← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

- ٢٧٠ - الحديث السادس والأربعون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)]. * سباب المسلم من أجل أنه مسلم فسوق، وقتال المسلم من أجل أنه مسلم كفر، وأما غير هذا الوجه فكل مقام فيه مقال. - ٢٧١ - الحديث السابع والأربعون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد (١٣٥/ أ) أحب إليه المدح من الله ؛ ولذلك مدح نفسه). وزاد مسلم في رواية له: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل)].

стр. 387

* في هذا الحديث تنبيه على أن لله سبحانه غيرة على عبده وأمته، وأن من أتى فاحشة مع أمة من إماء الله بغير إذن مالكها ﷻ فقد اجترأ على حمى الله سبحانه. * وقوله: (ولا أحد أحب إليه المدح من الله) لأنه سبحانه يحب الصدق، ولا يصدق المادح إلا في مدح الله ، فإن مدحه نشر الآية الحميدة، وهو يستدعي تحبيب الله تعالى إلى عباده، ويحضهم على طاعته فيستدعي حب الله تعالى لعباده، إلا أنه سبحانه لما علم عجز الخلق عن مدحه تعالى مدح نفسه سبحانه. * وقوله: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله) .. أي إقامة العذر، ولذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة يعد الرسل؛ ولذلك لا يدخل النار إلا من قد برد قلبه بإقامة الحجج عليه فهو كالمتشفي من نفسه لظلمها وبغيها على الله بعد أن انكشفت لها الأمور وزال عنها اللبس. - ٢٧٢ - الحديث الثامن والأربعون: [عن شقيق، قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن! كيف تقرأ هذا الحرف، ألفًا تجده أم ياء، (من ماء غير آسن). أو من ماء غير ياسن؟ فقال له عبد الله، أو كل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم

стр. 388

ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود. إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن سورتين في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره. فقلنا له: (١٣٥/ ب) سله عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في ركعة، فدخل عليه فسأله ثم خرج علينا فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف عبد الله آخرهن من الخواتيم (حم الدخان) و (عم يتساءلون)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان يتعين عليه أن يتقن الأصول قبل طلب الفروع، ألا ترى قول ابن مسعود: أوكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ إذ لا يعرف أحد يقرأ ياسين، ويدلك على أن ابن مسعود لم يرض فقه المسائل من أجل أنه لما سأله عن علمه في أصول القراءة لم يجبه عنه بل عدل إلى غيره، وقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، وليس هذا بجواب لابن مسعود، فإن جوابه كان أن يقول: إني عرفت ذلك كله أو لم أعرفه فعدل إلى كلام آخر فوجد ابن مسعود فيه أيضًا ما يقتضي نهيًا آخر فقال له: هذا كهذ الشعر، وهذا هو جواب هذا الكلام الأخير ثم أتبعه بقوله: (إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم) تحذيرًا له أن يكون منهم، ثم قال بعد ذلك: إذا وقع في القلب فرسخ في القلب أي ثبت فيه. * ومن دليل الخطاب في هذا الكلام أنه ينبغي أن يشتد الخوف على من يقرأ القرآن ولا يرسخ في قلبه. * وأما قوله: (إن أفضل الصلاة الركوع والسجود) فما أراه إلا أنه، إذ كرر الركوع والسجود كان بذلك مسبحًا لله ، ومعظمًا له، وكان ذلك لمن يهذ

стр. 389

القرآن أفضل. وأما من يتدبر القرآن بالتلاوة فإن طول التلاوة له أفضل، وسيأتي تفصيل هذا في الأحاديث التي يذكر فيها إن شاء الله تعالى. *وقوله: (إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن) فيه جواز أن يقرن الرجل بين سورتين في ركعة. * وفيه من الفقه أن العالم إذا سأله من لا يحسن السؤال أو من لا يراه أهلا لأن يحمل عنه (١٣٦/ أ) أن لا يضيع الزمان في حديثه. ألا ترى ابن مسعود كيف قام وترك الرجل حتى سأل الحاضرون علقمة أن يدخل إلى ابن مسعود فيسأله عن النظائر. *فأما النظائر فليس في هذا الحديث ما يدل أنها نظائر في القصص أو في عدد الآي أو الوعد أو الوعيد أو غير ذلك ومن النظائر في العدد نحو الحجرات والتغابن وكل واحدة منهما ثماني عشرة آية ونحو سورة الحديد تسع وعشرون ومثلها التكوير، ونحو المجادلة اثنتان وعشرون ومثلها البروج، ونحو الجمعة إحدى عشرة آية ومثلها المنافقون والضحى والعاديات والقارعة، والطلاق اثنتا عشرة آية ومثلها التحريم، ثم سورة الملك ثلاثون آية ومثلها الفجر، ونون خمسون آية وآيتان ومثلها الحاقة، والمزمل عشرون ومثلها البلد، والقيامة أربعون ومثلها القتال، والانفطار تسع عشرة آية ومثلها الأعلى والعلق، والانشراح ثماني آيات ومثلها التين والزلزلة والتكاثر، والقدر خمس آيات ومثلها الفيل وتبت والفلق، والعصر ثلاث آيات ومثلها الكوثر والنصر، وقريش أربع آيات ومثلها الإخلاص، والكافرون ست آيات ومثلها الناس. * وإن كان يعني النظائر في القصص وهو أن يخرج من قصة إلى نظيرها نحو قوله في آخر سورة الأحقاف: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ ثم أتبعها

стр. 390

بوصفهم فقال: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ وكذلك قوله في آخر الذاريات: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ ثم ذكر ذلك اليوم بقوله: ﴿والطور، وكتاب مسطور﴾ الآيات. إلا أنه في هذا الحديث المفصل، والمفصل قصار السور. قال ابن قتيبة (١٣٦/ ب) (سميت مفصلًا لقصرها وكثرة الفصول فيها بسم الله الرحمن الرحيم). * الترقوة: العظم بين الحلق والصدر، وإنما سميت بترقوة لترقيها، والواو في ترقوة منقلبة عن ياء لأن جمعها تراقي وإنما لما انضم ما قبلها انقلبت واوًا. - ٢٧٣ - الحديث التاسع والأربعون: [عن شقيق، قال خطبنا عبد الله فقال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ . وعند مسلم: (لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه).

стр. 391

قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ فما سمعت أحد يرد ذلك عليه، ولا يعيبه]. * في هذا الحديث من الفقه جواز أن يذكر الرجل فضل نفسه إذا غفل عن قدره ليحض الناس على التعلم منه والتحمل عنه. * وقوله: (على قراءة من تأمرونني أقرأ؟ لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة) فإنه صادق في ذلك إلا أن الذي وقع عليه الإجماع وشهد به أربعة من الرجال الذين عددهم الغاية في البيان، وأقره الخلفاء الراشدون هو الحق، وإذا خالف عبد الله شيئًا منه في بعض الحروف كان الرجوع إلى ما شهد به الأكثر، إذ الواحد فد يجوز عليه الخطأ والنسيان وغير ذلك ما يجوز. * وقوله: (لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله) فهو صادق في ذلك، وهذا قول عالم إلا أنه احترز بقوله (من أعلمهم) ولم يقل أنا أعلمهم. *وقوله: (لو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه) يدلك على أن المتعين على العالم إذا أشير إليه وتفرد في علمه فبلغه أو (١٣٧/ أ) إذا عرف أن عالمًا أعلم منه في ذلك العلم الذي أشير إليه هو فيه كان المتعين عليه أن يرحل إليه ويستفيد منه، فيزداد بذلك علمًا إلى علمه. وليعرف الناس باستحقاق العالم بالقصد له فيصرفهم إليه. *وقول شقيق: (فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ ، فما رأيت أحدًا يرد ذلك عليه ولا يعيب عليه) فإنه قول صدق فإنه لم يقل إلا قول عالم محترز في قوله فلا يعيبه عليه محق.

стр. 392

-٢٧٤ - الحديث الخمسون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، فاستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها). وفي رواية يحيى بن يحيى، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقل أحدكم: نسيت آية كذا وكذا، بل هو نُسِّي)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين: أحدهما، يتضمن سوء أدب، فالأولى أن يعدل الإنسان عنها إلى كلمة لا تحتمل إلا معنى واحدًا خارجًا عما يحذر، فإن قوله: (بئسما لأحدهم أن يقول نسيت) فإن نسيت تكون بمعنى تركت. ولا ينبغي لأحد أن يقول: تركت آية كذا وكذا فإذا قال: (نسيت آية كذا وكذا) خلص قوله من الاحتمال، ثم لما كان هذا يخلص منه أن يستذكر الإنسان القرآن بدراسته وتلاوته عقبه يذكر الحض على الدراسة والتلاوة. ثم أتبعه بقوله: (فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها) وذلك أن القرآن حق فصل ليس بالهزل، جد كله، وما قد نشأ الآدمي عليه من أضداد هذه الأحوال فقد أنس بها طبعه. فإنه لا يزال ينزع إلي ما قد أنس به وطالت صحبته فيضطر غلى تذكار القرآن وتكرير دراسته وتلاوته، ويزيده قوة على ذلك أن يفهم ما يقرأه، ألا تراه يقول: أشد (١٣٧/ ب) تفصيًا من النعم من عقلها؟ فإن الأفهام إذا أدركت المعاني كانت لسرورها بها من أعوان التالي بخلاف ما إذا قرأ ما لا يفهمه. وأما التفصي فإنه من تفصى الشيء إذا انفصل عنه.

стр. 393

-٢٧٥ - الحديث الحادي والخمسون: [عن عبد الله، قال: ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليله حتى أصبح وفي رواية: مازال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه، أو قال في أذنيه)]. * في هذا الحديث من ظاهر نطقه الحض على قيام الليل نافلة، وإن كان مع تحرير كلمه ينصرف إلى من نام عن العشاء لأنه قال (نام الليل كله) والعشاء بعض الليل. * وقوله: (بال الشيطان في أذنيه). أعلم أن الباب الذي يدخل منه إلى اليقظة هو الأذن لقوله: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا﴾. * وقوله: (بال الشيطان في أذنه) فلا أراه إلا مثلًا من حيث أن الآدمي إذا أهمل سمعه في نهاره قبل نومه انتهز الشيطان فرصة غفلته؛ فقذف في أذنه من الكلام الخبيث المشكك له في الدين، والمغلب عنده طيب راحة النوم على ناشئة الليل فمنعه من قيام الليل؛ فكان بمثابة من ألقى البول في أذنه من حيث أنه ألقى الكلمة الخبيثة النجسة في أذنه فلذلك نام الليل كله من غير انزعاج لذكر الله تعالى في الليل الذي يخلو فيه بنفسه، ويسلم فيه من الرياء لأحد من خلق الله تعالى ولا يمتنع أن يكون للشيطان بول لا يحس به الآدمي وقد ذكر هذا العلماء.

стр. 394

-٢٧٦ - الحديث الثاني والخمسون: [عن عبد الله: قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني فأقول: أي رب أصحابي؟ فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (١٣٨/ أ)]. * في هذا الحديث أنه فرط لأمته على حوضه والفرط: هو السابق إلى الماء. * وفي الحديث دليل على أنه ﷺ يومئذ عال في المقام والمكان، ألا تراه يقول: حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني. ومعنى اختلجوا أي اجتذبوا؛ فأقول أصحابي فيقال: (أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وهذا ينصرف إلى من ارتد بعده كالذين منعوا الزكاة وغيرهم. -٢٧٧ - الحديث الثالث والخمسون: [عن عبد الله، قال: قال رجل يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟

стр. 395

فقال: (أما من أحسن في الإسلام فلا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ون أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)]. * في هذا الحديث من الفقه أن المسلم إذا أحسن إسلامه كان الإسلام جابًا لما قبله. * وفيه من الفقه أنه إذا أسلم بلسانه ولم يحسن عمله ولا صلحت نيته ولا آمن قلبه؛ فإنه يضاعف عليه السوء، ويؤخذ بما كان أساء في وقت عناده ومظاهرته بالشقاق مع الكفار، وبإساءته التي أتى بها في حال إسلامه، وهذا ينصرف إلى المنافقين ونحوهم إن شاء الله تعالى. -٢٧٨ - الحديث الرابع والخمسون: [عن شقيق قال: (كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها، مخافة السآمة علينا)

стр. 396

* فيه من الفقه أن الواعظ ينبغي له أن يكون همه في وعظ الناس أن يعلمهم من الخير بقدر ما يعلم أنهم يحفظونه، وأن يكون غرضه في الترقيق جذب القلوب إلى أن تفيء ثم ينتهز فرصة حضورها وانجذابها إلى حفظ ما يعلمها، وأن يتجنب كل ما يراه داعيا إلى السأم، وأن يغب بالموعظة (١٣٨/ ب). * وقوله (يتخولنا). قال أبو عبيد (يتخولنا): يتعهدنا، والخايل: المتعهد للشيء والمصلح له والقائم به، وروي يتخوننا بالنون، والتخون مثل التخول وكان أبو عمر بن العلاء يقول: إنما هو يتخولهم أي ينظر حالتهم التي ينشطون للموعظة والذكر فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا. * وهذا الحديث فيه من المسند (كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا). -٢٧٩ - الحديث الخامس والخمسون: [عن عبد الله، قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله ﷺ قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: فمن

стр. 397

يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله) ثم قال: (يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). قال: (فقلت: لا جرم، لا أرفع إليه بعدها حديثًا)]. * الصرف: صبغ يصبغ به الأديم. * وفي هذا الحديث من الفقه جواز إيثار الإمام وتفضيله قومًا في الغنائم على قوم على حسب ما يراه في مصالح الإسلام. * وفيه أيضًا دليل على حلم رسول الله ﷺ عن شرارات النطق الخفي طلبًا لجمع الكلمة وكراهية لشق العصا عند نفث كل ناطق غاو ما لم يظهره. * وفيه أيضًا جواز تأدية القول الذي ليس بصالح إذا قيل إذا كانت التأدية عبرة للحق ليعلم قائله فيحذر. * وفيه أيضًا أن عبد الله لما رأى أن رسول الله ﷺ غضب لذلك الخبر الذي أخبره به ثم لم يزد على أن قال: (قد أذي موسى بأكثر من هذا فصبر) (١٣٩/ أ) اقتضى استصوابه أن لا يرفع بعد ذلك إليه ﷺ مثله. وهذا جائز مع أمن الشر الذي يخاف في كتمان مثله مما ينشر أذاه أو يعظم ضرره.

стр. 398

- ٢٨٠ - الحديث السادس والخمسون: [عن عبد الله قال: (صليت مع رسول الله ﷺ فأطال حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه))]. *فيه جواز تطويل الصلاة وإن شق على بعض المأمومين، وهذا فلا أراه إلا في النافلة. * وفيه أيضًا جواز أن يخبر الرجل عن نفسه بما كان من همه بسوء ووقاية الله إياه شرها، وعلى أنه لو بلغ به الأمر أن لا يطيق القيام فلم يستمسك جاز له أن يقعد. - ٢٨١ - الحديث السابع والخمسون: [عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات يشرك بالله شيئًا، دخل النار). وقلت أنا: (من مات لا يشرك بالله (شيئًا) دخل الجنة) وفي رواية لمسلم بالعكس: أن رسول الله ﷺ قال: (من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة)، وقلت أنا: (من مات يشرك بالله شيئًا، دخل النار).

стр. 399

وفي رواية للبخاري قال رسول الله ﷺ كلمة وقلت أخرى قال: (من مات يجعل لله ندًا دخل النار)، وقلت: (من مات لا يجعل لله ندًا دخل الجنة)]. * في هذا الحديث على ما ذكر في الروايات دليل على أن الشرك بالله ضد الإيمان به، فكما أن الشرك يدخل النار فمن ليس يشرك يدخل الجنة. وهذا صحيح حق. - ٢٨٢ - الحديث الثامن والخمسون: [عن ابن مسعود قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)]. * في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ ذكر ما جرى لنبي قبله من الأذى ليشعر أصحابه وأمته أن صبره على أذى قومه قد سبقه الأنبياء إليه، وليس هو عن عجز ولا عن ذل كما يظنه أهل (١٣٩/ ب) الجاهلية، وإنما هو الرفق بالخلق والأناة

стр. 400

بهم والصبر عليهم، ولا سيما إذا كانوا لا يعلمون فيصبر انتظارًا لهم أن يؤمنوا؛ فيكون صبره ذلك نوعًا من المجاهدة في سبيل الله . * وقوله: (يمسح الدم عن وجهه) يعني أنه بلغ الأمر به إلى أن اجترأ عليه قومه حتى ضربوه وأدموه في وجهه وذلك من أشق ما لقي الأنبياء. * وفيه أيضًا دليل على أن النبي ﷺ لا يولي المشركين ظهره بل يلقاهم بوجهه؛ ولذلك شج رسول الله ﷺ في وجهه وكسرت رباعيته أي أنه كان مقبلًا غير مدبر ﷺ . - ٢٨٣ - الحديث التاسع والخمسون: [عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحب قومًا، ولما يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحب)]. * في هذا الحديث دليل على أنه سيلحق برسول الله ﷺ وأصحابه من أحبهم إلى يوم القيامة إن شاء الله؛ فإن قوله (لما يلحق بهم)؛ فإن لما أصلها (لم) زيدت عليها (ما) ليقتضي التأخير فيتصرف المعنى إلى أنه لم يلحق بهم عملًا ووقتًا. وفيه أيضًا بشرى لمن أحبهم ثم قصر به عمله أن يبلغ أعمالهم. فإن الله يلحقه بهم من حيث أنه بنفس حبه لهم فنيته تكون متمنية بلوغ مرامهم؛ فلمثل هذا كانت نية المؤمن بالغة ما لم يبلغه عمله.

стр. 401

*ويستدل من نطق هذا الحديث على أنه لا ينبغي لمسلم أن يحب كافرًا ولا أن يوده، ولا أن يتعرض أن يكون له عنده يد فيوده لأجلها مخافة أن يلحقه الله به؛ لظاهر هذا الحديث فإنه لم يقل المرء مع من أحب من الصالحين خاصة بل أطلقه، وهذا عام يتناول الصالحين وغير الصالحين. - ٢٨٤ - الحديث الستون: [عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء)]. * في هذا الحديث (١٤٠/ أ) من الفقه أنه لما كان يوم القيامة هو يوم الوزن الحق لم يقدر فيه إلا الأهم، والنفوس هي مالكة الأموال والأعراض فيبدأ في يوم القيامة بفعل الأهم فالأهم فإذا قضي فيه بالحق فيما كان من الدنيا من إصابة النفوس والجراح عدل حينئذ إلى القضاء فيما كان ملكًا لهذه النفوس أو مضافًا إليها ليعلم حينئذ تحرير التدبير في ذلك اليوم. - ٢٨٥ - الحديث الحادي والستون: [عن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان)].

стр. 402

* لما أتى الغادر بالشنعاء في اللوم وهي الغدرة وإنما يأتي ذلك لذل فيه عن المجاهرة بالغدر، رفع اللواء عليه لإظهار شهرته بعقوبة يشهدها الأولون والآخرون، كما يقام في الدنيا شاهد الزور، ويعلم الناس بحال المفلس؛ لئلا يغتر بهما أحد. * وفي هذه الإهانة للغادر إكرام لأهل الوفاء بالعهود من جهة أنه شاركهم في العهد وتميز بالعقوبة، فلما أهين علمت كرامتهم. - ٢٨٦ - الحديث الثاني والستون: [عن أبي وائل قال: كنت جالسًا مع ابن مسعود وأبي موسى الأشعري فقالا: قال رسول الله ﷺ : (إن بين يدي الساعة أيامًا، ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج- والهرج: القتل). وفي رواية البخاري أن الأشعري قال لعبد الله: أتعلم الأيام التي ذكر فيها النبي ﷺ أيام الهرج؟ .... قال ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول: (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء). وفي رواية لمسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)].

стр. 403

* في هذا الحديث من الفقه أن قيام الساعة يكون عند كثرة الشرور، وقلة الخير، وأن العدل حينئذ يستدعي قرب (١٤٠/ ب) وقت القضاء، وإنصاف المظلوم، وأنه ما دام الخير أكثر والعمل أظهر والجهل أخفى، فإن الحال المثلى راجحة. * وفيه أيضًا من الفقه أن شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون من بقايا عصب الرجال ممن قد رأى اليوم الذي لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. * وفيه أن من أشراط الساعة أن يجترئ الناس على القتل ويستخفوا بأمر الدماء؛ فإن الذين تدركهم الساعة وهم أحياء شرار الناس؛ لأنهم يصادفون الأهوال ثم تتصل بهم. - ٢٨٧ - الحديث الثالث والستون: [عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)). وفي أفراد مسلم نحوه وفي أوله (ألا أنبئكم ما العضة)].

стр. 404

* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل يصدق ثم يصدق إلى أنت ينتهي به إكثار الصدق إلى أن يكتب صديقًا، والصديق هو الصادق في مقاله وفي حاله فمقاله يصدق حاله، وحاله يصدق مقاله. * وصديق فعيل من الصدق يسمى به كل مكثر من الصدق كما يقال سكيت وشريب أي كثير السكوت والشرب، وكذلك إذا كذب ثم كذب فإنه يكتب عند الله كذابًا، ولم يأت في اللغة كذيب لأن الكذب عورة فقليلها مذموم فلم بين لها بناء نهائيًا مبالغة ليحذر القليل منها. * وأما العضة ها هنا فهي النميمة. -٢٨٨ - الحديث الرابع والستون: [عن أبي وائل، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ (١٤١/ أ) قال: (من حلف على مال امرى مسلم بغير حقه، لقي الله وهو عليه غضان) قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا ..﴾ إلى آخر الآية- وفي رواية زيادة (فدخل الأشعث ابن قيس قال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، كان بيني وبين رجل خصومة في بئر. فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ (شاهداك أو يمينه). فقلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم،

стр. 405

هو فيها فاجر: لقي الله وهو عليه غضبان) ونزلت: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾ إلى آخر الآية))]. * في هذا الحديث من الفقه أن من حلف بالله سبحانه كاذبًا ليقتطع به شيئًا من الدنيا استحق غضبه . وذلك مشير من فاعله إلى عدم الإيمان فإنه من أقسم بالله كاذبًا ليغر خصمه بأنه صادق، فرضي خصمه باسم الله تعالى عوضا عن ماله فأرضى الله عنه، وتعرض الحالف الفاجر بما اقتطعه من مال أخيه فاستحق غضب الله بما أفصح به من حاله عن عدم إيمانه به. وفي هذا سر من حيث أن الله لم يوجب على من أؤتمن على حق بغير شاهد عليه يجحده سوى اليمين بالله ، وتحت ذلك من السر أن الله لم يشرع في الجحد غير ذلك، فإنه قد أشار بالحال إلى أن اسمي عند عبادي أعظم وأعز وأكبر من أن يحلفوا بي كاذبين على الدنيا كلها، فكيف على بعضها؟ فإن بدر منهم من لم يكن له نظر في هذا وحلف باسمي كاذبًا فإنني لا أعاقبه بمثل أن أسقط (١٤١/ ب) عنه عقوبة الحلف وأكون أنا القائم بعقوبته، وهذا يستخرج من قوله تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم

стр. 406

كفيلًا﴾ أي أن الكفيل من الآدميين ينتقل الحديث إليه والخطاب معه عن مكفوله ويكون خطاب الحق مع الكفيل، وكذلك إذا حلف بالله تعالى فكأنه قد تعرض لأن يجعل الله تعالى كفيلًا من صاحب الحق، فلهذا يصير خطاب الله مع هذا الفاجر في يمينه. * وفي الحديث أيضًا أنه ليس على المدعى عليه سوى اليمين إذا لم تكن بينة -وإن ذهب الحق- لقول الأشعث بن قيس: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب حقي. - ٢٨٩ - الحديث الأول من أفراد البخاري: [عن ابن مسعود قال: (سمعت رجلًا قرأ آية، سمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال: (كلاكما محسن فلا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا). * في هذا الحديث من الفقه أن كل من قرأ برواية مما اشتهر عن رسول الله ﷺ أنه قرأ به من الأحرف السبعة فإنه لا يجوز إنكاره ولا رده، بل يجب قبوله والإيمان به، فإن كلًّا من ذلك شاف كاف.

стр. 407

وفيه نهي عن الاختلاف في الكتاب، والتحذير من ذلك بذكر ما جرى لأهل الكتاب قبلنا من الاختلاف في كتابهم. -٢٩٠ - الحديث الثاني: [عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون أنا صاحبه، أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: (يا رسول الله إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: (اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون) ولكن امض ونحن معك، فكأنه سري عن رسول الله ﷺ )]. * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على فضل المقداد بن الأسود وفضل (١٤٢/ أ) ابن مسعود من حيث معرفته بالفضل لأهله؛ لأن معرفة الفضل لأهل الفضل فضل، لأنه قال: (لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به) وهذا يعني به أنه استشف من تلك الكلمات أنها بلغت من رضى الله ، ورضى رسوله ﷺ في تلك الساعة وفي ذلك المقام مبلغًا لا يعدله ما يناله علم البشر من الأماني، وذلك أنه قال قولًا اشتدت به قلوب المؤمنين، وجرى فيه إلى مجرى علاء طمح فيه إلى التفضل على أصحاب بموسى في ضمن إيمان بموسى ﵇ وإيمان بأن محمدًا ﷺ في نبوته على منهاج موسي في الذي جرى له، فكان قوله باعثًا من الفترة فيمن عساه قد كانت عرضت له وزائدًا في إيمان من قد كان انتهض إيمانه إلى أن سري عن رسول الله ﷺ به.

стр. 408

* واعلم أن المقداد لم يقل: نحن نمضي وأنت، فكان يكون بذلك كالمتقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ ، بل لم يخرج في ذلك عن حد التبع لرسوله ﷺ فقال: (امض ونحن معك)، وهذه الكلمة في ذلك الموطن لا يعدلها قول في غيره. -٢٩١ - الحديث الثالث: [عن عبد الله قال: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها و: ﴿إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين﴾]. * في هذا الحديث من الفقه أن ابن مسعود سمى كلام الله حديثًا لقوله تعالى ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا﴾ وينصرف ذلك إلى أنه حديث التنزيل فيما أرى كما روي عن أحمد ﵀، فهو أحسن الحديث، وأحسن القول. وهدي النبي ﷺ طريقته. والهدي: الطريقة، ففي هذا الحديث دليل على أن من أحدث في الدين شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؛ فإنه خارج عن أن يسمى أحسن بل الذي فعله رسول الله ﷺ هو الأحسن * وقوله (١٤٢/ ب) (شر الأمور محدثاتها) إنما ذكر الأمور بالألف واللام

стр. 409

المعرفتين لأنه يعني بذلك الأمور التي حررها رسول ﷺ . فكل ما أحدث بعد رسول الله ﷺ فيما حرره فهو شر. * فأما ما رآه المسلمون صلاحًا مما لا يضاد الشعر ككتابة المصحف، وجمع المصلين في التراويح على قارئ يؤمهم، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فإنه ليس من هذا بل هو من المحدثات المستحسنات. -٢٩٢ - الحديث الرابع: [قال عبد الله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ قال: رأى رفرفًا أخضر سد أفق السماء]. * هذا كلام ابن مسعود أخبر بالرؤية عن النبي ﷺ . الرفرف شبيه بالرف في العلو. * ومعنى سد افق السماء: سد جانبها. -٢٩٣ - الحديث الخامس: [عن علقمة، قال: كنا جلوسًا عند ابن مسعود، فجاء خباب فقال: يا

стр. 410

أبا عبد الرحمن، أيستطيع هؤلاء أن يقرأوا كما تقرأ؟ فقال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك؟ فقال أجل: فقال: اقرأ يا علقمة، فقال زيد بن حدير، أخو زياد بن حدير: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ فقال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك وقومه، فقرأ خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: إنه أحسن، قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا إلا وهو يقرأه، ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى، قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه)]. * في هذا الحديث من الفقه تزاور الصالحين. * وفيه أن تزاورهم للخير والتذكر. * وفيه أيضًا أن خبابًا لما رأى المتعلمين عند ابن مسعود أحب أن يختبر حفظهم وقراءتهم. * وفيه أيضًا أن التفويض في تقديم من يرى العالم من المتعلمين إليه، فإن عبد الله أمر علقمة دون غيره، فالعالم أعلم بتقدير قدر التفاوت بين متعلميه، ألا ترى أنه لما اعترض عليه (١٤٣/ أ) زيد بن حدير فقال: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ احتج عليه عبد الله بمعنى آخر يستدعي التقديم لم يكن عند ابن حدير منه ما عند علقمة. * وفيه أيضًا المنع من التختم بالذهب. وفيه أيضًا الرخصة في تلطيف الإنكار على المؤمن لقول ابن مسعود (أما آن لهذا الخاتم أي يلقى).

стр. 411

* وفيه أيضًا حسن استجابة خباب بقوله: (إنك لن تراه علي بعد اليوم). * وفيه أيضًا جواز إبقاء ذلك في يده بنية حفظه ريثما يلقيه، وقوله (فألقاه) دليل على أنه نزعه في الحال، ولعل خبابًا لم يكن سمع من النبي ﷺ ما سمع ابن مسعود في تحريم خاتم الذهب، فلما سمع ألقاه. -٢٩٤ - الحديث السادس: [عن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقل الماء، فقال: (اطلبوا لي فضلة ماء)، فجاءوا بإناء فيه ماء، فأدخل يده في الإناء ثم قال: (حي على الطهور المبارك، والبركة من الله تعالى) فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. * في رواية البرقاني: (لقد كنا نأكل مع رسول الله ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام، وزاد في فضل الماء حتى توضأنا كلنا)]. * في هذا الحديث أن الآيات التي يظهرها الله تعالى لعباده المؤمنين بركة، ودليل خير، لأنها تزيد المؤمن إيمانًا وتغيظ الكافر والمنافق. * وقول: (وأنتم تعدونها تخويفًا) يعني أنه إن ظنها ظان حجة علها، فإن ذلك كذلك، ألا تراه لم ينكر على من حسبها تخويفًا إنكارًا صريحًا. * وفيه دلالة على نبوة محمد ﷺ بتفجر الماء من بين أصابعه. * وفيه أيضًا أن ذلك يحسن موقعه عند اتفاق الحاجة إليه.

стр. 412

* قال عبد الله: (فقل الماء)، وقوله (فقل الماء) دليل على أن رسول الله ﷺ (١٤٣/ ب) وضع يده في ماء قليل فتفجر فوق ذلك الماء من بين أصابعه ماء كفى وأروى. * وقوله: (لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)، هذا يدل على أنهم كانوا ﵃ قد أنسوا بالآيات، لكن قوله، نسمع تسبيح الطعام، يدل على أن الطعام كان ينطق نطقًا يسمعونه، وليس هذا من باب أنهم يفهمون من خلق الله تعالى للطعام ما يشبه تسبيحهم هم، كما قال بعض المفسرين في قوله، ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾. بل هذا دليل صريح أن الطعام كان يسبح تسبيحًا يعلمونه. * وقوله (نسمع) بالنون الجامعة يعني به ما كنت أسمعه وحدي. * وقوله (كنا نأكل مع رسول الله ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام) ولعل هذا الطعام -إنما كان يسبح لله تعالى لكون جعله قوتًا لنبيه ﷺ والذين معه يتقوون على مجاهدة أعدائه والقيام في أرضه بحقوقه، فيكون ذلك الطعام من جملة أعوان رسول الله ﷺ وأصحابه على أعدائهم. -٢٩٥ - الحديث السابع: [عن علقمة، قال: شهدنا عنده يعني عند عبد الله- عرض المصاحف، فأتى على هذه الآية: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ قال: هي المصيبات تصيب

стр. 413

الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى)]. * فيه من الفقه أن ابن مسعود ﵁ رأى أن التسليم في المصائب هدى من الله لعبده، وذلك لأنه عند المصائب يتبين الرغوة من الصريح، وإن كان لا يبعد أن يكون المعنى أن من يؤمن بالله يهد قلبه للعلم والعمل ومقامات الخير على كثرتها، والجزم في (يهد) هو جواب الشرط، وحرف الشرط (من) ولولا جواب الشرط تحذف الياء. -٢٩٦ - الحديث الثامن: [عن ابن مسعود قال: (أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، قال: فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذه ركس]. * هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز الاستجمار إلا بكل طاهر مزيل للعين.

стр. 414

* (١٤٤/ أ) وفيه دليل على أن الروث نجس لأن قوله ركس أي نجس، فعلى هذا لو كان الحجر يابسًا قد علقت به نجاسة لم يجز الاستجمار به. -٢٩٧ - الحديث التاسع: [عن عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي]. * فيه من الفقه: إشعاره بزيادة أنسه بهذا السور وذلك يستدعي زيادة فهمه لكل منهن، وذلك لأن نزولهن متقدم، ويعني قوله (من تلادي) أي مما حفظته قديمًا، والتليد والتلاد والتالد: المتقدم. والطريف والطارف: المستحدث. * وفي الحديث ما يدل على أن نزول القرآن كان على غير ترتيبه في المصحف، إلا أن الله أعلم أن ترتيبه يكون على ما هو الآن، وفي ذلك أسرار، وتنبني عليه أمور. -٢٩٨ - الحديث العاشر: [عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟

стр. 415

قالوا: يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه. قال: (فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر)]. * في هذا الحديث من الفقه، تلطيف القول بإيصال الحكمة إلى قلوب الخلق، فهو كما قال ?: (إن مال الإنسان ما قدمه ومال وارثة ما خلفه) وقد شرد الناس عن ملاحظة هذا السر إلا من وفقه الله تعالى، وإنه لمن البيان العجيب والنطق الفصيح والمقنع الكافي، وذلك من فضل الله على الناطق به. -٢٩٩ - الحديث الحادي عشر: [عن ابن مسعود قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى جعل ميقات إعزاز دينه بإسلام عمر بن الخطاب ﵁ تكرمة له بذلك، فطوبى لمن أعز الله به دينه، والويل لمن أهان مؤمنًا أو استذله. -٣٠٠ - الحديث الثاني عشر: [عن عبد الله أنه أتى أبا جهل يوم بدر، وبه رمق، فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه).

стр. 416

وفي رواية البرقاني في (١٤٤/ ب) أوله: (هل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: هل أعمد]. * قال أبو عبيد: المعنى هل زاد على سيد قتله قومه، هل كان إلا هذا؟ وأراد أن هذا ليس بعار، وهذا من جهله وبقاء نخوته في الجاهلية فيه حتى يلقى ربه وهو ساخط عليه، فكأن المعاصي في الكفر تزيده غلظًا وشدة وشرًّا. -٣٠١ - الحديث الثالث عشر: [عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)]. في هذا الحديث من الفقه تمكين الله عبده من العمل للجنة والنار، وأنه في حالة قرب من الدارين، فإن أطاع الله فالجنة أقرب إليه من شراك نعله، وإن عصى الله تعالى فالنار أقرب إليه من شراك نعله. -٣٠٢ - الحديث الرابع عشر: [عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : (لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى).

стр. 417

وفي رواية عن الأعمش: (ما ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يونس بن متى)]. * في هذا الحديث من الفقه: لا تقولوا عني إني خير من يونس؛ لأنه أشار بقوله: (إني) إلى نفسه، وهذا يدل على وجه التواضع. -٣٠٣ - الحديث الخامس عشر: [عن عبد الله: (هيت لك) فقال: إنما نقرأ كما علمنا. وعن عبد الله: (بل عجبت ويسخرون)، (يعني بالنصب) هاتان القراءتان المسندتان إلى ابن مسعود مشهورتان. فأما هيت بفتح التاء فهي قراءة الأكثرين. وأما هيت بكسر الهاء وفتح التاء فهي قراءة نافع وابن عامر، قال الزجاج: معناها هلم لك، أي: أقبل على ما أدعوك إليه.

стр. 418

قال الشاعر: أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا .... أن العراق وأهله عتق إليك فهيت هيتا وأما عجبت بفتح التاء فهي قراءة الجمهور]. قال المفسرون في معناها: بل عجبت يا محمد منهم إذ كفروا ويسخرون هم منك. * وفي هذا دليل على أنه لا يجوز الاستطراح عند ظهور المنكر والإخلاد إلى التعجب والإمساك، بل لتجهد في إزالته. -٣٠٤ - الحديث السادس عشر: [عن عبد الله: لقد أتاني اليوم رجل، فسألني عن أمر ما دريت (١٤٥/ أ) ما أرد عليه، فقال: أرأيت رجلًا مؤديًا نشيطًا، يخرج مع أمرائنا في المغازي، فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها؟ فقلت: والله ما أدري ما أقول لك، إلا أنا كنا مع رسول الله ﷺ فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله، وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، فإذا شك في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه، والذي لا إله إلا هو، ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب، شرب صفوه ويقي كدره]. * في هذا الحديث ورع ابن مسعود وترفعه عندما لم يعلم، وقوله: (أرأيت رجلًا مؤديًا) أي كامل الأداء.

стр. 419

* ومعنى (لا نحصيها) لا نطيقها من قوله تعالى ﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تطيقوا قيام الليل. * وفيه أيضًا أنه يستحب لأمراء الجيش أن لا يكثروا العزمات على المجاهدين فيعرضوهم لبعض المخالفة بل ليخففوا عنهم ما استطاعوا، وليشاوروهم في الأمور ويعرفوهم مطالع الأحوال التي عليها تبنى وجوه التدبير للحرب. * ويستحب أيضًا للمجاهدين مع الأمراء إذا عزموا عليهم عزمة أن يقابلوها بالإمساك ولا يحوجوهم إلى تكدير الأمر بها، ويكون الأمراء والمأمورون في هذا يعاملون الله بذلك. * وفيه أيضًا أن الإنسان إذا شك في شيء لم ينفذ فيه حكمًا على شك بل يسأل عنه ويبحث ويستضيء بنور العلم من أهله إن وجد، وإلا عمل فيه على أصول الشرع وقاس واجتهد. * وقوله: (بما غبر من الدنيا) أي ما فني. والثغب: هو الماء المستنقع في الموضع المطمئن، وإذا كان عبد الله يقول هذا في زمانه فكيف في زماننا؟ إلا أنه لابد من المقاربة والتسديد والاستعانة بالله على عبادته. -٣٠٥ - الحديث السابع عشر: [عن عبد الله قال: كنا نقول للحي في الجاهلية- إذا كثروا قد أمر بنو فلان]. * في هذا الحديث من الفائدة (١٤٥/ ب) ذكر اللغة. ومنها أمر بنو فلان أي كثروا، ويفهم من دليل نطقه أن حفظ اللغة من الأمور المهمة في الدين.

стр. 420

الحديث الثامن عشر: [عن ابن مسعود قال: (خط رسول الله ﷺ مربعًا، وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخط خطوطًا صغارًا، إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار: الأغراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطاه هذا نهشه هذا)]. * في هذا الحديث من الفقه حسن التعليم، والتوصل في تفهيم الحكمة لمن لا يفهمها إلا بضرب المثال والتشكيل، وهذا أصل لغيره من الصور مما يتوصل الإنسان في تفهيم الناس له بضرب من الأمثال والأشكال. -٣٠٧ - الحديث التاسع عشر: [عن هزيل بن شرحبيل، قال: سئل أبو موسى عن ابنة، وابنة ابن، وأخت فقال: للابنة: النصف، وللأخت: النصف، وائت ابن مسعود، فسيتابعني. فسئل ابن مسعود، واخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا، وما أنا من المهتدين، ثم قال: أقضي فيها بما قضى رسول الله ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا

стр. 421

أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: (لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم)]. * في هذا الحديث من الفقه أن المعول عليه ما ذكره ابن مسعود، وقد وافق أبو موسى على ذلك، وقول أبي موسى: لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم، يدل على فضل ابن مسعود واعتراف أبي موسى له، وإنما يعرف فضل الفاضل فاضل مثله. -٣٠٨ - الحديث العشرون: [عن عبد الله، قال: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون). اختصره البخاري ولم يزد على هذا]. * وأخرجه البرقاني بطوله من تلك الطرق عن هزيل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إنى أعتقت عبدًا لي وجعلته سايبة فمات وترك مالًا ولم يدع وارثًا -فقال عبد الله (١٤٦/ أ): إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون، وأنت ولي نعمته فلك ميراثه، فإن تأثمت في شيء وتحرجت فنحن نقبله ونجعله في بيت المال]. * في هذا الحديث دليل على أن السوائب غير مفسوح فيها، وإنها مما نهى الشرع عنه.

стр. 422

* وفيه أيضًا أن ما يصيبه الرجل من تلك بجهله فإن نصيبه يحسب لغوًا ويعود ميراثه إلى المعتق، كما قال عبد الله بن مسعود. * وفيه أيضًا أنه إذا حل في صدر الرجل المعين .. شيء من ذلك فتحرج أو تأثم أي خاف، فيخرج من الحرج والإثم وضع ذلك في بيت المال أو غيره من سبل الخير. -٣٠٩ - الحديث الحادي والعشرون: [عن ابن سيرين، قال: جلست إلى مجلس فيه عظم من الانصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه، فذكرت حديث عبد الله بن عتية في شأن سبيعة بنت الحارث، فقال عبد الرحمن: لكن عمه كان لا يقول ذلك، قلت إني لجريء إن كذبت على رجل في جانب الكوفة، يعني عبد الله بن عتبة، ورفع صوته، قال: ثم خرجت فلقيت مالك بن عامر، فقلت: كيف كان قول عبد الله بن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾]. * في هذا الحديث الدلالة على أن أجل الحامل أن تضع حملها، وهو الحق الذي نطق به القرآن، وانعقد عليه الإجماع.

стр. 423

الحديث الأول (من أفراد مسلم): [عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: يارب! أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله : (١٤٦/ ب) يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يارب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها. قال: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى. فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها. وربه تعالى يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هى أحسن من الأوليين فيقول: أي يا رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب! أدخلنيها. فيقول: ابن آدم! - ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين). فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ فقال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال:

стр. 424

من ضحك رب العاملين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)]. * هذا الحديث في ذكر نجاة هذا الرجل من النار، فيجوز أن يكون قد نجي منها بعد الوقوع فيها، ويجوز أن يكون قد نجا منها فلم بدخلها. * وفيه أيضًا أنه آخر أهل الجنة دخولًا إليها، فإنه قد يخرج قوم فيدخلون الجنة فإذا كان هذا آخر أهل الجنة دخولًا إليها فإنه يكون آخر أولئك. والذي أراه فيه من الفقه أن رسول الله ﷺ أراد أن يعرف عباد الله (١٤٧/ أ) كرم ربهم ، وأنه ليس كمن عرفوه من ملوك الدنيا، فإن الواحد منهم إذا عاقب أحدًا استوحش منه ولم يأمن بعد ذلك إليه فلا يقربه، فأراد ﷺ أن يعلم بهذا الحديث أن الله صفته الرحمة، وأنه إذا عاقب بعدله الحد الذي انتهى إليه علمه، وكان ذلك جزاء لمن خالف أمره عطف عليه سبحانه العطف الذي يدنيه إلى الخير ويقربه منه منزلة بعد منزلة، وأنه كلما رأى شيئًا لا صبر له عنده عذره في إخلاف الوعد حتى يدخله الجنة، ويضعف له العطاء ويضحك منه سبحانه رضي عنه. * ومعنى قوله: (ما يصريني) أي ما يقطع مسألتك لي ويرضيك يقال: صريت الشيء إذا قطعته، وصريت الماء: إذا جمعته. وكأصرى وصرى وهو الذي يطول استنقاعه. فإن قيل كيف قال: أعطاني ما لم يعط أحدًا من الأولين، وهو يعلم أن خلقًا قد سبقوه إلى الجنة وأنهم أفضل منه؟ فالجواب من وجهين:

стр. 425

أحدهما: أنه لما تفكر في ذنوبه فرأى أنه يستحق الخلود في النار ولم ير ما يوجب التخلص منها، شكر مجرد الكرم الذي ليس بجزاء عن عمل، ورأى أن كل من جوزي فعلى قدر عمله. والثاني: أن يكون قوله عائدًا إلى من في النار من المعذبين. -٣١١ - الحديث الثاني: [عن أبي رافع مولى النبي ﷺ عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر، فأنكره علي، فقدم ابن مسعود فنزل على قناة فاستتبعني إليه ابن عمر يعوده، فانطلقت معه، (١٤٧/ ب) فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث؟ فحدثنيه كما حدثته ابن عمر]. * في هذا الحديث من الفقه أن أصحاب رسول الله ﷺ محفوظون معانون على الأخذ عنه والتأدية للعلم إلى الأمة عن نبيهم ﷺ ، وأنه سيأتي بعدهم خلوف، ومعنى خلوف أن ينشأ الواحد منهم بعد فقد أولئك، وقد تقدم معنى الحواري.
следующие страницы →