع سعتها عن نفي التشبيه موقع نطق

стр. 2140

رسول الله ﷺ في ذلك، وإنما ذكر رسول الله ﷺ ما ذكر من هذه الأحاديث مع كونه قد أنزل عليه قوله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وأنزل عليه قوله سبحانه: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾. فإنما أراد الله فيما أرى تحقيق الصفات المقدسة، وتمكين الآيات بما ذكره ﷺ عن ربه ليكون كافيًا قلوب أهل الصلاة بذلك، وناكبًا قلوب أهل الزيغ، ودامغًا رؤوس أهل التعليل، الذين لما اضطرهم الاعتراف بوجود الخالق سبحانه عدلوا إلى جحد (٦٦/ ب) صفاته ... من غير ذلك بما ألحدوا به في أسمائه. فكانت هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ كبًا لقلوب الكافرين، ونكأ لصدور المعطلين، وعلم بها أهل الحق أنه كما وصف به رسوله ﷺ يؤمنون بأنه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحد والحصر والميل والشبه والتأليف والاقتران والمضامة والاتساق، بل هو سبحانه واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

стр. 2141

-٢١٢١ - الحديث الثالث والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (العين حق)، ونهى عن الوشم. كذا في حديث البخاري: (أتي عمر بامرأة تشم، فقال: أنشدكم بالله، من سمع من النبي ﷺ في الوشم؟ قال أبو هريرة: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تشمن ولا تستوشمن). وقد أخرجه البخاري تعليقًا: (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة)]. * أما قوله: (العين حق)، قد فسرناه في مسند ابن عباس. * وأما نهيه عن الوشم، فقد سبق في مسند ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ (لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة)، وقد فسرناه هناك.

стр. 2142

-٢١٢٢ - الحديث الرابع والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وقال رسول الله ﷺ : (والله، لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله إثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه). (٦٧/ أ) وفي رواية للبخاري: (من استلج في أهله بيمين، فهو أعظم إثمًا ليبر: تغنى الكفارة)]. * أما قوله: (نحن الآخرون السابقون)، فقد سبق في هذا المسند. * وقوله: (لأن يلج)، قال ابن قتيبة: يقال يلج واستلج في يمينه إذا استمر على حكمها وترك التكفير، وهو يعلم أن الحنث أفضل. قال يحيى بن محمد ﵀: والذي أراه في هذا أنه إذا ترك ما جعله الله متداركًا لقرطاب الآدميين في أيمانهم من الكفارات خائفًا من ذلك أن يأثم بفعل ما حلف عليه، فإن الذي آتاه من خوف ذلك آثم مما حلف، ويبين هذا قوله: استلج في أهله بيمين فهو أعظم.

стр. 2143

* وقوله: ليس تغني الكفارة، أي: ليس يدفع بلجاج هذا الحالف، ومنه قول عثمان ﵁ لما أتي بالصحيفة التي بعثها إليه علي ﵁ في صدقات العمال: أغنها عنا. -٢١٢٣ - الحديث الخامس والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: (لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار). وفي رواية لمسلم: (من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه)]. * في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يجوز أن يشير الإنسان إلى أخيه بالسلاح مهولًا عليه لا جدًا ولا هزلا؛ فإن الشيطان ينزع يده كما ينزع في قلبه، فيقع السلاح من أخيه بحيث لا يؤثر وقوعه، فيقع في حفرة من النار؛ فإن الذي يقع في الحفر يقع عن غير قصد، فيكون إصابة هذا عن غير إرادة من جنس وقوعه في الحفرة. قال الحميدي: والنزع: الفساد، فنهى عن ذلك خوفًا من أن يتفق الفساد

стр. 2144

في ذلك، فيصيبه بما يؤذيه، فيأثم بتلك الإشارة التي آلت إلى الأذى. * وقوله: (فإن الملائكة تلعنه)، المراد (٦٧/ ب) بهذا ألا يشير ولو كان في وضع يريد منه إيثار حرجًا كالإنسان إلى أخيه لأبيه وأمه؛ لأن الغالب ألا يشير إلى أخيه في النسب قصدًا للجرح، فأراد ﷺ بذلك تشديد القول، وتأكيد الوصاة في ألا يشير أحد إلى أحد بالسلاح. * وقوله: (حتى) من غير أن يتبعها بشيء؛ ليتناول المحتملات كلها. -٢١٢٤ - الحديث السادس والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي). وفي رواية لمسلم: (لا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، ومولاي). وفي أخرى له قال: (لا يقولن أحدكم: عبدي، فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل: فتاي، ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي). زاد في رواية: (فإن مولاكم الله). وفي أخرى: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل

стр. 2145

نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي)]. ....... -٢١٢٥ - الحديث السابع والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم). وفي رواية: (لم يخبث اللحم- ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها). وفي رواية لمسلم: (لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها، الدهر)]. * في الحديث من الفقه: أن الله سبحانه إذا أدر رزقًا وأنزل خيرًا، فإنه ينبغي

стр. 2146

للمدر عليه أن يكون غير مرتاب بأن الله سبحانه لا يجوز عليه البخل، ولا يقطع ذلك الإمداد إلا لحكمة، فلا يدخر مما أنعم به عليه كالمن والسلوى الذي كان يأتي كل يوم إلى بنى إسرائيل. فإن في جعل ذلك الإدرار منامة بينها، على أنه يأتي كل يوم برزقه، فإذا ادخر من رزق يوم إلى يوم آخر؛ فإن ادخاره دليلًا على ارتياب حسن نيته مع ربه على الشيء المدخر أنه لما أفسد بمثل فعله في إفساد ما ادخره. وعلى هذا فإن ما أنعم الله به مساقاة كالحبوب والثمار، فإنه لم يأت عن رسول الله ﷺ أنه ادخر من ذلك أكثر من قوت عام من جهة أن درور ذلك في كل عام. وإنما فسد الطعام على بين إسرائيل؛ لأنهم ادخروا من ذلك أكثر من قوت. حواء فقد قيل: إن خيانتها لزوجها، أنها لما رأت آدم قد عزم على الأكل من الشجرة (٦٨/ أ) تركت نصحه في النهي له؛ لأن ذلك كان ترك النصح له خيانة؛ فعلى هذا، كل من رأى أخاه المؤمن على سبيل ذلك فترك نصحه بالنهي عن ذلك النهي فقد خانه، ولا يخرج هذا من تسمية الخائنين الذين جزم الله سبحانه منهم: ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ اللهم إلا أن يسكت تقية، فذلك له حكم تعلق به. * وقوله: خنز الطعام؛ قال أبو عبيد: يقال خنز يخنز، وخنز يخنزون، خزن يخزن، إذا أروح.

стр. 2147

قال طرفة: ثم لا يخزن فينا لحمها .... إنما يخزن لحم المدخر -٢١٢٦ - الحديث الثامن والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا). وفي رواية لمسلم؛ عن أبي هريرة، أنه رأى رجلًا يجر إزاره، فجعل يضرب برجله الأرض وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطرًا)]. * هذا الحديث قد سبق في مسند ابن عمر، وشرحناه هنالك. -٢١٢٧ - الحديث التاسع والثمانون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا، فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب). وفي رواية لمسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن

стр. 2148

يأتيه، إنه إذا انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا)]. * هذا الحديث قد سبق في مسند أنس، وتكلمنا عليه هنالك، ولكنا نشير إليه هاهنا. ويستعتب: يستفعل من العتبى، فكأنه أشار إلى أنه حيث كان في الإساءة؛ فإن العتاب من الله متوجه إليه (٦٨/ ب) فلا ينبغي أن يتمنى الموت، فلعله يستعتب أي يتوب إلى ربه ويعود إلى الحسنى. وهذا من لطيف القول في استعطاف المالك المقتدر للعبد الضعيف الجاهل. * وأما قوله: (ولا تدعوا)، فإنه يدل على أن الدعاء به في جنس يمينه، وإن كان متوجهًا استخراجه له من ربه، فإن دعاءه بالموت يدل على جهل واعتراض. * وقوله: (إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا)؛ فإن المؤمن لا يزال يجدد له إيمانه خيرًا بعد خير، وفائدة على أثر فائدة عند كل تجنب لما يتجنبه، وإمداده على ما يقدم عليه، وعند كل قوة على مفعول أو عجز عنه، وعند الأماني التي يتمناها، وعند كل خير متعرض له أو سواد للمسلمين يكثره؛ أو عدد لهم يكمله، فإنه مع إيمانه لا يخلو شيء من ذلك كله من أن يكتب له فيه الحسنات

стр. 2149

والدرجات. -٢١٢٨ - الحديث التسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾ ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه شمس أو تغرب). وقال: (لغدوة أو روحة في سبيل الله، خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب). وفي رواية البخاري، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾). وفي رواية: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة)، وفي (٦٩/ أ) رواية: (لا يصلها)].

стр. 2150

* أما تلك الشجرة الموصوفة فقد سبق في مسند سهل بن سعد، وفي مسند أنس، وسبق في مسند أنس ذكر الغدوة والقاب وشرح جميع ذلك. -٢١٢٩ - الحديث الحادي والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم، فليتجنب الوجه). وفي رواية: (إذا قاتل أحدكم أخاه ...). وفي رواية: (إذا ضرب أحدكم أخاه). وفي رواية: (إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه). وفي رواية: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم

стр. 2151

على صورته)]. * في هذا الحديث من الفقه: أنه يجوز أن يكون المراد اجتناب الوجه أن ينال بضرب أو سوء، ويجوز أن يراد اجتناب وجهه بالمواجهة له، لقول النبي ﷺ ، وقد مضى الكلام في قوله: (خلق آدم على صورته)، وسبق القول في جملة هذه الأحاديث. * إن مذهبنا فيهما مذهب السلف الصالح؛ وهو: إمرار الأحاديث على ما جاءت مع اعتقادنا أن الله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. والظن بالسلف الصالح إنهم لم يمسكوا عن هذه الأحاديث، إلا أنهم لم يمكنهم تأويلها إلا بأن يضربوا لله الأمثال من خلقه، فتحرجوا أن يشبهوا صفات الله الحقيقية بصفات المخلوقين؛ ثم زاد تحرجهم أن يشبهوا صفات ربهم بصفات خلقه مجازًا، فكان مذهبهم منع التشبيه لصفات الله سبحانه بصفات المخلوقين؛ لا حقيقة ولا مجازًا.

стр. 2152

-٢١٣٠ - (٦٩/ ب) الحديث الثاني والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي ﷺ وقال: إن دوسًا قد هلكت وعصت وأبت، فادع الله عليهم. فقال: (اللهم اهد دوسًا، وائت بهم). وفي رواية: (فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم). وفي رواية: (قدم الطفيل وأصحابه، فذكر نحوه، فقيل: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم). وفي رواية: (قدم الطفيل وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا كفرت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم)]. * في هذا الحديث ما يدل على رحمة رسول الله ﷺ لأمته؛ فإنه كان ﷺ يقبل على الآتي إليه، ويدعو للمدبر عنه؛ ألا تراه حين قال له الطفيل: ادع الله على دوس فقال: اهد دوسًا وائت بهم.

стр. 2153

* وفي هذا الحديث من الفقه: أن فرصة الخير تنتهز عند اشتداد ضدها، دعا هذا المحرض على القوم عند يائسة منهم، فانتهز رسول الله ﷺ فرصة الخير، ودعا لدوس بالهداية، فكان ذلك أليق بسجاياه الكريمة، وأدعى إلى فلاحهم، فعلى هذا أحب لكل من اشتد غضبه على إنسان، أو أغرى به، أن ينتهز الفرصة في ذلك الوقت فيدعو للمغضوب عليه، والشخص الذي قد أغرى به ما بلغ ما يمكنه من الخير، كاسرًا صولة طبعه الذي أعان تهييجها، ما كان من مغيظة أو إغراء قائل. فيطلع الله حينئذ على قصده في ذلك الوقت، فيستجيب دعاءه ويغفر به (٧٠/ أ) كل ذنب عمله إن شاء الله لأنه ﷻ ... إذا رأى من عبده هذه الخلة الحسنة عند اشتداد غيظه، والتهاب طبعه، كان سمته بالعفو والجود؛ أجود وأعود. -٢١٣١ - الحديث الثالث والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة؛ يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيستشهد). وفي رواية لمسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قال: هذا يقاتل في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد).

стр. 2154

وفي رواية: (يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟، قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن الله سبحانه كان من لطفه بعباده المؤمنين أن كتب الشهادة لبعضهم على بعض ففاز بها المستشهد، ولم تكن تتم الشهادة لمن كتبت له إلا بأن يجري على يد آخر، حتى يكرم بها وليه، فبلغت رحمته أن يرحم العبدين كليهما، فاستشهد هذا بيد هذا، ثم يقود القاتل للإسلام، فأسلم، ثم قاتل في سبيل الله فاستشهد، فكانا معًا من أشد الناس محابًا في الجنة؛ لأن كل واحد منهما نال مال ناله بصاحبه، وقد سبق معنى الكلام في الصفات؛ مثل قوله: يضحك (٧٠/ ب) وغيره. -٢١٣٢ - الحديث الرابع والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (المسلم يأكل في معى واحد، والكافر في سبعة أمعاء).

стр. 2155

وفي رواية: (أن رجلا كان يأكل كثيرًا، فأسلم، وكان يأكل، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (إن المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف، وهو كافر، فأمر رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فشرب حلابها، ثم أخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : (المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء). وفي رواية: (المؤمن يأكل في وعاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)]. * هذا الحديث قد سبق في مسند أبي مسعود، وتكلمنا عليه هنالك. -٢١٣٣ - الحديث الخامس والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، اللهم ارزقني إن شئت، ليعزم

стр. 2156

المسألة، فإنه لا مكره له). وفي رواية: (لا يقولن أحدكم: (٧١/ أ) اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم المسألة، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له). وفي رواية: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما يشاء لا مكره له). وفي رواية: (إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)]. * في هذا الحديث من الفقه: تعليم السائل لربه كيف يسأل، وأن الله سبحانه لما عظم كرمه، وعزز فضله، لم يكن ينال ذلك بمقتضى مبلغ عقول البشر، فعلمهم سبحانه كيف يسألون فضله بألسنة الطلب؛ ومن ذلك ما علمهم إياه على لسان رسوله ﷺ ، ومنه ما ادخره ليعلمه عباده في الآخرة؛ فكان من ذلك الذي علمهم إياه على لسان رسوله ﷺ أن يعزم العبد المسألة، ويجزمها، ويقطع بها، ولا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، فإن قوله: إن شئت في سؤاله يدل على ضعف السائل وتردده من حيث إنه نظر عند طلبه إلى ما كان منه من السوء، ولو قد نظر عند طلبه إلى جود ربه سبحانه، وأوسع الطلب، وأعظم

стр. 2157

السؤال، لكان ذلك مما يناسب كرم الرب ﷻ ، إذ ليس عطاء الله سبحانه على مقدار سائله؛ ولكنه بحسب جود المعطي. وليعزم في سؤاله؛ فإن كرم الله متسع لذلك وأمثاله، ومتى علقه بالمشيئة استبدل بذلك منه، على أنه لم يعرف الله حق معرفته، ويدل على ما قلناه قوله: فإنه لا مكره له؛ لأنه لو لم يشأ لم يشرع الدعاء، ولم يندب الخلق إلى الطلب، فلما شرع الدعاء، وندب إليه، واستدعى (٧١/ ب) من الخلق أن يمدوا أيديهم إلى قضاء، وعلمنا أنه قد شاء الإجابة. واعلم أنه شرع ذلك قبل أن يسأله السائلون عن غير إكراه، إذ الخلق كلهم دون أن يتعرضوا لنيل شيء من فضله إلا عن خضوع وسؤال وطلب. ويدل على ما قلنا قوله: (وليعظم الرغبة) أي: لا يقتصر، فإن أحد ملوك هذه الدنيا لو قد تعرض له سائل فتوصل إلى لقائه فلما واجهه قال له: سلني، فلما سأله، فلسًا من نحاس لاستهجن ذلك وخاطبته العقول بألسنة الأحوال، يا هذا: تسأل من هذا الملك الواجد، وقد قال لك: اطلب مني، ودعاك إلى سؤاله، هذا المقدار اللطيف؛ لقد أفصحت بمسألتك هذا عن تبخيل هذا الملك أو اختلال عقلك. فجميع الدنيا، وأضعافها، وما يعطيه الله في الجنة لعبده على سعتها، وكثرة العطاء، وإذا قيس الكثير منه إلى ما يجود به ذلك إلى الملك من أهل الدنيا من الفلس النحاس، كان الفلس في حال ذلك الملك مؤثرًا، وفي جوده معتبرًا، وجميع الدنيا، وسائر عطايا الجنة غير مؤثر فيما عند الله ولا في عطائه.

стр. 2158

-٢١٣٤ - الحديث السادس والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء). وفي رواية لمسلم: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن في الناس الضعيف والسقيم وذا الحاجة). وفي رواية: بدل (السقيم): (الكبير). وفي رواية: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير، والصغير والمريض، وإذا صلى أحدكم فليصل كيف شاء). وفي رواية: (إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فإن فيهم الكبير، وفيهم الصغير، وإذا قام وحده فليطل (٧٢/ أ) صلاته ما شاء)]. * هذا الحديث قد سبق في مسند أبي مسعود البدري، وتكلمنا عليه هنالك.

стр. 2159

-٢١٣٥ - الحديث السابع والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل يا رسول الله: إن كانت لكافية! قال: فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها). وفي رواية لمسلم: (ناركم التي يوقد ابن آدم، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بسبعة وستين جزءًا كلها مثل حرها)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن هذه النار التي جعلت تذكرة بالنار الكبرى إنما نقصت من تلك النار تسعة وستين جزءًا لينتفع بها الآدميون مع تخوفهم منها، وملابستهم لها، فزيادة الإضعاف في النار الكبرى دليل على أنها ليست للانتفاع بها؛ بل للعذاب والانتقام، وهذا إنما هونت للانتفاع بها. -٢١٣٦ - الحديث الثامن والتسعون بعد المائتين: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم

стр. 2160

بالسواك). وفي رواية: (لولا أن أشق على أمتي، أو قال: على الناس، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وفي رواية: (لولا أن اشق على المؤمنين). وفي رواية: (على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن السواك غير واجب، لقوله: (لولا)، ولو كان واجبًا لأمرتهم به شق أو لم يشق. * وفيه دليل على أن ظاهر الأمر الوجوب؛ لأنه قال: (لأمرتهم)، ولولا أن أمره يكون واجبًا لم تكن في هذا القول فائدة. * وقد تكلمنا عن السواك في مسند حذيفة ﵁. -٢١٣٧ - الحديث التاسع والتسعون (٧٢/ ب) بعد المائتين: [عن أبي هريرة قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره).

стр. 2161

وفي رواية لمسلم: (حفت) مكان حجبت)]. * معنى حجبت: سترت، أو الشيء لا يوصل إليه إلا بعد كشف ما ستر به. * وقوله: (حفت): المعنى: أحيط ذلك بها، ولا وصول إلى الشيء إلا بعد مجاوزة ما حفت به، والأغلب في المقرب إلى الجنة أنه مكروه عند النفس، وفيما يقرب إلى النار أنه مشتهى على أن تفسيره قد تقدم. -٢١٣٨ - الحديث الثلثمائة: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض؛ ولكن الغنى غنى النفس)]. * في هذا الحديث من الفقه؛ أن الغنى المعروف بالألف واللام؛ لا يكون العرض؛ لأن ذلك إنما يكون داعية إلى فقر، من حيث إنه من ملك أعراضًا كثيرة من أجناس مختلفة، اضطر في حفظها ورعايتها إلى مؤن وكلف يزيده فقرًا، وإن كانت قد تعينه في حالة، فإنها تفقره في حالات.

стр. 2162

* فأما الغنى الحقيقي الذي لا فقر معه؛ فإنه غنى النفس بربها ؛ لأن النفس هاهنا معرفة بالألف واللام لا يشار بها إلى النفس التي لا تحتاج إلى غير ربها، ومن استغنى بربه افتقر إليه كل شيء؛ فمتى استغنت نفس بربها عن جميع خلقه؛ فذاك هو الغنى على الحقيقة لا وجود شيء يوجب زيادة فقر. -٢١٣٩ - الحديث الأول بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). وفي رواية: (على عاتقيه)]. * هذا نهي استحباب، فإنه إذا ارتدى تفاضل ثوبه كان أستر له، وأحسن في هيئته، لئلا يكون بين يدي ربه عاريًا، وذلك لغير الفقير على نحو الشكاية (٧٣/ أ) فقد ترك الأقصد والأحسن، وأما الذي لا يجد فلا يؤمر بذلك لموضع فقره.

стр. 2163

-٢١٤٠ - الحديث الثاني بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله). وفي رواية: (يقول الله (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة). وفي رواية لمسلم: (إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا). وفي رواية: (من هم بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت). وفي رواية: (قال الله : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم تعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بمثلها). وقال رسول الله ﷺ : (قالت الملائكة: يا رب! ذاك عبدك يريد أن يعمل

стр. 2164

سيئة- وهو أبصر به- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة. إنما تركها من جراي). وفي رواية: (إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، وإن عملها كتبت له بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها (٧٣/ ب) لم أكتبها عليه، وإن عملها، كتبت سيئة واحدة)]. * هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عباس، وأوضحنا الكلام عليه هنالك، ونشير إليه هاهنا، فأقول: إن فضل الله لما كان فائقًا مقدار أماني الخلق بلغ من ذلك إلى أن بدل السيئة حسنة، إذا عملت السيئة فتاب عاملها منها انقلبت بعينها حسنة. ثم إن ذلك سرى إلى أنه متى هم الإنسان بسيئة فلم تتم هذه الهمة؛ بل تركها بأن هم به، أجرى الله سبحانه ذلك له في ديوان فضله، فإنما مقام الفعل الحسن، فكتب ذلك حسنة. * ومعنى قوله: (حسنة) فإن حسنة صفة لموصوف محذوف، ومعناه: كتب له فعله حسنة. * وقوله ﷺ : (إلى سبعمائة ضعف) فإنها إذا انتقلت الهمة عن العزم إلى

стр. 2165

الفعل ظهر نورها، وامتد على حسب مستندها من الإخلاص، ومعتمدها من الإيمان؛ فامتدت في التضعيف بمقتضى ذلك، فكانت ما بين العشرة إلى السبعمائة، وهذا النطق فلا يدل على أنه لا يضاعف أكثر من سبعمائة؛ إلى هذا هو الحد الموعود به وفق ما أنزل الله تعالى في كتابه، ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾. ثم المضاعفة من بعد ذلك كما قال سبحانه: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾، وإنما يتمثل هذا في التصوير بأنه إذا أخرج الرجل من ماله درهمًا عن طيب نفس منه متوجهًا به مواضع الاستحقاق في شدة الفاقة، أو نطق بكلمة حق في مقام يقل قائلو الحق فيه، أو ذكر الله بين الغافلين، أو قاتل عن الفارين، أو فعل فعلًا حميدًا في موطن حميد في إخلاص عن الشوائب؛ وملاحظة الخلق، فإن الله يحسن بفاعله المرة الواحدة منه ما بين العشر إلى السبعمائة، كأنه فعل ذلك سبعمائة مرة بعينه. (٧٤/ أ). -٢١٤١ - الحديث الثالث بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم). وفي رواية: (ما نهيتكم فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما

стр. 2166

استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلكم، واختلافهم على أنبيائهم). وفي رواية: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم ...) وذكر نحوه. وفي رواية: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: كل عام يا رسول الله؟، فسكت حتى قالها ثلاثًا، قال رسول الله ﷺ : (لو قلت: نعم، لو جبت، ولما استطعتم! ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن الإحسان يتناول هجران المنهي عنه ومباعدته، فهو أبلغ من الترك، فإنه يتناول الترك وزيادة. * وقوله: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) يعني: أنه لا عذر في مفارقته شيء من المنهي عنه، كالعدل في ترك بعض المأمور به عند عدم الاستطاعة مثل ما لو وجد من الماء ما يكفي بعض أعضائه للطهارة، فالواجب عليه استعماله، وتيمم للباقي لقوله: (فأتوا منه ما استطعتم)، وباقي الحديث

стр. 2167

تقدم تفسيره فيما قبل. -٢١٤٢ - الحديث الرابع بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : (لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم (٧٤/ ب) أكن قدرته له؛ ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل). وفي رواية: (لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر وقد قدرته له، فيستخرج به من البخيل). وفي رواية لمسلم: (إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج). وفي رواية: (نهى عن النذر، وقال: إنه لا يرد من القدر، إنما يستخرج به من البخيل). وفي رواية: (لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل)].

стр. 2168

* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن عمر، وتكلمنا عليه هنالك. -٢١٤٣ - الحديث الخامس بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة؛ فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأتي، فقيل له: أما صدقتك على سارق؛ فلعله أن يستعفف عن سرقته، وأما الزانية، فلعلها تستعف عن زناها، وأما الغني: فلعله يعتبر فينفق مما آتاه الله)]. * هذا الحديث يدل على أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان يثاب على نيته، ويدل على أن العظة بالأفعال بلغ مبلغ العظة بالأقوال ويزيد، فإن هذه الموعظة مثلها يزجر ويردع.

стр. 2169

* وفيه أيضًا دليل على توفيق هذا المتصدق وحسن أدبه، فإنه لما تصدق يريد وجه الله فوقعت صدقته (٧٥/ أ) على سارق وزانية وغني، وتحدث الناس بذلك، كان أول ما جرى على لسانه حمد الله تعالى، على سارق وزانية وغني. * وأما حمده في هذه المواطن فلا أراه إلا أنه قد كان من العلماء بالله الذين يحسنون التفويض إلى الله سبحانه، ويريضون بما قدر، فلذلك ما كشف الله له عن عواقب الأمور الثلاثة، عن كثب واتم بأن أتي؛ فقيل له: أما السارق، فلعله أن يستعف عن سرقته؛ فذلك كالتعريف له وجه الحكمة في وضع صدقته على السارق؛ فيجتمع في صدقتك عليه بين أن يحفظه به من أن يأخذ مال غيره، ويحفظ بصدقتك مال غيره أن يأخذه، ويحفظ به جوارحه وأطرافه من حدود الله تعالى، ويعرفه أن في عباد الله تعالى من يتصدق، ليلاً سرًا على من لا يعرفه، فيكون بمظنة أن لا يشكره عليه، ولا يدري من أي يد وصل إليه الشيء، ولا يرى وجهه ويعرفه، فيثنى عليه فيكون ذلك داعية إلى عظة نافعة للآخذ، وصدقة عليه بما يغنيه عن أن يسرق مال غيره، وصدقة على صاحب الشيء الذي كان يعرضه السرق لولا استغناء السارق بالصدقة عنه، فتنوعت أنواعًا، وتوجهت وجوهًا؛ حيث كان الإخلاص مراده، وتفويضه إلى الله تعالى في ظاهر الحال، وحمده لله سبحانه على ذلك. * وهكذا الزانية؛ فإنه لما تصدق عليها أعفها عن مواقعة الحرام التي لم تكن تواقع الفاحشة فيه إلا بأجر يأتيها معها، فإن الزنا لا يتصور إلا من اثنين، فكان ذلك بالغًا في الفضيلة لإعفاف الزانية والزاني بها، فوق ما في السارق وبمقدار تفاوت ما بين الحدين، ويعلم الله السارق والزانية على ما كان من

стр. 2170

عتوهما، فإن الله لم يخرجهما عن الإسلام الذي يصح به الصدقة على أهله، وأن رأفة الله غير مقتضبة عنهما بدليل ما في الجواب، من قوله: (أما الزانية فلعلها تستعف عن (٧٥/ ب) زناها) فإن ذلك إشارة إلى أن الصدقة قد اغنتها فعفت نفسها، ورجوعها. * وأما الغني فإنه لما تصدق عليه أخجله وعرضه للاقتداء، فكانت محسوبة للمتصدق بحسنة مضاعفة له بحسب الأجر بعمله؛ لاسيما وقد عمله كيف سلك في الصدق بالإخلاص في السر على من لا يعرف، فصار متصدقًا معلما، فكان ذلك من بركة إخلاصه. -٢١٤٤ - الحديث السادس بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذي الدواب، التي تقع في النار، تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها). وفي رواية: (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش؛ وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن وتغلبنه فيقتحمن فيها. قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار، فتغلبوني، وتقتحمون فيها)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله ﷺ سمى أعمال النار نارًا؛ لأنها

стр. 2171

تؤدي إليها، فهو كقوله : ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ فهو ﷺ بشرعه ووصاياه يمسك بالحجز عن التهافت في أعمال النار المؤدية إلى النار، والآدميون يتهافتون عليها تهافت الفراش على النار اتباعًا لطباعهم التي تؤدي من ذلك إلى ما يتلفها، فلا يعتبر منها الذي قد قارن الوقوع؛ بمن بين يديه ممن أهلكه تهافته؛ لأن ذلك كله من أحوال الإحساس دون العقول. -٢١٤٥ - الحديث السابع بعد الثلثمائة: [(٧٦/ أ) عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى) وقال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، ما كنا نقول

стр. 2172

إلا المدية)]. * هذا الحديث أصل في التوصل إلى كشف الغامض من الحكومات بطرق ذلك. * وفيه أيضًا؛ جواز أن يفهم الله الولد ما لم يفهمه الوالد. * وفيه أيضًا: جواز أن يغير الحكم إذا انكشف وقوعه خطأ، غير موافق للحق، إذا كان ما لا يقبل الاجتهاد، فأما قضاء داود ﵇ للكبرى ولا أراه إلا أنه رأى علو السن مظنة الاتعاظ والبعد من قول الزور، فقضى لها به مع كونه قد كانت يدها منه على ما يعلق داود ﵇ في الحكومة. فأما ما فهمه سليمان ﵇ من أن تخويفهما بما ذكره لهما من أنه ولدها؛ فليس بولدها إذا شق، فإن المقصود الذي أملته يفوتها بهلاكه، فرأت أن تبقيته للأخرى من أجل أنه لم يحصل لها في شقه شيء، وهذا فإنما قاله سليمان ﵇ ليستخرج به الغامض من عقول النسوان، وإلا فلم يكن ﵇ ليستجز أن يقتل نفسًا زاكية لم يجز منها ما تستحق به القتل من أجل أمر أشكل في دعوى بين امرأتين، قصارى ما فيه أن التي ليس هو ابنها تكفله، ولما خوفهما من ذلك بما ظنتاه مفعولاً فانكشف الأمر، وصار هذا أصلاً في كل حكومة غامضة؛ لتوصل الإمام ومتولي المظالم من جانبه إلى

стр. 2173

كشف ملتبس شفافة يفهمه الله تعالى إياها في كل واقعة (٧٦/ ب) تقع في مثل هذا، فيكشف الله به الحق؛ فإن كان قد تقدم حكم حاكم على ظاهر الأمر على غير الحقيقة؛ فإن ذلك لا يمنع من كشف الحق وإماطة أذى الباطل. -٢١٤٦ - الحديث الثامن بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله : أنفق ينفق عليك) ولم يزد. وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، وقال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع). وفي رواية: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض أو الغيض، يرفع ويخفض). وفي رواية عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، وقال يمين الله ملأى، سحاء، لا يغيضها شيء الليل والنهار).

стр. 2174

وفي رواية قال: (إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك). وقال رسول الله ﷺ : (يمين الله ملأى لا يغيضهما، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟، فإنه لم يغض ما في يده، قال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض والغيض يرفع ويخفض)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن يد الله بالخير ملأى، لا يغيضها الإنفاق، فذكر رسول الله ﷺ هذا لئلا يتوهم متوهم أن كثرة عطاء الله وإنعامه يؤثر، فيقصر به المنة على مقدار مبلغ سؤاله. * ومعنى سحاء: دائمة الليل والنهار (٧٧/ أ) فلا تعقب عطاياه للفقراء أبدًا، بل عطاء جامع بين التتابع والموالاة الليل والنهار، وجميع هذا مفسر لقوله في أول الحديث: (أنفق أنفق عليك)، فيا أهل الإنفاق، لا تظنوا أن ما أعطيتم كان من شيء يقبل النقص، فيمسك أحدكم عن إنفاقه، فإنه بقدر ما ينفق ينفق عليه لا أن يوكئ، فحينئذ يوكئ عليه؛ لأنه جنس مسيل العطاء من باب خرجه فانحبس من باب دخله، ولو لم يمسكه هاهنا لما أمسك عليه من هناك، وإنما أمسك عنه الفضل من حيث إنه منع الإنفاق، وأن الله سبحانه بحبه للإنفاق،

стр. 2175

يبعث الفضل إلى من ينفقه لا إلى من يمسكه. * وقوله: (بيده الميزان)، قد مضى تفسيره في مسند أبي موسى رحمة الله عليه. -٢١٤٧ - الحديث التاسع بعد الثلثمائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام). وفي رواية: (من غيره من المساجد إلا المسجد الحرام). وفي رواية عن أبي هريرة؛ يبلغ به النبي ﷺ قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام). وفي رواية عن أبي هريرة: (صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام؛ فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد). قال أبو سلمة، وأبو عبد الله الأغر: لم نشك أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله ﷺ )].
следующие страницы →