Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
* هذا الحديث مذكور في مسند سهل بن سعد، وأشير إليه ها هنا فأقول: إنما صرخ بما أراد استفسار رسول الله ﷺ ، لا يلتفت إلى النبي ﷺ ، فيكون مخالفا لأمره في قوله: (لا تلتفت)؛ ولأن المندوب إلى الشدائد إذا طول وكرر الاستفسار أشعر القول بذلك عن نوع من الجبن وإيثار لتأخير يولجه في الشديدة.
- ٢٣٣٥ -
الحديث التاسع والسبعون:
(٣٦/ب) [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمنين من أمته إذا ذكر لهم عنه ﷺ ما كان من مقاماته ومواطن الحروب التي اشتدت، وضيق العيش الذي أصابه ﷺ ، وغير ذلك، مما يود كل مؤمن أنه لو كان قد رآه ففاز بالنصر له في الحرب، والمواساة في الشدة، أو السؤال له عما يختلج في صدره من المسائل، أو التعلم منه، أو التبرك برؤيته، إلى غير ذلك، مما فاز به أصحابه دون غيرهم؛ فكل
стр. 2382
واحد من المؤمنين يود لو رآه، فلا يبقى له أهل ولا مال، فيؤثر رؤيته على ذلك لقوة إيمانه.
- ٢٣٣٦ -
الحديث الثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الجدب يسمى في لغة العرب السنة، وليس ذلك بألا يقع المطر بل أن يعدم النبات، وذلك أن المطر إذا وقع فإنه يحتمل ما يكون من بوادر أذاه لما يرجى من عموم نفعه في الإنبات، فإذا كان غير منبت انضم إلى أذاه الأول أذى ثان.
- ٢٣٣٧ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)].
стр. 2383
* (٣٧/أ) في هذا الحديث كراهية الجلوس على القبر، وذلك لأنه ينبغي للمسلم إذا رأى قبرا أن يتعظ به، وينزجر برؤيته.
فأما أن يتخذه موطنا لجلوسه أو لراحته، فإنه بخلاف ما وضع له، ويعني بذكر الجمرة أنها لو أحرقت ثوب هذا الرجل، وخصلت على جلده، فأحس بوقعها نفر أن يجلس عليها، وأن جلوسه على القبر لا يخلص إليه فيه ألم يحس به ويزعجه عن مقره ذلك؛ بل هو ألم معقول يكسبه عند الله مذمة وسوء حالة، فكانت الجمرة أهون من هذا.
- ٢٣٣٨ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطرق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل).
وفي حديث جرير: (وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا السير)].
* في هذا الحديث من الفقه: تعليم المسافر أن يسافر حين تنوير الأرض، وكثرة المرعى؛ فإنه يستحب له ألا يغذ السير على الظهر؛ ليكون لسيره ذلك بين قطع الأرض برفق، وبين إصابة الظهر من الكلأ. وإذا سافر في السنة يعني الجدب، فإنه يغد السير ليقطع الأرض المجدبة مغتنما بقاء ما في طهره من
стр. 2384
النقي، وهو الشحم، وقد عبروا بالنقي عن مخ العظام قبل أن يعطب ظهره في أرض جدبة ليس فيها تخلف على ظهره ما أفناه السير منه.
* وقوله: (إذا عرستم) أي: نزلتم في آخر الليل وذلك هو التعريس (٣٧/ب) فاجتنبوا الطرق، يعني الجواد لأنها يستلينها الدبيب، فيسعى فيها، فإذا وقع في الجادة مسافر كان معترضا لنهش الهوام التي تسعى في تلك الجواد.
- ٢٣٣٩ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس).
وفي رواية: (الجرس مزامير الشيطان)].
* في هذا الحديث من الفقه: كراهية الجرس في الرفقة، وذلك فيما أرى أنه منذر بالسيارة في طرقها من يريد بها الأذى من لص أو أذى غارة أو محارب أو غير ذلك، ولأن العادة أن الأجراس لا تجعل إلا في الإبل، والإيل والبغال دون الخيل، فإذا سمع اللصوص صوت الأجراس، تيقنوا أن السالكين ليسوا
стр. 2385
على خيل فكان ذلك معرضا لاستضعافهم، ولو لم يكن الجرس كان لتجويز أن يكونوا فرسانا يبعد من الإقدام عليهم. فأما الكلب فإنه إنما يصحب في الأكثر الرعاء وبعض السيارة؛ فإذا دل عليهم بالنباح كان على نحو الجرس.
* وقوله: (الجرس مزامير الشيطان) أي إنه يسمعها اللصوص وأهل الفساد فيتسلطون على السيارة.
* فأما قول النبي ﷺ : (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) فالذي أراه فيها أنه من الأصخاب، وذلك أنه من سمع نهي رسول الله ﷺ عن تعليق الجرس واستصحاب الكلب الذين يشعران بضعف السائرين، فإنه يكون بمخالفته رسول الله صلى الله (٣٨/أ) عليه وسلم في نصحه، قد تعرض لأن لا تصحبه الملائكة الذين يصحبون في الطرق بالعون والسلامة، ويكون هؤلاء خارجين عن الكتبة.
وهذا النطق يدل على أن من امتثل وصايا رسول الله ﷺ في سفره؛ فإن الله يصحبه ملائكة يدافعون عنه الأذى، ويؤنسون وحشته، ويكثرون وحدته.
- ٢٣٤٠ -
الحديث الرابع والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)].
стр. 2386
* في هذا الحديث من الفقه أن المسلم إنما يبدأ المسلم بالسلام إشعارا أنه في أمن منه.
* فأما الكافر وإنه إذا كان في ذمة منه، فقد سبق له منها ما سبق على شروط يحمل عليها يقتضى منه مثلما يقتضى له، فلا ينبغي أن يحدد له ما يجعله في أمر مجدد من غير اشتراط، ولأن البداية للكافر بالسلام مع كونه في ذمة نوع امتناع في استجلاب ود ممن هو بغيض إلى الله والى رسوله، فلذلك لم يجز.
* وأما اضطرارهم إلى أضيق الطرق؛ فإني لا أراه إلا غير مقصور على طرق السعي بالإقدام؛ بل في كل الطرق بمقتضى ما شورطوا عليه؛ ليكون ذلك دائم الإشعار لهم بالصغار، وأنهم عند المؤمن في مقام العداوة والبغضاء لكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله ﷺ ، فيكون ذلك في طرق السعي بالأقدام وغيرها، كما يقول الرجل للرجل إياك تسلك بي (٣٨/ب) في طرق ضيقة من قول أو غيره.
- ٢٣٤١ -
الحديث الخامس والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. والأرواح جنود
стр. 2387
مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)].
* أما قوله: (الناس معادن) فقد مضى في هذا المسند وفي غيره.
* وأما قوله: (الأرواح جنود مجندة) فالمعنى أنها جنود الله مجندة في أرضه فتعين الروح منها بالروح، (فما تعارف منها) يعني بتلك المعرفة أن تكون المعرفة متقابلة من روحين لأن تعارف في معنى تفاعل، والغالب في هذا أن يكون بين اثنين، ويعني ﷺ بتعارف الروحين أنه يقع التعارف بشيء من الأشياء أو قسم من أقسام المعرفة، فذلك التعارف داعية للتآلف؛ لأنه يكون ذلك الشيء المعروف جامعا لما بين الروحين فيأتلفان فيه، كما أنه لو عرف هذا الروح شيئا فأنكره هذه الروح فإنهما يفترقان في ذلك، فمن كان عارفا بالله وقع له الائتلاف مع كل عارف بالله، ومن كان منكرا للحق وقع بينه الافتراق وبين كل عالم بالحق، ووقع بينه الاتفاق وبين كل منكر للحق، فعلى هذا يكون تآلف غير المؤمنين بالسبب الجامع بينهم في الكفر، وتناكر هؤلاء وهؤلاء مع هؤلاء لما ذكرناه.
- ٢٣٤٢ -
الحديث السادس والثمانون:
(٣٩/أ) [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قام أحدكم).
стр. 2388
وفي رواية: (قام من مجلسه؛ ثم رجع إليه، فهو أحق به)].
* هذا الحديث يدل على احترام المؤمن وإن مكانه قد تلبس لحرمة جلوسه فيه، فكان أحق به، فإذا قام ثم عاد كان أحق بمكانه الذي سبق اختياره له، وتوطيده إياه، وهذا يفهم منه أنه محمول على من قام من مجلسه ففهم الباقون أنه عائد إليه، فيكون في جلوس غيره في مجلسه إشارة إلى أنه قد كان متطلعا إلى مكانه، وقد استراح إلى قيامه فأخذ مكانه.
* والذي أرى في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ ذكره موقظا به فظن الإخوان للتنبيه إلى مراعاة حسن الآداب في الصحبة، ومجانبة كل ما يكلف وجوه الصفا بينهم حتى في هذا.
- ٢٣٤٣ -
الحديث السابع والثمانون:
[عن أبي هريرة، أن عمر بن الخطاب جاء إلى رسول الله ﷺ ، وعنده نسوة قد رفعن أصواتهن على رسول الله ﷺ ، فلما استأذن عمر ابتدرن الحجاب - ثم ذكر نحو حديث قبله فيه - فأذن له رسول الله ﷺ ، يعني فدخل ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر ﵁: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب) قال عمر ﵁: فأنت يا رسول الله أحق أن
стр. 2389
يهبن، ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن؛ أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ قلن: نعم، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ (٣٩/ب): (والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط ساكنا فجا إلا سلك فجا غير فجك)].
* هذا الحديث قد تقدم هو وتفسيره في مسند سعد بن أبي وقاص، إلا أنا نشير في هذا المكان إليه، فنقول: إن رسول الله ﷺ أعلم عمر بما كان من مبادرة النسوة إلى الحجاب عند معرفتهن بإتيان عمر ﵁ واستئذانه، ولو يعلم رسول الله ﷺ عمر ﵁ لم يكن عنده من ذلك علم، فلا أرى إعلام رسول الله ﷺ عمر ﵁ إلا ليسر قلبه بأنه من صالحي المؤمنين؛ الذين وعد الله ورسوله ﷺ أنه هو وليه وجبريل وصالح المؤمنين في حالة كانت أيضا من أمر النساء، فسر رسول الله ﷺ كيف كانت تلك الحالة موضحة لكلام الله في ذلك.
* فأما قوله: (والذي نفسي بيده) إلى آخر الكلام، فإنه يدل على أنه ﷺ أخبر عمر ﵁ أن مقامه وهيبته زادت عن أن يثبت له الشيطان في درب أو طريق أو فلاة حتى قال فجا، والفج قد يتسع إلى القطر من الأرض، وكان من حماية الله لعمر ﵁ أنه إذا سلك فجا هرب الشيطان من ذلك الفج إلى فج غيره، حتى إنه إن كان في فج شرقي هرب الشيطان إلى فج
стр. 2390
غربي، أو كان في فج جنوبي أجفل الشيطان إلى فج شمالي وعلى ذلك.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا: تعين طلب العلم على النساء، حتى إذا لم يكن في أزواجهن من العلم ما يكتفين به وقصدن العالم وسألنه؛ فإن هذا الحديث لم يصرح فيه أن النساء اللواتي كن عند (٤٠/أ) النبي ﷺ أزواجا، بل قال: نسوة. نكرة.
* وفيه أيضا: أنهن راجعن رسول الله ﷺ ، حتى ارتفعت أصواتهن عليه، وأنه لما دخل عمر ﵁ ابتدرن الحجاب، فضحك رسول الله ﷺ ، وضحكه يدل على أنه لم يكن ذلك القول في سؤال بفقه ولا ما يجلب مغيظة، بل قد كان في حالة مباثة لرسول الله ﷺ من مسائل النسوان الفقهية التي لا يسأل عنها العالم إلا في خلوة.
* وفيه أيضا: أن سؤال المرأة عن أمر دينها واجب عليها، وإذا لم تصل إلى معرفته إلا بأن تسعى إلى العالم وجب عليها ذلك، إذا حضرت عند العالم فلا يخلون بها من غير امرأة أخرى تكون ذات محرم أو يكلمها في السوق أو في المسجد أو نحوه بحيث لا تتطرق الريبة.
وهذا فعلى ما ذكرنا منه، وأنه لا ينبغي أن يصل الأمر فيه إلى أن يفعله كثير من الجهال حتى تقول المرأة للرجل الذي هو غير ذي محرم منها: إني أواخيك، أو يقول الرجل للمرأة الأجنبية مثل ذلك؛ فلا يحل لرجل مسلم أن يخلو بامرأة غير ذات محرم منه.
стр. 2391
- ٢٣٤٤ -
الحديث الثامن والثمانون:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: (من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا).
وفي رواية: (إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا).
وفي رواية: (فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت)].
* قد سبق في المتفق عليه (٤٠/ب) من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين.
* قال الترمذي: وبحديث ابن عمر يقول الشافعي وأحمد ﵄. وقال إسحاق: إن صلى بعد الجمعة في المسجد صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين.
* قال الأثرم: الوجه في هذه الأحاديث أن الكل جائز، وهو الذي أراه.
стр. 2392
- ٢٣٤٥ -
الحديث التاسع والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية، فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا لحسنة، لدون الثانية).
وفي رواية: (من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك).
زاد بعض الرواة أنه قال: (في أول ضربة سبعين)].
* قد ذكرنا في مسند سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ، وذكرنا ذلك في مسند ابن مسعود، وإنما أزاد الأجر على قدر قوة القلب في قتل الوزغ، فإذا ضعف القلب تردد الضارب بين جبن وخور فاحتاج إلى ضربة ثانية وثالثة، وذلك أن الوزغ من ذوات السموم، وقد عده الأطباء فيما يؤذي أو يقتل نهشته.
стр. 2393
- ٢٣٤٦ -
الحديث التسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)].
* (٤١/أ) في هذا الحديث من الفقه: أن جزاء الولد للوالد بقدر استحقاقه غير متصور. لما سبق من شرحنا هذا المعنى فيما تقدم، وإنما صور النبي ﷺ صورة نادرة الوقوع، وهي أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه، ليدل على غزارة فضل الوالدين، على أنه اشتراه عتق من غير أن يعتقه.
- ٢٣٤٧ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم) شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه)].
* في هذا الحديث: إنذار رسول الله ﷺ بمنع البلاد الحقوق المضروبة عليها
стр. 2394
عصيانا. وقد ذكر أن هذا قد كان، ثم إن الله تدارك رفعه.
* وقد سبق هذا الحديث في الحديث السابع والثمانين من إفراد البخاري من هذا المسند، وقد دل هذا الحديث على أن الخراج في العراق قفيز ودرهم، وقد عين الفقهاء القفيز: ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، وهذه المقادير المضروبة كلها حقوق لبيت المال في الأرضين.
والمدي: مكيال لأهل الشام، يقال: إنه يسع خمسة عشر مكوكا.
والأردب: مكيال أهل مصر، يقال: إنه يسع أربعة وعشرين صاعا.
- ٢٣٤٨ -
الحديث الثاني والتسعون:
(٤١/ب) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تبلغ المساكن إهاب أو يهاب).
قال زهير: قلت لسهيل: وكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا)].
* في هذا الحديث ما يدل على صدق رسول الله ﷺ ؛ لأنه أشار إلى اتساع المدينة وكثرة أبنيتها وكذلك كان، فإنها بلغت مساكنها الموضع الذي ذكره رسول الله ﷺ .
стр. 2395
- ٢٣٤٩ -
الحديث الثالث والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه، والله الميسر.
- ٢٣٥٠ -
الحديث الرابع والتسعون:
[عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (من أخذ شبرا من الأرض طوقه إلى سبع أرضين)].
* قد تقدم هذا الحديث في مسند سعيد بن زيد.
стр. 2396
- ٢٣٥١ -
الحديث الخامس والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئان وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله ﷺ قد بين ما يرضى الله لعبده وما يكرهه منه (٤٢/أ)، فبدأ بالمرضيات فجعل أولها: عبادة الله ، ثم أتبع ذلك بتوحيده وأن لا يشرك به، ثم عقب ذلك بالاعتصام بحبل الله، وهو اجتماع كلمة المسلمين على إمامهم، وألا يتفرقوا عنه.
* وبين ما يكرهه: وهو قيل وقال، ثم أعقبها بكثرة السؤال فيجوز أن يكون سؤال الناس ما في أيديهم، ويجوز أن يكون السؤال عما لا يعني إلا أنه كره من ذلك الكثرة. فأما سؤال المضطر بقدر الحاجة فهو جائز، وكذلك السؤال عما يعني فإنه متعين.
стр. 2397
* فأما إضاعة المال فإنه مكروه، وإنما يتحقق في صورة هي أن يبذل المال فيما لا يكسب أجرا في الآخرة، ولا حمدا في الدنيا، فذلك التبذير، إلا أن كسب الحمد إذا كان لا للاقتداء ولا لمجرد الإيمان، بل لمجرد حب المدح، فإني لا أرى المال فيه إلا ضائعا.
* فأما قوله ﷺ : (يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله ولا تتفرقوا) فإن هذه الثلاث المرضيات: كل منها عظيم؛ لأن حبل الله هو الخلافة - كما قدمنا - فإنها تجمع كلمة المسلمين، وتأتلف ذات بينهم، فلما ضم ذلك إلى عبادة الله وألا يشرك به في جملة القسم الذي يرضاه لعباده، استدللنا بذلك على عظيم شأن الاعتصام بحبل الله.
* وكذلك لما ذكر المكروهات، بدأ يقيل وقال، أما (قيل): فإنه قد تحيل الناطق فيه على قائل غير مسمى، وأما (قال): فإن الناطق يحيل فيه على ناطق مسمى، وقد (٤٢/ب) تكون اللفظتان، وهما (قيل) و (قال) على معنى واحد، وهو كثرة القول من غير تمييز، والرواية عن كل ما حدق، والحكاية لكل من يسمع، وأن يقنع الإنسان من الأعمال بالأقوال.
* وأما كثرة السؤال؛ فإنه قد مضى شرحه، كذلك إضاعة المال إلا أن منه أن يهمل الإنسان خدمة فرسه، والقيام على بعيره وشأنه، وتعليم عبده وأمته وغير ذلك.
стр. 2398
- ٢٣٥٢ -
الحديث السادس والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم؟) قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: (إن شهداء أمتي إذن لقليل) قالوا: فمن هو يا رسول الله؟ قال: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد). قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في الحديث أنه قال: (والغريق شهيد)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند عبادة بن الصامت، وتقدم الكلام عليه.
- ٢٣٥٣ -
الحديث السابع والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا).
стр. 2399
وفي رواية: (يوشك إن طالت بك مدة، أن ترى قوما في (٤٣/أ) أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله ﷺ وعد بأن هذين الصنفين يكونان في أمته، يأتون بعده، فلذلك قال: (لم أرهما) ثم ميز وصف هؤلاء من هؤلاء، فقال: (قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس).
* وإذا كان رسول الله ﷺ قد ذكر أن هذا من وصف أهل النار؛ إذا كان ضربا للناس بالسياط؛ فكيف في ضربهم بالعصي، التي على مثال أعمدة الفساطيط والسيوف، فإنا لله، لكن هذا إنما ينصرف إلى ضرب في باطل ومتابعة الهوى، ولا يتناول هذا الضرب في الحدود ولا في التعزير الشرعي.
* وقوله: (ونساء كاسيات عاريات) يعني به اللواتي يتبوقن في تخفيف
стр. 2400
القمص حتى تتبارين أيتهن أخف ثوبا، حتى إنهن لا يرين الرفيع منه إلا يصف البشرة، فهن الكاسيات العاريات.
* وقوله: (مميلات) يعني أنهن يملن فتنة الناس إليهن ويملن هن إليهم.
* وقوله: (رؤوسهن كأسنمة البخت) يعني أن شعورهن غير مفروقة، لأن الفرق للعرب، ولعلهن يصلن بشعورهن شعورا قد قطعت من رؤوس أخر؛ فتعظم لذلك رؤوسهن.
- ٢٣٥٤ -
الحديث الثامن والتسعون:
[عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة)].
* هذا الحديث (٤٢/ب) قد تقدم في مسند ابن عباس، وفي مسند أنس بن مالك، وفي مسند كعب بن مالك، وقد تكلمنا عليه.
- ٢٣٥٥ -
الحديث التاسع والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجتمعان في النار اجتماعا
стр. 2401
يضر أحدهما الآخر). قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (مؤمن قتل كافرا ثم سدد).
وفي رواية: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمن إذا قتل كافرا في سبيل الله، ولأجل الله؛ فإن الله أكرم من أن يجمع بينه وبين من قتله فيه في دار واحدة، وقد علم سبحانه أنه إنما عاداه لأجله ﷻ ، فلو قد رآه معه في دار الخزي لكان، وإن لم ينطق الكافر بلسانه؛ فإنه حاله كانت تقول: ما الذي قتل به في الخزي، وكلانا في دار الهوان، وقد كنت قتلتني في الله.
* وقوله: (اجتماعا يضر أحدهما الآخر) كذا روي في الحديث، ولعله ينظر أحدهما الآخر؛ فإن كان للمؤمن خطيئته أوجبت له دخول النار بعد ذلك المقام؛ فإنه يكون في مكان لا ينظر إليه الكافر، لئلا يشمت به، ولو حملناه على ما روي كان الضرر أن يشمت به ويعيره ويفسره.
* قوله: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا) فإن كان ولا بد من دخول القاتل النار، كان في مكان لا يراه الكفار، إلا أن هذا الحديث مما يدل على أن المؤمن لا ينبغي له أن يجبن عن قتل الكافر (٤٤/أ) لأن الله سبحانه قال: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ وتنبيها بذلك أن قتل المؤمن الكافر متقدم على أن يقتل الكافر المؤمن.
стр. 2402
- ٢٣٥٦ -
الحديث المائة:
[عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية، استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت)].
* هذا الحديث يدل على أن رسول الله ﷺ كان يشتغل في الركعة الأولى بالاستفتاح، فأما الثانية فإنه لما لم يكن فيها استفتاح؛ كان يستفتح بالحمد.
- ٢٣٥٧ -
الحديث الأول بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر)].
* قد سبق الكلام في ذم المسألة في مسند الزبير، وفي مسند ابن عمر. وهذا الحديث وارد فيمن سأن وهو غني، فإن الذي يناله جمر كما قال : ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾.
стр. 2403
- ٢٣٥٨ -
الحديث الثاني بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله ﷺ يكره الشكال من الخيل)].
* قال سفيان: والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى، أو يده اليمنى، أو رجله اليسرى.
* قال أبو عبيد: الشكال أن يكون ثلث قوائم من الفرس محجلة، وواحدة مطلقة، أخذ من الشكال الذي تشكل به الخيل.
* والذي أراه أن رسول الله ﷺ لم يكره شيئا من خلقة الله ، ولعله كان يؤثر غير هذه (٤٤/ب) الصفة، فظن أنه كان يكرهها، ولا أراه إلا أن الحافر إذا كان تسور عن قائمة سوداء تسور فإنه أصلب على مصالة الأجسام القوية، وإذا كان الفرس محجل الأربع أو الثلث وهو الذي فيه الشكال، فإن حوافره أو الأكثر منهن بيض في قوائم بيض، فيكون الحافر رخوا، فلا يثبت على مصالة الأجسام الصلبة.
وهذا هو مذكور معروف في صفات الخيل، فإذا أراد رسول الله ﷺ بإيثاره من الخيل ما كان صلب الحافر؛ ليكون اختياره ﷺ أكرم الاختيار، كما أن القنا وهو اعوجاج الأنف، والفطس: وهو انقعاصه مكروهان في صفات
стр. 2404
الخيل؛ لأن العوج في الأنف بالإحديداب أو الانقعاص يطول مسافة مجرى النفس في حالة الجري، غير متمكن القلب من نيل الهواء كل التمكن، فيقصر بمقتضى ذلك.
وكذلك فإنه إذا قصر شعر سيب الفرس أو قل أو شعر أعرافهن كره ذلك في صفات الخيل؛ لأنه يدل على ضعف أعضائها، التي هي ربط مفاصلها عند حركات الجري، وإذا زاد ذلك دل على عرر جوهر العصب، وكما أن ظهور الحجبتين، وهما رأس الوركين، يستحب في الصفات؛ لأنه يدل على طول رجل الفرس، وطول رجل كل عاد معين له في الجري.
وكما احديداب الضلوع يستحب في صفات الخيل؛ لأن ذلك يدل على سعة المحزم، فتكون رئة الفرس عند انتشاقها الهواء إذا كانت في مكان يضيق عنها انبهرت، وإذا كان المكان واسعا تمكنت من استيفاء الهواء، ولذلك إذا كانت الأرساغ قصارا عراضا استحب ذلك؛ لأنه كلما قصر (٤٥/أ) الرسغ وعرض اشتد، وهو حامل الفرس، وحامل ما يحمله الفرس.
وكذلك إذا كان المبسح عاليا صحيحا شديدا استحب ذلك في صفات الخيل؛ لأنه يدل على قوة خرزة الظهر التي يتحمل بها الفرس.
وكذلك إذا عرض المتنن وهو من خرزة الصلب ما بين أواخر الضلوع على كفل الفرس، فإنه يستحب في صفات الخيل جدا، وذلك أنه يدل على قوة خرزة الصلب وعرضها في أحرج ما كانت من الأمكنة إلى العرض فيه.
وكذلك إذا احتد المنكب وبرز الصدر استحب ذلك في الفرس؛ لأنه يدل
стр. 2405
على أن القلب في مكان واسع مع كون مؤخر العضدين يحفظ من المحزم ما يخاف انبهاره.
وكذلك يستحب طول العنق وقصر الظهر في صفات الخيل. فأما طول العنق فليسهل الجري؛ لأن الفرس كالقفان فإذا عظم عنقه حدب باقيه. وأما قصر ظهره فليكون معينا في الجري أيضا، وليكون أشد وأقوى، إلى غير ذلك من صفات الخيل.
فلا أرى أن رسول الله ﷺ لم يؤثر الشكال في الخيل إلا على ما ذكرته، ولأن الشكال أيضا لا يكره أن لو كانت القوائم الأربع بيضاء كما يكره لو أن بعضها بيض وبعضها سود؛ فإن ما ذكرناه فيما تقدم يدل على أن الأرض تأكل من الحافر الأبيض ما لا تأكل من الحافر الأسود؛ فيكون الاختلاف في قوامها معرضا للعثار لأجل الاختلاف.
- ٢٣٥٩ -
الحديث الثالث بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة؛ فإذا هو بأبي بكر (٤٥/ب) وعمر، فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟) قالا: الجوع يا رسول الله، قال: (وأنا، والذي نفسي بيده؛ لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا). فقاموا معه فأتى رجل من الأنصار، فإذا هو ليس في
стр. 2406
بيته، فلما رأته المرأة، قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله ﷺ : (أين فلان؟) قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ : (إياك والحلوب) فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: (والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)].
* في هذا الحديث من الفقه: وجوب السعي إذا اشتدت الضرورة؛ فإن رسول الله ﷺ لما اشتدت ضرورته نهض ساعيا في سدها، ووافق ذلك من نهوض أبي بكر وعمر ﵄ لمثله ما وافق.
* وفيه أيضا: دليل على جواز دخول بيت الصديق من المؤمنين على مثل هذه الحالة، وإن كان غير حاضر.
وفيه أيضا: استحباب مبادرة الضيف بما حضر، وإن كان الضيف كريم القدر، ألا ترى إلى الأنصاري كيف بادر بعذق كان عنده (٤٦/أ) متقادم
стр. 2407
العهد، حتى اجتمع فيه الرطب والتمر والبسر، وضيفه رسول الله ﷺ والصديق والفاروق ﵄.
* وفيه أيضا: جواز أن يمنع صاحب المنزل من ذبح حلوبه، وهي ذات الدر واللبن إذا كانت الضرورة يسدها لبنها فحسب، لقول رسول الله ﷺ : (إياك والحلوب).
* وفيه أيضا: دليل على أن مثل هذا النعمة التي تعقب الله بها تلك الشدة مما يسأل الله تعالى عن شكره لزوال الشدة بهذه المواهبة مع سوق الثواب إلى المؤمن فينفعه الله به، وينفع بهذه الآداب كل من سمعها إلى يوم سمعها إلى يوم القيامة؛ فكانت هذه من النعيم الذي يسأل الله عنه.
* وفيه أيضا: دليل على أن كل نعيم يأتي بعد شدة؛ فإنه يعظم وقعه ومبلغه ومبلغ من الطيب مكانه فيتعين الزيادة في شكر الله عليه يحتسب زيادته في جنسه، ولذلك قال ﷺ : (لتسألن عن هذا النعيم) يعني وجود النعيم على أثر تلك الضرورة.
- ٢٣٦٠ -
الحديث الرابع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في
стр. 2408
هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا)].
* في هذا الحديث يدل على أن الأرض قبل (٤٦/ب) طيها تقيء أفلاض كبدها، أي تخرج الكنوز المدفونة فيها، والفلذ: القطعة من كبد البعير، وذلك ليرى كل من عصى الله في شيء ذلك الشيء مشاهدا بعينه، ولا يصلح له يومئذ؛ ولا يغني عنه نقيرا، فيقول القائل: في هذا قتلت، ويقول السارق: في هذا قطعت يدي، وذلك كالندب على النفس بهذا القول.
* وقوله: (فلا يأخذون منه شيئا) يزيد أنه لا ينفع حينئذ؛ وقد رأوا عاقبة أخذه كيف كانت.
- ٢٣٦١ -
الحديث الخامس بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الفواحش قد تغلظ في صورة معينة؛ كما أن
стр. 2409
الزنا من كل أحد قبيح، ولكنه من الشيخ الذي قد ضعفت قوته وعدمت أو كادت شهوته، أقبح. والكذب من كل أحد قبيح، إلا أنه من الملك الذي لا يخاف إذا صدق ولا يبالي بأحد إذا هو صدع بالحق، أقبح.
وكذلك الكبر من كل أحد قبيح، إلا أنه من العائل، أي: الفقير الذي ليس من أحواله ما يناسب الكبر، أقبح، فكانت هذه المعاصي في حق هؤلاء أغلظ منها في حق غيرهم، لهذه المعاني التي بيناها؛ فلذلك قال ﷺ : (لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم).
- ٢٣٦٢ -
الحديث السادس بعد المائة:
(٤٧/أ) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)].
стр. 2410
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الطيب هو الذي يطيبه الشرع؛ لأكله بالإباحة والحل، وإن كان ليس طيبا في الطعم، فإذا أنفق العبد نفقة طيبة، كانت هي التي تزكو وتثمر، وإذا أنفق نفقة لم يطبها الشرع؛ فإنها إن كانت من عصب فهي على ملك صاحبها، فتصدق الغاصب بها لم يؤجر عليه؛ بل يكون آثما بالتصرف فيها.
* وأما ذكر: (الأشعث الأغبر) فالمراد به من يحج أو يغزو أو يسافر فيما دون ذلك، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، فإنه لا يجبره شعثه وغباره من إثم مطعمه ومشربه، فيرفع يديه فيقول: يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك، أي: كيف يستجاب له، ومتى يستجاب له، والقوة التي مد بها يديه نشأت عن مخالفة وعصيان.
- ٢٣٦٣ -
الحديث السابع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل (٤٧/ب) ذلك، لأطأن رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، وهم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا). قال: فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى (٦) أن رآه استغنى (٧) إن إلى ربك الرجعى (٨)
стр. 2411
أرأيت الذي ينهى (٩) عبدا إذا صلى (١٠) أرأيت إن كان على الهدى (١١) أو أمر بالتقوى (١٢) أرأيت إن كذب وتولى (١٣) ألم يعلم بأن الله يرى (١٤) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (١٥) ناصية كاذبة خاطئة (١٦) فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨) كلا لا تطعه﴾ قال: وأمره بما أمره به)].
* في هذا الحديث ما يدل على آية كاملة لرسول الله ﷺ ، وأن الله حماه من كيد الكفار بما ذكر، مما أراه الله إياه من خنادق النار وأجنحة الملائكة.
* وقوله: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا) مما يشد قلوب المؤمنين، وأن الله أخر ذلك عن الكافر إلى يوم بدر نقلا إلى أيدي المؤمنين ليسلمه الله سبحانه للمؤمنين ليواف قتله يوم بدر، فنزلت فيه هذه الآيات.
* وقوله: (هل يعفر وجهه) أي: يلصقه بالتراب، ويقال للتراب: العفر.
- ٢٣٦٤ -
الحديث الثامن بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (٤٨/أ): (ضرس الكافر - أو
стр. 2412
ناب الكافر - مثل أحد، وغلظ جلده: مسيرة ثلاث)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الله تعالى يعظم جثة الكافر، وبقدر ما يعظم جثته يعظم عذابه، كما أن المؤمن يعظم جثته فيعظم نعيمه ولذته، وذلك لأنه ليس جزء من الأجزاء، إلا وهو يقبل الماء على حدة، فكلما انبسط جلده وجسمه، كان العذاب في كل شيء من ذلك بحسبه فلا يقي جزء عن جزء، ولا يمنع من ألم جزء، وكذلك في النعيم.
- ٢٣٦٥ -
الحديث التاسع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من تطهر في بيته، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود وشرحناه هنالك.
стр. 2413
- ٢٣٦٦ -
الحديث العاشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمه عند الموت: (قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة)، فأبى، فأنزل الله : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ...﴾ الآية.
وفي رواية: أنه قال لعمه: (قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة)، قال: لولا أن تعيرني قريش. يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾].
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يكون إلا ما يريده الله ، فإن (٤٨/ب) النبي ﷺ حرص على إيمان عمه، فلما لم يرد الله ذلك لم يكن.
* وغلط أبو طالب في موضعين عجيبين، أحدهما قوله: (لولا أن تعيرني قريش)، فترك الحق خوفا أن يعير، ثم قال: (لأقررت بها عينك)، فأراد أن يقولها - لو قالها - لأجل رسول الله ﷺ ، لا لأنها عنده حق، فلذلك لم يوفق.
стр. 2414
- ٢٣٦٧ -
الحديث الحادي عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود، وفي مسند ابن عمر، وسبق الكلام عليه.
- ٢٣٦٨ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن (لا إله إلا الله) هي العاصمة للدم في الدنيا لك من قالها، فإذا قالها القادم على الآخرة رجاء أن تكون عاصمة له من عذاب الآخرة، كما كانت عاصمة من عذاب الدنيا؛ ولأن تكون آخر كلمة يقولها في الدنيا.
* وفي الفقه: أنه لو قد بهت الإنسان عند الموت أو شده عن قول: (لا إله إلا الله) حتى لقنه ملقن فقالها، كتبت له كما لو قالها من غير تلقين.
стр. 2415
- ٢٣٦٩ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: (يا عائشة، ناوليني الثوب)، فقالت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك)].
* في هذا الحديث ما يتضمن مخالفة اليهود في اجتنابهم (٤٩/أ) الحائض على كل حال، فبين ﷺ أنه إنما تجتنب من الحائض مكان الحيض لموضع النجاسة فحسب.
- ٢٣٧٠ -
الحديث الرابع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: (﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾)].
* قد سبق الكلام في فضيلة السورتين، وسبب تفضيلهما: ما اشتملتا عليه من نفي الأنداد وإثبات التوحيد.
стр. 2416
- ٢٣٧١ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: (أقرأ عليكم ثلث القرآن)؟ فقرأ: ﴿قل هو الله أحد (١) الله الصمد﴾، حتى ختمها.
وفي رواية: قال: (احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن)، فحشد من حشد، ثم خرج إلينا رسول الله ﷺ فقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾، هم دخل، فقال بعضنا البعض: إني أرى هذا خبر جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله، ثم خرج نبي الله فقال: (إني قلت: سأقرأ ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن)].
* قد سبق شرح هذا في مسند أبي الدرداء، وبين كيفية كونها ثلث القرآن.
стр. 2417
- ٢٣٧٢ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)].
* في هذا الحديث: النهي عن الاستغفار للمشركين، وقد دلت عليه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ما كان للنب والذين (٤٩/ب) آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾. فأما زيارة القبر فإنها عظة وتذكرة.
- ٢٣٧٣ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصبح منكم اليوم صائما؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: (فمن تبع اليوم منكم جنازة؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: (فمن أطعم اليوم منكم مسكينا؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: (فمن عاد منكم اليوم مريضا؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال رسول الله ﷺ : (ما اجتمعن
стр. 2418
في امرئ، إلا دخل الجنة» ].
في هذا الحديث ما يدل على أن خصال الخير إذا اجتمعت زاد وقعها، وعظم مكانها، فإن العبد إذا وفقه الله تعالى في يوم من عمره، فما زاد بأن يكون صائما لله ، فيمد الله تعالى بسره في الامتناع عن الطعام والشراب لأجله، ثم انضم إلى ذلك أن يقوم بفرض عن المسلمين كلهم في اتباع جنازة مسلم، فيواري سوءة أخيه، ويكون شافعا إلى ربه فيه وواضعا عن المسلمين بذلك فرضا كانوا يأثمون كلهم لو تركوه .
ثم وفق لأن يضم إلى ذلك أن يطعم مسكينا عاجزا عن إطعام نفسه ؛ فيُرفده من قوته وكده، وهو لا يرجو أن يقابله على ذلك.
ثم يضيف إلى ذلك أن يعود مريضا، فيجبر قلب أخيه في مرضه ، ويتعهد بذلك خبره، ويتفقد حاله بلقائه ، فإن هذه الأشياء إذا اجتمعت في شخص واحد دخل الجنة ، وهذه الخصال اجتمعت لأبي بكر ﵁ في يوم واحد (٥٠/أ).
غير أن الحديث لم يعلق دخول الجنة على اشتراط اجتماعهن في يوم واحد، فلا يبعد أن يتناول ذلك اجتماعهن في العمر لا في اليوم، فإن فضل الله واسعٌ، إلا أن لاجتماعهن في اليوم الواحد زيادة فضل، ولذلك خصَّ باجتماعهن أبو بكر ﵁ .
.
.
.
.
.
. -
- - .
. .
..
стр. 2419
- ٢٣٧٤ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ ، أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنه)].
* الشفق: النصف، والجفنة: جفنة الطعام، شبه القمر فيما بعد العشرين بشق الجفنة، وقيل: أراد به ليلة سبع وعشرين.
- ٢٣٧٥ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : (أنظرت إليها؟) قال: لا. قال: (فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئا).
وفي رواية: (أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : (هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا)، قال: قد نظرت إليها. قال: (على كم تزوجتها؟) قال: على أربع أواق. فقال له النبي ﷺ : (إلى أربع أواق؟، كأنما تنحتون من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه)،
стр. 2420
قال فبعث بعثا إلى بني عبس، فبعث ذلك الرجل فيهم].
* في هذا الحديث من الفقه: أن النصح لكل مسلم متعين، ومن ذلك (٥٠/ب) أن يرشد المسلم المسلم إلى ما يأمن معه الندم، لقول رسول الله ﷺ : (أنظرت إليها؟) فلما قال: لا، قال: (انظر إليها).
* وفيه: أن المسلم إذا علم في زوجة ليزوجها رجل مسلمن أو مبيع يشتريه، أو معامل يعامله، ما لو علمه المتزوج أو المبتاع لم يفعل، وجب عليه أن يطلعه على ذلك ويعرفه إياه.
وكذلك إن كان قد يكون فيه ذلك الشيء وقد لا يكون فيه، إلا أنه قد يكون فيه غالبا، ألا ترى إلى قوله ﷺ : (فإن في أعين الأنصار شيئا)، وهذا يدل على أنه لم يتيقن ذلك الشيء في جميع الأشخاص ولكن أراد الغالب، وكذلك في المبيع وغيره.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن السنة أن ينظر الرجل إلى الزوجة قبل عقد النكاح.
* وفيه أيضا من الفقه: استحباب تخفيف الصداق، لقوله: (كأنما تنحتون من عرض هذا الجبل) أي من جانبه، إلا أن هذا كما قال الله : ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.
следующие страницы →