الثاني: الحُرِّية، وفيه صُوَر:
منها: لا يجب على الرَّقيق فِطْرة نفسه، ولا فطرة زَوْجَتِهِ؛ لأنه لا يَمْلِك شَيْئاً، فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيْد مالاً فقد ذَكَرْنَاه، وإن ملَّكه عَبْداً، وقلنا إِنَّهُ يَمْلك سَقَطَتْ فِطْرَتُهُ عَنِ السَّيِّدِ، لَزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، ولم تَجِب عَلَى المتملك لضَعْفِ ملكه.
ومنها: هَلْ تَجِبَ عَلَى المُكَاتَبِ فِطْرَة نفسه؟
المشهور: أنها لاَ تَجِب، كما لا تجب عَلَيْهِ زَكاة مَالِهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
وقيل: إِنَّهَا تَجِب عَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ، كنفقته؛ وبه قال أحمد، وهذا الاختلاف على ما ذكره الإمام. قولان:
الأول: منهما منصوص.
والثاني: مُخَرَّجٌ، ذَكَرَه ابْنُ سُرَيْجٍ، وعلى ما رواه في "التهذيب" وَجْهَان وأَطْلَقَهُمَا الصَّيْدَلاَنِيُّ قولين من غير التَعَرُّض لِلنَّصَ والتخريج، والأَمْرُ فيهِ سَهْلٌ.
وإذا قلنا: بالمشهور، وهو أنه لا فِطْرَة عليه، فَهَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهِ.
والظَّاهِرِ: أَنَّهَا لَيْسَت عَلَيْه؛ لسقوط نفقته عنه، ونزوله مع السَّيِّد منزلة الأَجْنَبِي، ألا ترى أنه يبيع منه وَيشْتَرِي. وروى أبو ثور عن القديم أنها تَجب على السَّيد؛ لأنه عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وأنكر الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ أن يكون هذا قولاً للشَّافعي ﵁ وقال: إنه مذهب أَبِي ثَوْرٍ نفسه. والخلاف في أن المكاتب هل عليه فطرة نفسه؟ يجري في أَنَّه هل عليه فِطْرة زوجته وعبيده بلا فرق.
واعلم: أن قوله فيِ الكتاب: (ولا زَكَاة على رَقِيقِ، ولا مُكَاتَب في نفسه، وزوجته) الكلام في الرَّقيق قَدْ صَارَ مذكوراً مَرَّة في المسألة السَّابِقَة، وإنما كَرَّره؛ لأَنَّهُ احتاج إلَى إدراجه في صُوَرِ الاستثناء أولاً، وإلى التَعَرُّضِ لَهُ فِي صِفَاتِ المُؤَدي ثَانِياً.
وقوله: (وقيل: نجب عليه) أي: على السيد وهو القول الذي حَكَاه أَبُو ثَوْرٍ.
ومنها: حكم الْمُسْتَولَدَةِ، والمُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ على ما سبق.
والكلام فيمن نِصْفُه حر قد ذكره مرة، وإنما أعاده هاهنا ليبين أن الحرية التي اعتبرها ليست حرية للكل، وإنَّما هي الحرية يحسب القدر المؤدي من الفطرة.
قال الغزالي: وَالمُعْسِرُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَفْضُل عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ وَدِسْتِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ صَاعٌ مِنَ الطَّعَامِ فَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ الهِلاَلِ لَمْ يَتَجَدَّدِ الوُجُوبُ بِخِلاَفِ الكَفَّارَاتِ.
стр. 1262
قال الرافعي: الأمر الثالث: فالمعسر لا زكاة عليه، وكل من لم يفضل عن قوته، وقوت من في نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَضُلَ عَنْهُ ما يُخرِجُهُ فِي الفطرة من أي جنس كان من المال فهو مُوسِر، ولم يُصَرِّح الشافعي ﵁ وأكثر الأصحاب في ضبط اليسار والإِعْسَار إِلاَّ بهذا القدر، وزاد الإمام فاعتبر في اليسار أن يكون قَدْرُ الصَّاعِ فاضلاً عن مَسْكَنِه، وعبده الذي يَحْتَاج إليه في خِدْمته، وقال: لا يحسب عليه في هذا الباب ما لا يحسب في الكَفَّارة، وتابعهُ المصنف فِيمَا ذَكرَهُ، وأنت إذا فحصت عن كُتُبِ الأَصْحَاب وجدت أَكْثَرَهُمْ سَاكِتين عَنْ ذَلِك، وقد يغلب على ظَنِّك أَنَّهُ لا خِلاَف في الْمسْألة، وَالَّذِي ذكره كالبيان والاسْتِدرَاك لِمَا أهْمَلَهُ الأَوَّلُونَ، وَرُبَّمَا استشهدت عليه بأنهم لم يتعرضوا أيضاً لدست ثوب يلبسه، ولا شَكَّ في أنه مبقى عليه، فإن الفِطْرة ليست بأَشَد من الدَّيْنِ، وأنه مبقى عليه في الدّيون، لكن الخلاف ثابت، فإن الشَّيْخ أَبَا عَلِيّ حكى وجهاً أن عبد الخِدْمَة لا يُبَاعُ فِي الفِطْرَة، كما لاَ يُبَاعُ فِي الكَفَّارَةِ، ثم أنكر عليه، وقال: لا يشترط في صَدَقَةِ الفِطْرِ أن يكون فَاضِلاً عن كفايته، بل المعتبر قوت يومه، ويفارق الكَفَّارة؛ لأن لها بدلاً ينتقل إليه، فخفف الأمر فيها، ولا بدل للفطرة فمتى قدر عليه بوجه ما، لزمه القضاء كقضاء الدَّيْنِ، وذكر في "التهذيب" أيضاً ما يوجب إثبات وجهين في المَسْألة، والأصَحُّ عِنْدَهُ الأَوَّلُ كما في الكتاب، وقد احتج له بقول الشافعي ﵁ أن الابن الصغير إذا كان له عبد يحتاج إلى خدمته فعلى الأب أن يُخْرِجَ فِطْرَتَهُ، كما يخرج فِطْرَة الابن، ولولا أن العبد غير مَحْسُوب لسقط بِسَبَبِه نَفَقَةُ الابْنِ أيضاً، ثم ذكر الإمام ﵀ شيئين:
أحدهما: أن كَوْنَ المُخْرَجِ فاضلاً عن العَبْدِ والمَسْكَنِ، وإن شرطناه في ابتداء الثبوت، فلا نشترطه في الدَّوَام، بل إذا ثَبَتَتْ الفِطْرَة في ذِمَّةِ إِنْسَانٍ بِعْنَا عَبْدَهُ وَمَسْكَنَهُ فيها؛ لأنها بَعْدَ الثُّبُوتِ التَحَقَتْ بِالدُّيُونِ.
والثاني: أن ديون الآدميين تَمْنَع وجوبَ الفِطْرَة وِفَاقاً؛ كما أن الحاجَة إلى صَرْفِهِ إِلَى نفقةِ الأقَارِب تَمْنَعُهُ، قال: ولو ظَنَّ ظان أن دين الآدمي لاَ يَمْنَعه على قَوْلٍ، كما لا يمنع وُجوب الزَّكاة كان مُبْعَداً، هذا لَفْظُهُ وفيه شيءٌ آخر نذكره في أواخر صَدَقه الفِطْرِ -إن شاء الله تَعَالى جَدُّه-. فعلى هذا يُشْتَرَطُ مع كون المُخْرَج فَاضِلاً عما سبق كَوْنُه فاضلاً عن قدر ما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ولم يتعرض له في الكِتَاَب، بل ليتعرض لِمَا اتفقت الكلمة على اعتباره وهو كَوْنُه فَاضِلاً عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَمُونُه إِلاَّ أن يقال: إنه تعرض له على سبيل الإشَارة، فإنه إذا اعتبر كَوْنه فَاضِلاً عن العبد والمَسْكَن، فأولى أن يَكُونَ فَاضِلاً عنه. وقولَه: (صاع من الطَّعَام) لا يخفى أنه غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وإنما المراد قدر صاع من أي جنس كان من المال.
стр. 1263
قال أبو حنيفة ﵀: اليسار المعتبر في الباب أن يكون مالكاً لِنِصَابٍ زَكَوِي، ومالك وأحمد وافقنا على عَدَم اعتباره؛ لأن الحَقَّ المَاليَّ الذي لا يزيد بزيادة المال لا يعتبر فيه وجود النِّصاب، كالكَفَّارَاتِ، ثُمَّ الْيَسار إِنَّمَا يُعْتَبَرُ وقت الوجوب، فلو كان معشراً عِنْدَه، ثم أيسر فلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأن وُجُودَ الشَّرْطِ بَعْدَ فَوَاتِ الوَقْتِ لا يغني، ولو وَجَدَ بَعْضَ أَسْبَاب الكَفَّارات من الشَّخْصِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عن جميع خِصَالِهَا، ثم قدر فعليه أن يُكَفِّر؛ لأن الَوُجُوبَ قد ثبت ثُمَّ والَأداء موقوف على القدرة، وفيه خلاف يذكر في موضعه. وقوله: (فلو أَيْسَرَ بَعْدَ الْهِلاَلِ) هذا التَّصْوِير مُفَرَّعٌ على قولنا أن وقت الوجوب الاستهلال، وقد سبق لَهُ نَظِير.
وقوله: (لم يتجدد الوجوب) فيه ضرب من التَّوَسُّعِ، إذ لم يكن في الابتداء وجوب، حتى يفرض تَجَدّده، أو عَدَم تجدده والمراد منه لم يثبت الوجوب، وليكن مُعَلَّماً بالميم؛ لأن القاضي الرَوَيانِي، وصاحب "البيان" رويا عن مَالِك أنه إن أيْسر يوم الفطر، وجب عليه الفِطْرة. وقوله: (بخلاف الكفارات) أي: على ظاهر المَذْهَب، وهو أن الوجوب ثَابِت إذا قدر بعد الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ الخِصَالِ، وإلاَّ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْحُكْمِ.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ نِصْفَ صَاع وَجَبَ إِخْرَاحُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صاعاً وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَأَقَارِبُهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: عَنْ زَوْجَتِهِ لِأنَّ فِطْرَتَهَا دَيْنٌ وَالدَّيْنُ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذِهِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ وَاحِدٍ وَإِنْ شَاءَ وَزَّعَ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ التَّوْزِيعُ وَلَكِنْ يُخْرِجُ عَمَّنْ شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صَاعاً وَلَهُ عَبْدٌ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَلزَمه بَيْعُ جُزْءٍ مِنَ العَبْدِ فِي زَكَاةِ نَفْسِ العَبْدِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَو فَضُلَ صَاعٌ عَنْ زَكاتِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَهُ أَقَارِبُ قَدَّمَ مَنْ يُقَدِّمُ نَفَقَتَهُ، فَإِنْ اسْتَوَوا فَيَتَخَيَّرُ أَوْ يُقَسِّطُ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في الفصل فروع:
أحدها: لو فضل معه عما لا يجب عليه بعض صَاعٍ من نصف وثلث وغيرهما فهل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ عن أبي إِسْحَاق:
أحدهما: لا، كما إذا لم يجد إِلاَّ نِصْفَ رَقَبَةٍ، لا يجب إعتاقه في الكُفَّارة، وكذا لو لم يقدر إلاَّ على إطعام خَمْسَة مَسَاكِين، أو كسوتهم. وأصحهما: نعم؛ محافظةً على الواجب بقدر الإمكان، ويخالف الكفارة من وجهين:
أحدهما: أن الكَفَّارة لا تتبعض؛ والفِطْرَة تتبعض في الجملة، ألا ترى أنه لو مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ يَلْزَمِه نِصْفُ صَاعٍ.
стр. 1264
والثاني: أن الكفارة لها بدل والفِطْرة لاَ بَدَلَ لَهَا، فصار كما لَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ العَوْرَة يلزمه التَسَتَّر بِهِ حتى لو انتهى في الكَفَّارة إلى المرتبة الأخيرة، وهي الإطعام، ولم يجد إطعام ثَلاَثين. قال الإمام: يتعين عندي إطعامهم قَطْعاً. والثاني: لو فضل صاع وهو يحتاج إلى إخراج فِطْرة نَفْسِهِ، وله زوجة وأقارب ففيه وجوه:
أصحها: أنه يلزمه تقديم نفسه، لقوله ﷺ : "ابْدَأ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (١).
والثاني: أنه يلزمه تَقْديم زوجتهِ، لتأكد حَقِّها، وثبوتِهِ بالعِوَض، ولهذا تستقر نفقتها في الذِّمَّة بخلاف نَفَقة غيرها.
واحتج في الكتاب لهذا الوجه بأن فِطْرَتَها دَيْنٌ، والدَّيْنُ يمنع وجوب هذه الزَّكَاة، أما كَوْنُه الدَّين مَانِعاً لهذه الزَّكاة. فوجهه: ما سبق في الفَصْلِ الَّذِي قبل هذا.
وأما المُقَدِّمة الأولى، فَلِصَاحِب الوَجْهِ الأَوَّلِ أن يقول إن ادعيت أن فطرتها دين، والحالة هذه فهو مَمْنُوع بل عِنْدِي لا يُلْزَم فِطْرَتَها، إِلاَّ إِذَا فضل عن فطرة نَفْسِهِ شيء، وإن لم يَتعرض فهذه الحالة، فكما أن فطرتها دين في الجملة، ففطرة نفسه وأقاربه دين في الجُمْلة، فلم تمنع فِطْرتها وجوبَ فِطْرَةِ غَيْرِهَا، ولا ينعكس.
والثالث: أنه يَتَخَيَّر إِنْ شاء أخرج عَنْ نَفْسِهِ، وإن شاء أخرج عَنْ غَيْرِهِ لاستواء الكُلِّ في الوجوب، ويحتج لهذا الوجه بقوله في "المختصر": "فإن لم يكن عنه بعض القوت ليوم إلاَّ ما يؤدي عن بعضهم أدى عن بعضهم"، أطلق الأداء عن البعض إِطْلاَقاً، وهذا الوجه أرجح عند القَاضِي الرّويَانِي، وإذا قلنا: به فلو أراد أن يوزع الصَّاع، هل له ذلك؟ نقل في "النهاية" فيه وجهين: وجه الجواز؛ صيانةً للبعض عن الحرمان، ووجه المنع، وهو الأصح نقصان المخرج عن قدر الوَاجِب في حَقِّ الكُلِّ، مع أنه لا ضرورة إليه، والوَجْهَان عَلَى قَوْلِنَا أن من لم يجد إلاَّ بعضَ صَاعٍ يلزمه إِخْرَاجُهُ، فَإِنْ لم يلزمه لم يجز التوزيع جَزْماً، وأورد المَسْعُودي وَجْهَ التَّوْزِيع إيراداً يُشْعِر بأنه يتعين ذلك، محافظةً على الجوانب -والله أعلم-.
الثالث: لو فضل صَاعٌ، وله عبد صَرَفَه إلَى نَفْسِهِ، وينظر في العبد، إن كان محتاجاً إلى خِدْمَتِهِ، فَهَل عليه أن يَبِيع جزءاً منه في فِطْرَتِهِ؟ فيه وجهان موجهان بطريقين:
أحدهما: توجيه إلزام البيع بأنه مَبِيعٌ فِي الدَّيْنِ، فكذلك هاهنا بخلاف الكَفَّارة،
стр. 1265
فَإِنَّ لَهَا بَدَلاَ. وتوجيه الآخر بأن تكليفه إزالة الملك عنه مع أنه محتاج إليه إضرار به، وهذا ما أورده في "التهذيب".
والثَّانِي: توجيه الإلْزَام بالقياس على سائر الأموال المَبيعة في الفِطْرة، وتوجيه الآخر بأن الفَاضِلَ ينبغي أَن يكون غير ما عنه يخرج، وهذا ما أَشار إِلَيْه الإمام، ويحسن أن يرتب فيقال: إن قلنا: الفطرة يجب أن تفضل عن عبد الخِدْمة فلا يباع شيء منه، وإن قلنا: لا يجب ذلك، فوجهان للمأخذ الثاني، وإن كان العبد مستغنى عنه جَرَى الخِلاَف بالنَّظر إلى المأخذ الثاني. وإذا وقع السُّؤالُ عن مطلق العبد حَصَل في الجواب ثلاثة أوجه، وهكذا أورد الإمام ﵀.
ثالثها: الفرق بين عبد الخِدْمة، والعبد المستغنى عنه وهو الأظهر.
وصوّر صاحب الكتاب المسألة في "الوسيط" فيما إذا كان العَبْد مُسْتغنى عنه، وربما أَوْهَم ذلك تقييد الخلاف به، ولا شَكَّ في أنه لا يتَقَيَّد، إِنَّمَا الكَلاَم في أنه هَلْ يُجْزِئ فيه؟ الرابع: لو فضل صَاعَان عَنْ قَدْرِ الحَاجَةِ، وفي نفقته جَمَاعة فَهَلْ يُقَدِّم نفسه بواحد أم يتخير؟ فيه وجهان لا يخفى خروجهما مما سبق، الأصح أنه يُقَدَّم نفسه، ثُمَّ فِي الصاَّعِ الثَّانِي، ينظر إن كان من في نفقته أقارب، فيقدم منهم من يُقدم في النفقة، والقول في مراتبهم خلافاً ووفاقاً موضعه "كِتَابُ النَّفَقَاتِ" فإن استووا فيتخير أم يُقَسِّط؟ فيه وجهان وتوجيههما مَا سَبَقَ، ويتأيد وجه التَّقْسِيط بِالنَّفَقَة، فَإِنَّهَا تُوَزَّع فِي مثل هَذِه الحَالَةِ، ولم يَتَعَرَضُوا لِلإقْرَاعِ هاهنا، وله مجال في نظائره (١).
وقوله في الكتاب: (ولو فضل صَاعٍ عن زكاته ونفقته) أي: ونفقة من في نَفَقته، وأراد ما إذا فَصل صَاعَانِ على مَا أَوْضَحْنَاه لكن فرع في التَّصْوِيرِ عَلَى الأَصَحِّ، وهو أنه يقدم نَفْسِهِ بِصَاعٍ، فإن اجتمعت الزوجة مع الأقارب ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تقديم القَرِيب؛ لأن عُلْقَتَهُ لاَ تَنْقَطِعُ، وَعُلْقَه الزوجية يعرض لها الانقطاع، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة ﵀.
وأصَحُّهُمَا: تقديم الزَّوْجَةِ: لأن نفقتها آكد ألا ترى أنها لا تَسْقُطُ بِمضِيِّ الزَّمَانِ.
وثالثها: التخير، وعلى الأَصَحِّ فلو فضل صَاعُ ثَالِثٌ، فإخراجه عن أقاربه على مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا تَمَحَّضُوا، وظاهر المذهب من الخِلاَف الذي ذَكَرْنَاه، وبما أَخَّرْنَاه إلى النفقات أنه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم ولده الكبير، -والله أعلم-.
стр. 1266
قال الغزالي: (الطَّرَف الثَّالِثُ) فِي الوَاجِبِ وَهُوَ صَاعٌ مِمَّا يُقْتَاتُ، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ (ح) وَالْمُدُّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ.
قال الرافعي: الواجب في الفطرة من كُلِّ جنْسٍ يخرجُه صَاعٌ، وبه قالَ مَالِك وأحمدُ خلافاً لأبي حنيفة ﵏ إذ قال: "يكفي من الحنطة نصف صاع"، وعنه: في الزبيب روايتان.
لنا: ما روي عن أبي سَعِيدٍ الخدريّ ﵁ قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، صَاعاً مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ، أوْ صَاعاً مِنْ زَبيبٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أقِطٍ، فَلاَ أزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ مَا عِشْتُ" (١). والصَّاع أربعة أَمْدَاد، والمُدَّ رَطلٌ وَثُلُثٌ فيكون الصَّاع بالأرطال خمسةً وثلثاً. وقال أبو حنيفة ﵀: الصاع ثمانية أرطال، أربعة أمداد.
لنا: نقل أهل المدينة خلفاً عن سَلَفٍ، ولمالك مع أبي يوسف -رحمهما الله- فيه قصَّة مشهورة (٢)، وجملة الصَّاعِ بالوزن ستمائة دِرْهم، وثلاثة وتسعونُ درهماً وثلث درهم (٣)، قال ابن الصَّبَّاغِ وغيره: والأصل فيه الكَيْل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً (٤). وقوله في الكتاب: (مما يقتات) غير مجرى على ظَاهِرة، لا في شمول الحكم لكل مقتات، ولا في قصره عليه، أما الأول فلان الأقوات النَّادِرَة كالغث وحَبِّ الحَنْظَل وغيرهما لا يجري نص عليه، وقد بين في الكتاب ذَلِكَ بقوله من بعد: "والقوت كل ما يجب فيه العُشْر" أي: معنى بالقوت هاهنا ذلك، وأما الثَّاني فلما سَيَأْتي في الأقط، ويجوز إعلام قوله: (مما يقتات) بالواو لما سيأتي.
стр. 1267
قال الغزالي: وَالقُوتُ كُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ، وَفي الأَقِطِ قَوْلاَنِ لِلتَّردُّدِ فِي صِحَّة حَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ، فَإِنْ صَحَّ فاللبن وَالجُبْنُ فِي مَعْنَاهُ دُونَ المَخِيض وَالسَّمْنُ، ثُمَّ لاَ يُجْزِئُ المُسَوِّسُ وَالمَعِيبُ وَلاَ الدَّقيقُ، فَإنَّهُ بَدَلٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ أَصْلٌ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في جنس المخرج، والذي سبق كان في قدره، وكل ما يجب فيه العشر فهو صَالِحٌ لإخراج الفِطْرَة منه، فمن أنواعه ما هو مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ في الخبر، ومنها ما هو مقيس عليه، وذكر الموفق ابْنُ طَاهِر أن صاحب "الإفصاح"، حكى عن القَدِيم قولاً أنه لا يجزئ إخراج العَدَسِ والحُمّصِ فِي الفِطْرَةِ؛ لأنهما أدمان، والمذهب الأول، وفي الأقط طريقان:
أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز إخراجه؛ لأنه إما غير مُقْتَاتٍ، أو مُقْتَاتٍ لاَ عُشْرَ فِيهِ، فأشبه الفث، وما إذا اقتاتوا ثمرة لا عُشْرَ فِيهَا، وبهذا قَالَ أبو حَنِيفة إلا أن يخرجه بدلاً بالقيمة. والثاني -وبه قال مَالِكٌ وأحمد -رحمهما الله-: يجوز؛ لحديث أبي سعيد (١) وكلام الإمام يقْتَضِي تَرْجِيح القول الأَوَّلِ، وصغو الأكثرين إلى ترجيح الثَّانِي، ويحكى ذلك عنَ القاضي أَبِي حَامِدٍ، وبه أجاب مَنْصُورُ التَّمِيمِيّ في المُسْتَعْمَل.
والطريق الثَّاني -وبه قال أبو إسحاق-: القطع بالجواز، وإنما علق القول فيه حين لم يصح الخبر عنده، فلما صَحَّ جزم (٢) به، فإن جوزنا فقد ذَكَر في الْكِتَاب أن الجبن واللبن في معناه، وهذا أظهر الوَجْهَيْن، وفيه وجه أن الإخراج منهما لا يجزئ؛ لأن الخبر لم يرد بهما، ويشبه أن يكون هذا الخلاف جارياً في إخراج من قوته الأقط واللبن والجبن لما بينهما من التَّقَارب، كأنهما جنس واحد، وفي إخراج من قوته اللبن اللبن.
أما الأول: فلأن أصحابنا العراقيين حكوا عن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ جواز إخراج اللبن مع وجود الأقط؛ لأنه يَصْلُح للأقط وغيره.
стр. 1268
وعن الشَّيْخ أَبِي حَامِدٍ: أنه لا يجزئ اللَّبن مع وجود الأقط؛ لأنه يصلح للادخار واللبن لا يصلح لَه، ففرض الخلاف في حالة وجود الأقط يَدُلُّ على ما ذَكَرْنَاه.
أما الثاني: فلأن صاحب "التهذيب" حكى في الدين قوتهم اللبن أنَّ في إخراجهم اللّبن وجهين على قولنا يَجُوزُ إخراج الأَقَط، واتفقوا عى أن أخراج المخيض والمصل والسمن لا يجزئ؛ لأن الاقتيات إنما يحصل عند اجتماع جزئي اللّبن، وهذه الأشياء لا تصلح للاقتيات، حتى لو كان الجبن منزوع الزبد لم يكن مجزئاً أيضاً.
ثُمَّ في الفَصْلِ مَسْألتان:
إحداهما: لا يجزئ المسوس والمَعِيب (١) من هذه الأجناس كما لا يجزئ المعيب في سَائِر الزَّكَوَاتِ وإذا جَوَّزْنَا الأقط لم يجز أخراج المملح الذي أفسد كثرةُ الملح جَوْهَرَهِ؛ لأنه معيب وإن لم يفسد جوهره لكن كان الملحُ ظَاهِراً عليه فالملح غير محسوب، والشرط أن يخرج قدر ما يكون محض الأقط منه صاعاً.
ويجزئ الحب القديم وإن قَلَّت قيمته بسبب القدم إذا لم يتغير طَعْمُه وَلَوْنُه.
الثَّانية: لا يجزئ الدَّقيق ولا السويق (٢) ولا الخبز؛ لأن النص ورد بالحب وأنه يصلح لما لا تصلح له هذه الأشياء، فوجب اتباع مورد النص، ولهذا منعنا إخراج القيمة. وقال الأَنْمَاطِيُّ (٣): يجزئ الدقيق.
قال ابْنُ عَبْدَانَ: ويقتضي قوله إجزاء السَّويق، وقياسه تجويز الخبز أيضاً، قال: وهذا هو الصَّحِيح؛ لأن المقصود إشباع المساكين في هذا اليوم.
لنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب خَاصَّة.
قوله: (والقوت كل ما يجب فيه العشر) ليس المراد منه أن القوت هذا على الإطلاق؛ فإن لفظ القوت يقع على غيره، ألا ترى أن الشَّافِعِيَّ ﵁ سمى
стр. 1269
القَثَّ قوتاً وإن لم يجب فيه العشر، وإنما المراد منه أن لفظ القوت إذا استعملناه في هذا الباب عنينا به ما يجب فيه العشر، ثم نظم الكتاب يقتضي حَصْرَ الإجزاء فيما يجب في العشر؛ لأنه قال: "الواجب صاع مما يقتات"، ثم قال: "والقوت ما يجب فيه العُشْر"، وإنما يثبت الحضر إذا لم يحكمن بأجزاء الأقط، وهو الأظهر عند الإمام، فلعَلَّ حجة الإسلام ﵀ نجا نحوه، لكن صغو الأكثرين إلى إجزائه كما بَيَّنَاه.
وقوله: (في الأقط قولان) مُعَلَّم بالواو للطريقة المعزية إلى أبي إسحاق.
وقوله: (للتردد في صحة حديث ورد فيه) أراد فيه ما ذكره الإمام أنه روى في بعض الرويات "أَوْ صَاعاً مِنْ أقط" وليست هذه الرواية على الحد المرتضى عند الشافعي ﵁ وليست على حَدّ التزييف عنده فتردد لذلك قوله.
وقوله: (فإن صح فاللبن والجبن في معناه) أي: في ثبوت حكم الإجزاء وإلا فمطلق كونه في معناه غير مشروط بالصِّحَّة؛ بل إن صح فيشتركان في الإجزاء وإن لم يصح ففي عدم الإجزاء ثم هو مُعَلَّمٌ بالواو لما سبق.
وقوله: (ولا الدقيق) بالحاء والألف، وكذا قوله: (أنه بدل) فإن عندهما هو مجزئ، وهو أصل وأشار بقوله: (فإنه بدل) إلى أن الأبدال غير مجزئه في الزكاة على أصلنا، وهذا من جملتها؛ لأنه غير المنصوص عليه.
وقوله: (وقيل: إنه أصل) هو الذي حكيناه عن الأَنْمَاطِيّ، ونقل الإمام الخلاف في الدَّقيق، قولين عن رواية العراقيين، وذكر أنه مأخوذ من الأقط المضاف إلى اللبن.
قال الغزالي: ثُمَّ يَتَعَيَّنُ مِنَ الأَقْوَاتِ القُوتُ الغَالِبُ يَومَ الفِطْرِ فِي قَوْلٍ، وَجِنْسُ قُوتِهِ عَلَى الخُصُوصِ فِي قَوُلٍ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ فِي الأَقْوَاتِ، وَإذَا تَعَيَّنَ فَلَوْ أَبْدَلَ بالأَشْرَفِ، جَازَ كَإبْدَالِ الشَّعِيرِ بِالبُرِّ، وَلَوْ كَانَ اللاَّئِقُ بِحَالِهِ الشَّعِيرُ فَأَكَلَ البُرَّ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ أَخْذُ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ قُوتُ مَالِكِي عَبْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِلاَفِ النَّوْعَيْنِ بَأْسٌ، وَقِبيلِ: يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الأرْدِ مُوَافَقَةُ صَاحِبِ الأَشْرَفِ حَذَراً مِنَ التَّنْوِيعِ.
قال الرافعي: هل يتخير مخرج الفطرة بين الأجناس المجزئة؟
قال العراقيون والشيخ أبُو عَلِيّ: فيه وجهان:
وقال المَسْعُودِي وطائفة: قولان:
أحدهما: أنه يتخير؛ لظاهر قوله في الخَبَر: "صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ" (١)
стр. 1270
وبهذا قال أبو حنيفة ﵀، وهو الأَصَحُّ عند القاضي الطَّبري فيما حكى القاضي الرَّوَياني. وأصحهما: عند الجمهور: أنه لا يتخير، وكلمة (أو) محمولة على بيان الأنواع، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) فإنه ليس للتخير، وإنما هو لبيان أنواع العقوبة المختلفة بحسب اختلاف الجريمة، وعلى هذا فوجهان:
أصحهما -وبه. قال ابن سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاق-: أن المعتبر غالب قوت البلد، فإن كان بالحجاز أَخْرَج التمر، وإن كان ببلاد العراق، أو خراسان فالحنطة، وإن كان بطبرستان أو جيلان فالأرز، ووجهه قوله ﷺ : "اغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" (٢) ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان مغني عن الطَّلَبِ، فإنَ الظاهر أنه يطَلب القوت الغالب في البلد، وبهذا قال مالك.
والوجه الثاني: وبه قال أَبُو عُبَيْد بنُ حَرْبَوَيْهِ: أن المعتبر قوته على الخُصُوصِ، كما أن في الزكاة يعتبر نوع ماله لا الغالب. قال ابْنُ عَبْدَان: وهذا هو الصَّحِيح عِنْدِي.
ويتعلق بهذا الاختلاف فروع: أحدها: إذا تَعَيَّن جنس إما لكونه غَالِبَ قُوتِ البلد، أو لكونه غَالِبَ قُوتِه، فليس المراد منه أنه لا يجوز العُدول عنه بحال، بل المراد أنه لا يجوز العُدُول عنه إلى ما هو أدنى منه، أما لو عدل إلى الأَعْلَى فَهُوَ جَائِز بالاتفاق. فإن قيل: إذا عيّنا جنساً فَهَلاً امتنع العدول إلى غيره، وإن كان أعلا: كما أن الفِضَّة إِذَا تعينت في الزكاة امتنع العدولُ إلى الذَّهَب، وكذلك يمتنع العدولُ من الغَنَمِ إلى الإبِلِ، فيجوز أن يقال في الجواب: الزَّكَوَات الَمالِيَّةُ مُتَعَلِّقَة بالمال فأمر بأنه واسى الفقير مما واساه الله تعالى، والفطرة زكاة البدن فوقع النظر فيها إلى ما هو غذاء البَدَنِ، وبه قوامه والأقوات متشاركة في هذا الغَرَضِ، وتعيين شيء منها رفق وترفيه، فإذا عدل إلى الأعلى كاْن في غَرَضِ هَذِهِ الزَّكاة كما لو أخرج كرَائِمَ ماشيته.
وفيما يعتبر به الأدنى ولأعلى؟ وجهان:
أحدهما: أن النظر إلى القيمة [لأن] (٣) ما كان أكثر قيمة، كان أرفق بالمَسَاكين وأشق على المالك، وبهذا قَالَ أحمد فيما حكاه القَاضِي الرّويَاني.
وأظهرهما: أن النظر إلى زيادة صَلاَحية الاقتيات فعلى الأول يختلف الحالُ باخْتِلاَف البِلاَدِ وَالأَوْقَاتِ إلا أن يعتبر زِيادة القيمة في الأكثر، وعلى الثَّاني البرُّ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ والأرز، ورجح في "التهذيب" الشَّعِير أيضاً على التَّمْرِ، وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ -
стр. 1271
رحمه الله-: أن التمر خير منه، وله في الزبيب والشَّعير، وفي التمر، والزَّبيب تردد.
قال الإمام والأشبه تقديم التَّمْرِ على الزبيب.
الثاني: إذا قلنا إن المعتبر قوت كل شخص بنفسه وكان يليق بحاله البر وهو يقتات الشِّعِير بُخْلاً لَزِمَهُ البُرُّ.
ولو كان يليق بحاله الشعير لكنه كان يتنعم باقتيات البُر، فهل يجزئه الشَّعِير؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ نظراً إلى عادته.
وأصحهما: نعم؛ نظراً إلى اللائق بأمثاله، ويشبه أن يرجع هذا الخلاف إلى اختلاف عبارتين للأصحاب في حكاية وجه ابن حَرْبَوَيهِ، فحكي بعضهم أن المعتبر قوت الشخص في نفسه. وحكى آخرون أن المعتبر القوت اللائق بأمثاله، فعلى الثانية يجزئ الشعير، وعلى الأولى لا يجزئ. والثانية: هي التي أوردها الصيدلاني وجمع صاحب "التهذيب" بينهما ورجح الثانية. الثالث: قد يخرج الواحد الفطرة عن شخصين من جنسين فيجزئه كما إذا أخرج عن أحد عبدَيْه أو قريبية من غلب قوت البلد، إن اعتبرناه أو من غالب قوته إن اعتبرناه، وعن الآخر من جنس أعلى منه، وكذا لو ملك نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْنِ فأخرج نصف صَاعٍ عن أحد النِّصْفَين من الواجب، ونصفاً عن الثَّاني من جنس أعلى منه، وإذا خَبَّرنا بين الأجناس فله إخراجهما من جنسين بِكُلِّ حَالٍ.
ولا يجوز أن يخرج الواحد عن الواحد الفِطْرَة مِنْ جِنْسَيْنِ وإن كان أحدهما أعلى من الواجب كما إذا وَجب الشَّعير فأخرج نِصْفَ صَاعٍ منه ونصفاً من الحنطة، ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
لنا: ظاهر الحديث: "فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ" (١) وإذا بعض لم يخرج صاعاً من تمر، ولا صاعاً من شعير، وأيضاً فإنها واجب واحد فلا يجوز تَبْعيضه، كما لا يجوز في كَفَّارة اليمين أن يُطْعِمَ خَمْسَةَ، ويكسو خَمْسة.
ولو ملك رجلانِ عَبْدًا فإن خيرنا بين الأجناس أخرجَا ما شاء بشرط اتحاد الجنس، وإن أوجبنا غالب قوت البلد وكانا في بلد واحدٍ أخرجا من ذلك بحسب الملك صاعاً منه، هكذا أطلقوه، وهو محمول على ما إذا كان العَبْدُ عندهما أيضاً؛ لأنه إذا كان غائباً وجب النظر في أن الفطرة تجب على السَّيد ابتداء أم هو متحمل لما سنرويه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، ولأن صاحب "المهذب" حكى أنه لو كان له عبد غائب، وقوت
стр. 1272
بلده يخالف قوت بلد العبد فالواجب قوت بلده أو قوت بلد العبد، يخرج على الأصل المذكور، وإن كان السَّيِّدانِ في بلدين مختلفي القوت، اعتبرنا قوت الشَّخص بنفسه واختلف قوتهما ففيه وجهان:
أظهرهما -وبه قال أبو إسحاق وابن الحداد-: أنه يجوز أن يخرج كل واحد منهما قدر ما يلزمه من قوته أو قوت بلده؛ لأنهما إذا أخرجا هذا أخرج كُلُّ واحد منهما جميع ما لزمه من جنس واحد، وشبه ذلك بما إذا قتل ثلاثة من المُحْرِمين ظبية، فذبح أحدهم ثلث شاة وأطعم الثَّاني بقيمة ثلث شاة وصام الثَّالث عدل ذلك يجزئهم.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: لا يجوز ذلك؛ لأن المخرج عنه واحد فلا يتبعض واجبه على هذا فوجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده الإمام والمصنف-: أن على صاحب الارداء موافقة صاحب الإشراف احترازاً من التفريق، ومحافظة على جانب المساكين.
والثاني: أن صاحب الإشراف ينزل ويوافق صاحب الإرداء دفعاً للضرر عنه، وهذا حَكَاه القَاضِي الرّويَانِي وغيره، عن ابن سُرَيْجٍ. قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ: الوجهان عندي في الأَصْلِ مُخَرَّجَان على أن فِطْرَة العَبْدِ تَجِبُ عَلى السَّيِّدِ ابتداءً أو هو متحمل؟
إن قلنا بالأول جاز التبعيض، وإن قلنا بالثَّاني فلا؛ لأن العبد واحد لا يلزمه الفِطرة من جنسين، والشيء لا يتحمل ضَماناً إلا كما وجب.
ذكر الشَّيْخُ هَذَا فيما إذا اعتبرنا قوت الشَّخص في نفسه، واختلف قوتهما ولقائس أن يخرج الوجهين فيما إذا اعتبرنا قوت البلد وكانا مختلفي القوت على هذا الأصل أيضاً، ثم إن كان العبد في بلدِ أحدِهِمَا فعلى التقدير الثاني يلزمهما صاعٌ من قوتِ ذلك البلد وإن كانَا في بلدِ ثالث يلزمهما صاعٌ من قوت ذلك البلد الثالث، وهذا وجه قد رواه صاحب "الشامل" وآخرون مُرْسَلاً، قالوا: يخرجان صاعاً من قوت بَلَدِ العَبْدِ ولو كان الأب فِي نفقة ولدين فالقول في إخراجهما الفطرة عنه كالقول في السَّيدين، وكذا من نَصْفُهُ حر وَنِصْفُه رقيق إذا أوجبنا عليه نصف الفِطْرة على التَّفْصِيل الَّذِي سبق فيه، فعند ابن الحَدَّادِ يَجُوز أنْ يُخْرِجَا مِنْ جنسين، وعند ابْنِ سُرَيجٍ: لا يجوز.
الرابع: إن أوجبنا غالب قوت البلد، وكانوا يقتاتون أصنافاً مختلفة وليس بعضها أغلب من بعض فله أن يخرج ما شاء، والأفضل أن يخرج من الأشرف.
ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب:
أما قوله: (ثم يتعين من الأقوات القوتُ الغالبُ) معلم بالحاء.
وقوله: (وجنس قوته) بالحاء والميم. وقوله: (يتخير) بالميم؛ لما رويناه.
стр. 1273
ويجوز إعلامها جميعاً بالألف، وكذا إعلام قوله قبل هذا الفصل: (مما يقتات) لأن ابن الصَّبَّاغِ روى عن أحمد أنه لا يجوز أن يخرج إلا من الأجناس الخمسة المنصوص عليها أي: في حديث أَبِي سَعِيدٍ.
وقوله: (القوت الغالب يوم الفطر) التقييد بـ (يوم الفطر) لم أظفر له في كلام غيره، وبين لفظه هاهنا، ولفظه في "الوسيط" بعض المباينة؛ لأنه قال فيه: (المعتبر: غالب قوت البلد، في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة).
وقوله: (وجنس قوته على الخصوص) ظاهره يشعر بالعبارة الأولى من العبارتين الحَاكيتين لوجوه ابن حَرْبَوَيِه، وتسمية الأول والثاني قولين لا تكاد توجد لغيره، وإنما حَكَاهُمَا الجُمْهُور وَجْهَيْنِ:
وأما قوله: (وقيل: يتخير) فمنهم من حكاه قولاً على ما سبق.
وقوله: (ولو كان اللائق بحالة الشعير) يفرع على اعتبار قوت الشخص دون اعتبار القوت الغالب وإن كان معطوفاً على ما يتفرع عليهما جميعاً.
وقوله: (أخذ ما يليق بحاله) يجوز إعلامه بالوَاوِ لأن أحد الوجهين في الصورة الأولى أنه يتعين إخراج البر.
وقوله: (ولو اختلف قوت مالكي عبد) تفريع للمسألة على اعتبار قوت الشَّخص، وهو صحيح، لكنها لا تختص، بل تتفرع على أن المعتبر غالب قوت البلد أيضاً على الوجه الذي تقدَّم، وإطلاق النوع في المسألة تَوَسُّعٌ والمراد الجنس.
خاتمة: في باب الفطرة مسائل ذات وقع منصوص عليها في "المختصر" أهملها المصنف، ونحن لم نُؤْثِر الإعراضَ عَنْهَا:
إحداها: إذا باع عبدًا بشرط الخِيَار فوقع وقت الوُجوب في زَمَان الخِيَار، إن قلنا: الملك في زَمَانِ الخِيَار للبائع فعليه فِطْرَته وإن أمضى البيع.
وإن قلنا: إنه للمشتري فعليه فطرته وإن فسخ البيع، وإن توقفنا فإن تم البيع فعلى المشتري، وإلا فعلى البَائِع. وإن تبايعا ووقع وقت الوجوب في مجلس الخيار، كان كما لو وقع في زمان الخيار المشروط.
الثانية: لو مات عن رقيق ثُمَّ أَهَلَّ شَوَّالُ، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ أخرج ورثته الفِطْرَة عن الرَّقِيق، كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وإن كان عَلَيْهِ دَيْنٌ يستغرق الترّكَةَ، فالذي نقله المزني أن عليهم الفطرة من غير فَرْقٍ بين أن يُبَاع فِي الدَّينِ أو لاَ يُبَاع.
وعن الربيع عن الشافعي ﵁ أن عليهم إِخْرَاج الفِطْرة إن بقي الرقيق لهم فجعلوا المسألة على قولين إذا بِيعَ فِي الدَّيْنِ.
стр. 1274
وَجْهُ الوجوب أنه ملكهم إلا أنه غير مستقر، وذلك لا يمنع وجوب الفِطْرة فَإنَّهَا تجب مع انتفاء الملك أصلاً وَرَأساً فأولى أن تجب مع ضَعْفِ المِلْكِ.
ووجه المنع أن إيجاب الفِطْرَة مع نقصان الملك وكونه بَعرض الزَّوال إجْحَاف بهم، وبنى الأكثرون المسألة أولاً على أصل، وهو أن الدَّيْنَ هل يمنع انتفاء الملك في التركة إلى الورثة؟ فظاهر المذهب، وهو نصّه هاهنا أنه لا يمنع؛ لأنه ليس فيه أكْثَرُ مِنْ تعلق الدَّيْنِ بِهِ، وذلك لا يمنع المِلْك كَمَا في المَرْهُونِ والعَبْدِ الجَانِي، وقال الإصطخري يمنع، وربما جَعَلَ هَذَا قولاً ضَعِيفاً لِلشَّافعي ﵁ ووجهه أن الله تعالى جَدُّه قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى المِيرَاثِ حيث قال: "مَنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ" (١). فإن قلنا بالأول فعليهم فِطْرَتُه بِيعَ فِي الدَّيْنِ أو لم يُبَع، وفهمت من كلام الإمام أنه يجئ فيه الخلاف المذكور في المَرْهُون والمَغْصُوب، وإن قلنا بالثاني، فإن بيعَ في الدَّيْنِ فلا شَيْءٍ عليه، وإلا فَعَلَيْهِمْ الفِطْرَة وفي "الشامل" حكاية وجه مطلق أنه لا شيء عليهم، ويشبه أن يكون مأخذهما ما حكاه الإمام أن أكثر المفرعين على المَذْهَب المنسوب إلى الإصطخري يقولون بالتوقف، إِنْ صُرِف العَبْدُ إلى الدّين بَانَ أنهم لَمْ يَمْلِكُوهَا، وإن أبرأ أصْحَاب الديون أو قضاها الورثة من غير التركة بَانَ أنهم مَلَكوها، وأن بعضهم قال بثبوت الملك للورثة عند زوال الدّيون ابتداء من غير إسناد وتبين.
وعن القاضي أبي الطيب: أن فطرته تجب في تركة السَّيد على أحد القولين كالعبد الموصى بخدمته.
هذا إذا مات السيد قبل استهلال الهلال، وإن مات بعده ففطرة العبد واجبة عليه كفطرة نفسه، وتقدم على الوَصَايَا والمِيرَاث، وفي تقديمها على الدّيون طريقان:
أظهرهما: أنه على ثلاثة أقوال على ما قَدَّمْنَاها في زَكَاة المَالِ.
والثاني: القطع بتقديم الفطرة؛ لأنها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كأرش جنايته. وأما فطرة نفسه فهي على الأقوال، وحكى القَاضِي الرّويَانِي طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضاً لقلتها في الغَالِب، وسواء أثبتنا الخلاف أم لا، فالمنصوص عليه في "المختصر" تقديم الفِطْرَة على الدَّيْنِ، وذلك أنه قال ولو مات بعد ما أهل شوال، وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبداة على الديون ولك أن تحتج بهذا النص على خلاف ما قاله الإمام، وتابعه المصنف؛ لأن سياقه يفهم أن المراد ما إذا طرأت الفطرة على الدَّيْنِ الوَاجِب، وإذا كان كَذَلِكَ لم يكن الدَّيْنُ مَانِعاً مِنْهَا، وبتقدير ألا يكون هو المراد لكن اللفظ مطلق يَشْمَل ما إذا طَرأت الفِطْرَة عَلَى الدَّيْنِ، وبالعكس، فاقتضى ذلك ألا يكون الدَّيْن مَانِعاً.
стр. 1275
الثالثة: أوصى لإنسان بعبد ومات المُوصِي بعد مضي وقت الوجوب فالفطرة في تَرِكَتِهِ، وإن مات قَبْلَهُ وَقَبِلَ المُوصَى لَهُ الوصية قَبْلَ الهِلاَلِ فالفطرة عليه، وإن لم يقبل حتى دَخَلَ وقت الوجوب فعلى من الفطرة؟ يبني على أن الموصي له متى يملك الوصية؟ من قلنا: يملكها بموت الموصي، فإن قَبِلَ فعليه الفِطْرَة بِلاَ شَكٍّ، وإن رد ففيه وجهان حكاهما الشَّيْخُ أبُو عَلِيٌ.
أصحهما: الوجوب؛ لأنه كان مَالِكاً لِلْعبْدِ إلى أن رَدَّ.
والثاني: لا؛ لعدم استقرار ملكه؛ وإن قلنا: إنها تُمْلَك بالقبول، فيبنى على أن المِلك قَبْلَ القبول لمن يكون؟ وفيه وجهان:
أصحهما: أنه للورثة، فعلى هذا فَفِي الفِطْرَة وجهان:
أصحهما: أنها عليهم.
والثاني: لا؛ لأنا تبَيَّنَّا بالقبول أن ملكهم لم يستقر عليه.
والوجه الثاني: أنه باقٍ على مِلْكِ المَيِّتِ، فعلى هذا لا تَجِبُ فِطْرَتُهُ على أحد؛ لأن إيجابَها عَلَى المَيِّتِ ابتداء بَعِيدٌ.
وعند مالك، وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر أنها تجب في تركته، وإن قلنا: بالتوقف فإن قبل فلعيه الفِطْرة، إلا فعلى الورثة؟ هذا كله إِذَا قَبِلَ المُوصَى لَهُ ولو مات قَبل القَبُول وبعد وقت الوُجوب فقبول وَارِثه يقوم مَقَامَ قَبُولِهِ، والملك يقع له، فحيث أوجبنا عليه الفِطْرة لو قبلها بنفسه فهي في تركته إذا قبل وَارِثهُ، فإن لم يكن له سوى العبد تركة ففي بيع جزء منه للفِطْرة ما سبق، ولو مات بعد وقت الوُجوب أو معه فالصدقة على الورثة إِذَا قَبِلُوا؛ لأن وقت الوجوب كان في مِلْك الوَرَثَةِ -والله أعلم-.
واعلم أن حجة الإسْلام ﵀ وإن أهمل هذه المسألة الثالثة في هذا الموضع إلا أنه أشار إليها إشارة خفيفة في آخر الباب الأولِ مِنْ "كِتَابِ الوَصَايَا" وَفِقْهُهَا على الاختصار ما أَتيتُ بِهِ (١) -والله أعلم-.
стр. 1276
كِتَابُ الصِّيَامِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي الصَّوْمِ وَالفِطْرِ (أَمَّا الصَّوْمُ) فَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَسُنَنِهِ (أَمَّا السَّبَبُ) فَرُؤْيَةُ الهِلاَلِ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةَ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِ احْتِيَاطاً لِلْعِبَادَةِ بِخِلاَف هِلاَلِ شَوَّالٍ، وَيثْبُتُ بِمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ عَلَى قَوْلٍ سُلُوكاً بِهِ مَسْلَكَ الأَخْبَارِ، فَإِنْ صُمْنَا بِقَوْلِ وَاحِدٍ وَلَمْ نَرَ هِلاَلَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلاَثِينَ لَمْ نُفْطِر بِقَوْلهِ السَّابِقِ، وَقِبلَ: نَفْطِرُ لِأَنَّ الأخِيرَ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِثُبُوتِ الأَوَّلِ لاَ قَصْداً بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: قال الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (١) الآيات، وقال رسول الله ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" (٢) الحديث، وذكر للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: "صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ" (٣).
وقوله: في صدر الكتاب: (والنظر في الصوم والفطر) لم يعن به مطلق الصَّوْمِ والفِطْر، وإنما عني بهِ صَوْمَ رَمَضَان، والفطر الواقع فيه، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب: (أما صَوْمُ التطوع فكذا) أشار إلى أن ما سبق كلام في الصَّوم المفروض، وأيضاً فإنه قال: (والنظر في سببه) ومعلوم أن المذكور سَبَبُ صَوْمِ رَمَضَان لا سبب مطلق صَوْمِ الفَرْضِ وهو أعم منه، وهو الصوم.
وأيضاً فإن القسم الثاني معقود في مبيحات الإفْطَار وموجباته، وهي مخصوصة
стр. 1277
بِصَوْمِ رَمَضَانَ، إلا أن معظم الكلام المذكور في نَظَرِي الركن، والشرط لا اختصاص له بصومَ رمضان، وكان الأحسن في الترتيب أن يبين صفة الصَّوْم مُطْلَقاً ثم يذكر رُكْنَيهِ وَشُرُوطَهُ ثم يتكلم فيما يخص كل واحد من نوعي الفرض والنفل.
وفقه الفصل: أن صوم رمضان يجب بأحد أمرين:
إما استكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال؛ لما روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ذكر رمضان فقال: "لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" (١).
أما استكمال شُعْبَان فظاهر.
وأما رؤية الهِلاَل فالنَّاسُ ضربان: من رأى الهلالَ فيلزمه الصَّوْمُ قال رسول الله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" (٢) ومن لم يَرَهُ فِيمَ تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ فِي حَقِّه؟ إن شهد عَدْلاَنِ تثبت، وإن شهد واحد فقولان:
أحدهما -وبه قال مَالِك وهو رواية البويطي-: أنها لا تثبت؛ لما روي أنه ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ يَومًا إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ" (٣) ولأنه لا يحكم في هلال شَوَّال إلاَّ بقول عَدْلَيْن فكذلك في هِلاَلِ رَمَضَان. وأصحهما -وهو الذي نَصَّ عليه في أكثر كتبه، وبه قال أحمد في الرواية الصحيحة عنه-: أنها تَثْبُت؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أن مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأذِّن فِي النَّاسِ يَا بلاَلُ فَلْيَصُومُوا غَداً" (٤). وعن ابن عمر ﵄ قال: "تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَلَ، فأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَام" (٥). والمعنى فيه الاحتياط لأمر الصّومِ، قال عَلِي ﵁: "لأن أصومَ يَوْماً مِنْ شَعْبَانَ أَحَبَّ إِلَّيَ مِنْ أن أفطر يوماً مِنْ
стр. 1278
رَمَضان" (١). ونقل الشَّيخ أبو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي إِسحَاقَ طريقةً قاطعة بقبول قول الواحد، والمشهور طريقة القولين:
التفريع: إن قلنا: لا بد من اثنين فلا مدخل لِشَهادة النِّساء فيه، ولا اعتبار بقول العبيد، ولا بد من لفظ الشهادة، وتختص بِمَجْلس القَضَاء، لكنها شهادة حسبة (٢) لا ارتباط لها بالدَّعاوي، كذلك حَكَاهُ الإمام. وإن قبلنا قول واحد فهل هو على طريق الشَّهَادة أم على طريق الرواية (٣)؟ فيه وجهان:
стр. 1279
أصحهما: أنه شهادة إلا أن العَدَد سُومِحَ بِهِ، والبينات مختلفة المراتب.
والثاني -وبه قال أبو إسحاق-: أنه رواية، لأن الشَّهادة ما يكون الشَّاهِد فيها بَرِيئاً، وهذا خبر عما يستوي فيه المخبر وغير المُخْبِرِ، فأشبه رواية الخبر عن النبي ﷺ .
فعلى الأول لا يقبل فيه قَوْلُ المرأة والعَبْدِ، ويحكى ذلك عن نصه في "الأم"، وعلى الثاني يُقْبل.
وهل يشترط لَفْظُ الشَّهادة (١)؟.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ وَغَيْرُهُ: هو على الوجهين، ومنهم من قدر اشتراطه متفقاً عليه. واحتج به الوجه الأول، وهل يقبل قول الصّبي المميز الموثوق به على الوَجْهِ الثاني؟ قال الإمام فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصِّبيان، وجَزَمَ في "التهذيب" بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته، وهو المشهور، وذكر الإمام وابن الصَّبَّاغ تفريعاً على الوَجْهِ الثَّانِي أنه إذا أخبره مَوْثُوقٌ بِهِ عن رؤية الهِلاَل لزم اتباع قوله وإن لمَ يذكر بين يدي القاضي.
وقالت طائفة: يجب الصَّوْمُ بِذَلِكَ إذا اعتقد المخبَر صَادِقاً، ولم يفرعوه على شيء، ومن هؤلاء ابْنُ عَبْدَانَ وَصَاحِبُ "التهذيب" وكذلك ذكره المصنف في "الإحياء" -والله أعلم-. وعلى القولين جميعاً لا يقبل قول الفاسق، لكن إن اعتبرنا العدد اعتبرنا العَدَالَة البَاطِنَة، وهي التي يرجع فيها إلى أقوال المُزَكِّيين.
стр. 1280
وإن لم نعتبر العدد، ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان جَارِيان في قبول رواية المَسْتُور. قال الإمام: وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعَدَالَة الظَّاهِرَة، وهو بعيد.
نعم، قد نقول يأمر القَاضِي بالصَّوْمِ بمظاهر العَدَالَة كَيْ لاَ يفوت الصَّوْمُ ثم نبحث بعد ذلك، ولا فرق على القولين بين أن تكون السَّمَاءُ مصحية أو متغيمة (١).
وعند أبي حنيفة: يثبت هلالُ رمضانَ في الغَيْم بِوَاحِدِ وفي الصَّحْوِ يعتبر الاستفاضة والاشتهار، ويختلف ذلك باختلاف صِغَرِ الْبَلْدَةِ وَكِبَرِهَا.
قال الرُّوَيانِي: وربما قالوا: يعتبر عدد "القسامة" خَمْسُون رجلاً.
وإذا صمنا بقول واحد تفريعاً على أصَحِّ القولين ولم نَرَ الهِلاَلَ بَعْدَ ثَلاَثِينَ فهل نفطر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنا لو أَفْطَرنَا لَكُنَّا مفطرين بقول وَاحِدٍ، والإفطار بقول واحد لا يَجُوزُ، ألا ترى أنه لو شَهِدَ على هِلاَلِ شوال ابتداء لم نفطر بقوله:
والثاني: يفطر؛ لأن الشَّهْرَ يتم بمضي ثلاثين، وقد ثبت أوله بقول الواحد، ويجوز أن يثبت الشيء ضِمْنًا بما لا يثبت به أصْلاً ومقصوداً، ألا ترى أن النَّسَبَ والمِيرَاثَ لا يثبتان بِشَهَادَةِ النِّسَاء، ويثبتان ضِمْناً لِلْوِلاَدَةِ إذا شَهِدْنَ عَلَيْهَا.
واعترض الإمام عليه، بأن قال النسب لا يثبت بقولهن، لكن إذا ثبتت الولادة ثبت النسب بحكم الفِراش القائم، وهاهنا بخلافه.
وللمحتج أن يقول: لا معنى للثّبوت الضمني إلا هذا، وخذ مني مثله هاهنا عندي لا نفطر بقوله، لكن إذا ثبت أول الشَّهْر انتهى بمعنى ثلاثين يوماً وجاء العيد ولا صَوْمَ يَوْمَ العِيدِ. وما موضع الوجهين؟ نقل في "التهذيب" فيه طريقين:
أحدهما: أن الوجهين فيما إذا كانت السَّمَاءُ مصحيةً، إما إذا كانت متغمية فنفطر بلا خلاف، وهذا ما أورده صَاحِب "العدة"، وأوفقهما لكلام صاحب الكتاب، والأكثرين أن الوجهين شَامِلاَن للحالتين، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوَجْهِ الأَوَّلِ، لكن المعظم رَجَّحُوا الثَّانِي، وحكوه عن نصه في "الأم" وبه قال أبو حنيفة ﵀. ولو صُمْنَا بقول عَدْلَيْنِ، ولم نَرَ الهِلاَل بَعْدَ ثلاثين فإن كانت السماء متغيمة أَفْطَرْنا وَعَيَّدْنَا؛ وإن كانت مصحية فكذلك عند عامة الأصْحَاب، وحكاه في "الشامل" عن نَصِّه في "الأم" وحرملة؛ لأن العدلين لو شهدَا ابتداء على هلال شَوَّال لقبلنا شهادتهما وأفطرنا؛ فلأن نفطر بناء على ما أثبتناه بقولهما أولاً أَوْلَى، وقال ابن الحَدَّادِ: لا نفطر،
стр. 1281
وينسب إلى ابْنِ سُرَيجٍ أيضاً، وبه قال مالك؛ لأنا إنما تتبع قولهما، بناء على الظَّنَّ وقد تَيَقَّنَا خِلاَفه، وقد عرفت بما ذكرنا أن في الصُّورتين وجهين إلا أن الإفطار في الثَّانِيَة أظهر منه في الأولى، وفرَّع بعضهم على قول ابن الحدَّادِ فقال: لو شهد اثنان على هِلاَل شَوَّال، ثم لم ير الهِلاَل والسَّماء مصحية بعد ثلاثين قَضَيْنَا صَوْمَ أَوَّلِ يَوْمٍ أفطرنَا فِيهِ؛ لأنه كان كَوْنُه لأنه بَانَ كَونُه من رمضان، لكن لا كفارةَ على من جَامَع؛ لأن الكفارة تَسْقُط بِالشُّبْهَةِ، وعلى ظَاهِر المَذْهب لاَ قَضَاءَ ولا كَفَّارة.
ويتعلَّق بالقولين في اعتبار العَدَدِ مسألة أخرى، وهي: أن الْهِلاَل هل يثبُتُ بالشَّهَادة عَلَى الشَّهَادَة (١)؟ وقد حكى الشَّيْخُ أبو عَلِي فيه طريقين:
أحدهما: أنه على القَوْلَين في أن حدودَ اللهِ تعالى هَل تَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادة.
وأصَحُّهُمَا: القَطْع بثبوتِه كالزَّكاة، وإتْلاَفَ بواري المَسْجِدِ، والخلاف في الحُدُودِ المبنية على الدفع والدرء.
وعلى هذا فعدد الفُروع مَبْنِيٌّ على القول في الأُصُول إن اعتبرنا العَدَدَ في الأصُولِ فحكم الفُرُوع هاهنا حكمهم في سائر الشَّهَادَات (٢)، ولا مَدْخَل فيه لِشَهَادَةِ النِّسَاء والعَبِيدِ. وإن لَم نعتبر العدد فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية فوجهان:
أحدهما: أنه يَكْفِي واحد كرواية الأخبار.
والثاني: لا بُدَّ من اثنين.
стр. 1282
قال في "التهذيب" وهو الأصح؛ لأنه لَيْسَ بخبر من كُلِّ وجه بدليل أنه لا يَكْفِي أن يقول: أَخْبَرَنِي فلانٌ عن فلانٍ أنه رأى الهلاَل، وعلى هذا فهل يشترط إخبار حُرَّيْنِ ذكرين أم يكفي امرأتان وعبدان؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول. ونازع الإمامُ في أنه لا يَكْفِي قوله: أخبرني فلان عن فلان على قولنا أنه رواية.
وإن قلنا: إن طريقه طَرِيقُ الشَّهادة، فهل يكفي واحد أم لا بد من اثنين؟ فيه وجهان، المذكور في "التهذيب" منهما هو الثاني. ولنعد إلى ما في لفظ الكتاب.
قوله: (أما السبب فرؤية الهلال) يشعر ظاهره بالحصر، لكن الحصر غير مراد منه بل استكمال شعبان في معنى رؤية الهلال على ما بَيّناه، والتحقيق أن السَّبب شهود الشهر لا هَذَا ولا ذَاك، ولكنهما طَرِيقان لمعرفة شهود الشَّهْرِ ولا يلحق بهما ما يقتضيه حساب المنجم، فلا يلزمه به شَيْءٌ لا عليه وَعَلَى غَيْرِه.
قال القاضي الرّويَانِي: وكذا من عَرَفَ مَنَازِلَ القمر لا يلزمه الصَّوْمُ بِهِ في أصح الوجهين. وأما الجواز فقد قال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حِسَابه لا في الصوم ولا في الإفْطَار. وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان: وفرض الرُّويَانِي الوجهين، فيما إذا عرف نازل القمر، وعلم به أن الْهِلاَل قد أَهَلَّ وذكر أن الجواز اختيار ابْنِ سُرَيْج والقَفَّالِ وَالْقَاضِي الطَّبَرِي، قال: ولو عرفه بالنُّجُوم لم يجز أن يَصُومَ بهِ قولاً وَاحِداً. ورأيت في بعض المُسْوَدَّاتِ تعديَةَ الْخِلاَف في جَوَازِ العَمَل بهِ إلى غَيرِ المنجم، -والله أعلم-.
وسنذكر فائدة الجواز حيث حكمنا به من بعد.
وقوله: (وإن كانت السماء مَصْحِيَّة) مُعَلَّم بالحاء.
وقوله: (يَثْبُتُ بشَهَادَةِ وَاحِدٍ) بالميم. وكذا قوله: (ويثبت بمن تقبل روايته) بما سبق والأغلب على الظَن أنه قصد أن يورد الخلاف في المسألة كما أورده في "الوسيط" وهو حكاية ثلاثة أقوال في قبول قَوْلِ الواحد:
أحدها: أنه لا يقبل.
والثاني: بِشَرْطِ أن يكون من أهْلِ الشَّهَادة.
والثَّالث: يُقْبَلُ إذا كان من أهل الرواية، ثم إنه أغفل الأول وأرد الأخيرين، وهما مفرعان على قبول قَوْل الواحد، ولو أعلما بالواو لمكان الأول جاز، ثم الجمهور أوردهما وجهين لا قولين نعم ذكر الصَّيْدَلاَنِي أنهما قولان عن تخريج ابْن سُرَيْج، فيجوز تنزيلهما عليه.
стр. 1283
وقوله: (بخلاف هلال شَوَّال) يجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأن أبا ثور قال بثبوته بقول واحد، فإن له مذهباً تفرد به، ولكن لأنه حكى عن صاحب "التقريب" أنه ميل القول فيه. وقال بعد رواية مذهب أبي ثور: وهذا لو قلت به أكُنْ مبعداً.
ووجهه أنه إخبار عن خروج وقت العبادة فَيُقْبَلُ فيه قول الواحد كالإخبار عن دخول وقتها. وقوله: (لم نفطر) مُعَلَّم بالحاء؛ لما سبق، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (فنفطر) في الوجه الثاني بالميم؛ لأن مالكاً منع من الإفطار إلا إذا صُمْنَا بقول عَدْلَين، ولم نَرَ الهِلاَل، فأولى أن تمنع إذا صُمْنَا بقول وَاحِدٍ وَلم نره.
واعلم أن صاحب "التهذيب" ﵀، ذكر تفريعاً على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به العِتْقَ والطَّلاق المُعَلَّقَينِ بِهِلاَلِ رَمَضَانَ، ولا نحكم بِحُلُولِ الدَّيْنِ المُؤَجَّل بهِ، ولو قال قَائِلٌ: هَلاَّ ثبت ذلك ضمنًا كَمَا سَبَقَ نَظيرِه لَأَحْوَجَ إِلَى الفَرْقِ -والله أعلم-.
قال الغزالي: فَإذَا رُؤيَ الهِلاَلُ في مَوْضِعٍ لَمْ يَلزَمِ الصَّوْمُ فِي مَوضِع آخَرَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ القَصْرِ إِذَا لَمْ يُرَ فِيهِ، وَقِيلَ: يَعُمُّ حُكْمُهُ سائِرَ البِلاَدِ، فَعَلَى الأَوَّلِ لَوْ سافَرَ الصَّائِمُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُرَ فِيهِ الهِلاَلُ بَعْد ثَلاِثينَ صَامَ مَعَهُمْ بِحُكْمُ الحَالِ، وَلَوْ كَانَ أَصْبَحَ مُعَيِّداً وَسَارَت بِهِ السَّفِينَةُ إِلَى حَيْثُ لَمْ ير الهِلاَلَ كَانَ الأَوْلَى أَن يُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ وَيَبْعُد إِجَابُهُ فَإِنَّ فِيهِ تَجزِئَةِ اليَوْمِ، فَإذَا هِلاَلُ شَوَّالِ قَبلَ الزَّوَالِ لَمْ يَجُزْ (ح) الإفْطَارُ إِلاَّ بَعْدَ الغُرُوبِ.
قال الرافعي: في الفَصلِ مسألتان:
إحداهما: إذا رُئي الهلالُ فِي بَلْدَة ولم يُرَ في أخرى نظر: إن تقاربت البَلْدَتَانِ فحُكْمُهُمَا حُكْمُ البَلْدَةِ الوَاحِدَةِ، وإن تَبَاعَدَتَا فوجهان:
أظهرهما -وبه قال أبو حنيفة ﵀ وهو اختيار الشَّيخ أبي حامد-: أنه لا يجب الصَّوْم على أهْلِ البلدة الأخْرَى؛ لما روي عن كريب قال: "رَأَيْنَا الْهِلاَلَ بِالشَّام لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلاَلَ؟ قُلْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَاهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَينَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ. فَلاَ تَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الْعَدَدَ أَوْ نَرَاهُ، قُلْتُ أَوْ لاَ تَكْتفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوَيةَ؟ قَالَ: هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " (١).
стр. 1284
والثاني: يجب (١) وهو اختيار القاضي أبِي الطَّيِّبِ، ويروى عن أحمد؛ لأن الأرض مسطحة، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيرِه شَيْءٌ عَارِض؛ لأن الهِلاَلَ ليس بِمِحَلِّ الرُّؤْيَةِ. وبم يضبط تباعد البلدتين؟ اعتبر في الكتاب مَسَافة القَصْرِ، وكذلك نقله الإمامُ وصَاحِب "التهذيب".
قال الإمام: ولو اعتبروا مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر لكان متجهاً في المعنى، وقد يوجد التفاوت مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاوزتها لها، ولكن لا قائل به، هكذا ذكره، لكن العراقيين والصَّيْدَلاَنِي وغيرهم اعتبروا ما قلناه، وضبطوا التَّبَاعُدَ بِأَنْ يكون حَيْثُ تختلف المَطَالِعُ كـ"العراق" و"الحجاز" و"خراسان" والتَّقارب بأن لا تختلف كـ"بغداد" و"الكوفة" و"الري" و"قزوين"، ومنهم من اعتبر اتحاد الإقليم واختِلاَفه (٢).
ويتفرَّعُ على الوَجْهين فرعان:
أحدهما: لو شرع في الصَّوْم فِي بلدٍ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لم ير الهِلاَل فيه في يَوْمِهِ الأول فإن قلنا: لكل بَلْدَةٍ حكمها فهل يلزمه أن يصوم معهم أم يفطر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال القَفَّال وهو المذكور في الكتاب: أنه يَصُومَ مَعَهُمْ؛ لأنه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم، وقد روي أن ابن عباس ﵄ أمر كريباً بأن يقتدى بأهل المدينة" (٣).
والثاني: أنه يفطر؛ لأنه التزم حكم البلدة الأُولى، فَيَسْتَمِر عليه، وشبه ذلك بمن
стр. 1285
اكترى دَابَّةَ يجب الكِرَاء بِنَقْد البلد المُنْتَقَلِ عَنْهُ وأوهم في "التهذيب" ترجيح هذا الوجه.
وإن عممنا الحكم سائر البلاد فعلى أهل البلدة المنتقل إليها موافقته إن ثبت عندهم حال البَلْدَة المنقل عنها إما بقوله لَعَدَالَتِهِ أو بطريق آخر، وعليهم قَضَاءُ اليَوْم الأول، ولك أن تقول، قياساً على هذا: لو سَافر من البلدة التي رُئي فِيهَا الهِلاَلُ ليلةً الجُمُعَةِ إلى التي رُؤي فيها الهِلاَلُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ورؤي هِلاَلُ شَوَّالٍ ليلة السَّبْت، فعليهم التعبد معه وإن لم يصوموا إلا ثَمَانيَةَ وَعِشْرِينَ يوماً ويقضُونَ يوماً.
وعلى قياس الوجه الأول لا يلتفتون إلى قوله: رأيت الهلال، وإن قبلنا في الهلال قول عَدْل وعلى عكسه لو سافر من حيث لم يُرَ فيه الهلال إلى حيث رُوئيَ فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه فإن عممنا أو قلنا له حكم البلد المنتقل عنه فليس له أن يفطر. الثاني: رُوئي الهلالُ في بَلَدِ فأصبح الشَّخْصَ معيداً، وسارت به السَّفينة، وانتهى إلى بلدةٍ على حد البُعْدِ فصادف أهلَها صائمين، فعن الشيخ أبي محمد أنه يلزمه إمْسَاك بقية اليوم إذا قلنا: إن لكل بلدة حكمها.
واستبعده (١) الإمام من حيث أنه لم يرد فيه أكثر، ويجزئه اليوم الواحد وإيجاب إمساك بعضه بعيد، وتابعه صاحب الكتاب فقال: "ويبعد إيجابه ... " إلى آخره وللشيخ أن يقول: لم لا يجوز أن يجب إمساك بَعض اليوم، ألا ترى أن من أصبح يوم الثلاثين من شعبان مفطراً ثم قامت البينة على رؤية الهلال يجب عليه إمساك بَقِيَّة النَّهَار.
وقوله: (الأولى إمساك بقية النهار) إنما حسن منه، لأنه نفى الوجوب، أما من يوجبه فلا يقول: للمحتوم أنه أولى، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو لقوله.
واعلم أن هذه المسألة يمكن تصويرها على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك اليوم يوم الثَّلاثين مِنْ صَوْمِ أهل البَلْدَتَينِ، لكن أهل البلدة المنتقل إليها لَمْ يروا الْهِلاَل.
والثاني: أن يكون اليوم التاسع والعشرين لأهل البلدة المنتقل إليها لتأخر ابتداء صومهم بيوم وإمساك بَقِيَّة اليوم في الصُّورتين إن لم تعمم الحكم على ما ذَكَرْنَا.
وجواب الشيخ أبي محمد كما هو مبني على أن لكل بلدةٍ حكمها، فهو مبني أيضاً على أن للمنتقل حكم المنتقل إليه، وإن عممنا الحكم فأهل البَلَدِ المنتقل إليه إذا كانوا
стр. 1286
يعرفون في أثناء اليوم أنه يوم العيد فهو شبيه بما إذا شَهِد الشهود على رؤية الهلال يوَمَ الثَّلاثين، وقد سَبَقَ بَيَانُهُ في "صلاة العيد" وإن اتفق هذا السفر لعدلين وقد رَاييَا الهلالَ بِنَفْسَيْهِمَا وَشَهِدَا في البلدة للمنتقل إليها فهذا عين الشَّهادة برؤية الهلال في يوم الثَّلاثين في التصوير الأول. وأما في التصوير الثاني، فإن عَمَّمْنَا الحكم جميع البلاد لم يبعد أن يكون الإصغاء إلى كلامهما على ذلك التفصيل أيضاً، فإن قبلوا قضوا يوماً، وإن لم نعمم الحكم لم يلتفت إلى قولهما. ولو كان الأمر بالعكس فأصبح الرجل صائماً وسارت به السَّفينة إلى حيث عبدوا فإن عممنا الحكم أو قلنا: له حكم البلدة المنتقل إليها أفطرا وإلا لم يفطر، وقضى يوماً إذ لم يصم إلا ثمانيةً وعشرين يوماً.
المسألة الثانية: إذا رُئي الهلالُ بالنَّهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة، سواء رُئي قبل الزوال أو بعده (١)، فإن كان هلال رمضان لم يلزمهم إمْسَاك ذلك اليوم.
وإن كان هلال شَوّال، وهو المذكور في الكتاب لم يكن لهم الإفطار حتى تَغْرُبَ الشمس. وعند أبي يوسف: إن رُئي قبل الزوال فهو لليلة المَاضِية.
وبه قال أحمد فيما إذا كان المَرْئِي هِلاَلَ رَمَضَان، وإن كان المَرّئِيُّ هِلال شوال فعنه روايتان. لنا: ما روي عن [شقيق] بن سلمة ﵁ قال: "جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ ﵁ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ أَنْ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ نَهَاراً فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا" (٢). وفي رواية: "فَإِذَا رَأَيْتُم الْهِلاَلَ مِنْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالأَمْسِ" (٣).
إذا عرفت ذلك لم يخف عليك أن قوله: (قبل الزوال) ليس لتخصيص الحكم به، لكنه موضع الشَّبهة والخلاف، فلذلك خَصه بالذَّكْرِ فأما بَعْدَ الزَّوَال، فهو متفق عليه، وقد أعلم في النُّسخ قوله: (لم يجز الإفطار) بالحاء؛ لأن الإمام والمصنف في "الوسيط" نسبا قول أبي يوسف إلى أبي حنيفة ﵏ وهو غير ثابت، نعم يجوز إعلامه بالألف لأحدى الروايتين عن أحمد -والله أعلم-.
قال الغزالي: القَوْلُ في رُكْنِ الصَّوْمِ وَهُوَ النِّيَّةُ والإمْسَاكُ، أَمَّا النِّيَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ يَوْمٍ (م) نِيَّةً مُعَيَّنَةَ (ح و) مُبَيَّتةٌ (ح) جَازِمَةً، وَالتَّعْيينُ أَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ رَمَضَانَ غداً، وقِيلَ: لاَ يتعَرَّضُ لِلْفَرِيضَةِ، وَقِيلَ: يتعَرَّضُ لِرَمَضَانِ هذِهِ السَّنَةِ.
стр. 1287
قال الرافعي: ذكرنا اختلاف الأصحاب في أن النية ركن في الصَّلاة أم شرط، ولم يوردوا الخلاف هاهنا والأليق بمن اختار كونها هناك شرطاً أن يقول بمثله، ومنهم صاحب الكتاب، وحينئذ يتمحض نفس الصَّوم كفئاً. إذا عرفت ذلك، فقوله: (أن ينوي لكل يوم نية معينة مبيتة جازمة) ضابط أدرج فيه أموراً:
أحدها: قوله: (أن ينوي) فالنية واجبة في الصَّومُ إذ لا عمل إلا بالنية، ومحلُّها القلب، ولا يشترط النّطق في الصوم بِلاَ خِلاَف.
والثاني: قوله: (لكل يوم) فلا يكفي فيه صوم الشَّهْرِ كله في أوله خلافاً لمالك.
وبه قال أحمد في إحدى الروايتين. لنا: أن صوم كل يوم عبادة برأسها ألا ترى أنه يتخلل اليومين ما يُنَاقِضُ الصوم، وإذاكان كذلك وَجَبَ إفرادُ كُلِّ وَاحِدٍ بنيةٍ كالصَّلوات. وإذا نَوَى صوم جميع الشهر هل يصح صوم اليوم الأول بهذه النية؟ فيه تردُّدٌ لِلشَّيْخ أبي محمد، ورأيت أبا الفَضْلِ بنَ عَبْدَان أجاب بصحته، وهو الأظهر.
الثالث: التعيين وهو واجب في صَوْم الفرض، وبه قال مَالِك وأحمد في أصَحِّ الروايتين، خِلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يشترط التعيين في النذر المعين، ولا في صَوْمِ رَمَضَانَ، بل لو نوى صَوم الغد مطلقاً في رمضان، أو نوى النفل أو النذر أو القضاء أو الكفارة وقع عن رمضان إن كان مقيماً، وإن كان مسافراً فكذلك إن أطلق النفل، وإن نوى النذر أو الفضاء أو الكفارة وقع عما نَوَى، وإن نوى النَّغل فروايتان.
لنا: القياس على الكفارة والقضاء، وتعينه شرعاً لا يغني عن تجديد المكلف قَصْده إلى ما كُلِّف به، وكمال التعيين في رمضانَ أن ينوي صَوْمَ الغَدِ عن أداء فَرْضِ رَمَضَانَ هذه السنة لله تعالى.
أما الصوم والتعرض لكونه من رمضان، فلا خلاف في اعتبارهما.
وأما الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى، ففيها الخلاف المذكور في الصَّلاة، وقد أعاد ذكر الخلاف في الفريضة هاهنا.
وأما رمضان هذه السنة فقد حكى الإمام وجهاً أنه لا بد من اعتباره وتابعه المصنف، ويقرب منه حكاية صاحب "التهذيب" وجهين في أنه هل يجب أن يقول: من فَرْضِ هَذَا الشَّهْرِ أَم يكفي أن يقول: من فرض رمضان؟ وقال: الأصح الأول، والإمام زيفه بأن معنى الأداء هو القصد، فإذا خطر الأداءُ بالبَالِ فقد خطر التعرض لِلْوَقْتِ المعين، وقد يزيف أيضاً بأن التعرض لليوم المعين لاَ بُد منه، وأنه يغني عن كونه من هذاس الشَّهر، وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك، بل إذا وقع التعرض لليوم المعين لم يَضُر الخَطَأُ في أوصافه. قال الرّويَانِي في "التجربة" لو نوى لَيْلَةَ الثلاثاء صَوْمَ
стр. 1288
الغَدِ، وهو يعتقده يوم الاثنين أو نوى رَمَضَان السنة التي هو فيها وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة اثنتين صح صومه، بخلافِ ما إذا نَوى صَوْمَ يوم الثلاثاء ليلةَ الاثنين، أو رمضان سنة ثلاث في سنة اثنتين لا يصح، لأنه لم يعين الوَقْت.
واعلم: أن لفظ الغد قد اشتهر في كلام الأصحاب في تفسير التعيين، وكيفيته وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين، وإنما وقع ذلك من نظرهم إلى التبييت، ولا يخفى مما ذكرناه قياس التعيين في القضاء والنَّذْرِ والكفارة.
وأما صوم التطوع فيصح بنية مُطْلَق الصَّوْمِ كما في الصَّلاة.
فرع: قال القاضي أبو المكارم في "العدة": لو قال أتسحر لأقوى على الصَوْم لم يَكْف هذا في النية، ونقل بعضهم "عن نوادر الأحكام" لأبي العباس الروياني أنه لو تسحر للصَّوْم أو شَرِبَ لدفع العطش نهاراً أو امتنع من الأكل والشُّرب والجماع مخافة الفجر كان ذلك نيةً للصوم، وهذا هو الحقُ إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم صوم كذا، فقد قصده والله أعلم.
وقوله في الكتاب: (معينة) يجوز أن تقرأ بكسر الياء؛ لأنها تعين الصوم ويجوز أن تقرأ بالفتح كان الناوي يعينها، ويخرجها عن التَّعَلقِ بمُطْلق الصَّوْمِ، ويجوز إعْلاَم هذه اللفظة مع الحاء بالواوْ؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن الحليمي أنه قال: يَصِحّ صوم رمضان بنية مطلقة وبالألف لأن عن أحمد رواية مثله.
قال الغزالي: وَمَعْنَى التَّبِيْيتِ أَنْ يَنْوِيَ لَيْلاً، وَلاَ بالنِّصْفِ الأَخيرِ (و)، وَلاَ يَجِبُ تَجْدِيدُهَا (و) بَعْدَ الأَكْلِ وَلاَ بَعْدَ التَّنَبُّه مِنَ النَّوْمِ، وَيَجُوزُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الزَّوَالِ (م ز)، وَبَعْدَهُ قَوْلاَنِ، وهَذَا بِشَرْطِ خُلُوِّ أَوَّلِ اليَوْمِ مِنَ الأكْلِ، وَفِي اشْتِرَاطِ خُلُوِّ أَوَّلِ اليَوْمِ عَنِ الكُفْرِ وَالجُنُونِ وَالحَيْضِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الرابع: التبييت وهو شرط في صوم الفرض (١).
وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: "لا يجب التبييت في صَوْمِ رمضان والنَّذْرِ المُعَيَّنِ، بل يَصِحَّان بنية قبل الزوال".
لنا: ما روي عن حفص أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلاَ
стр. 1289
صِيَامَ لَهُ" (١). ويروي: "مَن لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ".
ولو نوى مع طلوع الفجر، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز لاقتران النية بأول العبادة، وبهذا أجاب ابْنُ عَبْدَانَ.
وأصحهما: المنع؛ لظاهر الحديث، وهذا هو قضية قوله في الكتاب: (أن ينوي ليلاً) ويتبين به أيضاً أن نية صوم الغد قبل طلوع الشمس لا تصح، وهل تختص النية بالنِّصْفِ الأخير من الليل؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ: نعم، كما يختص رمي جمرة العقبة ليلة النحر بالنصف الأخير، والمعنى فيه تقريب النية من العِبَادة.
وأصحهما: لا؛ لإطْلاَقِ الخَبَرِ، وهذا هو المذكور في الكتاب صَرِيحاً، ودلالة.
أما الصَّريح فظاهر. وأما الدلالة فقوله: (أن ينوي لَيْلاً) وإذا نوى ثم أكل أو جامع (٢) هَلْ تَبْطُلُ نيته، حتى يَحْتَاجَ إلى تجديدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الأصل اقتران النِّية بالعبادة، فإذا تَعَذَّر اشتراطه فلا أقل من أن يحترز عن تخلل المناقض الذي لا ضرورة إليه بينهما.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا حاجة إلى التجديد؛ لأن الله تعالى أَباحَ الأكْلَ والشَّرَاب إلى طلوع الفجر، ولو أبطل الأكل النيةَ لامْتَنَعَ إلى طلوع الفجر، وينسب الوجه الأول إلى أبي إسحاق، وفيه كلامان:
أحدهما: أن الإمام حكى أن أبا إسحاق رجع عن هذا عام حَجَّ، وأشهد على نفسه (٣).
والثاني: أن ابنَ الصَّبَّاغ قال: هذه النسبة لا تثبت عنه، ولم يذكر ذلك في الشَّرح.
فإن لم يتنقل الوجه إلا عنه، وثبت أحد هذين الكلامين، فلا خلاف في المسألة.
стр. 1290
ولو نوى ونام وَتَنَّبَه من نومه، واللَّيْلُ بَاقٍ هل عليه تجديد النية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم تقريباً للنية من العِبَادة بقدر الوسع؛ ونسب ابْنُ عَبْدَانَ وغيره هذا إلى الشيخ أَبِي إِسْحَاقَ أيضاً.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا حاجة إلى الجديد، لما سبق.
قال الإمام: وفي كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هَلْ هِيَ كالنوم؟ وكل ذلك مطرح. هذا حكم صوم الفرض في التبييت. أمّا التطوع؛ فتصح نيته من النَّهَار.
وبه قال أحمد، خلافاً لمالك والمزني، وأبي يحيى البَلَخِي.
لنا أنه ﷺ : "كَانَ يُدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فَيَقُول "هَلْ مِنْ غِذَاءِ فَإنْ قَالَتْ لاَ قَالَ إِنِّي صَائِمٌ وَيُرْوَى: إِنِّي إِذًا أَصُومُ" (١). وهذا إذا كانت النِّية قبل الزَّوَال (٢)، فإن كانت بعده ففيه قولان:
أحدهما: وهو رواية حَرْمَلَة: أنه يصح (٣)؛ تسويةً بين أجزاء النَّهَار، كما أن أجزاء الليل مستوية في محلية نية.
وأَصَحَّهُمَا: وهو نَصُّهُ في عامة كُتُبِهِ، أَنَّهُ لاَ يَصِحّ، وبه قال أبو حنيفة ﵀؛ لأن النقلَ لاَ يَنْبغِي أن يُخَالِفَ الفَرْضَ، كما في سائِرِ العِبَادَاتِ، إلا أَنا جَوَّزْنَا التَّأْخِيرَ بِشَرْطِ أن يَتَقَدَّمَ عَلَى الزَّوَالِ لِلْحَدِيث، فإنه وَرَدَ في النية قبل الزَّوَالِ، ألا ترى أنه يطلب الغذاء وفرقوا بين ما قبل الزوال وما بعده بأن النية إذا نشأت بعد الزوال فقد فات مُعْظَم النَّهَار، وإذا نشأت قَبْلَهُ فَقَد أَدْركت معظمه، وللمعظمَ تأثِيرٌ إدراكاً وفواتاً كما في إدراك المسبوق الرَّكعَة، وهذا الفرق إنَّما ينتظم ممن يجعله صائماً من أول النَّهَار، أما من يَجْعَله صَائِماً عن وَقْتِ النِّيَّةِ فالنِّيَّةُ عنده مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيع العِبَادَةِ، فَاتَه مُعْظَمُ النَّهَارِ، أو لِم يَفُتْ، وفيه شيْءٌ آخر ذكره الإمام وهو: أن النَّهَار إذا حُسِبَ مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ فالزَّوَال مُنْتَصفه، فتكون النِّية المتقدِّمَة عليه مدركَةُ مُعْظَمَةُ، لكن النَّهَار الشَّرْعِي مَحْسُوبٌ مِنْ طُلُوع الفَجرِ، فيتقدَّم متتصفه على الزَّوَالِ وَلاَ يَلْزَم مِنْ مُجَرَّد التَّقَدُّم عَلَى الزَّوالِ وُجُود النية في المُعْظَم، ثم إذا نوى قبل الزَّوالِ أو بعده، وجَوَّزنَاه فَهُوَ صَائِمٌ من أول النَّهَارِ حتى يَنَال ثَوَاب صَوْمِ الكُلِّ أَوْ مِنْ وَقْتِ النية، فيه وجهان:
стр. 1291
أظهرهما: عند الأكثرين أنه صَائِمٌ من أول النَّهَار فَإنَّ صَوْمَ الْيَوْم الواحد لاَ يَنْبَغي، وشبه ذلك بما إذا أدرك الإمَامَ في الرَّكوع يكون مدركاً لثوَاب جَمِيع الرَّكْعةِ.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ صَائِمٌ من وقت النية؛ لأن النية لاَ تَنْعَطف على مَا مَضَى، ولا عَمَلَ إِلاَّ بِالنية، ويقال: إن هذا هو اختيار القَفَّالِ.
فإن قُلنا بالوجه الأوَّلِ فلا بُدَّ من الإِمْسَاك واجتماع شَرَائط الصَّوْمِ في أول النَّهَار.
وإن قلنا: بالثاني، فَفِي اشْتِرَاط خُلُوِّ الأَوَّلِ عن الأَكْلِ وَالجِمَاعِ وَجْهَان:
أحدهما: لا يشترط؛ لأن الصَّوْمَ إذا كان مَحْسوباً مِنْ وقت النِّية، كَانَ بِمَثَابَةِ جُزْءٍ من اللَّيْلِ وُينْسَبُ هَذَا إِلَى ابْنِ سُرَيجٍ، وأَبِي زَيْدٍ، وزاد في "العدة" محمد بن جرير الطبري. وأصَحُّهُمَا: وهو المذكور في الكتابَ: أنه يُشْتَرط وإلاَّ بَطَلَ مَقْصودُ الصَّوْم، ويجوز أن يتقدمَ شْرطُ الشَّيءِ عليه، ألا ترى أنه يُشْتَرط تقدّم الخُطْبَة على صَلاة الجُمُعَةِ، وهل يشترط خُلُو أَوَّلِهِ عَنِ الْكُفرِ وَالْحَيْضِ وَاَلْجُنُونِ أم يجوز أن يَصْومَ الكَافِرُ إِذَا أسلم اليوم الذي أَسْلَم فيه ضُحَى، والحَائِضُ في اليوم الذي طَهُرت، والجنونُ في اليوم الذي أفاق؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع أيضاً لكون النية مسبوقة في اليَوْمِ بما يُنَاقِضُ الصَّوْم، ويجوز أن يُرَتّب الخِلاَف في اشتراط الخُلُوّ عن هذه المعاني على الْخِلافَ في اشتراط الخُلُوِّ عن الأَكْلِ، فإن لم يشترط تَرْكُ الأكْلِ فهذَا أوْلَى، وإنْ شَرَطْنَاه فَوَجْهَانِ والفرق اخلالُ الأكْلِ بِمَقْصُودِ الصَّوْمِ، وهو كسر النَّفس بالتَّجْوِيعِ.
قال الغزالي: وَالمَعْنيُّ بِالجَازِمَةِ أَنَّ مَن نَوَى ليْلَةَ الشَّكّ صَوْم غَدانْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ (ح ز) لأَنَّهَا غَيْر جَازِمةٍ، نَعَمْ لاَ يَضُرُّ التَّرَدُّدُ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ بشَهَادةٍ أَو اسْتِصْحَاب كمَا في آخِرِ رَمَضَانَ، أَوِ اجْتِهَادٍ في حَقِّ المَحْبُوسِ في المَطْمُورَة، ثُمَّ إِنْ غَلِطَ المَحْبُوسُ بالتَّأخِيْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ، وَإن غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ لَزَمَهُ القَضَاءُ، وَإنْ لَمْ يتبَينَّ إِلاَّ بَعْدَ رَمَضَانَ لمْ يَلْزمْهُ القَضَاءُ على أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكَانَ الشَّهْرُ بَدَلاً في حَقِّهِ لِلضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعاً وعِشْرِينَ كَفَاهُ وإنْ كَانَ رَمَضَانُ ثَلاَثِينَ
قال الرافعي: الخامس: كَوْنُ النية جَازِمةً.
ويتعلق بهذا القيد مَسَائِلُ: منها: إذَا نَوَى لَيْلَة الثلاثين من شَعْبَان أن يَصُوم غداً مِنْ رَمضَان لم يخْلُ إما أن يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ مِنْ رَمَضَان أو لاَ يَعتقده، فإن لم يعتقده نظر إن ردَّد نيته فقال: أصومُ عَنْ رمضان إِنْ كانَ مِنْهُ وإلا فأنا مفطره أو أنا مُتَطَوِّعٌ لم يقع صَومُه عَنْ رَمَضان إذا بَان أنه مِنْه؛ لأنه لم يَصُمْهُ على أنه فَرْضٌ وإنما صَامَ عَلَى الشَّك.
стр. 1292
وقال أَبو حنيفة، والمُزنَي: يقع عن رَمَضَان إِذَا بَانَ الْيوم منه، كما لو قال: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الغَائِب، إِنْ كَانَ سَالِماً، إلا فَهُوَ تَطَوُّعٌ، فبَانَ سَالِماً يُجْزئه.
قال الأَصحَاب: الفرق أن الأصْلَ هُنَاكَ سَلاَمَة المَالِ، فَلَهُ اسْتِصْحَابُ ذَلِكَ الأَصْلِ وهاهنا الأَصْلُ بَقَاءُ شَعبَان، ونَظِير مسألة الزَّكاة مما نحن فيه أن ينوي ليلة الثَّلاثين من رمضان صوم الغَدِ، إن كان من رَمضَان، إلا فهو مفطر، فيجزئه، لأن الأصْلَ بَقَاءَ رَمَضَان. ولو قال: أصوم غداً مِنْ رمضان، أو تطوعاً أو قال: أصوم أو أفطر، لَمْ يصح صَوْمه، لا في الأول ولا في الآخر، كما إذا قال: أصوم أولاً أصوم، وإن لم يُرَدِّدْ نِيَّتَه وجزم بالصَّوْم عن رمضان [لم يصح أيضاً] فإنه إذا لم يعتقد كَونَه مِنْ رَمضَان لمَ يتَأت مِنْهُ الجزمُ بالصَّوْم عن رمضان حقيقة، وما يعرض حَدِيث نَفْس لا اعتبار به. وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أنه يَصِح صَومُه، هذا إذا لم يعتقد كَونَه من رمضان.
وإن اعتقد كونه من رمضان نظر: إن لم يستند عَقْدُه إلى ما يُثير ظناً فَلاَ عِبْرَة به، وإن استند إلى ما يثير ظنًا كما إذا اعتمد على قول من يثق به من حُرٍّ أو عبد أو أمرأَة أو حبيبين ذَوِي رُشْدٍ، ونوى صومه عن رمضان أجزأَهُ إذا بَانَ أنه من رمضان (١)؛ لأن غلبة الظَّن في مِثْلِ هذا لَهُ حكم اليَقِين، كما في أوقات الصلاة، وكما إذا رأى الهلالَ بنَفْسه، وإن قال في نيته والحالة هذه: أصوم عن رمضان، فإن لم يكن من رمضان فهو تَطَوُّع، فقد قال الإمام: ظاهر النَّصِّ أنه لا يعتد بِصَوْمه، إذا بَانَ اليوم من رمضان لمكان التَّردُّدِ، قال: وفيه وجه آخر وبه قال المُزَنِي: أنه يصح لاستناده إلى أَصْلٍ ثم رأى طَرْدَ الخِلاَف فيما إذَا جَزَمَ أيضاً، ويدخل في قسم استناد الاعتقاد إلى ما يثير ظنًا بناء الأمر على الحِسَاب، حيث جوزناه على التَّفصيل الذي سبق -والله أعلم-.
ومنها إذا حكم القَاضِي بشهادة عدلين أو وَاحدٍ إذا جَوَّزنَاهُ وَجَبَ الصَّوْمُ، ولم يقدح ما عساه يبقى من التردد والارتياب.
ومنها: المحبوس في المطمورة إذا - اشتبه عليه شَهْرُ رمضان اجتهد وصامَ شهراً بالاجتهاد، كما يجتهد لِلصَّلاة في القبلة والوقت (٢)، ولا يغنيه أن يصوم شهراً من غير اجتهاد إن وافق رمضان (٣).
стр. 1293
ثم إذا اجتهد وصَام شهراً نظر: إن وافق رمضانَ فَذَاك، وإن غلط بالتأخير أجزأه ذلك، ولم يلزم القَضَاء، ولا يضر كونه مأنباً به على نِيِّة الأداء، كما إذا صَلَّى الظهر بنية الأداء على ظَنِّ بقاء وقتها، ثم تبين أن صَلاَته، وقعت في وقت العصر، لا قضاء عليه، وهل يكون صومه المأتى به قَضَاءً أو أداء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه قضاء لوقوعه بعد الوقت.
والثاني: أنه أداء؛ لمكان العذر، والعذر قد يجعل غير الوقت وقتاً، كما في الجمع بين الصَّلاتين. ويتفرع على الوجهين، ما لو كان ذلك الشَّهْرُ نَاقِصاً وكان رمضانُ تاماً. إن قلنا: إنه قضاء لزمه يوم آخر، وإن قلنا: أداء فلا، كما لو كان رمضانَ نَاقِصاً، وإن كان الأمر بالعكس فإن قلنا: إنه قضاء فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء فلا، وإن وافق صَوْمُه شَوَّال فالصحيح منه تسعة وعشرون إن كان كاملاً، وثمانية وعشرون إن كان ناقصاً، فإن جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصاً، فلا شيء عليه على التقدير الأول ويقضى يوماً على التقدير الثاني وإن كان كاملاً قَضَى يوماً على التقدير الأَوَّل، وَيوْمَيْنِ على التَّقدِير الثَّاني، وإن جعلناه أداءً فعليه قضاء يَوْمٍ بكل حَالِ.
وإن وافق ذا الحجة، فالصحيح منه سِتَّة وعشرون يوماً إن كان كاملاً، وخمسة وعشرون يوماً إن كان ناقصًا، فإن جعلناه قضاءً، وكان رمضان ناقصًا قَضَى ثلاثة أَيَّام على التقدير الأوَّلِ، وَيوْمَيْنِ عَلَى التقدير الثَّاني، وإن كان كاملاً قضى أَرْبَعَة أَيَّامٍ على التَّقْدِير الأول، وثَلاَثةً على الثاني، وإن جعلناه أداءً قضى أَرْبَعة أَيَّامٍ بكل حالٍ، وهذا مبني على ظاهر المَذْهَب في أن صوم أيَّامِ التَّشْرِيق غير صحيح بحَالٍ، فإن صححناه على أن للمتمتع أن يَصُومها وأن من له سبب في صومها بمثابة الَمُتَمَتِّع، فذوا الحجة كـ"شوال" ذكر هذا المستدرك ابْنُ عَبدَانَ ﵀، وإن غلط بالتقديم على رَمَضَان نظر إن أدرك رمَضَان عند تَبَيُّنِ الحَالِ لهُ فعليه أن يَصُومَه بِلاَ خِلاَفٍ، وإن لم يتبين له الحال إلا بعد مُضِيِّ رمضان فقولان:
القديم: أنه لا يقضى، كالحجيج إذا أخطأوا فَوقَفوا اليومَ العَاشِرَ يجزئهم.
والجديد: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏: أنه يقضى؛ لأنه أتى بالعبادة قَبْلَ وقتها، فلا يجزئه كالصَّلاة، وبنى القفال وأخرون القولين على أنه لو وَافق شَهْراً بَعْدَ رَمَضَانَ وإنَ قَضاءَ أو أداء، إن قلنا: بالأول فعليه القَضَاءِ، لأن القَضَاء لا يسبق الوقت، وإن قلنا بالثاني فلا قضاء؛ لأن ما بعد الوقت إن جاز أن يجعل وقتاً للعذر،
стр. 1294
فكذلك ما قبل الوقت يجوز أن يجعل وقتاً للعذر، كما في الجمع بين الصلاتين وعن أبي إسحاق طريقة أخرى قاطعة بوجوب القضاء وإن تبين بعد مُضِيِّ بَعْضُ رمضان، فقد حكى في "النهاية" طريقين:
أحدهما: طرد القولين في إجزاء ما مضى.
والثاني: القطع بوجوب الاستدراك إذا أدرك شيئاً من الشَّهر والأول أظهر والطريقان للقائلين بالقولين في الصورة الأولى، فأما أبو إسحاق فَلاَ يفرق بينهما.
إذا عرفت ما ذكرناه فارجع إلى لفظ الكِتَاب.
وأعْلَمْ أَنَّ قوله: والمعنى بالجازمة ... الخ) أراد به أنه المقصد من التقييد بهذا القيد، تَفْسِير اللفظ، وأن قوله: (لم يجز) معلم بالحاء والزاي.
وأن قوله: (نعم لا يضر التردد بعد حُصولِ الظَّن)، إشارة إلى أن القادح هو التردد الذي لا يستند احتمال الرمضانية فيه إلى دليل، ولا يترجح في ظَنِّه فأما التَّجْويز الذي يجامع الظَّن بكونه من رمضان فلا عبرة به.
وقوله: "لم يلزمه القضاء" مُعَلَّمٌ بالحاء، والميم، والألف.
وقوله: (على أحد القولين) بالواو، لطريقة أبي إسحاق.
وقوله: (كان الشهر بدلاً في حقه) أراد به المنقول عن القَفَّال معناه أن الشهر المأتى بصومه على هذا القول، إذا أقيم مقام رَمضَان وليس المراد منه أنه قضاء يصير بدلاً عن الفائت؛ لأنا إذا فرعنا عليه، لا نقول بأنه يكفيه شَهْرَه النَّاقص إذَا كَمُلَ رمضان. ومن المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَة بِقَيْد الجزم ما إِذَا نوت الحائض صَوْمَ الغد قبل أن ينقطع دَمُهَا، ثم انقطع بالليل هل يَصِح صومُها؟ إن كانت مبتدأة يتم لها بالليل أكثر الحيض أو معتادة عادتها أكثر الحيض، وهو يتم بالليل صح إذا كانت معتادة عادة دون أكثر، وكانت تُتِم يالليل فوجهان:
أظهرهما: أنه يَصِحّ؛ لأن الظَّاهِرَ استمرار عَادتها.
والثاني: لا؛ لأنها قد تَخْتَلِف.
وإن لم يكن لها عادة وكان لا يتم أكثر الحَيْضِ بالليل، أو كان لها عادات مختلفة، لم يصح الصَّوم. وأعلم أن ركن النّية، وإن كان لا يختص بصوم الفرض، إلا أن المذكور من مسائلة في الكتاب مخصوص به، لأنه قال: (أما النية فعليه أن ينوي لكل يوم ...) إلى آخره ومعلوم أن النية بالقيود المذكورة مخصوصة بالفرض.
فرعان:
стр. 1295
أحدهما: لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم (١)، لم ينتقل إليه، وهل يبطل ما هو فيه، أم يبقى نفلاً؟ على وجهين، وكذا لَو رفض نية الفَرْض عن الصَّوْم الذي هو فيه (٢).
الثاني: لو قال إذَا جاء فُلاَنٌ خرجت من صَوْمِي فهل هو خَارجٌ عن الصَّوْم عند مجيئه؟. فيه وجهان فإن قلنا: نعم، فهل يخرج في الحَال؟ فيه وجهان وكل ذلك كما في الصَّلاة، أورده في "التهذيب" وغيره.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي الإمْسَاكُ عَنِ المُفَطِّرَاتِ، وَهِيَ الجِمَاعُ وَالاسْتِمْنَاءُ وَالاسْتِقَاءُ.
قال الرافعي: لا بد للصًائِمِ مِنَ الإمسَاكِ عَنِ المُفْطِرَاتِ، وهي أنواع:
منها: الجماعُ وهو مبطلٌ للصَّومِ بالإِجْمَاع.
ومنها: الاسْتِمنَاء (٣)، وسيأتي الكلام فيه.
ومنها: الاسْتِقاءة فمن تَقَيَّأَ عامداً أَفْطَر، ومن ذَرَعَهُ الفَيْءُ لَمْ يُفْطِر.
روي أنه ﷺ قال: "مَن ذَرَعَهُ الفَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَلْيُقْضِ" (٤). وربما روي ذلك عن ابن عمر ﵄ موقوفاً (٥).
وعن أبي الدَّرْدَاء ﵁ إلى رسول الله ﷺ : "قَاءَ فَأفْطَرَ أَي: اسْتَقَاءَ،
стр. 1296
قَالَ ثَوْبَانُ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ الْوُضُوءَ" (١). واختلفوا في أنه لِمَ أفطر عِنْد التقيء عمْداً.
قال بعض الأصحاب: إنما أفطر؛ لأنه إذا تقيأ رجع شَيْءٌ مما خرج وإن قَلَّ، فذلك هو الذي أوجب الفطر، إلا لما أفطر؛ لما روي عن ابن عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ الفِطرَ مِمَّا دَخَلَ وَالْوُضُوءَ مِمَّا خَرَجَ" (٢).
ومنهم من قَالَ إن عينه مفطر كالإنزال تحويلاً على ظاهر الخَبَرِ.
قال في "العدة": وهذا أصح، وعليه يتفرع، عد صاحب الكتاب الاسْتِقَاء مفطرة بِرأْسِهَا (٣)، وإلا فَلَوْ كانت مفطرة من جهة تضمنها رجوع شيء، لكانت من قبيل دخول الدَّاخل؛ وعلى الوجهين يبنى ما إذا تقيأ مَنْكُوساً، أو تحفظ حتى استيقن أنه لم يرجع منه شيء إلى جَوْفِهِ هل يفطر؟
قال الإمام: ولو استقاء عمداً، أو تحفظ جُهْدَه فَغَلَبهُ القيء ورجع شيء، فإن قلنا: الاستقاءة مفطرة وإن لم يرجع منه شيء فهاهنا أولى، وإن قلنا لا يفطر إذا لم يرجع شَيْء، فهو كما في صُورَةِ المبالَغَةِ في المضمضة إذا سَبَقَ الماء إلى جَوْفِه.
ويجوز أن يعلم قوله: (والاستقاءة) بالحاء، لأن عنده الاستقاءة بإطلاقها لا تفطر بل يُشْتَرط أن يكون الخارج مِلْءِ الفَمِ.
قال الغزالي: وَدُخُولُ دَاخِلٍ، وَحَدُّ الدُّخُولِ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ وَصَلَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْمِ فَهُوَ مُفَطِّرٌ، أَمَّا البَاطِنُ، فَهُوَ كُلُّ جَوْفٍ فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَبَاطِنِ الدِّمَاغِ وَالبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالمَثَانَةِ فَيُفْطِرُ بِالْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ، وَلاَ يُفْطِرُ بِالاكْتِحَالِ (م) وَالتَّقطِيرِ (م ح و) فِي الأُذُنَيْنِ، وَفِيمَا يَصِلُ إلَى الإِحْلِيلِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُقْطِرُ بالفَصْدِ والحِجَامَةِ.
قال الرافعي: من أسباب الفطر دخول الشَّيءِ جَوْفَه، وقد ضَبَطُوا الدَّاخِلَ الذي
стр. 1297
يفطر بالعَيْنِ الوَاصِلِ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْم، وفيه قيود: منها: البَاطِنُ الوَاصِلُ إِلَيْهِ، وفيما يُعْتَبر فيه وجَهان: مَفْهُومانِ، مِنْ كَلَاَمِ الأَئِمَّة ﵏ تغريضاً وتصريحاً. أحدهما: أن المُعْتَبر ما يقع عليه اسْم الجَوْف.
والثاني: يُعْتَبر مَعَهُ أن يكون فيه قوة تحيل الوَاصِل إليه من غذاء، أو دَوَاءٍ، وهذا هو الذي أوردَهُ في الكتاب، ولكن الموافق لتفريع الأكْثَرِين هو الأول على ما سيأتي، ويدُلُّ عليه أنهم جَعَلوا الحَلْقَ كالجَوْفِ في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بوصول الوَاصِلِ، ذكره في "التهذيب" وحكاه الحَنَّاطِيُّ عن ابن القاص وأورده الإمَام أيضاً أنه إذا جاوز الشَيْءَ الحلقوم أفطر، ومن المعلوم أنه ليس في الحلق قوة الإحالة، وعلى الوجهين معاً باطن الدماغ والبَطْن والأَمْعَاء والمثانة مما يفطر الوَاصِلُ إِلَيْهِ، حتى لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ "مَأمُومَةٌ" أو على بطنه "جَائِفَة" (١) فَوَضَعَ عَلَيْهَا دَوَاءً فوصل إلى جَوْفِهِ، أو إلى خَرِيطَةِ دِمَاغِهِ بَطَلَ صَوْمُه. قال الإمام وصاحب "التهذيب"؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء وإلى بَاطِنِ الخَرِيطَةِ، ولا فرق بين أن يكون الدَّوَاءُ رَطِباً، أو يَابِساً.
وعند أبي حنيفة ﵀ لا يبطل باليَابِسِ، ولم يجعل المثانة مما يفطر الوَاصِل إِلَيْهِ، وفي: "المعتمد" حكاية وجه يوافق في المثانة.
لنا مطلق مَا رُوِي: "أنَّ الْفِطرَ مِمَّا دَخَلَ".
وقياس المثانة على سَائِرِ الأَجْوَافِ، وفيها قوة إِحَالَةِ الدَّوَاءِ.
ثم في الفَصْلِ صُوَرُ:
إحداها: الحقنة مُبْطِلَة لِلصَّوْمِ؛ لحصول الوُصْولِ إلى الجَوْفِ المُعْتَبَرِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها لا تُبْطِلُهُ وهو غريب، وفيها اختلاف رواية عن مالك.
الثانية: السَّعُوطُ مُبطِلٌ لِلصَّوْمِ أَيْضًا، إِذَا وَصَلَ إِلَى الدِّمَاغ.
وعند مالك: لا يبطل إلاَّ إِذَا نَزَلَ إِلَى الحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ، واعلم أن ما جاوز الخَيْشُومَ في الاستعاط، فقد حَصَل فِي حَدِّ البَاطِنِ، ودَاخِلُ الفَم وَالأَنْفِ إِلَى مُنْتَهَى الخَيْشُوم، والْغَلْصَةِ (٢) له حُكْمُ الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ، حتى لوَ خرج إليه القَيْء أو ابتلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً، بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَوْ أَمْسَكَ فِيهِ شَيْئاً لم يَبْطُل، ولو نجس وجب غسله، وله حكم البَاطِن مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لو ابتلع منه الرِّيق لا يَبْطُلُ صَومُه، ولا يجب غسله على
стр. 1298
الجُنُب. الثالثة: لا بَأْسَ لِلصَّائِم بالاكتحال (١) إذ ليست العَيْنُ مِنَ الأَجْوَافِ، وقد روي أن النَّبِيِّ ﷺ : "اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ" (٢) ولا فرق بين أن يجد في الحَلْقِ مِنْهُ طَعْماً، أو لا يجد، فإنه لا منفذ من العَيْنِ إلى الحَلْق، وما يَصِل إليه يَصِلُ مِنَ المَسَامِ.
وعن مالك وأحمد أنه إذا وجد في الحَلْقِ طَعْماً مِنْهُ أَفْطَرَ.
الرَّابِعَةُ: في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بالتَّقْطِيرِ فِي الأُذُنِ، بحيث يَصِل إلى البَاطِن فيه وجهان: أحَدهما: وبه قَالَ الشَّيْخَ أبُو مُحَمَّدٍ: أنه يَبْطُلُ كَالسّعُوطِ.
والثاني: لاَ يَبْطُل؛ لأنه لا منفذ من الأُذُنِ إِلَى الدِّمَاغ، وما يصلُ يصل من المَسَام فأشبه الإكْتِحَال، ويروي هذا الوجه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، والفَورَانِيّ والقاضي الْحُسَيْنِ، وهو الذَي أورده صاحب الكتاب، لكن الأول أظهر عند أكثر الأصْحَاب، ولهم أن يقولوا: هَبْ أَنَّ الأذُنَ لاَ مَنْفَذَ مِنْهَا إِلَى دَاخِلِ الدِّمَاغ، لكنه نافذ إلى دَاخِلِ قحف الرَّأسِ لا مَحَالَة، والوصول إليه كَافٍ فِي البُطْلاَن، وبَنَى الإمَام هذا الخِلاَف على الوَجْهَيْنِ السَّابقين فيما يعتبر في البَاطِن الذي يصل إليه الشيءَ فإن دَاخِل الأُذُنِ جَوْفٌ لكن ليس فيه قوة الإحالة، وعلى الوجهين تتفرع الصُّورة الخَامِسَة، وهي ما إذا قطر في إحليلة شيئاً، ولم يَصِلْ إلى المثانة، ففي وَجْهٍ يبطل صَوْمُه، وهو الأظْهَرُ، كما لَوْ وَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ، ولم يَصِل إلى المعدة.
وفي وجه، لا يَبْطُل كَمَا لو وضع فِي فمه شَيْئاً، وبهذا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وهو اختيارُ
стр. 1299
القَفَّالِ -رحمهما الله- وتَوَسَّطَ بَعْضُ مُتَأخِّرِي الأَصْحَاب، فقال: إن وَصَلَ إلى ما وَرَاء الحَشَفَةِ أفْطَر، وإلا لم يفطر تشبيهاً بِالفَمِ والحَلْقِ.
السَّادِسَة: لا يفسد الصَّومُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامة، لكن يكره خِيفَة الضَّعْفِ.
وقال أحمد: يفسد بالحِجَامة.
وبه قال ابن المنذر وابْن خُزَيمَة مِنْ أَصْحَابِنَا.
لَنَا: ما روي: "أنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ" (١).
وروي أنه ﷺ قال: "ثَلاَثْ لاَ يُفْطِرنَ الصَّائِمَ القَيْءُ وَالْحَجَامَةُ وَالاحْتِلاَمَ" (٢).
وأما لفظ الكتاب، فقوله: (وهو الداخل) هو المستقيم وفي كثير من النسخ (وحد الدخول)، وذلك يحوج إلى إلحاق وإضْمَار.
وقوله: (فيه قوة محيلة) يجوز إعْلاَمُه بالواو، إشارةً إلى الوجه المكتفي يكون البَاطِن الوَاصِل إليه جوفاً، حتى لو داوى خراجه على لَحْمِ السَّاقِ، والفخذ فأوصل الدَّواء إلى دَاخِلِ اللَّحْمِ، أو غرز فيه حديدة لا يبطل صومه؛ لأنه ليس بجوف، وكذا لو انتهى طرف السِّكين إلىَ مَكَانِ المُخّ، فإنه لا يعد عضواً مجوفاً.
وقوله: و (المثانة) مُعَلَّمٌ بِالحَاءِ، والْوَاوِ، و (الحقنة، والسعوط) والاكتحال بالميم والألف، و (التقطير في الأذن) بالواو و (الحجامة) بالألف، والواو، وقد بَيَّنَّا وجه ذلك كله، -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بَتَشَرُّبِ الدِّمَاغِ الدُّهْنِ (ح) بِالمَسَامّ، وَيُفْطِرُ إِذَا وُجِئَ بَطْنُهُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السِّكّينِ خَارِجاً.
قال الرافعي: من القيود المذكورة في الضَّابِط كون الوَاصِل، وَاصلاً من منفذ مفتوح، والقصد به الاحتراز عما إذا طلى رأسه، أو بطنه بالدّهن فوصل إلى جَوْفِهِ بتشرب المسام، فإن ذلك لا يبطل الصَّوم؛ لأنه لم يَصِل من مَنفَذٍ مَفْتُوحٍ، كما لا يبطله الاغتسال والانغماس في الماء، وإن وجد له أثر في بَاطِنِهِ، ولو وجأ نفسه، فَوَصَل السِّكين إلَى جَوْفِهِ، أو وَجَأَه غَيْرُه بِإِذْنِهِ أَفطر، سواء كان بعض السكين خارجاً، أو لم يكن، وكذا لو ابتلع طرف خَيْطٍ، وطرفه الآخر بَارِز يفطر بوصول الطَّرف لوَاصِل، ولا يعتبر الانفصال من الظَّاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ.
стр. 1300
وخالف أَبو حَنِيفَةَ فِي الْمَسْألَتَيْنِ وَنَظَائِرِهَا، ورأيت الحَنَّاطِي حَكَى وجهين فيمن أَدْخَل طَرَفَ خَيْطٍ في دُبُرِهِ أو في جَوْفِهِ، وبعضه خَارجٌ، فعل يفطر، فيجوز أن يعلم لهذا قوله: (وإن كان بعض السكين خارجاً) مع الحاء بـ (الواو).
فرع: لو ابتلع طرف خيط باللَّيْلِ وطرفه الآخر خارج وأصبح كذلك فإن تركه لم تَصِحّ صَلاتُه، وإن نزعه أو ابتلعه لم يصح صَوْمُه، فينبغي أن يبادر غيره إلى نَزْعَةِ وَهوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يتفق فالمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلاَةِ، بنزعه، أوِ ابْتِلاعِهِ أولى (١)؛ لأن الصَّوْمِ يُتْرَك بِالْعُذْرِ، وَيُقْضَى بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، وذكر في "التتمة" وجهاً آخر، وهو أن الأولى: أن يتركة كذلك، ويصلِّي على حسب حاله؛ لأنه شَارعٌ فِي الصَّوْمِ، فلا ينبغي أن يفسده.
قال الغزالي: (أَمَّا القَصْدُ) فَنَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَو طَارَت ذُبَابَةٌ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقِ إِلَى بَاطِنِهِ أَوْ أُوجِرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ يُفْطِرُ إِلاَّ أَنْ يُوجَرَ المُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ومن القيود كَوْنُ الوُصول عن قصد منه، فلو طَارَت ذُبَابَةٌ أو بَعُوضَةٌ إِلَىِ حَلْقِهِ، أو وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقَ، وَغَرْبَلَةَ (٢) الدَّقِيقِ إِلَى جَوْفِهِ، وغير ذلك لم يكن مُفْطِراً، وإن كان إطباق الفَمِ، واجتناب المطروق، ومفارقةُ مَوْضِع الطَّرِيقِ مُمْكِناً، لكن تكليف الصَّائِم الاحتراز عن الأفعال المعتادة التي يحتاج إليها يَجُرُّ عُسْراً شَدِيداً، بل لو أفتح فاه حتى وَصَلَ الغُبَار إِلَى جَوْفِهِ، فقد قال في "التهذيب": أصَحُّ الوَجْهَيْن أنه يقع عفواً، وشَبَّهُوا هَذَا الخِلاَف بالخلاف فيما إذا قَتَلَ البَرَاغِيث عَمْداً، وَتَلَوَّثَتْ يَدُهُ أَنَّهَا هَلْ يَقَعْ عَفواً، ولو ربطت المرأة ووطئت أو أوجر بِالسِّكِّينِ، أو وجئ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ إِفْطَارَ، ونقل الْحَنَّاطِي، وجهين فيما لو أوجر بِغَيْرِ اختياره وهو غَرِيبٌ بمرة. نعم، لو كان مغمى عليه، فأوجر مُعَالجةً وإصْلاَحاً ففيه وجهان، وفي "النهاية" قولان:
أحدهما: أنه يفطر؛ لأن هذا الإيجار لمصلحته فكأنه بإذنه واختياره.