← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

فالخصومة بينه وبين من كذب عليه. ثم قلت أنا للوزير: هيه وما قلت أنت؟ قال: أنا أصلي على النبي ﷺ على التوقيعات إذا جاءت إلي بخطي، ثم لم يفعل ذلك، ولا وفى بما استقر بيني وبينه، فكتبت إلى الخليفة ﵁ ما حكيت له فيه ما قالوه عني، وأبطلت ما ذكروه، بأن قلت: أما ما قاله هذا من أنه إذا كتب رجل بسم الله الرحمن الرحيم في رقعة ثم لم يصل على النبي ﷺ ؛ فيها؛ فإنه يجب عليه قطع يده، فقد أبطل في هذا؛ لأنه لا يجب في ذلك قطع اليد. فأما قوله: إن في ظهور الرقاع، فإنه لا يصلي فيها على النبي ﷺ ، فإنه شده أو ذهل عن الواجب، فإن ديوانكم قد كان أكثر كتابه نصارى، وعادتهم أنهم كانوا إذا كتبوا عن نفوسهم لم يصلوا على النبي ﷺ ، وإذا كتبوا عنا كتابا صلوا فيه على النبي ﷺ . قلت له: فإذا كتبوا عنك ولم يصلوا ظن أن ذلك الكتاب عنهم لا عنك، ثم هذا النزاع فيما ذهب أنه لا يجب ذلك، أيختلف المسلمون أنه الفاعل هذا ثوابا، ثم قدر أن ذلك قد استمر فأحيا هذه السنة فضيلة خبأها الله لك، فكتب إلسي (٦٣/أ) ﵁ عما صنعته: قد ذكروا انك لا تعرف العوائد، وحيث جرى لي هذا حديثا فلا بد من الصلاة على النبي ﷺ ، فكنت بالمخزن لا أمكن أن تكتب رقعة وإن كانت على ظهر حتى يصلي فيها على النبي ﷺ . فأما في ديوان الزمام فلج ذلك المسكين، واستمر على ترك الصلاة على النبي ﷺ ، وضعف ذلك الوزير، وذهب الأيام حتى إنني كنت ليلة في دار

стр. 2452

أحمد بن محمد المعروف بالجويزي، وكان عندنا أستاذ الدار ابن رئيس الرؤساء وكنا جلوسا، فحضر عند أستاذ الدار من قال له: قد حضر عندك صاحب الديوان، يعني ابن مهدوية الخصم في المسألة، فقام إليه فكتبت بكرة إلى الخليقة أعلمه أنني كنت في دار فلان ومعنا فلان فأتاه آت فقال: قد حضر فلان فقام ولا أعلم أني كتبت قبل ذلك قط مثل ذلك إليه ولا أعلم أني الآن ماذا أردت بذلك، لكن الله جعله سببا لإعلامي بما قدره في ذلك الإنسان. فوقع الخليفة ﵁ جواب ذلك التوقيع من يومه، أما ابن المهدوية الفاعل الصانع ويرب عليه ثم قال: قد تقدم بعزله، وكان عزله مطويا فلم يعلم أحد بعد وزير الوقت قبلي فيما أظن، ثم إني أعلمت به أحمد بن محمد، وأعلم به أستاذ الدار رفيقنا. فقالا جميعا: إن الرجل ما عنده خبر من هذا، ثم بان الحديث في غد ذلك اليوم، أنه عزل، وكان الوزير قد دافع عن عزله، ثم إنه لينظر كأنه واحد، فبدل (٦٣/ب) شيئا كبيرا حتى قيل إنه كان مبلغه ألف وخمسمائة دينار، وإنه صحح النصف وعرض مشدودا مختوما عليه في فرطه فأصبحت أنا وليس عندي في ذلك شيء سوى أن الله تعالى أوقع في نفسي أن أكتب وأعرض نفسي للموضع مع كوني ليس عندي ما أبذله، فكتب إلى الخليفة رقعة أعرض نفسي فخرج جوابها في يومها بما مضمونه تقوية الطمع فكتبت بعد ذلك جوابه وقلت له: إنني لا بدل عندي، فكان جواب الثانية التوقيع لي

стр. 2453

بما يدل على أنه سيرتبني في ذلك. وحضر عندي حاجب الوزير أبي القاسم علي بن صدقة ﵀ وقال لي: قد أمر بترتيبك في ديوان الزمام مكان الذي خاصمته، وذهب عني حينئذ ذكر هذه المسألة، ثم قال لي: قد رسم أن يعلم به في هذه الليلة، وكان الوزير قد ركب من الديوان إلى داره فركبت إليه فوفقت وقت أذان المغرب، فقام المؤذن فأذن وكان رجلا صالحا يعرف بعمر بن ظفر المقدي، ثم قام وتقدم فصليت أنا والوزير وراءه، فقرأ فاتحة الكتاب ثم أتبعها بهذه الآية: ﴿ولق سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (١٧١) إنهم لهم المنصورون (١٧٢) وإن جندنا لهم الغالبون﴾ فسررت بذلك تفاؤلا بهذه الآية، وذهب عني ذكر المسألة. فلما كان بعد أيام، وأنا قائم في الصلاة أخطر في قلبي أن تلك الآية، إنما ذكرت في جواب منازعتي الذي كان في هذا المنصب على معنى الصلاة على رسول الله ﷺ ، وإن صرف ذلك وترتيبي مكانه نصر لرسول (٦٤/أ) الله ﷺ ، وتلك الآية إنما كانت في ذلك، فبلغني بعد ذلك أن الخليفة ﵁ رد عليهم الذهب بختمه، وكان مبلغه سبعمائة ونيفا نقدا مع ضمان الباقي نسبة، ورتبني مكانه بغير بدل، ثم إن الله سبحانه نقلني من ذلك الموضع إلى الوزارة فحضر عندي بعض الناس وقال لي: إن هذا ديوان الزمام يسمى وادي الأفاعي، فقلت له: لا تخف علي فإن أمري أنا قرره رسول الله ﷺ ، فكان كما ذكرت بحمد الله، ثم تابع الله نعمه، ووالاها وأسبغها وأصفاها، وكان ذلك من فضله ونصره ﷻ لرسوله ﷺ ببركة نصري للصلاة عليه ﷺ .

стр. 2454

- ٢٤٠٤ - الحديث الثامن والأربعون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)]. * هذا الحديث قد تقدم في مسند أنس وتكلمنا عليه. - ٢٤٠٥ - الحديث التاسع والأربعون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات ولم يوص، أفينفعه أن أتصدق عنه؟. قال: (نعم)]. * هذا الحديث قد تقدم وتكلمنا في ذلك وبينا أن كل فعل من الخير كالصدقة والقراءة يصل ثوابه (٦٤/ب) إلى الميت.

стр. 2455

- ٢٤٠٦ - الحديث الخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)]. * هذا الحديث ضرب مثل وإن كنت قد سمعت بعض العلماء يقول: إن الله تعالى يبعث أصناف الحيوان، ثم يقتص لكل جنس من جنسه، ثم يصير الكل إلى التراب. - ٢٤٠٧ - الحديث الحادي والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)]. * هذا الحديث يدل على أن الصدقة لا تنقص من المال، والمراد بذلك أنها لا تنقص منه من حيث المعنى، أن الله يبارك في ذلك المال الذي تصدق به بما ينفع منه، ويوفر وجوهه في الخرج أضعاف تلك الدقة، وقد يكون ذلك صدقة،

стр. 2456

فإنه حدثني والدي ﵀ قال: قفلت من الحج، فلما وصت إلى فيد وزنت ما كان في خرقتي، وكان مبلغه ثلاث دنانير ودانقين، أو قال: ودانقا، ثم قال: إني أنفقت من ذلك منذ كنت بغيد إلى أن جئت العراق، ثم وزنته فكان مثل ما وزنته بفيد من غير أن ينقص. وأما أنا فحصل لي مرة مقدار من الحنطة، فأخرجت منها فيما (٦٥/أ) أظن قريبا من ربعها أو ثلثها، ثم كلت الباقي فلم ينقص شيئا فيما أظن، فأما من حيث المعاني؛ فإن ذلك فيما لا أحصيه كثرة. * وقوله: (وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) فإن العفو عز في وقته، وبعد ذلك، فما زاد به أحد إلا عزا، وإذا وسوس الشيطان للمسلم بأن هذا يخرجه الناس مخرج الذل؛ فتلك خديعة منه، فكلام رسول الله ﷺ دواء لذلك الداء. * وأما قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فقوله: (الله) يعني ألا يكون تواضعه لأهل الدنيا، ثم يتكبر على أهل الدين، ولكن يتواضع لله فيرفعه الله تعالى ﷻ . - ٢٤٠٨ - الحديث الثاني والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم

стр. 2457

يعتد المظلوم)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن البادئ بالسباب، هو الذي أثار ذلك الشر، فكان عليه إثمه وإثم من أجابه أو اقتدى به فيهن إلا أن يعتدي المظلوم اعتداء يخرجه عن الحق، فعليه من ذلك مقدار اعتدائه. - ٢٤٠٩ - الحديث الثالث والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (أتدرون ما الغيبة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن حد الغيبة: الصدق في وصف من يغتاب انتهازا للفرصة. * (٦٥/ب) الغيبة من الشخص ليؤكل لحمه وذلك معنى قوله : ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ ومعنى ذلك أن الغائب قد وضع عرضه عند الحاضر بمنزلة الميتة ليس دونه من يدافع عنه، ولا يناضل دونه، فإذا رضي الإنسان لنفسه أن يغتاب فقد قام مقام أكل الميتة التي ليس

стр. 2458

فيه حراك يدفع عن نفسها، فمعنى الآية: يا أيها العرب، ويا أهل النخوة، من كان منكم يرضى أن يأكل لحم الميتة، فإن عرض الغائب في معنى الميتة. * ولقد أجاد القائل: وأكبر نفسي عن جزاء بغيبة .... وكل اغتياب جهد من ماله جهد فوضع الغيبة أن يصدق المغتاب فيمن اغتابه. فأما إذا كذب عليه فذلك البهت الذي ذكر في الحديث، فإذا كان الصدق في ذلك هو أكل لحم المسلم ميتة، فما ظنك بالبهتان والكذب في الإثم والشر؟!. - ٢٤١٠ - الحديث الرابع والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ : (من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)]. * قد سبق الكلام في هذا المعنى في مسند أبي مسعود وفي مسند جرير.

стр. 2459

وأشير إليه فأقول: إن قوله ﷺ : (من دعا إلى هدى) فإن هدى هنا نكرة، يعني هدى من الهدى، فإن ذلك الداعي يكون له أجر دعائه، وأجر دعاء كل داع (٦٦/أ) يدعو إلى الله إلى ذلك الهدى بعده، ولا أرى أن رسول الله ﷺ أتى بذكر هدى نكرة إلا إشارة منه إلى أن هدى الله كبير واسع، فيكون منه ما لم يكن قد ذكر إلى أنه يستنبط من الأذكار المروية، ويعرف من آثار الله في عباده، ودلائله في صنائعه، والفوائد من كتابه والأسرار في كلام رسوله ﷺ فيكون ذلك الهدى الذي يدعو إليه العبد له أجرهن وأجر كل من يدعو به. * وأما الضلالة: فإن من يدعو إليها بكلمة خبيثة أو عقد إشكال أو نابضة شك أو طليعة حيرة؛ فإنه عليه إثمها وإثم كل من يضل بها إلى يوم القيامة، ليؤخذ منه ما يؤخذ، ثم يبقى له بقية، وينهض به إلى الخير والسلامة. - ٢٤١١ - الحديث الخامس والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (أتدورن من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من

стр. 2460

حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)]. * هذا الحديث قد سبق بيان أمثاله، فإن النبي ﷺ سأل أصحابه عن المفلس؟ فأخبروه بالصورة المعروفة في الدنيا، فأخبرهم (٦٦/ب) بالمعنى الموجود من الإفلاس في الآخرة. * وهذا الحديث يقتضي أن القصاص يأتي على جميع الحسنات، حتى لا يبقى منها شيء، فينبغي لمن عليه مظالم أن يستكثر من الحسنات. - ٢٤١٢ - الحديث السادس والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء! هلم إلى الرخاء! والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منهم أحدا رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تخرج المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد)]. * قد تقدم شرح هذا الحديث في مسند سعد وغيره.

стр. 2461

- ٢٤١٣ - الحديث السابع والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة)]. * قد تقدم شرح هذا الحديث في مسند سهل بن سعد وغيره. - ٢٤١٤ - الحديث الثامن والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الدنيا سجن المؤمن، من حيث إن الإسلام حابس (٦/أ) له بمنعه من كل شيء لا يبيحه له الإسلام، والإيمان قيده في ذلك الحبس، يحول بينه وبين الحركة فيما لا يطابق إيمانه عن أمر من أمر ربه، فإذا خرج المؤمن من هذا الحبس إلى دار الإباحة كان في صورة من انتقل من السجن إلى السعة، وهي جنة الكافر، ومن حيث إنه لا يرد عن شهواته فيها

стр. 2462

شرع، ولا يقيده إيمان، ولا يرعه ذكر أخرى، فينتقل من السعة إلى الضيق، ذلك معنى الحديث. - ٢٤١٥ - الحديث التاسع والخمسون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ... الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير)، فلما قرأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ (٦٧/ب) فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله : ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاحذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: (نعم) ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال: (نعم) ﴿ربنا ولا

стр. 2463

تحملنا ما لا طاقة لها به﴾ قال: (نعم) ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾، قال: (نعم)]. * وقد سبق هذا الحديث وفسرنا هاتين الآيتين، إلا أن في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ علمهم الأدب بأن يقولوا عند تكليف الرب سبحانه: (سمعنا وأطعنا)، ونهاهم ﷺ عن غير ذلك فنزلت: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ فاعترفوا أن الله رفع عنهم ثقل إصر لو حملهم لكان في ذلك عادلا؛ لكنه تفضل برفعه عنهم. - ٢٤١٦ - الحديث الستون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)]. * في هذا الحديث من الفقه أبلغ التشديد في أمر الشرك؛ بأبلغ لطف في النطق، وذلك أن الله حرم أن يشرك به، فإذا أشرك به أحد من عبيده تنزه سبحانه عن ذلك الشرك نطقا، كما تنزه عنه سبحانه حقيقة (٦٨/أ)، ثم إنه سبحانه لما كان جالب هذا الإشراك هو هذا العبد بجهله، مع

стр. 2464

كونه ملكا لله ، تنزه الله عن ذلك بأن ترك العبد الذي جلب الشرك وما أثاره جهله. وقوله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) ولأن الشريكين إنما يشتركان لكون قوة كل واحد منهما لا تنهض بانفرادها في مقاومة المقصود بما ينهض به مع مشاركة القوة الأخرى، والله خالق القوى غير محتاج إلى شركة غيره، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. * وقوله (تركته وشركه) أي تركت المشرك لي والشرك أيضا. * ومعنى الحديث أن كل عمل يشرك فيه بالله غيره؛ فإنه لا يقبل الله منه شيئا لقوله: (تركته وشركه). - ٢٤١٧ - الحديث الحادي والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: (سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون)، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ ذكر بانفراد هذا الجبل المفردين، وقد روي (بكسر الراء وفتحها)، فمن رواه بكسر الراء: فإن الذي

стр. 2465

أراه فيه أنهم أفردوا الله سبحانه بالطلب منه للخير والنصر، فهم الذين أفردوا الله بطلابهم لمقاصدهم، وأما بفتح الراء: فيجوز (٦٨/ب) أن يكون المراد الذين أفردهم الناس لعدم المثلية؛ فصاروا أفراد في زمانهم، ويجوز أن يكونوا الذين أفردهم الله في كل زمان للقيام بسنته. * وقوله: (سيروا) يجوز أن يكون المعنى أنه قال لهم وهم يسيرون: (سيروا) أي تلاحقوا لتسمعوا هذا، وذكرهم لسبق المفردين عند سيرهم هم، وقد فسرهم رسول الله ﷺ بقوله: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)، فيعني ﷺ أن السير والسبق إنما هو بالذكر، فهو سير بالهمة، فهو يشبه في قطع مفازات الأعمار بسعي الأقدام في قطع مفاوز الأرض. - ٢٤١٨ - الحديث الثاني والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: (لئن كنت كما قلت، وكأنهم تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك)]. * في قوله: (تسفهم) قولان: أحدهما: تطعمهم من قولك سففت الدواء أسفه، فشبه ما يدخل عليهم من الإثم والنقص في أديانهم بما يدخل على من

стр. 2466

يتناول الرماد الحار من الألم والتنغيص. والثاني: أن معنى (تسفهم) تسفي في وجوهم الملة، والملة والملل التراب الحار والرماد، ومعناه أنه مأخوذ من السبق، فإن من عادة العرب أن يقولوا للسابق: حثثت في وجه من سابقك التراب، أي إنك سبقته حتى جعلت ترابك (٦٩/أ) الذي أثرته في وجهه، فيعني ﷺ أنك لو كنت وصلت الواصلين منهم لكنت أحسنت، فكيف إذا وصلت القاطعين فإنك سبقت السبق البعيد حتى أسففتهم المل، يعني أنك على فضلك، فإن سوء قطيعتهم يكون ما تسفهم إياه، تنزل عن درجة التراب إلى الملل، وهو الرماد الذي لم يبق فيه منفعه إلى أنه حار ينال بجزء من العذاب. - ٢٤١٩ - الحديث الثالث والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)]. * قد سبق شرح هذا في مسند أنس، وهو يشير إلى أن في الأولياء: الأخفياء الذين لا يعرفون.

стр. 2467

* وفيه أن الطلب من الأبواب لمن تلجئه إلى ذلك ضرورته؛ لا ينقصه ذلك من مرتبة ولايته. * وفيه أن العبد الصالح إذا انتهت حاله إلى درجة الولاية؛ فإن إيمانه يمنعه أن يستنكف عن أن يسأل من الأبواب. * وفي قوله: (مدفوع بالأبواب) وجهان: أحدهما: أنه يدفع من باب إلى باب. والثاني: أنه مدفوع أي ملجأ إلى تلك الحالة، أي فلم يسأل إلا وليس له مسكة يجوز له في الشرع أن يترك الطلب معها. - ٢٤٢٠ - الحديث الرابع والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (من خير معاش الناس لهم، رجل

стр. 2468

مسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة، أو فزعة، طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، لم من الناس إلا في خير). وفي رواية: (في شعبة من هذه الشعاب)]. * هذا الحديث يدل على أن خير الكسب الجهاد؛ لأنه يكون فيه إرغام أعداء الله وإعزاز أوليائه، وعلى هذا القياس كل كسب يكون في فروض الكفايات؛ وتحمل بعض أعباء الخلق، كالزراعة والتجارة في جلب الأشياء النافعة لعموم الناس وغير ذلك، فإنها تكون من أطيب الكسب الذي يجبع فيه الكاسب بين الارتزاق ونفع الخلق. * والهيعة: الصوت المفزع المخوف من عدو أو غيره. * وقوله: (يبتغي القتل مظانه) أي في مظانه، ومظان الشيء: أماكنه التي يظن وجوده فيها، وشعفات الجبال: أعاليها، واليقين: الموت، والشبعة: واحدة الشعاب، وهي الطرق في الجبال.

стр. 2469

- ٢٤٢٢ - الحديث السادس والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله (٧٠/أ) ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟) قال: نعم، قال: (فأجب)]. * هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم. * وفي الحديث دليل على وجوب الجماعة، وقد سبق هذا الحديث وشرحه. - ٢٤٢٣ - الحديث السابع والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم)]. * هذا الحديث يدل على أن المراد من العبد الذل وإظهار العبودية، وبذلك

стр. 2470

يبين عز الربوبية. * وفيه من الفقه تقديم القسم قبل ذكره الحديث، توطئة لكمال التصديق. * وقوله: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم) فما قال إلى الجنة؛ بل أطلق، والإطلاق ها هنا قد ينصرف إلى الإعلام، فيشير كل الإشارة لأهل العلم إلى أن الله إنما خلق الخلق إيجادا لما كانت صفته القائمة به يقتضيه من أنه غفور عفو صفوح متجاوز، لم يكن من إيجاد الخلق يذنبون فيغفر لهم، ويخطئون فيعفو عنهم، ويخالفون فيتجاوز لهم. * ولا أرى قول الله لملائكته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ إلا أنهم لما عرفوا من صفات الله العفو، فقالوا: إن ذلك يقتضي إيجادك من يذنب فيغفر له ويخطئ فتعفو عنه، ثم قالوا: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ ولا تكون هذه الواو إلا واو حال أي: ونحن نسبح بحمدك، فما خاطبوه بخطاب (٧٠/ب) العلماء أجابهم بقوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. - ٢٤٢٤ - الحديث الثامن والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: (يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والحمار، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)].

стр. 2471

* قد سبق هذا الحديث في مسند أبي ذر ﵁. - ٢٤٢٥ - الحديث التاسع والستون بعد المائة: [عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)]. * قد سبق هذا الحديث في مسند بريدة وتكلمنا عليه. - ٢٤٢٦ - الحديث السبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)].

стр. 2472

* قد ذكرنا ما يلزم المالك في حق المملوكين من الإحسان إليهم والرفق بهم في مسند أبي ذر ومسند أبي مسعود. - ٢٤٢٧ - الحديث الحادي والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنه، إن كره منها خلقا رضي آخر)]. * في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن لا يخلو من خلق حسن، فإنه إذا كانت المرأة مؤمنة لم يطرد فيها ما يكرهه المؤمن، والمؤمنة يحملها الإيمان على استعمال خصال محمودة يحبها المؤمن فيحمل ما لا يحب لما يحب، (٧١/أ)، وإنما يكره المؤمن من المؤمنة الخلق الذي لا يرضاه، وفيها الخلق الذي يرضاه، وبعد أن يكون إيمانها موجودا فإنه يغتفر لذلك ما يكون منها. * والفرك (بكسر الفاء): البغض. - ٢٤٢٨ - الحديث الثاني والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (لا تذهب الأيام والليالي حتى

стр. 2473

يملك رجل من الموالي، يقال له الجهجاه)]. * هذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، فالإيمان بكون ذلك واجب؛ لأنه خبر صادق. - ٢٤٢٩ - الحديث الثالث والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يهودي ولا نصراني - ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)]. * في هذا الحديث من الفقه وجوب اتباعه ﷺ ، ونسخ جميع الشرائع بشرعه، فمن كفر به؛ لم ينفعه إيمانه بغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجميعن. - ٢٤٣٠ - الحديث الرابع والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في

стр. 2474

القدر، فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (٤٨) إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾]. * في هذا الحديث من الفقه أن المشركين وأهل الفسق يتعلقون بالأقدار، طالبين بذلك النكول عن الأعمال، فيريدون (٧١/ب) بخوضهم في ذلك الفتنة، لا التماس الحق، وقد أنزل الله في ذلك الكافي المقنع قي قوله : ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. والقراء السبعة اتفقوا على نصب كل، وتقدير نصبه بفعل محذوف، معناه إنا خلقنا كل شيء، خلقناه بقدر، فيستنبط من هذا أن الله سبحانه خالق كل شيء من خير وشر، وأن الله خلق ما خلقه بقدر سبق ومقدار لا يزيد عنه شيء من ذلك ولا ينقص. * فأما من تعلق بقراءة شاذة، وهي رفع كل، فإنها قراءة ضعيفة؛ لأن معناها إنا كل شيء خلقناه فهو بقدر، وهذا لا يرتضى معناه، وهذه الآيات إنما نزلت دواء لسقم من يقبل الإصلاح دون من أعضل به داؤه، فصار من الهالكين. - ٢٤٣١ - الحديث الخامس والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿من يعمل سوءا بجز به﴾ بلغت من

стр. 2475

المسلمين مبلغا شديدا، قال رسول الله ﷺ : (قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ لما رأى جزع المسلمين من هذا النطق، وهو قوله: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ فسره ﷺ : بأن المؤمن يكفر الله عنه بما يصيبه في دنياه، حتى الشوكة يشاكها، فذاك ينبئ أنه لا يشاك المسلم شوكة فما فوقها إلا كانت حاطة عنه (٧٢/أ) خطيئة أو رافعة له درجة، فإذا كان جزاء العبد في دنياه بما سبق له من خطيئة كان ذلك تطهيرا له. * وأما الأماني؛ فإنها كانت عن شدوه عن عدل الله سبحانه في مجازاة المسيء على إساءته حسب ما سبق به تنزيله، نذارة لعباده لئلا يتظالموا فيما بينهم ولا يتعدوا حدود ما أمرهم به، فإن كرمه ﷻ على سعته لا ينافيه نفاذ أمره في وعيده عدلا منه . - ٢٤٣٢ - الحديث السادس والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقئ)].

стр. 2476

* قد سبق في مسند انس مثل هذا الحديث وسيأتي في مسند أبي سعيد الخدري مثله. * وقد تقدم في مسند علي ﵁ أنه شرب قائما، وقال: (رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتنوني فعلت). * وكذلك الأكل متكئا يخالف الأصوب. * فأما شرب الرسول ﷺ قائما، فأراد به شأن الرخصة لئلا يحرج الأمة، فإنه قد يعرض الإنسان العطش، وهو في الطريق يسير، ولا يتأتى له الجلوس، فيجوز له ذلك. - ٢٤٣٣ - الحديث السابع والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم (٧٢/ب) ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم). وفي رواية: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، وإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)].

стр. 2477

* في هذا الحديث من الفقه تشديد النهي عن الابتداع والتحذير من أهل البدع، والحض على الاتباع، وهو ينبه الإنسان ألا يكون في شيء من أمره إلا متبعا لمن يثق بسلامة ناحيته؛ وكونه ممن يصلح اتباعه على سبيل سنة وحال رواية. - ٢٤٣٤ - الحديث الثامن والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)]. * هذا الحديث قد سبق في مسند أنس وأشير إليه فأقول: إن قوله: (أول شافع) يدل على أن الشفعاء يتبعونه، وأن أحدا لا يقبل شفاعته إلا بعد شفاعة نبينا ﷺ . - ٢٤٣٥ - الحديث التاسع والسبعون بعد المائة: [عن أبي هريرة، قال: (كنا قعودا حول رسول الله ﷺ ، معنا أبو بكر

стр. 2478

وعمر في نفر، فقام رسول الله ﷺ بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع. فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ ، حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابا؟ فلم أجد، فإذا (٧٣/أ) ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه، (والربيع: الجدول) قال: فاحتفزت، قدخلت على رسول الله ﷺ ، فقال: (أبو هريرة؟) فقلت: نعم يا رسول الله، قال: (ما شأنك؟) قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت وهؤلاء الناس ورائي، فقال: (يا أبا هريرة) - وأعطاني نعليه - فقال: (اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء الحائط يشهد ألا إله إلا الله، مستيقنا بها قبله، فبشره بالجنة). فكان أول من لقيت عمر ﵁، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ ، بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قبله بشرته بالجنة، فضرب عرب بين ثديي، فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأجهشت بالبكاء وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله ﷺ : (ما لك يا أيا هريرة؟) قلت: لقيت عمر فأخرته بالذي بعثني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، فقال: ارجع، قال رسول الله ﷺ : (يا عمر ما حملك على ما فعلت؟) قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من

стр. 2479

لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره (٧٣/ب) بالجنة؟ قال: (نعم). قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، فقال رسول الله ﷺ : (فخلهم)]. * في هذا الحديث من الفقه جواز أن يقوم سيد القوم فلا يتبعه أصحابه، إذا فهموا من قيامه أنه لأمر لا يقتضي المشاركة، ويدل على هذا أنهم جلسوا على انتظار عوده، فلما أبطأ عليهم بطأ خافوا معه عليه ﷺ ، قاموا يطلبونه. * وفيه أيضا جواز أن يحمل الشفيق إشفاقه على مصحوبه إلى أن يلج عليه في المكان الذي هو فيه من غير بابه؛ كما فعل أبو هريرة، وإنما يرخص في مثل هذا إذا جرى مثل تلك الحال من الخوف على رسوال لله ﷺ وإلا فلا تؤتى البيوت إلا من أبوابها. * وفيه أن رسول الله ﷺ لما أخبره أبو هريرة بشدة إشفاق المسلمين عليه وحذرهم عرف ﷺ أن هذا من إمارة الإيمان، وأراد أن يسر قلوبهم بهذه البشرى، فقال له: اخرج وخذ نعلي، وإنما أعطاه نعليه لتكون أمارة على أنه هو الذي أرسله بتلك الرسالة. * فأما تخصيص ذلك بالنعل، فلا أرى ألا أنه ﷺ قد كان في ذلك الانفراد مناجيا لله ، وقد كان موسى عند دنوه للمناجاة أمر بخلع نعليه، فإن كان أراد أن الجمع بين خلع النعلين وبين جعلهما علامة لم يذكره أبو هريرة عنه

стр. 2480

فذاك، وإنما أمر موسى ﵇ بخلع النعلين لأنهما ....... - ٢٤٣٦ - الحديث الثمانون بعد المائة: [عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولك (الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة)].

стр. 2481

- ٢٤٣٧ - الحديث الحادي والثمانون بعد المائة: [عن أبي هريرة، قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره. فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : (اللهم اهد أم أبي هريرة) فخرجت مستبشرا بدعوة (٧٤/أ) نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب؛ فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وقال: (خيرا). قال: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله ﷺ : (اللهم

стр. 2482

حبب عبيدك هذا - يعني أبي هريرة - وأمه، إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني، إلا أحبني). وقد ذكره البرقاني وأبي مسعود، وفيه: (والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة. قال: إن أمي كانت امرأة مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام فتأبى علي)]. * في هذا الحديث من الفقه: أن أبا هريرة، كان من توفيقه أنه لما كانت أمه تسمعه ما يكره على إسلامه، لم يقابلها بمثله، ولكنه أتى الأمر من بابه، وطلب الفضل من أهله، ورأى أن يطلب لها الخير على لسان رسول الله ﷺ ؛ ليكون قد بلغ ما أراده في بر والدته، فطلب لها (٧٤/ب) من رسول الله ﷺ ما جرى به قدر الله، لأن الله تعالى جعل إسلامها آية دالة على صدق رسول الله ﷺ ورسالته؛ ليعلم كل سامع هذا الحديث أن النار لا تطفئ بمثلها من النار، ولكن بالماء، ويستدفع السوء بالدعاء، وتطلب المستصعبات من القادر على الأشياء. ألا ترى أنه لما طلب ذلك من رسول الله ﷺ فأجابه، كان إسلام أمه في وقته، فهدى الله أمه ببركته وتوفيقه لسؤال رسول الله ﷺ في ذلك، كما أنه وفقه لأن يطلب من رسول الله ﷺ طلبا يعم سائر أمة محمد ﷺ في كل من أحبه، فهذا يدل على أن أبا هريرة مع دعوة رسول الله ﷺ أن آية الإيمان حبه؛ فإذا رأيت أحدا من الناس لا يحب أبا هريرة بعد هذا الحديث فاتهمه.

стр. 2483

- ٢٤٣٨ - الحديث الثاني والثمانون بعد المائة: [عن ابن عمر، وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو يختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)]. * هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر، وفي مسند ابن عباس ﵄، وتكلمنا عليه، ونشير إليه ها هنا فنقول: إن فيه إشارة إلى تحذير من ترك الجمعة إهمالا لها مع اعتقاد وجوبها عليه؛ إلا أن فيه من التحذير لمن لا يعتقد (٧٥/أ) وجوب الجمعة، ما هو أشد مما هو لمن يتركها مع اعتقاد وجوبها، وهو كل من لا يصلي الجمعة معتقدا أنها لا تجب عليه من الرافضة بتأويل يعلقونه على مستحيل. * وفيه: أن هذا الذنب في ترك الجمعة يتعلق به عقوبتان في الدنيا، مع عذاب الآخرة، وهما الختم على القلب، ثم غمور الغفلة. * وقوله: (ليكونن) باللام والنون المؤكدين، دليل على قوة ذلك، وعلى أن كل تارك للجمعة، فإنه إذا اعتبر سره وجد فيه نوع عداوة للدين من حيث إنه

стр. 2484

لا يستطيع أن يرى علن أمر الإسلام وظهور شعاره في عبادة الله والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقد أبى الله إلا إظهار ذلك وليكره المشركين. - ٢٤٣٩ - الحديث الثالث والثمانون بعد المائة: [عن أبي الشعشاء، قال: (كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ )]. * في هذا الحديث ما يدل على أن الإنسان لا يجوز له الخروج من المسجد بعد الأذان، إلا أن يكون له عذر؛ فإن فعل لغير عذر فقد عصى أبا القاسم ﷺ . لأن هذا الحديث إشارة إلى ما تقدم في الحديث الذي قبله من أنه إذا خرج من المسجد بعد الأذان ولا عذر له في خروجه مع كونه متطهرا؛ لقد أشعر بأنه إنما كره صلاة الجماعة، فكانت معصية النبي ﷺ ، ولا أري أن أحدا ممن ينتمي إلى (٧٥/ب) الإسلام، يعتمد هذا في الجماعة والجمعة في الحديث المتقدم إلا الرافضة.

стр. 2485

- ٢٤٤٠ - الحديث الرابع والثمانون بعد المائة: [في فتح مكة، عند عبد الله بن رباح، قال: (وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا الطعام، فكان أبو هريرة ﵁ مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني، فقلت: نعم فدعوتهم. فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معاشر الأنصار؟ ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: (أبو هريرة) فقلت: لبيك رسول الله، فقال: لا يأتيني إلا الأنصاري). ومن الرواة من قال: فقال: (اهتف لي بالأنصار)، قال: فأطافوا به، ووبشت قريش من أوباشا لها وأتباعا. فقالوا: تقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فقال رسول الله ﷺ : (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟) ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى - ثم قال: (حتى توافوني بالصفا). قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم (٧٦/أ) يوجه إلينا شيئا، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو

стр. 2486

آمن). فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي - فلما قضى الوحي - قال رسول الله ﷺ : (يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: (قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا أليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : إن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم). قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جانب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل) فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يده، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء الله أن يدعو). (٧٦/ب) وفي الحديث بهز نحوه، وزاد ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى: (احصدوهم حصدا)، وفيه قالو: قلنا: ذاك يا رسول الله. قال: (فما اسمى إذن، كلا إني عبد الله ورسوله).

стр. 2487

وفي رواية: (وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت يا أبا هريرة: لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا؟ فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي. فقال: (يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار) فدعوتهم، فجعلوا يهولون، فقال: يا معشر الأنصار: هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم. قال: (انظروا إذا لقيتموهم غدا: أن تحصدوهم حصدا) وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: (موعدكم الصفا). قال: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا وأناموه. قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار فطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. قال رسول الله ﷺ : (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن؟) فقال الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ . قال: قلتم (٧٧/أ) (أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، إلا فما اسمي إذن؟ (ثلاث مرات) أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، قالوا: والله! ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله. قال: (فإن الله ورسوله يصدقانكم

стр. 2488

ويعذرانكم)]. * قي هذا الحديث من الفقه: أن بركات الضيافة كانت سببا في ذكر الحديث. * وفيه: أن العسكر يكون له مجنبتان، يجعل على كل من المجنبتين زعيم معروف بالنجدة والبأس، لأن الزبير وخالد بن الوليد، كانا مشهورين بشدة المطلع. * وفيه أيضا من الفقه: تمييز الحسر من الدارعين لئلا يكون من الدارعين حاسر؛ فإنه لا ينتصف إن هو وصل إلى حيث يصلون، أو أن يضعفهم وقوفهم عليه، إن هو تأخر عنهم. * وفي أيضا: أن الحسر يرتب لهم أمير، يكف ذا الشرة والحدث من أن يخف إلى إلقاء نفسه على وجه يخاف منه أن يعود بوهن على المسلمين. وفيه أيضا من الفقه: أن زعيم الجيش لا ينكشف لعدو بمفرده، ولكن يكون في الكتيبة والجماعة منقطعا في المعسكر، كما ذكر رسول الله ﷺ كان في كتيبة. * وقوله: (اهتف لي بالأنصار) أي: ادعهم دعاء ظاهرا مسمعا. * وقوله: (فأطافوا برسول الله ﷺ ) يدل على أن رسول الله ﷺ اختارهم في وقت الشدة للإطاحة بنواحيه؛ أمنا لهم عليه من حيث ثقتهم في الدين ومن حيث شجاعتهم وصدقهم النزال، وكفى هذا شرفا لهم. * (٧٧/ب) ووبشت قريش: أي: جمعت من قبائل شتى.

стр. 2489

* وفيه أيضا: أن هناك في مثل تلك الحالة مقنعة عن الإفصاح؛ فإن رسول الله ﷺ أشار لهم بيده على الأخرى، لما كنى به عن حبهم واستيصالهم. * وفيه أيضا: دلالة على أنه وثق لهم بالنصر لقوله: (حتى توافوني بالصفا). * وقوله: (أبيدت خضراء قريش) أي: أهلكت واستوصلت. * وفيه: أن الحال إذا بلغت إلى استنزال واستعطاف من العدو يدل ذلك له مع أمن العاقبة، فإن أبا سفيان لما استعطف رسول الله ﷺ ، قال: (من دخل دار أبا سفيان فهو آمن) أي: من دخلها وترك القتال. * فأما تخصيص دار أبي سفيان بذلك؛ فقال ثابت البناني إنما قال هذا لأنه كان إذ أوذي بمكة دخل دار أبي سفيان فأمن، فكافأه على ذلك بهذا القول. والحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر. * وقوله: (فإذا جاء الوحي لا يرفع أحد طرفه إليه) هذا من أدب الصحابة، وأنهم كانوا لا يرفع أحد منهم طرفه إليه وقت الوحي احتراما. * وفيه من الفقه: إن الرجل قد يظن الظن غير الصالح ثم يفيء عن قريب لكون الأنصار قالوا: أما الرجل فأدركته رغبة في قومه. * وفيه أيضا: أن الله تعالى تداركهم بما أوحى إلى رسوله ﷺ حتى أخبرهم بما كانوا نطقوا به، فاعترفوا ﵃ اعترافا فأمحى ما كان من هفوة، حتى قال رسول الله ﷺ : (المحيا محياكم، والممات مماتكم (٧٨/أ) فقالوا: ما قلنا إلا بالضن بالله وبرسوله. الضن. البخل والشح، يعنون: إنا ما قلنا ما

стр. 2490

قلنا شكا في نبوتك، ولكن لما رأينا رفقك بعشيرتك وقومك، خفنا أن تؤثر المقام عندهم على المقام عندنا، فكان جوابه لهم: المحيا محياكم والممات مماتكم، فكان مقصودهم صالحا، إلا أن النطق الذي ذكروه لم يحترزوا فيه حق الاحتراز لقولهم: أخذه رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، وقد كان ﷺ لا يرأف إلا بالمؤمنين لقوله : ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ فكيف كان يرأف بكافر. * وقوله: (فإن الله ورسوله يصدقانكم) أي: في هذا المقصد، ويعذرانكم فيما كان من هذا النطق. * وفيه أيضا: من الدليل على أن الرجل يستحب له أن يكون في يده شيء من السلاح، فإن رسول الله ﷺ قد استعان بالقوس حتى طعن بسيتها، وضرب عين الصنم، فأقامها مقام العصي، ونزه يده الشريفة عن أن يطعن الصنم بها، أو أن يمس بها صنما. * وفيه أيضا: استحباب حمد الله تعالى، والثناء عليه على آثار النعم لكونه صعد إلى الصفا عند تمام الفتح حامدا لله . * وأما البياذقة: فقيل: إنهم الرجالة. * وقولهم: (فما أشرف لهم أحد) أي: ظهر لهم، إلا أناموه، أي: قتلوه.
следующие страницы →