Полный текст (2 650 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: (لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن المعول عليه ما ذكره ابن مسعود، وقد وافق أبو موسى على ذلك، وقول أبي موسى: لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم، يدل على فضل ابن مسعود واعتراف أبي موسى له، وإنما يعرف فضل الفاضل فاضل مثله.
-٣٠٨ -
الحديث العشرون:
[عن عبد الله، قال: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون).
اختصره البخاري ولم يزد على هذا].
* وأخرجه البرقاني بطوله من تلك الطرق عن هزيل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إنى أعتقت عبدًا لي وجعلته سايبة فمات وترك مالًا ولم يدع وارثًا -فقال عبد الله (١٤٦/ أ): إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون، وأنت ولي نعمته فلك ميراثه، فإن تأثمت في شيء وتحرجت فنحن نقبله ونجعله في بيت المال].
* في هذا الحديث دليل على أن السوائب غير مفسوح فيها، وإنها مما نهى الشرع عنه.
стр. 422
* وفيه أيضًا أن ما يصيبه الرجل من تلك بجهله فإن نصيبه يحسب لغوًا ويعود ميراثه إلى المعتق، كما قال عبد الله بن مسعود.
* وفيه أيضًا أنه إذا حل في صدر الرجل المعين .. شيء من ذلك فتحرج أو تأثم أي خاف، فيخرج من الحرج والإثم وضع ذلك في بيت المال أو غيره من سبل الخير.
-٣٠٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ابن سيرين، قال: جلست إلى مجلس فيه عظم من الانصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه، فذكرت حديث عبد الله بن عتية في شأن سبيعة بنت الحارث، فقال عبد الرحمن: لكن عمه كان لا يقول ذلك، قلت إني لجريء إن كذبت على رجل في جانب الكوفة، يعني عبد الله بن عتبة، ورفع صوته، قال: ثم خرجت فلقيت مالك بن عامر، فقلت: كيف كان قول عبد الله بن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾].
* في هذا الحديث الدلالة على أن أجل الحامل أن تضع حملها، وهو الحق الذي نطق به القرآن، وانعقد عليه الإجماع.
стр. 423
الحديث الأول (من أفراد مسلم):
[عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: يارب! أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله : (١٤٦/ ب) يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يارب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها. قال: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى. فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها. وربه تعالى يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هى أحسن من الأوليين فيقول: أي يا رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب! أدخلنيها. فيقول: ابن آدم! - ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين).
فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ فقال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال:
стр. 424
من ضحك رب العاملين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)].
* هذا الحديث في ذكر نجاة هذا الرجل من النار، فيجوز أن يكون قد نجي منها بعد الوقوع فيها، ويجوز أن يكون قد نجا منها فلم بدخلها.
* وفيه أيضًا أنه آخر أهل الجنة دخولًا إليها، فإنه قد يخرج قوم فيدخلون الجنة فإذا كان هذا آخر أهل الجنة دخولًا إليها فإنه يكون آخر أولئك. والذي أراه فيه من الفقه أن رسول الله ﷺ أراد أن يعرف عباد الله (١٤٧/ أ) كرم ربهم ، وأنه ليس كمن عرفوه من ملوك الدنيا، فإن الواحد منهم إذا عاقب أحدًا استوحش منه ولم يأمن بعد ذلك إليه فلا يقربه، فأراد ﷺ أن يعلم بهذا الحديث أن الله صفته الرحمة، وأنه إذا عاقب بعدله الحد الذي انتهى إليه علمه، وكان ذلك جزاء لمن خالف أمره عطف عليه سبحانه العطف الذي يدنيه إلى الخير ويقربه منه منزلة بعد منزلة، وأنه كلما رأى شيئًا لا صبر له عنده عذره في إخلاف الوعد حتى يدخله الجنة، ويضعف له العطاء ويضحك منه سبحانه رضي عنه.
* ومعنى قوله: (ما يصريني) أي ما يقطع مسألتك لي ويرضيك يقال: صريت الشيء إذا قطعته، وصريت الماء: إذا جمعته.
وكأصرى وصرى وهو الذي يطول استنقاعه.
فإن قيل كيف قال: أعطاني ما لم يعط أحدًا من الأولين، وهو يعلم أن خلقًا قد سبقوه إلى الجنة وأنهم أفضل منه؟
فالجواب من وجهين:
стр. 425
أحدهما: أنه لما تفكر في ذنوبه فرأى أنه يستحق الخلود في النار ولم ير ما يوجب التخلص منها، شكر مجرد الكرم الذي ليس بجزاء عن عمل، ورأى أن كل من جوزي فعلى قدر عمله.
والثاني: أن يكون قوله عائدًا إلى من في النار من المعذبين.
-٣١١ -
الحديث الثاني:
[عن أبي رافع مولى النبي ﷺ عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر، فأنكره علي، فقدم ابن مسعود فنزل على قناة فاستتبعني إليه ابن عمر يعوده، فانطلقت معه، (١٤٧/ ب) فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث؟ فحدثنيه كما حدثته ابن عمر].
* في هذا الحديث من الفقه أن أصحاب رسول الله ﷺ محفوظون معانون على الأخذ عنه والتأدية للعلم إلى الأمة عن نبيهم ﷺ ، وأنه سيأتي بعدهم خلوف، ومعنى خلوف أن ينشأ الواحد منهم بعد فقد أولئك، وقد تقدم معنى الحواري.
стр. 426
* وقوله: (يقولون ما لا يفعلون) يجوز أن يكون هذا من قولهم الحق الذي لا يفعلونه، ويجوز أن يكون أنهم يشددون على الأمة ويضيفون عليهم رحمة الله الواسعة بما بأمر به الله، وإن أخرجوا ذلك مخرج الوعظ وأوردوه مورد النصح فشددوا فيه وغلوا غلوا انتهى بهم إلى مثل ما جرى للخوارج وغيرهم، ولا آمن على بعضهم من يظهر التعبد وهو جاهل بالشرع أن يحدث للناس أحداثًا مثل هذا؛ فيجب الإنكار عليه حينئذ كما يجب الإنكار على من أضاع شريعة الله تفريطًا فيها باليد إن أمكن أو باللسان أو بالقلب إذا لم يقدر على رفع الباطل بيده، ولا إنكاره بلسانه ولا إنكاره بقليه. فإن لم يفعل فليس في قلبه حبة من خردل من إيمان كما وصف رسول الله ﷺ .
* وأما قوله (ويفعلون مالا يؤمرون) ففيه مضمر محذوف، والضمير متعلق بالجار والمجرور، ومعناه لا يؤمرون به، قال الله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) أي تؤمر به أو تؤمره ومثله: (ويفعلون ما يؤمرون)
الحديث الثالث:
[عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : (هلك المتنطعون) قالها ثلاثًا].
* هذا الحديث مما يشهد بما قدمنا ذكره في الحديث الذي قبله؛ لأن التنطع هو التعمق والتدقق في الأشياء، فإن الهلكة مقرونة، وهو مما يقرأه الجهال على غير أصل الشريعة على نحو ما ابتدعه النصارى من الرهبانية
стр. 427
التي لم تكتب عليهم، وإنما هم الذين ابتدعوها؛ ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها؛ ولذلك كل من ابتدع في الدين شيئًا أو دقق (١٤٨/ أ) على عباد الله وعمق مما لم يأذن به الله ولم يشرعه رسول الله ﷺ فهو الهالك المحتقب وزر كل من أهلكه بتنطعه.
-٣١٣ -
الحديث الرابع:
[عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس).
وفي رواية الأعمش: (لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر)].
* قد فسر رسول الله ﷺ في هذا الحديث الكبر بقوله ﷺ الكبر: بطر الحق وغمط الناس. وبطر الحق: التكبر عن الإقرار به، والطغيان في دفعه.
وقال أبو عبيدة: غمط الناس الاحتقار لهم والإزراء بهم، ومثله غمض الناس (بالضاد) وكشف هذا أن العبد إذا قال لا إله إلا الله وسجد لله ولم يحتقر الناس فقد برئ من ذلك.
والكبر الذي يكون مثقال ذرة منه يحرم الجنة ويوجب النار هو الكبر عن عبادة الله ، فأما تكبر الآدميين بعضهم على بعض من قبيل الفخر بالآباء والبيوت ونحو ذلك فهو الذي أخرج إبليس من الجنة، والجدير بمن
стр. 428
يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعتقد الإسلام دينًا أن لا يفخر بنسب بعد أن سمع الله يقول ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ يعني أن الناس كلهم ينسبون إلى آدم وحواء، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ وما قال لتفاخروا، ثم أخبر سبحانه أن المعنى الذي تطمح إليه نفوسكم إنما هو راجع إلى التقوى فقال: ﴿أن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فالتكبر على عباد الله من أقبح الخلال إلا أنه ليس في الشر كالتكبر على عبادة الله .
* وأما قوله: (إن الله جميل يحب الجمال) فهو يدلل على أن تحسين الرجل ثوبه وتنظيفه (١٤٨/ ب) يكون عبادة الله ، من أنه في تنظيفه الثوب تطييب لريحه وشكر لله لحاله وتظاهره بالغنى الدافع لأعطيات الناس، وفي توسيخ الثوب من الزفر وما يتأذى به الجلساء وشكواه ربه بلسان حاله وتعريضه نفسه لأعطيات الناس برثاثة زيه وتخجيله أيضًا للمؤمنين إذا بدا في مثل تلك البزة، فلذلك وغيره قال: (إن الله جميل يحب الجمال) وليس هذا من الكبر في شيء.
* وأما قوله: (لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) فإن هذا النطق قد تكرر في الأحاديث، وتارة يأتي مثقال ذرة ووزن قيراط إلى غير ذلك، وقد يقع في قلب الإنسان شبهة من ذلك بأن يقول: وكيف يوزن الإيمان بالذرات ومثاقيل الحبات والقراريط، فيقال له: إن الإنسان إذا أعار جارًا له ميزانًا يزن فيه، فوزن جاره الذي يريده فنسي فتعلق بخيط الميزان من ماله مثقال ذرة فلما رد الميزان على صاحبه وهو لا يعلم بما علق بخيطها من ماله نظر صاحب الميزان في ميزانه فلمح تلك الذرة فأعادها على صاحبها، فتبينا أن في قلب هذا الذي رد هذه الذرة مثقال ذرة من إيمان إذا لم يكن عليه شاهد بها إلا الله ولو أنه أخذها ولم يردها، ولا أعلم
стр. 429
صاحبها بها تبينا أنه ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وعلى هذا فإن الإيمان يزيد حتى يرجح بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويقل ويعز حتى لا يزن عشر عشر الذرة.
-٣١٤ -
الحديث الخامس:
[عن عبد الله قال: إنا ليلة جمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيط، والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيط، فقال (١٤٩/ أ): (اللهم! افتح) وجعل يدعو فنزلت آية اللعان: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ هذه الآيات، فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن فقال لها النبي ﷺ (مه) فأبت فلعنت، فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به أسود جعدًا، فجاءت به أسود جعدًا)].
* هذا الحديث هو الأصل في حكم اللعان بين الرجل وامرأته إذا قذفها بالزنا ولم يكن له شاهد إلا نفسه، وهو ها هنا مختصر وسيأتي موضحًا وفيه من الفقه:
стр. 430
* أن ذلك السائل بلي بما سأل عنه، وأنه تطلعت نفسه إلى حال كشف عورة في الإسلام فبلي في نفسه.
* وفيه من الفقه أيضًا أنه لما كانت الشهادة في الزنا لا تتم إلا بأربعة شهود، وكانت هذه الحالة لم يطلع عليها غير الزواج، كلف أربع أيمان لتكون كل يمين مكان شاهد، لأن اليمين في بعض الأحيان تقوم مقام الشاهد، وذلك أن يكون لواحد حق وليس له إلا شاهد، فإن الشرع قد أقام يمينه مقام الشاهد، فلما تكملت أربع شهادات مقام أربعة شهود، ولم يكن بعد شهادة الشهود الأربعة في الزنا على المحصن الذي هو مثل هذا إلا الرجم وهو الهلاك، لم يكن بعد الالتعان المرات الأربع إلا لعنة الله سبحانه أو غضبه وهما الهلاك أيضًا.
* وقول الله تعالى: ﴿أن لعنة الله عليه أن كان من الكاذبين﴾، و ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ فهو كلام مقنع وليس بمحتاج إلى ذكر تعيين ما قذفها به من الزنا لا من قوله ولا من قولها، لأنه سبحانه إنما قال من الكاذبين على الإطلاق حتى إذا كان هذا القاذف لزوجته بالفاحشة قد كذب في دهره كله مرة واحدة لم يبر في يمينه هذه، وأنه قد كان يغنيه عن ذلك أن (١٤٩/ ب) يفارقها، وإذا أمر اللعان مفض إلى الفراق وما عساه أن يكون ما يتخوفه من مؤنة الولد فإن الله رزقه وإياه ولم يكن يفضح أهله بعد ما كان بينهما من الإفضاء وأخذ المرأة منه ميثاقًا غليظًا ما كان، وهذا الرجل في الأغلب من أحواله من جهة أنه لا يمكنه أن يشهد بإنزال الشخص الذي قذفها به معها ولو أمكنه ذلك جاز أن يكون الولد من ذلك الشخص وجاز أن يكون منه، فإنزاله هو الماء عندها متيقن وإنزال من رماها به محتمل فإن اعتذر في قذفه إياها بأني لا أريد أن الحق بي من ليس بولدي قيل له: كيف تنفي من يجوز أن يكون ولدك، وإنما دفع العذاب عنها بأربع أيمان فإنها أقامت أربع أيمان في مقابلة
стр. 431
أربع أيمان فتعارضت البينات فسقطت فرجع الأمر إلى الحالة الأولى وهو سقوط الحد، وكانت مؤنة الولد على أمه على أمه لأنها أمه بيقين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
* وفيه أيضًا ما قلنا في حق الزوج وأنه إن كان معروفًا بالصدق في غير ذلك غضب الله عليها في جواب تحكيمها غضبه إن كان من الصادقين في شيء من الأمر، والمرأة في ذلك أخف حالًا من الرجل، لأن قولنا من الصادقين لا ينصرف إلا إلى المعروفين بالصدق، بخلاف قول الرجل من الكاذبين فإنه قد ينصرف إلى من يندر منه الكذب، والمرأة ليست قادرة على فراق الزوج قدرة الزوج على فراقها، لأن أمرها بيده وليس أمره بيدها.
-٣١٥ -
الحديث السادس:
[عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ قال رسول الله ﷺ : (قيل لي: أنت منهم].
* في هذا الحديث ما يدل على أنه أباح لنبيه ﷺ من الأرزاق ما لم يبحه لغيره من الأنبياء، ذلك مما أطعمه الله ورسوله وأمته بعده.
-٣١٦ -
الحديث السابع:
[عن عبد الله قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله). قال: قلت (يعني
стр. 432
مغيرة لإبراهيم) (١٥٠/ أ): وشاهديه وكاتبه؟ فقال: إنما نحدث بما سمعنا].
* هذا الحديث يتضمن لعنة آكل الربا وقد ذكر الربا وعلة تحريمه، وقد جاء في حديث آخر ذكر ما توزع عن روايته راوي هذا الحديث وهو لعن شاهديه وكاتبه، وهذا محمول على ما إذا علموا أنه ربا صريح لا يفتي بحله أحد من الفقهاء.
* فأما مؤكله، فإنه يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: المعطي للربا، فإنه مؤكله المعطى.
الثاني: الآخذ، فإنه قد أطعم مقرضه الربا بما يؤدي إليه.
والثالث: الذي يعامل بالربا ثم يطعم منه الناس.
والرابع: أن يكون المفتي فيه بتأويل باطل غير مستند إلى نذهب معروف يجوز العمل عليه.
-٣١٧ -
الحديث الثامن:
[عن علقمة عن ابن مسعود قال: (لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ووددت أني كنت معه). كذا في رواية أبي معشر عن إبراهيم ولم يزد. في حديث الشعبي أن علقمة قال: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هلى شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو أغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله!
стр. 433
فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: (أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن) قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم) قال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم).
وفي رواية الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة].
* في هذا الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ بعث إلى الجن والإنس وكذا ينبغي أن يعتقد، وينبغي أن يكون الإنسان معرضًا لإبلاغ (١٥٠/ ب) الجن إذا أمكنه.
وقد حكى الشيخ محمد بن يحي ﵀ أنه كان يخرج ليلًا وحده في نواحي خيبر أو نحو ذلك المكان؛ فيعظ الجن ويذكرهم ويقرأ القرآن ويذكر أركان الإسلام، ثم قال لي: اعتمدت ذلك ليلة حتى إذا ذهب من الليل نحو نصفه انصرفت عن ذلك إلى مسجد خال فصعدت إلى قبلته، فجلست مستقبل القبلة ووليت ظهري باب المسجد، فأحسست وقع حافر فرس فلم أبرح من مكاني حتى أحسست بأن ذلك الوقع كان وقع فارس؛ فلما وصل إلى باب المسجد نزل عن الدابة ودخل المسجد حتى وضع قصعة فأحسست بها في ظهري فأدرت وجهي إليها فإذا فيها ثريد ولحم فأكلت منها، وهذا إخاله أنه أضافه مؤمنو الجن في جواب تذكيره إياهم.
стр. 434
وحكى لي مرة أخرى أنه كان خارجًا من مكة يقصد المدينة وحده قال: فنوديت من بعض الجبال في حفظ الله وفي ودايعه؛ فقلت: من أنت تكون رحمك الله؟ فقال: إخوانك الجن يسلمون عليك ويودعونك.
* وفي هذا الحديث ما يدل عل لطف الله بالآدميين لأنه اختار لهم لباب الأشياء وجعل ما لم يختره لهم كالعظام زادًا لإخوانهم من الجن.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه ينبغي للإنسان أن لا يطرح عظمًا مما يأكله بل ينزله ناويًا به الصدقة على الجن، وأن يذكر اسم الله عليه ليستطيبه المؤمنون منهم، وينبغي أن لا يضايق الجن فيه، ولا يكسر ولا يثلمه ليجدوه أوفى ما يكون لحمًا، وكذلك لطف الله سبحانه بالآدمي فجعل قوته من جوهر البر الحنطة والشعير والحبوب، وجعل العصف الذي لا يصلح للآدميين قوتًا لدوابهم التي حملهم عليها، وجعل الروث والبعر قوتًا لعباده الجن ليعلمك أيها الآدمي أنه ليس في خلقه شيء يضيع، وأن الأشياء على كثرتها قد قدر لها من المرتزقين بإزائها في كل شيء.
* فأما قوله (ما شهدت (١٥١/ أ) مع رسول الله ﷺ ليلة الجن) فإنه يجوز أن يكون أراد ما شهدت حالة الخطاب بدليل الحديث الآخر: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن.
* وفي الحديث ما يدل على حسن صحبة أصحاب رسول الله ﷺ وأنهم لما فقدوه التمسوه في الأودية والشعاب ولم يهملوا طلبه إلى أن أتى هو -وقوله: (استطير) أي استطيل بالأذى عليه، وانتشر الأعداء في طلبه، والاغتيال: الغدر والوثوب بالمكروه على عقله.
* وفيه أيضًا بيان حذرهم عليه وقولهم (استطير) محمول منهم مقتضى الحذر والإشفاق وإلا فإن الله تعالى لم يكن ليسلط عليه شيطانًا إذ لو قرب منه الشيطان لاحترق.
стр. 435
* وقوله: (فانطلق فأرانا آثارهم) يدل على أنهم يتصورون في الجثث الكثيفة ولذلك كانت لهم آثار في الأرض.
والحديث يدل على أن لهم نيرانًا ولعلهم قد أكثروا منها في تلك الليلة لأجل حضور رسول الله ﷺ ليستضيء بها.
* وفي الحديث النهي عن الاستنجاء بالعظم لأنه زاد الجن، والنهي عن الاستنجاء بالروث لأنه أيضًا زاد الجن، وإن كان روث ما يؤكل لحمه في نجاسته الخلاف المعروف.
وقد دل هذا الحديث على طهارته لأن رسول الله ﷺ جعله زادًا للجن فقال: (وكل بعرة علف لدوابهم)، ولا يجعل النجس زادًا، ثم قد قرنه بالعظم الذي ذكر اسم الله عليه، وإنما يذكر اسم الله على الطاهر وإن كان نجسًا لم يجز الاستنجاء بالنجس.
* وأما قوله: (وكل بعرة علف لدوابهم) فإنه أراد فيما أراه لما يدب منهم وهم الذين يتصورون في صورة الحيات والحشرات.
-٣١٨ -
الحديث التاسع:
[عن عبد الله قال: سئل النبي ﷺ عن الوسوسة؟ قال: (تلك محض الإيمان)].
* الوسوسة: حديث الشيطان في بواطن القلوب. والمحض: الخالص.
стр. 436
* وقد روى هذا الحديث أبو هريرة مكشوفًا قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: (١٥١/ ب) إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم: قال: (ذاك صريح الإيمان) لا أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان؛ لأنها من فعل الشيطان، فكيف تكون إيمانًا؟!.
-٣١٩ -
الحديث العاشر:
[عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى؛ ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الأسواق).
ذكر أبو مسعود هذا الحديث في أفراد مسلم، فحكى فيه ثم الذين يلونهم (مرتين)، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم].
* في هذا الحديث من الفقه أن أولي الأحلام والنهى هم الأولى أن يكونوا أقرب الناس إلى الإمام ليأخذوا عنه ويكونوا موضع سره، وعدة لمشاورته، وأمناء على قربه؛ فبذلك صلاح الأحوال.
* وقولهم: (ثم الذين يلونهم) أي يكون المكلفون به على درجات فيكون الأقرب إليه الأفضل فالأفضل.
* وقوله: (وإياكم وهيشات الأسواق) يعني اختلاطها وما يكون فيها من الفتن وارتفاع الأصوات، وأراد ألا يكونوا من أهلها، فإنه يخفى فيها الصواب ولا يتضح فيها الحق، ويتقدم فيها كل مستحق للتأخير ويتأخر كل مستحق للتقديم.
стр. 437
* وقوله: (لا تختلفوا) يجوز أن يكون من الاختلاف في صفوف الصلاة فيكون حضًّا على تعديل الصفوف، ويجوز أن يكون من الاختلاف في كل شيء من قول أو فعل، فإن الاختلاف داعية إلى اختلاف القلوب.
-٣٢٠ -
الحديث الحادي عشر:
[عن علقمة والأسود، قالا: أتينا ابن مسعود في داره، فقال: أصلى -هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. فقال: قوموا فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. قال: (فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا قال: فضرب أيدينا وطبق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخذيه. قال: فلما صلى قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى. فإذا (١٥٢/ أ) رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه بين فخذيه. وليجنأ وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول ﷺ فأراهم].
* قوله: (فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة). يدل على جواز ذلك مع ترك الأولى.
* وقوله: (فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله) دليل على جواز صلاة الواحد عن يسار الإمام، وما ذكر فيه من التطبيق منسوخ لحديث سعد وقد تقدم، وإنما أقام عليه ابن مسعود لأنه لم يعلم ناسخه.
стр. 438
* وقوله: (شرق الموتى) يعني عند آخر مغيبها، وشبهها بخروج نفس الآدمي، ويدل هلى هذا البيان أنه قد جاء في الصحيح: كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس حية أي قوية الحر، وكأن الشمس عند قرب الغروب قد أخذت في الموت.
* وقوله: (اجعلوا صلاتكم معهم سبحة) يعني نافلة.
في هذا حث على المداراة وأن لا يتظاهر بالخلاف على الأمراء وإن أخروا الصلاة عن وقتها، بل يصلي الإنسان الصلاة ويجعل صلاته معه نافلة إلا أن المعمول عليه أنه من صلى الجمعة خلف أمير رابع فأعادها في بيته ظهرًا فهو مبتدع.
-٣٢١ -
الحديث الثاني عشر:
(عن عبد الله، أن النبي ﷺ أمر محرمًا بقتل حية بمنى)
* فيه دليل على جواز قتل المحرم الحية في الحرم.
-٣٢٢ -
الحديث الثالث عشر:
[عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى، قال: (أمسينا وأمسى
стр. 439
الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها. وأعوذ بك من شر ما في هذا الليلة وشر ما بعدها، وأعوذ بك من الكسل وسوء (١٥٢/ ب) الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر).
وإذا أصبح قال ذلك أيضًا: (أصبحنا وأصبح الملك لله).
وفي رواية: (من الكسل والهرم وسوء الكبر. وفتنة الدنيا وعذاب القبر)].
* في هذا الحديث خير وبركة وتعليم لهذا الكلمات وهي تشمل على معان منها أنه إذا أمسى وإذا أصبح يقر بأن الملك لله، وأن كل ملك في يد مالك الملك فإنما هو على سبيل المجاز، والملك حقيقة لله ، وأن الملك لله ملكًا وولاية واستحقاقًا. فإذا قال العبد ذلك واعتقده بقلبه خرج من قلبه تعظيم ملوك الدنيا، ثم أتبع ذلك بالحمد لله، وذلك على نعمه الكثيرة التي لا تحصى، منها: انفراد الله تعالى بالملك، فإن الملك يغار من أن يكون الملك إلا له وحده، فإذا قضى بما يوافق محبة المؤمن تعين على المؤمن أن يحمد الله تعالى على ذلك القضاء، ثم أتبع ذلك بقوله: (لا إله إلا الله وحده) فنفى الإلهية عمومًا وأثبتها لله تعالى وأنه في ذلك وحده، ووكده بقوله: (لا شريك له) ثم أتبعه بقوله: (له الملك وله الحمد) فإنه لا يملك ان يخلص الحمد إلا الله ، ثم أثبت له القدرة بقوله (وهو على كل شيء قدير) حتى أنه ليعترف المؤمن عند توفيق الله تعالى له، أن الله سبحانه قد كان على خذلانه ومنعه أن يعترف بذلك قديرًا.
* وقوله: (رب أسألك خير ما في هذه الليلة) قوله (رب) بحذف النداء يدل على
стр. 440
استشعار القرب، فإن المنادي إذا علم قرب المنادى حذف حرف النداء إلا في موضعين اقتضيا الاستحثاث وهما قوله: (وقال الرسول يا رب) وقوله: (وقيل يا رب).
وحرف النداء: يا، وأيا، هيا، والهمزة، وأي. فينادي بها القريب والبعيد، (أيا) ينادى بها المتلفت والنائم، ولأنك تزيد على (يا) همزة فيكون (١٥٣/ أ) أمد ذكرها بقدر ما يقبل المتلفت ويستيقظ النائم.
(وهيا) في معنى (أيا) لأن الهاء بدل عن الهمزة، والهمزة تنادي بها المقبل عليك فإذا تناهى القرب حذفت حرف النداء، وقلت زيد عمرو كقوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا) فعلى هذا يكون نداء الأنبياء وقولهم (رب) دالا على استشعارهم تناهي القرب من ربهم إلى داعيه.
* وفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان ينبغي أن يجدد الدعاء في كل صباح ومساء لأنه خلق جديد، فيؤتى له بذكر جديد، وقوله: رب أعوذ بك من الكسل، إنما استعاذ من الكسل لأنه من أهم ما استعيذ منه إذ هو سبب للتواني في الطاعات.
* وقوله: (وسوء الكبر) إنما استعاذ في الكبر مما يسمى سوءًا فإذا كان الكبر في طاعة الله وخدمته كان حسنًا لا سوءًا.
* وقوله: (رب أعوذ بك من عذاب في النار) أي من عذاب النار، ويجوز أن يكون: أي من عذاب يكون فيها زيادة على عذابها.
* وقوله: (وعذاب في القبر) دليل على عذاب القبر.
стр. 441
- ٣٢٣ -
الحديث الرابع عشر:
[عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ (إذنك علي أن يرفع الحجاب، وأن تستمع سوادي، حتى أنهاك].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رفع الحجاب يغني عن الإذن لمثل من كان مقصودا كالسلطان.
* وقوله: (وأن تستمع سوادي) أي سراري، ليعلم أن في البيت رجلًا لأنه قد رفع الحجاب، وبه نسوة ليس معهن رجل.
* وقوله: (حتى أنهاك) أي حتى أقول ارجع.
-٣٢٤ -
الحديث الخامس عشر:
[عن عبد الرحمن بن يزيد قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: (لبيك اللهم لبيك)].
* قوله: (لبيك) كلمة في جواب النداء، وكأنه فيما أرى جواب نداء إبراهيم ﵇ نادى في الناس بالحج بأمر الله فصار النداء من الله تعالى فأجابه كل وافد إلى بيت الله الحرام: بـ (لبيك اللهم لبيك).
стр. 442
-٣٢٥ -
الحديث السادس عشر (١٥٣/ ب):
[عن عبد الله، قال: والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه].
* فيه جواز تنبيه الرجل على ما عنده من العلم وأنه مع ذلك لا يستغني عن الاستفادة ممن هو أعلم منه إذا عرف مكانه، وقد تقدم ذكره.
-٣٢٦ -
الحديث السابع عشر:
[عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: وأي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا].
стр. 443
* في هذا الحديث من الفقه أن الشهداء أعطوا ما لم يبق للأماني متطلع، وأنهم كرر عليهم السؤال مع العلم بأنه لم يبق في ذلك مطلب، ليعلم الراغبون في الجهاد فضله، وأنهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا بحالهم: ماذا نسأل وقد انتهت الأماني بنا وفرغت المسائل منا وتجاوز العطاء لنا مبالغ حد عقولنا. فلما كرر عليهم قالوا: إن كان كذا فما بقي فيما هو لنا ما يقبل زيادة بحال، ولكنه قد بقي ما هو لك يا رب وهو أن تردنا إلى الدنيا فنقتل فيك، فلما كان هذا السؤال ليس مما هو لهم ولا راجع إليهم تركوا؛ فدل هذا الحديث أن الشهداء بلغوا من فضل الله إلى ما لم يتبق فيه أمنية بحال. وقوله: نسرح من الجنة حيث شئنا يدل على أنهم لا يخصصون من الجنة موضعًا مفردًا بل يسرحون فيها حيث شاءوا.
-٣٢٧ -
الحديث الثامن عشر (١٥٤/ أ):
[عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تعدون الرقوب فيكم؟) قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: (ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم
стр. 444
يقدم من ولده شيئًا). قال: (فما تعدون الصرعة فيكم؟) قال: قلنا الذي لا يصرعه الرجال، قال: (ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النبي ﷺ بين أن الرقوب هو الذي لم يقدم فرطًا من ولده بين يديه، وهذا يدل على أن فضل الولد الفرط غير فضل المخلف من الأولاد، وأن في الفرط فضلًا وذلك أنه قد جاء في الحديث: لم يبلغوا الحنث وسيأتي ذلك في مسند أبي هريرة إن شاء الله تعالى.
* وأما ذكر الصرعة فتنبيه على معالجة النفس وقهرها؛ فإن ذلك أشق وأشد من معالجة المصارعة للناس، لأن النفس عدو خفي والذي يصارع خصم ظاهر، ومعالجة العدو الخفي أشق من معالجة الخصم الظاهر.
* وفيه أنك إذا غلبت نفسك فقد تبعها بدنك، وإن غلبتك نفسك فقد تغلب عليها بدنك، لأن النفوس تستخدم الأبدان وتصرفها فيما تريد، وسنزيد ذلك شرحا في مسند أبي هريرة لأن هذا الحديث يتكرر هناك إن شاء الله تعالى.
-٣٢٩ -
الحديث العشرون:
[عن عبد الله، قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله ﷺ : (شغلونا عن الصلاة الوسطى
стр. 445
صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا).
* قد سبق تفسيره في مسند علي ﵇.
-٣٣٠ -
الحديث الحادي والعشرون (١٥٤/ ب):
[قال عبد الله، لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال: (إذ يغشى السدرة ما يغشى). قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات].
* سدرة المنتهى: هي سدرة المنتهى في كل شيء.
* وقوله: (غشيها فراش من ذهب) فالذي أراه أن أنوارا تلألأت فيها لورود رسول الله ﷺ فبلغ ذلك إلى أن غشيها فراش، لأن الفراش من شأنه موافقة الأضواء، وهذا مما أخبر الله تعالى به من كثرة الأنوار تلك الليلة، وكونه فراشًا من ذهب
стр. 446
لكون الذهب مناسبًا لون الأنوار، فلو كان من فضة لأثر لمخالفته في لون الأنوار، وهذا مما يدل على شرف مقام النبي ﷺ وأن الفرق ما بين سدرة المنتهى وشجرة موسى ﵇ فرق ما بين المنزلتين.
* وقوله: (وأعطي الصلوات الخمس) وهذا مختصر وسيأتي في حديث المعراج مشروحًا وأنها كانت خمسين وإنما ردت إلى خمس وجعل لها ثواب الخمسين، وأما خواتيم سورة البقرة فإنها من عتيد النعم، لأنها ليس في القرآن ما اتصلت فيه الأدعية أكثر منها لأنه قال سبحانه فيها: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ إلى آخر الآية، فجمعت الاستعاذة من النسيان والخطأ وحمل الإصر وإن كان حمله من كان قبلنا، والاستعاذة من تحمل ما لا طاقة لنا به ثم طلب العفو وإرداف ذلك بطلب المغفرة، ثم بسؤال الرحمة ثم ختم ذلك كله بسؤال النصر على القوم (١٥٥/ أ) الكافرين، وكأن الله تعالى بإنزال هذا علمهم أن ادعوني بكذا وكذا، أفيظن ظان أن الله تعالى لقننا هذا الدعاء لندعوه به إلا وهو سبحانه يجيب حتمًا، إن الله على ما يشاء قدير.
* وقوله في الحديث: (غفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات) يعني المقحمات في النار، وإذا غفر تلك غفر ما دونها، والحمد لله رب العالمين.
-٣٣١ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)].
стр. 447
* الذي أراه في هذا من الفقه أن سبعين ألفًا في سبعين ألفًا، أربعة آلاف ألف ألف وتسع مائة ألف ألف يجرونها إليهم من ثقلها وتغيظها فهؤلاء الملائكة يكفون أذاها أن يصيب بريئًا أو يؤذي من ليس من أهلا.
-٣٣٢ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد، ففر الصبيان وجلس ابن صياد، فكأن رسول الله ﷺ كره ذلك فقال له النبي ﷺ : (تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا بل تشهد أني رسول الله؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله! حتى أقتله، فقال رسول الله ﷺ إن يكن الذي ترى، فلن تستطيع قتله).
وفي رواية أبي معاوية: فقال رسول الله ﷺ (قد خبأت لك خبا فقال: دخ. فقال له رسول الله ﷺ (اخسأ (١٥٥/ ب) فلن تعدو قدرك.
والذي أراه في هذا الحديث أن الذي قدره الله من ذلك كان إحدى دلائل نبوة محمد ﷺ ، وذلك أن رسول الله ﷺ أظهر لأصحابه أنه يضمر سورة الدخان فلما نطق بذلك سمعه شيطان ابن صياد مسترقًا لقوله فلم يبد إلى ابن صياد من ذلك سوى الدخ، وإنما كان مقصود رسول الله ﷺ بذكره لأصحابه سورة الدخان، من أجل أن آية الدخان من الآيات المعجلة في الدنيا، كما سبق ذكره في هذا المسند، فأراد أن يعلمهم أن هذا ابن صياد مبطل لأنه لو كان
стр. 448
صادقًا كما يزعم لأعلمه الله بما يريد أن يحدثه في أرضه، لا سيما وقد ذكر له الشيطان نصف اسم الكلمة فقال: (الدخ) ولم يقل الدخان، عرف أصحابه بطلان قوله، فقال له النبي ﷺ (اخسأ فلن تعدو قدرك).
* وقد روي أن ابن صياد أسلم وحج وكان له ابن واسمه عمارة وأنه روى عنه مالك بن أنس.
* وقيل: أن ابن صياد فقد يوم الحرة.
* وقيل: إنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا الثوب عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم (اشهدوا).
-٣٣٣ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ولكن الله اعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ أعلمنا أن كل شخص وإن بلغ من العبادة والعلم ما بلغ لا ينفك عنه شيطان يوكل به يغويه ويسول له، ويشككه في الدين، وأنه أيضًا معان بملك يسدده ويرشده، وسألني بعض الناس مرة أخرى الكلام، قلت له: هل ترى الملكين اللذين معك؟ فقال: لا، وكان جالسًا عندي في الدار (١٥٦/ أ) فقلت اخرج إلى الشمس وانظر هل ترى ظلك أم لا، وإنما عنيت بذلك أنه لم ير الملكين من حيث تكاثف الظلمة على
стр. 449
البصيرة، فلو قد طلعت عليه شمس من نور الإيمان لأضاءت له البصيرة، فأبصر ما لم يره من قبل.
* وقد دل هذا الحديث على أن لرسول الله ﷺ شيطانًا. وقوله: (فأسلم) يجوز أن يكون مرويًا بالنصب على معنى أسلم الشيطان، ويجوز أن يكون بضمها والمعنى أسلم أنا منه.
-٣٣٤ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن عبد الله، قال: قالت أم حبيبة- زوج النبي ﷺ اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي ﷺ : (قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، ولو كنت سألت الله ان يعيذك من عذاب في القبر أو عذاب في النار لكان خيرًا وأفضل).
قال: وذكرت عنده القردة- قال مسعر: وأراه قال- والخنازير مما مسخ فقال: (إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك).
وفي رواية: فقال رجل يا رسول الله! القردة والخنازير، هي مما مسخ؟ فقال النبي ﷺ : (إن الله تعالى لم يهلك أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان إذا دعا الله فينبغي أن يتخير المسألة ويغتنم وقت الطلب من الله فيصرف السؤال فيه إلى أهم الأمور
стр. 450
عنده، وما سألته أم حبيبة من إمتاعها برسول الله وبأبيها وأخيها فإنها سألت في أمر قد سبق الأمر بأنه لا بد من انقضائه، وسؤال الله الإعاذة من عذاب الآخرة ينصرف إلى حسن الخاتمة والموت على الإسلام، وإن كان لن يدخل النار إلا من قد سبق له في علم الله تعالى أن يدخل النار، ولكن قد أمر (١٥٦/ ب) بالتعوذ من العذاب على يقين من انقضاء عذاب الآخرة كما نحن على يقين من انقضاء المتعة في الدنيا وأما ذكر القردة والخنازير ففيه دليل على أن الإشارة من رسول الله ﷺ إلى كل سامع لحديث يروى أو أثر ينقل أن يعتبره ويجتهد في طريق صحته، ومنه هذا الذي يذكر أن القردة مما مسخ حتى بين رسول الله ﷺ في هذا الحديث ما أزال به كل إشكال.
وقد قال ابن قتيبة: أنا أظن أن هذه القردة والخنازير هي الممسوخ بأعيانها توالدت، ثم قال: (إلا أن يصح حديث أم حبيبة، وقد صح حديث أم حبيبة فلا يلتفت إلى ظن ابن قتيبة).
-٣٣٥ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن عبد الله أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم].
стр. 451
* في هذا الحديث تأكيد أمر الجمعة وأنه لم يرض أن يستنيب في ذلك حتى يلابسه بنفسه، وأنه كان ﷺ يرى أن تفوته هو صلاة الجمعة فيحرق بيوت من لم يشهدوها فيكون فوت جمعة واحدة حافظًا لجمع كثيرة إلا ان رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك وجعل ما نطق به مما هم بفعله نائبًا منابه، حتى إن تركها أهل بلد ففعل به الإمام ما هم رسول الله ﷺ أن يفعله جاز له ذلك.
-٣٣٦ -
الحديث السابع والعشرون:
[قال عبد الله لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة. وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه].
* هذا الحديث يدل على زيادة توكيد الجماعة وأنها واجبة على الأعيان.
* وقوله: (كان المريض ليمشي بين رجلين) إنما يحمل على مريض لا يزيد مشيته إلى الجماعة في مرضه (١٥٧/ أ) وإلا فمتى زاد مشيته إلى الجماعة في مرضه كره له ذلك، وصلاته في بيته مجزئة، فإن احتمل ذلك ومشى إلى المسجد كره له ذلك، وأجزأه حضوره، وإذا صلى الإنسان في بيته جماعة فقد حصلت له الجماعة، وكذلك إذا صلى بزوجته.
стр. 452
-٣٣٧ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن عبد الله قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف].
* فيه من الفقه الحض على حضور الجماعة في المساجد وأنها دالة على من يحافظ عليها في المساجد أنه بريء من النفاق، وإنها لكذلك.
* إن الإنسان يجمع في حضوره المسجد بين السعي إلى ذكر الله تعالى، وبين التعرض للقاء الإخوان، وبين التعلم ممن هو أعلم منه، والتعليم لمن هو دونه في التعلم، وبين عمارة المسجد بالجلوس فيه، وبين تكثير سواد المصلين، علمًا أن ثوابهم يكثر بحسب كثرة عددهم إلى غير ذلك، وقد ذهب شرح قوله: (يهادى بين رجلين).
стр. 453
-٣٣٨ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا.
زاد في بعض الروايات: (ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله).
وفي رواية: (ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله].
* في هذا ما يدل على أن الخلة أرفع المقامات، وقد ذكر (١٥٧/ ب) بعض الحكماء أنها المقام الأعلى للمحبين لله سبحانه، واستدل في أنه يعود الأمر في إرادة الله تعالى وإرادة عبده واحدًا كما قال الله ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ وأشار إلى هذا المعنى أبو طالب المكي في كتابه، واستشهد عليه بقول الشاعر:
ما الخل إلا من أود بقلبه.
* وقوله: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) يدل على شرف أبي بكر ﵁، وأنه لم يمنع من أن يتخذه خليلًا إلا أن الله تعالى اتخذ محمدًا ﷺ خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فإن الخلة أكثر من الأخوة لقوله ﷺ (ولكنه أخي)، وسنوسع القول في هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 454
الحديث الثلاثون:
-٣٣٩ -
[عن عبد الله قال: إن محمدًا ﷺ قال: (ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس).
زاد البرقاني في رواية (وإن شر الروايا روايا الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم لا ينجزه)).
* في هذا الحديث من الفقه أنه إذا كان النمام قد أخبر بالسوء دون الحسن، وغلظ ما حكاه من القبيح، فهو شر ممن يحكي ما جرى على صورته. وأن هذا العضه ينتشر فيصير قالة بين الناس، ويكون حوبها على العاضه في كل ما ينتشر من طريقه إذا كان عضها بالباطل لا بالحق.
* وقوله: (أن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل) يتضمن أنه لا يحل أن يكذب الإنسان هازلا، فإن مزح فلا يقل إلا الحق، وعلى هذا فإنه يستحب أن لا يعد الرجل طفله بشيء إلا ويفي به له، لتعتاد نفسه الوفاء بما ينطق به لسانه حتى لصبيه وهكذا، فلا مجرى فيما يتمسح به الناس، فقد روي أن أخت الربيع بن خيثم رأت صبيًا للربيع فنادته: يا ابني، فقال لها الربيع أرضعتيه؟ فقالت: لا، فقال لها: (فقولي يا ابن أخي).
* وأما قول النبي ﷺ لأنس: يا بني؛ فلأن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا لكم كالوالد) فهو أبو الأمة (١٥٨/ أ) وأزواجه أمهاتهم.
стр. 455
-٣٤٠ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن عبد الله ان النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى)).
* في هذا الحديث ما يدل على أن المهدي هادي الهدى، وقد سأل من الله (الهدى).
* فيه أيضًا جواز أن يكون سأل الهدى لأمته إلى يوم القيامة، فإن الهدى مما قال الله فيه: ﴿إن علينا للهدى﴾].
* وقد سأل ﷺ مع الهدى (التقى) وهذه التاء في التقى مبدلة من الواو، والتقوى نطق قد تكرر في القرآن، وأصل التقوى تقوى الشرك ثم ترتفع في الدرجات فهي كلمة شاملة إلا أنها راجعة إلى الحذر.
* ثم سأل ﷺ (العفاف)، والعفاف قد يكون منه العفاف عن الرذائل على كثرتها، ومنه العفاف عن أموال الناس، ومنه العفاف عن سؤال الأجر على تبليغ الحق، ومنه العفاف الذي يؤدي إلى العون عما لا يحل من النظر فما فوقه، ومنه العفاف عما جاوز الكفاية بالمعروف في كل معنى.
* ثم سأل ﷺ (الغنى) وقد جاء عنه أنه ﷺ قال: (الغنى غنى النفس) وكذلك هو. وهو الذي سأله رسول الله ﷺ لأن الغنى مطلق ينصرف إليه، إذ غنى الأعراض قد يكون فقرًا من وجوه كثيرة؛ منها الاشتغال بها، والخدمة لها، والحاجة إلى دوامها وغير ذلك.
стр. 456
-٣٤١ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)].
هذا قد أشير إلى شرحه فيما مضى وسيأتي في تفسير قوله: (لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض أحد يقول الله الله).
-٣٤٢ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن عبد الله قال: (بحسب المرء من الكذب، أن يحدث بكل ما سمع)].
* في هذا (١٥٨/ ب) الحديث من الفقه أن يعرف الرجل أن أكثر ما يسمعه لا يأمن أن يكون كذبًا، فلا ينبغي أن يحدث به حتى يسبره، ويستصحه، فإذا ثبت عنده حدث به حينئذ، لأن ابن مسعود لم يقل: (بحسب المؤمن من الكذب أن يحدث بكل ما صح عنده) ولم يقل (ما ثبت عنده) وإنما قال: (بكب ما سمع) وأراد (قبل أن يستصح ويسبر ليعلم الحق).
стр. 457
-٣٤٣ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن يسير بن جابر (وقيل: أسير) قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئًا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده، هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة. فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة. فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب. وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب. وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا. فيفيء هؤلاء وهؤلاء. كل غير غالب. وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتلون مقتلة. إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتًا. فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد. فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس، هو أكبر (١٥٩/ أ) من ذلك. فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون. فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله ﷺ : (إني لأعرف
стр. 458
أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم. هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ)].
* هذا الحديث ق دل على أن المذكور فيه من أشراط الساعة، وذلك لا محالة لصحة الطريق إلى ثبوته، وأنه نقلب أولئك المجاهدون عن جهادهم ذلك إلى حرب الدجال.
* وفيه أيضًا أن المسلم إذا رأى الريح المنكرة خاف أن تقوم السعة، ألم تر أن ابن مسعود لم ينكر على ذلك قوله، غير أنه يبين له ما يكون من أشراطها، فلو هبت تلك الريح بعد ما ذكر من أشراطها لجاز أن يكون ذلك لقيام الساعة.
-٣٤٤ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ إلا أربع سنين].
* فيه ما يدل على أن القرآن العزيز وبخ قومًا على بطء خشوع قلوبهم بعد نزول القرآن وأنه ذكر لنا قومًا (فطال عليهم الأمد فقست
стр. 459
قلوبهم. ويجوز أن يكون ها هنا الأمد بمعنى الأمل، ويجوز أن يكون بمعنى القيامة، والمعنى أنهم استبعدوا كونها فقست قلوبهم، والله يجعلنا ممن خضع قلبه لذكر الله، ولا يجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقسا قلبه وكثير منهم فاسقون.
стр. 460
مسند عمار بن ياسر ﵁
أخرج له في الصحيحين خمسة أحاديث، المتفق عليه منها حديث واحد في التيمم، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد.
-٣٤٥ -
فأما حديث التيمم فقد قسموه حديثين متقاربين في المعنى، أحدهما:
[عن أبي موسى الأشعري عنه قال شقيق (١٥٩/ ب): كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري. فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجنب، فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد).
فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)،
следующие страницы →