Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
ليكون في راحة منه فينبغي لكل مؤمن أن يتعاهد نفسه ولا ينزل بها أذى يتأذى به الملك ليكون حسن الصحبة لملائكة ربه، فإنهم غير قادرين على فراقه لأنهم مأمورون بملازمته.
* وقوله: (أتى بقدر)، كذا وقع في الكتاب، وهو تصحيف، والصواب: (ببدر)، وكذلك رواه أبو داود في السنن بالباء. قال ابن وهب: البدر: الطبق. وقال الخطابي: سمى الطبق بدرا لاستدارته وحسن اتساقه، تشبيها له بالقمر إذا امتلأ نورا.
- ٢٤٥٨ -
الحديث الثالث عشر:
[عن جابر، قال: كنا مع النبي ﷺ ، فبعثني في حاجة، وهو يصلي على راحلته، ووجهه على غير القبلة، فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما انصرف، قال: (أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي).
وفي رواية: (أن النبي ﷺ كان يصلي التطوع وهو راكب على راحلته في غير القبلة).
وفي رواية: (كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة).
وفي رواية: (رأيت النبي صلى الله (٨٨/ب) عليه وسلم في غزوة أنمار
стр. 2522
يصلي على راحلته متوجها قبل المشرق متطوعا).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يصلي).
وفي رواية: (وهو يسير، فسلمت عليه، فأشار إلي، فلما فرغ دعاني، فقال: (إنك سلمت آنفا وأنا أصلي، وهو موجه حينئذ قبل المشرق).
وفي رواية: (أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده هكذا وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا - وأومأ زهير بيده نحو الأرض - وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه، فلما فرغ قال: (ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت صلي)].
* في هذا الحديث جواز صلاة المصلي على راحلته حيث توجهت به.
* وقد سبق هذا في مسند ابن عمر ﵁.
* وفيه دليل على أن الرجل إذا كلم الرجل في السفر وهو يصلي عرفه إذا فرغ من صلاته أن الصلاة هي التي منعته من الكلام، فيجمع بذلك بين تطييب نفسه عن ترك الرد وبين أن يثير همته للاقتداء به.
стр. 2523
* وفيه جواز إشارة المصلي وهو في الصلاة.
- ٢٤٥٩ -
الحديث الرابع عشر:
[عن جابر، قال: (نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وأن لا يباع إلا بالدينار والدرهم، إلا العرايا).
وفي رواية (٨٩/أ): (عن بيع الثمرة حتى تطعم).
وفيه قال عطاء: (فسر لنا جابر فقال: أما المخابرة، فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر، وزعم أن المزابنة: بيع الرطب في النخل بالتمر كيلا، والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك ببيع الزرع القائم بالحب كيلا.
وفي رواية: (عن جابر، (أن رسول الله ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وأن يشتري النخل حتى يشقه، والإشقاه: أن يحمر، أو يصفر، أو يؤكل منه شيء.
والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من في التمر، والمخابرة: الثلث والربع وأشباه ذلك، قال زيد: قلت لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
وفي رواية: (نهى عن بيع الثمر حتى يطيب).
وفي رواية: (عن بيع التمر حتى يشقح، قلت لسعيد: ما تشقح؟، قال:
стр. 2524
تحمار، أو تصفار، أو يؤكل منها).
وفي رواية: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة -، قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة - وعن الثنيا، ورخص في العرايا).
وفي رواية: (نهى عن بيع السنين)].
* قد فسرنا المحاقلة والمزابنة في مسند ابن عباس، وفسرنا قوله: (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه) في مسند زيد بن ثابت، وهنالك فسرنا العرايا أيضا.
* فأما قوله: (نهى أن يشترى النخل حتى تشقه أو تشقح)، وفسره في الحديث، فقال: تحمار أو (٨٩/ب) تصفار. قال الخطابي: (إنما قال تحمار وتصفار لأنه لم يرد اللون الخالص، فإذا استقر اللون قيل: تحمر وتصفر، والمعاومة: هي بيع السنين، وذلك أن بيع الرجل ما يثمره النخلة أو النخلات سنتين أو ثلاث، وهذا غرر؛ لأنه يبيع شيء غير موجود).
стр. 2525
* فأما الثنيا: فهو أن يبيع ثمر بستانه ويستثني منه جزءا غير معلوم.
- ٢٤٦٠ -
الحديث الخامس عشر:
[عن جابر، (أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ قال: (قد توفي اليوم رجل من الحبش، فهلم فصلوا عليه، قال: فصففنا، فصلى النبي ﷺ ونحن).
وفي رواية: (كنت في الصف الثاني، وعن ابن جريح: اصحمه).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعا).
وفي رواية: (أن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه، قال: فقمنا فصفنا صفين)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند عمران بن حصين، وتكلمنا عليه.
стр. 2526
- ٢٤٦٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن جابر، قال: كانت لرجال منا فضول أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه).
وفي رواية: (ولا يؤاجرها إياه).
وفي رواية: (ولا يكريها) (٩٠/أ)، وفي رواية: (فإن أبى فليمسك أرضه).
وفي رواية: (نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض وعن بيعها السنين، وعن بيع الثمر حتى يطيب).
وفي رواية: (نهى أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ).
وفي رواية: (نهى عن كراء الأرض).
وفي رواية لمسلم: (من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا تبتعوها، فقلت لسعيد: ما لا تبتعونها، يعني الكراء؟ قال: نعم).
وفي رواية: (كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القصرى، ومن كذا، فقال رسول الله ﷺ : (من كانت له أرض فليزرعها أو فليحرثها أخاه وإلا فليدعها).
وفي رواية: (نهى عن بيع الأرض البيضاء سنتين أو ثلاث).
стр. 2527
وفي رواية: (من كانت له أرض فليهبها أو ليعرها).
وفي رواية: (فليزرعها أو ليزرعها رجلا).
وفي رواية: (نهى عن كراء الأرض).
وفي رواية عن ابن عمر: (كنا نكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج).
وفي رواية عن جابر: (أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى عن المزابنة والحقول، فقال جابر: المزابنة: الثمر بالثمر، والحقول: كراء الأرض).
وفي رواية: (نهى عن بيع السنين)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند رافع بن خديج، وبعضه أيضا تقدم في
стр. 2528
مسند ابن عمر، وفسرنا في الحديث الذي قبله حديث النهي عن بيع السنين.
* والقصرى: على وزن الفعلاء لغة أهل الشام، وبعضهم يقول: قصرى على وزن فعلى، وقوم يقولون (٩٠/ب): القصارة: وهو ما سقي في السنبل من الحب بعدنا يداس.
والأرض البيضاء: هي التي لا شجر فيها ولا زرع.
стр. 2529
- ٢٤٦٢ -
الحديث السابع عشر:
[عن جابر قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل).
وفي رواية: (أن رجلا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن لي جارية هي خادمنا في النخل، وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل؟ فقال: (أعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها)، فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: (قد أخبرتكم أنه سيأتيها ما قدر لها).
وفي رواية: (أنه قال: يا رسول الله، حملت، قال: (أنا عبد الله ورسوله)].
* في هذا الحديث جواز العزل، إلا أنه يجوز للإنسان مع أمته من غير أن يستأذنها، ولا يجوز مع زوجته الحرة إلا بإذنها. والعزل لا يدفع ما قدر إنما هو يضعف فاعله على أن يفوت المرأة شطر لذتها؛ وذلك غير مستحب.
- ٢٤٦٣ -
الحديث الثامن عشر:
[عن جابر قال: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فأرخص لنا رسول الله ﷺ ، فقال: (كلوا وتزودوا)، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: قال
стр. 2530
جابر حتى جئنا المدينة، قال: نعم).
وفي رواية: (قال ابن جريج): قلت لعطاء: قال حتى جئنا المدينة، قال: لا).
وفي رواية: (كنا نتزود لحوم الهدي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة).
(٩١/أ) وفي رواية: (كنا نتزود لحوم الأضاحي إلى المدينة على عهد رسول الله ﷺ ).
وفي رواية: (كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا النبي ﷺ أن نتزود منها ونأكل منها، يعني فوق ثلاث).
وفي رواية لمسلم: (أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فأمرنا النبي ﷺ ن ثم قال بعد: كلوا وتزودوا، أو ادخروا)].
* إنما امتنعت الصحابة عن ذلك بمنع النبي ﷺ ، وإنما منعهم لأجل قوم من الفقراء قدموا المدينة فأراد أن يواسوهم، ثم أباحهم بعد ذلك.
* سيأتي هذا البيان في مسند عائشة ﵂ مشروحا إن شاء الله تعالى.
стр. 2531
- ٢٤٦٤ -
الحديث التاسع عشر:
[عن جابر، أنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام)، قيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها يطلى به السفن، ويدهن بها الجلود، وتستصبح بها الناس؟ فقال: (لا، هو حرام) ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: (قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، أجملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)].
* بيع الخمر باطل بالإجماع، وثمنها حرام، وكذلك بيع الميتة وثمنها، والأصنام، ومن صور صورة فإنما يبيع صنما، فبيعها يحرم وابتياعها؛ (٩١/ب) وكذلك يحرم بيع شحوم الميتة.
* وأجملوها: اذابوها وقتئذ، بيناه في مسند عمر ﵁، وإن جمل وأجمل لغتان.
стр. 2532
- ٢٤٦٥ -
الحديث العشرون:
[عن جابر، عن النبي ﷺ قال: (إذا استجنح الليل، أو كان جنح الليل، فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك، واذكر اسم الله، وأوك سقاءك، واذكر اسم الله، وخمر إناءك، واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيء).
وفي رواية: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا).
وفي رواية: (وأطفئوا المصابيح، فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة، فأحرقت أهل البيت).
وفي رواية: (وخمروا الطعام والشراب، قال همام: أحسبه قال: ولو بعود).
وفي رواية لمسلم: (غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، واطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا، ويذكر اسم الله فليفعل، فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم).
وفي رواية: (ولا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس؛ حتى تذهب فحمة العشاء).
стр. 2533
وفي رواية: (غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه (٩٢/أ) وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء). قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول).
وفي رواية: جاء أبو حميد يقدح من لبن النقيع، فقال له رسول الله ﷺ : (ألا حمرته ولو أن تعرض عليه عودا).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله ﷺ ، فاستسقى، فقال رجل: يا رسول الله ألا نسقيك نبيذا؟ قال: (بلى)، فخرج الرجل يسعى، فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله ﷺ : (ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا)، قال: فشرب)].
* جنح الليل وجنحه: طائفة منه، والمعنى: إذا اشتدت ظلمته.
* وقوله: (فكفوا صبيانكم) يعني: أول الليل بعد صلاة العشاء، فإن الجن إذا صليت العشاء وانكفأ المصلون إلى منازلهم؛ فكأنهم رأوا أن الطريق قد أخليت لهم في ميقات يشبه بطواف الذين لم يبلغوا الحلم وما ملكت اليمين
стр. 2534
في العورات الثلاث، فكأنهم ما دامت الصلوات الانتشار فيها يمتنعون من أجل وقت الصلاة، فإذا انقضت استخلوا الطرق فيسعوا فيها.
* والجن منقسمون إلى: مؤمن مأمون على من يلقاه، ومن لا يؤمن منهم لا يؤمن لكفره، ولا يؤمن على الأطفال والصبيان، لأن الصبي غير كامل العقل الذي لا يهوله التهويل، وليس عنده من أسماء الله ما يتحصن به من كيد الشيطان غالبا، فأمر بكف الصبيان لذلك.
* وقوله: (إذا مضت ساعة من العشاء) فخلوهم لا أراه أشار بذلك إلا إلى الجن، والمعنى خلوهم والطرق.
* وأما قوله: (وأغلق بابك واذكر اسم الله) فإن ذلك ليأمن الإنسان (٩٢/ب) من يؤذي.
* وقوله: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا) فلعله مما قد شرطه عليهم رسول الله ﷺ ليلة لقيهم، على أنهم إنما يسلطون على كل سيء التدبير لتفريط في أمر، والمفرط لا يغلق بابه، ولا يخمر إناءه، ولا يؤكئ سقاءه، فيرونه بإهماله نفسه كالمبيح لهم التطريق إلى ما أهمله من أمره. فأما المحتاط باعتماد الصواب في أموره، فإنه بمقتضى ما يكون قد شرطه رسول الله ﷺ لا طريق لهم عليه.
* وقوله: (أطفئ مصباحك) فقد تقدم ذكر المراد منه في مسند ابن عمر ﵁.
* وأما قوله: (وأوك سقاءك) فإنه إذا نزل السقاء مكشوفا لم يأمن من أن يلج فيه بعض ذوات السموم.
стр. 2535
* وأما تغطية الإناء فقد ذكرنا فيما سبق أنه ينبغي أن يحترس فيه حتى من الذر فإن في الذر داء.
* فأما ذكر اسم الله على هذه الأشياء كلها، فإن ذكر اسم الله بركة؛ وليكون كل فعل للعبد يقصد به ربه ، وامتثال أمره، فيذكر اسم الله على كل شيء من ذلك فتصح له النية فيه؛ ولأن الشياطين يرجمون بشهب ذكر الله ، فإذا أحسوا بشيء قد ذكر اسم الله عليه لم يقربوه.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أنه ليس لأحد أن يقول: إنني أترك بابي غير مغلق مدعيا أنه يفعل ذلك متوكلا؛ فإن ذلك مطية ولوج الشيطان إلى داره وإلى قلبه، وكذلك في الأسقية والأواني وغير ذلك؛ لأن الله يقوم الأمور على قوانين انتهت إليها، فالتوكل إنما هو لمعالم حكمة (٩٣/أ) الله ، فإذا أراد العبد أن يهدم معلما من معالم الله بما توسوس له نفسه فيما يدعيه توكلا، لم يكن توكله ثمنا لما هدمه من الأمر المسبب في العالم.
* وقوله: (ولو أن تعرض عليه عودا) وهذا يجوز أن يكون لأن الذر يتجافى مثل ذلك، أو لأنه قد يصون ذلك العود ما يواريه من الإناء، فيكون هذا القول من رسول الله ﷺ على معنى إن استطعت أن تحفظ الكل بالتخمير وإلا فلا أقل أن تحفظ بعضه على وجه المبالغة والتأكيد.
* وقوله: (لا ترسلوا فواشيكم) الفواشي: كل منتشر من المال كالإبل، والبقر، والغنم السائمة، وأصل ذلك من قولك: فشا الشيء إذا ظهر.
стр. 2536
* (وفحمة العشاء) (بكسر الحاء وسكونها): شدة سواد الليل وظلمته.
* وأما قول الليث: إن الأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول؛ فإنه يريد بذلك أن أرض الأعاجم شديدة البرد والوباء يكون في ذلك، ويجوز أن يكسب كل إناء لم يخمر تلك الليلة حالا وبية لمن يأكل ما في ذلك الإناء، فقد حذر الأطباء من قريس تبيت في سرادب أو سمك يصطنع بالخل ويترك في سرداب ليلة فإنه يعود كالسم، وليس ذلك إلا لاجتماع البرودات فيه، وكذلك حذروا من البزماورد إذا بات. ويجوز أن يكون بشدة حرص رسول الله ﷺ على تخمير الآنية لم يعين هذه الليلة ليكون الحذر من كشف الآنية كل ليلة يجوز أن تكون تلك الليلة.
- ٢٤٦٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن جابر، (أن رجلا أعتق غلاما من دبر، فاحتاج، فأخذه النبي صلى (٩٣/ب) الله عليه وسلم، فقال: (من يشتريه مني؟، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه).
وفي رواية: (أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما عن دبر؛ لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم، ثم أرسل بثمنه إليه).
وفي رواية: (دبر رجل من الأنصار غلاما له، لم يكن له مال غيره، فباعه رسول الله ﷺ ، فاشتراه ابن النحام عبدا قبطيا، مات عام الأول في إمارة
стр. 2537
ابن الزبير).
وفي رواية: (أن رجلا أعتق عبدا له، ليس له مال غيره، فرده النبي ﷺ ، فابتاعه منه نعيم بن النحام).
وفي رواية لمسلم: (أعتق رجلا من بني عذرة عبدا له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (ألك مال غيره؟) قال: لا، قال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي، بثمانمائة درهم، فجاء بها إلى رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فللذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك).
وفي رواية: (أن رجلا من الأنصار - يقال له: أبو مذكور - أعتق غلاما له عن دبر، يقال له: أبو يعقوب)].
* وذكره في هذا الحديث جواز بيع المدبر، ولا سيما إذا احتاج سيده.
стр. 2538
* فأما قوله: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها) فقد سبق بيان هذا المعنى، وتدبير العبد: عتقه عن دبر من المعتق، أي بعد إدباره عن الدنيا بالموت.
- ٢٤٦٧ -
(٩٤/أ) الحديث الثاني والعشرون:
[عن جابر، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الزبيب، والتمر، والبسر، والرطب).
وفي حديث جرير: أن النبي ﷺ نهى أن يخلط الزبيب، والتمر، والبسر).
وفي رواية: (نهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا هكذا)].
* قد سبق في مواضع.
стр. 2539
- ٢٤٦٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن جابر، (أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة).
وعن ابن عباس وجابر قالا: (لم يكن يؤذن يوم الفطر).
زاد في رواية: (ثم سألته، يعني عطاء، بعد حين عم ذلك؟ فأخبرني عن الأذان قال: فأخبرني جابر: أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حتى يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ، ولا إقامة).
وعن جابر (أن النبي ﷺ قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة).
قلت لعطاء: (أترى حقا على الإمام أن يأتي النساء فيذكرهن؟، قال: إن ذلك لحق عليهم، وما لهم أن لا يفعلوا؟).
وفي رواية: (شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس (٩٤/ب) وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، وقال: تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالك: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير، فقال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في
стр. 2540
ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن)].
* أما البداءة بالصلاة قبل الخطبة بالعيد، فالفرق بينها وبين الجمعة، وفيه تنبيه على أن صلاة العيد لا تجب على الأعيان؛ لأن الخطبة قبل الجمعة كالانتظار للناس، فلما لم يجب هذه على الأعيان بدئ بالصلاة.
* وأما باقي الحديث فقد تقدم في مسند ابن عباس وتكلمنا عليه.
* وذكر النساء بأنهن أكثر أهل النار قد تقدم في مسند ابن عباس وعمران بن حصين، وسيأتي في مسند أبي سعيد وأسامة بن زيد.
- ٢٤٦٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن جابر بن عبد الله، قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر، وكنت على جمل ثقال، إنما هو في آخر القوم، فمر بي النبي ﷺ فقال: (من هذا؟ فقلت: جابر بن عبد الله، قال: مالك؟ قلت: إني على جمل ثقال، قال: أمعك
стр. 2541
قضيب؟ قلت: نعم، قال: (أعطنيه)، فأعطيته، فضربه فزجره فكان من ذلك المكان في أول القوم، قال: (بعنيه)، فقلت: بل هو لك يا رسول الله، فقال: (بل بعنيه)، قد أخذته بأربعة دنانير، (٩٥/أ) ولك ظهره إلى المدينة). فلما دنونا إلى المدينة أخذت أرتحل، قال: (أين تريد)؟ قلت: تزوجت امرأة قد خلا منها، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: إن أبي توفي وترك بنات، فأردت أن أتزوج امرأة قد خلا منها، قال: (فذلك) فلما قدمنا المدينة، قال: يا بلال، اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير، وزاده قيراطا، قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ ، فلم يكن القيراط يفارق قراب جابر بن عبد الله).
وفي رواية: (أنه قال له: قد أخذت جملك بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (غزوت مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي النبي ﷺ وأنا علي ناضح لنا قد أعيى، قال: فتخلف رسول الله ﷺ ودعا له، فما زال بين يدي الإبل، قدامها يسير، فقال لي: (كيف ترى بعيرك؟) قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال: أفتبيعنيه؟ قال: فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت: نعم!، قال: فبعته إياه، على أن لي فقار ظهره، حتى أبلغ المدينة، قال: فقلت: يا رسول الله، إني عروس، فاستأذنته، فأذن لي فتقدمت الناس إلى المدينة؛ حتى أتيت المدينة، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت فيه؛ فلامني، قال: وقد كان قال لي رسول الله ﷺ هل تزوجت بكرا أم ثيبا، قلت: تزوجت ثيبا، قال: هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك؟
стр. 2542
قلت: يا رسول الله، توفي (٩٥/ب) والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبا، لتقوم عليهن وتؤدبهن، قال: فلما قدم رسول الله ﷺ غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه؛ ورده علي).
وفي رواية عن جابر: (أنه كان يسير على جمل له قد أعيى، فمر به النبي ﷺ فضربه ودعا له، فسار يسير ليس يسير مثله، ثم قال: (بعنيه بأوقية)، قلت: لا، ثم قال: (بعنيه بأوقية)، فبعته، واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري فقال: (ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك، فهو مالك).
وفي رواية: (أفقرني رسول الله ﷺ ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة).
قال عطاء وغيره: (ولك ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (وشرط ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (ولك ظهره حتى ترجع).
وفي رواية: (أفقرناك ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (تبلغ عليه أهلك)، قال البخاري: (الاشتراط أكثر، وأصح عندي).
وفي رواية: (أخذته بأربعة دنانير)، قال البخاري: (وهذا يكون أوقية، على حساب الدينار بعشرة).
стр. 2543
وفي رواية: (أوقية ذهب).
وفي رواية: (مائتي درهم).
وفي رواية: (أنه اشتراه بطريق تبوك، أحسبه قال: بأربع أواقي).
وفي رواية: (اشتراه بعشرين دينارا).
(٩٦/أ) وفي رواية لمسلم: (أنه كان يسير على جمل له قد أعيى فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي ﷺ ، فدعا لي وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله، فقال: بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي).
وفي رواية: (خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة، فأبطأ بي جملي، فأتي علي رسول الله ﷺ فقال: يا جابر، فقلت: نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ بي جملي وأعيا فتخلفت، فنزل فتحجنه بمحجنه، ثم قال: اركب، فركبت، فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ ، فقال: أتزوجت؟ فقلت: نعم، ثم ذكر نحوه).
وفيه: (أما أنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس).
وفيه: (فاشتراه مني بأوقية).
وفيه: (قدمت بالغداة فجئت المسجد فوجده على باب المسجد فقال: الآن قدمت؟ قلت: نعم، قال: فدع جملك، وادخل فصل ركعتين، قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت، فأمر بلالا أن يزن لي أوقية، فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان، قال: فانطلقت، فلما وليت قال: ادع لي جابرا، فدعيت
стр. 2544
فقلت: الآن يرد علي الجمل، ولم يكن شيء أبغض إلي منه، فقال خذ جملك وله ثمنه).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب من خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفت، فإذا أنا برسول الله صلى (٩٦/ب) الله عليه وسلم، فقال: ما يعجلك يا جابر؟، قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعرس، قال: أبكرا تزوجتها أم ثيبا؟ - فذكره - قال: فلما ذهبنا لندخل فقال: أمهلوا حتى ندخل ليلا - أي: عشاء - كي تمشط الشعثة، وتستحد المغيبة).
وفي رواية: (إذا قدمت فالكيس).
وفي رواية: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا).
وفي رواية: (نهى النبي ﷺ أن يطرق أهله ليلا).
وفي رواية: (لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم)، قال ابن مهدي عن سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ يعني قوله: (يتخونهم ويطلب عثراتهم).
وفي رواية: (أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله ﷺ فأعيى جملي - وذكر نحوه - وفيه قال لي: بعني جملك هذا، قلت: لا، بل هو لك، قال: (بل بعنيه)، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: (بل بعنيه)، قلت فإن لرجل علي أوقية ذهب، فهو لك بها، قال: قد أخذته، فتبلغ عليه إلى
стр. 2545
المدينة، فلما قدمت المدينة قال رسول الله ﷺ لبلال: (أعطه أوقية من ذهب وزده)، قال فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ ، فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة).
وفي رواية: (كنا في مسير مع رسول الله ﷺ ، وأنا على ناضح، إنما هو في أخريات الناس، فضربه رسول الله ﷺ (٩٧/أ) أو قال نخسه (أراه قال) بشيء كان معه، قال: جعل بعد ذلك يتقدم الناس، ينازعني حتى إني لأكفه، فقال رسول الله ﷺ : (أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك؟ قال: قلت: هو لك يا نبي الله، قال: أتبيعنيه كذا وكذا والله يغفر لك؟ قال: قلت: هو لك يا نبي الله، قال ذلك ثلاثا، وقال لي: أتزوجت بعد أبيك؟ قلت: نعم وذكره، قال أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا وكذا والله يغفر لك).
وفي رواية: (فنخسه رسول الله ﷺ وقال لي: اركب بسم الله، وفيه: (ما زال يزيدني ويقول: والله يغفر لك).
وفي رواية: (أتى علي النبي ﷺ وقد أعيى بعيري، قال: فنخسه، فوثبت، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه، فما أقدر عليه؛ فلحقني رسول الله ﷺ فقال: (بعنيه)، فبعته بخمس أواقي، قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال: فلما قدمت المدينة أتيته به، فزادني أوقية، ثم وهبه لي).
وفي رواية عن أبي المتوكل قال: (أتيت جابرا فقلت: أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: سافرت معه في بعض أسفاره. قال الراوي: - لا
стр. 2546
أدري غزوة أو عمرة -، فلما أن أقبلنا، قال النبي ﷺ : (من أحب أن يتعجل إلى أهله فليتعجل)، قال جابر: فأقبلنا، وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية والناس خلفي، فينما أنا كذلك إذ قام علي (٩٧/ب) فقال لي رسول الله ﷺ : (يا جابر استمسك) فضربه بسوطه فوثب البعير مكانه، فقال: أتبيع الجمل؟ قلت: نعم، فلما قدمنا المدينة ودخل النبي ﷺ المسجد في طوائف من أصحابه دخلت إليه، وعقلت الجمل في ناحية البلاط، فقلت له: هذا جملك، فخرج فجعل يطيف بالجمل ويقول: (الجمل جملنا)، فبعث النبي ﷺ إليه بأواقي من ذهب فقال: أعطوها جابرا، ثم قار: استوفيت الثمن؟ قلت: نعم، قال: (الثمن والجمل لك).
وفي رواية: (تزوجت، فقال لي رسول الله ﷺ : (ما تزوجت؟ فقلت تزوجت ثيبا، فقال: مالك وللعذارى ولعابها).
وفي رواية: (فأين أنت من العذارى ولعابها).
وفي رواية: (هلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟).
وفي رواية: (أتيت النبي ﷺ ، قال: مشعر أراه، قال: فقال: صل ركعتين، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني).
وفي رواية: (بعت من النبي ﷺ بعيرا في سفر، فلما أتينا المدينة قال: أئت المسجد، فصل ركعتين، فوزن، قال شبعة: أراه فوزن لي فأرجح، فما زال منها شيء حتى أصابها أهل الشام يوم الحرة).
وفي رواية: (اشترى مني النبي ﷺ بعيرا بوقيتين ودرهم، أو ردهمين،
стр. 2547
فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا (٩٨/أ) منها، فلما قدم المدينة، أمرني أن آتي المسجد فأصلي فيه ركعتين، ووزن لي ثمن البعير).
وفي رواية: (هلك أبي وترك سبع - أو تسع - بنات، فتزوجت امرأة، فقال النبي ﷺ : أتزوجت يا جابر؟ قلت: نعم، وذكر الحديث، واعتذاره عن نكاحه الثيب، قال: فبارك الله عليك).
وفي رواية: (أصبت).
وفي رواية: (تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ فلقيت النبي ﷺ ، فقال: يا جابر: تزوجت؟ قلت: نعم، فقال: بكر أم ثيب؟، قلت: ثيب، قال: فهلا بكرا تلاعبها؟ قال: قلت: يا رسول الله، إن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، فقال: ذاك إذا، إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك).
حكى أبو مسعود فيه أنه رأى عليه أثر صفرة وليس ذاك فيما عندنا من كتاب مسلم)].
стр. 2548
* قوله: (على جمل ثقال) البطيء السير، القليل الحركة.
* وقوله: (فمر رسول الله ﷺ فقال: ما لك؟) يدل على أنه كان ﷺ يعتبر الرفقة في ساقتهم؛ لأن الضعفة إنما تعتقد عند آخر القوم، فلذلك كان ﷺ معتربا حال الرفقة في الساقة، ولما رأى جابرا متأخرا قال: من هذا؟، فأراد سؤاله عنه أن يعلم حاله، وهل تأخره عن ضعف في حاله أم عن غير ذلك، فلما قال له: مالك؟، أراد أن يعلم إن كان تأخره عن اختيار منه للتأخر (٩٨/ب) أم لعرض عليه.
فلما شكى إليه بطء جمله، قال له: أمعك قضيب؟ يريد بذلك إن لم يكن معك قضيب فقد فرطت في ترك ما تسوق به الجمل، فلما قال له: نعم، قال: أعطنيه، فأراد ﷺ أن جابرا قد كان استعمل لتسوق الجمل آلته؛ لكن ما أخذ رسول الله ذلك القضيب بعينه فضرب الجمل فتقدم حتى كان أول الناسن ظهرت في ذلك لرسول الله ﷺ آية لم تكن لجابر ولا لغير جابر.
стр. 2549
* فأما قوله: (بعنيه) فإنه لما رأى جابرا قد شكى بطء ذلك الجمل، وإنه تأخر به، أراد أن يشتريه منه، ويركبه إياه حتى إن عطب كان من مال رسول الله ﷺ .
* وقوله: (قد أخذته بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة) هذا يدل على أن الشرط في البيع صحيح لأنه اشتراه منه واشترط له ظهره إلى المدينة.
* وقد روى هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ في حق بربرة: قد أبى أهلها إلا أن يشترطوا ولائها، فقال: (اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق).
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ (نهى عن بيع وشرط).
فهذه الأحاديث الثلاثة تختلف. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، والذي أرى فيه أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وما قال: كل بيع، والمراد بذلك البيع الذي نافى صحته الشرط مثل (٩٩/أ) أن يبيعه دارا ويشترط سكناها، وكذلك حديث بربرة فإنهم لما شرطوا ولائها، والولاء إنما هو ثمرة الملك، كان ذلك كالمنافي للصحة في البيع، فحكم بصحة البيع دون ذلك الشرط الفاسد.
стр. 2550
* وفي الحديث دليل على جواز تقديم القبول على الإيجاب لأنه قال: (قد أخذته بأربعة دنانير) إلا أنه بلفظ الماضي، فيدل على جواز تقديم الإيجاب على القبول، والقبول على الإيجاب، ولكن بلفظ الماضي.
* وقوله: (قد خلا منها) أي قد قضى من عمرها.
* وقوله: (فهلا بكرا) وذلك إنه اختار له الأجود والأفضل؛ ولأن أصلح ما قصد به في التزويج أن يلائم بين القرنين المتجانسين بعد حصول الدين أن ينكح الشاب الشابة، والكهل الكهلة، والحسيب الحسيبة، وهذا يدل أن جابرا كان شابا.
* وفي الحديث دليل على جواز ملاعبة الرجل المرأة، والمرأة الرجل، لأن في ذلك ألفة وغرس محبة.
* وفيه أيضا أنه لما سمع جابر من رسول الله ﷺ ذكر الأصلح، وكان عنده من العذر ما تنكب الأصلح لأجله، وهو أراد به امرأة تقوم بمصالح البنات، قال له رسول الله ﷺ : (فذاك) أي فذاك إذا عذر.
* وفيه أن الإنسان إذا اشترى شيئا في ذمته؛ فالمستحب له أن يوفي الثمن وزيادة ما كانت، وأن لا يخل بذلك ولو كان قيراطا، فإن رسول الله ﷺ لم يقل زده قيراطا وإنما قال له: (زده)، فكان تقدير الزيادة بالقيراط من بلال على معنى أن أهل الثمن (٩٩/ب) يناسبه أن تكون الزيادة على نحو القيراط.
* وفيه أن الرجل المؤمن قد يسره أن يزيد ماله ببركة ونمو، لقول جابر: لا
стр. 2551
تفارقني زيادة رسول الله ﷺ ) يعني أنها بركة ينمي بها ماله ويثرى.
* وأما قوله: (فأعطاني ثمنه ورده علي) والذي أراه أن رسول الله ﷺ لم يرد بذلك إلا أن يكون حث رسول الله ﷺ للبعير بحث جابر واقعا في ملك رسول الله ﷺ لئلا يكون قد حث بعيرا ليس له.
* وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ لما رأى جابرا قد أزمع على تسيب البعير حين وقوفه عليه، ساقه له وابتاعه، وحمل عليه جابرا ورد له، وفي ذلك إشارة إلى أن كل ردية يرديها ركب فإنه لا ينبغي أن تهمل، بل يصبر عليها، ويرفق بها ويحسن التوصل إلى إيصالها، فيكون فعل رسول الله ﷺ في حمل جابر تعليما لمثله في كل ردية وظهر مقصر.
* فأما قوله: (إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها) أنه ﷺ قد أباح بهذا القول أن تنكح المرأة على جمالها وعلى مالها إلا أنه ﷺ عين أن ذات الدين أولاهن بالإيثار.
* وقوله: (تربت يداك) فإنه قول يحض به، وإن كان مخرجه مخرج الدعاء.
* وفيه أيضا: (أن ذات الدين خيرهن) فإن كانت جامعة للأوصاف، فهي من قرة الأعين؛ وإلا فدينها كاف عند ذي الدين.
* وقوله في هذا (١٠٠/أ) الحديث: (وأنا على ناضح) الناضح: ما استقى عليه ليسقي النخل والزرع.
стр. 2552
* والأوقية: أربعون درهما وجمعها (أواقي) بالتشديد.
* وقوله: (أفقرني ظهره) أي أعارني فقاره لأركبه، والفقار: الظهر، والمحجن: عصا في طرفها انعقاف.
* وقوله: (فإذا قدمت فالكيس) قال ابن الأعرابي: الكيس: الجماع، والكيس: العقل، كأنه جعل طلب بالجماع عقلا. وقال أبو سليمان: ويحتمل أن يكون قد أمر بالتوفي والحذر من إصابة أهله إن كانت حائضا لطول غيبته. والبعير القطوف: البطيء المشي.
* وقوله: (وتستحد المغيبة) قال أبو عبيد: الاستحداد: الاستحلاق بالحديد، والمغيبة التي غاب عنها زوجها.
* قوله: (فلا يطرق أهله ليلا) الطروق: إتيان المنازل بالليل خاصة.
* وقوله: (لئلا تخونهم) أي تتبع خيانتهم.
* وقوله: (على جمل أرمك) الأرمك: الذي يضرب لونه إلى الكدرة.
* وقوله: (ليس فيها شية) أي لا لون فيه يخالف كدرته بل كله لون واحد.
* وقوله: (في ناحية البلاط) البلاط: كل شيء فرشت فيه المكان من حجر أو غير، ثم سمي المكان بلاطا لما فيه من ذلك على المجاز.
* وقوله: (فلما قدم ضرارا) وهو اسم موضع.
стр. 2553
- ٢٤٧٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن جابر، قال: (أهل النبي ﷺ وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، فقدم علي ﵁ من اليمن معه هدي، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ، فأمر النبي ﷺ (١٠٠/ب) أصحابه: أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا، إلا امن كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)، وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، وقالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج).
وفي رواية عن جابر: (أمر النبي ﷺ عليا ﵁ أن يقيم على إحرامه، وذكر قول سراقة، وزاد في رواية: (أن النبي ﷺ قال له: (بما أهللت يا علي؟) قال: بما أهل به النبي ﷺ ، قال: فأهل وامكث حراما).
وفي رواية عن أبي شهاب، قال: (قدمت مكة متمتعا بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أناس من أهل مكة: تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد
стр. 2554
سمينا للحج؟ فقال: افعلوا ما أقول لكم، فلولا إني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، ففعلوا).
(١٠١/أ) وفي رواية: (فقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة فأمرنا النبي ﷺ أن نطوف بالبيت، والصفا والمروة، ونجعلها عمرة، ونحل إلا من معه هدي، وذكره، وفيه قال: فلقيه بسراقة بن مالك وهو يرمي الجمرة. قال في حديث عبد الوهاب: بالعقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: بل للأبد) وذكر قصة عائشة واعتمارها من التنعيم.
وفي رواية عن عطاء: (قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحج خالصا وحده، قال عطاء: قال جابر فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل).
وفي رواية: (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج، فلما قدمنا مكة، أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس، فقال: (أيها الناس، أحلوا، فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم)، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما نفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج).
وفي رواية: (قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة).
стр. 2555
وفي رواية عن جابر وأبي سعيد، قالا: (قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخا).
وفي رواية عن جابر: (أقبلنا مهلين (١٠١/ب) مع رسول الله ﷺ بحج مفردا وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال.
ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي فقال: (ما شأنك؟) قالت: (شأني، إني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن) فقال: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم؛ فاغتسلي ثم أهلي بالحج) ففعلت، ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: (قد حللت من حجك وعمرتك جميعا) فقالت: (يا رسول الله، وإني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت) قال: (فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم) وذلك ليلة الحصبة).
وفي رواية: (دخل النبي ﷺ على عائشة وهي تبكي، فذلك مثل حديث الليث).
وفي رواية: (وكان رسول الله ﷺ رجلا سهلا، إذا هويت الشيء تابعها عليه).
стр. 2556
وفي رواية: (خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، معنا النساء والولدان (١٠٢/أ)، فلما قدمن مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ : (من لم يكن معه هدي فليحلل) وذكره، ثم قال: فلولا كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نشرك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة).
وفي رواية: (أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح).
وفي رواية: (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول).
وفي رواية: (كان النبي ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وابتوا نكاح هذه النساء؛ فلأن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة) ,
وفي رواية: (فأفصلوا حجكم من عمرتكم؛ فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم).
وفي رواية: (استمعنا مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄].
стр. 2557
* قد سبق حديث التمتع في الحج في مسند سعيد، وسبق قوله سراقة: (ألنا هذه أم للأبد) في مسند ابن عباس، وسبق قوله: (ابتوا نكاح هذه النساء) في مسند عمر ﵁.
* ومعنى (عركت): حاضت.
* وقول جابر: (استمتعنا مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله (١٠٢/ب) عنهما، قد تأوله مسلم بن الحجاج على متعة النساء، ويدل على تأويله حديث سيأتي بعد خمس وستين حديثا من إفراد البخاري من هذا المسند، وهذا محمول ممن فعله على أنه لم يبلغه النهي عنه، وإلا فهذا منسوخ، وقد ذكرنا ذلك في مسند عمر ﵁.
* وقوله: (كان ﷺ سهلا)، وقوله: (كانت عائشة إذا هويت الشيء تعابعها عليه) فيه دليل على أن الخلق المحمود أن يكون الرجل سهلا، كما وصف جابر
стр. 2558
رسول الله ﷺ ، فقال: كان سهلا.
* وقوله: (كانت إذا هويت أمرا تابعها عليه) فإنه يكون تحريره إذا استأذنته في شيء نافع لها، أذن لها فيه؛ فإن عائشة ﵂ لم تكن تحب من الأمر إلا ما قرب إلى الله ، كهذه الحال التي رواها في هذا الحديث، فإنها شكت إليه ما تعرض في صدرها وتحل من رحيلها عن الكعبة، ولما نطق قال: يا عبد الرحمن اذهب بها، وفي هذا ما يدل على شرف عائشة، فإن رسول الله ﷺ عرف منها إيثارها الحق وميلها إلى مقتضيات الإيمان والدين، فكان رسول الله ﷺ يتابعها في ذلك لعلمه بها وما جربه منها، ولم يكن ﷺ جبارا ولا جافيا للحق إذا أذكره به غيره، وليس ينصرف هذا من مقصود جابر في نطقه به أن عائشة كانت تهوي غير الحق، ولا أن رسول الله ﷺ كان يتابع أحدا في (١٠٣/أ) غير الحق.
- ٢٤٧١ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن جابر، قال: (جاء أعرابي النبي ﷺ فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محموما، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فأبى، ثم جاء فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال النبي ﷺ : (إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها وينصع طيبها)].
стр. 2559
* قد سبق فضيلة المدينة في مسند سعد وغيره.
* وقال أبو سفيان: قد قيل إن الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد على الحديد.
والكوز: ما كان مبنيا من طين يخلص، وناصع كل شيء: خالصه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه ليس لأحد خيار في ترك الحق والعود إلى الباطل، فإن هذا الأعرابي حين بايع رسول الله ﷺ على الحق لم يبق له خيار وخالف الكافر الذي لم يبايع على الإسلام، فإنه لو دخل بعهد أو ذمة وجاء إلى رسول الله ﷺ لم يحمله رسول الله ﷺ على الإسلام جبرا، فأما هذا فإنه حين أعطي صفقته لم يبق في ذلك إلا وفاؤه أو قتله إن ارتد.
* وفيه أيضا من الفقه أنه لا يحل أن يفك عن مثله ربقة الحق في ظاهره ما بقي في هذه الدنيا، وإن كانت أمارات نطقه دالة على أنه قد ارتد من جهة أنه أتى رسول الله ﷺ يستقيله البيعة من أجل أنه حم ليعود إلى الكفر، فلم يقله رسول الله ﷺ ، مع أنه لم يقله في حالته تلك بهذه الردة؛ بل ترك ظاهره في قيد الحق شرعا ليفي إن فاء (١٠٣/ب)، وإلا فالنار من ورائه في الآخرة،
стр. 2560
وهذا إنما يحمل على حال هذا من جاء إلى رسول الله ﷺ يلتمس فك العقد، فأما من أظهر الردة لنفسه وخلق الربقة من عنقه هو وارتد؛ فإنه يقتل.
* وفيه أيضا من الفقه أنه ليس ما يعرض من الأمراض والأوصاب والفقر والشدة على من يعرض له ذلك مما يدل على باطل، فإن ذلك الأعرابي لقلة فقهه ظن أن الحمى إنما أتته من حيث إنه دخل في الإسلام ولم يكن ذلك كذلك، فأرى أن كل من دخل في طريق من طرائق الخير فعرض له عارض ابتلاء فنفر من سلوك ذلك الطريق الذي دخل فيه، فإنه على نحو قلة فقه هذا الأعرابي الذي أراد أن يرتد عن الإسلام من أجل الحمى.
فقد حكي أن أبا طالب الأنصاري قال: دخلت على الشيخ محمد بن يحيى في سنة الجهد وقد بلغ الأمر من المسلمين من ضيق العيش إلى أنه لم يكن يلحق الزاد إلا نادرا، وكان الشيخ محمد بن يحيى حينئذ ذا عيال كثير، قال: فسمعته وهو يقرأ: ﴿نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾.
* وفي هذا الحديث ما يدل على تحريم التشاؤم بأي شيء كان، فإن هذا الأعرابي أتى من تشاؤمه بالحمى التي تشاءم بالإسلام من أجلها، والمدينة تنفي خبيثها، وطيبها هو الناصع.
следующие страницы →