← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

*وأما بكونها بسبع وعشرين صلاة فإنها ارفع من هذه، وذلك أنه ﷺ وعد تلك الصلاة التي كان يصليها الرجل مفرداً بحالها، والصلاة التي كان يصليها الإمام مفرداً بحالها، وكان تضعيف الخمسة خارجاً عن هذين الأصلين؛ ليكون التضعيف موفراً لا يحسب فيه ما كان محسوباً، وهذا فإنه يكون لكل واحد من الإمام والمأموم فتخلص خمساً وعشرين مضاعفة، وتبقى الصلاتان لم تدخلا في الحساب. * (والبضع): ما بين الواحد إلى العشرة. -١٣٤٣ - الحديث الثامن بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله)]. *والذي أرى أن الصلوات الخمس قد صرن للمؤمن مألوفاً فهو يتطلع إلى واحدة بعد واحدة، ويراعي الظلال كما جاء في الحديث. واحب (٩٠/ب) عباد الله إلى الله. الذين يراعون الشمس والقمر؛ فهن مألوفة في الدنيا وأنيسة في القبر، وبضاعته في الآخرة، فإذا فاتته العصر-وهي الوسطى-فكأنما فاته أهله من حيث ألفه، وفاته ماله من حيث كون الصلوات بضاعة له في الآخرة، وهذا فيمن فاتته، ونطق فاتته يدل على أنه قد كان حريصاً عليها ففاتته وليس ذلك

стр. 947

تركاً، فإذا كان هذا فيمن فاتته مع الحرص عليها، فكيف بالتارك؟ ومنه قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾. والثاني: أنه ذهاب الكل من الوتر الذي هو الجناية المذهبة بجميع المال. وإعراب (الأهل والمال) النصب لأنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله؛ لأن الضمير في وتر هو المفعول الأول الذي أسند الفعل إليه. -١٣٤٣ - الحديث التاسع بعد المائة: [عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة)]. *فيه من الفقه أن عذاب القبر ونعيمه حق، فأما المؤمن فإن عرض مقعده كل يوم بالغداة والعشي، والذي أراه فيه أنه يعرض عليه ذلك تبشيراً له، ولينظر هل له فيه مستزاد فيستزيده أو أمنية فيعطاها، ولأنه أيضاً تعليل له

стр. 948

في البرزخ وليقتصر عليه مدة الانتظار بما يستسلفه من سرور التوقع، وأما الكافر فلترويعه؛ فإن الترويع منه ما يستراح إلى الألم منه إذا وقع فيكون مروعاً مدة الدنيا إلى أن يقع العذاب. -١٣٤٤ - الحديث العاشر ببعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى). واليد العليا: هي المنفقة، والسفلى: هي السائلة]. *في هذا الحديث من الفقه أن الإنفاق خير من الإمساك، وليس يدل على أن الغني خير من الفقير؛ فإن اليد المنفقة مخرجة للمال، والسائل قابل لذلك الإخراج، فكل منهما معاون لصاحبه على عقد هذه العبارة لله . *وقوله: (السفلى هي السائلة) لا مدخل فيه من قبل ما أتاه من غير مسأله (٩١/أ) قال الخطابي: قد توهم كثير من الناس أن معنى العليا الاستعلاء، من علو الشيء، وليس ذلك عندي؛ فالوجه من علا: المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة. -١٣٤٥ - الحديث الحادي عشر بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ : (أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة

стр. 949

فصلى بها. وكان ابن عمر يفعل ذلك). وعن نافع: (أن عبد الله كان إذا صدر من الحج والعمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان ينيخ بها رسول الله ﷺ ). وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يبين بذي طوى بين التلبيتين). وفي رواية للبخاري: (أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات بها)]. *هذا الحديث يدل على اتباع ابن عمر سنة رسول الله ﷺ واقتفائه أثره في أفعاله، وسيأتي في حديث الحديبية طرف من هذا الحديث إن شاء الله تعالى. -١٣٤٦ - الحديث الثاني عشر بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم الحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين). وفي رواية لمسلم: أن عبد الله قال: حلق رسول الله ﷺ ، وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم. قال عبد الله: فقال رسول الله ﷺ : (رحم الله المحلقين) مرة أو مرتين، ثم قال: (والمقصرين). وفي رواية: أنه قالها ثلاثاً، فلما كان في الرابعة قال: (والمقصرين).

стр. 950

وفي رواية: (حلق رسول الله ﷺ ، وطائفة من أصحابه. لم يزد)]. *إنما قدم رسول الله ﷺ المحلقين؛ لأنه ﷺ حلق رأسه فحلق قوم وقصر قوم، فقدم من وافقه وقصر بالدعاء عن المقصرين؛ لأن المقصرين قصروا باقتصارهم على التقصير، فيكون في نطق هذا الحديث إشارة إلى أن المحلق يتناول ذكره معنى في (٩١/ب) اللغة: وهو البالغ في الارتفاع، وذكر المقصر؛ فإنه يتناول ذكر المقصر في الحال إلا أن معناه المراد المحلقي رؤوسهم ومقصريها، وإنما النطق يوافق المعنى الآخر الذي يستشف منه. -١٣٤٧ - الحديث الثالث عشر بعد المائة: [عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده). وفي رواية لمسلم: كان رسول الله ﷺ اذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة، إذا أوفى على ثنية أو فد فد. كبر ثلاثاً)].

стр. 951

* في هذا الحديث ما يدل من الفقه أن رسول الله ﷺ كان إذا آب من سفر لم يلهه فرح الأوبة ولا دهشة الداخل ولا سرور القادم على الأهل بعد طول الغيبة عن شكر الله وحمده والثناء عليه، فكان يعلن بذلك على كل شرف: وهو المكان العالي. (والفدفد): أرض فيها غلظ وارتفاع. (والإياب): الرجوع من السفر، وقوله: (آيبون): خبر محذوف يقدر فيه نحن آيبون. * وقوله: (تائبون) بعد قوله: (آيبون)؛ فإن التوبة تتضمن معنى الأوبة، إلا أنها فيها زيادة تخليص لمعنى الرجوع إلى الله ، فكان قوله ﷺ : (تائبون) عند قفوله من عباده كالغزو والحج بعد قوله: (آيبون) على أثر ذلك نافياً للعجب من كل عبادة ليدحض العجب بالكلية. * وقوله: (ساجدون) الإشارة بذلك إلى الصلاة. وقوله: (لربنا حامدون) كان الوقوف على ربنا: إنا ساجدون لربنا، ثم عاد فابتدأ حامدون، ويكون هذا خبر أيضاً والمبتدأ محذوف؛ أي: ونحن حامدون. * وقوله: (صدق الله وعده) أي الذي وعد به، وهذا وإن كان في حج ولم يجر فيه حرب يقتصي ذكر النصر، فإنه يذكر ﷺ بالنعمة المتأخرة النعمة المتقدمة، وهذا يتعين على كل منعم عليه أن تذكره النعمة المتأخرة المتقدمة ولا يكون سبباً في نسيانها؛ فإنه ﷺ (٩٢/أ) إنما دخل المسجد الحرام آمناً لا

стр. 952

يخاف شيئاً عن نصر الله له وإعلاء كلمته، فلم تنسه هذه المتأخرة النعمة المتقدمة بل كانت مذكرة بها. -١٣٤٨ - الحديث الرابع عشر بعد المائه: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث). وعند مسلم: (دون واحد)]. *قد سبق هذا الحديث في حديث ابن مسعود. -١٣٤٩ - الحديث الخامس عشر بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (خمس من الدواب، ليس على المحرم في قتلهن حرج: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور). وفي رواية لمسلم: (خمس من الدواب كلها فاسق؛ لا حرج على من قتلهن ...) وذكر الحديث.

стр. 953

وفي رواية: (في الحرام والإحرام). زاد أبو مسعود: (قلت لنافع: فالحية؟ قال: تلك لا يختلف فيها)]. *في هذا الحديث من الفقه: أنه كما كان الإحرام عبادة، وكان قتل هذه الأشياء المؤذية عبادة؛ لم تكن العبادة لتشغل عن العبادة، وأذن رسول الله ﷺ في قتلها. *وقد نبه النبي ﷺ بذكر هذه الخمس الفواسق على أن ما لا يؤكل لحمه لا يجب الجزاء بقتله، وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي ﵃. قال سفيان بن عيينة: (الكلب العقور): كل سبع يعقر. -١٣٥٠ - الحديث السادس عشر بعد المائة: [عن ابن عمر، أن النبي ﷺ نهى عن الوصال. قالوا: إنك تواصل؟ قال: (إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى). وفي رواية: لست مثلكم). وفي رواية للبخاري: (أن النبي ﷺ واصل، فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يواصلوا. قالوا: إنك تواصل، قال:

стр. 954

لست كهيئتكم، إني أظل أطعم وأسقى)]. *في هذا الحديث من الفقه: أنه يفهم من النهي عن الوصال كراهية التجوع وكل ما يهضم من قوى الإنسان التي يعبد الله بها. *وهذا رد على ما يراه من لا علم له (٩٢/ب) من التجوع المفضي بأهله إلى الأمراض وضعف القوى ووحشة الأخلاق؛ فإن الله سبحانه كما حرم الخمر من أجل أنها تفسد عقل المؤمن؛ فكذلك لا يستحب للمؤمن أن يتعرض لكل ما يكسب خلقه الفساد؛ فهو ضد ما أمر به ﷺ من حسن الخلق. -١٣٥١ - الحديث السابع عشر بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا)]. *المراد من هذا الحديث: أن من حمل السلاح على المسلمين فليس منهم؛ لأنه ينبغي أن يحمل السلاح ليكون عوناً لهم على عدوهم، فإذا حمله عليهم خرج عن ناصر بهم منهم.

стр. 955

-١٣٥٢ - الحديث الثامن عشر بعد المائة: [عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن النجش)]. * (النجش): نوع من الخديعة والغبن، وهو أن يمدح سلعة، ويزيد في ثمنها وهو لا يريد الشراء؛ ولكن يقصد أن يسمعه غيره فيغتر فيزيد ويشتري. *وفي هذا الحديث من الفقه: أن المزايد في السلعة ولا أرب له فيها هو بين أن يريد أن يغر بها غيره ليوقعه فيها، فهذا لا يحل؛ أو يريد أن يخرج ذلك مخرج السحري والباطل، وهذا لا يجوز. -١٣٥٣ - الحديث التاسع عشر بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض). وفي رواية: (نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب). وفي رواية لمسلم قال: (لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له).

стр. 956

وفي رواية: قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب أحدكم على خطبة بعض)، وزاد: (إلا أن يأذن له)]. *في هذا الحديث من الفقه: ألا يتعرض الإنسان للإفساد؛ وذلك أنه إذا تعرض لشيء قد اشترى فقد أفسد؛ لكن إن أراد الحق فليبتع تلك السلعة، ممن وجبت له. فأما المزايدة قبل وجوب البيع فإن ذلك لا يتناوله هذا النهي، ولذلك إذا أنعم للخاطب وأجيب إلى التزويج، فإن الذاكر نفسه حينئذ متعرض للإفساد؛ فإنه حيث رضي به فقد وضعت له مقدمات تنتهي إلى العقد، فلا يحل له ذلك، بل يجوز له ذلك قبل أن ينعم له أن يكون أسوة الخطاب، ويدل على ذلك قوله: (إلا أن يأذن له)، ومتى أذن له فقد نزل عن حقه (٩٣/أ) من ذلك. -١٣٥٤ - الحديث العشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ (نهى أن يتلقى السلع حتى تبلغ بها الأسواق). قال فيه عبد الله بن يوسف عن مالك: (لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق).

стр. 957

وفي رواية: (نهى عن التلقي). وفي رواية: (كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهى النبي ﷺ أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام)]. *في هذا الحديث ما يدل على رفق الشرع بالقادم بالسلع، وأن لا يتلقاه متلق فيخلوا به، فيبايعه بيعاً لو قد وصل إلى أسواق المسلمين ورأى كثرة الراغب في سلعته وعلم سعرها في سوق المسلمين لم يبع حينئذ. فينبغي لكل من يبغي التجارة أن يقف عند أوامر رسول الله ﷺ في ذلك؛ فإنها أرفق به وله، فإن هذا المشتري في وقت قد يكون بائعاً في وقت آخر، والمقدوم عليه في وقت قد يكون قادماً في وقت آخر، فليكن نظره إلى ما لاحظه الشرع من مصلحة الجمهور والعموم. -١٣٥٥ - الحديث الحادي والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ (نهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً). وعن ابن عمر: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة؛ أن يبيع الرجل ثمر حائطه، إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله). وفي رواية: (وبيع الزرع بالحنطة كيلاً).

стр. 958

وفي رواية: وزاد فيه: (عن كل ثمر بخرصه ...). وفي رواية: (نهى عن المزابنة. قال: والمزابنة: أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر مسمى، إن زاد فلي وإن نقص فعلي)]. *قد مضى هذا في مسند ابن عباس ﵁ مفسراً. -١٣٥٦ - الحديث الثاني والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، (٩٣/ب) فينتثل طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه فينثل طعامه)]. *في هذا الحديث: أنه لا يجوز لأحد أن يحلب ماشية أحد إلا بإذنه، وهذا إذا كان المالك مع الماشية؛ فأما إذا كانت الإبل والشاة هملاً؛ قد جاء في الحديث: (أن من مر بذلك، نادى: يا راعي الإبل، ثلاثاً، فإن أجابه وإلا

стр. 959

شرب)؛ وذلك أن الإسلام وضع على السماحة والتبادل؛ وأن الإنسان يتصرف في مال أخيه المسلم، وقد قال الله : ﴿أو صديقكم﴾. وعلى هذا أرى أن أبا بكر لما قال للراعي: لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل المدينة. فقال له: أتحلب لي؟ فأراد تطييب ذلك بالإذن له فيه، ولم يذكر في الحديث هل كان صاحب الغنم مسلماً ولا كافراً؟ إلا أن الإٍسلام كان قد فشا بالمدينة، فرضي أبو بكر بإذن الراعي في ذلك؛ لأن الغالب في العادة أن مالك الشاة والإبل بتسليمه إياها إلى راعيها، فإنها مفوضة إلى ذلك الراعي، وأن إذن الراعي فيها يبيح تناول ما يتناول منها الشيء عن مكانه. *وينتثل: يفرق ويبدد، والنثل: نثر الشيء سرعة في مرة واحدة. -١٣٥٧ - الحديث الثالث والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو). زاد أبو مسعود: قال مالك: (أرى ذلك مخافة أن يناله العدو). وفي رواية لمسلم نحو حديث مالك، وقال: (نخاف أن يناله العدو). قال أيوب: (فقد ناله العدو وخاصموكم به)].

стр. 960

* في هذا الحديث من الفقه النهي عن السفر بالمصحف. وقوله: (بالقرآن) دليل على أن القرآن في المصحف، وكذا ينبغي تنزيه القرآن أن يكون عند الكفار مخافة أن يناله ذلك بالوقيعة فيه؛ وإنما نهى عن المسافرة بالمصحف لموضع كرامته، قال : ﴿في صحف مكرمة﴾، وإنما يكرمها البررة من المؤمنين، ومن تكريمه لها لا يمكن أعداء الله أن ينالوها بعين ولا سمع. -١٣٥٨ - الحديث الرابع والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب). وفي رواية: (أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل). زاد أبو مسعود: وقال: (من اقتنى كلباً نقص من أجره كل يوم قيراطان). وفي رواية لمسلم: (كان رسول الله ﷺ (٩٤/أ) يأمر بقتل الكلاب، فننبعث في المدينة وأطرافها فلا ندع كلباً إلا قتلناه، حتى إنا لنقتل كلب المرية من أهل البادية يتبعها). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية. فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع. قال

стр. 961

ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعاً)]. *إنما نقص الأجر في اقتناء الكلاب من أجل انتشار النجاسة عنها، وترويع المسلم بها سيما الغرباء من الضيوف والوفود. وقد سبق بيان هذا في هذا المسند، وكشفنا هنالك عن معنى قوله: إن لأبي هريرة زرعاً، وإنما أباح اقتناء كلب الماشية والصيد لما فيها من المنفعة، وقد قيل: إن الأمر بقتل الكلاب منسوخ بحديث ابن المغفل: (ما بالهم وبال الكلاب) وقد تقدم ذكره. *فأما الحكمة في أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب التي لا تكون لزرع ولا ماشية ولا صيد؛ فالذي أرى فيه: أن العطش إذا اشتد بالكلب انتهى به إلى أن يعرض له علة الكلب، فيكون إذا عض حيواناً كلب ذلك الحيوان بعض الحيوانات وغيرهما، مما كل شيء تناله عضته؛ فإنه يكلب. والكلب داء لا دواء له غالباً، بل يستراح منه إلى الموت، فتكون كلب

стр. 962

الصيد والماشية والزرع مما يفشا، وأن الغالب من أصحاب الزروع والصيود والمواشي أن يتعاهدوا كلابهم بسقيها الماء، فلا ينتهي بها العطش إلى ذلك غالباً، بخلاف الكلاب التي لا منفعة فيها؛ فإنها معرضة لاشتداد العطش الذي يغضي بها إلى الكلب كما ذكرناه، فيكون في قتل تلك نظر تام لعباد الله سبحانه. -١٣٥٩ - الحديث الخامس والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية فتعيقها، فقال أهلها: نبيعكها لك على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق). وفي رواية للبخاري: (إن عائشة ساومت بريرة، فخرج النبي ﷺ إلى الصلاة فلما جاء قالت: إنهم أبوا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء، فقال النبي ﷺ : (الولاء لمن أعتق).قلت لنافع: حراً (٩٤/ب) كان زوجها أو عبداً؟ قال: ما يدريني)]. *هذا طرف من حديث بريرة، وسيأتي ذكره في مسند عائشة ﵂.

стр. 963

-١٣٦٠ - الحديث السادس والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، قال: (إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : (ما تجدون في كتابكم (التوراة) في شأن الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم؛ إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، قال: فرأيت الرجل يجنئ على المرأة يقيها الحجارة). وفي رواية: (أتي رسول الله ﷺ برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: (ما تصنعون بهما)؟ فقالوا: نسخم وجههما، ونخزيهما قال: (فائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)، فجاؤوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال: (ارفع يدك) فرفع فإذا آية الرجم تلوح، فقال: يامحمد، إن فيها الرجم، ولكننا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما، فرأيته يجانئ). وفي رواية: (أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل وامرأة زينا فرجما قريباً من موضع الجنائز، قرب المسجد). وفي رواية: (أتى رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعاً، فقال لهم: (ما تجدون في كتابكم)؟ قالوا: إن أخبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه. قال عبد الله بن سلام: ادعم يارسول الله بالتوراة، فأتى بها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له ابن سلام: ارفع

стр. 964

يدك؛ فإذا آية الرجم تحت يده، وأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال ابن عمر: فرجما عند البلاط، فرأيت اليهودي يحناً عليها). وفي رواية لمسلم: (أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود، فقال: (ما تجدون في التوراة على من زنى؟) قالوا: نسود وجوهما ونحممهما، ونخالف (٩٥/أ) بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)؛ فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال عبد الله بن سلام -وهو مع رسول الله ﷺ مره-: فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجمهما. قال عبد الله بن عمر: كنت ممن رجمها، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)]. *في هذا الحديث أن اليهود إذا تحاكموا إلينا حكمنا عليهم يحكم الله عندنا، وإنما سألهم رسول الله ﷺ عما عندهم ليكون محتجاً عليهم بما في كتابهم. *وفيه دليل على قلة أمانة اليهود، وكتمانهم الحق جرياً على عادتهم السيئة؛ فإنهم بلغ بهم البهت إلى أن وضع واضع منهم يده على آية الرجم، حتى أظهرها عبد الله بن سلام، فاستدل بذلك على أنهم قد كتموا أمر

стр. 965

رسول الله ﷺ وصفته، وقد اعلم الله تعالى نبيه ﷺ أن القوم بدلوا التوراة، إلا أن هذا لم يكن قد حرفوه بعد. *وفيه أن الله تعالى أعان نبيه ﷺ من عبد الله بن سلام بأحسن عون؛ لأنه شهد عليهم شاهد من أنفسهم. *وقوله: (يحنأ عليها) أي يكب، والحنأ: الاحديداب. *وفي هذه القصة تعيير لمن يتقي في الحرب بغيره، لأن هذا اليهودي وقي هذه الفاجرة بنفسه، فكيف يصلح أن يتقي شخص في طلب الحور العين بغيره، ويدافع بالآخر عن نفسه. *وفيه أن اليهود إنما كانوا يحتملون من أحكام الله ما يخفف عليهم دون ما يثقل، فقد حذرنا الله بذكر هذا الحال عن أن نكون مثلهم، بل نحمل ما حملنا ربنا، ونسأله التخفيف. *والتجبيه أن يجبه بالسب. -١٣٦١ - الحديث السابع والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)].

стр. 966

* في هذا الحديث ما يدل على اجتماع الخلق في ذلك الموقف الاجتماع الذي لا يمكن أن يصفه من لم يشاهده بعد (٩٥/ب) إلا أنه إذا قيس أهل الدنيا في وقت ثم ضوعف ذلك العدد في ذلك الوقت بما كان قبله منذ خلقت الدنيا، وبما يكون معه إلى يوم القيامة، وأن كل هؤلاء الخلائق يجمعون في يوم واحد ثم يضم إليهم ما كان من دابة وطائر وحشرات وهوام، وحوت في بحر وضب في بر، وغير ذلك مجموع كله فيما مضى، ومجموع كله فيما يأتي إلى يوم القيامة، وأنهم يطول بهم الوقوف على هذه الكثرة، فإن ما ذكره ﷺ من الرشح لتلك الفكرة. -١٣٦٢ - الحديث الثامن والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة: إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت). وفي رواية: (وإذا قام صاحب القرآن يقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه)]. * (المعقلة): المشدودة بالعقل، وهو جمع عقال، وهو الحبل التي تشد به.

стр. 967

* وقد سبق هذا الحديث والكلام عليه. - ١٣٦٣ - الحديث التاسع والعشرون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها). وفي رواية: (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها). قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم. وفي رواية عن ابن عمر قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب). وفي رواية: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب) قال خالد: فإذا عبد الله ينزله على العرس. وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : (ائتوا الدعوة إذا دعيتم). وفي رواية: (إذا دعي أحدكم فليجب). وفي رواية: (أن ابن عمر كان يقول عن النبي ﷺ : إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسا كان أو نحوه). وفي رواية: (من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب). وفي رواية: (إن دعيتم إلى كراع فأجيبوا)]. * إذا صنع الطعام عند العرس فهو وليمة. وقد سبق الكلام على هذا الحديث

стр. 968

وبينا أنه إنما يجب إجابة الداعي إلى وليمة العرس. -١٣٦٤ - الحديث الثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة). في رواية القعنبي: (فلم يسقها). وفي رواية: (من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب). وفي رواية: (٩٦/أ): (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة). وفي رواية: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)]. * في هذا الحديث دليل على أنه من مات مصرًا على شرب الخمر فدخل الجنة بأعمال خير كانت له؛ فإنه لا يشرب فيها الخمر، وذلك لأن الله حرم هذا الخمر تكريمًا لعبده المؤمن عن أن يسفه رأيه أو يطيش حلمه، فكان من حقه أن يشكر الله على هذا التحريم لهذه الخبيثة، وحيث لم يفعل وشربها على كونها غير مشتهاة الطعم، ولا حافظة للعقل، ولا خالية من المضار

стр. 969

لبدنه؛ إذ الميل إلى كل مطعوم لأجل استلذاذ طعمه أو لأجل منافعه أو لحفظ الصحة، وقد يؤذي وفيها مضار كثيرة من حيث علم الأبدان. فكان الذي يشربها على كونها تزيل عقله الذي يعبد به ربه، ويستضر بها في بدنه، وتكدر عيشه بمرارة طعمها؛ فإنه كالمعاند لربه إذا لم يتفق عليه النفاق، اغتفر له هذه المساوئ كلها إلا من حيث إن الله حرمها، فإذا آثر شربها شارب على اتباع أمر الله كان من جنس عقوبته أن يمنعه الله منها حين يطلقها لعباده المؤمنين، على أنه قد ذكر بعض الناس أنه كان يوما في شرب فأنشد من أولئك الشرب بيت البحتري: وكم من أخ لو حرم الماء لم أكن له .... ولو أنني مت ظمآن شاربا قال: فسمعت ذلك البيت، فقلت في نفسي: أيقول هذا: إنه لو حرم أخوه الماء لمات ظمآن ولم يشربه، ويكون ربي قد حرم علي هذه الخبيثة ثم أشربها، لا أشربها أبدا. فذكر أنه لم يشربها حتى لقيته، وأحسبه كان على ذلك حتى مات.

стр. 970

-١٣٦٥ - الحديث الحادي والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء). وفي رواية: (يوم القيامة). وفي رواية: (إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة). وفي رواية: (من جر ثوبه من مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة). قلت لمحارب: أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزارا ولا غيره. وفي رواية للبخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ (٩٦/ب): (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة). قال أبو بكر: يا رسول الله، أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله ﷺ : (لست ممن تصنعه خيلاء). وعن ابن عمر: أنه رأى رجلا إزاره، فقال: ممن أنت؟ فانتسب له، فإذا رجل من بني ليث، فعرفه ابن عمر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول: (من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة؛ فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة). وفي رواية: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء). وفي رواية للبخاري: (بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو

стр. 971

يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)]. * في هذا الحديث شدة النهى عن إسبال الإزار. و (المخيلة): هو التكبر. * وفيه: أنه يجر ثوب الإنسان لا للخيلاء لم يدخل في هذا الوعيد؛ لقول أبي بكر ﵁، وجوال الرسول ﷺ له، ويدخل على ما قلنا قوله: (لا يريد به إلا المخيلة). والخيلاء والمخيلة: التكبر/ يقال: خال الرجل واختال، وأنشدوا: بأن الشباب وحب الخالة الخلبه .... وقد صحوت وما بالنفس من قلبه وقوله: (يتجلجل) التجلجل حركة مع صوت، والمعنى أنه يخسف به ولا يثبت ولا يزال منحدرا. -١٣٦٦ - الحديث الثاني والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حاربت

стр. 972

قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ ؛ فآمنهم وأسلموا، وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم: بني قينقاع - وهم قوم عبد الله بن سلام، وبهود بني حارثة، وكل يهودي كان في المدينة. زاد أبو مسعود: (وكان اليهود والنصارى ومن سواهم من الكفار لا يقرون فيها ثلاثة أيام على عهد عمر)]. * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الإمام إذا حاربه قوم أن يقتل منهم من شاء، ويمن على من شاء؛ لأنه قال: (أجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم)، فإذا غدر الذين من عليهم استباح (٩٧/أ) منهم ما كان قد حظره. * وفيه دليل على جواز إجلاء اليهود من المدينة، أنه إذا قدم منهم قادم بعهد لم يترك أن يقيم بالمدينة إلا ما دون ثلاثة أيام. -١٣٦٧ - الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، (أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير، وحرق). زاد ابن المبارك عن موسى: ولها يقول حسان بن ثابت:

стр. 973

وهان على سراة بني لؤي .... حريق بالبويرة مستطير وفي ذلك نزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة﴾ الآية. وفي رواية: (أن النبي ﷺ حرق نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة. قال: فأنزل الله : ﴿ما قطعتم من لينة﴾ ذكر الآية). وفي رواية: (حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير). وفي رواية: (أنه حرق نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة، ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بني لؤي .... حريق بالبويرة مستطير زاد حبان في روايته عن جويرية: فأجابه سفيان بن أبي حرب: أدام الله ذلك من صنيع .... وحرق في جوانبها السعير ستعلم أينا منها بنزه .... وتعلم أي أرضينا تضير]. * في هذا الحديث: جواز قطع النخل والتحريق والإثخان في العدو؛ وذلك أن من قطع النخل معتقدا بذلك أنه ينكأ في العدو، ويضعف قلبه، ويقطع داره ويجتث أصله؛ فإنه مقصد بالغ في الصلاح، ومن ترك النخل ليعود إلى

стр. 974

المسلمين ويبقى لهم؛ فهو مقصد صالح بالغ في الصلاح، ولأن مآلها إلى المسلمين فهو لثقته بأن الإسلام سيظهر تركها. * وهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ قد مضت على جواز اجتهاد المجتهدين. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: اللينة هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية. قال الزجاج: أصل لينة: لونة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. * وقول حسان: (سراة بني لؤي) سروات الناس: ساداتهم وأشرافهم، و (المستطير): المنتشر. * وقول أبي سفيان: (ستعلم أينا منها ينزه) أي يبعد، والتنزه: التباعد، أما فعل (٩٧/ب) النبي ﷺ ما فعل من ذلك ليتسع المكان للقتال، ومتى لم يقدر على العدو وإلا بذلك جاز، وهذا مذهب أحمد بن حنبل في خلق كثير. -١٣٦٨ - الحديث الرابع والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حج، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو، فكان في تلك الطريق، أو في حج أو عمرة، هبط من بطن

стр. 975

واد، فإذا ظهر من بطن واد، أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة، ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان رسول الله ﷺ ثم يصلي، فدحا السيل فيه بالبطحاء, حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه. وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي ﷺ صلى حيث المسجد الصغير، الذي دون المسجد بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي ﷺ ، يقول: ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك. وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه، ويصلي أمامه إلى العرق نفسه. وكان عبد الله يروح من الروحاء، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة، فإن مر به قبل الصبح بساعة، أو مر آخر الليل السحر، عرس حتى يصلي بها الصبح. وأن عبد الله حدثه: أن النبي ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة، دون الرويثة، عن يمين الطريق، ووجاه الطريق، في مكان بطح سهل، حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في

стр. 976

جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة. وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن (٩٨/أ) النبي ﷺ صلى في طريق تلعة من وراء المعرج، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق، عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج، بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد. وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن رسول الله ﷺ نزل عند سرحات عن يسار الطريق، في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشي، بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة، هي أقرب السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن. وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي ﷺ كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران، قبل المدينة حين ينزل من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين ذلك الطريق إلا رمية حجر. وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي ﷺ كان ينزل بذي طوى/ ويبيت حتى يصبح، يصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله ﷺ على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة. وأن عبد الله حدثه: أن النبي ﷺ استقبل فرضي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى رسول الله ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي

стр. 977

بينك وبين الكعبة). وفي رواية للبخاري من حديث موسى بن عقبة، قال: (رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة). وفي رواية للبخاري عن نافع، قال ابن عمر: (إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة، فيصلي، ثم يركب، فإذا استوت به (٩٨/ب) راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل). وفي رواية: (كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعله). وفي رواية: (أن ابن عمر كان إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت، فركب حتى إذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى إذا بلغ الحرم أمسك، حتى إذا أتى ذا طوى بات به، فيصلي الغداة، ثم يغتسل، وزعم أن النبي ﷺ فعل ذلك). وفي رواية عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ بات بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر يفعله)].

стр. 978

* في هذا الحديث ذكر السمرة: وهي شجرة الطلح. وشفير الوادي: طرفه، وقد سبق ذكر التعريس والأكمة. والخليج: جانب من النهر وكأنه مختلج منه أي مقتطع منه. والكثب: جمع كثيب وهو ما اجتمع من الرمل وارتفع. وقوله: فدحا السيل فيه بالبطحاء: أي بحصى البطحاء وترابه، أي دفعها إليه وبسطها فيه حتى خفي. وشرف الروحاء: هو ما ارتفع من ذلك المكان. وحافة الطريق: جانبيها. وقوله: كان يصلي إلى العرق قال ابن فارس: العرق من الأرض سبخه تنبت الطرفاء. والسرحة: نوع من الشجر له ثمر، قال الشاعر: فواعد به سر حتي مالك .... أما لربا بينهما أسهلا والرويثة: اسم موضع. ووجاه الطريق: مقابلها. والتلعة: مسيل الماء من فوق إلى أسفل. والهضبة: فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل. والرضم: حجارة كبار. والسلمات: شجرات، واحدها سلمة وهي شجر ورقها القرظ الذي يدبغ به الآدم. وكراع هرشي: طرفها. وهرشي: اسم مكان.

стр. 979

والغلوة: قدر رمية. والسيل: مجرى الماء في منحدر الأرض. ومر الظهران: اسم موضع. وفرضة الجبل: مدخل الطريق إليه. * وفي هذا الحديث من الفقه استحباب تعاهد الرجل منزله الذي كان ينزل به قاصدا الخير؛ فإنه نزل به مطيعا لله ذاهبا في سبيله فيكون نزوله فيه مرة أخرى مجددا الحمد لله . * وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ توخى (٩٩/أ) هذه المنازل أنها كانت كالأعلام؛ فإذا أتى الآتي عرف بها رسول الله ﷺ فيستغني عن طلبه، ويستحب لمن عرف تلك الأماكن التي عرفها ابن عمر من مواطن رسول الله ﷺ أن ينزل بها ويتبرك بها ويتمسح بترابها، وقد أحسن المتنبي في قوله: نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة .... لمن بان عنه أن يلم به راكبا. -١٣٦٩ - الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ شغل عنها ليلة، يعني صلاة العتمة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي ﷺ ، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم). زاد البخاري: (وكان ابن عمر لا يبالي: قدمها أو أخرها، إذا كان لا

стр. 980

يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقلما ما كان يرقد قبلها). عن ابن عمر قال: وكنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا يدرى أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: (إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى)]. * هذا الحديث قد تقدم وسبق الكلام عليه. -١٣٧٠ - الحديث السادس والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أفلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : (يا بلال، قم فناد بالصلاة)].

стр. 981

* قوله: (يتحينون الصلاة) أي يطلبون حينها بالتحري والاجتهاد. * وقد سبق هذا الحديث في مسند عبد الله بن زيد. -١٣٧١ - الحديث السابع والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال على المنبر: (غفار: غفر الله لها، وأسلم: سلمها الله، وعصية: عصت الله ورسوله)]. * قد سبق في مسند أبي ذر. -١٣٧٢ - الحديث الثامن والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ (٩٩/ب) نهى عن القزع). وفي رواية عن عمر بن نافع قال: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي الرأس، قيل لعبيد الله: والجارية؟ قال: لا أدري؟). وفي رواية: (قلت لنافع: وما القزع؟ قال: حلق بعض رأس الصبي، ويترك بعض).

стр. 982

وحكى أبو مسعود: أن في حديث أيوب: (أن النبي ﷺ رأى غلاما قد حلق بعض رأسه، وترك بعض، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوا كله، أو ذروا كله)]. * قد ذكر تفسير القزع في الحديث، ومنه: قزع السحاب، وهي قطعة. والسنة أن يترك الشعر كله. * وفي هذا الحديث جواز حلقه كله في غير منى؛ لأنه قال: (احلقوا كله أو ذروا كله). -١٣٧٣ - الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة: [عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان. وقال نافع: أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد)]. * فيه دليل على استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فإنه انقطاع إلى الذكر.

стр. 983

* ومن شرطه أن يكون في مسجد يقام فيه الجماعة، لئلا يعتكف في مسجد لا يقام فيه الجماعة فيفوته من فضيلة الجماعة ما لا يجبر بالاعتكاف. ومن شرطه ألا يشتغل إلا بقربة. * وينبغي للمعتكف أن يفهم معنى الاعتكاف وهو أن يكون كما يكف قدمه عن السعي في غير قربة؛ فكذلك يكف قلبه وخاطره عن الفكر في غير قربة. -١٣٧٤ - الحديث الأربعون بعد المائة: عن ابن عمر، قال: (رأيت في المنام: كأن في يدي قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه، قال: فقصصتها على حفصة، فقصته حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : أرى عبد الله رجلا صالحا). وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: إن أخاك رجل صالح. أو: أن عبد الله رجل صالح). وفي رواية: (رأيت على عهد النبي ﷺ كأن بيدي قطعة إستبرق، وكأني لا أريد مكانا من الجنة إلى طارت إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار؛ فتلقاهما ملك فقال: لم ترع، خليا عنه، فقصت حفصة على النبي ﷺ إحدى رؤيتي فقال النبي (١٠٠/أ) ﷺ : نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل. فكان عبد الله يصلي من الليل). قال: فكانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ الرؤيا: أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر -يعني ليلة القدر فقال النبي ﷺ : (أرى رؤياكم

стр. 984

قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في العشر الأواخر)]. * في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أول قطعة الإستبرق وكونها في يد عبد الله؛ بأنه رجل صالح لأن الإستبرق لباس أهل الجنة، وفرشهم. * وفي الحديث ما يحض على قيام الليل، والمراد به التهجد في النافلة لا الفريضة؛ فإن ابن عمر لم يكن يخل بصلاة الفريضة. -١٣٧٥ - الحديث الحادي والأربعون بعد المائة: [عن ابن عمر، أن عمر ﵁ أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر فيه؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، ويصدق بها الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول. قال ابن عون: فحدثت به ابن سيرين، فقال غير متأثل مالا. وفي رواية: (أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ ، وكان يقال

стр. 985

له ثمغ، وكان نخلا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت نخلا، وهو عندي نفيس، وأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ : (تصدق بأصله؛ لا يباع، ولا يوهب ولا يورث؛ ولكن ينفق ثمره) فتصدق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله ، وفي الرقاب والمساكين، والضيف، وابن السبيل، ولذي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف ويؤكل غير متمو لبه). وفي رواية للبخاري من حديث عمرو بن دينار، قال: (في صدقة عمر ليس على الوالي جناح أن يأكل ويؤكل صديقا غير متأثل. قال: فكان ابن عمر (١٠٠/ب) هو يلي صدقة عمر يهدي أناسا من أهل مكة كان ينزل عليهم)]. * وقال أبو عبيد: المتأصل: الجامع، ولكل شيء له أصل قد تم أو جمع حتى يصير له أصل، فهو مؤثل ومتأثل. وقال أمرؤ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد .... يدرك المجد المؤثل أمثالي * وهذا الحديث قد تقدم في مسند عمر وتقدم الكلام عليه.
следующие страницы →