← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

-٣٤١ - الحديث الثاني والثلاثون: [عن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)]. هذا قد أشير إلى شرحه فيما مضى وسيأتي في تفسير قوله: (لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض أحد يقول الله الله). -٣٤٢ - الحديث الثالث والثلاثون: [عن عبد الله قال: (بحسب المرء من الكذب، أن يحدث بكل ما سمع)]. * في هذا (١٥٨/ ب) الحديث من الفقه أن يعرف الرجل أن أكثر ما يسمعه لا يأمن أن يكون كذبًا، فلا ينبغي أن يحدث به حتى يسبره، ويستصحه، فإذا ثبت عنده حدث به حينئذ، لأن ابن مسعود لم يقل: (بحسب المؤمن من الكذب أن يحدث بكل ما صح عنده) ولم يقل (ما ثبت عنده) وإنما قال: (بكب ما سمع) وأراد (قبل أن يستصح ويسبر ليعلم الحق).

стр. 457

-٣٤٣ - الحديث الرابع والثلاثون: [عن يسير بن جابر (وقيل: أسير) قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئًا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده، هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة. فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة. فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب. وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب. وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا. فيفيء هؤلاء وهؤلاء. كل غير غالب. وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتلون مقتلة. إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتًا. فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد. فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس، هو أكبر (١٥٩/ أ) من ذلك. فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون. فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله ﷺ : (إني لأعرف

стр. 458

أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم. هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ)]. * هذا الحديث ق دل على أن المذكور فيه من أشراط الساعة، وذلك لا محالة لصحة الطريق إلى ثبوته، وأنه نقلب أولئك المجاهدون عن جهادهم ذلك إلى حرب الدجال. * وفيه أيضًا أن المسلم إذا رأى الريح المنكرة خاف أن تقوم السعة، ألم تر أن ابن مسعود لم ينكر على ذلك قوله، غير أنه يبين له ما يكون من أشراطها، فلو هبت تلك الريح بعد ما ذكر من أشراطها لجاز أن يكون ذلك لقيام الساعة. -٣٤٤ - الحديث الخامس والثلاثون: [عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ إلا أربع سنين]. * فيه ما يدل على أن القرآن العزيز وبخ قومًا على بطء خشوع قلوبهم بعد نزول القرآن وأنه ذكر لنا قومًا (فطال عليهم الأمد فقست

стр. 459

قلوبهم. ويجوز أن يكون ها هنا الأمد بمعنى الأمل، ويجوز أن يكون بمعنى القيامة، والمعنى أنهم استبعدوا كونها فقست قلوبهم، والله يجعلنا ممن خضع قلبه لذكر الله، ولا يجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقسا قلبه وكثير منهم فاسقون.

стр. 460

مسند عمار بن ياسر ﵁ أخرج له في الصحيحين خمسة أحاديث، المتفق عليه منها حديث واحد في التيمم، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد. -٣٤٥ - فأما حديث التيمم فقد قسموه حديثين متقاربين في المعنى، أحدهما: [عن أبي موسى الأشعري عنه قال شقيق (١٥٩/ ب): كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري. فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجنب، فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد). فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)،

стр. 461

ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين فظاهر كفيه ووجهه فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ وفي رواية (فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول؟). وفي رواية: ان رسول الله ﷺ قال: (إنما يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه، فمسح وجهه وكفيه). والحديث الثاني، في معناه، (أن رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء؟ فقال: لا تصل، فقال عمار: ألا تذكر، يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك؟ فقال عمر: اتق الله يا عمار. فقال: إن شئت لم أحدث به فقال عمر: نوليك ما توليت)]. * هذان الحديثان أصل في التيمم ومبينان للآية، والآية قد صرحت بمسح الوجه واليدين في التيمم، وفي الحديث أنه يستحب نفخ ما عساه أن يعلق باليد من ذرة طفيفة يزيلها النفخ ويكفي فيها أدنى الغبار (١٦٠/ أ)، وما ذهب إليه ابن مسعود في هذا فليس عليه العمل. * وقد أجمع كل من يحتج بقوله أن للجنب أن يتيمم في السفر؛ فيمسح وجهه

стр. 462

وكفيه ويصلي ولا يعيد، وأما من خاف من برد الماء فجائز له أيضًا في السفر، ولا إعادة عليه وجائز ذلك في الحضر إلا أن في الإعادة خلافًا. قال الشافعي في بعض أقواله: تجب عليه الإعادة في الحضر خاصة. * فأما الحديث الثاني ففيه دليل على أن الثقة قد ينسى الحديث فلا يكون ذلك قادحًا في الحديث إذا ذكره ثقة غيره، فإن عمارًا لم يقل لعمر: (ألا تذكر) إلا لما تحقق أنه قد كان معه فيه، وأما قول عمر لعمار: (اتق الله) فإنه يدل على أنه قد كان ذلك من وهمه بالكلية، ولم يقدح ذلك في إخبار عمار ولهذا قال: (نوليك ما توليت)، أي أنك عندنا أهل أن يقبل خبرك فيما أخبرت به. -٣٤٦ - الحديث الأول من أفراد البخاري: [عن أبي وائل قال: لما بعث علي ﵁ عمارًا والحسن بن علي إلى الكوفة ليستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر إياه تتبعون أو إياها]. * في هذا الحديث ما يدل على ان عمارًا ﵁ كان فيه من الإيمان ما لم تستخفه الخصومة والحرب إلى أن ينقص عائشة ﵂ شيئًا من فضلها بل شهد لها بأنها زوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة. * وفيه أيضًا ما يدل على ما تقدم من ذكرنا له من أن الحال كانت حالة اجتهاد وقد سبق القول في ذلك.

стр. 463

-٣٤٧ - الحديث الثاني: [عن أبي وائل قال: دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار، حيث أتى الكوفة ليستنفر الناس فقالا: ما رأينا منك أمرًا منذ أسلمت أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر؟ فقال: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرًا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر ثم كساهما حلة. قال أبو مسعود في الأطراف: يعني أبا موسى (١٦٠/ ب) وأبا مسعود حلة حلة ثم راحوا إلى المسجد. ولم يذكر البخاري يعني: أبا مسعود وأبا موسى في روايته عن عبد الله. قال أبو مسعود وكان موسرًا: يا غلام، هات حلتين، فأعط إحداهما أبا موسى، والأخرى عمارًا، وقال: روحا فيهما إلى الجمعة)]. * في هذا الحديث من الفقه أن اجتهاد أبي موسى وأبي مسعود أداهما إلى البطء وان اجتهاد عمار أداه إلى الإسراع، وكراهية كل جانب من الجانبين حال الآخر؛ لأن الأمور مشتبهة المصادر فإذا أولت تبينت بأعقابها، والذي بان من أعقاب ذلك الأمر أن الإسراع في الشد من أزر إمام المسلمين وتقوية يده كان الصواب، وأن ما عداه في تلك المرة كان خطا مغفورًا لكونه عن اجتهاد. * وفيه أيضًا دليل على جواز أن يكسو المسلم أخاه الحلة، وأن يشير إليه بالرواح فيها إلى الصلاة. * وفيه جواز قبول المسلم من أخيه مثل ذلك ولا يرد فضله عليه.

стр. 464

الحديث الثالث: [عن عمار قال: رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر]. * في هذا الحديث ما يدل على قدم إسلام عمار. * وفيه أيضًا أن الأمر إذا كان حقًا فبدأ ضعيفًا فإنه ينبغي للمؤمن أن لا ييأس من قوته وتكميله، كما أن الباطل لو بدأ قويًا ذا مرة لم ييأس المؤمن من اضمحلاله وتلاشيه. -٣٤٩ - حديث لمسلم عن عمار: [عن أبي وائل قال: خطبنا عمار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه)، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا). وفي أفراد مسلم في مسند حذيفة كلام لعمار قال: (ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة) (١٦١/ أ) [. * في هذا الحديث ما يدل على فصاحة عمار ﵁ من حيث وصف أنه

стр. 465

أبلغ وأوجز، ومن حيث أنه تعهد ذلك فلم يقع منه اتفاقًا لاحتجاجه لذلك بقول رسول الله ﷺ من أمره بتقصير الخطبة وتطويل الصلاة. * والذي أراه في ذلك إن تطويل الصلاة ليدركها الغائب والبعيد عن الجامع، وأما قصر الخطبة فإنه يكون أدعى لحفظ ما يذكره فيها، ولئلا يقول كلامًا منشورًا لا يتيسر الاحتراز في حدوده، فإذا أقل منه كان قمينًا أن يسلم وينفع، وهذا فهو في الأكثر، فإن احتاج الخطي إلى أن يطيل لذكر حادثة جرت أو نائبة أو إبانة عن صورة لا بد من إبانتها لم يكره ذلك إن شاء الله تعالى. * وقوله: (لو كنت تنفست) أي أطلت. * وقوله: (مئنة من فقهه) فمعناها الأمارة والعلامة الدالة على فقهه. * وقوله: (إن من البيان سحرًا) يعني أن البيان يفعل في عطف الألباب ما يفعل السحر، وهذا يدل على أن للسحر حقيقة حتى شبه ما له حقيقة به، إلا أنه في الحق والصواب من التأييد والنور والإلهام لمن وفق لما تبين له، وقل ما يوفق لذلك مبطل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾ وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وقوله: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾.

стр. 466

مسند حارثة بن وهب الخزامي ﵁ أخرج له في الصحيحين أربعة متفق عليها. -٣٥٠ - الحديث الأول: [عن حارثة قال: صلى بنا النبي ﷺ ، ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه، بمنى ركعتين]. * هذا الحديث يدل على أن الصلاة بمنى ركعتان، وأن القصر لا يتوقف على الخوف، وما روي عن عثمان في أنه صلاها أربعة فقد تقدم بيان وجهه. -٣٥١ - الحديث الثاني: [عن معبد بن خالد عن حارثة أنه سمع النبي ﷺ يقول: (حوضه ما بين صنعاء والمدينة].

стр. 467

فقال المستورد: ألم تسمعه (١٦١/ ب) قال: الأواني؟ قال: لا، فقال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكواكب). * قد اتفق حارثة والمستورد على إثبات الحوض ما عدا ذكر الأواني، ثم انفرد المستورد بذكر الأواني. * وقوله: (ما بين صنعاء والمدينة) يعني مقدار تلك المسافة، ويجب الإيمان بالحوض، فإنه مما أكرم الله به نبيه ﷺ ليسقي منه يوم العطش الأكبر، فهو أول ضيافاته في الآخرة، وسيتكرر ذكره في هذا الكتاب، ويذكر في كل شيء ما يناسبه إن شاء الله. * وأما تشبيه الأواني بالكواكب فإنه شبهها بها لكثرتها وأنوارها، فإنها تزهر مثل الكواكب فلا يخفى على أحد موضع إناء. -٣٥٢ - الحديث الثالث: [عن حارثة عن النبي ﷺ أنه قال: تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، وأما الآن فلا حاجة لي بها،

стр. 468

فلا يجد من يقبلها]. * فيه من الفقه الإيذان بصلاح الناس وزهدهم في الفضول حتى لا يقبل أحد منهم ما هو مستغن عنه. * وقد روي أنه كان في زمن عمر بن عبد العزيز ينادى على الصرة فيها مائة دينار ليقبلها قابل عامة اليوم فلا يقبلها أحد، لأن عمر أغنى الناس، ويجوز أن ذلك كان لأن عمر زهد الناس في الدنيا بحاله. -٣٥٣ - الحديث الرابع: [عن حارثة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر]. * في هذا الحديث ذكر علامات أهل الجنة وأهل النار، فمن علامات أهل الجنة أن يكون ضعيفًا متضعفًا، وذلك أن الجبارين يتضعفونه فيستطيلون عليه لضعفه، وقد يكون الضعف فقرًا لعدم المال، وقد يكون لعدم الرجال، وقد

стр. 469

يكون لعدم القوة والأيد، فإذا خلق الله (١٦٢/ أ) تعالى خلقًا ضعيفًا لهذه الأشياء أو بعضها ليمتحن به عباده، فمن يرحمه الإنسان أو يقهره فإنه يكون من أهل الجنة كما أخبر به رسول الله ﷺ . * وأما علامات أهل النار فإنه العتل، قال أبو عبيدة: العتل عند العرب الشديد، وهو الشديد الذي يدل لشدته ويتطاول بحلوله على الناس، فإن كان ممن ينفق قوته في الحق فهو خارج من هذا، كما روي عن محمد بن الحنفية أنه كان أيدًا من الرجال. وقال الله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾ ذا القوة. وأما الجواظ: فقد قيل في معناه أقوال: أولاها أنه الجموع المنوع، والمستكبر: المتكبر.

стр. 470

مسند أبي ذر الغفاري ﵁ أخرج له في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثا، المتفق عليه منها اثنا عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر. -٣٥٤ - الحديث الأول: [عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلمه وأتني بخبره، وذكر الحديث. وفي رواية: ان ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، ثم انطلق حتى قدم مكة، وسمع من قوله: ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى

стр. 471

المسجد، فالتمس النبي ﷺ ، ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل فاضطجع، فرآه علي ﵁، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح (١٦٢/ ب)، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، فظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي ﵁ فقال: أما أنى للرجل أن يعرف منزله؟ فأقامه فذهب معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالثة فعل مثل ذلك فأقامه علي معه ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت، ففعل فأخبره، فقال: إنه حق وهو رسول الله، فإذا أصبحت اتبعني فإني إن رأيت شيئًا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري)، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، وقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه، وفي الرواية الأخرى ان رسول الله ﷺ قال له لما أسلم (يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل) قال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم .. وذكر نحوه. وقال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر].

стр. 472

وفي أفراد مسلم على مساق آخر يوجب إيراده: عن عبد الله بن الصامت: قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا. فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له. فقلت له: أما ما مضى (١٦٣/ أ) من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن فخير أنيسًا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين فقلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال. أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر، قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلًا منهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال: الصابئ، فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيًا

стр. 473

علي، قال: فارتفعت حين ارتفعت، كأني نصب أحمر، قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها، ولقد لبثت، يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني. وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافًا ونائلة، قال: فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى! قال: فما تناهتا عن قولهما، قال فأتتا علي (١٦٣/ ب). فقلت: هن مثل الخشبة، غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا! قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان قال: (ما لكما؟) قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: (ما قال لكما؟) قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال (أبو ذر)) فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليكم يا رسول الله، فقال: (وعليك السلام ورحمة الله). ثم قال: (من أنت؟ قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه ثم قال: متى كنت ها هنا؟ قال: قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين ما بين ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك؟، قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم. فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع، قال: (إنها مباركة. إنها طعام طعم).

стр. 474

فقال أبو بكر: يا رسول الله! ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابًا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: (إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم). فأتيت أنيسًا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا، فأسلم نصفهم. وكان يؤمهم أيماء بن رحضة الغفاري. وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم (١٦٤/ أ) نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله! إخوتنا. نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا: فقال رسول الله ﷺ : غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله). زاد بعض الرواة بعد قول أبي ذر لأخيه: فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا]. * في هذا الحديث: ما يدل على ان أبا ذر وفق لما يجب على كل مؤمن من النظر لقوله : ﴿إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى

стр. 475

ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ وكان توفيقه بإرسال أخيه لما بلغه دعاء رسول الله ﷺ الخلق إلى ربهم، وقصده بعد ذلك بنفسه. * وفيه أيضًا أن المؤمن يزن القول ويعتبره، ويقسم له الأقسام، ثم إذا أدى التقسيم إلى أن الحق في جهة صار إليها، ألا ترى أن أخا أبي ذر قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشعر. ومكارم الأخلاق من أمارات المحقين ودلائل الصادقين وقد قال الله ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم﴾. * (وحمل شنته) يعني قربته، ويريد بقوله فتزود بأنه سار بهذا يتزود في مشنته وأنه كان يهيم بأمر دينه ولم يكسل لطول الشقة. * وفيه أيضًا ما يدل على حسن تأني أبي ذر حين بدأ بالمسجد، لأن المسجد يجمع، ويدل على أنه إذا كان للإنسان أمر مهم لم يبدأ بالسؤال عنه حتى ينظر من يصلح للسؤال عنه، ومما يدل على أن الله تعالى يهدي المجتهد أن الله تعالى قيض عليًا للقاء أبي ذر لأن الله تعالى يقول: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. * وفيه أيضًا أن الإنسان إذا أضاف ضيفًا فمن الأدب أن لا يسأله عن حاله، من أجل أنه ربما يكون له (١٦٤/ ب) شأن يقتضي الكتمان، فلا يبدأ بالسؤال عن حاله فيضطر إلى ذكر شيء لا يريد أن يذكره أو يلجئه إلى أن يتمحل في قول يخرج به من عهدة جواب مضيفه، ولا يظهر سر نفسه. * وقوله: (أما أنى للرجل أن يعلم منزله) أي أما آن.

стр. 476

قال الشاعر: تمخضت المنون له بيوم .... أنى ولكل حاملة تمام * وقوله: (حتى إذا كان يوم الثالثة). هذا يدل على أن الضيافة ثلاث، وتقدير الضيافة بثلاث تقدير صائب، لأن الإنسان في الأغلب إذا كان في سفر، فالثلاث غالب ما يقيمها عابر السبيل لقضاء شغل وانتظار صاحب، ولذلك أن قاصر الصلاة في السفر منتهاه إليهما، فلما مضت الثلاث سأله علي فقال: ألا تحدثني؟ فعرض عليه أن يحدثه ولم يلزمه. يعني ألا تراني أهلًا لأن تحدثني فكان جوابه أن قال: (إن أعطيتني عهدًا أو ميثاقًا لترشدني فعلت). * وفي هذا الحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يداري ما يخافه بل يوهم فيه غير قصده لأن عليًا رض الله عنه قال له: إن رأيت شيئًا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء. * وفيه دليل على جواز قول الرجل (أريق الماء) فإنه قد سبق في هذا الكتاب عن عمر أنه نهى عن ذلك وكلاهما له معنى. * وقوله) فإن مضيت فاتبعني) أي إن أتممت الشيء فاعلم أني لم أر شيئًا أخافه عليك فاتبعني. * وقوله (أسلم مكانه) فيه دليل على أن العاقل إذا بان له الحق لم يتوقف ولم يؤخر قبوله والعمل به من ساعة إلى ساعة. * وقوله: (ارجع إلى قومك حتى يأتيك أمري) فيه دليل على جواز التربص بالأعداء والصبر عليهم. * وفيه جواز أن يبذل المؤمن نفسه معرضًا بها للتلف في إظهار الحق لقول أبي ذر: والله لأصرخن بها بين ظهرانيهم. * وفيه ما يدل على فضيلة العباس في أنه حمى أبا ذر من شر المشركين،

стр. 477

وحسن تأنيه فيما ذكره لهم من تخويفهم تعويق تجارتهم حتى أمسكوا عنه، وكذلك في الثانية والثالثة (١٦٥/ أ). * وفيه أيضًا كتمان الحق طلبًا للمصلحة وانتظارًا لوجود الفرصة لقول النبي ﷺ لأبي ذر حين أسلم (اكتم هذا). * وقوله: (فقيل لخالنا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس) في هذا تحذير من سماع قول الحساد. * وقوله: (نثا علينا) أي أفشى وأظهر لنا القبيح الذي قيل له. (والنثا) يقال في الشيء القبيح، وقد يقال في الحسن. وقول أبي ذر (أما ما مضى من معروفك فقد كدرته) أي حين سمعت ما قيل عنا، ولو وفق لم يظهر لهما ذلك، فلما أظهر ذلك لم يبق لهما عنده مقام. * وقوله: (فقربنا صرمتنا) وهي القطعة من الإبل. * وقوله: (فنافر أنيس عن صرمتنا). نافر: تأخر، وخير أنيسًا حكم له بالفضل. * وقوله: (ألقيت كأني خفاء) الخفاء ممدود، هو الكساء يطرح على السقاء، والمعنى أني كنت أصل إلى أن استطرح. (وراث) بمعنى أبطأ. * وقول أنيس في حق نبينا ﷺ والقرآن يدل على فهمه؛ لأنه قسم فقال سمعت قول الكهنة فليس بكاهن، ووضعت قوله على أقراء الشعر أي على وجوهه فلم يكن به. * (فتضعفت رجلًا منهم) أي رأيته ضعيفًا لا أبالي بإظهار سري إليه. * وقوله (كأني نصب أحمر) أي كأني لجريان دمي أحد الأنصاب التي كانوا يذبحون عليها.

стр. 478

* وفيه أن ماء زمزم أسمنه، وأنها مباركة، وقد أخبر أنه تكسرت عكن بطنه فلم يعره ذلك، ولا يعر مثل ذلك لمثله في تلك الحال لأن ما جرى كان آية من آيات الله . * وقوله: (ما وجدت على كبدي سخفة جوع) قال الأصمعي: السخفة هي الخفة ولا أحسب قولهم: سخيف إلا من هذا. * قوله: (في ليلة قمراء إضحيان) القمراء منسوبة إلى القمر، والمعنى في ليلة كثيرة الضياء، (وإضحيان) أي مضيئة لا غيم فيها. وقوله: (ضرب على أصمختهم) الصماخ: خرق الأذن الباطن الذي يفضي إلى الرأس ومنه يتأذى (١٦٥/ ب) فهم المسموع إلى النفس، وهذا كناية عن النوم المفرط. * (أساف ونائلة) صنمان وقوله (هن مثل الخشبة) يعني الذكر، وفي هذا دليل على أن الإنسان قد يقول الكلمة التي فيها بعض التصريح بالقذاء، إذا كان في مثل مقام أبي ذر وما جرى له. * قوله (من أنفارنا) أي من قومنا مأخوذ من النفر، والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة. * (الصابئ) الخارج من دين قومه. وقولها كلمة (تملأ الفم) أي كلمة عظيمة يربو اللسان عند سماعها في الفم فلا يقدر على الكلام، وقدعني: أي كفني.

стр. 479

* وقوله: (من ثلاثين ليلة) اي من ممر ثلاثين ليلة، قال الشاعر: لمن الديار بقنة الحجر .... أقوين من حجج ومن شهر أن (من) لا تخبر بها عن الزمان إلا ب قدير فعل. * وفيه أيضًا من حسن الصحبة أن لا يضيف الرجل رجلًا غريبًا لا يعلم علمه إلا عن إذن من صاحب أمره إذا كانت الحال في مثل حال رسول الله ﷺ وحال أبي بكر، فإنه لا يأمنه أن يكون جاسوسًا لعدو أو طليعة لمشرك أو نحو ذلك. * وفيه أيضًا أن لا يحقر ما قدم للضيف على حسب ما يتفق لقوله (فجعل أبو بكر ﵁ يقبض من زبيب الطائف) (وغبرت) بمعنى بقيت. * وقوله (وجهت لي أرض) أي جعلت وجهة لي. * وفيه دليل عن أن الإسلام من النساء مقبول، وأن لم يعرفن أدلة النظر، فإن أم أبي ذر قالت: (لا رغبة لي عن دينكما) فجعلت الدلالة على صحة ما انتقلت إليه إسلام ولديها. * وفي الحديث دليل على ان القوم أسلموا وصلوا جماعة، لأنه كان يؤمهم إيماء بن رخصة. * وفي هذا الحديث أيضًا ما يدل على انه إذا اتفق في القول ما يجانس فيه كان أولى من غيره، لأنه أحلى في السمع وأقرب إلى الحفظ لقوله ﷺ (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله) إلا أن هذا إذا اتفق فذاك، وأما إذا تكلف له تكلفًا بغير المعاني فلا. * وقوله (فإنهم قد شنفوا إليه وتجهموا) شنفوا له أبغضوه ونفروا منه. والشنيف المبغض (وتجهموا) تلوت وجوههم واستقبلوه بالمكروه.

стр. 480

الحديث (١٦٦/ أ) الثاني: [عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جاء إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد ﷺ قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح، قال: فلما علونا السماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى قال: فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا آدم ﵇، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه. فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. ثم عرج جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح. فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السموات: آدم، وإدريس، وعيسى، وموسى، وإبراهيم ﵈، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر: أنه وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال: فلما مر جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس ﵇، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر. فقلت: من هذا؟ قال: إدريس. قال: ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: فقلت: من

стр. 481

هذا؟ قال: موسى. قال ثم مر بعيسى ﵇، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلت: من هذا؟ قال: عيسى بن مريم، قال: ثم مررت بإبراهيم ﵊ فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت: من هذا؟ قال: إبراهيم). قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري، كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ (١٦٦/ ب) (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام). قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر بموسى ﵇ فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة، قال لي موسى: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فوضع شطرها، قال: فرجعت إلى موسى، فأخبرته، قال: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فذكر مثله فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، قال: فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي جبريل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ قال: ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك]. * قوله (فرج سقف بيتي) أي كشف. وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇.

стр. 482

* (ففرج صدري) أي شقه ثم غسله بماء زمزم. الذي أرى في هذا أن فرج قلب النبي ﷺ وغسله وهو يرى ذلك تثبيت له ﷺ ، وتثبيت عنده أن قلبه الكريم لا ينزغ فيه شيطان أبدًا، وإنه محفوظ معصوم لا يقربه شيطان في قلبه وفي سره، ليكون على يقين من خواطره أنها حق وصدق لا يتمارى فيها ولا يتردد، ويصدق هذا قوله سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾. * وقوله (بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغها في صدري) فيه من الفقه أنه قال بطست من ذهب، والإشارة بذلك إلى أن الذهب لا يصدأ فلا يخالط ما يلقى فيه بشيء من صدئه، وكونه أيضًا استعمل الذهب في حقه مع أنه نهى عن استعمال آنية الذهب لأن ذلك الطست الذي جاء به جبريل ليس من ذهب الدنيا الذي تناوله التحريم، بل هو من عطاء الله وإنعامه المستثنى فلا يتناوله تحريم. كما قال : ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾. * وقوله: (مملوءة حكمة وإيمانًا) يعني به ﷺ أن الحكمة إذا قرن بها الإيمان كانت النافعة احترازًا ممن قد (١٦٧/ أ) كان يلقى الحكمة من الأوائل خالية عن إيمان فلم تنزل ولم تنفع. * وقوله: (فأفرغها) ولم يقل (فأفرغهما) وذلك أن الحكمة امتزج بها الإيمان في كل جزء من أجزائها فاتحدت فلم تقبل التثنية، ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى الطست. * وقوله: (فأخذ بيدي فعرج إلى السماء) فيه من الفقه أن السماء جهة للخلق إلى الله تعالى، وأن الله مستو على عرشه، وأن العرش فوق السموات السبع. وأن العروج به في ذلك الوقت بعد غسل قلبه، وصب الحكمة الممزوجة بالإيمان فيه، وصعوده إلى السماء السابعة وإتيانه إلى سدرة المنتهى، ولقاءه الأنبياء

стр. 483

صلوات الله عليه وعليهم، هو تشريف الرسالة وكرامة النبوة، حتى أخذ من هذا ملوك الدنيا ما يعتمدونه عنه استخدامهم خدمة وزير لهم، يبدؤونه بإظهار تقريب منزلته، وإدنائه منهم، ومشافهته بالقول المشعر بالتحكيم، وتجديد الملابس عليه، وإخدام الأولياء له وغير ذلك؛ حتى يعرف الكل من حديثهم معه أنه الواسطة بين مخدومهم وبينهم، كما أن الأنبياء واسطة بين خالقهم وبين عباده. * وفيه من الفقه ان السماء سقف محفوظ، وأنها ذات أبواب لا تفتح إلا بأمر الله سبحانه ولها خازن. * وفيه أيضًا ما يدل على أنها جسم كثيف لقول الخازن لجبريل استفتح: من هذا؟ ولو كانت كما يزعم المنجمون جوًا متخرقًا لكان يراه فلا يحسن أن يقال له: من هذا؟ * وقوله: (هل معك أحد) دليل على ما قلنا. * وقوله: (نعم، معي محمد ﷺ ، قال: فأرسل إليه؟) يدل أيضًا على أن جبريل ﵇ إذا تنزل في أمر من أمر الله لا تعلم به الملائكة حتى يهبط إلى الأرض فيقضي بأمر الله ثم يعود، ويجوز أيضًا أن يكون قوله لجهل (أو قد أرسل إليه؟) استخبارًا مبتكرًا. * وفيه من الفقه أيضًا أن آدم ﷺ في السماء الدنيا، وبعض ذريته فوقه، فهو يفرح بذريته، فإن كان قد قصر بدرجته على سماء الدنيا شيء (١٦٧/ ب) من الخطيئة التي كان سولها له إبليس، على أن الله تعالى قد أخبرنا بأنه تاب عليه وهدى، والله أعلم بذلك. * (فأما نظره إلى الأسودة عن يمينه وعن شماله وهي نسيم بني آدم، وأنه إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى) أما ضحكه لأجل أن ما قبل يمينه من أهل الجنة، فيسر بدخول أجزاء منه إلى الجنة، فإن ذريته أبعاضه، وهذا يشهد لما ذكرنا من أنه يسره علو درجات ذريته فوقه. فأما بكاؤه إذا نظر قبل

стр. 484

شماله من أجل أنهم من أهل النار فإنه من أجل أنهم من صلبه ومن ذريته، وكيف كان من ذريته من يدخل النار. * وفيه من الفقه أنه كلمه بالعربية لقوله (مرحبًا)، وهي كلمة تستعملها العرب للقادم. * وقوله: (بالابن الصالح والنبي الصالح) بالألف واللام اللتين للتعريف، يدل أنه على العهد في ذلك كله، ﵇ علمه. * وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء صلى الله عليهم جميعًا لقوا محمدًا ﷺ ولقيهم، وأنهم على شرف منازلهم وعلو مراتبهم لما أراد الله أن يجمع بينه وبينهم لم يكن ذلك على قصد منه إليهم ولا غشيانًا منه لهم، بل في رقيه إلى ربه ﷻ لقيه الواحد منهم بعد الواحد في طريق ليجتمع له ﷺ لقاؤهم وحفظ منزلته في شرفها عند ربه. ألا ترى إلى مراتبهم في ساء بعد سماء، وإن كان في هذا الحديث لم يبينه كما بينه في حديث آخر الذي يأتي فيما بعد إن شاء الله، إلا أنه قد ذكر أن إبراهيم في السماء السادسة، وذكر عن موسى ﵇ أنه لما فرضت الصلوات خمسين فمر حتى أتى موسى ولم يذكر أنه لقيه في عوده قبل موسى أحد، بعد قوله لقيه إبراهيم في السماء السادسة، وفيه ان الكل قالوا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح إلا آدم وإبراهيم فكلًا قال: الابن الصالح والنبي الصالح؛ لأنهما أبوان في النسب، ولو قال ذلك غير أبي النسب لكان يشير (١٦٨/ أ) إلى نقص في الخطاب. * وفيه من الفقه أنه لما تجاوز مقامات الأنبياء لم يقل: وعرج جبريل بي، بل قال: (فعرج بي) بإضمار الفاعل (حتى ظهرت) يعني وحدي ولم يقل فظهرنا فكأنه يشير إلى أنه انتهى إلى مقام لم يرق إليه راق سواه (لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام). ومعلوم أن سمع الآدمي لا يبلغ صريف القلم إلا عن مكان قد تناهى في القرب، وصريفه: صريره وصوت حركته في المخطوط فيه، ويدل أيضًا على أن الله أقام محمدًا ﷺ في مقام الأمانة الذي

стр. 485

لا ينطوي فيه عنه سر حتى سمع فيه صريف الأقلام بما كان ويكون إلى يوم القيامة. وهذا مقام لا يبلغه غيره ﷺ . * وقوله: (ففرض على أمتي خمسين صلاة) فرجعت بذلك حتى أمر على موسى فقال: موسى ﵇ (ارجع إلى ربك) فأما موسى ﷺ فإنه سعى لهذه الأمة في تخفيف آل ببركة نيته إلى تضعيف فصارت الخمس في الأداء خمسين في فضل الجزاء، ويدلك على أن جبريل إنما عاد إلى صحبته منذ استقر الأمر في الصلاة عند ذكر موسى. * وقوله: (انطلق بي إلى سدرة المنتهى فغشيتها الألوان لا أدري ما هي) في هذا من الفقه: أن الألوان التي يعرفها الآدميون في الدنيا ويسمونها معدودة محصورة، وأن تلك الألوان لا يدري ما هي أي لا يعرف الآدميون أسماءها، لأنها ليس لها في الدنيا مثل فهي مما تفرد الله تعالى بعلمه. * وقوله: (ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك) وناهيك بدار يكون أعز شيء في طيب الدنيا هو فيها مكان التراب. -٣٥٦ - الحديث الثالث: [عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: من هذا؟ فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك، قال: يا أبا ذر تعاله. قال: فمشيت معه ساعة، فقال: (إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيرًا، فنفح عن يمينه وشماله

стр. 486

وبين يديه ووراءه، وعمل فيه (١٦٨/ ب) خيرًا). قال: فمشيت معه ساعة فقال لي: ها هنا، قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: (اجلس ها هنا حتى أرجع إليك) قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: (وإن سرق، وإن زنى)، قال: فلما جاء لم أصبر، فقلت: يا نبي الله جعلني الله فداءك، من تكلم في جانب الحرة؟ ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا. قال: (ذاك جبريل عرض لي في جانب الحرة فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: (نعم). قال: قلت يا رسول الله: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر). وفي رواية المعرور عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق؟. وفي رواية أبي الأسود الديلي: ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق، ثلاثًا. ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر). وفي رواية زيد بن وهب أن رسول الله ﷺ قال: (قال لي جبريل: من مات من

стр. 487

أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ولم يدخل النار. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم]. * فيه من الفقه: أنه لما آثر أبو ذر أصحاب رسول الله ﷺ وخاف أن لا يؤثر رسول الله عليه ذلك تبعه في ظل القمر. فجمع في ذلك بين أصحاب رسول الله ﷺ وبين ترك التقديم بين يدي رسول الله ﷺ في صحبته عن غير إذنه. * وفيه، أن رسول الله ﷺ لما رآه على ذلك لم ينكر عليه، وقال له (تعاله) بهاء السكت، وهي كلمة مباسطة لأنه انتهى إليها الكلام فوقف عليها. وهي مشتقة من الأمر بالعلو فإذا وقف عليها بالهاء فقد أمره بالعلو ثم قطع الكلام على ذلك. * وفيه أيضًا أن المكثرين هم يوم القيامة المقلون، وأن الأحوال قد تنقلب يوم القيامة فيعود الفقراء ملوكًا والملوك فقراء إلا من أعطاه الله خيرًا فنفح فيه عن يمينه (١٦٩/ أ) وعن شماله ومن بين يديه ومن ورائه، ونفح بالعطاء أي أظهره، ونفح الطيب ظهور رائحته، والنفح والنفحة ظهور الأمر بسرعة والمراد: أنه يعطي في حقوق الله عن يمينه فيمن هو من أهل يمينه، ويكف عن تناول ما ليس له بحق من جانب شماله فيمن يستعين عليهم بأهل شماله، فإن أهل يمين الإنسان أهل خيره وبره، وأهل شماله أهل غوايته وفساده، ومن بين يديه يجوز أن يكون منه ما أحياه من سنن دراسة وحقوق عاطلة، ومن ورائه ما يتركه بعده من خير ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح أو علم ونحو ذلك. * أما كونه أجلسه في قاع وحوله حجارة، ففيه من الفقه ما يدل على أن الصاحب إذا خلف صاحبه في مكان ليعود إليه اختار له موضعًا يعرفه به حتى إذا عاد إليه وطلبه لم يضل عنه. * وفيه أيضًا من الفقه أن من مات من هذه الأمة لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة،

стр. 488

وإن أتى من الزنى والسرقة وشرب الخمر، لأن ذلك إنما يطرأ على الفرع فلا يتعدى إلى نقص الأصل، وهو الإقرار بأن لا إله إلا الله. * وفيه أنه ينبغي للمؤمن إذا حدث عن فضل الله وكرمه بشيء واسع فلا يستنكره ولا يستبعده. ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ لأبي ذر: على رغم أنف أبي ذر؟ وقد جاء في القرآن هذا المعنى مفسرًا وهو قوله : ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾. * وفيه أيضًا ما يدل على فضل الثياب البيض. وفيه أيضًا من البشرى أنه قال: (ولم يدخل النار) حتى لا يتوهم أنه يدخل الجنة بعد أن يخرج من النار، ففسر بهذا الحديث أنه يدخل الجنة ولم يدخل النار، وأرغم الله أنف فلان أي ألصقه بالرغام. والرغام التراب، وأنا أفعل كذا وإن رغم أنفه أي وإن كره ذلك. -٣٥٧ - الحديث الرابع: [عن أبي ذر قال: أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالظهر، فقال النبي ﷺ : (أبرد) (أبرد) أو قال: (انتظر انتظر). وقال: (إن (١٦٩/ ب) شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة. قال أبو ذر: حتى رأينا فيء التلول].

стр. 489

* (والإبراد): انكسار وهج وتوقده. * (وفوح جهنم وفيحها): غليانها والتهابها. * وفيه: استحباب تأخير الظهر في شدة الحر، وأن ذلك ينتهي إلى أن تفيء التلول، وذلك أنه تكون في الأكثر إذا انحدرت الشمس عن كبد السماء شيئًا كثيرًا نحو المغرب، وأنها من لطف الله تعالى بعباده في ذلك، لئلا يشق عليهم تكليفهم الصلاة في المساجد في أول وقت الظهر لكن يؤخرها، حتى إذا انفركت الشمس عن مسامتة الرؤوس وطالت الأفياء وأمكن الماشي أن يمشي فيها، فحينئذ يصلي الظهر بخلاف الشتاء. -٣٥٨ - الحديث الخامس: [عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسمًا أن ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة)]. * وقد سبق هذا في مسند علي ﵇.

стр. 490

-٣٥٩ - الحديث السادس: (عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال: (يا أبا ذر، أتدري أين تذهب الشمس؟ فقلت: الله ورسوله أعلم فقال: (تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فلذلك قوله : ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾. وفي رواية: ثم قرأ ذلك (مستقر) في قراءة عبد الله. وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾. وفي رواية وكيع: (مستقرها تحت عرش الرحمن)]. * فيه من الفقه أن الشمس تستأذن في كل يوم تطلع فيه لطلوعها بعد سجودها، وأنها ستطلع (١٧٠/ أ) من مغربها إلا أن في هذا الحديث من الإشارة إلى أن

стр. 491

الشمس لا تعلم متى ذلك، وأنها يجوز أن يكون ردها لتطلع من مغربها هو كل يوم. * وفي الحديث أيضًا أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ مبينًا أن هذا عند ذلك الوقت. -٣٦٠ - الحديث السابع (في أول مسجد في الأرض): [عن إبراهيم بن يزيد عن شريك التيمي قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة. فإذا قرأ السجدة سجد: فقلت له: يا أبت أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصى) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون عامًا. ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل)]. زاد في رواية البخاري: فإن الفضل فيه، وأول حديثه: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟). * فيه من الفقه: أن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. فأما الفضيلة فإن في الحديث الآخر: إن رسول الله ﷺ قال

стр. 492

(والمسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى)، ثم سوى بعد ذلك بين المساجد. * وفيه أيضًا دليل على تأكيد سجود لتلاوة حتى في الطريق. * وفيه أيضًا دليل على جواز إقراء القرآن في الطريق وهو قوله: (كنت أقرأ على أبي في السدة). وقال أبو عبيدة: السدة: الظلة تكون بباب الدار. وفيه أيضًا جواز العمل بمفهوم الخطاب فإنه سجد في الطريق مستندًا لحديث رسول الله ﷺ وهو قوله (ثم الأرض لك مسجد فحيث ما أدركتك الصلاة فصل). -٣٦١ - الحديث الثامن: [عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة. فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه فقام عليهم فقال: (بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى (١٧٠/ أ) يخرج من نغض كتفيه. ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه، يتزلزل قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: فأدبر، واتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته فقال: (أترى أحدًا؟) فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له، فقلت: أراه فقال: (ما يسرني أن لي مثله ذهبًا، أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير) ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا. قال: قلت: مالك

стр. 493

ولإخوتك من قريش لا تعتريهم وتصيب منهم، قال: لا، وربك لا أسألهم عن دنيا ولا أستفتيهم عن دين، حتى ألحق بالله ورسوله.) وفي رواية: (أن الأحنف قال: كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر وهو يقول: بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم. وبكى من قبل أقفائهم يخرج من جباههم، ثم تنحى فقعد. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال فقمت إليه، فقلت: ما شيء، سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئًا سمعته من نبيهم ﷺ قال قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه). في رواية عن أبي ذر قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ وهو ينظر إلى أحد فقال: ما أحب أن يكون لي ذهبًا تمسي علي ثالثة وعندي منه شيء). وفي رواية: (وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، (حثا بين يديه) وهكذا (عن يمينه) وهكذا (عن شماله)]. * في هذا الحديث من الفقه أن أبا ذر ﵁ كان لزهده في الدنيا يخاف على الكافرين ما ذكره. وإنما يحمل هذا منه على أنه ينصرف إلى من لا يؤدي زكاة ماله، فأما من يؤدي زكاة ماله فإن الأمة مجمعة على أنه لا إثم عليه إن كنز كنزًا طيبًا، وإن ترك لورثته ترك مالًا طيبًا، ولم (١٧١/ أ) يكن هذا ليخفى على أبي ذر ﵁، وإنما أراد به تخويف الأفاضل فيما أرى ليرغبوا في الفضائل من إخراجهم أموالهم وإنفاقها في سبيل الله على ما بينه رسول الله ﷺ في شريعته وبلغه إلى أمته.

стр. 494

* وفي هذا الحديث (فنظر إلى احد) فقال: (ما أحب أن يكون لي ذهبًا يمسي علي ثالثة وعندي منه شيء)، وفي رواية: (عندي منه دينار). وهذا صحيح فإن رسول الله ﷺ حاشى له أن يحب ادخار المال من غير إنفاق في سبيل الله مع كثرة المصاريف في وقته، ذلك من ضعف الإسلام حينئذ وقلة جنوده، وكونه في قوة أمل أن تمتد كلمته إلى أقاصي المشارق والمغارب، وأنه لو كان في ذلك الوقت أمثال أحد مرارًا كثيرة من الذهب لكانت له مصارف مهمة يخرج فيها. * فأما (الرضف) فجمع رضفة وهي الحجارة تحمى بالنار ونغض الكتف الشاخص منها، وقوله (يتزلزل) أي يتحرك بانزعاج ومشقة وقوله (تعتريهم) أي تغشاهم وتقصدهم. -٣٦٢ - الحديث التاسع: [عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها. فسألته عن ذلك؟ فذكر أنه ساب رجلًا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه. فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية). وفي رواية: قلت على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فغن كلفتموهم فأعينوهم عليه. وفي حديث عيسى بن يونس: (فإن كلفه ما يغلبه فليبعه). وفي حديث زهير: (فليعنه عليه)].

стр. 495

* في هذا الحديث من الفقه أن أبا ذر ﵁ عمل بهذا الحديث، فألبس غلامه حلة كما لبس هو حلة. * وفيه أيضًا دليل على جواز لبس الرجل الصالح حلة، والحلة عند العرب (١٧١/ ب) ثوبان. * وفيه أن رسول الله ﷺ سمى المملوكين إخوانًا، وأما إطعام الرجل عبده مما يأكل فقد ينصرف إلى الجنس وغن كان دون ما يأكله السيد في قدره. * وقد دل الحديث على أنه لا يجوز تكليف العبد ما يغلبه، فإن كلفه السيد ذلك ثم أعانه عليه فلا بأس لقول النبي ﷺ (فإن كلفتموهم فأعينوهم). * وفي الحديث أن يؤمر الشاق على رفيقه بالبيع لقول رسول الله ﷺ (فليبعه) لكن هذا الأمر على طريق الوعظ لا الإجبار. * وقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) المعنى قد بقي فيك من اخلاق القوم شيء. -٣٦٣ - الحديث العاشر: [عن أبي ذر قال: انتهيت إلى رسول النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة!، قال: فجئت حتى جلست فقال: فلم أتقار أن قمت، فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال بالمال: هكذا وهكذا وهكذا (من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله) وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه
следующие страницы →