← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال: ﴿فقير﴾ نكرة أيضًا، يعني فقيرًا في هذا الخير خاصة، وليست الفقير، والألف واللام الذي تنصرف إلى غير هذا في وقته ذلك. * ثم قال: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ ففي هذا النطق لأن إحسان الظن بأهله مستحب؛ لأن شعيبًا ﵇ لما أخبرتاه بحال موسى وهيئته تفرس فيه الإيمان. ولذلك أرسل إليه إحدى ابنتيه، ولم يرسل معه غيرها اتهامًا. وقوله : ﴿تمشي على استحياء﴾ أي أنها استحيت من أنها امرأة غريبة وهو رجل غريب منها. ويجوز أنها استحيت أن يأتي إلى منزل أبيها فيراه منزل قوم فقراء فاستحيت من ذلك، ويجوز أن يكون استحياؤها من أنها بالغت في وصفه لأبيها، فخافت أن لا يصدق موسى مخبره خبرها عنه، فاستحيت من أن يراها أبوها وقد استخفها حال حتى أفرطت في الوصف فوق المستحق. * وقوله : ﴿قالت إن أبي يدعوك﴾ ولم تقل قم إلينا أو إلى دعوتنا؛ فما كان موسى (٤٢/ب) ﵇ ينصرف مع امرأة ليست بذات محرم منه، ولكن قالت له: ﴿إن أبي يدعوك﴾ فأوجبت عليه المجيء معها إجابة للداعي؛ فإن إجابة الداعي متعينة، ثم قالت: ﴿يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ يعني إنك قد سعيت بالإحسان فأسلفت المعروف فقم لتقضي حقك، وهذا مما يدعوه إلى القيام، ثم فيه من حسن تأتيها أنها لم تستجرء أن تقول: قم إلى كرامتنا وهو قد سبق بالإكرام، ولكن قالت: ﴿ليجزيك

стр. 737

أجر ما سقيت لنا﴾ ليكون أتى في قضاء ما سلف لك من الإحسان أولاً، ثم حينئذ تكون الكرامة- أي منا- إن كانت. ففي هذا ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن ينسى الحق عليه ويذكر الحق له. فيقال إنه قال لها: إني أمشي بين يديك وكوني دليلتي من وراءي لتذكري لي الطريق يمينًا وشمالاً كراهية أن يمشي وراء امرأة فتصف الريح بدنها، وهذا يدل عليه نص القرآن في قوله : ﴿فلما جاءه وقص عليه﴾ أي كان هو أولهما لقاء له، وقوله: ﴿وقص عليه القصص﴾ يعني موسى فعرف شعيب أن موسى قد خرج مهاجرًا إلى الله وخائفًا من أعداء الله، فعلم شعيب أن كل خارج إلى الله وخائف من عدو من أعداء الله منجيه ومؤمنه، فقال له: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾، ويجوز أن يكون قال له: ﴿لا تخف﴾ في مستقبل الحال؛ فإنك قد نجوت من القوم الظالمين. * ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ وهذا من قولها يدل على أن أباها متطلع إلى وجود شخص يصلح لصحبته ليستأجره فيصون به ابنتيه عن البذلة، فقالت: ﴿يا أبت استأجره﴾ فأمرته أمرًا لا يصلح أن يكون إلا عن علم بأنه قد كان مزمعًا عليه مريدًا له، ثم وصفت موسى بأحسن وصف يوصف به رجل؛ وهو الجمع بين القوة والأمانة، فإنهما خلتان قلما اجتمعتا في رجل إلا وكان عالمًا في وقته؛ وذلك أن القوة قد يعوزها كثيرًا من الأمانة فيشيبها الخيانة، كما أن الخيانة يعوزها القوة فيشيبها الضعف، فإذا أجمعت القوة والأمانة ازدانت كل منهما بالآخر. فقالت: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ فقال هو حينئذ لموسى:

стр. 738

﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ فبدأه بالخطبة (٤٣/أ) فدلك ذلك على جواز أن يخطب الرجل ابنته من الآخر قبل أن يبدأه الرجل بذلك، ولذلك فعل عمر؛ خطب حفصة إلى أبي بكر ثم عثمان ﵃ كما تقدم. * وقال: ﴿إحدى ابنتي هاتين﴾ ولم يعين واحدة منهما ليجعل التخيير إليه، وليعلمه أنه ليس له حاجة إلى تزويج واحدة منهما دون الأخرى، وإنما الغرض فيك وفي مصاهرتك، إلا أنه أشار له في هذا النطق الذي يأتي إلى أمر سر عظيم ومقصد كريم؛ وذلك أنه لما جازاه رأى عنده دلائل النبوة، فقال: إن هذا فيه من أمارات النبوة ما لم يبق في استثنائي لها إلا بأن أذكر له حال النكاح ما أخيره فيه بين أمرين متى اختار أحدهما دخل ذلك عليه بوهن، فإن هو خرج منهما فهو نبي حقًا. * فقال: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ أي تكون أجيرًا إلى ثماني حجج أو تعطيني أجر بضع ابنتي ثماني حجج من رعايتك، ﴿فإن أتممت عشرًا فمن عندك﴾، وذلك أولى لأنه إن كان قد قال موسى أجيبك على أن تكون المدة ثماني سنين لا سيبخله، وقال: أخيره في أمرين أحدهما أجود لي والآخر هو أجود له، فيختار الأجود له على الأجود لي، فهذا مما يستدل به على البخل أو لو أظهر إجابته إلى المدة الكاملة لاستجهله، وقال: أخيره بين أمرين أحدهما أقصر مدة والآخر أطول فيختار الأطول مطاوعًا فيه اتباع الأمل وترك الاحتياط لنفسه فهذا يدل على الجهل، فلما حرج موسى من ذلك بأن ﴿قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي﴾؛ عرف

стр. 739

حينئذ أن هذا جواب نبي كريم ثم قال: ﴿والله على ما نقول وكيل﴾، ثم قال : ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ فكان قضاءه الأكثر، مع كونه اشترط شرطًا يحتاط فيه للأول أحسن من أن لو اشترط الأكثر فأتى به أو ذكر الأول فزاد عليه. -١١٢٦ - الحديث الحادي والستون: (عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا). * هذا الحديث يدل على أن تحريم الربا؛ لأنه (٤٣/أ) نزل أخيرًا فلم يعقبه تغيير، ثم هذا المذكور هو مذهب ابن عباس. وقد روي عن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطية، ومقاتل: أن آخر آية نزلت: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى اللهْ﴾. وقد روي عن البراء بن عازب: أن آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتتيكم في الكلالة﴾. وروي عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾.

стр. 740

-١١٢٧ - الحديث الثاني والستون: (عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (أخبأت لك خبأ) قال: فما هو؟ قال: (الدُّخُّ) قال: (اخْسأ). * قد ذكرنا تفسير هذا في مسند ابن مسعود. -١١٢٨ - الحديث الثالث والستون: (عن أبي الشعثاء قال: ومن تتقي شيئًا من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يُستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال: لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين). * السنة المعمول عليها استلام الركنيين اليمانيين، وأن رسول الله ﷺ لو استلم

стр. 741

الركنين الآخرين لأخرج الحجر من البيت، وقد قال: (الحجر من البيت). -١١٢٩ - الحديث الرابع والستون: (عن عمرو قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحُمُرِ الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم عمرو بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر عن ابن عباس، وقرأ: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرمًا﴾). * قد سبق الكلام في هذا الحديث. -١١٣٠ - الحديث الخامس والستون: (عن ابن جمرة الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم؛ فإن رسول الله ﷺ قال: (إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء. أو قال: بماء زمزم).

стр. 742

* هذا الحديث قد سبق تفسيره. والتداوي بماء زمزم شربه. -١١٣١ - الحديث السادس والستون: (عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت، بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ ، في مسجد عبد القيس، بجواثا من البحرين) * في هذا الحديث ما يدل على فضيلة جواثا؛ إذ كانت تابعة للمدينة في التجميع بها -١١٣٢ - الحديث السابع والستون: (٤٤/أ) (عن ابن عباس ﵁ أن عليًا ﵇ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفى فيه فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا). * قد تقدم المتن بطوله في مسند علي ﵇، وكذلك سبق الكلام

стр. 743

فيه. -١١٣٣ - الحديث الثامن والستون: (عن ابن عباس قال: اشتد غضب الله على من قتله نبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبي الله ﷺ ). * في هذا الحديث أن النبي ﷺ بعث رحمة، فإذا عند عليه من آمنه من يقتله بيده- فقد اشتد غضب الله على المقتول. * ولذلك ينبغي أن يكرم وجه رسول الله ﷺ ، فإذا أدت قومًا شقوتهم إلى أن دموه- فقد اشتد غضب الله عليهم. -١١٣٤ - الحديث التاسع والستون: (عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾).

стр. 744

* في هذا الحديث دليل على أن التزود للسفر متعين، ومن قال: إني أسافر متوكلاً بغير زاد- كما تدعي طائفة من المتصوفة- فإنه على خلاف الشرع، فإن رسول الله ﷺ تزود لخروجه إلى الكفار إلى المدينة. والتوكل: إنما هو اعتماد القلب على الله ، لا أنه رفض الأسباب في الظاهر، بل لو قد رأى رجل مؤمن الأسباب تكسبه سكونًا إليها أو اعتمادًا عليها فخاف من ذلك فرفضها لكان أفضل، كمن خاف بكاء طفل له فطرده عنه، ولو دارى الصبي ليصحب ويعطى مقادته لكان أفضل له. وهكذا فإن النفوس إذا سكنت للأسباب، فالسنة أن تعالج من استصحاب الأسباب؛ ليجمع بين مجهادة النفس في ترك السكون إلى سبب، وبين اتباع السنة في اتخاذ الزاد وحمل السلاح وغير ذلك. فقد حدثني الشيخ محمد بن يحي- ﵀ فقال: خرجت من زبيد مع شيخ أعجمي اسمه (محمد) من الصالحين حتى ركبنا في البحر، وذكر قصة عجيبة إلى أن قال: فصعدنا في ساحل البحر بالسرين، ولم يكن معنا إلا كوز من ماء للشيخ وعبية فيها دقيق للشيخ أيضًا (٤٤/ب)، قال: فطفق الجراية الدقيق بالساحل لمكس من يصل من الحاج مطوفون لذلك. قال: فجلس الشيخ وجلست إزاءه، فأغفينا وغمضت عيني، ثم فتحتها ولسنا في الموضع الذي كنا فيه، وكان يقول: لا أرى إلا أن الله تعالى أعد منها بحيث كنا ولو وجدنا في الموضع الذي صرنا إليه فإن الحال كانت أشد سرعة من أن يكون بنقل أو تحويل، قال: فعطشت قال: فجعلت أستسقي من الله الماء، قال: فالتفت

стр. 745

الشيخ إليَّ غضبًا، وقال: يا محمد، أي شيء هذا؟ سوء الأدب، ثم مد يده إلى الأرض فاستل لي قرصًا، فقلت: ما أصنع بالطعام؟ وإنما أريد الماء. قال الشيخ محمد بن يحي: فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت في الحال سقيفة تصورت علي وعليها مرشوشة فيها سقاء مترع ملآن. فقال لي: اشرب فشربت. قال الشيخ محمد بن يحي: ثم قال لي الشيخ: نرجع إلى حيث كنا، ونأتي بالعبية والكوز. قال الشيخ محمد بن يحي: ولا أراه أمرني بذلك لئلا يترك السنة في حمل الزاد، وإلا فمن هذه حالهم ما يصنع بالعبية والكوز، وذكر بقية الحال التي جرت لهما. وقد حصل مقصودنا منها في هذا القدر الذي اقتضبناه. -١١٣٥ - الحديث السبعون: (عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾. قال: هي رؤيا عين، أريها للنبي ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ هي شجرة الزقوم). * قد سبق الكلام في الإسراء، وإنما كانت هذه الرؤيا فتنة لأن من آمن بالله سلم، ومن كفر هلك.

стр. 746

فإن قال قائل: لو كانت رؤية بالعين لقال الرؤية، فلما قال: الرؤيا دلت على أنها كانت في النوم. فقد أجاب عن هذا أبو بكر الأنباري، فقال: المختار في هذا أن تكون الرؤيا يقظة، ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين. -١١٣٦ - الحديث الحادي والسبعون: (عن ابن الأسود محمد بن عبد الرحمن قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين (٤٥/أ) على عهد رسول الله ﷺ يأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿إن اللذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ الآية). * في هذا الحديث من الفقه أنه نهاه أن يكون مكثرًا للسواد في الفتنة.

стр. 747

-١١٣٧ - الحديث الثاني والسبعون: (عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه بملحفة، وقد عصب رأسه بعصابة دسماء، حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس كمنزلة الملح في الطعام، فمن تولى منكم شيئًا يضر فيه قومًا وينفع آخرين، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئتهم، فكان آخر مجلس جلسه النبي ﷺ . وفي حديث أحمد بن يعقوب: رأسه ملحفة متعطفًا بها على منكبيه. وفي حديث إسماعيل بن أبان: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس إليّ) فقاموا إليه، ثم قال: (أما بعد، فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس) ثم ذكره نحوه). * فيه من الفقه أن المريض قد يخرج للحاجة. * وفيه أن التحاف المريض أصون له, والدسماء هي السوداء. * وفيه ما يدل على فضيلة الأنصار وتشبيههم بالملح لأنه يطيب كل طعام. * وفيه إشارة مفهومة إلى أن الأنصار ليس لهم في الأمر شيء؛ لأن النبي ﷺ -

стр. 748

أوصى بهم المهاجرين، وقال: (من تولى منكم شيئًا فليقبل من محسنهم) ولم يوص إليهم. * وفيه أن رسول الله ﷺ لطف بهم في إخراجهم من الأمر بهذا لطفًا. خرج أحسن مخرج بحيث فهمه أهل العلم عنه في تأكيد الحفظ لهم؛ ولأنه يقطع التجاذب في الأمر بعده من المهاجرين والأنصار. * وقوله: (يقلون ويكثر الناس) يجوز أن يكون أراد به في العدد، ويجوز أن يكون فيه إشارة إلى أنهم يلون شيئًا. -١١٣٨ - الحديث الثالث والسبعون: (عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (هذه وهذه سواء) يعني الخنصر والإبهام في الدية). * قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث أصل في كل شيء من الجنايات لا يضبط، فيعلم قدره ويوقف على كميته؛ فإنه إذا كان كذلك ولم يكن اعتباره من طريق المعنى، كان الحكم منه معتبرًا من طريق الاسم كالأصابع والأسنان (٤٥/ب) وإن اختلف جمالها أو منافعها. ومعلوم أن الإبهام من القوة والمنفعة ما ليس للخنصر، ثم جعلت ديتها سواء، والعلة في ذلك أنه لا يضبط ولا يوقف على دقائق معانيه، فحمل الأمر

стр. 749

على الاسم. * ولا أرى هذا كما ذكروا، وأي شيء لاتفاق المسمى في إيجاب الديات، وإنما عندي أن ذلك لأن كل واحد من الأصبعين الكبرى لا يتمكن من عملها إلا بوجود الصغرى معها، فلو قد عدم الخنصر لما أمسك الإبهام، كما لو عدم الإبهام أمسك الخنصر، فلما كانت هذه في طرف وهذه في طرف وكل واحدة منهما بها قوام الأخرى جعلت ديتهما واحدة ليعلم الخلق أن خلق الله سبحانه ما فيه من تفاوت. -١١٣٩ - الحديث الرابع والسبعون: (عن ابن عباس قال: رأيته عبدًا- يعني زوج بريرة- وكأني أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة، يبكي عليها. وفي رواية للبخاري: كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له مُغيثُ، عبدًا لبني فُلانٍ، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة. وفي رواية: أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له المغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: (يا عباس، ألا تعجب من حُب مغيث بريرة، ومن بُغض بريرة مغيثًا)، فقال النبي ﷺ : (لو راجعتيه؟) فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: (إنما أشفع). قالت: لا حاجة لي فيه).

стр. 750

* هذا طرف من حديث بريرة، وسيأتي الكلام فيه مشروحًا إن شاء الله. -١١٤٠ - الحديث الخامس والسبعون: (عن عكرمة قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أب القاسم ﷺ . وفي رواية: رأيت رجلاً عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس، فقال: أو ليس تلك صلاة رسول الله ﷺ ، لا أم لك؟). * هذه الإشارة إلى التكبيرات التي تكون في الصلاة الرباعية، ومجموع التكبيرات في الصلوات الخمس هي أربع وتسعون تكبيرة. -١١٤١ - الحديث السادس والسبعون: (عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. وفي رواية: لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال (٤٦/أ) والمترجلات من النساء، وقال: (أخرجوهم من بيوتكم). وأخرج النبي ﷺ -

стр. 751

فُلانة، وأخرج عمر ﵁ فُلانُا). * في هذا الحديث ما يدل على تحريم التخنيث، وأن يدخل المخنث على النساء، وذلك أن الله جعل الخلق زوجين اثنين: ذكرًا وأنثى، فجعل الذكر حالة البروز والسعي والحرب، وجعل النسوان ذوات قرار في بيوتهن ونهاهن عن التبرج؛ وذلك لأن شغلهن البيوت، فهن يخلفن الرجال في ذلك، كما يقوم الرجال عليهن في الكسب والحرب وحماية الذمار وغير ذلك. فإذا أخلف أحد الرجال في التشبه بالنسوان كان ذلك مخالفًا لما خلقه الله له وكذلك المرأة. -١١٤٢ - الحديث السابع والسبعون: (قال ابن عباس: قد أحصر رسول الله ﷺ ، فحلق، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عامًا كاملاً). * هذا طرف من حديث الحديبية سيأتي ذكره. -١١٤٣ - الحديث الثامن والسبعون: (عن ابن عباس قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر الصلاة، فنحن

стр. 752

إذا سافرنا فأقمنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتمننا). * هذا رأي انفرد به ابن عباس والعمل على غيره. -١١٤٤ - الحديث التاسع والسبعون: (عن عكرمة ﴿وكأسًا دهاقًا﴾ قال: ملأى متتابعة. قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: أسقنا كأسًا دهاقًا). * الدهاق: الملأى. وقد زاد من عنده: إنها متتابعة، والذي يدل على ما استدل عليه من تتابعها أنه لما رأى امتلاءها دل على أخذها من شيء واسع لا يقف على حصر استدعى سرعة عودها إليها لتملى فلذلك قال: متتابعة. -١١٤٥ - الحديث الثمانون: (عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (هي في العشر، في تسع يمضين، أو في سبع يبقين) يعني ليلة القدر. وفي رواية: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى).

стр. 753

وفي رواية: (التمسوها في أربع وعشرين) موقوف). * قد مضى الكلام في ليلة القدر في مواضع. -١١٤٦ - الحديث الحادي والثمانون: (عن ابن عباس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾، الآية. قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته؛ إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاء زوجوها (٤٦/ب)، وإن شاء لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك). * هذه سيرة كانت للجاهلية، فأزالها الله بهذه الآية.

стр. 754

-١١٤٧ - الحديث الثاني والثمانون: (عن ابن عباس قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة). * قال أبو عبيد: (المحاقلة: بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، وهو مأخوذ من الحقل، وهو الذي يسميه أهل العراق القراح). * والمزابنة: هو بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر. * وإنما جاء النهي في هذا؛ لأنه في الكيل وليس يجوز شيء من الكيل والوزن إذا كانا من جنس واحد إلا مثلاً بمثل ويدًا بيد، وهذا مجهول لا يعلم أيهما أكثر. -١١٤٨ - الحديث الثالث والثمانون: (عن عكرمة، قال: أتى عليٌ ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، قال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله). ولقتلتهم؛ لقول رسول الله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه).

стр. 755

* في هذا الحديث دليل على أن الحدود لا تستوفى بالنار، فإن رأى الإمام أن اعتماد ذلك يزيد الإمام فخامة في قلوب الزائغين، فقد روي أن أبا بكر ﵁ قذف بعض أهل الردة في النار. * وفيه أن الزنادقة قد بدلوا دين الله، فكل من ينكر البعث فحكمه حكم الزنديق. قال ابن دريد وقال أبو حاتم: الزنديق فارسي معرب. -١١٤٩ - الحديث الرابع والثمانون: (عن ابن عباس قال: قرأ النبي ﷺ فيما أمر وسكت فيما أمر ﴿وما كان ربك نسيًا﴾، و ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾). * هذا محمول من ابن عباس على الجهر والإخفات في الصلوات، وأن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الليل ولم يجهر في صلاة النهار والراتبة؛ وذلك لأن قولنا قد سبق في أن سلطان السمع ينفد ليلاً كما أن سلطان البصر ينفد نهارًا فكان السمع فيه أبلغ في تأتيه إلى القلب، ولما كان النهار مظنة اشتغال الناس. * وفيه نفاذ البصر كان الإسرار فيه أنسب لحاله، وأما صلاة الجمعة والعيدين فإن كلاً من ذلك يجتمع له ولا يتكرر فعله في كل يوم، فأما صلاة الجنازة فإن الإخفات فيها على أن (٤٧/ أ) الغالب فيها يكون نهارًا إلا من ضرورة

стр. 756

فأشبهت صلاة النهار. -١١٥٠ - الحديث الخامس والثمانون: (عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ (لو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي). وفي رواية: (ولكن أخوة الإسلام أفضل). وفي رواية: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إنه ليس من الناس أحد أمن عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في المسجد، غير خوخة أبي بكر). وفي رواية عن أيوب: أما الذي قال رسول الله ﷺ : (لو كنت متخذًا من هذه الأمة خليلاً لاتخذته، ولكن خلة الإسلام أفضل - أو قال: خير-، فإنه أنزله أبًا، أو قال: قضاه أبًا - يعني الجد -). * قد سبق هذا في مسند ابن مسعود.

стр. 757

* وقوله: (سدوا عني كل خوخة) الخوخة: باب صغير، وهذا تمييز لأبي بكر ﵁ لأمنه إياه. * وقوله: (فإنه أنزله أبًا) يعني أن مذهب أبي بكر ﵁ أن الجد في مقام الأب في الميراث. -١١٥١ - الحديث السادس والثمانون: (عن ابن عباس قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني ما أعتب عليه في خلق ولا في دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : (أتردين عليه حديقته) قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة). * هذا الحديث هو أصل في الخلع ورد ما أخذته المرأة. * وهو أول خلع في الإسلام. واختلف العلماء هل يجوز للزوج أن يأخذ من التي تطلب الخلع أكثر مما أعطاها. فقال عمر، وعثمان، وابن عباس، ومجاهد، والنخعي، والشافعي: يجوز. وقال علي، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وابن جبير، والزهري، وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين: لا يجوز. -١١٥٢ - الحديث السابع والثمانون: (عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سجد (بالنجم) وسجد معه المسلمون

стр. 758

والمشركون، والجن والإنس) (٤٧/ ب). * والسجدة في هذه السورة من عزائم السجود إلا عند مالك. -١١٥٣ - الحديث الثامن والثمانون: [عن ابن عباس قال: انتشل النبي ﷺ عرقًا من قدر، فأكل ثم صلى، ولم يتوضأ. وفي لفظ: تعرق النبي ﷺ كتفًا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ). * قد سبق بيان هذا وفسرنا العرق، ومعنى (انتشل): أي أخذه قبل تمام النضج، وقد بينا أن هذا ناسخ لقوله: (توضأوا مما مست النار). -١١٥٤ - الحديث التاسع والثمانون: (عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل

стр. 759

عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : (مُرهُ فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه). * أما أبو إسرائيل فاسمه قيصر العامري، وليس في جميع الصحابة من كنيته أبو إسرائيل غيره، ولا من اسمه قيصر سواه، ولا له ذكر إلا في هذا الحديث. وإنما أمضى رسول الله ﷺ من فعله الصوم خاصة ورد باقي ذلك. -١١٥٥ - الحديث التسعون: (عن أيوب قال: ذكر عن عكرمة شر الثلاثة فقال: قال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ وقد حمل قُثم (٣) بين يديه، والفضل خلفه، أو قُثم خلفه، والفضل بين يديه، فأيهم شرٌ، أو أيهم خير؟ وفي رواية: لما قدم النبي ﷺ مكة، استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل

стр. 760

واحدًا بين يديه والآخر خلفه). * قد سبق الكلام في هذا، وقد تقدم أن النبي ﷺ أردف وراءه وبين يديه. * وقوله: (شر الثلاثة) شيء تقوله العامة لا أصل له. -١١٥٦ - الحديث الحادي والتسعون: (عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين، وإن لم يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون- صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عُذب، وكُلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ). * المستمع إلى حديث من لا يحب استماعه سارق، إلا أنه لم يسرق بتناول دراهم فكانت تقطع، ولكنه تناول ذلك عن باب السمع، فصب فيه الآنك. والآنك: نوع من الرصاص فيه صلابة. * فأما كون المحلم في نومه يكلف العقد بين شعيرتين (٤٨/أ)، فكأنه الذي

стр. 761

أرى عينيه ما لم تريا مكلف عمل ما لا ينعمل عذابًا له من جنس ذنبه. -١١٥٧ - الحديث الثاني والتسعون: (عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عن النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : (البينة أو حدٌ في ظهرك) قال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: (البينة وإلا حَدٌ في ظهرك). فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إن كان من الصادقين﴾ فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: (إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي ﷺ : (أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأيتين، خذلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء)

стр. 762

فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : (لولا ما مضى من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن). * قد مضى الكلام في هذا الحديث. * وقوله: (إنها موجبة) المعنى أن هذه المرة توجب عذاب الله تعالى. * وتلكأت أي تباطأت عن إتمام اللعان. * والسبوغ: التمام. * والخدلج: هو الممتلئ الساقين. * وقوله: (لولا ما مضى من كتاب الله) يعني قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد﴾، (لكان لي ولها شأن﴾ يعني الرجم. -١١٥٨ - الحديث الثالث والتسعون: (عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها. فقال: يا رسول الله ﷺ ، إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: (اسقني) فشرب منه،

стр. 763

ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: (اعملوا، فإنكم على عمل صالح)، ثم قال: (لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل (٤٨/ب) على هذه) يعني عاتقه). * في هذا الحديث دليل على استحباب الشرب من حيث يشرب المسلمون، ويضعوا أيديهم فيه فإنه يزيده بركة، إلا أن هذا ينصرف إلى المسلمين الذين تعلم منهم الطهارة، فأما من يخاف منه أن لا يبالي بالنجاسة فإن من تحرج عما يمسه لم ألمه إلا أنه مباح ما لم يتيقن نجاسة. * وفيه أيضًا ما يدل على أن ترك العمل الفاضل لخوف أن يتأذى منه مضرة جائز؛ لأن النبي ﷺ عرفهم فضيلة العمل وعرفهم عذره كيف لم يعمل. * وقد دل الحديث على فضل سقي الماء، وأنه من أفضل القربات. -١١٥٩ - الحديث الرابع والتسعون: (عن ابن عباس قال: نهى النبي ﷺ أن يشرب في السقاء). * هذا الحديث يتضمن الإشفاق على الشارب؛ لأنه ربما كان في الإناء دبيب وقد لا يتهنا بالشرب.

стр. 764

-١١٦٠ - الحديث الخامس والتسعون: (عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: وهو في قبة يوم بدر: (اللهم، أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد هذا اليوم)، فأخذ أبو بكر ﵁ بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، فخرج في الدرع، وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). * قد سبق الكلام في هذا في مسند عمر ﵁. * وإن معنى (إن تشأ): ما تشاء لا تعبد. * وقوله: (ألححت على ربك): يدل على أن الإلحاح في الدعاء جائز. -١١٦١ - الحديث السادس والتسعون: (عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل على أعرابي يعوده، فقال: (لا بأس عليك، طهور إن شاء الله). فقال الأعرابي: طهور؟! بل حُمَّى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال النبي ﷺ : (فنعم إذًا). وفي حديث مَعلَّي بن أسد: دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي ﷺ -

стр. 765

إذا دخل على مريض يعوده قال: (لا بأس، طهور إن شاء الله) فقال: قلت: طهور؟! بل حُمَّى تَفُورُ، على شيخ كبير، تزيره القبور). * في هذا الحديث ما يدل على أن المسلم إذا قال له أخوه المسلم كلمة بشرى وحمل حالاً له على محمل - فينبغي أن يتقبل ذلك ويرى أن الله تعالى أنطق ذلك المتكلم. * وفيه أيضًا دليل (٤٩/أ) على أنه لم يقبل البشرى وتأول الكلام على الحالة السوآى كان له ما اختار لنفسه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فنعم إذًا) أي لما حملت أنت الأمر على الحال السيئة كان ذلك. -١١٦٢ - الحديث السابع والتسعون: (عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت، وهو على بعير، فلما أتى الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبر). * قد مضى الكلام على هذا الحديث.

стр. 766

-١١٦٣ - الحديث الثامن والتسعون: (عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: (هذا جبريل أخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب). * إن كان يريد بهذا أن جبريل كان راكبًا، ففي هذا تعليم للغزاة أن لا يهمل الراكب رأس فرسه، وإن كان جبريل كان آخذًا برأس فرسه يقوده، فهو تعليم للناس تر فيه مراكبهم إلى زمان الحاجة إلى القتال. * وأداة الحرب: آلاته. -١١٦٤ - الحديث التاسع والتسعون: (عن ابن عباس قال: (إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حُرمَتْ عليه) موقوف). * وهذا لأنه ليس للمشرك أن ينكح مسلمة.

стр. 767

-١١٦٥ - الحديث المائة: (عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء). * هذه كلمة طيبت قلوب النساء وحرست عرض رسول الله ﷺ من ظنون الجاهلين، وتثبت أن رسول الله ﷺ لا يأمر إلا بمعروف. -١١٦٦ - الحديث الأول بعد المائة: (عن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت النبي ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك). * في هذا الحديث حسن التعليم للمتعلمين، وأن من آفة التعليم إكثاره حتى تعجز القلوب عن أن تعيه، ولهذا قال: (حدِّث الناس في كل جمعة مرة،

стр. 768

فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات)، يعني أن من تغب يومًا وتحدثهم يومًا؛ وذلك أنهم يتفكرون فيما (٤٩/ب) سمعوا، ويردون قولك ليحفظوه، فعلى الإكثار تغب يومًا وتحدث يومًا دون يوم الجمعة، فإنه خارج من هذه الوظيفة لأجل التشاغل بالجمعة إلا أن هذا إنما قاله في قوم ذوي رغبة في العلم، فتداوى به فرط رغبتهم ليرد أمر تعليمهم إلى الاعتدال النافع، فأما إذا مُني بقوم لا يستطيعون سمعًا ويهجرون ذكر الله أنهم ممن قال الله: ﴿يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا﴾، فكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم﴾ الآية. فإن هؤلاء بكل حال يصدع لهم بالحجة، وينطق بالحق في وجوههم وإن كرهوا، وإن زعموا، قال الله : ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾. * وفي هذا الحديث كراهية التكلف للسجع، فإن السجع داعية التكليف لكن ممن يأتي بالقول الحسن فانساق إلى قرائن، وما فيه نوع استجلاب للفهم مما يزيده حسنًا فلا بأس. -١١٦٧ - الحديث الثاني بعد المائة: (عن ابن عباس: سُئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار، وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله ﷺ :

стр. 769

(اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي) طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: (من قلد الهدي لا يحل حتى يبلغ الهدي محله)، ثم أمرنا عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تم حَجُّنا وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾: إلى أمصاركم، الشاة تجزئ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾. وأشهر الحج التي ذكر الله تعالي: شوال (٥٠/أ) وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر، فعليه دم أو صوم. والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء). * قد سبق الكلام في هذا الحديث وشرحنا ما يتعلق به.

стр. 770

-١١٦٨ - الحديث الثالث بعد المائة: (عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي ﷺ فقال: (لو فعله لأخذته الملائكة). زاد أبو مسعود: (لأخذته الملائكة عيانًا). قال: وقال ابن عباس: ولو تمنى اليهود الموت لماتوا، ولو خرج الذين يباهلون النبي ﷺ لراجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً). * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن أمر محمد ﷺ بلغ من الكافر كل مبلغ، كما أن الشدة تناهت برسول الله ﷺ من أذى المشركين إلى أقصى غاية. * وفيه أيضًا: أن الله سبحانه لا يذل نبيه ولا يسلط عليه أعداءه؛ لأن النبي ﷺ قال: (لو فعله لأخذته الملائكة عيانًا). * وفيه أيضًا: أنهم لو باهلوا النبي ﷺ لراجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً. ومن أكبر الدليل على صدقه ﷺ أنهم لم يتجاسروا على مباهلته،

стр. 771

ولولا علمهم بصدقه ما توقفوا. -١١٦٩ - الحديث الرابع بعد المائة: (عن ابن عباس قال: لما أتى ماعزُ النبي ﷺ قال له: (لعلك قبلت أو غمزت، أو نظرت؟) قال: لا يا رسول الله، قال: (أنكتها؟) لا يكني، فعند ذلك أمر برجمه. وفي رواية: أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: (أحق ما بلغني عنك؟) قال: وما بلغك عني؟ قال: (بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان). قال: نعم، فشهم أربع شهادات ثم أمر به فرجم).

стр. 772

* قد سبق الكلام في قصة ماعز. -١١٧٠ - الحديث الخامس بعد المائة: (عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: (يا أيها الناس، أي يوم هذا؟) قالوا: يوم حرام، قال: (فأي بلد هذا؟) قالوا: بلد حرام، قال: (فأي شهر هذا؟) قالوا: شهر حرام. قال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم (٥٠/ ب) هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: (اللهم بلغت). قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصية إلى أمته: (فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض).

стр. 773

* هذا الحديث قد تقدم شرحنا له. -١١٧١ - الحديث السادس بعد المائة: (عن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن). زاد إسحاق بن يوسف: (ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن). قال عكرمة: فقلت لابن عباس: كيف يُنزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبَّك بين أصابعه، ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبَّك بين أصابعه). * هذه الواو في قوله: (وهو مؤمن) واو حال؛ كقوله تعالى: ﴿وإذا قتلتم نفسًا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾. * وقد دل الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، وخروجه من العبد وعوده إليه.

стр. 774

-١١٧٢ - الحديث السابع بعد المائة: (عن ابن عباس: ﴿لرادُك إلى معادٍ﴾ قال: إلى مكة). * المعاد: المراد، وإذا أطلق انصرف إلى القيامة. وقد فسره ابن عباس العود إلى مكة، فقد حصل النبي ﷺ الفوز بسعادة الأمرين. -١١٧٣ - الحديث الثامن بعد المائة: (عن سفيان التمار من قوله: أنه رأى قبر النبي ﷺ مُسنمًا). * هذا الحديث يدل على أن السنة تسنيم القبور. -١١٧٤ - الحديث التاسع بعد المائة: (عن ابن عباس قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لقينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم، استأجر رجلاً من قريش من فخذ أخرى، فانطلق

стр. 775

معه في إبله، فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي، لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالاً فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا أعلقت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما بال هذا البعير لم يعقل بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ فحذفه بعصا كان فيها أجله. فمر رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ فقال: ما أشهد وربما شهدته، فقال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فإذا أنت شهدت الموسم (٥١/أ) فناد: يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم، فإذا أجابوك، فسل عن أبي طالب فأخبره: أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر. فلما قدم الذي استأجره. أتاه أبو طالب: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، ووليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم، قال: يا آل قريش، فقالوا: هذه قريش، قال: يا بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: وهذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلانًا قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، وإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فأخبرهم فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم، كانت عند رجل منهم، قد ولدت منه، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجير ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان؛ ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلاً يحلفوا
следующие страницы →