Полный текст (2 650 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الشمس لا تعلم متى ذلك، وأنها يجوز أن يكون ردها لتطلع من مغربها هو كل يوم.
* وفي الحديث أيضًا أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ مبينًا أن هذا عند ذلك الوقت.
-٣٦٠ -
الحديث السابع (في أول مسجد في الأرض):
[عن إبراهيم بن يزيد عن شريك التيمي قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة. فإذا قرأ السجدة سجد: فقلت له: يا أبت أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصى) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون عامًا. ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل)].
زاد في رواية البخاري: فإن الفضل فيه، وأول حديثه: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟).
* فيه من الفقه: أن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. فأما الفضيلة فإن في الحديث الآخر: إن رسول الله ﷺ قال
стр. 492
(والمسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى)، ثم سوى بعد ذلك بين المساجد.
* وفيه أيضًا دليل على تأكيد سجود لتلاوة حتى في الطريق.
* وفيه أيضًا دليل على جواز إقراء القرآن في الطريق وهو قوله: (كنت أقرأ على أبي في السدة).
وقال أبو عبيدة: السدة: الظلة تكون بباب الدار. وفيه أيضًا جواز العمل بمفهوم الخطاب فإنه سجد في الطريق مستندًا لحديث رسول الله ﷺ وهو قوله (ثم الأرض لك مسجد فحيث ما أدركتك الصلاة فصل).
-٣٦١ -
الحديث الثامن:
[عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة. فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه فقام عليهم فقال: (بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى (١٧٠/ أ) يخرج من نغض كتفيه. ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه، يتزلزل قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: فأدبر، واتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته فقال: (أترى أحدًا؟) فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له، فقلت: أراه فقال: (ما يسرني أن لي مثله ذهبًا، أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير) ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا. قال: قلت: مالك
стр. 493
ولإخوتك من قريش لا تعتريهم وتصيب منهم، قال: لا، وربك لا أسألهم عن دنيا ولا أستفتيهم عن دين، حتى ألحق بالله ورسوله.)
وفي رواية: (أن الأحنف قال: كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر وهو يقول: بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم. وبكى من قبل أقفائهم يخرج من جباههم، ثم تنحى فقعد. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال فقمت إليه، فقلت: ما شيء، سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئًا سمعته من نبيهم ﷺ قال قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه).
في رواية عن أبي ذر قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ وهو ينظر إلى أحد فقال: ما أحب أن يكون لي ذهبًا تمسي علي ثالثة وعندي منه شيء).
وفي رواية: (وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، (حثا بين يديه) وهكذا (عن يمينه) وهكذا (عن شماله)].
* في هذا الحديث من الفقه أن أبا ذر ﵁ كان لزهده في الدنيا يخاف على الكافرين ما ذكره. وإنما يحمل هذا منه على أنه ينصرف إلى من لا يؤدي زكاة ماله، فأما من يؤدي زكاة ماله فإن الأمة مجمعة على أنه لا إثم عليه إن كنز كنزًا طيبًا، وإن ترك لورثته ترك مالًا طيبًا، ولم (١٧١/ أ) يكن هذا ليخفى على أبي ذر ﵁، وإنما أراد به تخويف الأفاضل فيما أرى ليرغبوا في الفضائل من إخراجهم أموالهم وإنفاقها في سبيل الله على ما بينه رسول الله ﷺ في شريعته وبلغه إلى أمته.
стр. 494
* وفي هذا الحديث (فنظر إلى احد) فقال: (ما أحب أن يكون لي ذهبًا يمسي علي ثالثة وعندي منه شيء)، وفي رواية: (عندي منه دينار).
وهذا صحيح فإن رسول الله ﷺ حاشى له أن يحب ادخار المال من غير إنفاق في سبيل الله مع كثرة المصاريف في وقته، ذلك من ضعف الإسلام حينئذ وقلة جنوده، وكونه في قوة أمل أن تمتد كلمته إلى أقاصي المشارق والمغارب، وأنه لو كان في ذلك الوقت أمثال أحد مرارًا كثيرة من الذهب لكانت له مصارف مهمة يخرج فيها.
* فأما (الرضف) فجمع رضفة وهي الحجارة تحمى بالنار ونغض الكتف الشاخص منها، وقوله (يتزلزل) أي يتحرك بانزعاج ومشقة وقوله (تعتريهم) أي تغشاهم وتقصدهم.
-٣٦٢ -
الحديث التاسع:
[عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها. فسألته عن ذلك؟ فذكر أنه ساب رجلًا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه. فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية).
وفي رواية: قلت على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فغن كلفتموهم فأعينوهم عليه.
وفي حديث عيسى بن يونس: (فإن كلفه ما يغلبه فليبعه).
وفي حديث زهير: (فليعنه عليه)].
стр. 495
* في هذا الحديث من الفقه أن أبا ذر ﵁ عمل بهذا الحديث، فألبس غلامه حلة كما لبس هو حلة.
* وفيه أيضًا دليل على جواز لبس الرجل الصالح حلة، والحلة عند العرب (١٧١/ ب) ثوبان.
* وفيه أن رسول الله ﷺ سمى المملوكين إخوانًا، وأما إطعام الرجل عبده مما يأكل فقد ينصرف إلى الجنس وغن كان دون ما يأكله السيد في قدره.
* وقد دل الحديث على أنه لا يجوز تكليف العبد ما يغلبه، فإن كلفه السيد ذلك ثم أعانه عليه فلا بأس لقول النبي ﷺ (فإن كلفتموهم فأعينوهم).
* وفي الحديث أن يؤمر الشاق على رفيقه بالبيع لقول رسول الله ﷺ (فليبعه) لكن هذا الأمر على طريق الوعظ لا الإجبار.
* وقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) المعنى قد بقي فيك من اخلاق القوم شيء.
-٣٦٣ -
الحديث العاشر:
[عن أبي ذر قال: انتهيت إلى رسول النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة!، قال: فجئت حتى جلست فقال: فلم أتقار أن قمت، فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال بالمال: هكذا وهكذا وهكذا (من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله) وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه
стр. 496
بأظلافها، كلما نفدت اخراها عادت عليه اولاها حتى يقضى بين الناس].
وفي رواية: فانطلق في الحرة.
* فيه من الفقه تأكيد لما ذكرناه فيما قبل ان الزكاة إذا أداها ذو مال فلا حق عليه فيه بعدها.
* وقوله (لم أتقار) أي لم أتمكن من الاستقرار، وفيه من الفقه أيضًا أن الذي لا يؤدي زكاة إبله أو بقره أو غنمه فإنها تحضر يوم القيامة بأعيانها وينطح بها بقاع قرقر. والقاع هو المكان السهل الذي لا ينبت الشجر، والقرقر: المستوى، والظلف للبقرة والشاة كالحافر للفرس. وإنما سلطت عليه بأعيانها ليكون كلما كان الصارف له عن (١٧٢/ أ) إخراجها من حسنها وسمنها هو الذي يذيقه البلية منها.
* وفيه أيضًا دليل على ان الله تعالى يحضر الحيوانات كلها، لإظهار قدرته، وليعلم الكفار المعجزون قدرة الله عند ذلك- إنهم كانوا كاذبين، ولكن من حكمة إحياء الحيوانات بأعيانها إبطاء الأموال التي لم تؤد زكواتها رقاب أصحابها وظهورهم في ذلك الجمع الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون فتكون من جنود الله سبحانه التي تنتقم بها ممن خالفه.
-٣٦٤ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي ذر، انه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له، فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار،
стр. 497
ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه).
وفي رواية البخاري (لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، غن لم يكن صاحبه كذلك)].
* فيه من الفقه ذكر جواب من ادعى إلى غير أبيه وقد تقدم تفسيره، وفيه أيضًا شدة إثم من ادعى ما ليس له حتى قال رسول الله ﷺ (ليس منا) يعني من المسلمين أو من البررة الصالحين، وقد يكون المدعي ما ليس له في باب الأموال، وقد يكون من باب الأقوال، وقد يكون من باب الأحوال، والأجمل للمؤمن التقي أن لا يتسع بماله فكيف بان يدعي ما ليس له؟
* وفيه أيضًا شدة الحظر على من رمى أخاه المسلم بالكفر، فإنه بهذا الحديث على يقين من ارتدادها إليه إن لم يكن أخوه كما ادعاه. فليحذر أن يقولها أبدًا لمن هو من أمره في شك، وكذلك أن يرميه بالفسق فإنه على سبيله في ارتداده عليه إن لم يكن كما ذكره بيقين.
-٣٦٥ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله، والجهاد في سبيله)، قال: قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا) قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (تعين ضائعًا، أو تصنع
стр. 498
لأخرق)، قال: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن (١٧٢/ ب) ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ أحسن جواب المسألة فبدأ بالأس، وقدم الأصل، فقال: حين سأله: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، وهذا إن كان قد جاء جوابًا عن أقوال السائل أفضل؟ مع أن العرف ينصرف فيه إلى مفاضلة بين فاضلين، فإن معناها ها هنا ألزم وأوجب لأنه إنما يبتني باقي المسائل عليه.
* ثم أتبعه بالجهاد في سبيل الله وهو باب الله الأعظم، فإن الجهاد في سبيل الله على شدته ومشقته هو مقتضى الإيمان. وقد قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا﴾.
* أما سؤاله أي الرقاب أفضل؟ فإنه أجابه ﷺ بجواب الحق من أن الرقاب مال، وإن زيادة هذا المال بزيادة نفاسة الرقبة، فإنه قد يتفاوت في ذل التفاوت البين.
* وقوله: (قلت فإن لم أفعل؟) وهذا من حسن أدب أبي ذر، فإنه لما ذكر حال يقتضي التقصير من المؤمنين لم ير أن ينسبها إلى غيره. فقال (فإن لم أفعل؟) أي إن كانت نفسي أنا لا تسمح بأن تعتق أنفس الرقاب، ولم يقل ذلك عن غيره، فقال له: (تعين ضائعًا) الضائع قد يكون في ضلالة، وقد يكون من سوء تدبيره وهو شديد الحاجة إلى من يعينه وليس على معينه كبير خسران، فإنما يعينه بفاضل قوته أو بعزيز رأيه. وقد روي صانعًا (بالمهملة) وأتى بذلك نكرة ولم يقل تعين الصانع؛ لأنه قد يكون في الصناع من لا يحسن هذا المعين أن يعينه في صناعته، وإنما قال صانعًا من الصناع يمكنك أن تعينه (أو تصنع
стр. 499
لأخرق) الأخرق قد يكون في رأيه، ومعنى تصنع له أي ترقع له ما خرقه بخرقه ومطلع اللفظين أعني قوله: أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق، متقارب في الاحتمال ويكشفهما التفصيل. (والأخرق) هو المسيء التدبير.
* وقوله: أرأيت إن (١٧٣/ أ) ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس.
* في هذا من الفقه إن الإنسان إذا ضعف عن أن يعمل الخير فينبغي أن يكون أقل أحواله الكف عن الشر، فإنه إذا لم يطق أن يعمل خيرًا فلا أقل من أن لا يعمل شرًا. وهذا من غاية تنبيهاته ﷺ ولطفه في حسن الموعظة.
* وقوله: (فإنها صدقة منك على نفسك) في هذا من الفقه أن الإنسان إذا أتى شيئًا من الشر فقد عرض نفسه لاحتمال العقوبة على ذلك الشر، فإذا كف عنه فقد تصدق على نفسه بإراحتها من احتمال تلك العقوبة حين لم يمكنه أن يسعى في أن يحصل لنفسه الفوائد والغنائم، فلا أقل من أن يتصدق عليها بأن لا يعرضها من البلاء لما لا تطيقه.
-٣٦٦ -
الحديث الأول من أفراد البخاري:
[عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، وكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، وكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان فقال: إن شئت
стр. 500
تنحيت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت].
* في هذا الحديث من الفقه أن الحال التي جرت بينه وبين معاوية حال يسوغ فيها الخلاف، فإن أبا ذر وافق معاوية في أنها نزلت في أهل الكتاب وزاد في المسلمين، وقال معاوية: بل نزلت في أهل الكتاب خاصة، والذي أرى أن الذي فر منه معاوية هو أن العذاب والوعيد بالنار إذا صرف إلى أهل الكتاب فإنه منصرف متوجه، وما رآه أبو ذر من إطلاق القول فمصروف متوجه أيضًا.
* فأما شكواه إلى عثمان فإنه فيما أراه أنه لما رأى من زهد أبي ذر وتأويله الأشد، وأنه ربما ينقل عنه من لا يأمن أن ينتشر عنه، فيثير فتنة أو يهيج خروجًا على إمارته (١٧٣/ ب) في غير حق؛ لذلك رأى أن ينهيه إلى عثمان فيدبره برأيه إذ ليس في هذا الحديث أنه سأله أن يستدعيه إنما شكاه إلى عثمان، وإنما عثمان أقدمه المدينة، ولما قدم المدينة اجتمع الناس على أبي ذر كأنهم لم يروه من قبل حتى خاف أبو ذر بأن يذكر تلك الحال لعثمان، وكأنه شكاها إليه، فقال له عثمان: (إن شئت تنحيت فكنت قريبًا) وقوله: (إن شئت) يدل على أنه خيره ورد ذلك إلى مشيئته، وأن أبا ذر خرج إلى الربذة اختيارًا منه، وليس كما يحكى أن عثمان أخرج أبا ذر إلى الربذة إبعادًا له ونفيًا، فإن نطق هذا الحديث يدل على خلاف ذلك، ويدل أيضًا قول أبي ذر: لو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت: أي أنني لم أكن لأشق عليهم العصا ولا أنازعهم في الأمر، ولا كان خروجي إلى الربذة إلا على ما ذكرت، وأنه ل بلغ الأمر على أن يؤمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت، مظهرًا بذلك طاعته لهم واعتقاده صحة ما هو عليه، وهذا هو الحق في ذلك، والله أعلم.
стр. 501
-٣٦٧ -
الحديث الثاني:
[عن أبي ذر قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل قال: (باسمك اللهم أموت وأحيا)، وإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النوم جنس الموت لقوله ﷺ (باسمك اللهم أموت وأحيا) وأنه يذكر بالنوم الموت وباليقظة الحياة بعد الموت؛ فلذلك قال: (وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) وقد سماها الله تعالى وفاة فقال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي تمت في منامها﴾ فلذلك دعا رسول الله ﷺ بما يناسب الدخول في النوم، وعند الاستيقاظ بما يناسب الخروج منه، وإن من آيات الله تعالى أن يجعل النوم سباتًا ليذكر حال أصحاب القبور، ثم جعل اليقظة في كل يوم لذلك مذكرة للإنسان حالة النشور.
-٣٦٨ -
الحديث الأول من أفراد مسلم:
[عن أبي ذر قال: (كانت لنا رخصة، يعني (١٧٤/ أ) المتعة في الحج).
وفي رواية: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة).
وفي رواية: (قال أبو ذر: (لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج).
стр. 502
وعن عبد الرحمن بن أبي الشعثاء قال: أتيت إبراهيم التيمي وإبراهيم النخعي فقلت: إني أهم ان أجمع العمرة والحج، العام.
فقال إبراهيم النخعي: لكن أبوك لم يكن ليهم بذلك.
وفي رواية قال: (إنما كانت الرخصة دونكم)].
* وأما متعة النساء فمنسوخة، ومتعة الحج قد تقدم ذكرها.
-٣٦٩ -
الحديث الثاني:
[عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات.
وقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟
قال: (المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)].
* في هذا الحديث من الفقه شدة كراهية إسبال الإزار، ولا بعيد أن يكون المراد بقوله (المسبل) تطويل الثياب.
* وأما المنان فغن المن لا يحتمل غضاضته إلا محتاج، والله سبحانه هو الغني. ولذلك كان المن عنده مبطلًا للعمل. وكيف لا؟ وفيه جحد للحق فإن المؤمن
стр. 503
بالله يلزمه أن يعترف بأن توفيق الله تعالى له هو الذي كانت الأعمال الصالحة عنه، فإذا من بذلك فقد جحد لله كرم صنعه.
* وأما المنفق سلعته فإن غر أخاه وغشه في معاملته، ولم يرض بذلك حتى زاده غرورًا بأن حلف له بالله كذبًا، فباع أمانته، وخفر ذمة نفسه، وأسخط ربه فيما فعل من ذلك، ولقد ختم ذلك بيمين فاجرة في شيء زهيد، لأن الدنيا بأسرها في هذا المقام حقيرة فكيف لشيء منها.
-٣٧٠ -
الحديث الثالث:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، (١٧٤/ ب)، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه. فيقال عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول: رب! قد عملت أشياء لا أراها ها هنا، فلقد رأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه)].
* وقد تقدم فيما مضى شرح حال الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا وآخر أهل النار خروجًا في موضعين من مسند ابن مسعود، فإن كان هذا الرجل هو ذاك ثم قد ذكر كل من الرواة طرفًا من حاله، فلا يبعد، إذ ليس يقول رسول الله ﷺ عن رجل أنه آخر أهل النار خروجًا منها، ويخرج بعده أحد، فإذا ذكر ذلك في أحاديث متفرقة دل على أن الحكاية في الأحاديث الثلاثة إنما هي عن
стр. 504
رجل واحد، إلا أن كل راو من الرواة قد ذكر طرفًا من حديث ذلك الرجل، وقد كان في أمره ما يقتضي هذا التفصيل، وإنه لينتهي به الأمر إلى الشدة الشديدة التي تناهت به إلى أن تخلف في النار بعد خروج أهلها المذنبين بأسرهم منها، وناهيك بذلك شدة، ثم إنه بعد ذلك تناهى به الفضل من الله إلى أن أعطاه عشرة أمثال الدنيا، فيكون ما تفضل الله به عليه أو وقفه على صغار ذنوبه ثم بدل له مكان كل سيئة حسنة، لأن كرم الله جلاله لا يقاس بكرم الخلق إذ غاية ما في كرم الخلق إذا أحسن إليهم أن يجازوا بالإحسان، فإذا أساء إليهم مسيء فقصاراه أن لا تحيط حسناته عندهم بإساءته. فأما إن تناهى كرم الكريم إلى أن تنقلب السيئة بعينها حسنة، فإن هذا مما لا يقاس بالمعهود في عادة الخلق بل هذا مما يفرد الله به.
* وأما ضحك رسول الله ﷺ فإنه يجوز أن يكون تعجبًا من سرعة تقلب الآدمي من اليأس الشديد إلى الطمع العتيد، فإن هذا مما كان خائفًا (١٧٥/ أ) كبار ذنوبه أن تظهر له، فلما عرف ما من الله به عليه زاد طمعه في وقته وحاله إلى أن قال (رب! قد علمت أشياء لا أراها) وإنما قصد بذلك الحسنات التي تبدل منها، فيكون ضحك رسول الله ﷺ من شدة قنوطه أولًا ثم تعقيب ذلك باتساع الطمع ثانيًا. ويجوز أن يكون ضحك رسول الله ﷺ سرورًا بما من الله به على هذا العبد الذي كان آخر أهل النار خروجًا منها استلالًا على ما يضاعف الله به الحسنات لمن هو فوق المذكورين من المؤمنين.
- ٣٧١ -
الحديث الرابع:
[عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا،
стр. 505
ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة)].
* قوله في هذا الحديث: (يقول الله) أفضل لهذه الأمة من أن لو قال: (قال الله لأن (يقول) فعل للحال وللاستقبال، فهو مما شرفت به هذه الأمة.
* وقوله: (من جاء بالحسنة) من: كلمة تقع على من يعقل. وقوله: (فله عشر أمثالها) وذلك لأن فعلات الحسنات يتفاوتن؛ فكل فعلة حسنة فإن الله تعالى يعوض عبده المؤمن عشر أمثالها (ثم قوله أو يزيد) فإن (أو) في لغة العرب تأتي بمعنى الواو، ولا سيما في كلام من لا يجوز عليه الشك سبحانه، فيكون المعنى وأزيد، وإن كانت (أو) على وجهها فإن معناها أن الحسنة لا تنقص عندي عن عشر أمثالها، بل هي إلا أن تزيد على عشر أمثالها أو تقف على عشر أمثالها.
* وقوله: (ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها) فذكر الحسنة بعد أن أتى بلام الملك فقال له: (عشر أمثالها) (١٧٥/ ب). فلما ذكر السيئة لم يقل فعليه سيئة مثلها، يعني أني إذ أجازيه فلي ذلك إلا أن هذا النطق لا يتناول إيقاع الجزاء إلا أن يشاء الله، وقد تقدم الكلام في (أو)، ولا أراها في هذا المكان إلا بمعنى الواو، قولًا واحدًا، لأنه لم يجعل جزاء السيئة إلا سيئة، والله تعالى لا يجوز أن يصدر عنه ما يسمى سيئة، فلما سمى المثلية سيئة عرفنا أنه لم يسمها سيئة وهو يفعلها لما بينا أن ما يصدر عنه تعالى لا يسمى سيئة.
* وقوله: (من أتاني يمشي) فعل مضارع وهرولة مصدر، والمصدر يقع تأكيدًا لفعله فهو أبلغ، وعلى أن الوقوف في المثل في جزاء الماشي على الهرولة ومن ورائها الشد، فإنه فيما أرى نوع معاتبة كيف جاء يمشي مشيًا ولم يكن سعيًا.
* وقوله (من لقيني بقراب الأرض خطيئة) أي بما يقارب ملأها، وخطيئة يجوز أن
стр. 506
يكون اسمًا لجنس الخطايا، ويجوز أن يكون المعنى وهو الأظهر: من جاءني بخطيئة واحدة تقارب ملء الأرض أتيته بقرابها مغفرة، إذا لم يشرك بي شيئًا.
* وقوله: (بقراب الأرض) وإنما لم يقل ملأها ولا وزنها ولا سعتها ولا عرضها وإنما ذكر قرابها ليتناول هذه الأشياء كلها -إن كانت الخطيئة بوزنها أو في سعتها- وإنما قابل قراب الأرض بقراب الأرض، لأن الغفر ستر ومحو، والمحو لا يحتاج زيادة تفضل بل يكفي فيه تقدير المحو.
- ٣٧٢ -
الحديث الخامس:
[عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة (١٧٦/ أ) وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان قد أعطاه الله خلقه، قال الله تعالى: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ وفي معنى الآية وجهان: أحدهما: أعطى خلقه كل شيء. والثاني: أنه أعطى كل شيء خلقه أي وهب للآدمي خلقه، فجملة عظام الآدمي هبة من الله تعالى له.
*وتفصيل ذلك: أن كل سلامى هبة من الله للآدمي -قال أبو عبيدة: (معنى الحديث على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة) فإذا نظر الآدمي في خلق نفسه، ورأى أنه لو قد أعوزه من عظامه عظم واحد لأدخل عليه حياته
стр. 507
كما لو زاد، ورأى أن ذلك كله لم يكن له هو فيه صنع، وأن عظام الآدمي ما بين طوال وقصار، ودقاق وغلاظ، فلو قد قصر الطويل منها أو طال القصير أو دق الغليظ، وغلظ الدقيق لاختل بذلك نفعه. فإذا صح المؤمن، وقد أعطي الآن الحركة لما أتقن فيه من تركيب العظام وجعلها جسما صلبًا لا يضعف منه انبوب ساقه عن حمل بدنه نفسه، وعن حمل ما يحمله بدنه أيضًا ولا عظم زنده عن إقلال حمل ما يرفعه بيده، ولا عظام أضلاعه عن وقاية حشاه، ولا عظم نافوخه عن صيانة دماغه، تعين عليه أن يشكر فاعل هذا به شكرًا محتمًا، فنبه الشرع على أن يقابل هذه النعمة بما ذكره، إلا أنه لطف به في تسمية ذلك صدقة مخرجًا لها مخرج ما يثاب عليه ويؤجر فيه، ثم احتسب له بقول (سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وأمر بمعروف ونهي عن منكر)، ثم لطف به حتى جمع ذلك كله بأن يصلي ركعتين من الضحى على معنى أنه إذا قام فدعمته عظامه، وإذا ركع استوت له عظامه في ركوعه، وإذا سجد وجلس فحينئذ يذكر بهاتين الركعتين مطاوعة الأعضاء له في جميع أشغاله (١٧٦/ ب) فيكون بهاتين الركعتين جامعًا لشكر هذه العظام عن جميع أشغاله من غير الصلاة كالنعمة بها عليه في الصلاة.
- ٣٧٣ -
الحديث السادس:
(عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ : (عرضت على أعمال أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن))
стр. 508
* في هذا الحديث من الفقه أن أعمال الأمة عرضت على نبينا ﷺ يدل عليه قوله: (فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق) أي عرضت علي الأعمال حتى هذا، وذلك أن المسلم يمر بالطريق وفيها حجر ربما يتأذى به الرجل الضرير أو غيره، فيرفعه من مكانه فيعتد الله تعالى له به، حتى أنه أرى نبيه ﷺ ذلك، وكذلك السيئات حتى النخامة في المسجد التي لا تدفن ويشير بهذا إلى أنه إذا انتخم الرجل في المسجد كان هذا منه سيئة إلا أنه لو دفنها كفرها، فكأنه لم يكتب عليه سيئة في الأول حتى أخل بتداركها في الثاني فكتبت.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا يجوز أن يحتقر من البر شيء، ولا يستصغر من الإثم شيء وإن قل.
* وفيه أيضًا أن الصحائف على ما يخفى فيها من الأعمال الثقال فإنها لا يغادر منها لمثاقيل الذر.
* وفيه أيضًا إشارة إلى أنها لم تعرض على رسول الله ﷺ إلا وهي بسبيل أن يستغفر لأهلها منها، ويستوهبها لهم كما قال: (تعرض علي أعمال أمتي، فإن رأيت حسنًا شكرت الله، وإن رأيت سيئًا استغفرت الله)، لأنه قد علم الله رحمة نبيه لأمته فلا يعرض عليه سيئات أعمالهم إلا رفقًا بهم لعلمه أنه يستغفر لهم. فقد وصفه الله : ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ فلم يعرض عليه (١٧٧/ أ) إلا ليكون ذلك تبريرًا لشفاعاته المحبوبة ومسائله المطلوبة، والحمد لله رب العالمين.
-٣٧٤ -
الحديث السابع:
[عن أبي ذر، أن أناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله!
стр. 509
ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال له أجر)].
* قولهم: (ذهب أهل الدثور) يعني أهل الأموال الكثيرة، ثم عللوا ذهاب القوم بالأجور، فقالوا: يتصدقون بفضول أموالهم. وهذا القول لم يصدر من أولئك السادة الذين وصفهم الله بقوله: ﴿الذين لا يجدون ما ينفقون﴾ خارجًا مخرج الحسد للأغنياء على ما في أيديهم من الدنيا بل منافسة في الفضيلة، لذلك وصفهم الله فقال: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ فنافسوا فيما يتنافس فيه المتنافسون ولذلك قال : ﴿ألا يجدوا ما ينفقون﴾ ولم يقل ما يكنزون ولا ما يدخرون دالًا بذلك جل دلاله أن حزنهم إنما كان على فوت فضيلة الإنفاق في سبيل الله ، وذلك أنهم لما رأوا أن أصحاب الدثور يصلون كما يصلون، ويسبحون كما يسبحون، ويفعلون من أفعال الخير كما يفعلون إلا أنهم يفضلونهم بالأنفاق غبطوهم ها هنا حتى شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ . فأجابهم ﷺ فقال (أليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟) والذي فات أصحاب الأموال وإن شاركوا الفقراء في التسبيح والتحميد (١٧٧/ ب) هو الحسرة التي يجدها الفقراء لعدم ما ينفقون، وتلك حسرة لا يجدها واجد، بل صارت تسبيحته صدقة منه جامعة
стр. 510
بأنها قامت له عوضًا من الإنفاق، ولأن تسبيحهم هذا أثار تعليم رسول الله ﷺ بسؤالهم إياه، فصار كل من يتعلم منهم إلى يوم القيامة فإنما هو في المعنى كأنه من صدقتهم عليه، فكانت صدقتهم أذكار الله سبحانه وحمده وتسبيحه على عباد الله، وذلك لعباد الله أنفع من الطعام والشراب لأن الطعام والشراب قوت الأبدان، وتسبيح الله وتحميده قوت الأرواح.
* وهذا الحديث سيأتي في أثناء الكتاب أشياء يكون نطقها مبينًا عن معناه، وإنه لما ذكر الفقراء لرسول الله ﷺ ما خافوا أن يفوتهم به الأغنياء من الإنفاق، قال لهم رسول الله ﷺ قولًا عارضهم به قوله: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون) وهذا يرجع إلى ما فسرناه من الحديث المقدم من قوله: (يصبح ابن آدم على كل سلامى منه صدقة) فأراد بالذي جعل لهم ما يتصدقون به: أن الفقراء إذا قال أحدهم سبحان الله كانت قائمة مقام صدقة ألغني مع تمني أحدهم أن يكون له مال ينفقه في سبيل الله، وفي بعض الأحاديث التي تأتي أن ذلك بلغ الأغنياء فقالوا كما قال الفقراء، واجتمع لهم فضل الإنفاق وفضل الذكر، فإن ذلك لما بلغ رسول الله ﷺ قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
* وهذا إنما يكون لغني تكون حاله كحال الفقراء في تفرغه لعبادة ربه، ويكون الفقير الذاكر لله سبحانه الراضي بتدبير الله تعالى في إفقاره وإغناء غيره المتمني أن لو كان له ما ينفق لأنفقه، مع كونه قد اعتبر ذلك على نفسه بأن أنفق اليسير الذي فضل عن حاجته وإن كان يسيرًا فإنه ذو درجة فاضلة عالية.
* وأما قوله: (ففي بضع أحدكم صدقة) ففيه من الفقه (١٧٨/ أ) أن الرجل المؤمن في مباضعة أهله قد يتصدق بذلك على من يباضعه من حلاله فإنه يعفه به عن التطلع والتلفت.
* ويكون أيضًا قد تصدق على المسلمين بأن بذر لهم، من يجوز أن يحضر يومًا من الأيام صفًّا من صفوف المشركين مجاهدًا في سبيل الله واقفًا مع المسلمين، فيستنزل الشيطان صف المسلمين ببعض ما كسبوا فولوا الأدبار،
стр. 511
فوفق الله ذلك الولد لأن خاف من الله أن يولي، فرجع وحده إلى صف المشركين، ثم لزم قنطرة لا يقدر أن يعبر مشرك إلا عليها، فسلم المسلمون كلهم ببركته، فيكون في نيته بمباضعته أهله أن يتصدق على المسلمين بمثل ذلك الولد. وقد قالت امرأة عمران: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا﴾ أي وقفًا على خدمتك.
* وفيه من الفقه في هذا الباب أن يحسن المؤمن التأني في إعفاف قرينته بأن لا يعاجلها فقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ أمر بذلك، فأحب للإنسان أن يتطلع إلى مقدار كفاية زوجته فيصبر لها حتى يعلم حصول الكفاية.
* وقولهم: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال: أرأيت لو وضعها في حرام) وفيه من الفقه:
إجابة السائل برد القول بمثله فإنه سيجيب نفسه، لأن الشهوة إنما جعلها الله تعالى في الآدمي باعثة له من طبعه لقيام النسل. فلو استعمل ما طبعه الله تعالى عليه في مسقط حرام، وأضاع نسبه وحرم ذريته ماله والانتماء إليه، وعرض ولده لأن يكون غاضبًا ظالمًا لحق رجل آخر، إلى غير ذلك من آفات الفاحشة، أليس كان يكون آثمًا؟ فإذا استعمل ذلك في مقره فوضع نطفته حيث أباح الله له وضعها، وصدق من ينتسب ولده إليه، وكان ما يتركه من مال ينصرف إلى وارثه بكتاب الله وقسمته، فهذه كلها عبادات لله سبحانه تقتضي الأجر.
- ٣٧٥ -
الحديث الثامن:
[عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا
стр. 512
يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم.
يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.
يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم.
يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم.
يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئًا.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق لقوله سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي) فهو سبحانه لا يظلم عباده لنفسه، فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره، ولذلك قال (فلا تظالموا) والمعنى لا بد من اقتصاص للمظلوم من الظالم، ويصدق
стр. 513
هذا قول الله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ ومعناه فيما أرى أنه ندب للمظلوم أن يجهر بذكر قصته باسم من ظلمه ليشيع ذلك بين الناس، فيكون شيوع ذلك عذرًا للقادر على الإيقاع بالظالم ليجمع في ذلك بين أن يعرف الناس أنه سبحانه لم يوقع بمن ظلم إلا انتصارًا منه لمن كان ظلمه، وليعلم العباد أن من وراء الظالمين طالبًا لا يرد بأسه، وهذا فهو كذلك، إلا أن من وراء هذا حالًا أخرى لولاها لم يكن يمهل ظالم (١٧٩/ أ) في الأرض فواق ناقة، وتلك الحال أن الخلق كلهم عبيد الله سبحانه، وملك له، فإذا ظلم بعضهم بعضًا فالمظلوم لا يستحق على الظالم إلا أن يمكنه سيده، إذ من جنى على عبد جناية فالخصم فيها سيده، فالخلق كلهم لله تعالى، أروش جناياتهم حقوقه، فهو سبحانه إن أمهل فله ذلك، وإن اقتص فله ذلك.
* وقوله: (كلكم ضال إلا من هديته) في هذا من الفقه أن الشأن في الناس الضلال إلا من هدى الله تعالى، فيترتب على ذلك أن الإنسان إذا رأى عنده آثار هدى فليعلم أن ذلك من عند الله تعالى، وكلما ازداد هدًى تعين عليه أن يزداد شكرًا وحمدًا لله تعالى.
* وقوله: (فاستهدوني أهدكم) أي اطلبوا مني الهداية، أهدكم، والمعنى أهديكم إذا استهديتموني، فإذا استهديتني أيها العبد فهديتك عرفتك أنني أجبت الدعاء وأعطيتك ما سألت فتعرفت إليك بذلك، ولو قد هديتك من قبل أن تسأل لم يكن تعبدًا منك أن تقول: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾
*وقوله: (كلكم جائع إلا من أطعمته) يعني أنه خلق الخلق ذوي فقر إلى الطعام، وأن كل طاعم فإنه كان جائعًا حتى أطعمه الله تعالى بأنواع منها سوق الرزق، ومنها تصحيح الآلة المتناولة لذلك الرزق، فهو
стр. 514
سبحانه يسوق إليك الطعمة ويهيء آلات استطعامك لتناولها، ويلطف بك حتى يخلصك من أثقالها.
* وقوله: (استطعموني) أي اطلبوا الرزق مني ولا يستنكف حي ولا ذو كثرة أن يستطعمني، فإن ذلك يجهله وعمهه يظن أن ذلك الذي في يده من رزقي وقد رفعه إلى فيه، يطعمه إياه غيري.
* وفيه أيضًا للفقراء ما يؤدبهم وكأنه قال: لا تطلبوا الطعمة من غيري، فكل هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا أطعمهم (فاستطعموني أطعمكم).
* وقوله: (كلكم عار إلا من كسوته) فيه من الفقه: أن الكسا من الله تعالى متنوعة فقد يكسو من عري جسدًا، وقد يكسو بالستر الجميل.
* وقوله: (فاستكسوني) (١٧٩/ ب) أي اطلبوا مني الكسوة الجميلة الطاهرة فإن من كساه الله تعالى لباس التقوى لم يقدر أحد أن ينزعه عنه.
* وقوله: (إنكم تخطئون بالليل والنهار) في هذا الكلام الشريف من التأنيب والتوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن، وذلك أنه إذا لمح العبد الفطن أن الله تعالى خلق الليل ليطاع فيه سرًا، ويعبد بالإخلاص في خلوة من الناس، حيث تسلم الأعمال غالبًا من الرياء والنفاق، ومشاهدة الخلق، ولا يستحي المؤمن ألا ينفق الليل فيما خلق له من الطاعة حتى يخطئ فيه ويعصي الله تعالى في مطاويه. فأما النهار فإنه جعل مشهودًا من الناس يقتضي من كل فطن أن يطيع الله تعالى فيه، ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، فيكون مجرئًا لغيره على مثل ذلك، فكيف يحسن بمؤمن أن يخطئ جهرًا يشهد به عليه خلق الله في نهار يكشف الأغطية، ويبدي الوجوه والألوان، إلا أنه قال بعد ذلك كله: (وأنا أغفر الذنوب جميعًا) وذكر الذنوب بالألف واللام اللتين للتعريف، وإنما قال سبحانه جميعًا ها هنا قبل أمره إيانا باستغفاره حتى لا يقنط أحد من رحمة الله لعظيم ذنب احتقبه ولا لشديد وزر قد ارتكبه.
* وقوله: ﴿لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾ في مثل هذا
стр. 515
المقام لو قال المؤمن إلهي، وسيدي، ومولاي كيف لي بأن ترضى عني؟ بماذا أتقرب يا من له كل شيء؟ ماذا يعمل من ليس له شيء؟ أنت الغني وحدك، لا يتصور النفع والضر إلا منك، والحمد كله والملك لك، لا آمن إليك إلا بسواق اختيارك في وموضع أثارك مني، ولا أدلي بمثل أن جملتي تشهد لك وتفاصيلي تسبح بحمدك فإن فتر لساني عن الشهادة بوحدانيتك والتسبيح لك فإن ذراتي وأجزائي كلها ناطقة بلسان حالها لك، لا إله إلا أنت سبحانك (١٨٠/ أ) وتعاليت، فأنا بعض دلائلك، ومن جملة الشهود على ربوبيتك، فالانتفاع والاستضرار لائقان مناسبان لحالي وأما خالق النفع والضر فتعالى علوًا كبيرًا.
* وقوله: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا) في هذا ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة من الله تعالى لهم، ولمن بعدهم ودونهم، وأنه لا يقدر المتقون أن يزيدوا في ملك الله شيئًا كما أنه لا يقدر الفجار أن ينقصوا من ملك الله تعالى شيئًا، ولكن تقوى المتقين وفجور الفاجرين سعادة وشقاوة.
* وقوله: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) في هذا التنبيه للخلق على أن يعظموا المسألة، ويوسعوا الطلب، ولا يقتصر طالب ولا يختصر سائل، فإن ما عند الله لا ينقص.
* وقوله: (كما ينقص المخيط إذا دخل البحر) هذه إشارة إلى النعمة المخلوقة فهي تنقص كما ينقص المخيط من البحر إذا أدخل فيه، وإنما أراد بهذا تجزئة السؤال وتشجيعهم على إيساع الطلب حتى لا يظن منهم ظان أن ما عند الله تعالى يغيضه الإنفاق فيتوهم الجاهل أن طلابه وإن اتسع ربما يصادف غورا وقد تعالى الله عن ذلك، فإن ما عند الله تعالى لا يغيض.
* وقوله: (إنما هي أعمالكم) ذكر سبحانه هذا بعد أن عدد ما عدده من نعمه وشرحه من فيض كرمه، ثم إنه بعد ذلك أوضح لنا أن أعمالنا هي التي تعرض علينا، فمن وجد منا خيرًا فليحمد الله تعالى على توفيقه، ومن
стр. 516
وجد غير ذلك، ولم يقل ها هنا ومن وجد شرًا بل قال غير ذلك، والخير كلمة مفاضلة لأن قولك زيد خير أي هو خير من خير.
* وقوله: ﴿ومن وجد غير ذلك﴾ أي وجد غير الخير أي غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه، فذكره بنون التوكيد، وإنما جاء للتأكيد ها هنا، يحذر من أن يخطر في قلب عامل أن اللوم في ذلك يستحقه غير نفسه؛ لأن الله تعالى أوضح فأعذر، وليس لأحد عليه حجة، حتى أن من قلة إنصاف (١٨٠/ ب) الآدمي لربه أن يحسب طاعاته وعباداته لنفسه، ولا يسندها للتوفيق، كما يبرأ من معاصيه، ويسندها إلى الأقدار، فلو نظر إلى مغالطته في هذا، وهو أنه كان لا تصرف له كما يزعم، فهلا كان في الأمرين؟ أو إن كان له تصرف فلم يعزله عن أحد الحالين؟! ولكن الإنسان ظلوم!.
- ٣٧٦ -
الحديث التاسع:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ (إن بعدي من أمتي- أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرأون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة).
* في هذا الحديث أن من هذه الأمة قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم.
* وأما قوله: (كما يخرج السهم من الرمية) فقد تقدم تفسيره.
* وقوله: (لا يعودون فيه) قد جاء هذا المعنى صريحًا في أحاديث علي ﵁، وذكر أنهم الخوارج، فإن كان معناها في غيرهم فإنه يلحق بهم.
стр. 517
* وقوله: (لا يعودون فيه) فإن هذا مما نخاف منه كثيرًا على أهل البدع، فإن كل مبتدع بدعة لا يرى أنه فيها على ضلال فيعود إلى الحق، وليس في الذنوب ذنب لا يستغفر منه صاحبه إلا البدعة لأنه يراها دينًا وقربة لا يستغفر منها، ولا أرى هذا ينصرف إلى أهل البدع، فإنهم يخرجون من الدين بالبدعة ثم لا يعودون إليه؛ لأنهم لا يرون قبح ما هم عليه من الضلالة.
- ٣٧٧ -
الحديث العاشر:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود). فقلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: (الكلب الأسود شيطان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن السترة بين يدي المصلي تكون في نحو آخر الرحل وهو مؤخره، فلا يضير المصلي من مر بين يديه من وراء ذلك، فإن خالف (١٨١/ أ) ولم يفعل وصلى من غير سترة فإنه إذا مر بين يديه حمار أو امرأة لم تقطع صلاته مع شدة كراهية ذلك؛ لأن الحمار قد لا يؤمن أن يفجأه بنهاقه عند محاذاته إياه فيزعجه وهو بين يدي ربه ، وقد قال الله : ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ وأما المرأة فإنها إذا مرت بين يديه ولا سترة بينهما أثارت من الشهوة المخلوقة في الرجال عند رؤية النساء ما يشتد الإثم في حضور مثله في ذلك المقام، وهو بين يدى ربه تعالى.
وأما الكلب الأسود، فمذهب أحمد ﵁ أنه يقطع الصلاة
стр. 518
خاصة، أخذًا بهذا الحديث وقوله: (إنه شيطان) فإنه كما وصف رسول الله ﷺ . والذي أراه في ذلك أن إبهام لونه إشارة إلى إبهام حاله من حيث أن الشياطين يتصورون في الجثث الكثيفة فيكون إذا مر بين يدي المصلي أوهم قرناءه أن الصلاة كانت لي أو نحو ذلك، وإنما جر ذلك على المصلي إخلاله بالسترة، فلذلك قطع صلاته من حيث أنها وقعت في مقام ادعاها الشيطان، فتعين استئناف العبادة الله من أولها.
-٣٧٨ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ : (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة، أو قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها) - قلت: فما تأمرني؟ قال: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة)
وفي رواية: (فإن اقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل (أخرى) فإن أدركتك (يعني الصلاة) معهم فصل، ولا تقل إني صليت فلا أصلي).
وفي رواية: (أن أبا ذر قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه إذا رأى الإنسان الأمير يصلي، وقد كان هو صلى أعاد الصلاة معه، ولا يقل إني قد صليت لئلا يتوهم فيه أنه لا يرى الصلاة خلفه ومعه.
* وفيه أيضًا: أنه إذا كان من الأمراء من يؤخر الصلاة عن وقتها، فإنه يصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركها معه صلاها ثانيًا.
стр. 519
* وقوله (١٨١/ ب): (يميتون الصلاة) يعني بإماتتها، أشياء منها تأخيرها ومنها ترك أبهتها وقلة الاحتفال لها وغير ذلك.
* وقوله: (وإن كان عبدًا مجدع الأطراف) فيه دليل على جواز استعمال العبد والمجدع: المقطع الأطراف.
* وهذا يدل على أن طاعة الأمير متعينة، لا لأجل شوكته، ولا لأجل قوته، ولكن لأنه ولَّاه الإمام.
-٣٧٩ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده! لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل)].
* في هذا الحديث ما يدل على ثبوت أمر الحوض، ووجوب الإيمان به، وأنه تكرمة من الله تعالى لرسوله، وغياث من الله تعالى للأمة في يوم العطش الأكبر، وأنه له آنية فيه مما يدل على أنه يومئذ سهل الموارد، ويدل قوله: (عدد أوانيه أكثر من عدد نجوم السماء في الليلة المصحية)، على أن عدد الآنية للشاربين على علم بقدر كثرة الشارب.
* وقوله: (آنية الجنة)، يريد ﷺ أنها آنية دار البقاء لا يكسر منها إناء ولا ينثلم ولا يتغير، وأنها قد يجوز أن يرتقي منها الإناء، بنفسه ملآن إلى فم الشارب، وأنه يمر الظمآن بالحوض فيشتهي، فيثب الإناء إلى فيه فيرويه، لأن آنيته
стр. 520
وصفت بأنها آنية الجنة، وكذلك ما يشتهى من الجنة هذا وصفه والموضوع في الإناء بمقدار إرادة الشارب من قوله : ﴿قدروها تقديرًا﴾.
* وقوله: (أشد بياضًا من اللبن) وذلك لأن البياض أبعد من الكدر والقذى، ولا يتوارى فيه شيء من ذلك. وفي هذا دليل على خلاف ما يقوله قوم من أن الماء لا لون له.
* وقوله: (آخر ما عليه) يعني آخر ما عليه من الظمأ أي فلا يعاوده ظمأ.
* وقوله: (يشخب فيه ميزابان) الشخب: هو ما اندفع من اللبن، وهو على معنى السكب إلا أنه يستعمل في الضرع، ويعني به (١٨٢/ أ) أن مدده غير منقطع لأنه من الجنة.
* وقوله: ﴿عرضه مثل طوله﴾ فيه ما يدل على أن التربيع غير مكروه كما يزعم المنجمون بل التربيع أن يكون العرض مثل الطول وهذا صفة حوض النبي ﷺ .
* وقوله (يشخب فيه ميزابان من الجنه) آلة مادة الحوض من الجنة، وآلة تفرقة ما فيه من الجنة، وذلك مشعر بأنه جزء من الجنه، وإنما قال: (ميزابان) ولم يقل ميزاب واحد، وقد كان الواحد يجزئ لأن الاثنين أقل الجمع، فلم يكن واحدًا لئلا يتوهم التقليل قلة الاحتفال، ولم يكن غاية الجمع لئلا يوهم أن آلات الجنة يؤثر فيها قلة العدد.
* فأما معنى الحوض لمحمد ﷺ فالذي أراد أنه ﷺ من العرب، ومن شأن العرب إكرام الضيف، والحوض يومئذ يضيف أهل الجمع يشرب منه الأولون والآخرون.
стр. 521
-٣٨٠ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أبي ذر قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الكلام أفضل؟ قال: (ما اصطفى الله تعالى لملائكته أو لعباده: سبحانه الله والحمد لله. وفي لفظ: ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ سبحانه الله وبحمده)].
* وإنما التسبيح أحب الكلام إلى الله ، لأن معنى التسبيح التنزيه له عن كل مالا يجوز عليه من المثل والشبه والنقص، وكل ما ألحد فيه الملحدون من أسمائه. وقول القائل بحمده اعتراف بأن ذلك التسبيح إنما كان بحمده سبحانه فله المنة فيه، ويجوز أن المعنى: وبحمده سبحناه.
-٣٨١ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أبي ذر، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، وبحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن)].
* في هذا الحديث من الفقه الدلالة على أن حمد الناس المؤمن على خير فعله بشرى من الله تعالى تعجلها، إذ هم شهود الله في أرضه، لأن المؤمنين لا يستجيزون أن يمدحوه ويثنوا عليه إلا فيما يكون لله رضى، كما أنهم لا يستجيزون أن يذموا إلا على ما هو غير رضى.
стр. 522
-٣٨٢ -
الحديث الخامس عشر:
[(١٨٢/ ب) (عن أبي ذر، قال: (إن خليلي أو صاني: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف)].
* فيه من الفقه: حض رسول الله ﷺ أبا ذر على حسن التدبير في العيش، فإنه إذا طبخ فأكثر الماء ثم أصاب بذلك المرق جيرانه ممن سيجد في الأغلب ريحه، وينمى إليه خبره، فأصابهم، ما يأتيهم منه، لم ينقصه كبير أمر، وإنما وصلهم بما قد صحب طعامه فأرضاهم به، ولم ينقص ما عنده طائلًا، إلا أن هذا هو أدنى الأحوال، وما فوقه من المشاركة والإيثار له مقامه.
-٣٨٣ -
الحديث السادس عشر:
عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن لقاء الأخ بالقطوب مكروه، وأن لقاءه بالبشر مستحب، فإن كنت في حال مقطبًا لغير حال تتعلق بأخيك، فالأولى أن لا تكشر في وجه أخيك، متكلفًا ذلك، لتحظى بأجره وأجر تكلفك له. وإن هذا من أدنى برك بأخيك، فكيف إذا كلمته وصافحته وصاحبته ورافقته إلى غير ذلك؟!
والوجه الطلق ضد العابس.
стр. 523
-٣٨٤ -
الحديث السابع عشر:
[عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه))
* أما (أنى) فإنها وجوه، والأحاديث المتفق على صحتها قد شهدت بأن الله تعالى يُرَى، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم، وأن النبي ﷺ رآه. فأما هذا الحديث فمن وجوهه أن يكون معنى النور: أن رؤيته حق، فشبهها لكونها حقًّا بالنور وقال: (أنى أراه) أي متى أراه، فيكون التقدير متى أراه اشتياقًا إلى رؤيته.
-٣٨٥ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة، خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها).
وفي رواية لمسلم: (يا أبا ذر (١٨٣/ أ) إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم)].
* في هذا الحديث من الفقه المؤمنين يكون فيهم القوي، ويكون فيهم الضعيف، وأن الانتقاد في ذلك إلى العالم، فإن أبا ذر ظن أنه يصلح له العمل ليعامل الله به، فعلم منه رسول الله ﷺ ضعفه الذي بان برهانه بخلافه
стр. 524
لمعاوية في مسألة الكنز، وأنه ضاق ذرعه عن احتشاد من احتشد إليه حتى طلب الوحدة فأذن له عثمان ﵁ فصار إلى الربذة؛ فلهذا قال له رسول الله ﷺ : (إنك ضعيف) والعمل إنما يصلح للأقوياء الذي لا يؤثر فيهم العمل إلا جدًّا في الحق، وزهدًا في كل ما علموا فيه.
* وفي هذا الحديث أن الإشفاق من المصحوب ينبغي أن يبلغ إلى الغاية التي بلغ إليها إشفاق رسول الله ﷺ على أبي ذر في قوله (إني أحب لك ما أحب لنفسي). وقد دل هذا الحديث على خطر الإمارة وأنها أمانة، وأي أمانة، وأنها على الأكثر والأغلب خزي وندامة في يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها، ويعني بقوله (إلا من أخذها) بما فيها من حق مجمعًا على أدائه فيها.
* ثم قال: (وأدى الذي عليه فيها) والمعنى أنه يفي بأداء تلك الحقوق.
* وقوله: (فلا تأمرن على اثنين) يصح منه لأبي ذر ﵁ بعد ما أخبره بضعفه.
* وقوله: (ولا تولين مال يتيم) فإنها راعى ﷺ ضعف أبي ذر عن القيام بحفظ مال اليتامى كما ينبغي؛ وإلا فقد قال الله تعالى في اليتامى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾.
-٣٨٦ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط).
وفي رواية: (ستفتحون مصر، وهى أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا).
стр. 525
وفي رواية: (فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا) أو قال: (ذمة (١٨٣/ ب) وصهرًا، فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها)
فرأيت ربيعة وعبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرجت منها)].
* في هذا الحديث دلالة على نبوة محمد ﷺ فإنه خبر بما يفتح الله تعالى من أرضه.
* وقوله: (يذكر فيها القيراط) علامة تعرف بها تلك الأرض.
* وقوله: (ستفتحون مصر)، فإن كانت الرواة كلهم رووا مصر بغير صرف فالمراد مصر بالغرب، والوصاة بأهلها من أجل متاخمة الكفار، وإنها كانت كذلك، والله تعالى نسأل استخلاصًا لها وردها إلى مستحقيها، وتنزيه قبور الأنبياء بها وما يجاورها. كما نسأله تطهير بيت المقدس من عبدة الأوثان وشربة الخمور، واستخلاصه من أيدي المشركين، إنه بمنه ولي ذلك والقادر عليه.
وإن كان بعض الرواة قد روى مصرًا بالتنوين، فإنه يتناول بلدًا يذكر فيه القيراط مما يفتحه الله على المسلمين.
آخر مسند أبي ذر ﵁ ..
стр. 526
-٣٨٧ -
مسند حذيفة بن اليمان العبسي ﵁
اخرج له في الصحيحين سبعة وثلاثون حديثًا، المتفق عليه منها اثنا عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر
الحديث الأول من المتفق عليه:
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة بالمدائن، فاستقى فسقاه مجوسي في إناء من فضة).
وفي رواية: فرماه به، وقال: إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا).
زاد في رواية (ولكم في الآخرة)].
стр. 527
* في هذا الحديث من الفقه جواز شرب المسلم من ماء المجوسي، وجواز إقرار المجوسي في دار الإسلام، وظاهر هذا الكلام يدل على أن هذا المجوسي قد كان له بحذيفة مماسة خدمة أو صحبة لقوله: (قد كنت أمرته أن لا يسقيني فيه) إذ لو لم يكن له معه صحبه (١٨٤/ أ) لما قال ذلك، فإن كان الإناء لحذيفة فقد دل على جواز اقتناء آنية الفضة مع تحريم استعمالها، وإن كان للمجوسي فيدل على جواز إقرار آنية الفضة في أيدي المجوسي.
* وقد دل هذا الحديث على تحريم الحرير والديباج وهما بمعنى واحد إلا أن العرب تقول الحرير فيما ذكره العرب عن العجم ديباج، لأنها كلمة عجمية عربت.
* وفي الحديث النهي عن الأكل في صحاف الذهب والفضة. والصحاف جمع صحيفة وهي القصعة.
* وقوله: (فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة) المعنى من استعملها منهم في الدنيا فهي له في الدنيا خاصة، وهي لكم في الآخرة أي لكم دونهم.
- ٣٨٨ -
الحديث الثاني:
(عن حذيفة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيه، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه)].
стр. 528
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ بلغ وأدى وأوضح وإنما أتي من أتي من قبل نسيانه.
* وفيه أيضًا أن الرجل في قلبه الشيء فيشده عنه، فإذا رأى ما يذكره به عاوده علمه الحق فيه.
* وفيه أيضًا الدلالة أنه يتذكر الإنسان العلم بالعمل لقول حذيفة: (حفظه من حفظه)، يعني: من حفظ العمل به، (ونسيه من نسيه) - أي نسيه من ترك العمل به.
* وفيه أيضًا جواز نشر العلم وذكره قولًا من غير تقييد له بكتاب إلا أن الكتاب أجزم.
* وفيه أيضًا دليل على أن الخطيب والإمام يقوم لتبليغ القول لكون صوته أبعد ومشاهدة الأقصى إليه وأوصل.
* وفيه أيضًا جواز أن يكون العالم أو الإمام قائمًا والمستمعون جلوسًا لقوله: (قام فينا) إذ لو كانوا قيامًا مثل قيامه لقال: قام بيننا.
* وفيه أيضًا دليل على أن العالم يذكر من المسائل الشاملة للأحداث ما لم يقع بعد لقوله: (فما ترك شيئًا من مقامه ذلك إلى أن تقوم الساعة إلا ذكره).
* وفيه أيضًا أن من نسي العلم وهو غير مطرح (١٨٤/ ب) له ولا معرض عنه أن ذلك فوت جبر له، ولا يأثم؛ لأنه لم ينقل تأثيم من نسي العلم وهو كاره لنسيانه.
* وفيه أيضًا دليل لإشارة خفيفة على أن من حفظه عملًا حفظه ذهنًا وفطنة، كما أن في قوله: (نسيه من نسيه) إشارة معناها نسيه من ترك العمل به.
стр. 529
الحديث الثالث:
[عن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ فقلت: أنا أحفظ كما قال، فقال: هات، إنك لجريء فكيف قال؟ قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: فقلت ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: فيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت بل يكسر. قال ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله فقال: عمر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن يسترشد الرجل الرجل من غير تعيين له باسمه، بل ينبه الكل لينطق المراد نطقه من بين القوم؛ لقول عمر: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة.
* وفيه أيضًا تنبيه على أن يختار الراوي، وأن يسمع من الأحفظ للحديث لقول
стр. 530
عمر: (أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ ) وذلك لأن المعاني إنما تبنى على حدود الكلم، فإذا لم يحفظ الراوي حدود الكلم تغايرت المعاني.
* وقوله: (الفتنة) يعني الابتلاء والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب في النار إذا اختبرته لتعلم جودته من رداءته.
* وفيه أيضًا دليل على أن المسئول إذا سئل بنطق محتمل لأمرين: كبير ويسير، فإنه يبدأ بحمله على اليسير حتى يكون الناطق به هو (١٨٥/ أ) المفسر لمقصوده منه، ألا ترى أن عمر ﵁ حين سأل عن الفتنة، وكان هذا النطق محتملًا لفتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده، ومحتملًا للفتنة الكبرى التي تعم جميع الخلق، لم يحملها حذيفة أولًا إلا على الفتنة الصغرى، إذ كما يكره إهاجة نفس الفتنة الكبرى، كذلك يكره إهاجة ذكرها، حتى فسر عمر ﵁ مقصوده.
* وأما قوله: (فتنة الرجل في أهله وماله) فأما الفتنة في الأهل فإن المؤمن مأمور بصلة الرحم فيهم مؤاخذ بالعصبية في الباطل لهم، وأما الفتنة في المال والولد، فإن الله ﷻ يقول: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ والإنسان إذا أوتي مالًا قد خاطبه الشرع بحسن القيام عليه وحفظه وتثميره إن كان مما يقبل ذلك مع صيانته أن يخرج منه شيء وإن قل، إلا فيما أجاز المنعم به إخراجه فيه، كما أنه إذا خاطبه الشرع بإنفاقه وجب عليه أن لا يمسك شيئًا منه استبدادًا به وشحًا عليه، فيجمع فيه بين طرفي مساءتين: من حفظه عن تدبير في غير حق، أو البخل بشيء منه إذا عرض ما هو الأحق.
* وفتنة الإنسان في نفسه: أنها مودوعة عنده فهو مأمور بصيانتها واستيفاء حقوق الله تعالى منها، وكذلك الولد فإنه فتنة أيضًا من حيث أن الوالد مأمور بحفظ ولده وتعليمه، مؤاخذ على إهماله والتفريط فيه مما كله مشعر بالحدب عليه، كما هو مخاطب بأن لا يريده لنشر ذكره بعده ولا ليتبع جنازته ولا نحو
следующие страницы →