Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
هذا الحديث قد تقدم في مسند زيد بن خالد مشروحا، إلا أنا نشير إليه ها هنا فنقول: بعد ما تقدم من قولنا فيه، أن هذا النطق يحذر من أن ينسب إلى الكوكب فعل في شيء أصلا سوى أنها مصابيح وزينة ورجوم للشياطين؛ وليهتدى بها في البر والبحر.
وفيه أيضا ما يدل على أن قول المعتقدين إن لها تأثيرا يقضي بالكفر بنطق الماضي؛ لأنه ﷺ أخبر عن ربه تعالى قال: (أصبح فريق من الناس كافرين) يعني يصبحون كفارا؛ إذا أسندوا شيئا من نعمي إلى الكواكب.
وفيه أيضا تنبيه على أن الآدمي بلغ من إغضاب ربه، وإسخاط خالقه سبحانه إلى المبلغ الذي لايقوم له السموات والأرض؛ لأنه ينزل الغيث على عباده رحمة لهم، ونظرا في أحوالهم؛ ليستدلوا بذلك على إحسانه سبحانه، ويشكروا فضله، ويعتبروا رحمته، فلا يكونون من شكل النعمة بحيث يستحق ولا يقفوا على المقام الدون على ألا يشكروا؛ بل تخرجهم تلك النعمة بعينها إلى أن يسندوها إلى غير الله وينحوها افتراء منهم إلى سواه سبحانه (١١/أ)، فذلك معنى قوله: (أصبح فريق منهم بها كافرين) وهذا الضمير في قوله: (بها) عائد إلى النعمة.
- ٢٢٦٨ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (سيحان وجيحان، والفرات،
стр. 2312
والنيل، كل من أنهار الجنة)].
هذه الأنهار منبعها من عند الله ، ومطلعها من علمه وقدرته، وهي من الجنة.
وقد سبق شرح هذا في مسند مالك بن صعصعة في النيل والفرات.
والكلام في سيحان وجيحان كالكلام فيهما، إلا أن الإنسان إذا نظر إلى مادة هذه الأنهار فأنكر أنه ليس عند مطلع كل نهر منها ما يستمد منه ذلك النهر، بل إنها تخرج من عيون مخروقة في الصعيد الذي هو ضد الماء ثم تستمر دفعا وصبا في الأودية ليلا ونهارا، أيقن أنها ما يوجده الله حالا فحالا بقدرة تمنع الأعوار فيما يحتاج إليه. كما أنه يعدم الله سبحانه فضلاتها عن أن تملأ ما يصب فيه.
فهذه آيات بادية ظاهرة فيكون معنى أنها من الجنة أي إنها من جنس العطاء الذي لا يفرغ، فذلك فيما أرى معنى قوله ﷺ : (من الجنة) ولا ينفذ.
- ٢٢٦٩ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما
стр. 2313
سمع)].
قد سبق هذا في مسند ابن مسعود. نشير إليه ها هنا فنقول: إنه من حدث بكل ما سمع، فإنه يخرج بذلك عن أن يكون من أهل الانتقاد أو التمييز؛ بل يكون حاكيا ما يسمعه على نحو الطيب، وإنما ينبغي للإنسان أن يحدث ببعض ما سمع بعد انتقاده وتمميزه (١١/ب)، وذكر النافع منه والصالح وخبر الصادق دون غيره.
- ٢٢٧٠ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب وزنا بوزن، مثلا بمثل، والفضة بالفضة، وزنا بوزن، مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا).
وفي رواية: (الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما).
وفي رواية: (التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه)].
الألوان: الأجناس.
قد سبق هذا الحديث في مسند عمر بن الخطاب، وشرحنا علة تحريم الربا
стр. 2314
هنالك شرحا نرجو أن يكون لم يسبق إليه، وهذا الحديث مذكور في مسند عبادة بن الصامت قد تقدم.
- ٢٢٧١ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة أصابت بخورا؛ فلا تشهد معنا العشاء الآخرة).
وفي رواية: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا)].
في هذا الحديث كراهية الطيب للنساء اللاتي يشهدن الجماعة، فإذا خالفت امرأة وتطيبت فلا تشهد الجماعة حتى يذهب ريح الطيب. وهذا لأنه يوجب الالتفات إليها ويثير الشهوة ويشعر بممرها المطرق عن مثلها والأعمى بما ينبه على نفسها بريحها.
- ٢٢٧٢ -
الحديث السادس عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)].
стр. 2315
إنما لم يجز صلاة بعد الإقامة غير المكتوبة لتحتم المكتوبة. المتحتم: متعين الفعل فلا يقدم عليه غيره.
وقد سبق شرح هذا الحديث فيما تقدم.
- ٢٢٧٣ -
الحديث السابع عشر:
(١٢/أ) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)].
في هذا الحديث ما يدل على أن المتحابين بجلال الله أي في جلاله، والباء ها هنا بمعنى في، فحروف الصفات تنوب بعضها عن بعض.
يظلهم الله في ظله: وذلك أن المتحابين استظلوا في الدنيا بظل الله، وكانوا حزبا وعصبة مستظلين بظله، فهو الذي كان في الدنيا حائلا بينهم وبين حرور الشهوات، وسموم الآفات، واستمر لهم ذلك الظل، وانتقل من المعنى إلى الصورة؛ فأظلهم يوم لا ظل إلا ظله في عرصة القيامة، ثم يستمر الظل عليهم أبدا من غير تقلص بحال إن شاء الله تعالى.
стр. 2316
- ٢٢٧٤ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله).
وفي رواية: (أن أبا هريرة قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت؟! فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى. فخطب مروان، فنهى عن بيعه. قال سليمان بن يسار: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس)].
الصكاك: رقاع كانت تكتب لهم بأرزاقهم من الطعام فكانوا يبيعون ما في الصكاك قبل استيفائه؛ فلذلك نهى أبو هريرة.
والحديث قد تقدم في مسند ابن عباس وابن عمر والكلام عليه هنالك.
- ٢٢٧٥ -
الحديث التاسع عشر:
[عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة. فقال له ناتل أهل الشام: أيها الشيخ: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله (١٢/ب) عليه وسلم. فقال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول
стр. 2317
الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت؛ ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن تنفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار)].
في هذا الحديث من الفقه أن هؤلاء الثلاثة فيما أرى: لم تكن أفعالهم إلا ليقال عنهم. فأما لو كانت أفعالهم لأجل الله تعالى؛ ثم عقب ذلك أن يقال جريء وعالم وجواد فسرهم ذلك لم تكن إيثارهم لهذا المدح مما يحل عقدة عزمهم الأول، ولم يكن هذا التوبيخ متناولا لهم؛ لأنه إذا تعلم العالم العلم لله ثم سره أن يقال إنه عالم لم يتناوله هذا الذم، وكذلك المنفق والمجاهد إذا قيل بعد خلوص نيتهما جواد وجريء لم يضرهما إذا لم يكن مبنى قصدهما لذلك.
стр. 2318
والذي أرى لكل مجاهد ومعلم (١٣/أ) للخير ومنفق في سبيل الله أن يجتهد في إخفاء ذلك ليسلم أو في إظهاره ليقتدى به؛ فإن عرض له في إحدى الطريقين عارض نزغ من الشيطان أتبعه بالاستغفار والإنابة، والله الموفق لكل مؤمن. والدليل على ما ذهبنا إليه من معنى هذا الحديث الدعاء في نطق الحديث: (ولكنك تعلمت ليقال) فأتى باللام المستغرقة للجزاء عن الفعل، وهو قوله: (ولكنك فعلت ليقال) وهذا لا يدخل فيه من فعل شيئا لله فقيل فيه؛ فسره أن قيل.
ويدل على أنه لم يكن في فعله إرادة الله سبحانه بشيء ما ولا مخالطة بحال؛ لأن اللام قد أخبر به عما احتوت إرادته عليه في فعله، ولم يكن في ذلك شيء لله، فلذلك ما كان جزاه الحق أنه لم يكن له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يكن في عمله شيء لها.
- ٢٢٧٦ -
الحديث العشرون:
[عن أبي هريرة: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: رأى جبريل. وعن ابن مسعود، قال: (رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود.
стр. 2319
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كافل اليتيم، له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند سهل بن سعد وتكلمنا عليه هنالك.
وقوله: (له أو لغيره) يعني بقوله له: إذا كان له ولد وقد ماتت أمه فخلفها عليه في لزامها له وحنوها وصبرها على تحرمه واحتمال تعنته.
وقوله: لغيره: معناه أن يكون أيضا راحما لليتيم على (١٣/ب) الإطلاق.
- ٢٢٧٨ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سمعتم بمدينة، جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: (لا تقوم الساعة
стр. 2320
حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله فيسقط أحد جانبيها).
قال ثور بن يزيد: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر. (ثم يقول الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركوا كل شيء ويرجعون)].
إن هذا الحديث يشير إلى أمر له وقت ينتظر فيه، وقوله ﷺ حق لا بد من كونه كما أخبر.
وفيه من الآيات أن القتال كان يكون بالسلاح على قول الشهادة بالتوحيد؛ فصار القتال بها ثابتا غني عن السلاح، فلما افتتح بها كان ذلك أقوى دليل على صحتها.
وفيه أيضا إشارة من رسول الله ﷺ إلى كل مجاهد في سبيل الله أن لا يستبعد أن يفتح الله الحصون، ويهدم المعاقل، بقول: لا إله إلا الله، والله أكبر.
وقوله: (من بني إسحاق) يجوز أن يكونوا من أهل المدن، أسلموا من أهل الكتاب.
стр. 2321
- ٢٢٧٩ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله ﷺ يوما، ثم انصرف فقال: (يا فلان: ألا تحسن صلاتك؟ ألا تنظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي (١٤/أ) كما أبصر من بين يدي)].
هذا الحديث قد تقدم، وسبق الكلام عليه.
- ٢٢٨٠ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثل معنى حديث قبله، أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: (أما نقصان العقف، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان
стр. 2322
الدين)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر.
وفيه أيضا من الفقه إشارة إلى أن من كانت حاله حال أهل النار، فإنه فيه دواء من ذلك بالاستغفار وإكثار الصدقة بقوله ﷺ لهن: (تصدقن وأكثرن الاستغفار).
- ٢٢٨١ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها).
وفي رواية: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)].
في هذا الحديث من الفقه أن يوم الجمعة أفضل الأيام، وهو واسطة الأسبوع، فمن أحد جانبيه الخميس، ووراءه يومان إلى الاثنين، ومن الجانب (١٤/ب) الآخر الاثنين، ووراءه يومان، وفيه خلق آدم.
وقد تقدم ذكرنا لذلك، وذلك أن المخلوقات من الأرض والجبال والشجر والمكروه والنور والحيوان بعدد الستة الأيام، وكانت الجمعة التي خلق فيها
стр. 2323
ساكن الدار.
وإن هذه الأشياء خلقت لأجله كما قد تقدم ذكره.
وفيه أن آدم أدخل الجنة يوم الجمعة، فأرى أن ذلك يرثه عنه ذريته ومحقق هذه الوراثة في المسلمين منهم؛ فإنهم في كل جمعة يجتمعون لذكر الله سعيا إليه، وتركا للبيع والتجارة فيه، فيثيبهم الله عن ذلك بأن يجعل دخولهم الجنة في ذلك يعينه جزاء إعراضهم عن الدنيا وإقبالهم إلى الآخرة فيه، وكما تركوا البيع والتجارة الدنيوية فيه، أورثهم الله فيه تجارة لن تبور.
فأما خروج آدم من الجنة في يوم الجمعة فإنه يستشف من هذا أهل الفطن أنه خرج منها خروج عائد إليها، وسكن في الدنيا سكون راحل عنها.
فالجنة دار آدم على الحقيقة؛ لأن الله قال: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وكذلك لم يقل سبحانه اخرج من الجنة ولكن نسب خروجه منها إلى إبليس، فقال : ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ وإخراج إبليس غير مستقر لأنه إخراج غير ملل ﴿وقال فاخرج منها فإنك
стр. 2324
رجيم﴾ وكان ذلك الخروج الذي لا يعقبه دخول.
فأما قيام الساعة يوم الجمعة فإنه يوم الدين، وفيه دولة اليقين، فيوم القيامة (١٥/أ) ترتفع رايات المسلمين وتنفذ أقوال الصالحين، ويتناوؤن من الكافرين، فكان قيام الساعة في يوم الجمعة جزاء من الله سبحانه لعباد المؤمنين بثوابهم عن الجمعة).
- ٢٢٨٢ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)].
وقد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر، وتكلمنا عليه هنالك.
- ٢٢٨٣ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي جل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن
стр. 2325
قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)].
في هذا الحديث ما يدل على أن من المؤمنين القوي والضعيف؛ فإن في كل خير؛ إلا أن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وذلك لأن المؤمن القوي ينفع نفسه وينفع غيره؛ وربما تعدت منفعته إلى أهله وقومه وإمة دهره.
والمؤمن الضعيف قد يقتصر بنفعه على نفسه، وأخاف على ضعفه أيضا أن يضعف على حفظ نفسه؛ ولأن المؤمن القوي يعرضه أن يكسر حزب الشيطان بقوله إذا قال، وبفعله إذا فعل.
والمؤمن الضعيف أخاف عليه في مواطن يضعف فيها؛ فيكون كاسرا لحزب الحق، (١٥/ب) والقوة في الإيمان أن يعمل المؤمن بعزائم الشرع في مواطنها، وأن لا يجبن على الأخذ برخص الشرع في مواطنها، وأن لا يترك المسلمين من يده حفاظا لدينهم، ومهتما بهم، ذكرهم وأنثاهم، عالمهم وجاهلهم، مهتما بتدبير العامة، عالما بأسرار الخاصة، إن كان ذا أمر، وإلا قال لكل ذي لب إنه يصلح أن يكون ذا إمرة.
وأما المؤمن الضعيف فعلى ضد ذلك قانعا بأن يسلم بنفسه.
فأما قوله: (ولا تعجز) فإنه لا يحسن بالمؤمن أن يعجز؛ وقد بقي في الأمر مطلع لاحتيال.
وقوله: (إذا أصابك شيء) يعين إذا احتلت ولم تفد فقد أعذرت ولا يترك
стр. 2326
الاحتياط؛ لأن تارك الاحتياط لا يربح إلا الحسرة.
وفيه ما يدل على أنه يستحب للإنسان أن لا يكثر من قول: (لو) فإنها تفتح عمل الشيطان، ولكن ليتعض منها بذكر (قدر الله ومشيئته)، ونعم العوض ذلك.
- ٢٢٨٤ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم)].
قد سبق هذا الحديث في مسند أبي قتادة وتكلمنا عليه، ونشير إليه ها هنا فنقول: إن رفع المصلي بصره إلى السماء سوء أدب منه فإنه ممثلا نفسه قائما بين يدي خالقه وليس من الأدب عند الوقوف بين يدي الملك برفع البصر إلى السماء.
قال الله واصفا أدب نبيه ﷺ ليلة الإسراء بقوله سبحانه: ﴿ما زاغ البصر﴾ أي: ما التفت يمينا وشمالا (١٦/أ) ﴿وما طغى﴾ أي: ما زاد في الارتفاع. فإذا رفع طرفه إلى السماء في الصلاة فإن ذلك طغيان من طرفه.
وكذلك قال ﷺ : (لينتهين أقوام أو لخطفن أبصارهم). فأما كون عقوبتهم
стр. 2327
أن تخطف أبصارهم؛ فإنه من نحو قول جبريل ﵇: (لو تقدمت أنملة لاحترقت).
- ٢٢٨٥ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ أدرك شيخا يمشي بن ابنيه، يتوكأ عليهما؛ فقال النبي ﷺ : (ما شأن هذا؟) قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر، فقال النبي ﷺ : (اركب أيها الشيخ؛ فإن الله غني عنك وعن نذرك)].
قد سبق في مسند أنس وتكلمنا عليه.
- ٢٢٨٦ -
الحديث الثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح).
وفي رواية: (من عرض عليه طيب)].
في هذا الحديث من الفقه أن الريحان من أقوات الروح، وليس ذا قذر
стр. 2328
فيرده الكريم مثله؛ لأنه إنما يرده لو رده لكراهية الإثابة عليه. أولا بأطيب الريح. والمؤمن يثيره عن الخلتين فلذلك نهى رسول الله ﷺ عن رده.
- ٢٢٨٧ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الشغار).
زاد ابن نمير: (والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوج ابنتي؛ أو زوجني أختك وأزوجك أختي)].
قد تقدم هذا الحديث في مسانيد جماعة وتقدم الكلام عليه.
- ٢٢٨٨ -
(١٦/ب) الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)].
وهذا قد تقدم في مواضع إلا أنه قد قيل: إن بيع الحصاة هو أنه كان المتبايعان إذا رمى أحدهما من يده حصاة كان ذلك علامة لتمام البيع، فنهى
стр. 2329
عن هذا؛ وأبدلهم الشرع منه الإيجاب والقبول.
- ٢٢٨٩ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم).
وفي رواية: (إذا دعي أحدكم فليجب؛ فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم)].
في هذا الحديث من الفقه أنه إذا دعي الإنسان وهو صائم صوما واجبا فليقل: إني صائم. وأما إن كان صائما نفلا فقد جاء في حديث آخر: أنه يفطر، ويقضي يوما مكانه، إلا أنه في قوله: (فليقل إني صائم)، دليل على جواز إظهار العبادة، وفي ذلك تنوير الاقتداء به في ذلك، وليعلم أخوه المسلم أنه ما كان امتناعه إلا لأجل صومه لا لأنه تحرج من أن يأكل طعامه، أو لأنه عازم في أمره على غير الجميل، فلذلك امتنع لأن من عادة العرب ذلك في أنهم إذا أضمروا لأحد شرا لم يأكلوا من طعامه، فلذلك ارتاع إبراهيم من امتناع ضيفه.
وقوله: (فليصل) أي فليدع.
стр. 2330
- ٢٢٩٠ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يبعث ريحا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته).
وقال بعض الرواة: (مثقال ذرة)].
هذا المذكور في الحديث (١٧/أ) يتوقع كونه، وهو من علامات الساعة ولا بد من كون ما أخبر به رسول الله ﷺ فيجب الإيمان بكونه.
وفيه أيضا دليل على أن الله يرفق بالمؤمنين عند قبض أرواحهم، لقوله ﷺ : (فيبعث ريحا ...) الحديث.
- ٢٢٩١ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر
стр. 2331
على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
وفي رواية: (لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة).
وفي رواية: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة)].
في هذا الحديث من الفقه أشياء منها:
أن قوله: (لا يقعد قوم) فإن قوما ها هنا نكرة؛ والنكرة شائعة في جنسها، فكأنه ﷺ يقول: أي قوم قعدوا (١٧/ب) يذكرون الله، كان لهم ما ذكر كله؛ فلم يشترط ﷺ ها هنا في (قوم) هنا قوما علماء، أو قوما لا ذنوب لهم؛ أو قوما فقهاء؛ ولا زهادا ولا ذوي مقامات.
وقوله: (يذكرون الله) فالذكر ها هنا ينصرف إلى الحمد لله والثناء عليه، فهذا هو الوجه الأظهر، ولا يبعد أن يكون منه أنه إذا قعد قوم فذكروا الله فيما يذكرون أنهم يباينون بذلك قوما يقعدون فلا يذكرون الله.
ثم قال ﷺ : (إلا حفتهم الملائكة) ومعنى حفتهم الملائكة أي ضايقتهم
стр. 2332
الملائكة من قوله : ﴿حافين من حول العرش﴾ فكأن الملائكة قربت منهم قربا لم تترك بينهم وبينهم فرجة تتسع للشيطان.
(وغشيتهم الرحمة): في لغة العرب لا تستعمل إلا في شيء يشمل المغشي من جميع أجزائه وجوانبه، والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة لهم يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدمه إن شاء الله.
وأما قوله: (ونزلت عليهم السكينة) والسكينة: فعليه من السكون، يقتضي المبالغة، وذلك أن أهل ذكر الله على عقيب غشيان الرحمة لهم في ذكرهم لربهم، تنزل عليهم السكينة من الله، فلا ينزعجون لمخيف من دنيا؛ لعلمهم أنه لا يكون إلا تحت قدرة مذكورهم؛ فسكنوا واطمأنت نفوسهم بموعود الآخرة، استدلالا على حصوله بتوفيق ربهم بأن جعل ذكره شعارهم وشغلهم.
وقوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) فإن قوله ﷺ (١٨/أ) وذكرهم الله فيمن عنده يقتضي أن يكون ذكر الله لهم في الأنبياء وكرام الملائكة بأن يذكرهم ﷻ ، ويجوز أن يكون معناه وذكرهم الله أي أثبتهم الله فيمن عنده؛ كما يقول الإنسان لأخيه اذكرني في كتابك.
وأما التنفيس: فإنه إنما ينصرف في العادة إلى الجزء اليسير من حل عقد فكان ثواب التنفيس عن المؤمن تنفيس كربة عنه يوم القيامة. فأما التيسير على المعسر؛ فإنه أبلغ من التنفيس؛ ولذلك كان ثوابه في الدنيا والآخرة.
وأما ستر المسلم فيجوز أن يكون إذا رآه على ذنب يستره أو يكون يستره بما
стр. 2333
يحمله على أن لا يهتك ستر نفسه: مثل أن يكون محتاجا إلى النكاح فيتوصل في تزويجه أو إلى الكسب فيقم له وجه بضاعة فيتجر بها.
وقوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) فإن هذا الإجمال لا يسغ تفصيله الطروس إلا أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي أن لا يجبن عن إنفاذ قول إيمانا بأن الله في عونه.
ومنه أن رسول الله ﷺ لم يقل إن الله في عون العبد لحالة خاصة؛ بل ما دام العبد في عون أخيه؛ فإن الله في عون ذلك العبد المعين على الإطلاق.
وقد فسرت ألفاظ هذا الحديث في مواضع سابقة.
- ٢٢٩٢ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال النبي ﷺ : (العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته).
كذا فيما رأيناه في (١٨/ب) نسخ كتاب مسلم، وأخرجه البرقاني: (يقول الله: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما عذبته)].
стр. 2334
قال الخطابي: معنى هذا الحديث أن الكبرياء والعظمة صفتان لله اختص بهما لا يشركه فيهما أحد، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل، وإنما ضرت الرداء والإزار مثلا، يقول: - والله أعلم - كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره أحد فلا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق.
وأقول: إن متن الحديث قوله: (العز إزاره، والكبرياء رداؤه) وهذا العز معرفة، يعني أنه العز الذي لا ينبغي لغيره.
فأما العز فإن المؤمن إذا اعتز بالله كان في الحسن على نحو الخضوع لهيبة الله، وليس الاعتزاز بالله منازعة له سبحانه في العز، بل إيمان بأن العزة له، وثقة بأنه يعز حزبه، وينصر عباده، قال الله : ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾.
وأما قوله: (والكبرياء رداؤه) فإن ذلك مما ينبغي لكل أحد أن يخرج الكبرياء من جميع أجزائه؛ لأن العبودية منافية للكبرياء؛ بل يخضع العبد لربه ويذل لسيده.
- ٢٢٩٣ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي ﷺ : (ينادي مناد: إن لكم
стр. 2335
أن تصحوا ولا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا، وذلك قوله : ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أو ورثتموها (١٩/أ) بما كنتم تعملون﴾.
وفي رواية: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا يبتلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)].
يبأس وتبأس: لغتان، والمعنى لا يرى البؤس، وهو شدة الحاجة.
وقوله: (تبتئسوا) المبتئس: الحزين، وهذا مما ينادى به أهل الجنة إذ أدخلوها؛ ليزيد طيب قلوبهم ويعظم بالنعيم والخلود سرورهم، جعلنا الله وإياكم منهم.
وذلك أن الصحة إنما آفتها السقم، والحياة والشباب إنما آفتهما الموت والهرم، والنعيم إنما آفته البؤس.
فهي التي كانت تخاف على هذه الأحوال فتنغصها على أهلها إما بحدوثها عليها، وإما بتخويف وقوعها، فلما كانت أول بشراهم في الجنة أن كل ضد كان لنعمة من هذه النعم قد آمنوا وقوعه، كان تناولهم كل لذة على تمام كمالها آمنين من كل مخوف فيها؛ إذ لولا أن يقال ذلك في كل نعمة من هذه النعم لم تصلح أن يكون من نعيم الجنة.
стр. 2336
- ٢٢٩٤ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن عبيد الله بن أبي رافع قال: (استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة يوم الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة، في الركعة الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾. قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب ﵇ يقرأ بهما في الكوفة، فقال أبو هريرة: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما في الجمعة.
وفي رواية: فقرأ (سورة الجمعة) في السجدة الأولى، وفي الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾].
في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله (١٩/ب) ﷺ إنما قرأ بهاتين السورتين لما في سورة الجمعة من ذكر الجمعة، ولما في سورة المنافقين من ذمهم وتخلفهم عن الجمعة، وعن غيرها من الفرائض تحذيرا من مثل حالهم، والله أعلم.
وقال بعض العلماء: إنما سن في يوم الجمعة أن تقرأ سورة الجمعة في صلاتها؛ لأن فيها امتحان اليهود، واعتبار دعواهم، وتبيين كذبهم بتمني الموت؛ وأما سورة المنافقين فلما فيها من ذكر المنافقين والإعلان بالعناء وتبكيت من زعم أنه إذا لم ينفق على رسول الله ﷺ انفض أصحابه من حوله
стр. 2337
لقوله سبحانه: ﴿ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ وامتحان من ادعى العزة وتبكيته وكيده بقوله سبحانه: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾.
- ٢٢٩٥ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك)].
وقد سبق الكلام على فضيلة الإنفاق على الأهل، وأنها مقدمة على الإنفاق في غيرها من جهات الخير في مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند أبي مسعود الأنصاري، وإنما فضل الإنفاق على الأهل؛ لأن ذلك واجب بخلاف غيره من النوافل، ونشير إليه هنا بزيادة: وإنما فضلت النفقة على الأهل بعدها على الواقع في قلوب الناس؛ فإن المنفق درهما في رقبة أو على مسكين يرى بعين المتطوع المتنفل، ويرى أنه أنفق ما أنفق بفضله، والذي ينفق على (٢٠/أ) أهله إنما أنفق ما كان واجبا عليه وبعيدا عن الحمد عليه، والأعمال إنما تتقرب إلى الله بقدر ما تبعد من الدنيا وتبعد من الله بقدر ما تقرب من الدنيا.
стр. 2338
- ٢٢٩٦ -
الحديث الأربعون:
[عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد سأل الأعمش، قال: (لما كان يوم غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ : (افعلوا)، فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : (نعم)، قال: فدعا بنطع، فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير.
قال: فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم)، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلى ملؤوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة).
وفي رواية: (كنا مع النبي ﷺ في مسير، فقال: فنفدت أزواد القوم، حتى هم بنحر بعض جمالهم. قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها؟ قال: ففعل، قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواة (٢٠/ب).
стр. 2339
قلنا: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: يمصونه ويشربون عله الماء، قال: فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم، قال: فقال عند ذلك: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)].
في هذا الحديث من الفقه أن نحر الظهر عند اشتداد الضرورة جائز، لإذن رسول الله ﷺ في ذلك.
وفيه أيضا أن العدول عن ذلك لما فعله رسول الله ﷺ من جميع الأزواد والدعاء عليها أفضل.
وفيه جواز أن يشير على الإمام ذو الرأي والكلمة المسموعة من أصحابه كإشارة عمر على رسول الله ﷺ .
وفيه أيضا دليل على جواز الرجوع إلى قول الصاحب عن معاينة الأولى والأجدر، وترك العزم الأول.
وفيه أيضا من الفقه جمع رسول الله ﷺ بقية أزواد القوم ليدعوا فيها بالبركة التي لا تخفى منها مكانها ولم ينكر لهم سؤال أطعمه.
وفيه أيضا دليل واضح على صحة نبوته ﷺ ، فإنه قد دل هذا الحديث على أنه ملئ من ذلك القدر الطفيف كل مزادة في العسكر، وفصلت فضله حتى قال رسول الله ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله).
وفيه أيضا دليل على أنه يستحب تجديد الشهادة عند تجديد كل نعمة أو ظهور آية؛ فإن رسول الله ﷺ لم يكن على شك من أنه لا إله إلا الله وأنه رسول الله؛ لأنه شهد بالوحدانية ولنفسه بالرسالة عند تجدد هذه النعمة.
стр. 2340
* (٢١/أ) وفيه أيضا أن كل من لقي الله غير شاك في الكلمة لم يحجب عن الجنة.
- ٢٢٩٧ -
الحديث الواحد والأربعون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس).
وفي رواية: (أن شجرة كانت تؤذي الناس، فجاء رجل فقطعها، فدخل الجنة).
وفي رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة).
وفي رواية قال: (بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له)].
* هذا الحديث قد سبق في المتفق عليه من هذا المسند، وتكلم عليه هناك.
* وقوله: (يتقلب في الجنة) يعني يذهب منها حيث شاء؛ كما يقال: يقلب المسافر في الأرض.
* وفيه أيضا أن الشجرة إذا كانت تؤذي عموم الناس في طرقهم؛ فإنها تقطع
стр. 2341
وإن كانت ملكا لواحد منهم من غير إذنه، إلا أن هذا يبني على أن الشجرة تكون قد أحدثت بعد الطريق المسلوك فيها لأنه لم يذكر في هذا الحديث أنها كانت غير مملوكة، بل أطلق فأدخل في الإطلاق ما يملكه الآدميون وما لا يملكونه.
- ٢٢٩٨ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)].
* هذه الكلمات قد فسرناها في مسند سمرة بن جندب وأوضحنا الكلام عليها هناك، وفي مواضع قد تقدمت.
* ومعنى الحديث: لو كان له ذلك الفقه في سبيل الله كان التسبيح أكبر ثوابا؛ إذ لا يعادل (٢١/ب) ذكر الله شيء، إلا أني أشير ها هنا مع أنه ما تقدم ذكره إلى التنبيه على حسن هذا الترتيب في النطق بهذا التسبيح فأقول: إن قوله ﷺ (سبحان الله) مبتدئا بها على سائر الكلمات لأنها تنزيه الله سبحانه، فكانت مستحقة للتقديم لأن الثناء إنما يترتب على أس التنزيه نفي لكل ما لا يجوز، فلما انتفت النقائض، وكل ما لا تجوز عليه سبحانه، كان ذلك على نحو إخراج الكفر من القلوب، ثم إيداعها الإيمان بقوله سبحانه: ﴿فمن يكفر بالطاغوت
стр. 2342
ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾، وليكون العاقبة للحق فلما قال العبد: سبحان الله أتبعها حينئذ بالحمد لله.
* وفي قول القائل: (الحمد لله) ثناء ممزوج بشكر ومدح من محسن إليه بنعم منها توفيقه لذلك التنزيه المتقدم على هذا الحمد.
* فإذا قال العبد بعد سبحان الله: (الحمد لله، ولا إله إلا الله)، كان قوله لها بعد نفي النقائص عن الذات وبعد الحمد نفيا للشركاء والأنداد والآلهة، ثم أتبعها بقوله: (الله أكبر) والله أكبر بعد ذكر لا إله إلا الله في أحسن مواقعها؛ لأنها تشتمل على أن يكون سبحانه أكبر من أن يكون معه إله غيره، وأكبر من أن يحمد سواه وأكبر من أن لا ينزه؛ وكأنها خاتمة النظام.
- ٢٢٩٩ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)].
* في هذا الحديث من الفقه (٢٢/أ) أن رسول الله ﷺ قدم القسم على ما يريد الإخبار به؛ احتفالا منه بذلك؛ وليمهد في كل قلب سامع يحقق ما يريد
стр. 2343
أن يخبر به، وذلك أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ثم أتبع هذا بأن قال: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا) يعني ﷺ أن الله قضى بين المؤمنين بالأخوة؛ فكل مؤمن أخو كل مؤمن، وإنما يتميز أخو الرجل من النسب بالميراث؛ الذي كثيرا ما يكون سبب العداوة؛ كما أن المؤمن مع المؤمن قد غرس الله في كل قلب منهما مقتضى الوداد.
* إيمان المؤمن بالله يستدعي أنسه بالمؤمن؛ لأنه رفيقه في طريق قليلة السالك ومعينه في ماقط كثير الخصوم، وأمينه على أسراره التي لا يطلع عليها إلا المؤمنون.
* فهو يجد منه ضالة، ويكفي منه عونا، ويصادق منه مسلاة وعوضا عن فوائت. فالتحابب في المؤمنين يكثر سوادهم القليل وينعش جرمهم الضئيل.
* ثم قال ﷺ : (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟: أفشوا السلام بينكم) فأرشد إلى ما يغرس الحب، وهو إفشاء السلام، وذلك لأنه ﷺ نبه بأيسر ما يأتي به العبد منها بذلك على ما فوقه.
- ٢٣٠٠ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا).
وفي رواية: (من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت
стр. 2344
حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام)].
* هذا الحديث (٢٢/ب) يتضمن استعمال أدب الجمعة، ويدل على أن الغسل لها ليس بواجب، ويأمر بالاستماع للخطبة، ويحث على القرب من الخطيب، ويحرص على الإنصات.
* فأما مس الحصا؛ فإنه يحدث صوتا يلفت بعض الحاضرين عن سماع الخطبة؛ فكأن فاعل ذلك قد تكلم.
* وأما قوله: (غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام) فلأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فكانت الأيام الثلاثة متممة للعشر.
- ٢٣٠١ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أبي هريرة، قال: جاء أناس من أصحاب النبي ﷺ إلى النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن نتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذاك صريح الإيمان)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود وشرحناه هنالك وبينا أن
стр. 2345
صريح الإيمان هو المانع من قبول وسوسة الشيطان. وتعاظم ذلك في نفوسهم هو الإيمان. وقد ذكرناه أيضا في خصال الإيمان وشعبه.
- ٢٣٠٢ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)].
* أما الطعن في النسب: فإنه من عظائم الذنوب؛ لأنه يوجب القذف، والقذف كبيرة.
* وأما النياحة فقد أوضحنا الكلام فيها في مسند عمر بن الخطاب وابن عمر ﵄، ومعنى تسمية رسول الله ﷺ الخصلتين كفرا (٢٣/أ) فإن الكفر في أصل اللغة: معناه التغطية، وأن الطاعن في نسب إنسان فإنه يريد تغطية الحق في نسبه، فهو يكفر من هذه الجهة؛ وكذلك النياحة فإنها من قبيل التشنيع على القدر وإظهار التسخط لما كان من حكم الله، مع إعراض النائحة عن نعم الله تعالى البواقي، وعما يجب له من الصبر تسليما لحكمته وحسن نظره لعبده؛ فتكون النياحة كفرا من هذا الوجه.
стр. 2346
- ٢٣٠٣ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟) قلنا: نعم، قال: (فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)].
* هذا الحديث قد سبق في هذا المسند، فهو بعد السبعين والمائتين من المتفق عليه، وقد فسرناه هنالك، وأشير إليه ها هنا فأقول: إن قوله ﷺ : (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟) فلا أراه ذكر الثلاث إلا أنه أقل الجمع فيعني أنه كلما زاد قراءة الآيات من المصلي في صلاته كان له بعددهن من الثواب.
* فأما قوله: (أن يجد فيه) فالضمير فيه عائد إلى البيت. والمعنى في ذلك: أن مظنة القراءة والتطويل فيها إنما يكون في البيوت ومما يصلي فيه الإنسان لنفسه دون الجماعات؛ فإن تلك لا يستحب فيها التطويل كهذه.
стр. 2347
- ٢٣٠٤ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (المدينة حرم (٢٣/ب) فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل).
زاد في حديث سفيان عن الأعمش: (وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم؛ فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف).
وفي رواية: (ومن وإلى غير مواليه بغير إذنه).
وفي رواية: (من تولى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)].
* أما فضيلة المدينة وكونها حرما، وذكر من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فقد سبق شرح ذلك كله، فذكرناه في مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند عبد الله بن زيد الأنصاري، وفي مسند سهل بن حنيف، وأشير إليه ها هنا فأقول: إنما غلظ إثم المحدث بالمدينة من حيث إنه يعتدي على رسول الله ﷺ بمرأى منه، ويحدث في شريعته بحضرته المقدسة؛ فإن من يعصي ملكا من
стр. 2348
ملوك الدنيا يعينه أهون من أن يحضر معصيته في مجلسه أو بحضرته، وقد قيل: إن الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة.
* وقوله: (ذمة المسلمين واحدة) قد سبق بيانه، وكذلك قد شرحنا قوله: (من تولى قوما بغير إذن مواليه) وبينا أن المراد المنع من ذلك لأن مواليه لا يأذنون أن يتولى غيرهم.
- ٢٣٠٥ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة بنت النبي ﷺ تسأله خادما؟ فقال لها: (قولي اللهم رب السموات السبع ...).
(٢٤/أ) وفي رواية سهيل بن أبي صالح، قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، خالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وغننا من الفقر). وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
стр. 2349
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضطجعنا أن نقول ... وذكر مثله، إلا أنه قال: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها).
وفي رواية: أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تسأله خادما وشكت العمل، فقال: (ما ألفيتيه عندنا) وقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ تسبحين ثلاثا وثلاثين، وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك)].
* أما ما يرجع من هذا الحديث إلى فاطمة ﵍ وذكر الخادم، فقد سبق شرحه في مسند علي ﵁.
* وأما ما يرجع إلى القول عند النوم، ففيه من الفقه: أنه ذكر السموات بلفظ الجمع، وذكر الأرض بلفظ التوحيد، ثم جمع ذلك كله بقوله: (رب العرش العظيم) فإن العرش محيط بالأشياء كلها، فهن في جنبه كحلقة ملقاة في أرض فلاة، فدعى ﷺ بالتفصيل والإجمال.
* وقوله: (ربنا) (٢٤/ب) أي رب الخلق. وقوله: (رب كل شيء) إجمال يشمل على الصور والمعاني وسائر الموجودات، ثم ذكر مصنوعاته فقال: (فالق الحب والنوى) فإنه إذا نظر ناظر بعين فهمه إلى فلق الحبة والنواة عن سنبلة ونخلة رأى كلا منهما ينغلق عن كمام فيها ودائع من جنس ما أنشئنا منه، فعلم أن فاعل ذلك لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم ذكر إنزاله الكتب
стр. 2350
فقال: (منزل التوراة والإنجيل والفرقان) فهذه هي الكتب المتأخر نزولها، التي أفضى إليها أمر ما كان نزل قبلها، على أنها تصدق كل ما نزل بين يديها.
* وقوله: (فليس قبلك شيء) فالمعنى أنت الأول ولا قبل لك، (وأنت الآخر) ولا بعد ذلك أي شيء بعدك، ويجمع هذا أي جمع قوله : ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾.
* وقوله: (اقض عنا الدين) فيه دليل على استحباب سؤال ذلك، وسؤال الغني من غير كراهية لذلك.
- ٢٣٠٦ -
الحديث الخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)].
* هذا الحديث يدل على فضيلة السجود، ومما يزيد المؤمن رغبة فيه أنه يحزن به الشيطان ويسوؤه.
* وفيه أنه يكمد إبليس من حيث إنه الذي كان سبب بعده وطرده هو الامتناع عن السجود؛ فلما وفق الله لذلك المسلمين عند ذكر كل سجود كان أنكأ لقلبه؛ لأنه تجديد لمصابه، فهو كنكأ للجرح.
следующие страницы →