Полный текст (2 650 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
في أوقات المضايق، وعند توهم الشدة كما كشف الله أمر هؤلاء المنافقين في يوم العقبة.
* وفيه أيضًا جواز أن يحرس الإمام الماء، وأن يمنع أن يسبق غيره إليه لأنه هو أعرف بالمهم والأولى، فيكون تفريقه على ما يراه، والمساواة بين عسكره بحسب ما يستصوبه.
* وفيه أيضًا من الفقه أن يستدل على نفاق المنافق بجزعه في صحبة رسول الله ﷺ حتى يسبق الماء قبل أن يصل إليه رسول الله ﷺ بعد وصاته بترك السبق إليه.
-٤١٢ -
الحديث السادس:
[عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء، فقال: كنت جنبا، فقال: (إن المسلم لا ينجس)].
* فيه من الفقه أن الجنب غير نجس، وإنما عليه حدث يوجب الغسل، وأن كل مائع يغمس الجنب يده فيه فإن ذلك المائع طاهر.
* وفيه أيضًا من الفقه أن رسول الله ﷺ أخبر في هذا بما يشتمل على مطلع الأصل الذي يكون عنه أحكام الإنجاس لقوله ﷺ : (إن المسلم لا ينجس).
* وفيه أيضًا أنه لما تحرز حذيفة من أن يدنو إلى رسول الله ﷺ وهو جنب إكرامًا له ﷺ وإيمانًا في حال لا يعلم بها المخلوقون، لم ينكر ذلك عليه رسول الله ﷺ ؛ لأنه من دلائل (١٩٨/ أ) الإيمان واحترام رسول الله ﷺ ، ولكن أعلمه أن المسلم لا ينجس، ليفيده العلم وليقره على ما فعله من إيمانه بالله واحترامه لرسول الله ﷺ .
стр. 562
* وفيه أيضًا من الفقه أن المؤمن إذا حدث له حدث في سره فاقتضى حالًا تجدد عليه في ظاهره، فإنه يستحب له أن يخبر بذلك صاحبه إذا كان من أبواب العلم وجواب الإفادة، فإن حذيفة لما أخبر رسول الله ﷺ بموجب إزوراره عنه، أفاده ﷺ مسألة ثبتت في الإسلام أصلًا إلى يوم القيامة.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الصاحب إذا كان له من صاحبه عادة دنو واقتراب، أو مجلس يقرب منه فاتفق له من الأمر ما يقتضي لغير تلك الحال، فإنه متعين عليه أن يذكر الموجب لصاحبه حتى لا يسيء ظنه به، وينسبه إلى غير ذلك.
-٤١٣ -
الحديث السابع:
[عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : (الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار)].
* قد سبق أن الدجال من الدجل، والدجل في لغة العرب من التمويه. وأنه يقال: سيف مدجل، إذا موه بالذهب، وبعير مدجل إذا طلي بالقطران ويكون الدجل: القطع في الأرض يقال: دجل في الأرض إذا قطعها فكلا ذين التفسيرين موجود في الدجال الذي حذر رسول الله ﷺ منه في غير حديث.
* وقد ذكر في هذا الحديث أنه أعور العين اليسرى، جفال الشعر، أي كثيره فهذا يكون شخصًا بعينه، وقد تكون هذه العلامات في شخص له استيلاء يقطع فيه الأرض، وله تمويه بالباطل على الحق، ويكون معه جنة ونار. فالذي أرى وقد تقدم ذكره أيضًا أنه يكون صاحب شهوات، ودنيا واسعة في الباطل، فرآها الجاهل بها أنها جنة لمن نالها -وتكون هي النار في الحقيقة-
стр. 563
فيكون لا يراها جنة إلا من حاله مثل حال من رأى قارون فقال: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾ ويرى ذلك نارًا أولو العلم الذين قال الله تعالى (١٩٨/ ب) فيهم: ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير﴾].
* ويكون معه نار يعني من العذاب والتسلط والشدة على أهل الدين والبطش بالمتقين ما يراه الجاهل نارًا، وهو في الحقيقة الجنة مفتحة الأبواب لمن نيل من ذلك بشيء.
-١٤١ -
الحديث الثامن:
[عن حذيفة، قال: كنت مع النبي ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية، فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ربي العظيم) فكان ركوعه نحوا من قيامه. ثم قال: (سمع الله لمن حمده) - زاد جرير: ربنا لك الحمد. ثم قام طويلًا، قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى)، فكان سجوده قريبًا من قيامه)].
* فيه من الفقه: جواز تطويل الصلاة إذا كانت نافلة يصلي بها الرجل لنفسه أو لمن يعلم أنه يؤثر تطويلها معه، فأما الفريضة فالمستحب له أن يوجز فيها مع إتمام ركوعها وسجودها.
стр. 564
* وفيه أيضًا من الفقه أنه يجوز أن يقرأ في الركعة الواحدة السورة والسورتين والثلاثة.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا كان في صلاة فمرت به آية رحمة فشاء أن يسألها الله تعالى مغتنمًا ما في القرآن من مناسبة الطلب سألها فإن القرآن وحي مجدد، وإذا مر بآية فيها تسبيح الله تعالى فإنه يسبح الله بما روي في الأخبار، وليعلم أنه في مقام كريم لا يلائمه المطالب الدنيا، وإذا مر بآية عذاب للكافرين استعاذ بالله تعالى من مثل أن يقرأ قوله: ﴿واستغفر لذنبك﴾ فيقول الحديث المروي وهو: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ومثل أن (١٩٩/ أ) يأتي قوله : ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا﴾ فيقول ها هنا: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك) وفي مثل قوله سبحانه في ذكر تسبيحه : ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ وقد سبق أن معنى قولنا: (سبحان الله) أنه تنزيه له عن كل مالا يجوز عليه، ثم يقول: (وبحمده) أي وبحمده سبحته، ولذلك يقول: (سبحان الله العظيم). وهذا فلا أراه إلا في النافلة.
* فأما الفريضة فيقصرها على أذكارها مع التفكر في كل ذكر من أذكارها، فإنها حاوية شاملة جامعة، وليكن في إنجازه بها مبادرًا الوسواس.
* وفي هذا الحديث من الفقه جواز تطويل الركوع والسجود، وهذا فإنما يستحب مع أمن الضرر فيه، فإن خاف ضررًا يؤول إلى أذى في سمعه أو بصره أو رأسه أو بدنه فلا يستحب له ذلك.
стр. 565
-٤١٥ -
الحديث التاسع:
[عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: كل معروف صدقة)].
* هذا الحديث قد صرح بأن كل معروف صدقة، ومن ذلك بشر الرجل في وجه الرجل، وقد جاء مبينا في حديث آخر أن إرشاد الرجل إلى الطريق التي لا يعرفها صدقة، وأن حلمه عن السفيه إذا كان قادرًا صدقة، ويتسع هذا إلى ما لا يقدر إحصائه إلا الله سبحانه.
* وكما ينبغي أن يعتد به فاعله، يجب أن يعتده المفعول معه، ومن هذا الباب تصل الصدقات إلى من لا يقبل صدقة الأموال، فإن الرجل قد يؤثر الرجل بمجلسه أو يرفعه عليه أو يقدم سؤاله أو حاجته قبل حاجته، ويكون المحسن إليه في ذلك غنيًا لا يقبل صدقات الأموال، فهذا الفقه في الاحتساب يجعل الصدقة مكتوبة على غني.
* ومن هذا المعروف أن يتصدق على زوجته بإعفافها كما قال ﷺ : في بضع أحدكم صدقة، يعني على أهله؛ لأنه قد تشتد حاجتها ويعظم فقرها من ذلك إلى ما لا يمكنها الضعف أن تذكره ولا تبدي ما (١٩٩/ ب) بها من الحاجة إليه.
-٤١٦ -
الحديث العاشر:
[عن حذيفة، قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله
стр. 566
وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك يكفرها الصلاة والصيام، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت: لله أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشر بها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة، ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه). قال: وحدثته أن بينك وبينها بابًا مغلقًا، يوشك أن يكسر، قال عمر: أيكسر لا أبا لك، فلو أنه فتح لعله كان يعاد، قلت: لا بل يكسر، وحدثته، أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط، قال ربعي: فقلت: يا أبا مالك! ما أسود مربادًا؟ قال: شدة البياض في سواد، قلت: فما الكوز مجخيًا؟ قال منكوسًا].
* قد تقدم في الحديث المتفق عليه من مسند حذيفة في الفتن ما تقدم.
* وهذا الحديث فيه من الفقه أن عمر ﵁ لما رأى حذيفة قد حفظ الحديث حيث أمسك القوم قال له: (أنت! لله أبوك) وهذا ثناء عليه.
* وقول حذيفة: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير)، والحصير المحبس، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا﴾ أي محبسًا. وقوله: (عودًا عودًا)، فأي قلب أشربها، أي تقبلها، نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين:
стр. 567
أبيض مثل الصفا (٢٠٠/ أ) فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه.
* والمجخي: المنكوس، والمرباد: شدة البياض في السواد.
* وتفسير هذا أو شرحه -والمعين الله تعالى-: أن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير، والحصير فعيل من الحصر، وهو التضيق والحبس والشدة.
* وقوله: (عودًا عودًا) أي مرة بعد مرة، وهذا فهو يفتن بالمثل الذي يضرب له، وهو أن القلب تعرض عليه الفتنة، وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، وذلك أنه قل ما يمر على الآدمي حال إلا ويجوز أن يكون مختبرًا بها، فإذا أتته حال فتنة عرف الشيطان أنها له في الآدمي حال انتهاز فرصة واهتبال غرة فجعلها مركبًا لكيده وشوكة لإشراكه، فإن كان القلب لم يرسخ فيه الإيمان، بل هو طاف عليه طفوًا كطحلب على الماء، لم يكن ما يصدم الفتن منه ذا رسوخ ولا تمكن، فيتزلزل للفتنة وتنقطع فيشر بها القلب، فبقدر ما ينكشف من القلب لها ينكت فيه نكتة سوداء من ذلك الحيز الذي دخلت الفتنة فيه منه؛ لأن القلب يشتمل على معان، فإذا جاءته الفتنة من معنى من تلك المعاني فأشربها اسود ذلك الموضع الآخر، فلا يزال هكذا حتى يسود قلبه كله من جميع جوانبه، وتصوير ذلك أنه لو علق مصباح في زجاجة، وكانت الزجاجة صافية من نواحيها كلها، فإنها تضيء من جميع جهاتها، فلو صادفها من جانب من جوانبها دخان، وتكرر عليها، ولم يمط عنها فإن ذلك الموضع يسود فلو قد كان ذلك في جميع أجزائها لأظلمت من سائر نواحيها.
* وقوله ﷺ (يعود القلب مربادًا) أي في لونه ربدة، وهو (٢٠٠/ ب) ما بين السواد والغبرة. وقوله (كالكوز مجخيًا) يعني منكوسًا يصير أسفله أعلاه يعني ﷺ أنه لا يخلص منه شيء من الأذى المحتبس فيه، فهذا أحد القلبين اللذين وصفهما رسول الله ﷺ بقوله: (تكون القلوب على قلبين).
стр. 568
* وأما القلب الآخر فهو الذي قال فيه: (وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير أبيض مثل الصفا، فلا يضره فتنة مادامت السموات والأرض) فإن الفتنة إذا قابلت القلب المؤمن فأنكرها إنكارًا يستثير له إيمانه ويستجيش له تقواه بالفزع إلى ربه، والحياء من خالقه سبحانه، كيف عرض له مثل ذلك، أو خطر في فكره، واعتذارًا من جبلته البشرية وكيف يتطرق هذا عليها، ومثله كانت حالته تلك كالانتفاض والغسل والتنقية لقلبه ولا سيما في الموضع الذي دخل على قلبه ذلك الموضع زيادة بياض فيكون أشد بياضًا من باقي القلب كله، وهكذا على هذا حتى يبيض القلب كله، فيكون كالصفا فيه سراج يزهو لا يأتيه الشيطان من جهة إلا رآه، ولا يتحرك ناهضًا إليه إلا لحظه ورأى مسالكه والأسباب التي يجعلها سلالم إلى الوصول إليه.
* وهذه الفتن فهي تعرض في العقائد والأحوال والأقوال والأفعال.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن قلب المؤمن إذا أنكر الفتنة ودفعها بنفس الإنكار ولم يحضره حجة في وقته ذلك، بل قد كان عرف الحق معرفة شاملة، فإن ذلك يكفيه في دفع الشبهة، إلا أنه لو دفعها بالحجة لكان أفضل.
* وفيه أيضًا أن علامة القلب الأسود المرباد أنه لا ينكر منكرًا ولا يعرف معروفًا إلا ما أشرب من هواه يعني بقوله: (إلا ما أشرب من هواه) أنه لو أنكر منكرًا يومًا ما، كان لهوى يخالطه لا لله، وهذه القلوب كما أنها تصبغت ألوانها من الأشياء الطارئة عليها (٢٠١/ أ) من خارج، فكذلك يعرف ألوانها بأعمالها الصادرة عنها إلى الخارج، وقد ذكر شيخنا محمد بن يحيى رحمه الله تعالى أن يوسف الصديق حين همت به امرأة العزيز حدد النظر والاستدلال فرأى برهان ربه، وحكي عن القاضي أبي يعلي الفراء ﵀ أنه أشار إلى تحديد النظر والاستدلال عند كل انتباه من نوم أو إفاقة من غفلة ونحو ذلك.
стр. 569
* وأن من الفتن التي تتشربها القلوب اللهج بما شجر بين الصحابة ﵃ والحكاية لما يقوله أهل البدعة والمجالسة لأهل الشك في الآخرة.
-٤١٧ -
الحديث الحادي عشر:
[عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن حوضي لأبعد من أيلة من عدن، والذي نفسي بيده، إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه) ..
قالوا: يا رسول الله وتعرفنا؟ قال: (نعم، تردون علي غرًا محجلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم))
* في هذا الحديث ذكر مقدار حوضه ﷺ .
* وفيه أيضًا أنه يذود عن حوضه من ليس من أهله، ولا أرى ذياده ﷺ إلا من طريق الحمية والأنفة أن يورد حوضه من غير إذنه، وأن أولئك يردون على سبيل السرق فيكون في ذلك افتئات عليه ﷺ ، ولكونهم أيضًا نجسًا، وإن الله قد حرمه على الكافرين، فيكون ﷺ حارسًا للماء الذي حرمه الله على الكافرين، وليعلمنا أن الكفار مع مشاهدتهم أهوال القيامة لا ينتهون عن عوائدهم السيئة من الورود بغير إذن.
* ويدل أيضًا على أن أولئك الذين ذادهم ﷺ ليسوا من المصلين زلا من المؤمنين، وهذا مما يحض على الوضوء وأنه لا يزال المتوضئ يغسل ظاهر وجهه ويديه ورجليه مرارًا حتى يغسل الله تعالى باطنها فتقلب غرة وتحجيلًا يعرف (٢٠١/ ب) بها صاحبها يوم القيامة.
стр. 570
-٤١٨ -
الحديث الثاني عشر:
[عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا، إذا لم نجد الماء)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الله أباح لهذه الأمة الأرض فإن صفوف أمة المسلمين ممتدة امتدادًا يستدعي سعة المواضع.
* وفيه أيضًا أن اصطفاف المؤمنين في صفوفهم مقدمة اصطفافهم في قتال عدوهم، فإنه كما يسوي بين أعقابهم في القيام في الصلاة، فلا يخرج منكب عن منكب، ولا عقب عن عقب، فكذلك يطلب من المجاهدين، فلا يتوارى أحد بأحد ولا يتقي هذا بهذا.
* وفي صفوف الصلاة أيضًا أن الصف إذا قوم اتسع عليهم المكان، فلو تقدم واحد وتأخر آخر، لأخرج المتأخر الصف الذي خلفه، ولضيق المتقدم على من بين يديه في صفوفهم.
* وقوله: (وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا) فهذا من فضل هذه الأمة أنها لم تقصر مساجدها على بقاع محصورة بل شرف الأرض وغربها وبرها وبحرها، وكذلك لعلم الله بكثرة ظهور هذه الأمة واحتفالهم بصلواتهم وسع عليهم فجعل لهم البسيطين: الماء والتراب، يقوم هذا بدلًا من هذا متى أعوز حتى يقضوا نهمتهم من العبادة.
стр. 571
-٤١٩ -
الحديث الثالث عشر:
[عن ربعي عن حذيفة، وعن أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم يوم القيامة قبل الخلائق).
وفي رواية واصل بن عبد الأعلى: المقضي بينهم (٢٠٢/ أ)].
* في هذا الحديث أن الله تعالى يكرم من يشاء بأن يدخر له ما يشاء، فقد من الله تعالى على هذه الأمة بأن جعل لها الجمعة، وجعل بعدها لليهود السبت، وبعد السبت الأحد للنصارى، فلولا أن الله تعالى ادخر الجمعة لنا لكان لنا يوم الاثنين، ولكن الله أبى إلا أن يجعلنا الأولين في مقام عبادته، وإن تأخر زماننا بعدهم، وهذا مما يدلل على أنه إذا أراد الله أن يقدم متأخرًا أو يؤخر مقدمًا فعل به هكذا.
* وهذه مقدمة ما يفعل في القيامة لأن القيامة يوم الجمعة.
* وقوله: (المقضي لهم يوم القيامة قبل الخلائق) ىومن كرامة هذه الأمة أنه جعلها آخر الأمم، وقص عليها أخبار المتقدمين، فعرفت كل ما جرى لهم، ولم يعرف أحد منهم ما جرى لها، فتمم الله تعالى على هذه الأمة نعمته في فصل القضاء بينها وبينه سبحانه سرًا عن غيرها، فيقضي لهم قبل الناس كلهم حتى لا يشهد أحد من الناس شيئًا من أقضيتهم إلا بعد الفراغ منه.
стр. 572
-٤٢٠ -
الحديث الرابع عشر:
[عن ربعي عن حذيفة وأبي حازم عن أبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : (يجمع الله تعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلًا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا، فيأتون موسى ﵇ فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقوم، فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ (٢٠٢/ ب) قال: (ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب! سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا). قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة تأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار) والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفًا].
* في هذا الحديث من الفقه أن الشفاعة مما يجب الإيمان به، وأنها كرامة لمحمد ﷺ في أمته، وذلك أن الذنوب قد يتفاقم منها الذنب إلى أن تكون
стр. 573
الجناية فيه لا يفي بها مقدار عمل عاملها، ولا حد مقامه، فإذا قابلها مقام رسول الله ﷺ وعرض جاهه في ذلك المقام المحمود، نهض بها، وكانت مكانته ﷺ وكريم قدره يغسل ذلك الحوب، وهذا على ما كان فيه فإنه إظهار لجاه رسول الله ﷺ عند الأولين والآخرين، ولا جرم أنه ينتشر كرمه وشرف مقامه حتى يتسع لأهل الجمع كلهم حين يضيق الخجل بالهداة ﵈، فإن ادم ﵇ يبلغ منه الأمر إلى أن يعترف لذريته بأن خطيئته كانت سبب إخراجهم من الجنة فهو في خجله منهم باق، ولقد كان قمينا أن يتدارك ذلك بأن يشفع في يوم القيامة، ولكن رأى أن ذلك مقام يلائم من شمل أمره الكل، وأن ذلك لا يتحقق إلا فيمن صدق المرسلين وهو خاتم النبيين ﷺ ، وأما إرسال آدم بنيه إلى إبراهيم ﷺ فإنه تلويح مشير أن الأمر يتسلسل إلى محمد ﷺ ولكن بعد أن يدفعه الواحد منهم إلى الواحد حتى لا يبقى في قلب أحد شك أنه لما أرشد الأنبياء كلهم إلى محمد ﷺ (٢٠٣/ أ) قام بها وقال: (أنا لها).
* وقول إبراهيم ﵇: (إنما كنت خليلًا من وراء وراء) أي من خلف حجاب ومحمد ﷺ أتخذ خليلًا بعد أن أسري به.
* وقوله في موسى: (كلمه الله تكليمًا) فقوله تكليمًا مصدر مؤكد لقوله (كلم) ولو لم يكن الكلام فيه زيادة على الوحي لما قال لهم إبراهيم: اذهبوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا، إذ الأنبياء كلهم قد كان يوحى إليهم.
* وقول موسى: (لست بصاحب ذلك) علم منه وإشارة إلى أن هذا المقام هو مقام محمد ﷺ الذي وعده الله تعالى به بقوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ فكان موسى قال لست بصاحب ذلك أي أن له صاحبًا اذهبوا إلى عيسى فيرشدكم إليه، وما كان له أن يدل هو عليه، لأن عيسى بينهما، فيكون غضًا من عيسى، وإنما أمرهم بقصد عيسى ليرشدهم إليه.
стр. 574
* وفي حديث آخر أن عيسى يدلهم على محمد ﷺ فيأتون محمدًا ﷺ ، وبنفس قول عيسى ﵇ لست بصاحب ذلك تعيين الأمر لمحمد ﷺ .
* وقوله: (وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط) يريد بهذا قيام الجد، من قولهم قام زيد بالأمر، وكل من أدى الأمانة فيما بينه وبين ربه وبين المسلمين ظهر خفيها وبرز كامنها، فكان في ذلك الموطن لأنها من الإيمان المحض الصرف فيدفع الله بها الجبال من الزلات والمعاصي، وكذلك الرحم فإنها مما عظم الله تعالى شأنه، وجعلها امرة في ذلك الموطن علما وحكمة، فإن الرحم من الوالدين والأقربين هي في المعنى تسببت في وجود الآدميين فالله تعالى خلق عبده في ذلك فهو كما قال : ﴿يذروؤكم فيه﴾ فإذا رعى الآدمي ماذرأه الله فيه وجعله إكليلا عليه من جوانبه كان ذلك من أكرم الصلات وأثر الوسائل لمن وصلها، كما أنه من أعظم الحوب لمن قطعها، مثل الأمانة؛ فإن من أداها لله كان له الفوز العظيم، ومن خانها وأضاعها (٢٠٣/ ب) خسر الخسران المبين، والرحم إنما اشتد الأمر في صلتها ثوابا، وفي قطعها عقابا؛ من حيث أن طباع الآدميين لهجة بالحسد من الأقرب فالأقرب، والغيظ من الأدنى فالأدنى، ولأن الأقارب قل ما يخلصون من موجبات الشر والخير في المشاركات والمحاورات والمعاملات ونحو ذلك، فللمسلم على المسلم حق، والمسلم على المسلم إذا كان ذا رحم حقان، فإذا قطعه فقد قطع حقين كما أنه إذا وصله وصل سببين أكد الأول منهما الثاني.
* ومعنى قوله: (تمر كالبرق) فإنه يجوز أن يكون التشبيه واقعا بالسرعة، ويجوز أن يكون بالنور، فإن الناس في ظلمة يوم القيامة، وإنما إيمان المؤمنين ينير لهم، فالبرق أسرع الأشياء، ثم الريح بعده، فمن أسرع به في ذلك الموطن عمله حمد سرى ليله، ومن أبطأ به كان متثاقلا عن الطاعات فأبطأت به.
стр. 575
* وقوله: (رب سلم سلم) يجوز أن يكون من قول النبي ﷺ يوم القيامة، ويجوز أن يكون من قول حذيفة.
* وقوله: (فمخدوش ناج) هذا يدل على أن من يعبر على الصراط تكون عقوبته بخدش ذلك الكلوب ثم يفلت منه.
* (ومكدوس في النار) المكدوس الملقى.
* وقول أبي هريرة: (إن قعر جهنم سبعون خريفًا) يعني مسيرة سبعين سنة في النزول والهبوط، ومعنى تخصيصه بالخريف لا أراه إلا تذكير إبانة وقت انقضاء الثمر ونفض ورق الشجر، وزوال بهجة الدنيا وزهرتها وعودها إلى القحط، فيكون ذلك كالمذكر بهذا القول.
-٤٢١ -
الحديث الخامس عشر:
[عن حذيفة، قال: والله! إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة، فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسر إلي في ذلك شيئًا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن. فقال رسول (٢٠٤/ أ) الله ﷺ وهو يعد الفتن: (منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار).
قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري].
* وفي هذا الحديث ما يصدق ما ذهبنا إليه من أنه لم يكن حذيفة ليكتم علمًا حدثه به رسول الله ﷺ فلا يبلغه عنه، وقد صرح بذلك في هذا الحديث.
стр. 576
* وقوله: (منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا) فهذه الثلاث قد كان جرى في زمن الصحابة من قبل عثمان، وفي الجمل وصفين ما لم يكدن يذرن شيئًا لولا رحمة الله ولطفه بعباده، ولا جرم أبقت من غبراتها وعقابيلها وأدوائها في القلوب المريضة ما يستمر إلى أن تقوم الساعة إلا في حق من عصمه الله، وحفظ قلبه منها فإن الفتن تمر عليه كقطع الليل وهو منها في عافية.
* وقوله: (ومنهن فتن كرياح الصيف) يعني برياح الصيف أنها وان اشتدت فإنها دون رياح الشتاء.
-٤٢٢ -
الحديث السادس عشر:
[عن يزيد بن شريك: قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر. فقال رسول الله ﷺ (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله تعالى معي يوم القيامة؟) فسكتنا. فلم يجبه منا أحد. ثم قال (ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله تعالى معي يوم القيامة؟) فسكتنا. فلم يجبه منا أحد. ثم قال: (ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله تعالى معي يوم القيامة؟) فلم يجبه منا أحد. فقال رسول الله ﷺ (قم يا حذيفة). قال: فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي إلا أن أقوم قال: اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي)، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم. فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره (٢٠٤/ ب) بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس. فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ﷺ : (ولا تذعرهم علي)، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة
стр. 577
كانت عليه يصلي فيها فلم أزل قائمًا حتى أصبحت، فلما أصبحت قال لي: (قم يا نومان)].
* في هذا الحديث جواز أن يتمنى الرجل الخير ويأتي بلفظ (لو) نحو قول هذا الرجل (لو أدركت رسول الله ﷺ ).
* وقول حذيفة له: (أنت كنت تفعل ذلك؟) لا يدل على أنه أنكر عليه، ولكنه شرح له حالًا شديدة، وذكر الريح الشديدة والقر اللذين كانا في تلك الليلة والقر: هو البرد.
* وفي هذه دليل على أن المؤمنين يبتلون. قوله: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم) فقوله: (ألا) حث وتحريض.
* وقوله: (جعله الله معي يوم القيامة) يجوز أن يكون هنا دعاء له، ويجوز أن يكون خبرًا عن حاله، وتكريره ﷺ ذلك ثلاث مرات يدل على حسن خلق رسول الله ﷺ ورفقه بأصحابه.
*وهو أيضًا تعليم لأمير الجيوش أنه في مثل هذا المقام لا يجوز أن يكلف الأمير الشخص منهم أن يبعث به في مثل هذا المقام قهرًا أو جبرًا فإنه سبيل شديد الخطر، ولكن يدعو له ويرغبه في الثواب لينهض طوعًا، فإن عاد عاد مأجورًا، وإن ذهب ذهب شهيدًا.
* وقوله: (قم يا حذيفة) فإنه لما لم يكن يحسن أن يتنامى إلى المشركين أن رسول الله ﷺ حض أصحابه ثلاث مرات متتابعات لينهض منهم واحد يأتيه بخبر القوم فلم يندب منهم أحد، رأى حينئذ رسول الله ﷺ أن يعين حذيفة لمعنى رآه فيه.
* وقوله: (فلم أجد بدًّا) أي مندوحة حيث دعاني باسمي، يعني إلا أن أجيب.
стр. 578
* وقوله ﷺ (لا تذعرهم علي) فهذا من مليح القول الذي يشد (٢٠٥/ أ) قلوب أصحابه، ويقوي نفس المرسل، فإنه يوهمه أنه طليعة في أخذهم متوقع حصولهم، فيكون معنى لا تذعرهم علي أي لا يهربوا مني.
* وفيه أيضًا دليل على أن من انتدب لله وجاهد في سبيله أعانه الله، ألا ترى حذيفة كيف يقول: فخرجت كأنما أمشي في حمام؟.
* وفي هذا دليل على أن الحمام قد كان معروفا في زمن رسول الله ﷺ .
* وقوله: (فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره) يدلل على أنه قد كان أخذته الرعدة حتى اصطلى أقبح اصطلاء، وهذا قد كان في حال شركه ثم أسلم فحسن إسلامه، وأن حذيفة لما ذهب طليعة لم يترك سلاحه كما يفعل الجبان إذا انتدب في مثل هذه الحال بدعوى التخفف مزمعا على الهرب.
* وقوله: (فأردت أن أرميه) فذكرت قوله ﷺ : (لا تذعرهم علي) يدلل على شجاعته وأنه وحده لم يبالهم، ويدلل على حسن نظر رسول الله ﷺ وفراسته فيه.
* ثم قال: (ولو رميته لأصبته) وهذا يدلل على جواز قول الرجل عن الشيء الذي لم يكن أن لو كان على مقتضى ظنه لكان قوله: (لو رميته لأصبته).
* وقوله: (فلما فرغت قررت) كسر الله تعالى عن حذيفة البرد في المكان الذي كان يتخوف البرد فيه، حيث امتثل أمر رسول الله ﷺ في قصد العدو، وأنه لما عاد إلى حيث أمن وفرغ من شغل رسول الله ﷺ وعاد إلى المكان الذي كان فيه، عاوده البرد، ليثبت عنده أن ذلك الدفء الذي غشيه قبل ذلك من الله لا من الوقت.
* وقوله: (فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه). فيه أن النبي ﷺ لم يكن متكبرًا حيث كان هو وحذيفة في ثوب واحد.
* وفيه تشريف لحذيفة حيث شمله بثوبه ﷺ .
стр. 579
* وفيه أنه استنظف حذيفة لكونه كان يصلي في تلك العباءة.
* وفيه أن الذين (٢٠٥/ ب) يتنطعون تضررًا من رفقائهم وأصحابهم إذا مس أحدهم ثوب صاحبه غسله، أن ذلك من وسواس الشيطان.
* وفيه أيضًا ما يدل على أنه إذا سهر الصاحب أو تعب فنام، استحب لصاحبه أن يوفره على نومه ولا يزعجه حتى يشبع من نومه، ألا ترى أن رسول الله ﷺ غطى حذيفة بفضل ثوبه ولم يزعجه ولم يجذب ثوبه عنه حتى الصباح، فحينئذ قال له كلمة تدل على أن رسول الله ﷺ لم يضجر من طول مقام ثوبه عليه، ولا تأثر لذلك؛ لأن الكلمة تدل على انبساط رسول الله ﷺ وسروره. وهي قوله ﷺ : (يا نومان).
-٤٢٣ -
الحديث السابع عشر:
[عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده. وإنا حضرنا معه مرةً طعامًا فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يستحل الطعام، أن لا يذكر اسم الله عليه، وأنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي يستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها.
زاد عيسى بن موسى: "ثم ذكر اسم الله وأكل)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على حسن أدب الصحابة مع رسول الله ﷺ وأنهم كانوا يأكلون بالمروءة لا بالشره، وأن رسول الله ﷺ كان يؤمهم في ذلك.
стр. 580
* وفيه من الفقه أن التسمية على الطعام مؤكدة، وأن الله يبارك في الطعام إذا ذكر اسم الله تعالى عليه لحمايته من الشيطان، فإن الشيطان إنما يمكنه أن يشارك الإنسان في طعامه إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه؛ لأن اسم الله تعالى هو نور كما قال الله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾ فإذا ذكر اسم الله على طعام شمل نور الإسلام ذلك الطعام، فإذا مد إليه يده ادمي ولم يذكر (٢٠٦/ أ) اسم الله تعالى عليه أوجد للشيطان طريقا من جهته فجعل يده مع يده. وأن الشيطان لم يمكنه أن يقربه حتى جاء بالمرأة كأنها تدفع فأمسك ﷺ يدها ثم جاء بأعرابي كأنه يدفع فأمسك رسول الله ﷺ يده لأنهما جاءا إلى طعام لم يدعيا إليه على فجأة، ولم يتقدم لهما إذن، فكان مما عملاه من مخالفة الحق في ذلك كله طواعية الشيطان فلم يمكنهما رسول الله ﷺ من ذلك لئلا ينفذ حكم الشيطان على أحد في مجلس رسول الله ﷺ وعلى طعام هو حاضره. ألا تراه يقول: (إن يده في يدي مع يدها).
* وفيه أن النبي ﷺ ذكر استظهاره على الشيطان وقهره له (إن يده في يدي مع يدها، ثم ذكر اسم الله وأكل).
* وفيه أن النبي ﷺ ذكر استظهاره على الشيطان وقهره له (أن يده في يدي) أي مملوكة مقهورة، ولم يقل: يده في يده، والله سبحانه أجل وأعلم.
стр. 581
-١٠٠٠ -
(٢/أ) الحديث الثلاثون:
[عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق.
اللهم، لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت).
وفي حديث ثابت بن محمد: (وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) أو (لا إله غيرك).
* قوله: (يتهجد). قال الأزهري: المتهجد هو القائم إلى الصلاة من
стр. 582
النوم.
وينبغي للقائم من الليل أن يبدأ بهذا الدعاء قبل صلاته، فيعترف لله بأنه حق، وأن رسله حق، وكتبه حق، والاعتراف بالجنة والنار والبعث، وهذا كله مما يجدد به إيمانه، ويستحضر به يقينه أمام دخوله في الصلاة؛ لقوله: (اللهم ربنا لك الحمد)، وذلك أنه بدأ باعترافه من نفسه بأنه مربوب، وأن ربه هو الله، ثم جاء بالنون التي هي للجمع فقال: (ربنا)، ففتح الباء على النداء مع حذف حرف النداء، والتعويض منه الذي قد تقدم. قولنا: بأن حذفه يدل على استشعار قرب المنادى ﷻ ؛ فكأنه لما نادى ربه قد سمع نداءه مبتديًا للإجابة لسؤاله، لم يكن عند هذا الناطق أهم ولا أولى من تقديم حمد الله ، فقال: (لك الحمد) فأتى بالألف واللام المشعر فيه، المستغرقتين للجنس، وقد تقدم قولنا: إن الحمد لله استحقاقًا وولاية وملكًا.
* ثم أتبع ذلك بقوله: (أنت قيم السماوات والأرض) وذلك اعتراف بأن قيام السماوات ومن فيهن له ؛ فهو القيم ﷻ بذلك، وأن من ذلك قيام كل قائم إلى عبادته، ثم أتبعه برد الحمد ثانيًا على ذلك وعطف عليه بالواو؛ لأنه حمد بعد حمد متقدم.
* ثم قال: (أنت نور السماوات (٢/ب) والأرض) لأنه كما
стр. 583
قال الله سبحانه: ﴿الله نور السموات والأرض﴾، وقد تقدم قولنا: إن اسم الله تعالى هو نور السماوات والأرض، ويجوز أن يكون نور السماوات والأرض على أنه منورها، ويجوز أن يكون أيضًا على أن ظهور صنعته وبدائع حكمته في كل جزء من أجزاء السماوات والأرض ومن فيهن، هو نور يهتدى به ويستدل به عليه، ولذلك ما شرعه الله تعالى في ذلك كله، وأودعه إياه من الحكمة وحسن التقدير في مطاويه هو النور الذي يهتدي به أهل السموات والأرض فيما بينهم.
* وقوله: (ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض) فإنه سبحانه لما اعترف العبد له بما تقدم جملاً تشير إلى التفصيل أتيت حينئذ بهذا القول: (له الملك) في كل ما أثبت له فيه الملك.
* وقوله: (بك آمنت) بين هذا، وبين قوله: (آمنت بك) فرق؛ وذلك أن قوله: (بك آمنت) يجمع الإيمان بالله والاعتراف أنه لم يؤمن به إلا بتوفيقه، وقوله: (آمنت) إنما هو مجرد الإخبار عن إيمانه.
* وقوله: (بك خاصمت) أي أخاصم بشرعك وأجعلك الحاكم فيه، وكل من يريد الفلج على خصمه فإنه يخاصم بالحق الذي يحكم به الحاكم الذي يعون الحكومة عهد به؛ فإنه كحكم له به.
* وقوله: (فاغفر لي ما قدمت) أي من ذنوبي أو ما قدمت من شهواتي على حقوقك، (وما أخرت) من الحقوق التي تجب لك.
стр. 584
* وقوله: (أنت المقدم وأنت المؤخر) أي إنك المستحق أن يقدم ويؤخر فلا أقدم أنا ولا أؤخر.
-١٠٠١ -
الحديث الحادي والثلاثون:
(عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر).
وفي حديث عبد الرازق عن معمر: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر).
* هذا الحديث يدل على تقديم ورث الفرائض على العصبات.
قال الخطابي: قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) أي: بذوي السهام الذين يرثون، فما بقي لأولى رجل ذكر من العصبة، والولي: القرب، وإنما قال: ذكر، ليعلم أن العصبة إذا كان عمًا أو ابن عم أو من كان في معناهما فكان معه (٣/أ) أخت أنها لا ترث شيئًا.
стр. 585
-١٠٠٢ -
الحديث الثاني والثلاثون:
(عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد)، فقلت لابن عباس: ما قوله: (لا يبيع حاضر لباد؟) قال: لا يكون له سمسارًا).
* في هذا الحديث دليل على ما يقتضيه الحديث الآخر: (دعوا الناس يزرق الله بعضهم من بعض).
* وفيه ما يدل على أن الغبن الذي جرت العادة أن يتغابن الناس بمثله مباح.
-١٠٠٣ -
الحديث الثالث والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (احتجم وأعطى الحجام أجره، واستعط).
وفي رواية: (احتجم، ولو علم كراهته لم يعطه).
وفي رواية لمسلم: (احتجم رسول الله، وأعطى الذي حجمه، ولو كان حرامًا لم يعطه).
стр. 586
وفي رواية لمسلم: (حجم النبي ﷺ عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه النبي ﷺ أجره، وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته، ولو كان سُحتًا لم يعطه النبي ﷺ ).
* في هذا الحديث دليل على أن أجرة الحجام ليست بسحت.
* وقوله: (استعط) فإنه إن كان أراد بذلك يوم الحجامة فإنه بليغ في باب الطب، من حيث إن الحجامة يخرج الدم من الرأس فيتخلف فيه البلغم؛ فربما يؤذي، حتى حكى عالم من الأطباء أن رجلاً كانت به زكمة فاحتجم فلحقته السكتة على أثر ذلك. فإذا استعط أخرج من البلغم بإزاء ما أخرج من الدم فلم يكن ما أبقى في الرأس من الخلطين إلا ما يقاوم أحدهما الآخر، وإن كان استعاطه بعد ذلك، فإن الاستعاط دواء بليغ في منفعة السمع والبصر، وشفاء من أدواء كثيرة في الرأس.
* وقوله: (خففوا عنه من ضريبته)، الضريبة: ما يضرب على العبد من خراج يؤديه. ولما حجم هذا الرجل رسول الله ﷺ ووحى رسول الله ﷺ أنها صحة مستمرة، حكم مواليه أن يخففوا عنه من خراجه لتكون راحته مستمرة؛ ليكون متخلقًا في ذلك بخلق الله في كونه ﷻ يجعل الثواب على الأعمال غالبًا من جنس (٣/ب) الأعمال.
стр. 587
-١٠٠٤ -
الحديث الرابع والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قيل له: في الذبح، والحلق، والتقديم، والتأخير، فقال: (لا حرج).
وفي رواية: (كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: (لا حرج)، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: (اذبح ولا حرج)، قال: رميت بعدما أمسيت، فقال: (لا حرج).
وفي رواية: (قال رجل للنبي ﷺ : زرت قبل أن أرمي، قال: (لا حرج)، قال: حلقت قبل الذبح، قال: (لا حرج)، قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: (لا حرج).
وفي رواية: سُئل في حجته عن الذبح قبل الرمي، وعن الحلق فأومأ بيده: (لا حرج).
* وفي هذا الحديث أن من قدم شيئًا من الأفعال التي تقع في يوم النحر: من الرمي والذبح والحلق والطواف فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأن المقام في ذلك اليوم بمنى هو على حاله اختطاف للوقت، فراعى الشرع مسامحة
стр. 588
الحاج فيه لئلا يكون عليه حرج.
-١٠٠٥ -
الحديث الخامس والثلاثون:
(عن ابن عباس، قال: (رُخِّص للحائض أن تنفر إذا خاضت، فكان ابن عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر﴾، ثم سمعته يقول: تنفر، إن رسول الله ﷺ رخص لهن).
وفي رواية عن ابن عباس، قال: (أمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض).
وفي رواية عن طاوس، قال: (كنت مع ابن عباس، إذ قال له زيد بن ثابت: تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: إما لا، فسل فلانة الأنصارية: هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت).
وفي رواية: أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت، ثم حاضت، قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم المدينة فسألوا، فقدموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم،
стр. 589
فذكرت حديث صفية، يعني في الإذن لها بأن تنفر).
* في هذا الحديث جواز أن تنفر المرأة إذا حاضت وتترك طواف الوداع.
-١٠٠٦ -
الحديث السادس والثلاثون:
(عن ابن عباس، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وكانوا يسمون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، (٤/أ) وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، قال: فقدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلِّين بالحج، فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: (الحل كله).
وفي رواية عن ابن عباس قال: (قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، إلا من معه هدي).
وفي حديث نصر بن علي: أهل رسول الله ﷺ بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة. فصلى الصبح، وقال حين الصبح: (من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة)، ومنهم من قال: فصلى الصبح في البطحاء)، ومنهم من قال: (بذي طوى).
وفي رواية لمسلم، قال رسول الله ﷺ : (هذه عمرة استمتعنا بهاـ، فمن لم يكن معه الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم
стр. 590
القيامة).
* قوله: (برأ الدبر) أي من ظهور الإبل، فإنها إذا انصرفت عن الحج دبرت ظهورها فأرادوا إدبارًا ذلك. (وعفا الأثر) أمحي وذهب وغطاه التراب، وهذه سيرة كانت في الجاهلية رفعها الإسلام.
* وهذا الحديث يدل على فسخ الحج إلى العمرة، وهو بمعنى قوله: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة).
* وقال بعض العلماء: الإشارة بذلك إلى تداخل السكين، فيجرىء عنها طواف واحد وسعي واحد.
-١٠٠٧ -
الحديث السابع والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أتى الخلاء، فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: (من وضع هذا؟) فأخبر.
في كتاب مسلم: (اللهم فقهه في الدين). وحكى أبو مسعود: (فقهه
стр. 591
في الدين وعلمه التأويل).
وفي رواية البخاري: (ضمني النبي ﷺ إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة).
وفي رواية وهيب: (علمه الكتاب).
* هذه الدعوات كلها استجيبت وحصلت لابن عباس ﵁.
* وقد قيل (الحكمة) هي السنة، و (الكتاب) هو لقرآن.
-١٠٠٨ -
الحديث الثامن والثلاثون:
(عن ابن عباس: وسئل عن صيام عاشوراء، فقال: (ما علمت أن رسول الله (٤/ب) ﷺ صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر - يعني رمضان).
وفي رواية: (ما رأيت رسول الله ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء، وهذا الشهر؛ يعني شهر رمضان).
* وقد سبق الكلام في يوم عاشوراء، وهذا الحديث يدل على فضل صومه،
стр. 592
وقد سبق في مسند أبي قتادة أن صومه بسنة، وبينا وجه الحكمة في التقدير بسنة.
-١٠٠٩ -
الحديث التاسع والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: (أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله).
وفي رواية: (بعثني النبي ﷺ في الثقل من جمع بليل، ورمينا قبل أن يأتينا الناس).
وفي رواية البخاري عن ابن عباس قال: (كنت أنا وأمي ممن عذر الله).
وفي رواية: (كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي
стр. 593
من النساء).
* الضعفة: جمع ضعيف.
* وهذا الحديث يدل على أن ابن عباس كان حينئذ غلامًا، فإن الله عذره وعذر أمه لكونهما من الضعفاء.
* و (المزدلفة) حدها ما بين المازمين ووادي محسر، وإنما جاء التقدم للضعفة لئلا يحطمهم الناس.
-١٠١٠ -
الحديث الأربعون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم: أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم، وتُرَد على فقرائهم، فإذا أطاعوا فيها خذ منهم، وتوق
стр. 594
كرائم أموالهم).
زاد في رواية ابن المبارك ووكيع: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث في إيجاب الصلوات، وقد سبق ذكره، وفيه وجوب الزكاة وقد تقدم الكلام في ذلك.
* وكرائم الأموال: أفاضلها.
* وفيه التحذير من دعوة المظلوم؛ وذلك لأنه لا ناصر له سوى الله . وذلك لما قدمنا ذكره من أنه يطلب حقه من حاكم عادل قادر على الاستيفاء، لا يخاف العُقبى، فلذلك ما اشتد التحذير من دعوة المظلوم التي لا يبقى معها إهمال إلا من حيث أن الله إذا أمهل عبدًا من عبيده (٥/أ) بمظلمة فإن ذلك يتناول حق الله إذ خلق الله تعالى ملكًا له سبحانه،
стр. 595
كما تقدم من ذكره سبحانه تأخير الاستيفاء وتقديمه، وإسقاطه والأخذ به.
-١٠١١ -
الحديث الحادي والأربعون:
(عن ابن عباس أنه سمع النبي ﷺ يخطب يقول: (لا يَخْلُون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تُسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، فقام رجل فقال: يا رسول الله، فإن امرأتي خرجت حاجَّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: (انطلق فحج مع امرأتك).
* إنما اشترط المحرم لحراسة المرأة؛ لأنه ذو حمية عليها، والمحرم هو الذي لا يجوز له نكاحها، ويجوز له إنكاحها.
-١٠١٢ -
الحديث الثاني والأربعون:
(عن ابن عباس: أن رفع الصوت بالذكر، حين ينصرف الناس من المكتوبة؛ كان على عهد رسول الله ﷺ ، وقال ابن عباس: (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته).
وفي حديث ابن عيينة: (ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ إلا
стр. 596
بالتكبير).
* في هذا الحديث دليل على أن رفع الناس أصواتهم بالذكر عند انقضاء المكتوبات سنة.
-١٠١٣ -
الحديث الثالث والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ من الليل، فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا (يخففه عمرو ويقلله) وقام يصلي. قال: (فقمت فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره - وربما قال سفيان: عن شماله - فحولني، فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى الصبح ولم يتوضأ).
قال سفيان: (وهذا للنبي ﷺ خاصة؛ لأنه بلغنا أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه).
وفي رواية ابن المديني عن سفيانـ، قال: (قلت لعمرو: إن ناسًا يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه).
فقال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾.
стр. 597
وأخرجا من رواية أخرى: (بت في بيت خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر إلى (٥/ب) السماء، فقال: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال، فصلى ركعتين ثم خرج).
وفي رواية: (رقدت في بيت ميمونة ليلة كان النبي ﷺ عندها؛ لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ ؟ قال: فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد).
وفي رواية: (فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فطرحت لرسول الله ﷺ وسادة، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال عبد الله بن عباس: فقمت فصنعت مثلما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى قام المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح).
وفي رواية: (نمت عند ميمونة ورسول الله ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ رسول الله ﷺ ، ثم قام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه،
стр. 598
فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة، ثم نام رسول الله ﷺ حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ).
وفي رواية: (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أدني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم احتبى، حتى إني لأسمع نفسه، راقدًا، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين).
وفي رواية (٦/أ): (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة، فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين، لم يكثر وقد أبلغ، ثم قام فصلى، فقمت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه، فتوضأت، وقام يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني عن يمينه، فتاممت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ، وكان في دعائه: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا).
قال كريب: (وسبع في التابوت، فلقيت رجلاً من ولد العباس، فحدثني بهن، فذكر عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري، وذكر خصلتين).
وفي رواية: (وأعظم لي نورًا) بدل قوله: (واجعل لي نورًا).
وفي رواية: (بت في بيت خالتي ميمونة، فبقيت - وفي رواية: فرقبت -
стр. 599
وفي حاشية كتاب البرقاني بخطه: فرمقت كيف يصلي النبي ﷺ . وذكر نحوه إلى أن قال: ثم نام حتى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه، ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته - أو في سجود-: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا، أو قال: واجعلني نورًا).
وفي حديث عقيل: (فدعا رسول الله ﷺ ليلتئذ بتسع عشرة كلمة، قال سلمة: حدثنيها كريب، فحفظت منها اثنتي عشرة، ونسيت ما بقي، قال رسول الله ﷺ : (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل لي في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا).
وفي رواية: (أتى القربة فحل شناقها، فتوضأ وضوءًا بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومة أخرى، فأتى القربة فحل شناقها، ثم توضأ وضوءًا هو (٦/ب) الوضوء. وقال: (أعظم لي نورًا).
وفي رواية: (بتُّ عند خالتي فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه - أو خطيطه - ثم خرج إلى الصلاة).
وفي رواية: (فأخذ بيدي أو بعضدي حتى أقامني عن يمينه).
وفي رواية: (فأخذ بيدي من وراء ظهره، يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. قلت: أفي التطوع كان ذلك؟ قال: نعم).
стр. 600
وفي رواية لمسلم: فاستيقظ، فتبول وتوضأ، وهو يقول: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات: ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، فذكر الكلمات ...).
* في هذا الحديث دليل على جواز أن يبيت الرجل عند خالته، وإن كانت ذات زوج.
следующие страницы →