← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي). * في هذا الحديث ما يدل على الحال التي كانت بين رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين ومن المشركين، وأن المؤمنات كن إذا هاجرن امتحن فإذا أعلمن مؤمنات لم يرجعن إلى الكفار وهن مؤمنات لم يؤمن أن يوطأن فتحمل المؤمنة من كافر، فيعود ذلك مانعًا لها مما هاجرت له، فلسن في ذلك كالرجال لأنه لا نخاف على الرجال ما نخاف على النساء من ذلك ثم شرع الله رد ما أنفق الكفار على المؤمنات، يعني من المهور لأنه لم يعن بالنفقة في هذا الموضع إلا المهور. -١١٠٢ - الحديث السابع والثلاثون: (عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح (٣٢/ب) أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ في مواسم الحج. قرأها ابن عباس).

стр. 702

* في هذا الحديث ما يدل على أن التجارة في الحج مباحة. -١١٠٣ - الحديث الثامن والثلاثون: (عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة. وقال سفيان - غير مرة - أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت: ﴿الآن حفف الله عنكم﴾ الآية، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين. زاد سفيان مرة: نزلت: ﴿حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ قال سفيان: وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا. وفي رواية: لما نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ شق ذلك على المسلمين، حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم]. * في هذا الحديث من الفقه أن الحكم كان في أول الإسلام وجوب ثبوت المؤمن لعشرة من المشركين وأن لا يفر منهم، وكان هذا مناسبًا للإيمان بالله

стр. 703

واليوم الآخر؛ لأن المؤمن يقاتل بصدق عزمه وقوة قلبه فيبين أمارة اعتضاده بربه وثقته بنصره غير أن الله تعالى لما علم أن في المؤمنين القوي والضعيف أراد اللطف بالضعيف وأن لا يكلفه الوقوف في مقام القوي فحط درجة القوي إلى الضعيف فوضع من العشرة ثمانية فبقي كل مؤمن إزاء كافرين فلا يحل له أن يفر من اثنين إذ لا يليق بالحال أن يجعل بإزاء المؤمن كافر أبدًا. * وقوله: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا﴾ لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، والمعنى: تقاتلوا مائتين فعرض على الرجل أن يثبت لرجلين فإن زادوا جاز له الفرار، وعلى هذا فإنه مباح للواحد أن يحمل ويلقى نفسه على العشرة والمائة والألف إذا رأى أن في ذلك إظهار العزة للإسلام وشدًا لقلوب المؤمنين، فإن غلب على ظنه أنه إن قتل في حملته تلك أن ذلك يعود بوهن ما على الإسلام لم يستحب (٣٣/أ) له ذلك. * وفي الحديث أيضًا ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن يجتنب أهله في مكابدته ما يجتنبه المجاهدون وأن لا يرجعوا لقلة عن كثرة، لكن إذا أمكن رفع ذلك إلى الإمام وولى الأمر أو خيف من أن يفرق فيه كلمة يكون المنكر فيها أعظم أمسك. * وفيه أيضًا أن الله سبحانه يلقي صبره على عبده بمقتضى ما يكون من عزمه وجده، فإن زاد زيد له وإن نقص من عزمه فبحسب ذلك. -١١٠٤ - الحديث التاسع والثلاثون: (عن عمرو قال: قرأ ابن عباس: ﴿ألا إنهم يثنون صدروهم ليستخفوا منه ألا

стр. 704

حين يستغشون ثيابهم﴾، قال: وقال غيره: عن ابن عباس: أنه قرأ: ﴿ألا إنهم تثنوني صدروهم﴾. قال الراوي: فسألته عنها، قال: كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم). * في هذا الحديث من الفقه إعلام الله عباده أنه لا يخفى عليه شيء من سرهم ولا نجواهم، وأن الذين يثنون صدروهم أو يثنوني صدروهم بالسرار والقول الخفي فإنه يسمعه الله ويعلمه، وأرى التحذير في هذه الآية من أن يثني الإنسان صدره لنجوى أحد إلا فيما يستحسن أن يسمعه ربه فإن قوله تعالى: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾، فإنه عنى إنما تستر الأثواب من الآدمي في الليل والنهار من العورة فإنه باد لله ، وإنما يستره ثوبه من مثله، وهذا فهو انكشاف من معذور فيه لأنه ليس من كسبه، فأما الانكشاف بعورة من قوله فإنه غير معذور فيه؛ لأنها من كسبه ولاسيما وهو يجمع فيها بين ذل أو فاحشة المناجي عن أن يجهر بها لخصمه وبين أن يجاهر بها ربه. * وفيه أيضًا دليل على كراهية أن يعرى الرجل في الليل عند جماعه لأهله

стр. 705

مفضيًا (٣٣/ب) بفرجه إلى السماء. * وأما قراءة من قرأ: ﴿تثنوني صدروهم﴾ على وزن تفعوعل. * المصدور: ومعناه المبالغة في تثني الصدور. -١١٠٥ - الحديث الأربعون: (حديث إبراهيم ﵇ وهاجر أم إسماعيل ﵉. عن أيوب بن أبي تميمة السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة،- يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: (أول ما اتخذ النساء المنطق: من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا. وقال الأنصاري عن جريج، قال: أما كثير بن كثير: فحدثني قال: إني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير، فقال: ما هكذا حدثني ابن عباس ولكنه قال: أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه وهي ترضعه، معها شنة - لم يرفعه- ولم يزد الأنصاري على هذا. وفي أول الحديث عن البرقاني: من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، وكثير، ولم يذكره البخاري (أن سعيد بن جبير، قال: سلوني يا معشر الشباب، فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم، فأكثر الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أرأيت هذا المقام، أهو كما كنا نتحدث؟ قال: وما كنت نتحدث؟ قال: كنا نقول: إن إبراهيم ﵇ حين جاء عرضت

стр. 706

عليه امرأة إسماعيل النزول، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر، فقال: ليس كذلك). من هاهنا ذكر البخاري بهذا الإسناد المتقدم في أول الترجمة عن أيوب، وكثير عن سعيد بن جبير، قال سعيد: قال ابن عباس: (أول ما اتخذ النساء المنطق: من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتُعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم (٣٤/أ) ﵇ حتى إذا كان عند الثنية - حيث لا يرونه- استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات فرفع يديه فقال: يارب ﴿إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع- حتى بلغ- لعلهم يشكرون﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من

стр. 707

الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت، سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت، هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : (فلذلك سعى الناس بينهما)، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه- تريد نفسها- ثم تسمعَت فَسَمِعَتْ صوتًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُواثُ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، -أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول: بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف- وفي رواية أخرى: بقدر ما تغرف-. قال ابن عباس: قال النبي صلي الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم- أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا) قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه، وعن شماله، فكانت كذلك، حتى مرت بهم رُفْقَة من جُرهُمَ، مقبلين من طريق كداء (وقد روي بضم الكاف وفتحها) فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريَّيْن فإذا هم بالماء، فرجعوا وأخبروهم فأقبلوا، (٣٤/ب) وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: لتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم.

стр. 708

قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : (فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس) فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجُوهُ امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يسعى لنا. وفي رواية إبراهيم بن نافع: ذهب يصيد، ثم سألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك وأخبرته أنا في جهد وشدة، فقال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، قالت: خرج يسعى لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله تعالى. قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : (ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه). قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي رواية إبراهيم بن نافع: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب قال: وما طعامكم وما

стр. 709

شرابكم؟ فقالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم ﷺ : (بركة دعوة إبراهيم ﵇. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني (٣٥/أ) عنك؟ فأخبرته، فسألني كيف عيشتنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنتِ العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: (فاصنع ما أمرك ربك) قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتًا هاهنا- وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها-، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. وفي حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين

стр. 710

أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة من ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فَيَدُّر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما عند دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فأتبعته أم إسماعيل، حتى لما بلغوا كداء، نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت تشرب من الشَّنَّة، ويدرُّ لبنها على صبيِّها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا، قال: فذهبت فصعدت الصفا فنظرت، ونظرت هل تُحِسَّ أحدًا، فلم تحسَّ أحدًا، فلما بلغت الوادي سعت، وأتت المروة، وفعلت ذلك أشواطًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت. * ما يفعل الصبي؟ فذهبت، فنظرت، فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقر نفسها، فقالت: لو ذهبت، فنظرت. لعلي أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت، ونظرت (٣٥/ب) فلم تحس أحدًا حتى إذا تمت سبعًا، قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل، قال: فقال بعقبه هكذا -وغمز بعقبه على الأرض- فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفن،- وفي أخرى: تحفر-، وذكر الحديث بطوله نحوه أو قريبًا منه. والأول أتم إلى قوله: فوافى إسماعيل من وراء زمزم يُصلحُ نبلاً له. فقال يا إسماعيل: إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا. قال: أطع ربك، قال: إنه أمرني أن تعينني عليه، قال: إذن أفعل،- أو كما قال-، قال: فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام،

стр. 711

فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. وأخرج البخاري طرفًا منه عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (يرحم الله أم إسماعيل، لولا أنها عجلت، لكان زمزم عينًا معينًا). وفي حديث إبراهيم بن نافع، فقال أبو القاسم ﷺ : (لو تركته كان الماء ظاهراً). * في هذا الحديث من الفقه أن أول من اتخذ النطاق أم إسماعيل ﵇، والنطاق: هو ثوب تشد به المرأة وسطها بالزيادة تحصن، وإنما فعلته أم إسماعيل لتسحبه على الأرض فيعفي أثرها على سارة. * وفيه أيضًا أن الغيرة من النساء قد كانت في النساء منذ ذلك الزمان. * وفيه أيضًا دليل على أن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إنما ترك أهله بالوادي بأمر الله ، فلا يشرع لغير الأنبياء أن يتركوا أحدًا في مضيعة ولا في مثل ذلك الوادي. * وقوله: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ فإنه شرح حالهم ودعا لهم، فأراد بشرح حالهم أن يخبر أني قد امتثلت ما أمرت به فيهم، وبالدعاء لهم استيداعهم والإيصاء بهم.

стр. 712

* وقول أم إسماعيل: (أالله أمرك بهذا؟) فقال: نعم. فرجعت راضية (٣٦/أ) لأنه من أحيل على ملي فليحتل. والتلوي: التلفت. * وفي الحديث دليل على أن السعي والطلب مشروع، فإن أم إسماعيل سعت تطلب لولدها. وقولها: (صه)، اسم فعل يقتضي الأمر بالإمساك فقولها: (هل عندك غواثُ) يعني فرجًا. قوله: (تحوضه) أي تجعله له حوضًا، ولو أنها تركت الماء على ما فتح الله لكان معينًا ولكنها قصرت طمعها على كفاية لنفسها فوقف الأمر، والمعين: الظاهر الذي تبصره العيون، والسقا: القربة، والجريُّ: الرسول. وقوله: (أنفسهم) أي أعجبهم لنفاسته. * وفيه أيضًا أن الولد يتخذ كسبًا وهو من خير الكسب. * وفيه أن المرأة مسرعة إلى الشكوى لم يكن حالها ملائمة أن تكون زوجة نبي، وبضدها الراضية الشاكرة، فلذلك أمر إبراهيم ولده إسماعيل بمفارقة الأولى وإقرار الثانية. * وفيه أيضًا أن اللحم والماء بمكة دون غيرها من البلاد طعام صالح تستثمر به الأبدان وتصلح عليه. * وفيه أيضًا دليل على أن الإدمان على أكل اللحم مكروه. * وفيه أيضًا أن حسن الهيئة دليل خير ولقول زوجته عن إبراهيم: (أتانا شيخ حسن الهيئة). * وفيه دليل على أن بري النبل من خير صنائع المسلم للرمي، فإنه ينكأ العدو.

стр. 713

* وفيه جواز اشتراط الوالد على ولده الإعانة إذا كان بالغًا. والدوحة: الشجرة. والربوة: هو المكان المرتفع. * وفيه أيضًا أن الحجر لان لقدم إبراهيم حين ضعف كبرًا. قوله: (ينشع للموت) فإنه يفتح فاه كهيئة من ينزع. قوله: (تحقن): أي تجمع الماء. -١١٠٦ - الحديث الحادي والأربعون: (عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام). قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء). * في هذا الحديث من الفقه فضيلة العشر الأول من ذي الحجة، وأنه كذلك من حيث أنه أول شهر حرام بين شهرين حرامين فيه أيام الإحرام من الحاج، وأيام رفع (٣٦/ب) الأصوات بالتلبية وقصد الناس بيت الله الحرام للحج الذي جعل الله فيه لمن شهده منافع. وذكر المنافع بلفظ الجمع للمنكر، وهذا يشتمل على منافع غير محصورة؛ فإن القرآن العظيم إذا شهد بمنفعة فهي التي لا تتعقبها مضرة، وهذا لا يكمل إلا بدخول الجنة إن شاء الله تعالى. وأعمال الحاج لهم وأما غير الحاج فإن أعمالهم في سبل البر التي تمكنهم

стр. 714

سلوكها راجين أن يلحقهم الله بثواب الحاج والمعتمرين، وهذا يتضح بأن صيام يوم عرفة يعدل عامين إلا أنه لا يستحب صيامه للحاج، فيدل على أن عمل الحاج غير عمل من ليس بحاج. -١١٠٧ - الحديث الثاني والأربعون: (عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قالوا: هو فتح المدائن والقصور، قال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد ﷺ ، نعيت إليه نفسه. وفي رواية: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال: فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله : ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، قال لي: بذلك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه، فقال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. وفي رواية: كان ابن الخطاب يُدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله، فقال: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قال: أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه،

стр. 715

قال: ما أعلم منها إلا ما يعلم). * هذا الحديث يدل على أن فهم الرجل يلحقه بذوي الأسنان وإن كان حدثًا، وقد يبرز عليهم. * وفيه أيضًا ما يدل على أن العلم هو في تدبر القرآن واستنباط معانيه. * وهذا الحديث يوحد طريقًا مهيعًا لمتدبري كتاب الله في حمله على (٣٧/أ) كل شيء يتناوله نطقه الشريف. -١١٠٨ - الحديث الثالث والأربعون: (عن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ...﴾). * في هذا الحديث دليل على أن التحريم من جهتين: من جهة النسب ومن جهة السبب، وأن هذا سبع وهذا سبع.

стр. 716

-١١٠٩ - الحديث الرابع والأربعون: (عن ابن عباس: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾. قال: ورثة. ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخاها النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نسختها. ثم قال: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ إلا النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له). * في هذا الحديث دليل على أن ما كان من توارث الأخوين من الأخوة التي آخى النبي ﷺ بين الصحابة فيها نسخ؛ لأن ذلك لضعف المهاجرين، فلما فتح الله الأرض وأغناهم نسخ بالميراث ما كان، فبقيت الوصية والرفادة مستحبتين، وبقي النصر والنصيحة لا ينسخان أبدًا. -١١١٠ - الحديث الخامس والأربعون: (عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: فتزوج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء).

стр. 717

* إنما فضل أكثر هذه الأمة نساءً؛ لأن النكاح يشتمل على مصالح كثيرة: فأولها طلب الولد الذي يجوز أن يكون وليًا لله ، يحفظ به عباده، ويعمر به بلاده: مثل عبد الله بن عباس ﵁، ويكون عالماً مثل عبد الله بن عباس ﵁ الذي حفظ الله سبحانه الأرض بعلمه، وإبقاء ذريته حفظه للأرض، ومن فيها في خلافة رسوله ﷺ بالقيام بأمر الله سبحانه فيهم والدأب في مصالحهم إلى يوم القيامة، ويكون عالماً مجاهدًا عبادًا. * وقد جاء في الحديث: (من غرس شجرة فإنه لا يأكل منها طائر أو يستظل بظلها شخص إلا كتب لغارسها حسنات) فكيف بمن يغرس عبدًا مؤمنًا يصلح به الدنيا كلها، ويهدي إلى الآخرة، ويكون غيظًا لأعداء الله وسرورًا لأولياء الله، أخذًا من الشيطان بلطمة، يقر به أعين المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهذا (٣٧/ب) من أكبر فوائد النكاح. * ومن ذلك عشرة النساء، وذلك يتضمن تعليم الرجل لهن، فإن النساء عورات، وفي تعرضهن لطلب العلم من غير أزواجهن خطر من جهة خوف الفتنة، فإن كان المؤمن عالمًا وكثر نساؤه كان مغنيًا لنسائه ولمن يعلمهن نساؤه من الناس أن يحتجن عن أن يتعلمن من رجل غير ذي محرم. * ومن ذلك أن النساء كما وصفهن رسول الله ﷺ ضلوع عوج، وإن الخلق

стр. 718

الحسن من المؤمن يعتبر بصبره عليهن، ولاسيما إذا كثرن وقايته لما يصلح في مداراتهن والتوصل في الجمع بينهن على رضي الله وطلب ما عنده ومن ذلك إعفافه نفسه وإعفافه إياهن عن الطموح بما يؤتيه الله من فقه في معاشرتهن. * ومن ذلك تحمله نفقاتهن وصبره على كلفتهن. * ومن ذلك أن كثرة النساء للرجل دليل على ذكوريته، فلما كثرن دلت كثرتهن على رجوليته وذكوريته، وقلتهن يدل على قلة ذلك. -١١١١ - الحديث السادس والأربعون: (عن ابن عباس، قال: (هم أهل الكتاب، جزؤوه أجزاء، فقاموا ببعضه وكفروا يبعضه). وفي رواية عن ابن عباس: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض؛ اليهود والنصارى). * الذي كفروا به أهل الكتاب من كتابهم هو ما جحدوه منه، كالإيمان بمحمد ﷺ ، وكآية الرجم وغير ذلك. -١١١٢ - الحديث السابع والأربعون: (عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق

стр. 719

الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم﴾ إلى قوله: ﴿قد ضلوا وما كانوا مهتدين﴾). * في هذا الحديث من الفقه تنبيه ابن عباس على أن يتعرف جهل من جهل من العرب ليحذر ما وقعوا فيه، وليعلم هذه الآيات فيمن نزلت. -١١١٣ - الحديث الثامن والأربعون: (قال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وقد قرأت المحكم. وفي حديث هشيم: جمعت المحكم في عهد رسول الله ﷺ ، فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل). * هذا الحديث يدل على أن ابن عباس لم يكن يحفظ جميع القرآن في عهد رسول الله ﷺ ، وإنما حفظه بعد رسول الله ﷺ ، ومات رسول الله ﷺ ولابن عباس ثلاث عشرة سنة (٣٨/أ). * وقد سبق في مسند ابن مسعود ذكر المفصل.

стр. 720

-١١١٤ - الحديث التاسع والأربعون: (عن ابن عباس، قال: إن أناسًا يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس بها، وهما واليان: قال: وال يرث، وذلك الذي يرزق، ووال لا يرث، وذلك الذي يقول بالمعروف. ويقول: لا أملك لك أن أعطيك. وفي رواية للبخاري عن ابن عباس: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة). * اختلف المفسرون في هذه القسمة على قولين: أحدهما: أنها قسمة ميراث بعد موت الموروث، والخطاب للوارثين، وهذا قول الجمهور. والثاني: أنها وصية الميت قبل موته، فيكون مأمورًا بأن يعين لمن لا يرثه شيئًا. قاله ابن زيد. وعلى ما ذكره ابن عباس يكون المشار بأولي القربى إلى من يرث من القرابات، ويكون قوله: ﴿فارزقوهم﴾ عائدًا إلى الوارث وقوله: ﴿وقولوا لهم قولاً معروفًا﴾ عائدًا إلى من لا يرث.

стр. 721

والأكثرون من المفسرين قالوا: المراد بأولي القربى هاهنا من لا يرث. قال الحسن والنخعي: يعطون من المال ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق بورك فيكم، وهو القول المعروف. -١١١٥ - الحديث الخمسون: (عن سعيد بن جبير أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه من نهر في الجنة؟ فقال سعيد: الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه). * الكوثر: فوعل من الكثرة، والواو زائدة. وقد ثبت أن لرسول الله ﷺ نهرًا أعطاه الله إياه، وسيأتي ذكره في مسند أنس ﵁. -١١١٦ - الحديث الحادي والخمسون: (عن ابن عباس: ﴿إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى﴾. قال عبد الرحمن ابن عوف: وكان جريحًا).

стр. 722

* في هذا الحديث ما يدل على أن الجريح يسمى مريضًا، فكل جريح مريض، وليس كل مريض جريحًا. -١١١٧ - الحديث الثاني والخمسون: (عن ابن عباس، قال النبي ﷺ للمقداد: (إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) (٣٨/ب). * في هذا الحديث ما يدل على التحذير من قتل من يقول: لا إله إلا الله، وذلك أن المقدار خرج في سرية فلقي رجلاً فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه بذلك، فسأل المقداد: (أقتلت رجلاً قال: لا إله إلا الله؟ فكيف لا إله إلا الله؟)، ولأجل هذا قال له رسول الله ﷺ ما ذكره ابن عباس. -١١١٨ - الحديث الثالث والخمسون: (سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.

стр. 723

وفي رواية: قبض النبي ﷺ وأنا ختين). * قد ذكرنا أن ابن عباس كان له عند قبض رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سنة؛ وذلك لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين. وفي هذا الحديث دليل على جواز رواية الصبي للحديث. * وفيه أن الأولى أن لا يختن الصغير، بل يترك إلى حالة الكبر. -١١١٩ - الحديث الرابع والخمسون: (عن ابن عباس: أنه دفع مع رسول الله ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا للإبل وراءه، فأشار بسوطه إليهم، وقال: (أيها الناس، عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع). * في هذا الحديث استحباب أن يدفع الناس من عرفات وعليهم السكينة؛ وهي الرفق بهم وبظهرهم، وأهنأ في ذكرهم لربهم. والبر: الطاعة. والإيضاع: هو الإسراع. -١١٢٠ - الحديث الخامس والخمسون: (كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين: (أعيذكما بكلمات الله

стр. 724

التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ويقول: (إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق). * في هذا الحديث من الفقه أن التعوذ بالقرآن يدفع الله به المكروه، وأن كلمات الله التامة، وهي القرآن لقوله : ﴿وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلاً﴾. * وقد قيل: إن كلمة الله التامة هي قوله: (كن). * وفي (الهامة) قولان: أحدهما: أنها كل نسمة تهم بسوء، قاله ابن الأنباري. والثاني: أن الهامة واحدة الهوم، والهوام هي الحيات، وكل ذي سم يقتل، فأما ما له سم إلا أنه لا يقتل غالبًا فهي السوام: كالعقرب والزنبور. فأما ما يؤذي وليس بذي سم فهي كالقنافد والخنافس. وقد يقع الهامة على كل ما يدب من الحيوان، ومنه قوله ﵊ لكعب: (أيؤذيك (٣٩/أ) هوام رأسك) يعني القمل. * وقوله: (من كل عين لامة) قال أبو عبيد: أصلها من ألمت إلمامًا فأنا مُلم،

стр. 725

كأنه أراد أنها ذات لمم. وقد روي عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه احتج بهذا الحديث على من قال بخلق القرآن، وقال: ما كان رسول الله ﷺ يستعيذ بمخلوق. -١١٢١ - الحديث السادس والخمسون: (عن سعيد، قال رجل لابن عباس: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي؟ قال: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾، ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾، ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾، ﴿ربنا ما كنا مشركين﴾، وقد كتموا في هذه الآية، وقال: ﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله: ﴿دحاها﴾ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ فجعل في هذه الآية خلق الأرض قبل خلق السماء.

стр. 726

وقال: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿سميعًا بصيرًا﴾، فكأنه كان ثم مضى؟ فقال: ﴿فلا أنساب﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم قال في النفخة الآخرة: ﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾. وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾: فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، يقول المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق أبدانهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثًا، وعنده: ﴿يود الذين كفروا﴾ لو كانوا مسلمين. وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، و ﴿دحاها﴾ أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين. ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ سمى نفسه بذلك، وذلك قوله: إني لم أزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاً من عند الله.

стр. 727

وفي رواية البرقاني أن ابن عباس جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ؟ فقد وقع ذلك في صدري، فقال ابن عباس: أتكذيب؟ فقال الرجل: ما هو بتكذيب ولكن (٣٩/ب) اختلاف. قال: فهلم ما وقع في نفسك. فقال له الرجل: أسمع الله يقول: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾. وقال في أخرى: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ فقد كتموا في هذه الآية. وفي قوله: ﴿أم السماء بناها (٢٧) رفع سمكها فسواها (٢٨) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (٢٩) والأرض بعد ذلك دحاها﴾ فذكر في هذه الآية خلق السماء قبل الأرض، وقال في الآية الأخرى: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين (٩) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (١٠) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾، وقوله: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿وكان الله سميعًا

стр. 728

بصيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: هات ما في نفسك من هذا؟ فقال السائل: إذا أنبأتني بهذا فحسبي. قال ابن عباس: قوله: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ فهذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾. وأما قول الله : ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾، وقوله: ﴿لا يكتمون الله حديثًا﴾، فإن الله تعالى يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم لا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركًا، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، تعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: (أما فكتموا الشرك فاختموا على أفواههم) فختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن الله تعالى لا يكتم حديثًا، فكذلك قوله: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً﴾. وأما قوله: ﴿أم السماء بناها (٢٧) رفع سمكها فسواها (٢٨) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (٢٩) والأرض بعد ذلك دحاها﴾ فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، ثم استوى إلى السماء (٤٠/أ) فسواهن في يومين آخرين. يعني

стр. 729

ثم دحى الأرض، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل، وخلق الجبال والرمال والآكام وما فيها في يومين آخرين، فلذلك قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ ـ وقوله: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين (٩) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وجعلت السموات في يومين. وأما قوله: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾، ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾، ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ فإن الله تعالى جعل نفسه ذلك، وسمى نفسه ذلك، ولم ينحله أحدًا غيره، وكان الله أي لم يزل كذلك. قال ابن عباس: احفظ عني ما حدثتك، واعلم أن ما اختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك، فإن الله تعالى لم يزل شيئًا إلا قد أصاب به الذي أراد، ولكن الناس لا يعلمون، ولا يختلفن عليك القرآن فإن كلاً من عند الله . * في هذا الحديث من الفقه أن للعالم الرباني يحدث الناس من العلم على قدر ما يعلم من اختلاف عقولهم له؛ فذكر ابن عباس لهذا السائل على نحو ذلك، وإلا فما يعلمه ابن عباس من علوم هذه الآيات وما كان في كل شيء منها إلا لدحض لشبهة السائل، لو قد كان ممن يصلح فهمه لاحتمال ذلك من علم ابن عباس ما كان مقنعًا كافيًا شافيًا؛ فإن نافع بن الأزرق

стр. 730

سوال غير عربي ولا موفق؛ لأنه كان من الخوارج. -١١٢٢ - الحديث السابع والخمسون: (عن ابن عباس قال: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾، كان الرجل يقدم للمدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء). * في هذا الحديث ما يدل على أن المؤمن لا يجعل إيمانه رهنًا على ما يناله من الدنيا أو يفوته منها، ولكن الله قد وعد أن يبارك لمن أطاعه بقوله : ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾، وأنه قد يهلك حرث من ظلم نفسه (٤٠/ب) لقوله : ﴿أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾؛ إذ الدنيا والآخرة له، وقد يضاعف الأجر لبعض عباده -كما قال :- ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ يعني في الدنيا والآخرة. وقال : ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ فهو سبحانه أعلم

стр. 731

بعباده، وما يصلحون عليه من صحة وسقم، وغنى وفقر، وعز وذل. فيكون مجمل الحديث على من كان عبد الله تعالى على حرف لمعنى يريده من هذه الدنيا، طالبًا أن يغلب الله سبحانه تدبيره فيجعلها دار الجزاء، فلما أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة. * فأما من يعبد الله تعالى لطلب رضاه وإرادة للآخرة، ولأنه لا يستحق العبادة سواه - فآتاه الله أجرين؛ أجرًا في الدنيا وأجرًا في الآخرة، فليس هذا ممن كان عبد الله تعالى على حرف، ولكن عبد الله تعالى على الإخلاص، فأضعف الله سبحانه له. ولقد علم الله أنني ليلة شاهدت في السماء بابًا مفتوحًا، وأنا قائم على قدمي، وكانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فدعوت دعاء كثيرًا في زمان وطال علي، ولا والله لا أحق أنني طلبت في تلك الليلة من الدنيا شيئًا قط؛ لا إمارة ولا وزارة مما أنعم الله تعالى به، ولكن الله سبحانه أنعم من ذلك بما شاء كما شاء. -١١٢٣ - الحديث الثامن والخمسون: (عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي ابن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جامًا من فضة مُخَوَّصًا بذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه، فحلفا:

стр. 732

لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾). * إنما كانت شهادة أهل الكتاب في السفر حيث لا يوجد غيرهم، وقول الله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ فدل على أن غيرنا ليسوا بعدول. وقوله: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنًا (٤١/أ) ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله﴾ وإنما أكدت هذه الشروط عليهم واستظهر عليهم في ذلك لتكونوا على خوف من المخلوقين وتعييرهم؛ لأن خوفهم من الخلق ورجاء لهم إذ لا معرية عندهم الله ، ثم قال: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا﴾ أي خانا ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ أي استحق عليهم الإثم، قوله: ﴿الأوليان﴾ أي فآخران يقومان وهما الأوليان. * فأما الرجل السهمي المذكور في الحديث فاسمه بزيل بن أبي مارية (بالزاي). * والمخوص بالذهب: هو أن يجعل عليه صفائح كالخوص.

стр. 733

-١١٢٤ - الحديث التاسع والخمسون: (عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا؟) فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾). * في هذا الحديث ما يدل على أن جبريل غير محكم في نفسه، وأنه لا يمكنه أن ينزل نزلة ولا يرقى رقيًا إلا بإذن الله . وللمفسرين في قوله: ﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾ قولان: أحدهما: أن ما بين أيدينا هو الآخرة، وما خلفنا الدنيا. قاله سعيد بن جيبر. والثاني: على عكس هذا قاله مجاهد. -١١٢٥ - الحديث الستون: (عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري، حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل، صلى الله على نبينا وعليه).

стр. 734

* في هذا الحديث ما يدل على أن موسى ﵇ احترز في نطقه بما لو قضى معه أدنى الأجلين لم يكن مخالفًا لما وعد به، ثم إنه قضى الأفضل، فجمع في ذلك بين احترازه لقوله وبين وفائه بأكمل وعديه؛ وذلك أن هذه الآيات مما تدل على أن القرآن قول فصل وليس بالهزل، وذلك قوله : ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس﴾، ولم يقل وجد عليه قومًا؛ لأن الأمة تشمل الرجال والنساء والصغار والكبار والشيوخ والشبان. * وقوله: ﴿ووجد من دونهم امرأتين﴾ فذكرهما بنطق دال على بلوغهما مبلغ النكاح بقوله: ﴿امرأتين﴾، ولم يقل: جاريتين ولا صبيتين (٤١/ب)، ثم قال: ﴿تذودان﴾ أن تمنعان الغنم عما يرديان خيارهن عنه، وفي قوله: ﴿تذودان﴾ دليل على كمال صحتهما. فعجب موسى من كون هاتين المرأتين قد اعتزلتا تلك الأمة، وتفرس ذلك أنه لمخالفة ومباينة في العقيدة أو في الدين، فقال: أترى المرأتين قد تنزهتا أن ينكحهما رجلان من تلك الأمة، أم الأمة قد تنزهت أن ينكح رجلان منهم هاتين المرأتين. فرأى أن هذا مما له شأن، فقال: ﴿ما خطبكما؟﴾ والعادة في هذه الكلمة- وهي الخطب- أنها تستعمل في كل أمر مستفخم ومستهول، فأجابتها بأن قالتا: ﴿لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾ وقولهما: ﴿لا نسقى﴾ أبلغ من أن لو قالتا: لم نسق، فإن قولهما: ﴿لا نسقى﴾ أي هذا دأب لنا وعادة، ﴿حتى يصدر الرعاء﴾ أي يعود الرجال عن هذا الماء، ويخلو الماء لنا خلوًا نتمكن فيه من سقي الغنم غير محامتين عن نظر من ينظر إلى ما يبدو من أجسامنا عند معالجة سقي الغنم. * ثم قالتا له: وأيضًا ﴿وأبونا شيخ كبير﴾ فأعلمتاه بهذا القول أننا ليس لنا أزواج؛ إذ لو كان لنا أزواج لكانوا هم الذين يكفونا ذلك، إذ لو كان أبونا ذا

стр. 735

جلد لكان يقوم عنا فيه، ولكنه شيخ كبير، فأشارتا إليه بهذا النطق أنهما من أهل دين فيه ستر العورة ومجانبة المرأة الرجال، ومن أهل مروءة لو كان لنا رجل فكفينا الرعاية لما نريد لما برزنا لذلك، فحينئذ رأى موسى ﷺ أنه قد يغتن عليه إردافهما بأن تصدق عليهما بفضل قوته: ﴿فسقى لهما﴾ ثم انصرف عنهما إلى الظل- كما قال الله . ففي ذلك ما يدل على أنه سقى لهما بغير أجر ولا شرط، وأنه بقدر ما كفا فيما كانتا محتاجتين إليه من سقي الغنم تولى عنهما ولم يمكث ولا أدنى مكث فيتعرض بوقوفه إلى طلب ثواب لذلك السقي، ولو بأن يسقياه شيئًا من لبن شياهمها، ثم أخبر أن فعل ذلك على شدة جوع منه وفقر إلى ما ينزل الله إليه من خير، فلم يستفزه جوعه ولا خدشت ضرورته وجه مروءته، بل تولى إلى (٤٢/أ) الظل، وهنا يدل على أن الظل أفضل من الكون في الشمس ولاسيما لمثل موسى وقد أجهده ما عاناه من السقي؛ ليكون حسن الرعاية لبدنه أيضًا بتوديعه إياه إذ الكون في ظل يستدعي النوم فيرد عليه من قواه ما يستعين به على طاعة ربه. * ثم قال حين انفصل عن المرأتين، واستقر في الظل: ﴿رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾، فهذا دعاء إلى الله ينطق الماضي ويراد به المستقبل، إلا أن في ذلك فائدة، وهي أنه لشدة إيمانه أن الله تعالى لا يغفله وأن رزقه سيأتيه صار المستقبل عنده في حكم الماضى، فقال: ﴿إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾، و ﴿خير﴾ هاهنا نكرة من أي خير كان، فإن حاجتي بلغت إلى أن لا أتشوف ولا أريد الخير المعهود بالألف واللام، ثم

стр. 736

قال: ﴿فقير﴾ نكرة أيضًا، يعني فقيرًا في هذا الخير خاصة، وليست الفقير، والألف واللام الذي تنصرف إلى غير هذا في وقته ذلك. * ثم قال: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ ففي هذا النطق لأن إحسان الظن بأهله مستحب؛ لأن شعيبًا ﵇ لما أخبرتاه بحال موسى وهيئته تفرس فيه الإيمان. ولذلك أرسل إليه إحدى ابنتيه، ولم يرسل معه غيرها اتهامًا. وقوله : ﴿تمشي على استحياء﴾ أي أنها استحيت من أنها امرأة غريبة وهو رجل غريب منها. ويجوز أنها استحيت أن يأتي إلى منزل أبيها فيراه منزل قوم فقراء فاستحيت من ذلك، ويجوز أن يكون استحياؤها من أنها بالغت في وصفه لأبيها، فخافت أن لا يصدق موسى مخبره خبرها عنه، فاستحيت من أن يراها أبوها وقد استخفها حال حتى أفرطت في الوصف فوق المستحق. * وقوله : ﴿قالت إن أبي يدعوك﴾ ولم تقل قم إلينا أو إلى دعوتنا؛ فما كان موسى (٤٢/ب) ﵇ ينصرف مع امرأة ليست بذات محرم منه، ولكن قالت له: ﴿إن أبي يدعوك﴾ فأوجبت عليه المجيء معها إجابة للداعي؛ فإن إجابة الداعي متعينة، ثم قالت: ﴿يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ يعني إنك قد سعيت بالإحسان فأسلفت المعروف فقم لتقضي حقك، وهذا مما يدعوه إلى القيام، ثم فيه من حسن تأتيها أنها لم تستجرء أن تقول: قم إلى كرامتنا وهو قد سبق بالإكرام، ولكن قالت: ﴿ليجزيك

стр. 737

أجر ما سقيت لنا﴾ ليكون أتى في قضاء ما سلف لك من الإحسان أولاً، ثم حينئذ تكون الكرامة- أي منا- إن كانت. ففي هذا ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن ينسى الحق عليه ويذكر الحق له. فيقال إنه قال لها: إني أمشي بين يديك وكوني دليلتي من وراءي لتذكري لي الطريق يمينًا وشمالاً كراهية أن يمشي وراء امرأة فتصف الريح بدنها، وهذا يدل عليه نص القرآن في قوله : ﴿فلما جاءه وقص عليه﴾ أي كان هو أولهما لقاء له، وقوله: ﴿وقص عليه القصص﴾ يعني موسى فعرف شعيب أن موسى قد خرج مهاجرًا إلى الله وخائفًا من أعداء الله، فعلم شعيب أن كل خارج إلى الله وخائف من عدو من أعداء الله منجيه ومؤمنه، فقال له: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾، ويجوز أن يكون قال له: ﴿لا تخف﴾ في مستقبل الحال؛ فإنك قد نجوت من القوم الظالمين. * ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ وهذا من قولها يدل على أن أباها متطلع إلى وجود شخص يصلح لصحبته ليستأجره فيصون به ابنتيه عن البذلة، فقالت: ﴿يا أبت استأجره﴾ فأمرته أمرًا لا يصلح أن يكون إلا عن علم بأنه قد كان مزمعًا عليه مريدًا له، ثم وصفت موسى بأحسن وصف يوصف به رجل؛ وهو الجمع بين القوة والأمانة، فإنهما خلتان قلما اجتمعتا في رجل إلا وكان عالمًا في وقته؛ وذلك أن القوة قد يعوزها كثيرًا من الأمانة فيشيبها الخيانة، كما أن الخيانة يعوزها القوة فيشيبها الضعف، فإذا أجمعت القوة والأمانة ازدانت كل منهما بالآخر. فقالت: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ فقال هو حينئذ لموسى:

стр. 738

﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ فبدأه بالخطبة (٤٣/أ) فدلك ذلك على جواز أن يخطب الرجل ابنته من الآخر قبل أن يبدأه الرجل بذلك، ولذلك فعل عمر؛ خطب حفصة إلى أبي بكر ثم عثمان ﵃ كما تقدم. * وقال: ﴿إحدى ابنتي هاتين﴾ ولم يعين واحدة منهما ليجعل التخيير إليه، وليعلمه أنه ليس له حاجة إلى تزويج واحدة منهما دون الأخرى، وإنما الغرض فيك وفي مصاهرتك، إلا أنه أشار له في هذا النطق الذي يأتي إلى أمر سر عظيم ومقصد كريم؛ وذلك أنه لما جازاه رأى عنده دلائل النبوة، فقال: إن هذا فيه من أمارات النبوة ما لم يبق في استثنائي لها إلا بأن أذكر له حال النكاح ما أخيره فيه بين أمرين متى اختار أحدهما دخل ذلك عليه بوهن، فإن هو خرج منهما فهو نبي حقًا. * فقال: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ أي تكون أجيرًا إلى ثماني حجج أو تعطيني أجر بضع ابنتي ثماني حجج من رعايتك، ﴿فإن أتممت عشرًا فمن عندك﴾، وذلك أولى لأنه إن كان قد قال موسى أجيبك على أن تكون المدة ثماني سنين لا سيبخله، وقال: أخيره في أمرين أحدهما أجود لي والآخر هو أجود له، فيختار الأجود له على الأجود لي، فهذا مما يستدل به على البخل أو لو أظهر إجابته إلى المدة الكاملة لاستجهله، وقال: أخيره بين أمرين أحدهما أقصر مدة والآخر أطول فيختار الأطول مطاوعًا فيه اتباع الأمل وترك الاحتياط لنفسه فهذا يدل على الجهل، فلما حرج موسى من ذلك بأن ﴿قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي﴾؛ عرف

стр. 739

حينئذ أن هذا جواب نبي كريم ثم قال: ﴿والله على ما نقول وكيل﴾، ثم قال : ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ فكان قضاءه الأكثر، مع كونه اشترط شرطًا يحتاط فيه للأول أحسن من أن لو اشترط الأكثر فأتى به أو ذكر الأول فزاد عليه. -١١٢٦ - الحديث الحادي والستون: (عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا). * هذا الحديث يدل على أن تحريم الربا؛ لأنه (٤٣/أ) نزل أخيرًا فلم يعقبه تغيير، ثم هذا المذكور هو مذهب ابن عباس. وقد روي عن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطية، ومقاتل: أن آخر آية نزلت: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى اللهْ﴾. وقد روي عن البراء بن عازب: أن آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتتيكم في الكلالة﴾. وروي عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾.

стр. 740

-١١٢٧ - الحديث الثاني والستون: (عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (أخبأت لك خبأ) قال: فما هو؟ قال: (الدُّخُّ) قال: (اخْسأ). * قد ذكرنا تفسير هذا في مسند ابن مسعود. -١١٢٨ - الحديث الثالث والستون: (عن أبي الشعثاء قال: ومن تتقي شيئًا من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يُستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال: لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين). * السنة المعمول عليها استلام الركنيين اليمانيين، وأن رسول الله ﷺ لو استلم
следующие страницы →