Полный текст (2 650 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
بالتكبير).
* في هذا الحديث دليل على أن رفع الناس أصواتهم بالذكر عند انقضاء المكتوبات سنة.
-١٠١٣ -
الحديث الثالث والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ من الليل، فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا (يخففه عمرو ويقلله) وقام يصلي. قال: (فقمت فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره - وربما قال سفيان: عن شماله - فحولني، فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى الصبح ولم يتوضأ).
قال سفيان: (وهذا للنبي ﷺ خاصة؛ لأنه بلغنا أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه).
وفي رواية ابن المديني عن سفيانـ، قال: (قلت لعمرو: إن ناسًا يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه).
فقال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾.
стр. 597
وأخرجا من رواية أخرى: (بت في بيت خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر إلى (٥/ب) السماء، فقال: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال، فصلى ركعتين ثم خرج).
وفي رواية: (رقدت في بيت ميمونة ليلة كان النبي ﷺ عندها؛ لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ ؟ قال: فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد).
وفي رواية: (فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فطرحت لرسول الله ﷺ وسادة، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال عبد الله بن عباس: فقمت فصنعت مثلما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى قام المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح).
وفي رواية: (نمت عند ميمونة ورسول الله ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ رسول الله ﷺ ، ثم قام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه،
стр. 598
فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة، ثم نام رسول الله ﷺ حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ).
وفي رواية: (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أدني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم احتبى، حتى إني لأسمع نفسه، راقدًا، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين).
وفي رواية (٦/أ): (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة، فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين، لم يكثر وقد أبلغ، ثم قام فصلى، فقمت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه، فتوضأت، وقام يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني عن يمينه، فتاممت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ، وكان في دعائه: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا).
قال كريب: (وسبع في التابوت، فلقيت رجلاً من ولد العباس، فحدثني بهن، فذكر عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري، وذكر خصلتين).
وفي رواية: (وأعظم لي نورًا) بدل قوله: (واجعل لي نورًا).
وفي رواية: (بت في بيت خالتي ميمونة، فبقيت - وفي رواية: فرقبت -
стр. 599
وفي حاشية كتاب البرقاني بخطه: فرمقت كيف يصلي النبي ﷺ . وذكر نحوه إلى أن قال: ثم نام حتى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه، ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته - أو في سجود-: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا، أو قال: واجعلني نورًا).
وفي حديث عقيل: (فدعا رسول الله ﷺ ليلتئذ بتسع عشرة كلمة، قال سلمة: حدثنيها كريب، فحفظت منها اثنتي عشرة، ونسيت ما بقي، قال رسول الله ﷺ : (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل لي في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا).
وفي رواية: (أتى القربة فحل شناقها، فتوضأ وضوءًا بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومة أخرى، فأتى القربة فحل شناقها، ثم توضأ وضوءًا هو (٦/ب) الوضوء. وقال: (أعظم لي نورًا).
وفي رواية: (بتُّ عند خالتي فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه - أو خطيطه - ثم خرج إلى الصلاة).
وفي رواية: (فأخذ بيدي أو بعضدي حتى أقامني عن يمينه).
وفي رواية: (فأخذ بيدي من وراء ظهره، يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. قلت: أفي التطوع كان ذلك؟ قال: نعم).
стр. 600
وفي رواية لمسلم: فاستيقظ، فتبول وتوضأ، وهو يقول: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات: ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، فذكر الكلمات ...).
* في هذا الحديث دليل على جواز أن يبيت الرجل عند خالته، وإن كانت ذات زوج.
стр. 601
* وفيه جواز أن يبيت المراهق إذا كان ذا قرابة من الرجل وذا قرابة من امرأته بالقرب منهما.
* وفيه جواز تعليق الشنة، وهي القربة لتبرد في الهواء، ولا أرى تعليقها إلا لذلك. قال أبو عبيد: وشناق القربة ما يعلق به على الوتد من خيط أو سير.
* وقوله: (وضوءًا خفيفًا)، الذي أراه أنه أراد خفيًا لم يعلم به من حوله.
* وفيه دليل على أن صلاة النبي صحيحة.
* وفيه دليل على أنه إذا قام الرجل إلى الصلاة يكون عن يمين الإمام.
* وقوله: (نام حتى نفخ)، وهذا من خصائصه ﷺ ؛ لأنه كان ينام عيناه، ولا ينام قلبه، وذلك أحسن حالاً؛ لأن طبيعة الإنسان لتدل على نقص قلبه الذي يخرج مع النفس فلا تحتبس الحرنة في بدنه، وليكون أيضًا نفخه دافعًا للهوام في حالة نومه.
ومعنى استن: استاك، فأما قيام ابن عباس على يسار رسول الله ﷺ وكونه رده إلى يمينه فإن الله أجرى ذلك ليعلم للناس موقف المأموم إذا كان وقف (٧/أ) على يمينه في أول أمره فأقره على ذلك لم يعلم الناس أن الوقوف على الشمال لا يصلح، وهذا مما يستدل به على حكمة الله في تقدير بعض الأشياء ليعلم بها غيرها.
* وفيه استحباب وضوء الإنسان لنفسه بغير استعانة لقوله: (فأطلق شنان القربة ثم توضأ).
* وقوله: (بين الوضوءين) المعنى أنه لم يكن يكثر من الماء وقد أبلغ.
стр. 602
* وفي هذا الحديث دليل على كراهية أن يراصد الرجل الرجل لقول ابن عباس: (كراهية أن يرى أني كنت أتقيه) أي أرصده وأراعيه.
* وفيه أيضًا أن تهجد الليل ثلاث عشرة ركعة، وهو أكثر ما نقل عن رسول الله ﷺ .
* وأما سؤال النور في هذا الحديث، فليس المراد به النور الشعشعاني، ولكنه النور المعنوي، وهو الذي يضيء لصاحبه في ظلام المشكلات فيشتبه به النور الشعشعاني الذي يضيء في ظلمات الأجسام فيبصر الإنسان حينئذ جواد الطرق، ويعرف أين المهاوي منها، وأين سبيل السلامة التي ليس فيها مهواة.
* وفيه دليل على الاستكثار من فضل الله ؛ فإن رسول الله ﷺ مع ما جبله الله عليه من النور الذي فضل فيه الأولين والآخرين لم يقنعه ذلك حتى سأل ربه أن يجعل في قلبه نورًا، وفي بصره نورًا، وفي سمعه نورًا، وأمامه نورًا، وفي لسانه نورًا، ومن خلفه نورًا.
ثم قال بعد ذلك: (واجعل لي نورًا - أو: زدني نورًا) يعني ﷺ أنه لما طلب لكل حاسة من حواسه وجهة من جهاته نورًا يضيء به الناحية التي يواجهها، طلب زيادة نور بعد ذلك، وأن يكون له من النور ما يملكه الله إياه فيثبت عنده بقوله: (واجعل لي نورًا) أي لا ينسلب مني ولا ينزع عني، ثم قال بعد ذلك: (وزدني نورًا)، فكأنه قال: لا أشبع من النور الذي أدرك به معرفتك ومعاني كلامك وأسرار تسبيحك.
стр. 603
-١٠١٤ -
الحديث الرابع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (أما لو أن أحدكم قال:- إذا أراد أن يأتي أهله، أو قال: حين يأتي أهله -بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رُزقنا، ثم قدر بينهما في ذلك ولد؛ لم يضره شيطان أبدًا).
-١٠١٥ -
الحديث الخامس والأربعون:
(عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور).
стр. 604
-١٠١٦ -
الحديث السادس والأربعون:
(قال مجاهد: سمعت ابن عباس - وذكروا له الدجال: بين عينيه كافر، أو ك ف ر - قال: لم أسمعه قال ذلك، ولكنه قال: (أما إبراهيم: فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى، فجعد آدم، على جمل مخطوم بخلبةٍ، كأني أنظر إليه انحدر من الوادي).
وفي رواية قال: (ذكر رسول الله ﷺ ليلة أسري به فقال: موسى آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة، وقال: عيسي جعد مربوع. وذكر مالكًا خازن النار، وذكر الدجال).
زاد في رواية: (ورأيت عيسي بن مريم مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال. في آيات أراهن الله إياه: ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ [السجدة: ٢٣]).
стр. 605
-١٠١٧ -
الحديث السابع والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: (لقي ناس من المسلمين رجلاً في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنًا﴾ وقرأها ابن عباس: السلام).
стр. 606
-١٠١٨ -
الحديث الثامن والأربعون:
(عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلْعَقها أو يُلْعِقها).
-١٠١٩ -
الحديث التاسع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: (قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجْلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم).
وفي رواية قال: (لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن فيه، قال: أرملوا؛ ليري المشركين قوتهم، والمشركون من قبل قُعَيْقِعان).
стр. 607
وفي رواية مختصرًا: قال ابن عباس: (إنما سعى رسول الله ﷺ بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته) (٧/ب).
* فيه من الفقه أنه يجوز إظهار الجلد ليغتاظ العدو.
* وفيه أيضًا دليل على أن المستحب في إظهار الجلد أن لا يؤذي نفسه من يجد غُبَّر شكاء؛ لقوله: (وما منع رسول الله ﷺ أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا للإبقاء عليهم).
والرمل: كالهرولة، والخبب وهو فوق المشي ودون الإسراع، والأشواط: الدوران في الطواف.
والشوط: مقدار يعدو فيه الرجل. والجلد: القوة، وإنما اقتصر الرمل على ثلاثة أشواط لطفًا بهم، وهذا مما زال سببه وبقي حكمه.
-١٠٢٠ -
الحديث الخمسون:
(عن ابن عباس: أعتم النبي ﷺ بالعشاء فخرج عمر ﵁ فقال:
стр. 608
الصلاة يا رسول الله؛ رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: (لولا أن أشق على أمتي - أو: على الناس -لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة).
وفي رواية: فخرج وهو يمسح الماء عن شقه، يقول: (إنه للوقت؛ لولا أن أشق على أمتي).
وفي رواية للبخاري أن النبي ﷺ شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي ﷺ ، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم) وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقل ما كان يرقد قبلها.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: فقال سمعت ابن عباس يقول: (أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر فقال: الصلاة. قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه الآن، يقطر رأسه ماء، واضعًا يده على رأسه، فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا). قال: فاستثبت عطاء: كيف وضع النبي ﷺ على رأسه يده، كما أنبأه ابن عباس؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه ثم قرب الرأس، ثم ضمها يمرها كذلك على الرأس، حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية (٨/أ) اللحية، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك.
وفي رواية ابن جريج، قال: (قلت لعطاء: أي حين أحب إليك أن أصلي العشاء - التي يقول لها الناس العتمة - إمامًا وخلوًا؟ فقال: سمعت ابن عباس
стр. 609
يقول: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة العشاء، ثم ذكر نحوه إلى قوله: (لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك). ثم قال: قلت لعطاء: كم ذكر لك أخرها النبي ﷺ ليلتئذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: أحب إليَّ أن أصليها إمامًا وخلوًا، أو على الناس في الجماعة، وأنت إمامهم فصلها وسطًا، لا معجلة ولا مؤخرة.
وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ شُغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم).
* في هذا الحديث جواز إذكار الإمام بالصلاة ودعائه إلى الخروج إليها.
* وفيه استحباب تأخير العشاء ما لم يشق على المأمومين، وقد تقدم ذكر ذلك.
* وفيه أنه يستحب تأخيرها ما لم تخف غلبة النوم، فإن النوم قبلها مكروه.
* وفيه أن شعر رسول الله ﷺ لم يكن محلوقًا؛ لأنه قال: خرج وهو يقطر رأسه، ولا يقطر إلا من الشعر الوافر.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن تفرد الإنسان بعبادة دون أهل الأرض في وقت ينيله فضلاً؛ لقول رسول الله ﷺ : (ليس في الأرض من ينتظر الصلاة غيركم).
стр. 610
* وقوله: (أعتم بالعشاء) أي أخرها؛ فالعتمة ظلمة الليلة، ووقتها بعد غيبوبة الشفق، وقوله: (إنه للوقت) يعني وقت الفضيلة.
-١٠٢١ -
الحديث الحادي والخمسون:
(عن عطاء قال: قال لي ابن عباس: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) قالت: أصبرُ، فقالت: فإني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف. فدعا لها).
وفي رواية البخاري عن عطاء: (أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء (٨/ب) على ستر الكعبة).
* في هذا الحديث ما يدل على من ابتلي بمثل ما ابتليت به هذه المرأة فصبر كما صبرت كان له مثل ما وعدها رسول الله ﷺ ؛ لأنه علل دخول الجنة بصبرها فاختارت الصبر، فاقتضى مفهوم الخطاب أن كل من كانت حاله مثل حالها وصبر مختارًا للصبر على العافية رجي له من فضل الله ما رجي لها.
стр. 611
-١٠٢٢ -
الحديث الثاني والخسمون:
(عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: (لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حلَّ. قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. قلت: وإن ذلك بعد المعرف؟. فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله. وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع).
وفي رواية لمسلم: (قال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد تشغفت - أو تشعبت - بالناس؛ إن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم ﷺ ، وإن رغمتم).
وفي رواية: إن هذا الأمر قد تفشغ بالناس، من طاف بالبيت فقد حل الطواف في عمرة. فقال: سنة نبيكم وإن رغمتم).
стр. 612
* قد مضى الكلام فيما يتعلق بالحج وقوله: (تشغفت الناس) أي حلت شغاف قلوبهم فشغلته، و (تشعبت) بمعنى تفرقت، و (تفشغ الناس) أي اتفشغ فيهم أي كثر، والراغم: الكاره، وهو مأخوذ من الرغام وهو التراب.
-١٠٢٣ -
الحديث الثالث والخمسون:
(عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان: (ما منعك أن تكوني حجيت معنا؟). قالت: ناضحان كانا لأبي فلان (زوجها)، حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي أرضًا لنا، قال: (فعمرة في رمضان تقضي حجة - أو: حجة معي).
وفي حديث يحيى بن سعيد: (فإذا جاء رمضان؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة).
* في هذا الحديث ما يدل على أن هذه المرأة قد كانت حجت فعرفها رسول الله ﷺ أن عمرة في شهر رمضان تعدل حجة - يعني لمن حج وقضى الفرض - ومعنى (تقضي حجة) أي تفي بها، وتقوم مقامها.
-١٠٢٤ -
الحديث الرابع والخمسون:
(عن ابن عباس، قال: سمعت (٩/أ) النبي ﷺ يقول: (لو أن لابن آدم
стр. 613
مثل واد من ذهب مالاً لأحب أن له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
قال ابن عباس: ولا أدري من القرآن هو أم لا؟
وفي رواية أبي عاصم: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
* في هذا الحديث ما يدل على أن الآدمي لا يشبعه كثرة المال، وأنه لا يملأ بطنه إلا التراب، وأن الإكثار ليس يقلل من حرصه ولا يهضم من شرهه.
* والقرآن: هو ما أجمع عليه المسلمون ونقل النقل المتواتر كواف عن كواف، كما قلنا إنه اجتمع على كتبه أربعة وهم الغاية في البينات، وهذا ليس من ذلك، وقد سبق شرح هذا الحديث.
-١٠٢٥ -
الحديث الخامس والخمسون:
(عن عطاء قال: (خرجنا مع ابن عباس في جنازة ميمونة زوج النبي ﷺ بسرف، فقال ابن عباس: هذه زوج النبي ﷺ ، فإذا رفعتم نعشها فلا
стр. 614
تزعزعن أو لا تزلزوا، وارفقوا؛ فإنه كان عند النبي ﷺ تسع نسوة، فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. قال عطاء: والذي لا يقسم لها: بلغنا أنها صفية بنت حيي. كانت آخرهن موتًا، ماتت بالمدينة).
* الزعزعة: التحريك بشدة، وإنما أمرهم بذلك احترامًا لهذه المرأة لكونها زوج النبي ﷺ وأم المؤمنين، فلذلك كان حملها بالوقار والرفق متعينًا.
وأما المرأة التي كان رسول الله ﷺ لا يقسم لها؛ فقد قال عطاء: هي صفية، وقال غيره: سودة، وإنما أراد ابن عباس أن ميمونة من اللواتي كان يقسم لهن، فلذلك وجبت الزيادة في توقيرها.
-١٠٢٦ -
الحديث السادس والخمسون:
(عن ابن عباس قال: (ليس التحصيب بشيء، وإنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ).
* التحصيب هو نزول المحصب، فأراد ابن عباس أن نزول المحصب ليس بواجب ولا سنة. والمحصب هو الشعب الذي يخرج (٩/ب) منه إلى الأبطح في طريق منى، وكل موضع جعلت فيه الحصباء، وهي صغار
стр. 615
الحجارة، فهو محصب.
-١٠٢٧ -
الحديث السابع والخمسون:
(عن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند كل سارية، فدعا ولم يصل.
وفي رواية: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة. وقال: (هذه القبلة).
* إنما لم يصل رسول الله ﷺ في الكعبة؛ لأن الكعبة هي القبلة، والمصلى جميع نواحيها يأمها، إلا أنه قد جاء في حديث آخر أنه صلى فيها نافلة، وأمر النافلة خفيف، فأما الفريضة فيها فلا تصح؛ لأن المصلي يستدبر بعضها، وأما الصلاة على ظهرها فلا تصح؛ لأن المصلي لا يتوجه إلى شيء منها.
* وقوله: (في قِبْلِ) أي في مقابلتها ومواجهتها.
-١٠٢٨ -
الحديث الثامن والخمسون:
(عن ابن عباس قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
стр. 616
وفي رواية للبخاري قال: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين فمكث ثلاث عشرة، ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي ﷺ .
وفي رواية عن ابن عباس وعائشة أن النبي ﷺ لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا.
وفي رواية لمسلم من حديث عمار بن أبي عمار قال: سألت ابن عباس: كم أتي الرسول ﷺ يوم مات؟ قال: ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذلك. قال: قلت: إني قد سألت الناس فاختلفوا عليَّ، فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قلت: نعم. قال: أمسك أربعين. بعث لها خمس عشرة بمكة. يأمن ويخاف، وعشرًا مهاجرة إلى المدينة.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين.
وفي حديث حماد بن سلمة: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت، سبع سنين، ولا يرى شيئًا (١٠/أ)، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا.
ولمسلم من حديث عمرو بن دينار، قال: قلت لعروة: كم لبث النبي ﷺ بمكة؟ قال: عشرًا. قال: قلت لابن عباس يقول: بضع عشرة. قال: فَغَفَّرَهُ وقال: إنما أخذه من قول الشاعر، يعني قوله:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة
ولمسلم من حديث أبي حمرة، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، وبالمدينة عشرًا، ومات هو ابن ثلاث
стр. 617
وستين سنة).
* المذكور في هذا الحديث من أن رسول الله ﷺ لبث بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرًا، وأن الله تعالى بعثه على رأس أربعين سنة وقبضه على رأس ثلاث وستين. وهذا هو أصح ما نقل.
* فأما قوله: توفي وهو ابن خمس وستين فإنه من إقرار مسلم. والمتفق عليه عن ابن عباس ما قدمنا.
* وقول ابن عباس: (لبث بمكة عشرًا يوحى إليه) فله وجهان: أحدهما: أنه ذكر العقد وترك ما زاد عليه. والثاني: أنه لما أوحي إليه استسر بالنبوة ثلاث سنين حتى نزل عليه ﴿فاصدع بما تؤمر﴾، فحسب ابن عباس ما ظهر، والبضع هو ما بين الثلاث إلى التسع فأصلها القطعة من الشيء. وقوله: (فغفره) أي دعى له بالمغفرة.
-١٠٢٩ -
الحديث التاسع والخمسون:
(عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: (ما هذا؟) قالوا: يوم صالح، نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال: (أنا أحق بموسى منكم) فصامه
стр. 618
وأمر بصيامه.
وفي حديث سفيان: فقال لهم رسول الله ﷺ : (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) قالوا: هذا يوم عاشوراء، يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه.
وفي رواية: فنحن نصومه تعظيمًا له).
* قد سبق الكلام في يوم عاشوراء، وبينا أن فرضه نسخ بصوم رمضان وبقي الفضل في صومه إلى يوم القيامة.
-١٠٣٠ -
(١٠/ب)
الحديث الستون:
(عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يقول: (إنكم مُلاقو الله حفاة عراة غُرلاً).
وفي رواية: (مشاة).
وفي رواية: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: (أيها الناس! إنكم
стр. 619
محشرون إلى الله حفاة عراة غُرلاً ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾ ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال. فأقول: يارب أصحابي، فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ إلى قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾.
قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).
* في هذا الحديث من الفقه أن ما يقع من بدن الآدمي في الدنيا يعاد إليه ولا يضاع، بقوله: (غُرلاً) أي قلفًا.
* قال ابن الأنباري: يقال: هو أغرل وأدغل وأخلف وأغلف مني.
* وقوله: (لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) أي راجعين عن الدين، والإشارة بهذا إلى المنافقين ومن ارتد من مانعي الزكاة وغيرهم.
стр. 620
-١٠٣١ -
الحديث الحادي والستون:
(عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة، إذ وقع من راحلته. قال أيوب: فأوقصته (أو فأقعصته)، وقال عمرو: فوقصته، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، قال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه. (قال أيوب): فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا).
وفي رواية: (في ثوبيه)، وفي رواية: (ولا تغطوا رأسه ووجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبدًا).
وفي رواية: وقصت رجلاً ناقته، وهو محرم).
* لو قص: هو أن ترمي الرجل ناقته فتكسر عنقه، والقعص الموت السريع.
* وفيه من الفقه أن من كان في عبادة الله فمات، فإنه يحشر على ما مات عليه من عبادة الله تلك؛ لقول النبي ﷺ في المحرم حين مات على إحرامه: (إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا أو ملبدًا).
стр. 621
والملبد: الذي يلبد شعره، وأراد به أنه يبعث على شعث الإحرام.
* وهذا يقتضي أن كل من مات على عبادة حشر (١١/أ) وأثر تلك العبادة عليه، وقد روي عن سفيان أنه توضأ ليلة موته ستين مرة ليموت طاهرًا.
-١٠٣٢ -
الحديث الثاني والستون:
(عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: ألمَنْ قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟ قال: لا، فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ .. إلى آخر الآية فقال: هذه الآية مكية، نسختها آية مدنية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾.
وفي رواية عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيه إلى ابن عباس، فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء.
وفي رواية عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله: ﴿مهانا﴾، فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقد قتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا﴾ .. إلى آخر الآية.
زاد في حديث أبي النضر: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل،
стр. 622
فلا توبة له.
وعن سعيد قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾، فسألته فقال: لم ينسخها شيء، وعن هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، قال: نزلت في أهل الشرك.
وفي رواية عن سعيد، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ قال: لا توبة له. وعن قوله: ﴿لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ قال: كانت هذه في الجاهلية)
* في هذا الحديث أن مذهب ابن عباس في القاتل أنه يخلد في النار، وقد خالفه في هذا جمهور الصحابة والفقهاء، والأحاديث الصحاح التي ستأتي فيما بعد إن شاء الله، إلا أن هذه من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف لأنها من مسائل الاجتهاد.
والجمهور أسندوا ذلك إلى أدلة واضحة وحجج قاطعة، فمن ذلك هو أن الإجماع انعقد على أنه لو قتل في حال كفره مؤمنًا متعمدًا لإيمانه ثم أسلم بعد ذلك قُبِلَ إسلامه ومحي ما كان من قتله للمسلم، فإذا قتل مؤمنًا وهو مؤمن بالله (١١/ب) لم يكن ما أتى بأكثر ما كان عليه في الحالة الأولى،
стр. 623
وعفو الله يتسع له فيما أرى لأن؛ المقتول ملك لله والقاتل ملكه، فإن وهب القاتل وهب ملكه؛ إذ فيما شرع لنا سبحانه أن من جني على عبد رجل جناية فإن أرش تلك الجناية يستحقها مولى العبد لا العبد، فلما صارت الحقوق راجعة إلى ملك الله ووسعها عفوه لم يجز لنا أن يحصر عفوه على شيء؛ إذ لو فعلنا ذلك لكنا بمنزلة من يقول إن فضل الله يتسع لكذا إلا كذا، وهذا فهو من فظيع القول؛ فإن الله سبحانه يقول: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾. من غير استثناء لشيء ما، ومن هرب من القول بالعفو عن القاتل حذرًا من أن يقول أن يكون ذلك ظلمًا فإنه لم يفهم أن المقتول لو كان مالكًا لنفسه توجه مثل هذا؛ فأنى وهو ملك لسيده، فسيده هو الخصم فيه.
* وقوله سبحانه: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ فإنه يتناول قاتلاً يقتل مؤمنًا من أجل أنه مؤمن، وذلك إنما ينصرف إلى الكفار، ويدلك عليه قوله سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾، وأيضًا فإن قوله سبحانه في الآية: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ .. إلى آخرها فإن معناه أن هذا جزاؤه إن جازاه، وإن وهب له فله تعالى ذلك لأن الحق له.
ولقد جرى لي في هذه المسألة: إني كنت ليلة جالسًا عند صهر لي وهو: كامل بن مسافر، ﵀، ومعنا أبو منصور بن الحصين خالي رحمة الله، ورجل آخر يعرف ابن محسن السهوباري فجرت هذه المسألة، وهل يتوب الله
стр. 624
على القاتل أم لا؟ فامتد التنازع، وارتفع الضجاج بيننا إلى أن تفرقنا على تنازع فيها، وكنت ليلتئذ ذا قلب شديد التطلع إلى معرفة الحق في هذه المسألة، فاطلع الله سبحانه على قلبي، فأراني في منامي تلك الليلة بعينها أني في مكان قد رأيته في النوم مرارًا، وهو مسجد دون باب السور الذي عند الحلبة، فبعد ذلك عرفت ما ذكره الخطيب في تاريخه من أنه كان هناك مسجد، ذكر من شأنه وفضله وأنه استهدم.
فرأيت في النوم في تلك الليلة أنني دخلت ذلك المسجد، وهو على شكل جامع القطيعة، وفيه رجل جالس يخيط (١٢/أ) ثوبًا أو يرقعه، فقذف في روعي أنه رجل من علماء السلف، فسألته وقلت له: إني أريد أن أسألك عن مسألة، فقال لي: سل، فقلت له: مسألة القضاء والقدر، فقال لي: إذا كانت هذه مسألتك فاصبر حتى نصلي الجمعة وأجيبك، ثم إنه قام فخطب على منبر، ثم جئت فجلست في الصف الأول، ففي المدة التي خطب فيها ذلك الرجل، أوقع الله في نفسي أن أقول له: هل سأل أحد رسول الله ﷺ عن هذه المسألة أو لا؛ ليجيبني بفتيا رسول الله ﷺ لا بفتياه هو.
فأجمعت على هذا، ثم إنه قضى خطبته، ونزل فصلى، وصليت خلفه، فلما قضى صلاته عاد إلى موضعه الذي كان فيه من المسجد، فجئته وقد تحرر معي السؤال، فقلت: له، أما سأل أحد عن هذه المسألة رسول الله ﷺ ، فإذا علم كلمته في المنام معربًا هكذا أم غير معرب، إلا أن المعنى كان هذا، فقال في جوابه لي: بلى، فقلت له: من؟ فقال لي: المرأة التي قصتها مشهورة، فقلت له: وماذا قال لها؟ فقال: قال لها: يغفر لك، واستيقظت ولا أعرف تتمة معنى هذا الكلام ما هو.
стр. 625
فلما أصبحت جئت إلى صهري المذكور، وأحسب أني صليت الفجر معه في جماعة، فلما قضيت الصلاة وأخبرته بهذه الرؤيا، فرأيته وقد بلغ ذلك منه واشتد تعجبه، وقال لي: بعد أن خرجت من عندي، نظرت في كتاب تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، فرأيته فيه عن أبي هريرة أنه قال: لقيتني امرأة فقالت: يا أبا هريرة، سل لي رسول الله ﷺ عن امرأة زنت ثم قتلت هل لها من توبة؟ قال أبو هريرة: فقلت: لقد هلكت وأهلكت، فذهبت المرأة، قلت لنفسي: أتفتي ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟
فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر، وقلت له: يا رسول الله، لقد استقبلني اليوم امرأة بأمر هائل، ثم أخبرته الخبر، فقال: (وماذا قلت لها؟) قال: قلت لها: لقد هلكت وأهكلت، فقال لي رسول الله ﷺ : (بل أنت هلكت وأهلكت يا أبا هريرة، اذهب إليها (١٢/ب) وقل: إن الله يغفر لك). قال أبو هريرة: فخرجت ألتمس المرأة، وأطوف عليها، وأقول: من رأى لي امرأة من شأنها وحالها، حتى جعل صبيان المدينة يقولون: جن أبو هريرة.
ثم قال لي كامل ﵀: هذا الحديث لما وقفت عليه البارحة بعد خروجك، علمت عليه لأريكه، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
стр. 626
-١٠٣٣ -
الحديث الثالث والستون:
(عن ابن عباس: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: (يا بني فهر، يا بني عدي) - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً؛ لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي، تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب (١) ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾. وفي بعض الروايات عن الأعمش: (وقد تب).
وفي رواية: أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: (يا صباحاه)، فاجتمعت إليه قريش، فقال: (أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟) قالوا: نعم، قال: (فإني نذير لكم) وذكره نحوه.
وفي رواية للبخاري: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ جعل النبي ﷺ يدعوهم قبائل قبائل. قال: الشعوب القبائل العظام، والقبائل: البطون).
стр. 627
* في هذا الحديث من الفقه انتهاء رسول الله ﷺ إلى الغاية في التبليغ.
* وفيه أيضًا من الحكمة البداءة في ذلك بالعشيرة الأقربين؛ من أجل أنهم أهل العلم ببواطن الإنسان وأسراره، وهم المطلعون على خفي أحواله، فلا يمكنه أن يأمر الأقربين من أهله بما يخالفهم إلى غيره، ثم يبلغ إلى الناس بعدهم.
* وقوله: (تبًا لك سائر اليوم) التباب الخسران، ومعنى تبت يدا أبي لهب أي خسرتا.
* وقوله: (يا صباحاه) قد سبق بيانه في مسند سلمة بن الأكوع.
-١٠٣٤ -
الحديث الرابع والستون:
(عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، قال: (كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي (١٣/أ) انفض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكن لُدغت، قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيتُ. قال: ما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حُمَة).
стр. 628
فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، لكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ : (عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله. وذكروا أشياء.
فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: (ما الذي تخوضون فيه؟) فأخبروه، فقال: (هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: (أنت منهم)، ثم قام آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة).
* انفض النجم: أي هوى.
стр. 629
* وفيه من الفقه أن الرقية جائزة وتركها توكلاً على الله تعالى أفضل منها، وكذلك الكي فإنه جائز وتركه أحسن، وأما الطيرة فلا تحل بحال.
* وأما قوله: (هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا) فإنه يدل على أن السبعين ألفًا غير الذين رآهم، فكأن السبعين ألفًا لم يحضروا الموقف إذ لا حساب عليهم.
* وأما التداوي فليس في هذا الحديث أنهم لا يتداوون، وإنما قال: (لا يكتوون) أي لا يبلغ بهم التنطع في التداوي إلى الكي، وهو آخر الأدوية، على كونه - على ما يرى الأطباء - لا يفيد طائلاً (١٣/ب).
وأما التداوي بالعسل والحجامة وغير ذلك مما فعله رسول الله ﷺ أو أذن فيه، فإنه لا يقدح في توكل الإنسان، بل ربما كان فضيلة يفضل فعله تركه بالنية فيه؛ من أجل أن معرفة الطب باب واسع من أبواب معرفة الله تعالى بالاستدلال عليه بما في تركيب الآدمي ومنافع الأدوية ومقاديرها وغير ذلك، فلا يشرع في سد باب من أبواب معرفة الله .
* وقوله: (إلا من عين) أي هو من أصابه بالعين.
* وقوله: (الحُمة) قال ابن قتيبة: الحمة: هو سم الحيات والعقارب وما أشبهها من ذوات السموم.
* وقد تقدم الكلام في هذا الحديث في مسند عمران بن حصين وذكر عكاشة.
стр. 630
-١٠٣٥ -
الحديث الخامس والستون:
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾. قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه - فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما. فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما. فحرك شفتيه - فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) إن علينا جمعه وقرآنه﴾.
قال: جمعه في صدر كريم فقرأه: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾. قال: يقول فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل ﵇ بعد ذلك استمع. فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه.
وفي رواية جرير: كما وعد الله .
* اعلم أن لسان العبد مخلوق، وما يقرأه من كلام الله بلسانه لمخلوق، وكان النبي ﷺ يحرك شفتيه بما يسمعه من جبريل ﵇ قبل إتمام الوحي، فقال : ﴿إن علينا جمعه﴾ يعني في صدرك، وإلا فهو مجموع في علم الله ﴿فإذا قرأناه﴾ أي قضي فاقرأه.
стр. 631
وقد دلت الآية على وجوب اتباع القرآن والإنصات إليه.
-١٠٣٦ -
الحديث السادس والستون:
(عن ابن عباس، قال: (أهدت (١٤/أ) خالتي أم حُفيد إلى رسول الله ﷺ سمنًا أو أقطًا وأضبًا، فأكل من السمن والأقط، وترك الضب تقذرًا. وأكل على مائدة رسول الله ﷺ ، ولو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ .
وفي رواية أم حفيد بنت الحارث بن حزن خالة ابن عباس: أهدت إلى رسول الله ﷺ سمنًا وأقطًا وأضبًا، فدعا بهن، فأكلن على مائدة رسول الله ﷺ ، وتركهن كالمتقذر لهن، ولو كن حرامًا ما أكلن على مائدة النبي ﷺ ولا أمر بأكلهن.
وفي رواية عن ابن عباس: (دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة. فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر).
وفي رواية عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد: (أنه أخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة - زوج النبي ﷺ ، وهي خالته، وخالة ابن عباس - فوجد عندها ضبًا محنوذًا، قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد - قال بعض الرواة: وكانت تحت رجل من بني جعفر - فقدمت الضب لرسول الله ﷺ .
стр. 632
وكان قلما يقدم من يديه لطعام حتى يحدث به، ويسمى له.
فأهوى رسول الله ﷺ بيده إلى الضب. فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ بما قدمتن له. قُلنَ: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه). قال: فاجتررته فأكلته، ورسول (١٤/ب) الله ﷺ ينظر، فلم ينهني).
وفي رواية لمسلم من حديث يزيد بن الأصم، قال: (دعانا عروس بالمدينة، فقرَّب إلينا ثلاثة عشر ضبًا، فأكل وتارك. فلقيت ابن عباس من الغد فأخبرته، فأكثر القوم حتى قال بعضهم: قال رسول الله ﷺ : (لا آكله ولا أنهى عنه، ولا أحرمه)، فقال ابن عباس: بئسما قلتم، ما بُعثَ نبي الله ﷺ إلا مُحلِلاً ومحرمًا. إن رسول الله ﷺ ، بينما هو عند ميمونة، وعنده الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى، إذ قُربَ إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي ﷺ أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضب، فكف يده، وقال: (هذا لحم لم آكله قط) وقال لهم: (كلوا)، فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد والمرأة. وقالت ميمونة: لا آكل من شيء إلا شيئًا يأكل منه رسول الله ﷺ ).
стр. 633
* في هذا الحديث استحباب الهدية، وأن لا يحقر اليسير منها.
* والمحنوذ: هو المشوي، وأعافه: أكرهه.
* وفيه دليل على جواز أكل الضب، ودليل على أن ترك ما تعافه النفس مندوب إليه ولا ينسب ذلك إلى الترفه.
* وفيه استحباب أن لا يسبق الإنسان إلى أكل شيء حتى يعرفه ويسمى له.
* وقوله: (دعانا عروس)، العروس: هو الرجل المتزوج. والأقط: شيء يصنع من اللبن فيجفف.
-١٠٣٧ -
الحديث السابع والستون:
(عن ابن عباس، سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين؟ فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم).
* في هذا الحديث محتمل لما يتجاذبه الاختلاف في أولاد المشركين.
-١٠٣٨ -
الحديث الثامن والستون:
(عن ابن عباس قال: (ما صام رسول الله ﷺ شهرًا كاملاً قط غير
стр. 634
رمضان. وكان يصوم - إذا صام - حتى يقول القائل: لا، والله لا يفطر، ويُفطر - إذا أفطر - حتى يقول القائل: لا، والله لا يصوم.
وفي رواية: شهرًا متتابعًا حتى قدم المدينة.
ولمسلم عن عباد بن حنيف قال: سألت سعيد بن جبير (٥/أ) عن صوم رجب - ونحن يومئذ في رجب - فقال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم).
* في هذا الحديث ما يدل على أن عبادات رسول الله ﷺ كانت على سبيل الفتوح من الله بحسب ما يقتضيه إخلاصه الصافي؛ فإن الاستمرار في عبادة لا يؤمن أن تكون النفس واقعة منها مع الاعتياد، فيمازج الإخلاص من ذلك شيء. وإذا كانت العبادة على ما ذكر عن رسول الله ﷺ كانت على الجدد القويم من الإخلاص.
-١٠٣٩ -
الحديث التاسع والستون:
(عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين
стр. 635
الشياطين وبين خبر السماء، وأرسل عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: وما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ﷺ ، وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبًا (١) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا﴾. فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾.
في آخر حديث موسى بن إسماعيل: (وإنما أوحي إليه قول الجن).
* في هذا الحديث ما يدل على أن الشهب لم تكن قبل مبعث رسول الله ﷺ ؛ لقوله: (وأرسلت عليهم الشهب)، ومن خالف في هذا فليس له بينة؛ لأن الله تعالى يقول مخبرًا عنهم: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا﴾، فلو كان هذا معروفًا لكان المشركون يحتجون على رسول الله ﷺ بقوله في هذا (١٥/ب) ويقولون: كيف تقول: فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا، وهذه الشهب قد كانت تنقض من قبلك؟
следующие страницы →