Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
- ٢٣٠٣ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟) قلنا: نعم، قال: (فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)].
* هذا الحديث قد سبق في هذا المسند، فهو بعد السبعين والمائتين من المتفق عليه، وقد فسرناه هنالك، وأشير إليه ها هنا فأقول: إن قوله ﷺ : (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟) فلا أراه ذكر الثلاث إلا أنه أقل الجمع فيعني أنه كلما زاد قراءة الآيات من المصلي في صلاته كان له بعددهن من الثواب.
* فأما قوله: (أن يجد فيه) فالضمير فيه عائد إلى البيت. والمعنى في ذلك: أن مظنة القراءة والتطويل فيها إنما يكون في البيوت ومما يصلي فيه الإنسان لنفسه دون الجماعات؛ فإن تلك لا يستحب فيها التطويل كهذه.
стр. 2347
- ٢٣٠٤ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (المدينة حرم (٢٣/ب) فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل).
زاد في حديث سفيان عن الأعمش: (وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم؛ فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف).
وفي رواية: (ومن وإلى غير مواليه بغير إذنه).
وفي رواية: (من تولى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)].
* أما فضيلة المدينة وكونها حرما، وذكر من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فقد سبق شرح ذلك كله، فذكرناه في مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند عبد الله بن زيد الأنصاري، وفي مسند سهل بن حنيف، وأشير إليه ها هنا فأقول: إنما غلظ إثم المحدث بالمدينة من حيث إنه يعتدي على رسول الله ﷺ بمرأى منه، ويحدث في شريعته بحضرته المقدسة؛ فإن من يعصي ملكا من
стр. 2348
ملوك الدنيا يعينه أهون من أن يحضر معصيته في مجلسه أو بحضرته، وقد قيل: إن الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة.
* وقوله: (ذمة المسلمين واحدة) قد سبق بيانه، وكذلك قد شرحنا قوله: (من تولى قوما بغير إذن مواليه) وبينا أن المراد المنع من ذلك لأن مواليه لا يأذنون أن يتولى غيرهم.
- ٢٣٠٥ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة بنت النبي ﷺ تسأله خادما؟ فقال لها: (قولي اللهم رب السموات السبع ...).
(٢٤/أ) وفي رواية سهيل بن أبي صالح، قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، خالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وغننا من الفقر). وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
стр. 2349
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضطجعنا أن نقول ... وذكر مثله، إلا أنه قال: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها).
وفي رواية: أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تسأله خادما وشكت العمل، فقال: (ما ألفيتيه عندنا) وقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ تسبحين ثلاثا وثلاثين، وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك)].
* أما ما يرجع من هذا الحديث إلى فاطمة ﵍ وذكر الخادم، فقد سبق شرحه في مسند علي ﵁.
* وأما ما يرجع إلى القول عند النوم، ففيه من الفقه: أنه ذكر السموات بلفظ الجمع، وذكر الأرض بلفظ التوحيد، ثم جمع ذلك كله بقوله: (رب العرش العظيم) فإن العرش محيط بالأشياء كلها، فهن في جنبه كحلقة ملقاة في أرض فلاة، فدعى ﷺ بالتفصيل والإجمال.
* وقوله: (ربنا) (٢٤/ب) أي رب الخلق. وقوله: (رب كل شيء) إجمال يشمل على الصور والمعاني وسائر الموجودات، ثم ذكر مصنوعاته فقال: (فالق الحب والنوى) فإنه إذا نظر ناظر بعين فهمه إلى فلق الحبة والنواة عن سنبلة ونخلة رأى كلا منهما ينغلق عن كمام فيها ودائع من جنس ما أنشئنا منه، فعلم أن فاعل ذلك لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم ذكر إنزاله الكتب
стр. 2350
فقال: (منزل التوراة والإنجيل والفرقان) فهذه هي الكتب المتأخر نزولها، التي أفضى إليها أمر ما كان نزل قبلها، على أنها تصدق كل ما نزل بين يديها.
* وقوله: (فليس قبلك شيء) فالمعنى أنت الأول ولا قبل لك، (وأنت الآخر) ولا بعد ذلك أي شيء بعدك، ويجمع هذا أي جمع قوله : ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾.
* وقوله: (اقض عنا الدين) فيه دليل على استحباب سؤال ذلك، وسؤال الغني من غير كراهية لذلك.
- ٢٣٠٦ -
الحديث الخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)].
* هذا الحديث يدل على فضيلة السجود، ومما يزيد المؤمن رغبة فيه أنه يحزن به الشيطان ويسوؤه.
* وفيه أنه يكمد إبليس من حيث إنه الذي كان سبب بعده وطرده هو الامتناع عن السجود؛ فلما وفق الله لذلك المسلمين عند ذكر كل سجود كان أنكأ لقلبه؛ لأنه تجديد لمصابه، فهو كنكأ للجرح.
стр. 2351
* (٢٥/أ) وفيه: أن السجود من الملائكة كان لله من أجل آدم ومعنى قوله سبحانه: ﴿لآدم﴾ أي من أجل آدم، والدليل عليه قوله : ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾.
* وفيهم حملة العرش، ومن تتباعد المسافة بين مقامات عباداتهم، فلم يكن سجودهم إلا لله سبحانه، وهذه اللام: لام من أجل، وهذا مما ذكره الشيخ محمد بن يحيى ﵀.
- ٢٣٠٧ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)].
* في هذا الحديث ما يدل على تشديد التحريم لنيل الصحابة بسب أو قذع أو أذى؛ ولقد أتى في هذا النطق ما يخبر أن درجاتهم لا تبلغ تقليل، وأن أحدهم لا يقال له قليل؛ حتى إن أحدنا لو أنفق مثل الأرض ذهبا لما بلغ من جنس
стр. 2352
الإنفاق ما يكون مقداره مدا واحدا من الصحابة أنفقه أحدهم ولا نصف ذلك المد، وهذا إنما ضربه رسول الله ﷺ مثلا في النفقات فيقاس عليه: الصلوات والصيام والحج والجهاد وسائر العبادات؛ فإنها في معناه.
* وأما قوله ﷺ : (لو أن أحدكم) بكاف الخطاب للحاضر المواجه؛ فإنه خطاب في هذه الصورة لأبي هريرة، فينصرف التحذير منه ﷺ لسائر الصحابه؛ ممن رآه ﷺ من أن يسب أفاضل الصحابة الذي تخصصوا بصحابته وكثرة (٢٥/ب) ملازمته، والهجرة معه، والقدم في الإسلام، هذا يكون أشد في النهي عن ذكر الصحابة إلا بالخير لمن جاء بعدهم، لأنه إذا كان من شمله اسم الصحابة ولحقته بركتها وحظي بهذا الاسم الكريم لا يبلغ عمله لو أنفق مثل أحد مد أحد القدماء من الصحابة والفضلاء ولا نصف المد، فكيف لمن جاء بعدهم!.
* وفيه أيضا إشارة إلى أن الله تعالى أطلع رسوله على الغيب من أن قوما يجيئون في آخر الزمان وينتقصون أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃، فكان تحذيره كافة أصحابه من ذلك في ضمن قوله: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا) ولم يذكر أنه لو أن أحدكم سب واحدا منهم لم يكفر عنه ذلك كذا وكذا؛ بل رفع طبقة أصحابه من أن تجوز سب أصحابه عنهم؛ ولكن أشار إلى أن لحقا مرتبتهم وبلوغ شأنهم في الفضل ممتنع يستحيل؛ لأن أحدكم غاية أمره أن ينفق مثل أحد ذهبا في سبيل الله، ولو أنفقه لما أدرك به مدا لواحد من الصحابة القدماء ولا نصيفه، فإنا كان هذا حال من يريد أن يبلغ إلى مراتبهم، فما الظن لمن يذهب إلى تنقصهم أن يسبهم مما جاء بعدهم.
стр. 2353
- ٢٣٠٨ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على استحباب الدعاء في السجود.
* وفيه ما يدل على أن قرب العبد من ربه، إنما هو عند انتهائه (٢٦/أ) في التواضع إلى غاية وسعه؛ فإن حالة سجود العبد هي غاية ما يناله وسعه من الخضوع بين يدي ربه.
- ٢٣٠٩ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: (اللهم اغفر لي ذنبي كله: دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره)].
* كان النبي ﷺ يستغفر ربه ﷻ بهذا الاستغفار، فإن صح أنه كان قبل نزول سورة الفتح؛ فإن الله استجاب له فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن كان بعدها فإن استغفاره شكر لربه ، واستجابة لرحمته وفضله.
* وقوله: (دقه وجله) فإن دق الذنوب يصلح أن يستغفر منه؛ كما يستغفر من
стр. 2354
الجل.
* وقوله: (وأوله وآخره) هذا طلب لمحو أثر الذنب كله، وأما ذنوب البشر فإنها تعظم لمواجهة الخالق وحده بها، وأما ذنوب العلانية فكشهادة المسلمين بها فاستغفر رسول الله ﷺ من الكل، ويجوز أن يكون استغفاره هذا لأمته.
- ٢٣١٠ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من نفاق)].
* في هذا الحديث من الفقه الحث على الجهاد أو تمنيه؛ لمن لم يمكنه النهوض إليه، فإن لم ينهض فهو على شعبة من النفاق؛ فإن النفاق ضد الصدق، والصدق في أعداء الله تجريد حربهم سرا وجهرا، فشأن المؤمن أن يكون محاربا (٢٦/ب) لأعداء الله إن استطاع ذلك معلنا به، وإلا كان ناويا وعازما عليه؛ فإذا ضرب عن ذلك في جهره، ثم أضرب عنه في سره؛ فإنه على شعبة من النفاق؛ إذ الشعبة قد تؤدي إلى الوادي.
- ٢٣١١ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أبي هريرة يرفعه مرة قال: (تعرض الأعمال في كل يوم خميس
стр. 2355
واثنين، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحان).
وفي رواية: (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين ....) وذكر نحوه.
وفي أخرى: (اتركوا هذين - أو اركوا هذين - حتى يفيئا).
وفي رواية: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلى رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا).
وفي رواية: (إلا المتهجرين). وحكى أبو مسعود: (تفتح أبواب السماء كل اثنين وخميس)].
* سبق النهي عن هجر المسلم أخاه ما قد سبق في مسند أبي أيوب، وفي مسند ابن عمر، وفي مسند أنس ﵃.
* والشحناء: العداوة، ومعنى (اركوا هذين حتى يفيئا) أي أخروهما حتى يرجعا عن التقاطع، وإنما يؤخر غفران ما بينهما لأجل أن أمرهما لم ينفصل بعد بينهما، وفي هذا تحذير من العداوة واللجاج.
وإنما جعل هذان اليومان كالفصلين في الأسبوع، يتقدم كل يوم منهما
стр. 2356
يومان، ويتأخر عنه يومان، وتكون الجمعة منفردة بنفسها.
* وفيه تنبيه على أن رسول الله ﷺ (٢٧/أ) أعلم أمته بأن الله يستعرض صحائف الخلق في كل أسبوع مرتين، فيمحو السيئة، ويغفر الهفوة، ويعفو عن الزلة، إلا حالة المتشاحنين؛ فإنه لو غفر أحدهما كان ذلك طيا لحق مشاحنه، فلما كان الأمر بينها واقفا من جهتهما معا وقف الأمر في قضيتهما على ما يفضي إليه حالهما، وكان هذا شديدا في تحذير المؤمن من المشاحنة، وهي أن يطيع كل من المسلمين شحناه في الآخرة، ويتبع حقده ودخله ووتره.
* فأما موجباتها فكثيرة، فمنها ما يكون من حسد يبلغ بصاحبه إلى بغض المحسود ومشاحنته، وأكثر ما يعرض هذا في الأقرب نسبا أو حالا أو دارا أو ولاية فالأقرب.
* وقد يكون الشحناء عن الكبر؛ فإني رأيت أكثر ما يثير الشر بين المسلمين الكبر؛ لأن الله قال: ﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ يعني حل لطباعه أن تمتد إلى ما تقصر عنه مقاديرهم.
ولقد كتبت إلى الإمام المقتفي ﵁ مرة، وأنا في المخزن، فقلت له: إني أخاف أن أكون قد أحللت نفسي منك بمنزلة لم تحلني أنت بها، فاقطع أنا بمقتضى ظني قطعا زائدا، وإذا أقمت أنت أمري على ما أنزلتني فيه من ظنك، كان ذلك المقام متأخرا عن المقام الذي طمعت فيه، فيثبت ذلك فيما بيننا في الأحوال والأقوال، فتعود مسألة خلاف تثير جدلا لا تنطق به الألسن ولا تحتوي عليه الطروس، ولكن تشهد به الأحوال، وتفصح عنه الاتفاقات،
стр. 2357
فقد رأيت أن أتداوى من هذا الداء أنني لا أشير إلى مرتبة إلا وأقمت نفسي دونها، ولا أنجذب بطبعي (٢٧/ب) إلى درجة إلا أنزلت نفسي إلى الانحطاط عنها.
فالكبر أصل فساد ما عليه الناس، فإن من يتكبر لا يقنع بأن يتكبر هو على الناس نفسه، حتى يعمل على ذلك غيره، فيلوم أهل التواضع فعلهم إياه، من حيث إنهم يظهرون شعارا السنة التي تكسر بدعته، ويحبون منها ما أماته من جهله.
والكبر فهو غمط الناس وبطر الحق، هذا هو حده، فليس منه أن يكون الرجل جميل الثوب، طيب الريح، طويل السمت، كريم الجلساء، وإن من جمال ثوب الإنسان طهارته في نفسه، وحله في جنسه، وكونه وفقا للسنة في هيئته، وليس من جماله أن يبالغ في ترقيعه، ولا أن يجعله يسحب من ورائه.
* ومن الشحناء: البغي، والبغي يتنوع، وأظهره وأشده الذي يفضي بصاحبه إلى قتال أهل الحقن كما قال : ﴿فإن بغت إحداهما﴾ الآية. وقد ذكرنا فيما تقدم من ذلك ما فيه وضوح بحمد الله سبحانه.
* ومن البغي أيضا أن يبغي الرجل على أخيه، ويرى أن أخاه هو الباغي، وهذا فيه خلاص له من دائه هذا بأن يحكم في علته أمر الشرع، فإن حكم الشرع لصاحبه انقادا، وله قنع.
стр. 2358
* وقد بينا أن الشحناء نتيجة الكبر وفرعه، وأن الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، ويحتاج إلى بيان هذين الحدين اللذين يحتوي الكبر عليهما لينتهى عنهما؛ فنحيت الشيء من أصله ويحسم مادته من بابه.
* فأما بطر الحق؛ فالذي أراه فيه أنه ينبغي للمحق أن يكون في حقه حذرا من أن يتجاوز بنفسه في رؤيته أنه محق، فيبطر بذلك الحق (٢٨/أ) بطرا يظهر عليه في الناس، ويكون على نحو الذنب الذي لا يتوب منه صاحبه؛ لأنه يرى أنه قد استطال بواجب شمخ على الناس بحق، فهذه من آفات المحقين.
فينبغي أن يكونوا على نحو من أن يثقل في الميزان انكسارا لمذنبين عند بطرهم هم لحقهم فيسف ويحف بحقهم ببطرهم فيه، ويثقل انكسار المذنبين، ويرزن بتواضعهم فيه.
وهذا فإنما يكون السالم منه من وفقه الله في حقه؛ لأن يكون متمنيا أن يبلغ إليه كل مسلم لم يلحق درجته، وأن يرحم من قصرت به قدرته عن لحاقه، وأن هذا من آفات هذا البطر أن يعرض المقصود عمن قصده ولا سيما إذا كان قصده في الدين أو يشرع في تنفير خلق الله عن أبواب الله أو يشدد عليه حكم الله، إذا سأله عنه بغير ما أمر الله به إلى غير ذلك من آفات بطر الحق.
* فأما غمط الناس؛ فقد روي ذلك بالطاء والصاد، والمعنيان متقاربان، وكلاهما يعود إلى احتقار الناس، والتطاول عليهم، فدل هذا الحديث الذي نحن في تفسيره أن الله تعالى يغفر في كل اثنين وخميس للعباد إلا للمتشاحنين، والمتشاحنان أن يكون كل منهما ذا شحناء فلا يتناول هذا النطق أن يكون رجل يخاف شر رجل ولا يأمن السوء من جهته، وذلك الآخر غير
стр. 2359
خائف منه، كما يخاف الآخر؛ فإن ذلك الخائف لا يزول استحاشة مما يخافه إلا بوجود أمنة منه؛ فلا يكون الخائف أحد المتشاحنين.
وكذلك رجل هجر رجل في بدعة ابتدعها في الدين، وهجره لأجل الله تعالى، ولئلا يراه المسلمون زائرا له، (٢٨/ب) ومقاربا سبيله، فيعتقدون صحة ما عليه المبتدع؛ فاستمر على هجرانه ذلك لأجل هذه الحال؛ بعد أن نصحه فلم ينتصح، واجتهد في إصلاحه فلم ينصلح؛ فهجره، فليس ذلك بمشاحن؛ إلا أنه ينبغي له أن يكون راحما له في الباطن، وداعيا له بأن يرحمه الله، ويرده إلى الحقن كما روي عن أحمد ﵁ من الدعاء في ذلك بما قدمناه.
* وليس من التشاحن الرجلان يكون بينهما الحكومة أو العرض أو المعاملة فيبغي أحدهما على الآخر كما قال سبحانه: ﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾.
إلا أن هذا في الخلطاء من المؤمنين لا ينبغي أن يبلغ بهم إلى التقاطع والتهاجر؛ بل أحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه، وأيسرهما لأخيه، وأصبرهما على رفيقه لقوله: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
* فأما المتشاحنان الذي ينصرف إليهما إرجاء الغفران؛ فإنهما قد يكونا متحاسدين أو متكبرين أو باغيين أو متقاطعين أو متنافسين أو متماثلين أو متقاربين؛ فليحذر المؤمن من هذه الحالة، وليغفرها لأخيه خائفا أن يفوته
стр. 2360
شحناء أخيه ود ومحبة الله لهن وليبادر الفيئة منها؛ فإن من استبدل من محبة الله ومغفرته شحناء أخيه لممن يشمله قول الله : ﴿بئس للظالمين بدلا﴾.
- ٢٣١٢ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (عليك السمع والطاعة، (٢٩/أ) في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)].
* قد سبق شرح هذا المعنى في مواضع كثيرة فيما تقدم.
- ٢٣١٣ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة. فقال: (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرك)].
стр. 2361
* في هذا الحديث من الفقه أن من كلمات الله التامات قوله للشيء: كن، إذا أراد تكوينه؛ فإذا استعان الإنسان بما عنه تنشأ المكونات كان ذلك حسما لمطالع ما يخافه من المؤذي.
* وفي هذا الحديث جواز أن يقول الرجل: لو كان كذا؛ لكان كذا.
- ٢٣١٤ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي أيوب، وتكلمنا عليه.
стр. 2362
- ٢٣١٥ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)].
* هذا الحديث يشتمل على دعاء شامل، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله ﷺ .
* فأما قوله: (أصلح لي ديني) فإنه بدأ بالأهم، وهو الدين (٢٩/ب)، ثم وصفه بأنه عصمة الأمر في الدنيا من الهلكة، وفي الآخرة من النار.
* ثم ذكر بعد ذلك الدنيا فقال: (وأصلح لي دنياي) والدنيا صفة لموصوف محذوف، والمحذوف هو الحياة، فإذا قلت الدنيا؛ فمعناه الحياة الدنيا؛ فلما أضافها ﷺ فقال: (دنياي) أضاف الصفة إليه ﷺ .
* ثم ذكر العذر في سؤاله إصلاحها؛ بأن قال: (التي فيها معاشي) يعني التي أعيش فيها لأعبدك، ومن المعاش الكسب والسعي في الأرض لاستجلاب الرزق وذلك قد يكون عبادة لله ، ثم عقب ذلك بأن قال: (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي) فرتب ﷺ الآخرة بعد الدنيا من
стр. 2363
حيث إنها بعدها زمانا ووقتا، ثم ذكرها ﷺ ليكون ذكره لها إيمانا بها وإقرارا بالمعاد إليها، ثم طلب ﷺ ليكون ذكره بعد ذلك كله، أن يجعل الله الحياة زيادة له في كل خير؛ لأن الحياة إنما يقصد بها المؤمنون أن يزدادوا من الخير عند ربهم ﷻ .
* ثم قال: (واجعل الموت راحة لي من كل شر) فأراد ﷺ أن يجعل الموت راحة له من كل شر، لا من عبادة الله سبحانه وخدمته، فإن العبادة خير.
- ٢٣١٦ -
الحديث الستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي، إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا)].
* قد سبق قبل هذا الحديث بقريب ذكر هذا الحديث وأحلنا فيه (٣٠/أ) على ما شرحناه في مسند سعد بن أبي وقاص وغيره فيما يتعلق بالمدينة.
- ٢٣١٧ -
الحديث الحادي والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يمينك على ما يصدقك به صاحبك).
стр. 2364
وفي رواية: (على ما يصدقك عليه صاحبك).
وفي رواية: (اليمين على نية المستحلف)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الحالف إذا حلف على شيء وتأول في ذلك تأويلا يخرج منه عند نفسه من يمينه لم يبر ولا يكون صادقا إلا أن يكون مظلوما أو مقهورا.
فأما إن تأول في يمينه، كرجل قال: والله (بالرفع)، وكان مستحلفه لا يعرف العربية، ولا يعلم أن من شرط القسم أن يكون مجرورا؛ فإذا حلف على هذا الوصف لمن قد ظلمه على اليمين من جورة السلاطين؛ فإن ذلك يضع عنه الحرج في مثل هذه الصورة، فإن كان ظالما فإنه يحنث ويكون كاذبا عند الله.
وكذلك لو مر عليه رجل قد هرب من ظالم فرآه ثم سأله الظالم عنه، قال: والله ما رأيته، يريد ما ضربت رئته، والظالم يظن أنه يريد ما رأيته، فإنه لا بأس بمثل هذا في هذه الصورة.
- ٢٣١٨ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء، فتحرك فقال النبي ﷺ : (اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق، أو شهيد)، وعليه النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص.
стр. 2365
وكذا رواية مسلم، لم يذكر عليا وزاد سعدا، وكذا أخرجه البرقاني.
وقد أخرجه البرقاني من رواية معاوية بن أبي صالح: أن النبي ﷺ (٣٠/ب) كان على حراء ومعه أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵃ أجمعين، فتحول الجبل فقال ﷺ : (اسكن حراء فليس عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، فسكن الجبل).
وفي رواية: (كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : (اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند سهل بن سعد، وفي مسند أنس، وذكرنا ما بلغنا أن أبا الحسين بن سمعون رأى في ذلك أن اهتزاز الجبل طربا بهم أو عجزا عن حملهم إلا أن الذي أرى فيه مع استحساني ما ذكره ابن سمعون ﵁ أنه إشارة من النبي ﷺ إلى شهادة لأبي بكر بالصديقية وللباقين بالشهادة، فمن قتل منهم فهو شهيد، ومن مات منهم فإنه لم يمت إلا متمنيا لأن يستشهد في سبيل الله.
* وفيه أيضا: أن الصديق أفضل من الشهيد؛ لأنه قدمه عليه، وجعله مرتبة
стр. 2366
بين النبوة والشهادة.
- ٢٣١٩ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أبي هريرة، أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: (نعم).
وفي رواية أن سعد بن عبادة الأنصاري، قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد (٣١/أ) مع امرأته رجلا أيقتله؟ قال رسول الله ﷺ : (لا). قال سعد: بلى، والذي أكرمك بالحق، فقال رسول الله ﷺ : (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم).
وفي رواية قال سعد: يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلا، لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : (نعم). قال: كلا والذي بعثك بالحق؛ إن كنت لأعالجه بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم أنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني).
كذا في كتاب مسلم: (لأعالجه).
وفي رواية البرقاني: (لمعالجه)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود وغيره، وبينا فيه أن قوله ﷺ : (والله أغير مني) فإن الله على كونه أشد غيرة من خلقه فإنه هكذا
стр. 2367
شرع لئلا ينفسح متتابع إلى ما لم يشرعه الله مسميا ذلك غيرة.
- ٢٣٢٠ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين، فرأى خيرا منها، فليكفر عن يمينه، ولفعل الذي هو خير).
وفي رواية: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).
وفي رواية: (أعتم رجل عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، وأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا (٣١/ب) له فأكل، فأتى سول الله ﷺ فذكر له، فقال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند عدي بن حاتم، وفي مسند عبد الرحمن ابن سمرة، وفي مسند أبي موسى، وتكلمنا عليه.
стр. 2368
- ٢٣٢١ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أبي هريرة أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى النبي ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: (اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)، قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك التمر.
وفي رواية: (كان يؤتى بأول الثمر فيقول: (اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة). ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان)].
* الوليد: الصبي الصغير، وجمعه ولدان، وإنما دعا عند وجود أول الشيء بالبركة فيه ليكثر، وإنما ناوله الصغير فيما رأى للمناسبة بينهما من أن هذا قريب العهد بالوجود وهذا أيضا؛ ولأن أنفس الصبيان تتوق إلى باكورة الشيء أكثر من غيرهم.
- ٢٣٢٢ -
الحديث السادس والستون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا (٣٢/أ) توضأ العبد المسلم -
стр. 2369
أو المؤمن - فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند عثمان بن عفان ﵁، وأشير إليه فأقول: إنه اشترط وضوء العبد المسلم أو المؤمن فعلى هذا أنه إذا تقدم إسلامه أو إيمانه، كان وضؤه بالغا في الفضل ما ذكره ﷺ .
* وقوله ﷺ : (كل خطيئة نظر إليها بعينيه) فإنما ذكره بعضا من كل، وجزءا من جملة ليدل بذلك على الباقي؛ فإنه كما تخرج الخطايا التي نظر إليها بعينيه، وكذلك تخرج الخطايا التي نشقها بأنفه، والتي نطقها بفيه، وعلى هذا المعنى قصد المؤمن بهذا الحديث يكون وجوب المضمضة والاستنشاق أجلى من كونها سنة.
- ٢٣٢٣ -
الحديث السابع والستون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم).
стр. 2370
قال بعض الرواة: لا أدري أهلكهم بالرفع أو أهلكهم بالنصب)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه ينبغي للإنسان لا يقنط من رحمة الله، ولا يرى أن ظل الجود يقلص عن شمول الخلق، فإذا قال: هلك الناس؛ فإنه قول منذر بيأسه (٣٢/ب) لهم من رحمة الله تعالى، فهو أهلكهم (برفع الكاف).
ومن رواه بالنصب فالمعنى أنه هو الذي أهلكهم بزعمه، فأما هم فلم يهلكوا، على أن أخلاق المؤمنين أن يكون المؤمن خائفا على نفسه، راجيا لغيره، بخلاف حال قائل هذا القول، بل لو أبغض معاصيهم وأحب لهم الخير؛ لكان ذلك أصلح لهم وله.
- ٢٣٢٤ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر، يقول: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار (].
* قوله: (سمع سامع) يجوز أن يكون إخبارا على معنى أن حمد الله في أحوال السفر وكلفه، وتوالي النصب، يتضاعف للحامد فيه أجر حمده، فيكون قوله: (سمع سامع بحمد الله) إخبارا، ويكون المراد بالسامع الواحد
стр. 2371
من الخلق فما فوقه، فاقتصر على الأقل ودل على الأكثر.
* ويجوز أن يكون على معنى الدعاء على معنى قوله: (سمع الله لمن حمده)، فيكون المعنى أنه دعى الله أن يشغله بحمده، حتى يسمع ذلك منه ولو سامع من أنه حمد الله على حسن بلائه عليه في سفره، لأنه مقام ابتلاء واختبار واحتمال شق وضيق أخلاق وتنكر رفقة، ويقل في ذلك الأحوال الحمد، وازداد أن يكون حامدا لله حمدا يسمع منه، ويذكر عنه ولو لم يسمعه إلا سامع، والبلاء ها هنا النعمة.
* وأسحر: دخل في وقت السحر؛ فإن ذلك الوقت في الأكثر
* ويجوز أن يكون على معنى الدعاء على معنى قوله: (سمع الله لمن حمده)، فيكون المعنى أنه دعى الله أن يشغله بحمده، حتى يسمع ذلك منه ولو سامع من أنه حمد الله على حسن بلائه عليه في سفره، لأنه مقام ابتلاء واختبار واحتمال شق وضيق أخلاق وتنكر رفقة، ويقل في ذلك الأحوال الحمد، وازداد أن يكون حامدا لله حمدا يسمع منه، وذكر عنه ولو لم يسمعه إلا سامع، والبلاء ها هنا النعمة.
* وأسحر: دخل في وقت السحر؛ فإن ذلك الوقت في الأكثر وقت الرحيل من المنزل والتوجه إلى منزل آخر.
* وقوله: (ربنا صاحبنا) أي (٣٣/أ) احفظنا، ولم يقتصر على نفسه وإنما ذكره بلفظ الجمع، فأرادها صاحبني ومن معي أو من يتبعني إلى يوم القيامة.
* (وأفضل علينا): أي إذا أمسك المفضلون في الأسفار فضلهم، وضاقت أخلاقهم، وتنكرت رفقهم، فأفضل علينا أنت.
* ثم قال: (عائذا بالله من النار) وعائذا ها هنا منصوب على الحال، والمعنى أقول هذا عائذا، وأراد أن السفر قطعة من العذاب، فذكر بذلك ما يجب الاستعاذة منه، وهذا أشد العذاب، وهو النار.
- ٢٣٢٥ -
الحديث التاسع والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتا فيه
стр. 2372
تماثيل أو تصاوير)].
* قد مضى هذا الحديث في مسند أبي طلحة وغيره من المسانيد، وتكلمنا عليه.
- ٢٣٢٦ -
الحديث السبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر: أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كرر ذكر إرغام الأنف ثلاثا لمن أدرك أبويه أحدهما فلم يدخل الجنة؛ لأنه قد وجد بوجودهما أو وجود أحدهما بابا مفتوحا إلى الجنة يدخل منه، وهو برهما، أو بر أحدهما؛ فإذا لم
стр. 2373
يفعل استحق دعاء رسول الله ﷺ ؛ لأنه لو امتثل أمر الله في طاعتهما بعد الإيمان به لأحبط ذلك عنه حال السوء، وتضاعف له درجات الخير، فإذا بلغ من الخذلان إلى أنه لم يمتثل أمر ربه في طاعة والديه، ولم يعرف (٣٣/ب) لهما إحسانهما المتقدم من حقه، ولم يلحقه عليهما رأفة حين ضعفهما، يماثل بها رأفتهما عليه حين ضعفه، فقد فاتته ثلاث درجات، فكان قول الرسول ﷺ رغم أنفه ثلاث مرات كل واحدة منهن في جواب إخلاله بحال توجب عليه برهما؛ الأول: وصية الله إياه في الإحسان إليهما، والثانية: مكافأتهما في إحسانهما إليه، والثالثة: عدم رحمتهما مع الكبر.
- ٢٣٢٧ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق)].
* هذا طرف من حديث بريرة، وسيأتي شرحه في مسند عائشة ﵍.
- ٢٣٢٨ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تزول الروم
стр. 2374
بالأعماق - أو بدابق - فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث، لا يفتنون أبدا، فيفتحون قسطنطينية.
فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح (٣٤/أ) قد خلفكم في أهاليكم فيخرجون، ذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينا هم يعدون للقتال، يسوون صفوفهم، إذا أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته)].
* هذا الحديث يتضمن أمورا غيبية وعد بها النبي ﷺ ، ولا بد من كونها وعد، والإيمان بذلك واجب؛ لأنه خبر صادق.
- ٢٣٢٩ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا).
стр. 2375
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس. وقال: من غشنا فليس منا)].
* الغش ضد النصح، وإظهار ما ليس في الباطن.
* قال الخطابي: ومعنى قوله: (فليس منا): ليس على مسيرتنا ومذهبنا.
* وفي هذا الحديث: أن الإمام أو من استنابه الإمام إذا ارتاب أو شك أن بعض الناس له يد عادية في غض المسلمين أو اهتضام لحقوقهم، كان له أن يسأل في ذلك، وأن يبحث، وإن أدى سؤاله وبحثه أن يتصرف في مال المظنون به الغش من غير إذنه تصرفا يتوصل به إلى كشف الغش والغل من غير إضرار، (٣٤/ب) جاز له.
ألا ترى إلى غمس رسول الله ﷺ يده في طعام هذا الغاش من غير إذنه، حتى نالت البلل، وعلى هذا فإن رسول الله ﷺ قال له بعد ذلك: (من غشنا فليس منا) يعني (بمن) ها هنا أنه ليس من خاصتنا ونفوسنا؛ إذ ليس مجرد أن الغش مما يخرج به صاحبه عن الإسلام.
* وقد ينصرف هذا النطق على أن من غش كل المسلمين فليس من المسلمين، إلا أن قول النبي ﷺ هذا تحذير من جزء الغش وجملته.
стр. 2376
- ٢٣٣٠ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟) قالوا: لا. قال: (فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟) قالوا: لا. قال: (فو الذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما).
قال: (فيلقى العبد فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع. فيقول: بلى. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.
ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.
ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك ورسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إذ، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا (٣٥/أ) الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي؛ فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، ذلك ليعذر من نفسه. وذلك
стр. 2377
المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه)].
* قد سبق شرح قوله: (لترون ربكم).
* وفيه من الفقه: أن عدل الله وإعذاره إلى عباده بلغ إلى أن يقول ﷻ للواحد من خلقه يا فل! يعني يا فلان باسمه، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل؟ فيعترف بذلك كله اعترافا لا يمكنه غيره؛ لأن أحوال هذه الأشياء كلها شاهدة عليه.
* وترتع: (بالتاء) أي: تنبسط فيما شئت، وتربع (بالباء) أي: تأخذ المرباع، والمرباع ما كان يأخذه الرئيس من الغنيمة، وترأس: أي تكون رئيسا، فإذا حمل هذا الشخص إلى النار كان حمله من جملة كرامات الإيمان في الدنيا؛ لأنه لو كان يتناول العفو من لم يؤمن بالله لكان ذلك مسويا بين الإيمان والكفر تعالى الله عن ذلك، فإذا أقر هذا الكافر على نفسه أنه لم يكن مؤمنا بالله ولا استدل شيء من هذه النعم التي أنعم بها عليه يوما من الدهر على حاله كان ذلك إيضاحا كافيا عند الخلائق، ثم يحمل إلى النار بعدل الله وحقه.
وكذلك الآخر، ثم يجاء بعدهما بالمنافق، وهو الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر، فيقرره الله بنعمه، فلا يمكنه جحدها ثم يسأله عن الإيمان به، فيدعي على الله ما لم يكن، فلذلك يقول : ها هنا إذن؟ فيجوز أن يكون المعنى ها هنا أيضا أي: إنك قد بهت المخلوقين، ثم تعدى ذلك بك إلى أن بهت
стр. 2378
ربك وتجاحده (٣٥/ب)، وأنت تراه وذلك لا ينفع، وهذا تأويل قوله: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾ أي: إن فيهم من الجرأة والقحة بين يديه، والجهل به، أنه لا يعلم البواطن، حتى يحلفون أنهم مؤمنون، وهم على كفرهم.
* ويجوز أن يكون المعنى: إيمانك ها هنا إذن لا ينفعك، فيكون لا ينفعك محذوفا من قوله: إذن ثم يختم الله على لسانه، وتنطق جوارحه بشهادة قد علمها الله قبل نطق الجوارح بها، وإنما يوضح الله بذلك للأنبياء والمرسلين والصالحين من عباده من شاهدي الموقف يوم القيامة عدله وجور عبده.
* وقوله: (وذلك الذي يسخط الله عليه) يعني أنه لم يكف المنافق أنه أسر الكفر في الدنيا، حتى أضاف إليه البهت والجحد في الموقف، ولذلك قال: فذلك الذي يسخط الله عليه.
- ٢٣٣١ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)].
стр. 2379
* قد تقدم ذكر فضيلة الأنصار ولزوم محبتهم في مسند أنس وغيره، وقد ذكر ذلك أيضا في شعب الإيمان.
- ٢٣٣٢ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة)].
* هذا الحديث يدل على فضيلة سورة البقرة، وتقديمها على غيرها، وإنها لكذلك؛ فإنها جمعت من أحكام الشرع ما لم تجمعه سورة في القرآن.
* وهي مشتملة على صفات المؤمنين، وصفات المنافقين، وشرح قصص بني إسرائيل، والزجر عن السحر والربا (٣٦/أ)، وذكر القبلة والصلاة والصوم والحج والعمرة والطلاق والعدد والديون والشروط والرهن والقصاص، وغير ذلك من الأحكام.
стр. 2380
- ٢٣٣٣ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أبي هريرة، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمرابنة)].
* قد سبق شرح هذا الحديث في مسانيد جماعة قد تقدمت.
- ٢٣٣٤ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه) قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، قال فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فأعطاه إياها، وقال: (إمش، ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك)، قال: فسار علي شيئا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)].
стр. 2381
* هذا الحديث مذكور في مسند سهل بن سعد، وأشير إليه ها هنا فأقول: إنما صرخ بما أراد استفسار رسول الله ﷺ ، لا يلتفت إلى النبي ﷺ ، فيكون مخالفا لأمره في قوله: (لا تلتفت)؛ ولأن المندوب إلى الشدائد إذا طول وكرر الاستفسار أشعر القول بذلك عن نوع من الجبن وإيثار لتأخير يولجه في الشديدة.
- ٢٣٣٥ -
الحديث التاسع والسبعون:
(٣٦/ب) [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمنين من أمته إذا ذكر لهم عنه ﷺ ما كان من مقاماته ومواطن الحروب التي اشتدت، وضيق العيش الذي أصابه ﷺ ، وغير ذلك، مما يود كل مؤمن أنه لو كان قد رآه ففاز بالنصر له في الحرب، والمواساة في الشدة، أو السؤال له عما يختلج في صدره من المسائل، أو التعلم منه، أو التبرك برؤيته، إلى غير ذلك، مما فاز به أصحابه دون غيرهم؛ فكل
стр. 2382
واحد من المؤمنين يود لو رآه، فلا يبقى له أهل ولا مال، فيؤثر رؤيته على ذلك لقوة إيمانه.
- ٢٣٣٦ -
الحديث الثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الجدب يسمى في لغة العرب السنة، وليس ذلك بألا يقع المطر بل أن يعدم النبات، وذلك أن المطر إذا وقع فإنه يحتمل ما يكون من بوادر أذاه لما يرجى من عموم نفعه في الإنبات، فإذا كان غير منبت انضم إلى أذاه الأول أذى ثان.
- ٢٣٣٧ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)].
стр. 2383
* (٣٧/أ) في هذا الحديث كراهية الجلوس على القبر، وذلك لأنه ينبغي للمسلم إذا رأى قبرا أن يتعظ به، وينزجر برؤيته.
فأما أن يتخذه موطنا لجلوسه أو لراحته، فإنه بخلاف ما وضع له، ويعني بذكر الجمرة أنها لو أحرقت ثوب هذا الرجل، وخصلت على جلده، فأحس بوقعها نفر أن يجلس عليها، وأن جلوسه على القبر لا يخلص إليه فيه ألم يحس به ويزعجه عن مقره ذلك؛ بل هو ألم معقول يكسبه عند الله مذمة وسوء حالة، فكانت الجمرة أهون من هذا.
- ٢٣٣٨ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطرق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل).
وفي حديث جرير: (وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا السير)].
* في هذا الحديث من الفقه: تعليم المسافر أن يسافر حين تنوير الأرض، وكثرة المرعى؛ فإنه يستحب له ألا يغذ السير على الظهر؛ ليكون لسيره ذلك بين قطع الأرض برفق، وبين إصابة الظهر من الكلأ. وإذا سافر في السنة يعني الجدب، فإنه يغد السير ليقطع الأرض المجدبة مغتنما بقاء ما في طهره من
стр. 2384
النقي، وهو الشحم، وقد عبروا بالنقي عن مخ العظام قبل أن يعطب ظهره في أرض جدبة ليس فيها تخلف على ظهره ما أفناه السير منه.
* وقوله: (إذا عرستم) أي: نزلتم في آخر الليل وذلك هو التعريس (٣٧/ب) فاجتنبوا الطرق، يعني الجواد لأنها يستلينها الدبيب، فيسعى فيها، فإذا وقع في الجادة مسافر كان معترضا لنهش الهوام التي تسعى في تلك الجواد.
- ٢٣٣٩ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس).
وفي رواية: (الجرس مزامير الشيطان)].
* في هذا الحديث من الفقه: كراهية الجرس في الرفقة، وذلك فيما أرى أنه منذر بالسيارة في طرقها من يريد بها الأذى من لص أو أذى غارة أو محارب أو غير ذلك، ولأن العادة أن الأجراس لا تجعل إلا في الإبل، والإيل والبغال دون الخيل، فإذا سمع اللصوص صوت الأجراس، تيقنوا أن السالكين ليسوا
стр. 2385
على خيل فكان ذلك معرضا لاستضعافهم، ولو لم يكن الجرس كان لتجويز أن يكونوا فرسانا يبعد من الإقدام عليهم. فأما الكلب فإنه إنما يصحب في الأكثر الرعاء وبعض السيارة؛ فإذا دل عليهم بالنباح كان على نحو الجرس.
* وقوله: (الجرس مزامير الشيطان) أي إنه يسمعها اللصوص وأهل الفساد فيتسلطون على السيارة.
* فأما قول النبي ﷺ : (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) فالذي أراه فيها أنه من الأصخاب، وذلك أنه من سمع نهي رسول الله ﷺ عن تعليق الجرس واستصحاب الكلب الذين يشعران بضعف السائرين، فإنه يكون بمخالفته رسول الله صلى الله (٣٨/أ) عليه وسلم في نصحه، قد تعرض لأن لا تصحبه الملائكة الذين يصحبون في الطرق بالعون والسلامة، ويكون هؤلاء خارجين عن الكتبة.
وهذا النطق يدل على أن من امتثل وصايا رسول الله ﷺ في سفره؛ فإن الله يصحبه ملائكة يدافعون عنه الأذى، ويؤنسون وحشته، ويكثرون وحدته.
- ٢٣٤٠ -
الحديث الرابع والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)].
следующие страницы →