Полный текст (2 650 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
-٣٨٧ -
مسند حذيفة بن اليمان العبسي ﵁
اخرج له في الصحيحين سبعة وثلاثون حديثًا، المتفق عليه منها اثنا عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر
الحديث الأول من المتفق عليه:
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة بالمدائن، فاستقى فسقاه مجوسي في إناء من فضة).
وفي رواية: فرماه به، وقال: إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا).
زاد في رواية (ولكم في الآخرة)].
стр. 527
* في هذا الحديث من الفقه جواز شرب المسلم من ماء المجوسي، وجواز إقرار المجوسي في دار الإسلام، وظاهر هذا الكلام يدل على أن هذا المجوسي قد كان له بحذيفة مماسة خدمة أو صحبة لقوله: (قد كنت أمرته أن لا يسقيني فيه) إذ لو لم يكن له معه صحبه (١٨٤/ أ) لما قال ذلك، فإن كان الإناء لحذيفة فقد دل على جواز اقتناء آنية الفضة مع تحريم استعمالها، وإن كان للمجوسي فيدل على جواز إقرار آنية الفضة في أيدي المجوسي.
* وقد دل هذا الحديث على تحريم الحرير والديباج وهما بمعنى واحد إلا أن العرب تقول الحرير فيما ذكره العرب عن العجم ديباج، لأنها كلمة عجمية عربت.
* وفي الحديث النهي عن الأكل في صحاف الذهب والفضة. والصحاف جمع صحيفة وهي القصعة.
* وقوله: (فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة) المعنى من استعملها منهم في الدنيا فهي له في الدنيا خاصة، وهي لكم في الآخرة أي لكم دونهم.
- ٣٨٨ -
الحديث الثاني:
(عن حذيفة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيه، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه)].
стр. 528
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ بلغ وأدى وأوضح وإنما أتي من أتي من قبل نسيانه.
* وفيه أيضًا أن الرجل في قلبه الشيء فيشده عنه، فإذا رأى ما يذكره به عاوده علمه الحق فيه.
* وفيه أيضًا الدلالة أنه يتذكر الإنسان العلم بالعمل لقول حذيفة: (حفظه من حفظه)، يعني: من حفظ العمل به، (ونسيه من نسيه) - أي نسيه من ترك العمل به.
* وفيه أيضًا جواز نشر العلم وذكره قولًا من غير تقييد له بكتاب إلا أن الكتاب أجزم.
* وفيه أيضًا دليل على أن الخطيب والإمام يقوم لتبليغ القول لكون صوته أبعد ومشاهدة الأقصى إليه وأوصل.
* وفيه أيضًا جواز أن يكون العالم أو الإمام قائمًا والمستمعون جلوسًا لقوله: (قام فينا) إذ لو كانوا قيامًا مثل قيامه لقال: قام بيننا.
* وفيه أيضًا دليل على أن العالم يذكر من المسائل الشاملة للأحداث ما لم يقع بعد لقوله: (فما ترك شيئًا من مقامه ذلك إلى أن تقوم الساعة إلا ذكره).
* وفيه أيضًا أن من نسي العلم وهو غير مطرح (١٨٤/ ب) له ولا معرض عنه أن ذلك فوت جبر له، ولا يأثم؛ لأنه لم ينقل تأثيم من نسي العلم وهو كاره لنسيانه.
* وفيه أيضًا دليل لإشارة خفيفة على أن من حفظه عملًا حفظه ذهنًا وفطنة، كما أن في قوله: (نسيه من نسيه) إشارة معناها نسيه من ترك العمل به.
стр. 529
الحديث الثالث:
[عن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ فقلت: أنا أحفظ كما قال، فقال: هات، إنك لجريء فكيف قال؟ قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: فقلت ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: فيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت بل يكسر. قال ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله فقال: عمر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن يسترشد الرجل الرجل من غير تعيين له باسمه، بل ينبه الكل لينطق المراد نطقه من بين القوم؛ لقول عمر: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة.
* وفيه أيضًا تنبيه على أن يختار الراوي، وأن يسمع من الأحفظ للحديث لقول
стр. 530
عمر: (أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ ) وذلك لأن المعاني إنما تبنى على حدود الكلم، فإذا لم يحفظ الراوي حدود الكلم تغايرت المعاني.
* وقوله: (الفتنة) يعني الابتلاء والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب في النار إذا اختبرته لتعلم جودته من رداءته.
* وفيه أيضًا دليل على أن المسئول إذا سئل بنطق محتمل لأمرين: كبير ويسير، فإنه يبدأ بحمله على اليسير حتى يكون الناطق به هو (١٨٥/ أ) المفسر لمقصوده منه، ألا ترى أن عمر ﵁ حين سأل عن الفتنة، وكان هذا النطق محتملًا لفتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده، ومحتملًا للفتنة الكبرى التي تعم جميع الخلق، لم يحملها حذيفة أولًا إلا على الفتنة الصغرى، إذ كما يكره إهاجة نفس الفتنة الكبرى، كذلك يكره إهاجة ذكرها، حتى فسر عمر ﵁ مقصوده.
* وأما قوله: (فتنة الرجل في أهله وماله) فأما الفتنة في الأهل فإن المؤمن مأمور بصلة الرحم فيهم مؤاخذ بالعصبية في الباطل لهم، وأما الفتنة في المال والولد، فإن الله ﷻ يقول: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ والإنسان إذا أوتي مالًا قد خاطبه الشرع بحسن القيام عليه وحفظه وتثميره إن كان مما يقبل ذلك مع صيانته أن يخرج منه شيء وإن قل، إلا فيما أجاز المنعم به إخراجه فيه، كما أنه إذا خاطبه الشرع بإنفاقه وجب عليه أن لا يمسك شيئًا منه استبدادًا به وشحًا عليه، فيجمع فيه بين طرفي مساءتين: من حفظه عن تدبير في غير حق، أو البخل بشيء منه إذا عرض ما هو الأحق.
* وفتنة الإنسان في نفسه: أنها مودوعة عنده فهو مأمور بصيانتها واستيفاء حقوق الله تعالى منها، وكذلك الولد فإنه فتنة أيضًا من حيث أن الوالد مأمور بحفظ ولده وتعليمه، مؤاخذ على إهماله والتفريط فيه مما كله مشعر بالحدب عليه، كما هو مخاطب بأن لا يريده لنشر ذكره بعده ولا ليتبع جنازته ولا نحو
стр. 531
ذلك بل ليعبد الله في أرضه، وأنه إذا رآه على باطل مقته في ذات الله تعالى، واستوفى حق الله تعالى منه، كما روي أن عمر جلد ابنه في حد فمات، وكان يقول له عند مساق الموت: إذا لقيت الله فأخبره أن أباك يقيم الحدود.
* وكذلك الفتنة في جاره فإنه مأمور بحفظه وأن لا يسلمه، ثم إنه مأمور بأن لا (١٨٥/ ب) يمنعه من حق عليه، ولا يقره على ظلم غيره، إلا أن هذه الأشياء كلها أخبر حذيفة عن النبي ﷺ أنها يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأخبر أن المتخوف شره من كل هذه إذا وقع الإنسان فيه، فإنه يكفره الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذه حسنات أخبر الله أنهن يذهبن السيئات.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضًا أن السائل إذا سأل عن مسألة من النطق المحتمل لمعنيين، أتى المجيب بشرح يستغرقهما معًا لتكون إفادته لهما من غير إخلال بواحد منهما، كما أن حذيفة لما ذكر الفتنة أتى بفتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، ثم اتصل الحديث بذكر الفتنة الكبرى التي تموج موج البحر، وقوله: (يكفرها الصيام والصلاة) بالألف واللام، إنما يعني به الصيام المفروض والصلاة المفروضة، فلا يحتاج الإنسان أن يعين لذلك مكفرًا غير ذلك، ولو أراد غير المفروض المعهود لقال: صيام وصلاة. وفي تقديمه الصيام على الصلاة ها هنا معنيان: أحدهما أنه اتسق القول من أجل أن الأخذ في الكلام أن يكون الوقوف على المترادف وهو ما ترادف فيه الساكنان الألف والهاء، ولذلك جاء في الكلام كثير الصوم والصلاة، فقدم الصوم لأنه أخف على اللسان، والقرينة على الإطلاق يراعى فيها الأخف من القول.
* والوجه الثاني: أن استعمال الصوم في الكفارات أكثر من غيره ككفارة اليمين والظهار، وفي محظورات الإحرام وغير ذلك.
стр. 532
* وفيه أيضًا من الفقه حسن السؤال، فإن السائل إذا سأل عن أصل فأجاب المسؤول بأصل غير المسؤول عنه، فإن السائل المتأدب لا يبدؤه بالقطع عليه، ولكن يتركه حتى يتم حديثه فيستفيده غيره وينتفع به من سمعه.
* وفيه أيضًا (١٨٦/ أ) من الفقه أن عمر سكت له حتى انتهى كلامه ثم قال له: (ليس هذا أريد) ولم يقل له ليس هذا أردت، فيجوز أن يكون معنى كلامه ليس هذا أريد بعد أن سمعت ذلك الأول.
* وقوله (إنما أريد التي تموج موج البحر) التي ها هنا اسم موصول وهي صفة لموصوف محذوف وهو ذكر الفتنة التي تقدم ذكرها.
* وقوله (تموج موج البحر) أي موج خطر، لأن البحر موجه مغرق مهلك لسعة سواحله واشتداد الريح في أرجائه، وغمورة مائه، وبعد قعره، فشبه عمر ﵁ الإسلام بالبحر إذا قعد هو منه وكانت موجاته متفرقة مهلكة. فقال له حذيفة: (مالك ولها) يعني ما سؤالك عنها؟ أي مالك ونبش ذكرها؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا.
* وفيه أيضًا من الفقه أن المسألة إذا كانت تتعلق بذكر فتنة أو خبر ملحمة فإنه يشار فيها بالإشارة والرمز، ألا ترى إلى قول عمر لما قال له حذيفة: (إن بينك وبينها بابًا مغلقًا) قال له أيكسر الباب أم يفتح؟ وإنما فهم من قول حذيفة ما فهم بقوله بينك وبينها، يعني أنها لا تكون في زمانك، فلما قال بابًا مغلقًا، يعني أن الأمر أغلق بك، ففهم عمر وسأله عن الباب وهل يكون فتحه بالموت على معنى فتح باب الروح أم يكسر، ومعنى الفتح أنه يفتح الغلق من حيث أغلق مع سلامة الباب، وبالكسر ينهدم الجثمان في غير موضع الغلق، فكأنه استفسره عن موته أو شهادته فقال له: يكسر، فعرف أنها الشهادة، ثم قال ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا، يعني إذا كان هذا في زمان الباب فيه من حديد وقد كسر، فكيف به إذا كان من جنس هو دون ذلك في الصلابة، وعرف عمر ﵁ أن وقته خير الأوقات التي تأتي بعده، فإذا كان فيها الباب الحديد يكسر عن ذخائر الدين ويهجم عليه،
стр. 533
فبالحري أن لا يغلق أبدًا، أي لا (١٨٦/ ب) يكون بعد أهل وقته خير منهم.
* وفيه دليل واضح من قول حذيفة أن عمر كان يعلم ما قال وقيل له لقوله: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة.
* وقوله: (حدثته حديثًا ليس بالأغاليظ) - جمع أغلوظة، والمعنى ليس فيه ما يغلط.
* وفي الحديث جواز أن يكتم العالم بعض علمه إذا كان في مثل هذا الأمر قصدًا للمصلحة كما فعل حذيفة، فإنه لم يكن حدث بهذه الفتنة إلا على سبيل التورية والتعريض.
* وفيه أيضًا دليل على حسن أدب السائلين للعالم، وأن لا يتهجموا عليه بل يتهيبونه كما فعل هؤلاء مع حذيفة، فإنهم هابوا أن يسألوه عن الباب حتى وصوا عليه مسروقًا، فسأله فقال: عمر، وكان كما ذكر.
-٣٩٠ -
الحديث الرابع:
[عن حذيفة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: أحصوا لي كم يلفظ الإسلام؟ قال: فقلنا يا رسول الله! أتخاف علينا، ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: (إنكم لا تدرون، لعلكم أن تبتلوا، قال: (فابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًا)].
* وفيه من الفقه أن رسول الله ﷺ جوز على من يلفظ الإسلام أن لا يكون صادقًا بباطنه كما ظهر على نطقه.
стр. 534
وقوله: (أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة والسبعمائة) فقال: (إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا) أي تختبروا، فلا يعني وقت الاختبار إلا المؤمنين خاصة.
* وقوله: (فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًا) تحقيق لما ذكره رسول الله ﷺ .
-٣٩١ -
الحديث الخامس:
[عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)]
* قال أبو عبيد: الشوص هو الغسل، وكل شيء غسلته فقد شصته.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن السواك تطهر به الأسنان مالا يبلغ الماء في تطهيره مبلغ السواك، لأن الأسنان على ما خلقها الله تعالى عليه من الرتل في تدوير انتظم بتعددها فكان ما (١٨٧/ أ) يتخلف من الأغذية إذا لحج فيما بين السنين أو فيما بين الثلاثة، والأسنان على ما يتراقى إليها من الأبخرة المتصاعدة من البطن على وهجه وحره فيجففه بسرعة فتلحج لحجًا لا يزيله الماء ولا الأصبع، حتى يشوص الرجل فاه بعود من أراك أو خرقة فتبلغ في تطهيره ذلك المبلغ المطلوب، وإنما تطهير الفم من ذلك سنة مؤكدة مستحبة، فإن صلى مصل من غير تسوك أجزأته صلاته إلا أنه تفوته الفضيلة. والسر فيه أن تطيب طريق القرآن؛ فإن الخلوف قد يجتمع منه ما يؤذي ريحه، والملائكة يدنون من الآدمي وقت تلاوة القرآن زيادة دنو حتى
стр. 535
جاء في الحديث (إذا قرأ القرآن من كان قد بدأ بالسواك جعل الملك فمه على فم القارئ فلا يخرج من فيه كلمة إلا التقمها الملك، فإذا قرأ القرآن بغير سواك تباعد عنه) وذلك أن الريح التي يتنفس بها الإنسان هي حاملة القرآن في خروجه، فإذا ترك في الفم ما يفسد الريح تأذى الملك، وتأذى القارئ، وتأذى من يقربه من الآدميين، وإذا استاك فقد نجا من ذلك كله.
* وفيه أن السواك يقطع البلغم الذي يتغير به اللسان في الفم ويجلو فم المعدة ويشد اللثاة ويقوي الأسنان، وكل هذه من المعاون في تجويد القراءة وتمكين الحروف وأن يخرج كل حرف من مخرجه ناصعًا صادقًا غير ملبس بحرف آخر؛ فلذلك كان رسول الله ﷺ يلهج بالسواك ويأمر به ولا سيما عند القيام إلى الصلاة، وقيامه من الليل، فإنه في هذين الوقتين آكد، وهذا لأن الآدمي في منامه ينطبق فمه فيكون ما يجتمع في الفم من الأبخرة المتراقية غير المنفذة والبلاغم المضرة للأسنان أكثر، فإذا قام من الليل كان إلى ذلك أحوج.
-٣٩٢ -
الحديث السادس:
[عن حذيفة، قال كنت مع النبي ﷺ : فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت فقال: (أدنه) فدنوت حتى قمت عند عقبيه. فتوضأ، ومسح على خفيه.
وفي رواية: (١٨٧/ ب) كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول، ويبول في قارورة ويقول: (إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بوله قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد. فلقد رأيتني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى فأتى سباطة قوم خلف حائط. فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه، فأشار إلي، فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ)].
стр. 536
* في هذا الحديث من الفقه جواز البول في السباطة، وجواز البول قائمًا أيضًا. إلا أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة في مكان آخر فقال: (بال رسول الله ﷺ قائمًا لمرض كان بمأبضيه) وقيل: كان جرحًا، وقد قيل: إنه فعل ذلك تداويًا.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه استدنى حذيفة في ذلك الوقت حتى كان عند عقبه فقيل: إنه فعل ذلك للاستتار كما يستتر بالشجر إذا كان في الصحراء فلما لم يكن عنده في السباطة شيء يستتر به استتر بحذيفة.
ولكن أرى أن حذيفة لما دنا إلى رسول الله ﷺ ليستتر به فما هو إلا أن حذيفة ولى ظهره إلى رسول الله ﷺ واستقبل بوجهه المكان الذي يخشى منه النظر فيكون حارسًا ساترًا، وإن كان لإزالة الوسواس فإنه مقصود في هذا المقام أيضًا، لأن حذيفة قال: (فتنحيت) فقال: (أدنه) فدنوت فدنوت حتى قمت عند عقبيه. والعقبان مما يلي ظهر الرجل وذلك أن حذيفة لما بعد في مثل ذلك الموضع لم يكن لبعده فائدة إلا مجرد الوسواس، فإن رشاش البول لا يتراجع من الآدمي إلى ما وراء عقبيه، فكان تباعد حذيفة مجرد وسواس فقط، فأدناه رسول الله ﷺ ليعلمه، ويعلم كل من يتصل هذا الحديث به أن التنطع والتدقيق في الاحتراز من النجاسة إلى الحد الذي يطاوع فيه الوسواس فيتنحى لأجله إلى موضع لا يخاف أن تصله فيه النجاسة، أو يبعد الرجل ولده أو يتنزه عن أن يعالج مريضه أو يأنف من والده الكبير أو والديه أو غير ذلك، أن هذا من الشيطان، فاستدناه ﷺ لذلك (١٨٨/ أ).
стр. 537
ويشهد لهذا أن حذيفة لما ذكر له تدقيق أبي موسى في التحرز من النجاسة، وأنه كان يبول في قارورة فقال: لوددت أن لم يشدد هذا التشديد، فاستدل بالحديث في مقام جعله حجة على من ذهب به التدقيق ذلك المذهب.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ في تلك الحالة اكتفى بالحجارة في الاستجمار، إذ لا يتصور استعمال الماء للقائم في مثل ذلك المقام، وأنه إنما اكتفى بالاستجمار، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في هذا الحديث، ولكن مفهوم الكلام يدل عليه.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن الإنسان إذا قضى حاجته، أو بال في سباطة غيره جاز ذلك، ألا تراه يقول: (أتى سباطة قوم) ولم يذكر أنه استأذنهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن التراب الملقى إذا خالطه الزبل والنجاسات فإنها لا يحرم استعمالها في إلقائها في الصحارى، فإن هذه السباطة إنما تستعمل لتعد لإطعام الشجر أو النخل والمزارع، فلو كان وقوع النجاسة فيها يحرم إلقاؤها تحت النخل أو الشجر لما فعله رسول الله ﷺ .
* زفي هذا الحديث ما يدل على مسح الخفين للمقيم لأنه قال: (أتى سباطة قوم ثم بال ومسح على خفيه) وهذا لم يكن في سفر.
-٣٩٣ -
الحديث السابع:
[عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليردن على حوضي أقوام ثم يختلجون دوني، فأقول: "أصحابي". فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)].
стр. 538
* هذا الحديث لا ينصرف إلا إلى من ارتد عن الإسلام بعد رسول الله ﷺ كالذين منعوا الزكاة جحدًا لوجوبها.
* وهذا مما يدل على أن ردتهم كانت بعد رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ تركهم على ما تركهم عليه فلذلك قال (أصحابي) حتى اختلجوا دونه. فقيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ولا يؤثر في هذا التأويل ما روي عنه ﷺ أنه قال: (تعرض علي أعمال أمتي) إذ هؤلاء بالردة خرجوا عن أن يكونوا من أمته.
-٣٩٤ -
الحديث الثامن:
[عن حذيفة، قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت (١٨٨/ ب) أحدهما، وأنا أنتظر الآخر.
حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك. فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء -ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله!، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا)].
стр. 539
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ تحدث مسئولًا وتحدث مبتدئًا. وقوله: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين) يعني حديثًا واحدًا يشتمل على أمرين: ماض، ومستقبل.
* وقوله: (قد رأيت أحدهما). وهو قوله أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال. قال أبو عبيد: والجذر الأصل من كل شيء. ويقال: (بفتح الجيم وكسرها). وقال يحيى بن محمد ﵁: وكذلك جذر الحساب فإنه أصله، نحو اثنين فإنها جذر لأربعة وثلاثة جذر لتسعة، والأربعة جذر لستة عشر والخمسة جذر لخمسة وعشرين، وكل عدد ضربته في نفسه فارتفع منه عدد سمي المرتفع مآلًا، وسمي ذلك العدد المضروب جذرًا وما اصطلح أرباب الحساب على تسميته الجذر إلا لأن الجذر هو الأصل.
* وهذا الحديث يدل على أن الله أنزل الأمانة (١٨٩/ أ) في أصل قلوب الرجال ثم أنزل القرآن ليصادف نزول القرآن قلوبًا قد سبقت إليها الأمانة؛ لأن قلوب الرجال للقرآن مصاحف أمانات، فلما سبقت إليها الأمانة صلحت حينئذ أن تستودع القرآن، وأن يصير أهلها حملة له مبلغين ما نزل منه.
* وقوله: (فعلموا من القرآن وعملوا من السنة) ويعني هذا أن القرآن والسنة من أشد الأمانة وأكملها لأن المستودع للقرآن والمستودع للسنة أمين الخلائق إلى يوم القيامة فهو مستودع ما يحقن به الدماء أو تسفك، وتصان الفروج أو تستباح، وتعصم الدماء أو تزال عنها العصمة.
* ويدل على هذا أيضًا أنك إذا ائتمنت على القرآن والسنة فبالحري أن تؤتمن على ما دون ذلك.
* وقوله: (حدثنا عن رفع الأمانة). لما كانت الأمانة في قلوب الرجال مختلفة الأسباب كان كل ما كان منها لله سبحانه خالصًا فهو الذي يرتفع، وكل ما كان منها لغير الله فهو الذي يرتفع بارتفاع سببه، فمن كان أداؤه للأمانة بين الناس ليأتمنه الناس فذلك الذي إذا زال الناس الذين كان يؤدي الأمانة لأجلهم انقطع
стр. 540
السبب الذي كانت الأمانة تنبع من قلبه لأجله، فينام فيصبح وقد قبضت الأمانة من قلبه.
* وقوله: (فيبقى أثرها كأثر الوكت) والوكت: الأثر، نحو تأثر البشرة إذا انتفط منها مكان الإرطاب، فقال بشر موكت (بكسر الكاف) والمعنى أن ذلك يبدو عليه ويستشف منه ولا يخفى من حاله فيكون أثره فيه كأثر الوكت.
* ثم قال: (وينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) يعني ﷺ أن الرجل إذا كان يؤدي الأمانة رعاية لشخص فمات ذلك الشخص أو ذهب ما بينه وبينه فينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه لانقطاع سببها، فيصبح وقد بدا ذلك على حالة وظهر عليه ليكون (١٨٩/ ب) أثره كالمجل، والمجل: أثر العمل في الكف. فقال: مجلت يده، فأراد ﷺ أن الحال تبين من الظاهر لا من الباطن كجمر دحرجته على رجلك أي أنه أخذ من ظاهر الجلد لا من باطنه فرآه منبترًا أي منقطعًا على هذا الشبه. ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله أي أن ذلك يبدو عليه من ها هنا ومن ها هنا من مواضع متغايرة لأن كل واحد من الناس يستشف ذلك عليه من جهة.
* وقوله: (فيقال ما أجلده) ما أظرفه!! أي أنه كانت جلادته وظرفه لغير الله ولم يكن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، والظريف، فعيل من الظرف، والظرف الوعاء، فكأن الظريف وعاء للآداب، والأمانة باطن محض وسر صرف، فهي إذا خلا منها الظرف لم يغنه ما أوعي فيه من غيرها.
* فقال حذيفة حينئذ: (لقد أتى علي زمان ما أبالي أيكم بايعت) يعني أن الإيمان كان في ذلك الزمان شائعًا عامًا في زمن رسول الله ﷺ فأما الآن فإنه لما قل الإيمان قلت الأمانة التي هي لله، فلا أبايع إلا فلانًا وفلانًا ممن بقي على ذلك الطراز الأول، يؤدون الأمانة لله .
* واعلم أن المبايعة إن كانت يدًا بيد فلابد لها من الأمانة التي يزول معها الغش، وإن كانت نسيئة لم يستغن عن الأمانة التي يصدق فيها صاحب النسأ في المدة
стр. 541
المضروبة في جنس ما يؤدي. ولا أرى حذيفة أتى من معاملة عموم الناس حذرًا على ماله فقط بل حذرًا على دينه من أن عموم الناس غير متحرجين في بياعتهم ومعاملاتهم، وأنهم ربما يعقدون العقود الفاسدة أو يعاملون المعاملات التي ليست جائزة، فمنعه ورعه وفقهه بعلوم البياعات وتجنب الربا من المعاملة للناس على الإطلاق، وإذا كان هذا في زمن حذيفة فكيف به في زماننا هذا؟! (١٩٠/ أ) إلا أن ظاهر الشرع جواز معاملة الناس وحمل أمرهم على الأجمل إلى أن يتيقن في بعضهم ما يكره.
والذي رآه حذيفة في ذلك هو الأحوط، فأشار إلى مذهب الورع ولم يجعل ذلك حتمًا على الناس.
* وقوله: (وإن كان مسلمًا رده علي دينه) أي على إيمانه. وهذا يدل على أن المؤمن يرده دينه كما يرد الذمي ساعيه، فمن لم يجد من دينه ما يرد حقوق الناس فليتهم إسلامه.
* وقوله: (وإن كان معاهدًا رده علي ساعيه) يعني عامله الذي يأخذ منه الجزية فيكون مستطيرًا عليه.
* ومدار هذا الحديث هو التنبيه على أن الأمانة التي تثبت وتنفع في الدنيا والآخرة هي التي كانت لله ومن أجل الله، وأن الأمانة التي يستعملها الناس لأجل الناس ولحراسة معايشهم ولحفظ أقوالهم بين الناس، ولصلاح دنياهم، فإنها هي التي تقبض من قلوبهم وترفع لارتفاع أسبابها، ولانقضاء ما كانت لأجله، فأما ما كان منها لله تعالى، فإنه لا يزول لدوام الله .
-٣٩٥ -
الحديث التاسع:
[عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة قتات).
стр. 542
وفي رواية: (نمام، والقتات: هو النمام)].
* قال أبو عبيد: يقال فلان يقت الأحاديث قتًا أي ينمها.
* وفيه من الفقه أن المسلم أخو المسلم، وقد يكون من الأخ على أخيه في وقت ضجره أو غضبه حال يستنزل فيها الحلم للكلمة، فإذا نقلها الناقل إلى من قيلت عنه، ولم يعين له الحال التي هاجتها، والصورة التي أثارتها، كان ذلك الناقل ساعيًا في إفساد الحال بين عباد الله .
* ولا يسمى قتاتًا إلا إذا نقل الخبيث من القول، فأما إذا نقل القول الصالح والكلم الطيب كان مصلحًا لا قتاتًا.
* وهذا المعنى لا يشتمل كل ناقل؛ فإن من الناقلين من يسمع الكلمة من البدعة فيؤديها إلى من يزجر عنها، أو يسمع الكلمة من الغيبة فيؤديها إلى من يرجو عنده (١٩٠/ ب) إطفاء ما يطلع من شررها إلى غير ذلك. فإن ذلك لا يكون قتاتًا بل يكون مصلحًا.
* وفي هذا المعنى أن الجنة دار الألفة يرفع فيها الغل من القلب، فإذا كان في الناس من جبل على تفريق الألفة لم يكن من الصالحين لدخول الجنة لأن حالها ينافي حاله.
-٣٩٦ -
الحديث العاشر:
[عن حذيفة قال: (جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ ، فقالوا يا رسول الله ابعث
стр. 543
إلينا رجلًا أمينًا. فقال: (لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين) قال: فاستشرف الناس لها، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح)].
* في هذا الحديث أن من توفيق أهل البلدة أن يلتمسوا عاملًا عالمًا يعلمهم أو أميرًا يقوم زيغهم، ألا ترى أهل نجرتن كيف طلبوا من رسول الله ﷺ رجلًا أمينًا؟
* وفي هذا الحديث أيضًا أن الرجل قد يكون أمينًا ولا يكون حق أمين، فقوله (حق أمين) يعني أنه حقيق بالأمانة مبالغ فيها.
* وقوله: (فاستشرف الناس لها) أي رفعوا رؤوسهم ينظرون من المخصوص بهذه الصفة كالمتعجبين، ولم يكن هذا منهم رغبة في حمل الأمانة، ولكن رغبة في صفة النبي ﷺ .
-٣٩٧ -
الحديث الحادي عشر: يجمع أحاديث:
عن ربعي بن حراش، قال: انطلقت أنا وعقبة بن عمرو إلى حذيفة، فقال عقبة: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال، فقال: سمعته يقول: (إن مع الدجال إذا خرج ماء ونار، فأما الذي يرى الناس أنه نار فهو ماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنها نار، فإنه عذب بارد).
قال حذيفة، وسمعته يقول: (إن رجلًا كان ممن كان قبلكم، أتاه الملك ليقبض
стр. 544
روحه، فقال: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئًا، غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة)، وسمعته يقول: إن رجلًا حضره الموت (١٩١/ أ) فلما يئس من الحياة، أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرً، جزلًا، ثم أوقدوا فيه نارًا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، وامتحشت، فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يومًا راحًا فاذروه في اليم، ففعلوا فجمعه الله تعالى إليه فقال له: (لم فعلت ذلك؟ قال: خشيتك. قال: فغفر الله تعالى له).
قال عقبة: (وأنا سمعته يقول ذاك وكان نباشًا).
وفي رواية أخرى عن حذيفة، أنه ﵇ قال في الدجال: (إن معه ماء ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار. فلا تهلكوا).
قال أبو مسعود: أنا سمعته من رسول الله ﷺ .
وفي رواية عن حذيفة أنه ﷺ قال: لأنا بما مع الدجال أعلم منه، معه نهران يجريان، أحدهما: رأي العين أبيض، والآخر رأي العين: نار تأجج فإما أدركن أحد فليأت الذي يراه نارا وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب)].
* في هذا الحديث أنه يكون على ظاهر نطقه، وأنه مع ظهور الدجال يكون معه نار وماء على ما ذكر رسول الله ﷺ .
* ومعنى الدجال في اللغة: أنه من الدجل، وهو تغطية الحق بالباطل.
стр. 545
* يقال: سيف مدجل إذا طلي بالذهب، وبعير مدجل إذا طلي بالقطران.
* والدجال هو الذي يغطي الحق بالباطل، فإذا تسلط ذلك الشخص واستولى كان معه من الدنيا وشهواتها ولذاتها، ما هو في المعنى كالنهر الجاري، ويكون عنده من العذاب والمساءات ما هو كالنار، فكل من شرب من ذلك النهر الذي في يده من شهوات الدنيا ولذاتها التي منبعها الحرام، والتلبيس والباطل، فالشارب يظن أنه قد شرب ماء من حيث الصورة وإنه نار من حيث المعنى، كما أن (١٩١/ ب) عنده من العذاب والمساءات للمؤمنين، من صبر عليها واحتمل أذاها فإنها وإن كانت نارًا من حيث الصورة فإنها هي الجنة من حيث المعنى.
* وأما قوله في الحديث الآخر: أتاه الملك ليقبض روحه فقال: (هل عملت خيرًا؟) يدل على أن العبد يصلح أن يحسن ظنه بالله عند دنو أجله، وقد نبهه الملك على ذلك حتى ذكره ما كان يعمل من عمل صالح فلم يجد إلا أنه كان ينظر المؤمنين ويضع عن المعسر منهم فذكره به، فاطمأنت نفسه إليه فأدخله الله الجنة. والحكمة في حسن الظن عند دنو الأجل أن الله تعالى عند ظن عبده، فإذا قبض على ما ذكر من عمل صالح كان مؤنسًا له، فإذا لم يذكر عملًا صالحًا، ورد على الله مستوحشًا.
* وأما الحديث الآخر: فقد ورد في غير هذا الموضع، وفيه من النطق ما سيذكر في موضعه إن شاء الله تعالى، وليس في نطق هذا الحديث ما يخرجه عن الإيمان؛ لأنه خاف الله تعالى فابتدع ما أمر به مخلفيه أن يحرقوه ويذروه في الريح، عقوبة عاقب بها نفسه من مخافة الله ، فجمعه الله تعالى ثم سأله عن موجب فعله ذلك، وهو العالم به إرادة من الله تعالى أن يعلم بهذه الحال عباده، فأخبر أنه فعل ذلك من مخافة الله سبحانه، فغفر له، وأدخله الجنة يعني بقوله، فغفر الله له أي غفر له ذلك الابتداع من إحراق نفسه وتذريته في الريح، فإن هذا لا يجوز فعله، وإلا فهذا الرجل إنما فعل هذا لشدة خوفه ممن ثبت الإيمان به في قلبه تعالى جده.
стр. 546
* واليوم الراح: هو الكثير الريح. وقوله (كان نباشًا) فإنه استفظع ذنبه فظن أن إفظاعه في عقوبة نفسه يمحو ما كان من قبح خطيئته.
* وقوله: (على عين الدجال ظفرة) هذه علامة لشخص معين يرتقب ظهوره وأن بين (١٩٢/ أ) عينيه مكتوبًا (كافر) يقرأوه كل مؤمن كاتب وغير كاتب. وهذه علامة صريحة واضحة.
* والذي أرى في هذا أن الكتابة على نحو ما جاء في التنزيل: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ فإن المؤمن يقرأ تلك الكتابة، فإذا كانت أعمال هذا الكافر دالة على أن الله سبحانه كتب بين عينيه أنه كافر فهو على معنى قوله تعالى: ﴿كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله﴾ فتكون الكتابة: قرأها المؤمنون خاصة من أحواله وأفعاله، ولذلك قال: كاتب يفهم قراءة الحروف، وغير كاتب إذا كان مؤمنًا فيقرأه بقرائن أحواله.
-٣٩٨ -
الحديث الثاني عشر:
[عن حذيفة، قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم)، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن) قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)، فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم
стр. 547
إليها قذفوه فيها)، فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: (نعم! هم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، قلت: يارسول الله: فما ترى؟
وفي رواية: ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم؟ قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام) قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك).
وفي رواية: (وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس) قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع)) (١٩٢/ ب)].
* في هذا الحديث من الفقه دليل على جواز أن يسأل الإنسان عن الشر بنية الحذر منه أو التحذير، وظاهر هذا الحديث أن قوله (بعد) ينصرف إلى مدة من الزمان، وإن كان لا يبعد انصرافه إلى حالة الواحد من الناس فإنه قد يكون الواحد في حالة صالحة تأتيه بعدها حالة شر في نفسه ثم تأتيه بعدها حالة خير على تقليب أحواله، فأما الظاهر من الأمر فهو ينصرف إلى الزمان، فلو قيل إن الخير الصريح كان في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وعمر وعثمان حتى جرى ما جرى من الشر الذي انتهى إلى القتل بعثمان ﵁، وأنه أعقبه بعد ذلك الخير الذي كان في زمان عثمان ﵁ من إمامته إلا أنه كان فيه من الدخن الذي ظهر واشتهر مما جرى في زمن علي من تنكر الأحوال وتزلزل الأقدام حتى جرى بين الصحابة في يوم الجمل وصفين وغير ذلك ما جرى ذلك الذي يعرف منه وينكر، وأن بعد ذلك الخير شرًا، وهو أن الدعاة بالدين على باب جهنم ممن كان من الولاة الذين جرى منهم ما جرى في الحرة وكربلاء والبلد الحرام.
стр. 548
* وقوله: (وهم من جلدتنا) أي من العرب، وهذا يدل على ما حدث في العرب المتكلمين بلسانه ثم أمره بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم لعلمه ﷺ أن عهده قريب يجوز أن يدركه عمر حذيفة، وكأنه أشار بإمامهم إلى علي ﵁. وقوله: (فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق) يعني إن كان زمن فترة ووقت مهلة ريثما ينتصب الإمام كما جرى في ليالي الشورى.
* وقوله: (ولو أن تعض بأصل شجرة) يعني أن تصبر في ذلك على الجوع.
*وفيه أيضًا أن المؤمن إذا بلي بذلك في وقت أمير جائر من ضرب ظهره وأخذ ماله فإنه لا يخرج عليه ولا يحاربه بل يسمع ويطيع فإنه (١٩٣/ أ) بخروجه يزيد الفتن شرًا.
-٣٩٩ -
الحديث الأول من أفراد البخاري:
[عن حذيفة ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، قال: نزلت في النفقة)].
* فيه من الفقه أن الإنسان إذا أراد الجهاد في سبيل الله فينبغي أن يستعد لذلك بتجويد سلاحه واختيار دابته محتسبًا ما ينفقه في ذلك لله سبحانه، ولا يخدعه شيطانه مخرجًا له اللوم في الإمساك، ومنع النفقة في سبيل الله، مخرج التوكل، فيظهره لعدوه حاسرًا غير دارع ولا فارس فقال الله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ يريد هذا المعنى، فإن اضطر شخص في وقت أن يلقى عدوه حاسرًا ولا يمكنه لضيق الاستسلاح، فإنه يلقاه معتمدًا على الله تعالى ولا حرج عليه.
стр. 549
-٤٠٠ -
الحديث الثاني:
[عن حذيفة، قال: المنافقون اليوم شر منهم على عهد رسول الله ﷺ ، قال: وكيف ذلك؟) قال: (إنهم كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون).
عنه أنه قال: إنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ ، فأما اليوم: فإنما هو الكفر أو الإيمان، وفي رواية (بعد الإيمان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن كفر الكافر، وتشكك الشاك، ونفاق المنافق بعد رسول الله ﷺ أغلظ إثمًا وأشد شرًا، فإنه قد كان الأمر في أوله وتأتأته يفقه عاقبته اللبيب، ويعمي عن آخره الغبي، حيث كانت وعود رسول الله ﷺ بالنصر، وظهور الأمر لم يبلغ المدى إلى مصداقها بعد، فأما وقد ظهر صدق وعوده وامتداد أمره كما سبق خبره به فإن من كفر بعد ذلك فهو كما قال الله : ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم (١٩٣/ ب) من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾].
-٤٠١ -
الحديث الثالث:
[عن حذيفة: أنه رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته،
стр. 550
دعاه فقال له حذيفة: (ما صليت). قال: وأحسبه قال: (ولو مت مت على غير سنة محمد ﷺ ).
وفي رواية: (ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ ].
* فيه من الفقه وجوب إتمام الركوع والسجود، وهو أن يركع حتى يطمئن راكعًا، ويرفع من الركوع حتى يطمئن قائمًا، ويسجد حتى يطمئن ساجدًا ويجلس بين السجدتين حتى يطمئن جالسًا، وإنما كان ذلك إتمامًا بتوفية كل شيء من ذلك كماله، وإلى اعتبار هذا مذهب أحمد ﵁.
* وقد قال له حذيفة لما لم يتم ركوعه وسجوده (إنك لم تصل)، وهذا صريح في بطلان الصلاة التي لم يتم ركوعها وسجودها.
* وفيه أيضًا أن إنكار المنكر في مثل هذا من الصلاة يغلظ له لفظ الإنكار ويخشن النطق وإن احتيج إلى أن يؤتى بشيء خارج عن الخطاب.
* وفيه: (دعاه) جيء به، ألا ترى إلى حذيفة كيف قال: (ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ ].
* وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة.
* وفيه أيضًا إشارة إلى تغليظ الأمر في الصلاة حتى أن من أساء في صلاته ولم يتم ركوعها ولا سجودها فإن حكمه حكم تاركها.
-٤٠٢ -
الحديث الرابع:
[عند حذيفة أنه قال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة.
стр. 551
يعني بالآية: قوله تعالى: (فقاتلوا أئمة الكفر).
فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبرونا أخبارًا ما ندري ما هي؟ تزعمون أن لاينافق إلا أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا، ويسرقون أعلاقنا؟ قال: أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير (١٩٤/ أ) - لو شرب الماء البارد لما وجد برده].
* فيه من الفقه أن حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين وأئمة الكفر.
* وقوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ يجوز أن يكون معناه قاتلوهم حيث لا أيمان لهم عليكم، ويجوز أن يكون: قاتلوهم إنهم لا أيمان لهم لأنهم يغدرون في أيمانهم فلا أيمان لهم.
* وقوله: (لم يبق من المنافقين إلا أربعة) يعني والعالم الله سبحانه المنافقين الذين على عهد رسول الله ﷺ .
*وقول الأعرابي: (إنكم أصحاب محمد تخبرونا أخبارًا ما ندري ما هي تزعمون أن لا منافق إلا أربعة فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا -أي يفتحونها- ويسرقون أعلاقنا) أي نفيس أمتعتنا، فإنه ظن الأعرابي أن بقر البيوت وسرق الأعلام نفاق حتى فسر له حذيفة وبين له أن قال: (أولئك الفساق) فأما المنافقون فلم يبق منهم إلا أربعة يعني المنافقين الذين ذكرناهم آنفا.
* وقوله: (أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده) يعني من الكبر وهذا إنما ذكره حذيفة على معنى أن الله استأصل شأفة النفاق وأظهر الحق، وأبطل الباطل بحوله وقوته.
стр. 552
-٤٠٣ -
الحديث الخامس:
[عن حذيفة أنه قال: (يا معشر القراء، استقيموا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالًا، لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن القارئ إذا استقام فإنه يسبق غيره سبقًا بعيدًا فلا يدرك شأوه غيره، وأنه إن أخذ عن القرآن وحدوده يمينًا وشمالًا مع كونه هو له مبلغًا، ومن جملة حملته فقد ضل ضلالًا بعيدًا إذ الهدى كله فيما هو حامله فإذا أخذ عنه يمينًا وشمالًا فقد سلب الهدى وضل ضلالًا بعيدًا.
* وهذا يكون تأويله (١٩٤/ ب) على فتح السين من قوله (سبقتم) فأما قوله (سبقتم) بضم السين وكذلك روي لنا، فلا أراه إلا على سبيل التحريض والبعث والحفز لهم على اللحاق بمن سبقهم من المجاهدين وذوي المقامات المشهورة في المواطن، والله أعلم.
-٤٠٤ -
الحديث السادس:
[عن حذيفة قال: كان النبي إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك اللهم أحيا وأموت). وإذا أصبح، وفي رواية: إذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)].
стр. 553
* فيه من الفقه ما يدل على أن المأوى للمرء مكان طمأنينته، وأوى أي اطمأن.
* وقوله: (باسمك اللهم أحيا وأموت) تكون هذه الباء بمعنى (على) أي: على اسمك أحيا وأموت، ويكون ذاكرًا بنومته حال موته، وبهبوبه حال حياته.
* ثم قال: فإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) وذلك يدل على أنه ذكر بالاستيقاظ من النوم حال النشور في القيامة. وقوله إليه النشور يحتمل وجهين أحدهما: النشور من القبور متوجه منه إليه سبحانه. والثاني: أن النشور إليه سبحانه ولاية وعلمًا.
* وأما إفراده بقوله (باسمك اللهم أحيا وأموت)، وقوله: (الذي أحيانا) بلفظ الجمع، فلأن في قوله (باسمك اللهم أحيا وأموت) ذكر تخصيص، وقوله (الذي أحيانا) يجمع ذلك كل مستيقظ من نومه، فلما كان تعميمًا اقتضى الجمع.
-٤٠٥ -
الحديث السابع:
[عن الأسود النخعي قال: كنا في حلقة عبد الله، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم: ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم، فقلنا: سبحان الله، فإن الله يقول: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ فتبسم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله فتفرق أصحابه، فرماني بالحصى، فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكه، وقد عرف ماقلت: لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرًا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم.
وفي رواية فقال: اللهم إنهم لما تابوا كانوا (١٩٥/ أ) خيرًا منكم].
стр. 554
* في هذا الحديث من الفقه أن كل مؤمن يخوف على نفسه النفاق، وأن حذيفة لما رأى عبد الله بن مسعود في حلقته المحفوفة بالأخيار من أصحابه أراد أن يخوفهم من النفاق، ويزيل العجب عنهم بقوله: (لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم) فقلنا: سبحان الله، فإن الله يقول: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ وهذا يدلك على ما ذكرناه، وأنه إنما أخبرهم بذلك لما رأى حالهم حال اشتغال بالعلم وقراءة القرآن وإنها مظنة العجب، وتبسم عبد الله بن مسعود إشارة إلى أنه فهم مقصود حذيفة في قوله ذلك.
* وفيه أيضًا أن حذيفة رمى الأسود بن يزيد بالحصى فأتاه فقال: عجبت من ضحكه، وقد عرف ما قلت: وهو يدل على ما ذكرناه.
* وفي الحديث دليل على جواز أن يدخل الرجل العالم إلى حلقة العالم ثم يعتزلها ويجلس وحده لمعنى يخصه على معنى ما فعل حذيفة أو لضيق الحلقة أو غير ذلك ولا يكون هذا إعراضًا عن العلم ولا داخلًا في قول النبي ﷺ للذي رجع عن الحلقة (وأما هذا فأعرض عن الله فأعرض الله عنه).
* وفيه أيضًا دليل على جواز رمي الرجل صاحبه في المسجد بالحصى.
* وفيه دليل على أن المؤمن قد تعرض له حادثة من خطيئة ثم يتوب منها ويغفرها الله تعالى له فيعود إلى حاله الحسنى.
* وفيه أن التوبة من النفاق تصح.
-٤٠٦ -
الحديث الثامن:
[عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: قلنا لحذيفة: أخبرنا برجل قريب السمت والدل والهدي برسول الله ﷺ نأخذ عنه قال: ما نعلم أقرب سمتًا ودلًا
стр. 555
وهديًا برسول الله ﷺ من ابن أم عبد، حتى يتوارى بجدار بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ : أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة)
* في هذا الحديث أن السمت والهدي والدل قريب بعضه (١٩٥/ ب) من بعض وهو السكينة والوقار.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن السائلين عن ذلك أرادوا أن يأخذوا ذلك عن طريق الصورة إذ هو أبلغ في الإفهام من ذكره نطقًا.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن ابن أم عبد، وهو عبد الله بن مسعود كان من أقرب الصحابة شبهًا بسمت رسول الله ﷺ في وقاره وسكينته.
* وأراد بقوله: (نأخذ عنه) يعني ذلك السمت فيما نأخذه عنه.
*وقوله: (حتى يتوارى بجدار بيته) يعني الذي نراه من دله وهديه وسمته ظاهرًا معنا فيه هو أقرب شبهًا برسول الله ﷺ ، وذلك هو الذي نراه فيما بيننا ومعنا، فأما إذا واراه جدار بيته فلا أعلمه؛ لأن ذلك قضية يشهدها من عرفها من وراء جدار عبد الله.
* وقوله: (ولقد علم المحفظون من أصحاب محمد ﷺ ) يعني الذين حفظهم الله من أن لا يشهدوا إلا بالحق، وقوله: (من أصحاب محمد ﷺ ) من ها هنا ليست للتبعيض وإنما هي لبيان الجنس، فمعنى قوله: (من أصحاب محمد) أي جميع أصحاب محمد ﷺ .
* وقوله: (أقربهم إلى الله وسيلة) لا أرى الوسيلة التي عناها حذيفة إلا القرآن العظيم.
стр. 556
-٤٠٧ -
الحديث الأول من أفراد مسلم:
[عن قيس بن عباد قلت لعمار بن ياسر: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي أرأيا رأيتموه أو شيئًا عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟.
فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : (في أصحابي اثنا عشر منافقًا، ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم).
وفي رواية: (ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة)) سراج من النار يظهر في أكنافهم حتى ينجم من صدورهم)].
* في هذا الحديث من الفقه (١٩٦/ أ) قول عمار: لم يعهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس)، وقد تقدم ذكر هذا، وأن إجماع الناس على (علي) ﵁ هو بمقتضى البيعة له من المسلمين لا بوصية من رسول الله ﷺ .
* وفيه أيضًا رواية الصحابي عن الصاحبي.
* وفيه أيضًا أنه قال: (في أصحابي اثنا عشر منافقًا، ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) وهؤلاء لا يكونون من المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ وليس يمكن أن يفصح في هذا باسم أحد لأن حذيفة لم يفصح به بل يعلم أن الله عز وجل
стр. 557
قد نزه منه وباعد عنه المعروفين من أصحابه ﷺ من كل من شهد له بالجنة، ومن شهد معه بدرًا أو الحديبية ومن قال فيه رسول الله ﷺ : (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) إلا أنه قد عينهم لأن الله تعالى يظهر في ثمانية منهم سراجًا من النار. دبيلة: هي الخراج العظيم يكون في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم.
-٤٠٨ -
الحديث الثاني:
[عن جندب قال: جئت يوم الجرعة، فإذا رجل جالس. فقلت:
ليهرقن اليوم هاهنا دماء. فقال ذاك الرجل: كلا والله! قلت: بلى والله! قال: كلا والله قلت: بلى والله! قال: كلا والله! إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه فقلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك، وقد سمعته من رسول الله فلا تنهاني؟ قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه أسأله فإذا الرجل حذيفة].
فيه من الفقه أن جندبًا قال وحلف على من رآه من منذرات الحال، فيدل على أنه يجوز أن يقول الرجل ما يبينه على منذرات الأحوال ويحلف عليه (١٩٦/ ب) بمنتهى ظنه، إلا أنه ما دام الاحتمال لغير ذلك جائزًا، فإنه لا يجوز اليمين إلا على طريق اللغو التي وعد الله أن لا يؤاخذ بها، وقد ذكر أنها أيمان الغضب والضجر التي لا يقصد بها عقد اليمين
стр. 558
* وقول حذيفة ما قال في ذلك ويمينه عليه، فإنه قول صدق لأنه أسند خبره في ذلك إلى حديث رسول الله ﷺ الذي لا ريب فيه.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الرجل إذا خالف الرجل في مسألة وعنده فيها حديث عن النبي ﷺ لو قد ذكره لرجع عنه خصمه إليه وانقطع الجدال به، فإنه يجب عليه أن يذكره. ألا ترى إلى جندب كيف قال لحذيفة: (بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك، وقد سمعته من رسول الله ﷺ ولا تنهاني) فلم ينكر عليه حذيفة ذلك.
* وفيه أيضًا أن الرجل إذا خالف الرجل في مسألة فينبغي أن ينظر إلى مخالفه ومن هو أولًا، فإن كان من لا يسوغ له خلافه أو هو أعلم منه، رجع إليه. ألا ترى إلى جندب كيف قال لحذيفة: ما هذا الغضب؟ ثم أقبل عليه- فإذا هو حذيفة بن اليمان.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الغضب قد يحمل الإنسان على الإعراض، وأنه لا ينظر من حوله فينبغي له أن لايثق بنظر في حالة الغضب، لأنه لم يعرف حذيفة حتى أقبل عليه وسأله.
-٤٠٩ -
الحديث الثالث:
[عن حذيفة، أنه قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته. إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة].
стр. 559
* وفيه من الفقه أن رسول الله ﷺ أخبر حذيفة بما سأله عنه لأنه قال: (ما منه شيء إلا قد سألته).
* فيه أيضًا من الفقه أن رسول الله ﷺ بلغ من أخبار ما مضى ومن أخبار ما يأتي وما أرسل به إلى أن تقوم الساعة. وذلك كله في القرآن العظيم، ومحتمل أن يكون سؤال حذيفة عن تبيين مكان ذلك في كتاب الله ، وإلا فهو لو كان قال لحذيفة شيئًا من العلم الذي يجب (١٩٧/ أ) تبليغه إلى الأمة لم يجز لحذيفة كتمانه.
* وقوله: (إلا أنني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة) فإن هذا يجوز أن يكون قد ضرب على قلبه السؤال عنه إكرامًا لمدينة النبي ﷺ أو إكرامًا لحذيفة في أن لا يسأل عما لا يجوز السؤال عنه، وأن رسول الله ﷺ قال: إن المدينة محرمة على الدجال، وإن على كل نقب من أنقابها ملكًا، وإنه لا يريدها أحد بسوء إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء، فيكون السؤال عن مساءتها مكروهًا من حيث أنه تطريق السوء على ما لم يطرقه الله عليه.
-٤١٠ -
الحديث الرابع:
[حذيفة، قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، قال: فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده ما نريد إلا المدينة، قال: فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه بالخبر، فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم].
* فيه من الفقه أن حذيفة لم يمتنع عن شهود بدر إلا لعذر.
стр. 560
* وفيه أيضًا جواز أن يفي الرجل المسلم بما وافقه عليه المشرك إذا كان المسلم في قبضة المشرك، وهذا فهو على طريق الاستحباب.
* وفيه أن رسول الله ﷺ قال: نفي بالنون الجامعة ولم يقل لحذيفة: ف لهم بعهدهم؛ لأنه علم أن حذيفة يقف عند ما يأمره به ﷺ .
* وفيه أيضًا من الفقه أن الوفاء حق للمشرك بمثل هذا العهد الجائز مظنة إعانة الله لقوله: (نفي لهم ونستعين الله عليهم).
-٤١١ -
الحديث الخامس:
[عن أبي الطفيل قال: كان بيني وبين رجل من أهل العقبة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله (١٩٧/ ب) أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: (إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قومًا قد سبقوه. فلعنهم يومئذ].
* فيه من الفقه أنه حكاية للصورة التي جرت وسيأتي ذكرها، إلا أنه يدل على أن الحديث الذي رواه حذيفة في الاثني عشر منافقًا أنهم هؤلاء.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن ذوي النفاق وكل من في صدره إحنة فإنه يظهر ذلك
стр. 561
في أوقات المضايق، وعند توهم الشدة كما كشف الله أمر هؤلاء المنافقين في يوم العقبة.
* وفيه أيضًا جواز أن يحرس الإمام الماء، وأن يمنع أن يسبق غيره إليه لأنه هو أعرف بالمهم والأولى، فيكون تفريقه على ما يراه، والمساواة بين عسكره بحسب ما يستصوبه.
* وفيه أيضًا من الفقه أن يستدل على نفاق المنافق بجزعه في صحبة رسول الله ﷺ حتى يسبق الماء قبل أن يصل إليه رسول الله ﷺ بعد وصاته بترك السبق إليه.
-٤١٢ -
الحديث السادس:
[عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء، فقال: كنت جنبا، فقال: (إن المسلم لا ينجس)].
* فيه من الفقه أن الجنب غير نجس، وإنما عليه حدث يوجب الغسل، وأن كل مائع يغمس الجنب يده فيه فإن ذلك المائع طاهر.
* وفيه أيضًا من الفقه أن رسول الله ﷺ أخبر في هذا بما يشتمل على مطلع الأصل الذي يكون عنه أحكام الإنجاس لقوله ﷺ : (إن المسلم لا ينجس).
* وفيه أيضًا أنه لما تحرز حذيفة من أن يدنو إلى رسول الله ﷺ وهو جنب إكرامًا له ﷺ وإيمانًا في حال لا يعلم بها المخلوقون، لم ينكر ذلك عليه رسول الله ﷺ ؛ لأنه من دلائل (١٩٨/ أ) الإيمان واحترام رسول الله ﷺ ، ولكن أعلمه أن المسلم لا ينجس، ليفيده العلم وليقره على ما فعله من إيمانه بالله واحترامه لرسول الله ﷺ .
стр. 562
* وفيه أيضًا من الفقه أن المؤمن إذا حدث له حدث في سره فاقتضى حالًا تجدد عليه في ظاهره، فإنه يستحب له أن يخبر بذلك صاحبه إذا كان من أبواب العلم وجواب الإفادة، فإن حذيفة لما أخبر رسول الله ﷺ بموجب إزوراره عنه، أفاده ﷺ مسألة ثبتت في الإسلام أصلًا إلى يوم القيامة.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الصاحب إذا كان له من صاحبه عادة دنو واقتراب، أو مجلس يقرب منه فاتفق له من الأمر ما يقتضي لغير تلك الحال، فإنه متعين عليه أن يذكر الموجب لصاحبه حتى لا يسيء ظنه به، وينسبه إلى غير ذلك.
-٤١٣ -
الحديث السابع:
[عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : (الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار)].
* قد سبق أن الدجال من الدجل، والدجل في لغة العرب من التمويه. وأنه يقال: سيف مدجل، إذا موه بالذهب، وبعير مدجل إذا طلي بالقطران ويكون الدجل: القطع في الأرض يقال: دجل في الأرض إذا قطعها فكلا ذين التفسيرين موجود في الدجال الذي حذر رسول الله ﷺ منه في غير حديث.
* وقد ذكر في هذا الحديث أنه أعور العين اليسرى، جفال الشعر، أي كثيره فهذا يكون شخصًا بعينه، وقد تكون هذه العلامات في شخص له استيلاء يقطع فيه الأرض، وله تمويه بالباطل على الحق، ويكون معه جنة ونار. فالذي أرى وقد تقدم ذكره أيضًا أنه يكون صاحب شهوات، ودنيا واسعة في الباطل، فرآها الجاهل بها أنها جنة لمن نالها -وتكون هي النار في الحقيقة-
стр. 563
فيكون لا يراها جنة إلا من حاله مثل حال من رأى قارون فقال: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾ ويرى ذلك نارًا أولو العلم الذين قال الله تعالى (١٩٨/ ب) فيهم: ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير﴾].
* ويكون معه نار يعني من العذاب والتسلط والشدة على أهل الدين والبطش بالمتقين ما يراه الجاهل نارًا، وهو في الحقيقة الجنة مفتحة الأبواب لمن نيل من ذلك بشيء.
-١٤١ -
الحديث الثامن:
[عن حذيفة، قال: كنت مع النبي ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية، فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ربي العظيم) فكان ركوعه نحوا من قيامه. ثم قال: (سمع الله لمن حمده) - زاد جرير: ربنا لك الحمد. ثم قام طويلًا، قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى)، فكان سجوده قريبًا من قيامه)].
* فيه من الفقه: جواز تطويل الصلاة إذا كانت نافلة يصلي بها الرجل لنفسه أو لمن يعلم أنه يؤثر تطويلها معه، فأما الفريضة فالمستحب له أن يوجز فيها مع إتمام ركوعها وسجودها.
стр. 564
* وفيه أيضًا من الفقه أنه يجوز أن يقرأ في الركعة الواحدة السورة والسورتين والثلاثة.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا كان في صلاة فمرت به آية رحمة فشاء أن يسألها الله تعالى مغتنمًا ما في القرآن من مناسبة الطلب سألها فإن القرآن وحي مجدد، وإذا مر بآية فيها تسبيح الله تعالى فإنه يسبح الله بما روي في الأخبار، وليعلم أنه في مقام كريم لا يلائمه المطالب الدنيا، وإذا مر بآية عذاب للكافرين استعاذ بالله تعالى من مثل أن يقرأ قوله: ﴿واستغفر لذنبك﴾ فيقول الحديث المروي وهو: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ومثل أن (١٩٩/ أ) يأتي قوله : ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا﴾ فيقول ها هنا: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك) وفي مثل قوله سبحانه في ذكر تسبيحه : ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ وقد سبق أن معنى قولنا: (سبحان الله) أنه تنزيه له عن كل مالا يجوز عليه، ثم يقول: (وبحمده) أي وبحمده سبحته، ولذلك يقول: (سبحان الله العظيم). وهذا فلا أراه إلا في النافلة.
* فأما الفريضة فيقصرها على أذكارها مع التفكر في كل ذكر من أذكارها، فإنها حاوية شاملة جامعة، وليكن في إنجازه بها مبادرًا الوسواس.
* وفي هذا الحديث من الفقه جواز تطويل الركوع والسجود، وهذا فإنما يستحب مع أمن الضرر فيه، فإن خاف ضررًا يؤول إلى أذى في سمعه أو بصره أو رأسه أو بدنه فلا يستحب له ذلك.
стр. 565
-٤١٥ -
الحديث التاسع:
[عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: كل معروف صدقة)].
* هذا الحديث قد صرح بأن كل معروف صدقة، ومن ذلك بشر الرجل في وجه الرجل، وقد جاء مبينا في حديث آخر أن إرشاد الرجل إلى الطريق التي لا يعرفها صدقة، وأن حلمه عن السفيه إذا كان قادرًا صدقة، ويتسع هذا إلى ما لا يقدر إحصائه إلا الله سبحانه.
* وكما ينبغي أن يعتد به فاعله، يجب أن يعتده المفعول معه، ومن هذا الباب تصل الصدقات إلى من لا يقبل صدقة الأموال، فإن الرجل قد يؤثر الرجل بمجلسه أو يرفعه عليه أو يقدم سؤاله أو حاجته قبل حاجته، ويكون المحسن إليه في ذلك غنيًا لا يقبل صدقات الأموال، فهذا الفقه في الاحتساب يجعل الصدقة مكتوبة على غني.
* ومن هذا المعروف أن يتصدق على زوجته بإعفافها كما قال ﷺ : في بضع أحدكم صدقة، يعني على أهله؛ لأنه قد تشتد حاجتها ويعظم فقرها من ذلك إلى ما لا يمكنها الضعف أن تذكره ولا تبدي ما (١٩٩/ ب) بها من الحاجة إليه.
-٤١٦ -
الحديث العاشر:
[عن حذيفة، قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله
следующие страницы →