قَالَ ثَوْبَانُ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ الْوُضُوءَ" (١). واختلفوا في أنه لِمَ أفطر عِنْد التقيء عمْداً.
قال بعض الأصحاب: إنما أفطر؛ لأنه إذا تقيأ رجع شَيْءٌ مما خرج وإن قَلَّ، فذلك هو الذي أوجب الفطر، إلا لما أفطر؛ لما روي عن ابن عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ الفِطرَ مِمَّا دَخَلَ وَالْوُضُوءَ مِمَّا خَرَجَ" (٢).
ومنهم من قَالَ إن عينه مفطر كالإنزال تحويلاً على ظاهر الخَبَرِ.
قال في "العدة": وهذا أصح، وعليه يتفرع، عد صاحب الكتاب الاسْتِقَاء مفطرة بِرأْسِهَا (٣)، وإلا فَلَوْ كانت مفطرة من جهة تضمنها رجوع شيء، لكانت من قبيل دخول الدَّاخل؛ وعلى الوجهين يبنى ما إذا تقيأ مَنْكُوساً، أو تحفظ حتى استيقن أنه لم يرجع منه شيء إلى جَوْفِهِ هل يفطر؟
قال الإمام: ولو استقاء عمداً، أو تحفظ جُهْدَه فَغَلَبهُ القيء ورجع شيء، فإن قلنا: الاستقاءة مفطرة وإن لم يرجع منه شيء فهاهنا أولى، وإن قلنا لا يفطر إذا لم يرجع شَيْء، فهو كما في صُورَةِ المبالَغَةِ في المضمضة إذا سَبَقَ الماء إلى جَوْفِه.
ويجوز أن يعلم قوله: (والاستقاءة) بالحاء، لأن عنده الاستقاءة بإطلاقها لا تفطر بل يُشْتَرط أن يكون الخارج مِلْءِ الفَمِ.
قال الغزالي: وَدُخُولُ دَاخِلٍ، وَحَدُّ الدُّخُولِ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ وَصَلَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْمِ فَهُوَ مُفَطِّرٌ، أَمَّا البَاطِنُ، فَهُوَ كُلُّ جَوْفٍ فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَبَاطِنِ الدِّمَاغِ وَالبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالمَثَانَةِ فَيُفْطِرُ بِالْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ، وَلاَ يُفْطِرُ بِالاكْتِحَالِ (م) وَالتَّقطِيرِ (م ح و) فِي الأُذُنَيْنِ، وَفِيمَا يَصِلُ إلَى الإِحْلِيلِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُقْطِرُ بالفَصْدِ والحِجَامَةِ.
قال الرافعي: من أسباب الفطر دخول الشَّيءِ جَوْفَه، وقد ضَبَطُوا الدَّاخِلَ الذي
стр. 1297
يفطر بالعَيْنِ الوَاصِلِ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْم، وفيه قيود: منها: البَاطِنُ الوَاصِلُ إِلَيْهِ، وفيما يُعْتَبر فيه وجَهان: مَفْهُومانِ، مِنْ كَلَاَمِ الأَئِمَّة ﵏ تغريضاً وتصريحاً. أحدهما: أن المُعْتَبر ما يقع عليه اسْم الجَوْف.
والثاني: يُعْتَبر مَعَهُ أن يكون فيه قوة تحيل الوَاصِل إليه من غذاء، أو دَوَاءٍ، وهذا هو الذي أوردَهُ في الكتاب، ولكن الموافق لتفريع الأكْثَرِين هو الأول على ما سيأتي، ويدُلُّ عليه أنهم جَعَلوا الحَلْقَ كالجَوْفِ في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بوصول الوَاصِلِ، ذكره في "التهذيب" وحكاه الحَنَّاطِيُّ عن ابن القاص وأورده الإمَام أيضاً أنه إذا جاوز الشَيْءَ الحلقوم أفطر، ومن المعلوم أنه ليس في الحلق قوة الإحالة، وعلى الوجهين معاً باطن الدماغ والبَطْن والأَمْعَاء والمثانة مما يفطر الوَاصِلُ إِلَيْهِ، حتى لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ "مَأمُومَةٌ" أو على بطنه "جَائِفَة" (١) فَوَضَعَ عَلَيْهَا دَوَاءً فوصل إلى جَوْفِهِ، أو إلى خَرِيطَةِ دِمَاغِهِ بَطَلَ صَوْمُه. قال الإمام وصاحب "التهذيب"؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء وإلى بَاطِنِ الخَرِيطَةِ، ولا فرق بين أن يكون الدَّوَاءُ رَطِباً، أو يَابِساً.
وعند أبي حنيفة ﵀ لا يبطل باليَابِسِ، ولم يجعل المثانة مما يفطر الوَاصِل إِلَيْهِ، وفي: "المعتمد" حكاية وجه يوافق في المثانة.
لنا مطلق مَا رُوِي: "أنَّ الْفِطرَ مِمَّا دَخَلَ".
وقياس المثانة على سَائِرِ الأَجْوَافِ، وفيها قوة إِحَالَةِ الدَّوَاءِ.
ثم في الفَصْلِ صُوَرُ:
إحداها: الحقنة مُبْطِلَة لِلصَّوْمِ؛ لحصول الوُصْولِ إلى الجَوْفِ المُعْتَبَرِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها لا تُبْطِلُهُ وهو غريب، وفيها اختلاف رواية عن مالك.
الثانية: السَّعُوطُ مُبطِلٌ لِلصَّوْمِ أَيْضًا، إِذَا وَصَلَ إِلَى الدِّمَاغ.
وعند مالك: لا يبطل إلاَّ إِذَا نَزَلَ إِلَى الحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ، واعلم أن ما جاوز الخَيْشُومَ في الاستعاط، فقد حَصَل فِي حَدِّ البَاطِنِ، ودَاخِلُ الفَم وَالأَنْفِ إِلَى مُنْتَهَى الخَيْشُوم، والْغَلْصَةِ (٢) له حُكْمُ الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ، حتى لوَ خرج إليه القَيْء أو ابتلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً، بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَوْ أَمْسَكَ فِيهِ شَيْئاً لم يَبْطُل، ولو نجس وجب غسله، وله حكم البَاطِن مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لو ابتلع منه الرِّيق لا يَبْطُلُ صَومُه، ولا يجب غسله على
стр. 1298
الجُنُب. الثالثة: لا بَأْسَ لِلصَّائِم بالاكتحال (١) إذ ليست العَيْنُ مِنَ الأَجْوَافِ، وقد روي أن النَّبِيِّ ﷺ : "اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ" (٢) ولا فرق بين أن يجد في الحَلْقِ مِنْهُ طَعْماً، أو لا يجد، فإنه لا منفذ من العَيْنِ إلى الحَلْق، وما يَصِل إليه يَصِلُ مِنَ المَسَامِ.
وعن مالك وأحمد أنه إذا وجد في الحَلْقِ طَعْماً مِنْهُ أَفْطَرَ.
الرَّابِعَةُ: في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بالتَّقْطِيرِ فِي الأُذُنِ، بحيث يَصِل إلى البَاطِن فيه وجهان: أحَدهما: وبه قَالَ الشَّيْخَ أبُو مُحَمَّدٍ: أنه يَبْطُلُ كَالسّعُوطِ.
والثاني: لاَ يَبْطُل؛ لأنه لا منفذ من الأُذُنِ إِلَى الدِّمَاغ، وما يصلُ يصل من المَسَام فأشبه الإكْتِحَال، ويروي هذا الوجه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، والفَورَانِيّ والقاضي الْحُسَيْنِ، وهو الذَي أورده صاحب الكتاب، لكن الأول أظهر عند أكثر الأصْحَاب، ولهم أن يقولوا: هَبْ أَنَّ الأذُنَ لاَ مَنْفَذَ مِنْهَا إِلَى دَاخِلِ الدِّمَاغ، لكنه نافذ إلى دَاخِلِ قحف الرَّأسِ لا مَحَالَة، والوصول إليه كَافٍ فِي البُطْلاَن، وبَنَى الإمَام هذا الخِلاَف على الوَجْهَيْنِ السَّابقين فيما يعتبر في البَاطِن الذي يصل إليه الشيءَ فإن دَاخِل الأُذُنِ جَوْفٌ لكن ليس فيه قوة الإحالة، وعلى الوجهين تتفرع الصُّورة الخَامِسَة، وهي ما إذا قطر في إحليلة شيئاً، ولم يَصِلْ إلى المثانة، ففي وَجْهٍ يبطل صَوْمُه، وهو الأظْهَرُ، كما لَوْ وَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ، ولم يَصِل إلى المعدة.
وفي وجه، لا يَبْطُل كَمَا لو وضع فِي فمه شَيْئاً، وبهذا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وهو اختيارُ
стр. 1299
القَفَّالِ -رحمهما الله- وتَوَسَّطَ بَعْضُ مُتَأخِّرِي الأَصْحَاب، فقال: إن وَصَلَ إلى ما وَرَاء الحَشَفَةِ أفْطَر، وإلا لم يفطر تشبيهاً بِالفَمِ والحَلْقِ.
السَّادِسَة: لا يفسد الصَّومُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامة، لكن يكره خِيفَة الضَّعْفِ.
وقال أحمد: يفسد بالحِجَامة.
وبه قال ابن المنذر وابْن خُزَيمَة مِنْ أَصْحَابِنَا.
لَنَا: ما روي: "أنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ" (١).
وروي أنه ﷺ قال: "ثَلاَثْ لاَ يُفْطِرنَ الصَّائِمَ القَيْءُ وَالْحَجَامَةُ وَالاحْتِلاَمَ" (٢).
وأما لفظ الكتاب، فقوله: (وهو الداخل) هو المستقيم وفي كثير من النسخ (وحد الدخول)، وذلك يحوج إلى إلحاق وإضْمَار.
وقوله: (فيه قوة محيلة) يجوز إعْلاَمُه بالواو، إشارةً إلى الوجه المكتفي يكون البَاطِن الوَاصِل إليه جوفاً، حتى لو داوى خراجه على لَحْمِ السَّاقِ، والفخذ فأوصل الدَّواء إلى دَاخِلِ اللَّحْمِ، أو غرز فيه حديدة لا يبطل صومه؛ لأنه ليس بجوف، وكذا لو انتهى طرف السِّكين إلىَ مَكَانِ المُخّ، فإنه لا يعد عضواً مجوفاً.
وقوله: و (المثانة) مُعَلَّمٌ بِالحَاءِ، والْوَاوِ، و (الحقنة، والسعوط) والاكتحال بالميم والألف، و (التقطير في الأذن) بالواو و (الحجامة) بالألف، والواو، وقد بَيَّنَّا وجه ذلك كله، -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بَتَشَرُّبِ الدِّمَاغِ الدُّهْنِ (ح) بِالمَسَامّ، وَيُفْطِرُ إِذَا وُجِئَ بَطْنُهُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السِّكّينِ خَارِجاً.
قال الرافعي: من القيود المذكورة في الضَّابِط كون الوَاصِل، وَاصلاً من منفذ مفتوح، والقصد به الاحتراز عما إذا طلى رأسه، أو بطنه بالدّهن فوصل إلى جَوْفِهِ بتشرب المسام، فإن ذلك لا يبطل الصَّوم؛ لأنه لم يَصِل من مَنفَذٍ مَفْتُوحٍ، كما لا يبطله الاغتسال والانغماس في الماء، وإن وجد له أثر في بَاطِنِهِ، ولو وجأ نفسه، فَوَصَل السِّكين إلَى جَوْفِهِ، أو وَجَأَه غَيْرُه بِإِذْنِهِ أَفطر، سواء كان بعض السكين خارجاً، أو لم يكن، وكذا لو ابتلع طرف خَيْطٍ، وطرفه الآخر بَارِز يفطر بوصول الطَّرف لوَاصِل، ولا يعتبر الانفصال من الظَّاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ.
стр. 1300
وخالف أَبو حَنِيفَةَ فِي الْمَسْألَتَيْنِ وَنَظَائِرِهَا، ورأيت الحَنَّاطِي حَكَى وجهين فيمن أَدْخَل طَرَفَ خَيْطٍ في دُبُرِهِ أو في جَوْفِهِ، وبعضه خَارجٌ، فعل يفطر، فيجوز أن يعلم لهذا قوله: (وإن كان بعض السكين خارجاً) مع الحاء بـ (الواو).
فرع: لو ابتلع طرف خيط باللَّيْلِ وطرفه الآخر خارج وأصبح كذلك فإن تركه لم تَصِحّ صَلاتُه، وإن نزعه أو ابتلعه لم يصح صَوْمُه، فينبغي أن يبادر غيره إلى نَزْعَةِ وَهوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يتفق فالمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلاَةِ، بنزعه، أوِ ابْتِلاعِهِ أولى (١)؛ لأن الصَّوْمِ يُتْرَك بِالْعُذْرِ، وَيُقْضَى بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، وذكر في "التتمة" وجهاً آخر، وهو أن الأولى: أن يتركة كذلك، ويصلِّي على حسب حاله؛ لأنه شَارعٌ فِي الصَّوْمِ، فلا ينبغي أن يفسده.
قال الغزالي: (أَمَّا القَصْدُ) فَنَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَو طَارَت ذُبَابَةٌ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقِ إِلَى بَاطِنِهِ أَوْ أُوجِرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ يُفْطِرُ إِلاَّ أَنْ يُوجَرَ المُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ومن القيود كَوْنُ الوُصول عن قصد منه، فلو طَارَت ذُبَابَةٌ أو بَعُوضَةٌ إِلَىِ حَلْقِهِ، أو وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقَ، وَغَرْبَلَةَ (٢) الدَّقِيقِ إِلَى جَوْفِهِ، وغير ذلك لم يكن مُفْطِراً، وإن كان إطباق الفَمِ، واجتناب المطروق، ومفارقةُ مَوْضِع الطَّرِيقِ مُمْكِناً، لكن تكليف الصَّائِم الاحتراز عن الأفعال المعتادة التي يحتاج إليها يَجُرُّ عُسْراً شَدِيداً، بل لو أفتح فاه حتى وَصَلَ الغُبَار إِلَى جَوْفِهِ، فقد قال في "التهذيب": أصَحُّ الوَجْهَيْن أنه يقع عفواً، وشَبَّهُوا هَذَا الخِلاَف بالخلاف فيما إذا قَتَلَ البَرَاغِيث عَمْداً، وَتَلَوَّثَتْ يَدُهُ أَنَّهَا هَلْ يَقَعْ عَفواً، ولو ربطت المرأة ووطئت أو أوجر بِالسِّكِّينِ، أو وجئ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ إِفْطَارَ، ونقل الْحَنَّاطِي، وجهين فيما لو أوجر بِغَيْرِ اختياره وهو غَرِيبٌ بمرة. نعم، لو كان مغمى عليه، فأوجر مُعَالجةً وإصْلاَحاً ففيه وجهان، وفي "النهاية" قولان:
أحدهما: أنه يفطر؛ لأن هذا الإيجار لمصلحته فكأنه بإذنه واختياره.
стр. 1301
وأصحهما: أنه لا يفطر كإيجار غيره بغير اختياره.
واعلم أن هذا الخِلاَف مُفَرَّعٌ على أَنَّ الصَّوْمَ لاَ يبطل بمطلق الإغْمَاء، إلا فَالإِيجَاء مَسْبُوق بالبُطْلاَن، وهذَا الخِلاَف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عُولج بدواءٍ فيه طِيبٌ، هَل تلزمه الفِدْية.
قال الغزالي: وَلَو ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ سِنِّهِ أَوْ سِتاً أَفْطَرَ بِخِلاَفِ الرِّيق إِلاَّ أَنْ يَجْتَمِعَ الرِّيقُ بِالعَلَكِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو رَدَّ النُّخَامَةَ إلَى أَقْصَى الفَمِ ثُمَّ ابْتَلَعَ أَفْطَرَ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِهِ مِنْ مَجْرَاهُ فَتَرَكَ حَتَّى جَرَى بنَفْسِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ سَبَقَ المَاءُ فِي المَضْمَضَةِ إِلَى بَاطِنِهِ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ بَالَغَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالإِفْطَارِ، وإنْ جَرَى الرِّيقُ بِبَقِيَّةِ طَعَامِ فِي خِلاَلِ الأَسنَانِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي تَخْلِيلِ الأَسْنَانِ فَهُوَ فِي صُورَةِ المُبَالَغَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَهُوَ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ، وَالمَنِيُّ إِنْ خَرَجَ بِالاسْتِمْنَاءِ أَفْطَرَ، وَإِنْ خَرَجَ بِمُجَرَّدِ الفِكْرِ وَالنَّظَرِ فَلاَ، وَإنْ خَرَجَ بِالقُبْلَةِ وَالمُعَانَقَةِ مَعَ حَائِلٍ فَهُوَ كَالمَضْمَضَةِ، وَالمُضَاجَعَةِ مُتَجَرِّداً كَالْمُبَالَغَةِ، وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِلشَّابِّ الَّذي لاَ يَمْلِكُ إرْبَهُ، وَخُرُوجُ القَيْءِ كَالْمَنِيِّ، وَلَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً مِنْ مَخْرَجِ الحَاءِ فَفِي إِلْحَاقِهِ بِالاسْتِقَاءِ وَجْهَانِ، وَمَخْرَجُ الخَاءِ مِنَ الظَّاهِرِ، وَفِي إِفْسَادِ القَصْدِ شَرْعاً بِالِإكْرَاهِ قَوْلاَنِ: أصحهما: أَنَّهُ يُفْطِرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمِ.
قال الرافعي: الفصل يجمع مسائل:
إحداها: ابتلاع الريق لا يفطر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وبه يحيى الإنسان، وعليه حمل بَعْضُ المُفَسِّرِين قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١) وَإنَّمَا لاَ يفطر بِشُرُوطٍ:
أحدها: أن يكون الرِّيق صرفاً، أما لو كان مخلوطاً بغيره مُتَغَيِّراً فإنه يفطر بابتلاعه، سواء كان ذلك الغير طاهراً، كما لو كان يَقْتل خيطاً مصبوغاً، فتغير ريقه، أو نجساً كما لو دميت لثته (٢) وتغير ريقه، فلو أبيض، ولم يبق تغيره، فهل يفطر بابتلاعه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند الحَنَّاطِي، والقَاضِي الرّوَيانِي لا؛ لأن ابتلاع الرِّيق مباحٌ، وليس فيه عين آخر، وإن كان نَجِساً حكماً.
стр. 1302
والثاني: وهو الأظهر عند الأكثرين، أنه يفطر؛ لأنه لا يَجُوزُ لَهُ ابْتِلاَعُه، وَإِنَّمَا يَجُوز لَهُ ابتلاع الطَّاهِرِ. مِنْهُ، وعلى هذا لو تناول باللَّيْلِ شَيْئاً نَجِساً ولم يغسل فَمَهُ حَتَّى أَصْبَح فابتلع الرِّيق بطل صَوْمُهُ.
الثاني: أن يبتلعه مِنْ معدنه، فلو خرج إلى ظَاهِرِ فمه ثُمَّ رده بِلِسَانِهِ، أو غَيْرِ لِسانِهِ، وابتلعه بَطَل صَوْمُه.
ولو أخرج لِسَانه وعليه الرّيق ثم رده وابتلع ما عليه ففيه وجهان:
أظهرهما -وهو المذكور في "النهاية"-: أنه لا يبطل صَوْمُه، لأَنَّ اللِّسَانَ كيفما تَقلَّبَ معدودٌ مِنْ دَاخِل الفم، فلم يفارق ما عليه معدته، ولو بَلَّ الخَيَّاطُ الخَيْطَ بالريق ثم رده إلى الفم على ما يعتاد عند الفتل فإن لم يكن عليه رطوبة تنفصل، فلا بأس (١)، وإن كانت وابتلعها ففيه وجهان: عن الشَّيْخِ أبي محمد: أَنه لا يَضُرّ؛ لأن ذلك القدر أقل مما يبقى من المَاءِ في الفم بعد المضمضة.
وقال الأَكثَرونَ: إنه يَبْطُلُ الصَّوْم؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة المَعْدة، وخص في "التتمة" الوجهين بما إذا كان جَاهِلاً بأن ذلك لاَ يَجُوز، فأما إِذَا كَانَ عَالِماً يَبْطُلُ صَوْمُه بِلاَ خِلاَف.
الثالث: أن يبتلعه، وهو على هيئته المعتادة، أما لو جَمَعَه ثم ابتلعه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل صَوْمُه، لأن الاحتراز عنه هين.
وأصحهما: أنه لا يَبْطُل، وبه قال أبُو حنيفة ﵀ لأنه مِمَّا يَجُوزُ ابتلاعه ولم يخرج من مَعْدته فأشبه ما لو ابتلعه متفرقاً.
فإن قلت: هذان الوَجْهَان إِنْ جَرَيَا في مُطْلِق الجَمْعِ، فَلِمَ قال: إلا أن يجمع الريق بالعلك، وإن اختصا بالجمع بالعلك فلم أطلقتم نقلهما؟
فالجواب: أنهما جاريان في مطلق الجَمْع نقلاً، وتوجيهاً، ولَعَلَّه إنما تعرض للعلك؛ لأن الإمام قد ذكر أن الوجهين في سورة الجمع نَاشِئان مِنْ لفظ الشَّافِعيّ ﵁ حيث قال: "وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم"، وكأنه حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة، وهذا شيء قد قاله بعض الشَّارِحِين.
وقال آخرون: أراد بقوله: (يحلب الفم أنه يطيب النَّكْهَة، ويزيل الخَلُوف؛ فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ، ولو كان العلك جديداً مفتتاً فَوَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ إلى الجوف بطل صَوْمُه، كما لو
стр. 1303
وضع سُكَّرَةً فِي فِيه وابتلع الرِّيق بعد مَا ذَابَتْ فيه، وما قدَّمْنَاه فيما إذا كان مغسولاً مستعملاً، أو صلباً لا ينفصل منه شيء. وقوله: (ولو ابتلع دماً خرج من سنه، أو سناً أفطر) ظاهرٌ، وفيه إشارة إلى أن دَاخِل الفم له حكم الظَّاهِر في هذا، وأن احتمال ابتلاع الريق ليس لمجرد ابتلاعه من الفم، بل لدعاء الضرورة إليه.
المسألة الثانية: النخامة (١) إن لم تحصل في حد الظَّاهِرِ (٢) من الفم فلا مبالاة بها، وإن حصلت فيه بانصبابها من الدِّمَاغ في الثُّقْبَةِ النَّافِذَةِ منه إِلَى أقْصَى الفَم فوق الحُلْقُوم نظر إن لم يقدر على صرفه ومَجَّهُ حتى نزل إلى الجَوْفِ لم يضره، وإن رَدَّه إلى قَضَاءِ الفَمِ، أو ارتد إليه ثم ابتلعه أفطر (٣)، وإن قدر على قطعة من مجراه وَمَجَّه فتركه حتى جرى بنفسه ففيه وجهان حَكَاهُمَا الإِمَام:
أحدهما: أنه لا مُؤَاخَذَةَ؛ لأنه لم يفعل شيئاً، وَإنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الفِعْلِ وأوفقهما لكلام الأئمة إن تركه في مَجْرَاه مَعَ القُدْرَةِ عَلَى مَجِّهِ لتقصيره فيفطر. ونقل عن "الحاوي" وجه مطلق في الإفطار بالنُّخَامة، والوجه تنزيلهما على الحَالَةِ التي حَكَى الإمامُ الخِلاَفَ فِيهَا.
الثالثة: إذا تَمَضْمَضَ فسبق المَاءُ إلى جَوْفِهِ، أو استنشق فَوَصَلَ المَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ فقد نَقَلَ المُزَنِيّ أَنَّه يفطر، وقال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى -رحمهما الله- أنه لا يفطر إلا أن يتعمد الأزدراد، وللأصحاب فيه طريقان:
أصحّهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والمزني ﵏: أنه يفطر؛ لأنه وَصَلَ الماء إلى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ، فإنه الذي أدخل الماء فيه وَأَنْفه.
والثاني: وبه قال أحمد وهو اختيار الربيع -رحمهما الله-: أنَّه لا يفطر؛ لأنه وصل بغير اختياره، فأشبه غبار الطَّرِيق. والثاني: القَطْع بأنه لا يفطر، حكاه المسعودي وغيره ثم من القائلين به من حمل منقول المزني على ما إذا تَعَمَّد الازدراد، ومنهم منَ حَمَلهُ على ما إذَا بَالَغ، وحمل النَّصّ الثَّاني على ما إذا لم يبالغ، ونفى الخِلاف في الحالتين، وإذا قَلنا بطريقة القولين فما محلهما؟ فيه ثلاثة طرق.
стр. 1304
أصحها: أن القولين فِيمَا إِذَا لم يبالغ في المضمضة والاستنشاق فأما إذا لم يبالغ أفطر بلا خلاف.
وثانيها: أن القَوْلَينِ فيما إذا بالغ، أما إذا لم يبالغ فلا يفطر بلا خلاف.
والفرق على الطَّرِيقين أن المُبَالَغَةَ مَنْهِيٌ عَنْهَا، وأصْلُ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاق مَحْثُوثٌ عَلَيْهِ، فلا يحسن مؤاخذته بما يتولد منه بغير اختياره.
والثالث: طرد القولين في الحالتين، فإذا مَيَّزنَا حَالَةَ المُبَالَغَةِ عن حالة الاقتصار على أصل المَضْمَضَةِ والاستشاق حَصَلَ عِنْدَ المُبَالَغَةِ قولان مُرَتَّبَانِ كما ذكر في الكتاب، وظَاهِرُ المَذْهَب ما ذكرنا عند المُبَالِغَةِ الإفطارُ، وعند عَدَمِ المُبَالَغَةِ الصِّحَةُ،
ولا يخفى أن مَحَل الكلام فيما إذا كَانَ ذاكر للصَّوْمِ، أما إذا كان ناسياً، فلا يفطر بحال، وسَبْقُ المَاءِ عند غسل الفَم لنجاسة، كسبقة المضَمضة، والمُبَالَغَة هَاهُنَا لِلْحَاجَةِ ينبغي أن تكون كالسَّبق في المَضْمَضَةِ بِلاَ مُبَالَغَةٍ، ولو سبق الماء من غسله تَبَرُّداً، أو مِنَ المَضْمَضَةِ في الكَرَّةِ الرابعة فقد قال في "التهذيب": إن بالغ بَطَلَ صَوْمُه، وإلا فهو مُرَتَّبٌ على المَضْمَضَةِ، وأولى بالإفطار، لأنه غير مأمور به (١).
الرابعة: لو بقي طعام في خَلَلِ أَسْنَانِهِ فابتلعه عمداً، أفطر خلافاً لأبي حنيفة ﵀ فيما إذَا كانَ يسيراً، وربما قدر بـ"الحمصة"، وإن جرى به الريق من غير قصد منه فمنقول المزني أنه لا يفطر، ومنقول الربيع أنه يفطر، واختلف الأصْحَاب فمنهم من قال: فيه قولان كما في سورة المَضْمَضَة؛ لأن الطَّعَام حصل في فمه بسبب غير مكره، وهو الأكل باللَّيل فأشبه المضمضة، ومنهم من نفى كون المسألة على قولين، وهو الأَصَح، ثم مِنْ هَؤُلاَءِ من حمل النص على حالين، حيث قال: لا يفطر أراد به ما إذا لم يقدر على تمييزه، ومَجّه، وحيث قال: يفطر أراد ما إذا قدر عليه، فابتلعه، وَتَوَسَّط الإمام من وجه آخر وتابعه صاحب الكتاب، فقال: "إن لم يتعهد تنقية الأسنان، ولم يُخَلّل، فهو كصورة المُبَالَغَةِ في المَضْمَضَةِ"، لأن الغالب في مثله الوُصول إلى الجَوْف، وإن نقاها على الاعتياد في مثله فهو كغبار الطريق، ولك أن تقول: تَركُ التَّخْلِيل إِمَّا أن يكون مَكْرُوها أو لا يكون، وإن لم يكن مكروها فلا يتوجه
стр. 1305
إلحاقة بصورة المبالغة، لأن الوصولِ هناك تَوَلَّدَ مِنْ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ، وإن كان مكروهاً فالفرق ثابت أيضاً لأن ما بين الأسنان أقْرَبُ إلى الظَّاهِرِ من الماءِ عند المُبَالَغَةِ، وربما يثبت في خلالها فلا ينفصل، وبتقدير أن ينفصل فالتمكن من أخذه ومَجِّه مما لا يبعد، والماء سَيَّالٌ إِذَا وَجَدَ مُنْحَدَراً أَسْرَع في النفوذ، فكان وصوله إلى الجوف أقرب.
وليكن قوله: (فهو كصورة المبالغة) مُعلماً بالحاء، لأنهما مفترقان عنده فيفطر في صورة المبالغة، ولا يفطر هاهنا.
الخامسة: المَنِي إنْ خَرَج بالاستمناء أفطر؛ لأن الإِيلاَجَ من غَيْرِ إنزال مُبْطِل، فالإنزال بَنَوْع شَهْوَةٍ أولى أن يكون مُفْطِراً، وإن خَرَج بمجرد الفكر (١) والنظر لشهوة لم يكن مفطراً خَلافًا لمالك في النَّظَرِ، وعن أصْحَابِهِ في الفِكْر اختلاف، ولأحمد حيث قال: إن كَرَّرَ النظر حتى أنزل أَفْطَر.
لنا: أنه إنزال من غير مُبَاشَرة، فأشبه الاحتلام، وإن خَرَجَ بمباشرةٍ فيما دُونَ الفَرْجِ أو لمس، أو قبلةٍ أفطر، لأنه أنزل بمباشرة، هذا ما ذكره الجُمهُور، وذكر الإمام أن شَيْخَهُ حكى وجهين فيما إذا ضَمَّ امرأة إلى نفسه وبينهما حائل، قال: "وهو عندي كسبق الماء في سورة المضمضة، وإن ضاجعها متجرداً فالتقت البشرتان، فهي كَصُورة المبالغة في المَضْمَضة واقتدى صاحب الكتاب به، فأورد هذا الترتيب.
وتكره القُبْلَةُ للشباب الذي تحرك القبلة شهوته، ولا يأمن على نفسه، ولا تكره لِغَيْره وإن كان الأولى الاحتراز "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" (٢) وعن عائشة أن النبي ﷺ كان يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ (٣)، ومن كرهنا له القبلة فهل ذلك على سبيل التحريم (٤) أو التنزيه؟ حكى في "التتمة" فيه وجهان، والأول هو المذكور في "التهذيب" وقوله: (وخروج القيء كالمني)، إشارة إلى ما قدمنا أنه لو
стр. 1306
استقاء أفطر، وإن خرج بغير اختياره فلا، ولو اقتلع نخامه من بَاطِنِهِ ولفظها، فقد حكى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فيه وجهين:
أحدهما: أنه يفطر به، إلحاقاً له بالاستقاءة.
والثاني: لا، لأن الحَاجَة إليه مما تَكْثُر، فَلْيُرَخَّص فِيهِ، وَبِهَذَا أجاب الحَنَّاطِيّ، وكثير من الأَئِمَّة ولم يذكروا غيره، ثم ذكر صاحب الكتاب أن مخرج "الحاء" من البَاطِن، ومخرج "الخَاءِ" من الظَّاهِر، ووجهه لاَئِح، فإن "الحاء" تَخْرُج من الحَلْقِ، والحَلْقُ من الباطن، و"الخاء" تخرج مما قبل الغَلْصَمه إلا أن المقصد في مثل هذا المقام الضابط الفارق بين الحدَّيْنِ، ويشبه أن يكون قدر مما بعد مخرج الخاء من الظَّاهرِ أيضاً، والله أعلم.
السادسة: ذكرنا من قبل أنه لو أُوجِرَ مكرهاً لَمْ يفطر، فلو أكره حَتَّى أكل بنفسه ففيه قولان.
أحدهما: وبه قال أحمد: لا يفطر، لأن حكم اختياره ساقط، وأكله ليس منهياً عنه، فأشبه النَّاس.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة ﵀: أنه يفطر، لأنه أتى بضد الصَّوْم ذَاكِراً له، غايته أنه أتى به لدفع الضَّرر عن نفسه، لكنه لا أثر له في دفع الفِطْر، كما لو أَكلَ أو شرب لدفع الجوع، أو العَطَشِ، وهذا أَصَحُّ عِنْد صَاحِب الْكِتَابِ، ويجري القَوْلاَن فيما لو أكرهت المرأة حتى مكنت، وكذلك فيما إذا أُكْرِه الرَّجُل حَتَّى وَطِئ. إن قلنا بتصور الإكراه على الوطء. نعم، لا تجب الكفارة، وإن حَكَمْنَا بالإفْطَار للشُّبْهَة. وإن قلنا: لا يتصور الإكراه على الوطء بَطَلَ صَومه، ولَزِمَه الكَفَّارة.
وعثد أحمد: يحصل الإفطار بالوَطْءِ مكرهاً، بخلاف مَا قَال في الأكل.
وقوله: (وفي فساد القصد شرعاً) أشار به إلى أن قيد القصد لا بد منه على ما ذكرناه في الضابط والقصد من حيث الحس موجودٌ في حَقِّ المُكْرَه، ولكن في إِلْحَاقِهِ بالعَدَمِ شَرْعاً، وإفساده الخلاف المَذْكُور. وقوله: (لأنه ليس بصائم) معناه أن الإكراه إنما يؤثر في دَفْع الإثم على ما قال رسول الله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أمَّتِي الْخَطَأ، والنِّسْيَانُ" (١) الخبر، وحصول الفِطْر لا يتعلق به إثم.
стр. 1307
واعلم أن هذا التوجيه يتركَّب على مُقَدِمتين.
إحداهما: أن الإِكْرَاه إنما يُؤَثِّر في دَفْعِ المأثم.
والثانية: أن هذا ليس بمأثم، واقتصر هاهنا على ذكر الثانية، وفي "الوسيط" على ذكر الأولى -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: فَأمَّا ذِكْرُ الصَّوْم احْتَرَزْنَا بِهِ عَنِ النَّاسِي لِلصَّوْمِ فَإنَّهُ لاَ يُفطِرُ بأكْلٍ وَلاَ جِمَاعٍ (م و)، وَالغَالِطُ الَّذِي يَظُنُّ عَدَمِ طُلُوعِ الفَجْرِ أَوْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَفْطَرَ وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ في الآخِرِ.
قال الرافعي: ومن القيود المُدْرَجَة في الضَّابِطِ الَّذِي سَبَقَ كَونُ الوصولِ مع ذِكْرِ الصَّوم، فأما إذا أكل ناسياً نظر إن قَلَّ أكله لم يفطر خلافاً لمالك.
لنا: ما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ فَليُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" (١). وإن كَثُر ففيه وجهان كالوَجْهِيْنِ في بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْكَلاَمِ الكَثِير، وَإِنْ أَكَلَ جَاهِلاً بِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وكان قريب العَهْدِ بالإسْلاَمِ، أو نشأ ببادية، وكان يجهل مثل ذلك، لم يبطل صَوْمُهُ، إلا فَيَبْطُلُ، ولو جَامَع نَاسياً للصَّومِ فقد نقل المُزَني أن صَوْمَه لاَ يَبْطُلُ، وللأصْحَابِ فيه طريقان:
أصَحُّهُمَا: القطع بأنه لا يَبْطُلُ، كما نقله اعتبار بالأكل (٢).
والثاني: أنه يخرج على قولين كما في جماع المُحْرِمِ نَاسِياً، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا أنكر مَا نَقَلَهُ المُزَنِي، وقال: لا نَصَّ لِلشَّافِعِيّ ﵁ فيه.
ولو أكل على ظَنِّ أن الصُّبْحَ لَمْ يطلع بَعْدُ، أو إن الشَّمْسَ قد غَرُبَتْ، وكَانِ غَالِطاً، فقد روى المُزَنِي أنه لا يجوز صَوْمُه، ووافقه الأصْحَابُ على رِوَايَتِهِ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وأما في الأولى فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ما رواه، وقال: لاَ يُوجَدُ ذَلِكَ في كُتُب الشَّافِعِيّ ﵁ ومذهبه: أنه لاَ، يَبْطُلُ الصَّوْمُ إِذَا ظَنَّ أن الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعَ بعد؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وهو معذورٌ في بِنَاء الأَمْرِ عليه، بخلاف مَا في آخر النَّهَار فإن الأَصْلَ بقاء النَّهار، فالغالطِ فيهِ غَيْرُ مَعْذُور.
ومنهم من صحح ما رواه، وقال: لعلهُ نقله سَمَاعاً، ووجهه بأنه تحقق خلاف ما ظنه، واليقين مُقَدَّمٌ عَلَى، الظَّنِّ، ولا يبعد استواء حكم الغَلَطِ في دخول الوَقْتِ وخروجه
стр. 1308
كما في الجُمُعة، وهذا هو الأَصَح [والأشهر] (١) في المذهب. قال الإمام: فإن قيل: هَلاَّ خرج ذلك على القولين في خطأ القبلة. قلنا: المخطئ آخراً لا يَكَادُ يُصَادِفُ أمارةً ظَاهِرَةٌ في هُجُوم اللَّيْلِ، واسْتِصْحَابِ النَّهَارِ في معارضة ما يَعِن لَهُ، وهو مع ذلك مُتَمَكِّنٌ مِنَ الصَّبْر إلى درك اليقين، فاقتضى ذلك الفرق بين البابين.
إذا عرفت ذلك وَعُدت إلى لفظ الكتاب فأعْلِمْ قوله: (فإنه لا يفطر) بالميم، وقوله: (ولا جماع) بالألف، لأن عند أحمد جماع النَّاسِي يُفْسِدُ الصَّوْمَ وبالواو، إشارةً إلى طريقة القَوْلَيْنِ، فقد تعرض لِلْخُلاَف فيه في الكتاب في "فَصْلِ الكَفَّارَةِ" وإن لم يذكره في هذا الموضع، ولو جعلت "الواو" على قوله: (لا يفطر) ليشمل الأكل أيضاً لم يبعد، لأنه أطلق القول بأنه لا يفطر النَّاسِي به، وفي الكثير منه الخِلاَف الذي سبق. وقوله في مسألة الغالط: (فمفطر)، يجوز أن يُعَلَّم بالزَّاي والواو.
أما الزاي فلأن أبا سعيد المتولي حكى ذهاب المزني إلى أنه لا يفطر في الصُّورة الأُولَى، ومنهم من نقل ذِهَابَهُ إِلَيْهِ في الصُّورتين. وأما بالواو فلأمرين:
أحدهما: ما حَكَيْنَا عن بعض الأصحاب في الصُّورة الأولى.
والثاني: أن الموفق بن طَاهِرَ حَكَى عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنه يجزئه الصَّوم في الطَّرفين.
وقوله: فمفطر، "ويلزمه القضاء" الجمع بينهما ضرب تأكيد، ولا ضرورة إليه، ثم لا يخفى أن الحكم بلزوم القضاء في الصَّوْمِ الواجب، أما في التطوع فيفطر ولا قَضَاء.
قال الغزالي: وَلاَ يَنْبَغِي أنْ يَأكُلَ في آخِرِ النَّهَار إِلاَّ بِيَقِينٍ، فَأمَّا بِالاجْتِهَادِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَفِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَجُوزُ بِالاجْتِهَادِ، وَلَوْ هَجَمَ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الخَطَأ لَزِمَهُ القَضَاءُ في الآخِرِ وَلَمْ يَلْزَمْ في الأَوَّلِ.
قال الرافعي: لما تَكَلَّم في الغالط الذي أَكلَ، ثم تَبَيَّن خلاف ما ظَنَّه أراد أن يبين أن الأكْلَ ثم يجوز. أما في آخر النَّهار بالأحوط ألا يَأْكُلُ إلاَّ بِتَيَقُّنِ غروب الشَّمْسِ، لأن الأصْلَ بقاء النَّهَار، فيستصحب إلى أن يستيقن خِلافَه، ولو اجتهد وغلب على ظَنِّه دخولُ اللَّيْلِ بِوِرْدٍ وغيره ففي جواز الأكْلِ وَجْهَان:
أحدهما: وبه قال الأستاذ أبو إِسحَاقَ الإِسْفَرايني: أنه لا يجوزِ، لقدرته على دَرْكِ اليَقِين بالصَّير.
стр. 1309
وأصحهما: الجواز؛ لما روي "أَنَّ النَّاسَ أَفْطَرُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ ﵁ ثُمَّ انْكَشَفَ السَّحَابُ، وَظَهَرَتِ الشَّمْسُ".
وأما في أول النَّهار، فيجوز الأَكْل بالظَّنَّ والاجتهاد؛ لأن الأصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، ولو هجم وأكل من غير يقين ولا اجتهاد نظر إن تبين الخَطَأ فالحكم ما ذكرنا في الفَصْلِ السَّابق، وإن تبين الصَّواب فقد استمر الصوم على الصِّحة وليس لأحَدٍ أن يقول إذا أكل شَاكّاً في الغروب، وتبين الغروب، وجب ألا يَصِح صَوْمُه كما لو صَلَّى شاكاً في الوقت، أو في القبلة من غير اجتهاد، وتبين له الصَّواب لا تصح صلاتهُ، لأن هناك ابتداء العبادة وقع في حال الشك فصنع الانعقاد، وهاهنا انعقدت العبادة على الصِّحة، وشك في أنه هل أتى بما يفسدها ثم تبين عدمه ذكر هذا الفرق صَاحِبا "التتمة" و"المعتمد"، وإن لم يتبين الخَطَأ، ولا الصواب، واستمر الإشْكَال، فينظر: إن اتفق ذَلِكَ في آخرِ النَّهَار وَجَبَ القَضَاء؛ لأن الأصْلَ بقاؤه، ولم يبن الأكل على أمر يعارضه، وإن اتفق في أوه فلا قَضَاءِ، لأن الأصْلَ بقاء اللَّيْلِ وجوازُ الأَكْلِ.
وروى بعض أصحابنا عن مالك وجوبَ القَضَاءِ في هَذِه الصُّورة، وتردد ابن الصَّبَّاغ في ثبوتها عنه، ولو أكل في آخر النهار بالاجتهاد وقلنا لا يجوز الأكل بالاجتهاد كما لو أكل من غير يقين ولا اجتهاد (١).
قال الغزالي: وَلَوْ طَلَعَ الصُّبْحُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ انْعَقَدَ (ز) الصَّوْمُ وَلَوِ اسْتَمَرَّ فَسَدَ.
قال الرافعي: إذا طلع الصُّبْحُ وفي فِيهِ طَعَامٌ بأكله فليلفُظُه، فَإِن ابتَلعه فَسَدَ صَوْمُه، ولو لفظها في الحال لكن سبق مِنْه شَيْءٌ إِلَى جوفه بغير اختياره فقد نُقِل عن
стр. 1310
"الحاوي" فيه وجهان مخرجان من سَبْق المَاءِ في المَضْمَضةِ (١).
ولو طَلَعَ الصُّبْحُ، وهو مجامع فنزع في الحال صومه، نَصّ عليه في "المختصر"، والمسألة تصور على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يحس وهو مجامع بتباشير الصبح، فينزع بحيث يوافق آخر النَّزْعِ ابتداءَ الطُلُوعِ.
والثاني: أن يطلع الصُّبْحُ، وهو مجَامِعٌ ويعلم بالطُّلُوع كما طَلَع وينزع كما علم.
والثالث: أن يمضي زمان بَعْدَ الطُّلُوعِ، ثم يعلم به.
أما هذه الصُّورة الثَّالِثة، فَلَيْسَتْ مُرَادَةً بِالنصّ، بل الصَّوم فيها بَاطِل، وإن نزع كما علم؛ لأن بعض النَّهار قد مضى وهو مشغول بالجماع، فأشبه الغَالِط بالأكل هذا ظَاهِر المَذْهَب، والخلاف الذي مر فيما إذا أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد فبَانَ خلافِه عَائِد هَاهنا بلا فرق، وعلى الصَّحيح لو مكث في هذه الصورة فلا كَفَارَةَ عَلَيهِ، لأن مُكْثَهُ مَسْبُوقٌ بِبُطْلاَنِ الصَّوْمِ.
وأما الصورتان الأوليان، فقد حكى الموفق بن طَاهِر أن أبا إِسْحَاقَ قال "النص محمول على الصُّورة الأولى، إما إذا طلع، وأخرج فَسَد صومه"، ولا شَكَّ في صِحَّة الصَّوْم في الصُّورة الأُولَى، لكِن حمل النَّصِ عَلَيْهَا، والحُكْمَ بِالْفَسَادِ فِي الثَّانِيَةِ مُسْتَبْعَدٌ لاَ مُبَاَلاةَ بهِ؛ بل قضية كلام الأئمة نقلاً وتوجيهاً، أن المراد من مسألة النَّص الصُّورة الثَّانية، وحكوا فيها خلاف مالكٍ وأحمد، والمزني ﵏ واحتجوا عليهم أن النزع ترك الجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع، كما لو حلف ألا يلبس ثوباً هُوَ لابسه فانتزعه في الحال لا يحنث. وقوله: في الكتاب: (انعقد صومه) أُعْلِمَ بالميم والألف والزَّاي، إشارة إلى مذاهبهم، ويجوز أن يُعَلَّمَ "بالواو" أيضاً للمنقول عن أَبي إسْحَاقَ، وقد روى الحَنَّاطِي أيضاً وجهاً في المَسْألة، ولو طلع الفَجْر، وعلم به كما طَلعَ ومكث ولم ينزع فَسَدَ صَوْمُه، وهل عليه؟ الكفارة؟ نَصَّ في "المختصر" على أنَّهَا تَجِب، وأشار فيما إذا قال لامرأته: إن وَطَأْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثلاثاً فَغَيَّبَ الحَشَفَة، وطلقت، ومكث إلى أنه لاَ يَجِب المَهْرُ واختلف الأصحاب على طريقين:
أحدهما: أن فيها قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: وجوب الكفارة هاهنا، والمهر، ثم كما لو نزع وأولج ثانياً.
стр. 1311
والثاني: لا يجب وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لأن ابتداء الفِعْلِ كَانَ مُبَاحاً.
وأصحهما: القطع بوجوب الكفارة، ونفي المهر.
والفرق: أن ابتداء الفعل لم تتعلق به الكفارة، فتتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماعُ في نَهَارِ رَمَضَانَ عمداً عن الكَفَّارة والوَطْءِ، ثم عير خَالٍ عن المقابلة بالمَهْرِ؛ لأن المَهْرَ في النِّكَاحِ يقابل جميع الوَطْئَات، وعند أبي حنيفة لا تَجِب الكَفَّارة بالمُكْثِ، واختاره المزني وساعدنا مالك وأحمد على الوجوب، والخلاف جَارٍ فيما إذا جَامَعَ نَاسِيًا ثُمَّ تذكر الصَّوْم واستدَام، ثم تكلم الأئمة في هذه المَسَائِلِ، في أن أول الفجر كيف يدرك وَيُحَس، ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي متقدماً عليه فكيف ليستمر فَرْضُ العِلْمِ بِهِ، كما طلع، وللشيخ أبي محمد في الجواب عنه مَسْلَكَانِ حَكَاهُمَا الإمَام عَنْهُ.
أحدهما: أن المسألة موضوعة على التَّقْدِير كدأب الفُقَهَاءِ في أمْثَالِهَا.
والثاني: أنا تَعَبَّدْنَا بِمَا نطلع عليه، ولا معنى للصّبح إلا ظهور الضوء للنَّاظرِ، وما قبله لا حكم له، فإذا كان الشَّخْصُ عَارِفاً بالأوقات ومنازل القمر وكان بحيث لا حائل بينه وبين المطلع وترصد فمتى أدرك فهو أول الصُّبح المعتبر.
قال الغزالي: القَوْلُ في شَرَائِطِ الصَّوْمِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: ثَلاَثةٌ في الصَّائِم وَهِيِ النَّقَاة عَن الحَيْض والإِسْلاَم وَالَعقْلُ في جَمِيعِ النَّهَار، وَزَوَال العَقْلِ بالجُنُونِ مُفسِدٌ وَلَوْ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، وَاسْتِتَارُه بِالنَّوْمِ لَيْسَ بِمُفْسِد وَلَوْ في كُلِّ النَّهَارِ (و)، وَانْغِمَارُهُ بالإِغْمَارِ فِيهِ أَقْوالٌ أنَّهُ كالنَّوْمِ أَوْ كالْجُنُونِ، وَأَصَحَّ الأَقْوَالِ أنَّهُ إنْ أَفَاقَ في أَوَّلِ النَّهَارِ لَمْ يَضُرَّهُ بَعْدَهُ الإِغْمَاءُ.
القول في شروط الصوم:
قال الرافعي: يشترط في الصَّائِمِ ثلاثة أمور.
أحدها: النَّقعاءُ من الحَيْضِ والنّفَاسِ، فلا يصح صوم الحائض والنفساء على ما قدمناه في الحَيْض.
والثاني: الإسْلاَم، فلا يصح صَوْمُ الكَافِرِ أصلياً كان أو مرتداً، كما لا يصح مِنْهُ سائر العِبَادات، وهذان الشَّرْطَان معتبران في جميع النَّهَار، وحتى لو طَرَأَ حيض، أو ردة في آخِرِ النَّهَار بَطَلَ الصَّومُ.
والثالث: العقل، فلا يصح صوم المجنون، ولو جُنَّ في أثناء النَّهَارِ فَظَاهِرُ
стр. 1312
المَذهب بُطْلاَنُ صَوْمِهِ، كما لو جُنَّ في خِلاَل صَلاَتِهِ تَبْطُلُ صَلاتُه.
وفيه وجه: أن عُروضَ الجُنُون كَعروضِ الإغْمَاء، وسيأتي حُكْمُه، وعَبَّر الشَّيْخُ أبُو إِسْحَاقَ عَنْ هَذَا الخِلاَفِ في "المهذب" بقولين:
الأول: الجديد.
والثاني: القديم.
ولو نوى من الليل، ونام جَمِيعَ النهار صَحَّ (١) صومه وعن أبي الطيب بْنِ سلمة، والإصْطَخْري: أنه لا يصح، كما لو مغمى عليه جميع النَّهار، واحتجا على ذلك بقوله في "المختصر: فإن أفاق في بَعْضِ النَّهَارِ، فَهُوَ صَائِمُ يعني المغمى عليه، ثم قال: وكذلك إِنْ أَصْبَحَ رَاقِداً، ثم استيقظ، فأشعر كلامه باشتراط الاستيقاظ في بَعْضِ النهار، والمَذْهَبُ الأَول. والفرق بين النَّوْم والإغْمَاء إن سلمنا أن مستغرقه مُبْطِل وأن الإغماء يخرجه عن أهْلِيَّة الخِطَاب، ويلحقه بالمَجْنُون، والنَّائِم إذا نبه تنبه، ولهذا لا يسقُط قَضَاءُ الصَّلوَاتِ بِالنَّوْمِ، ويسقط بالإغْمَاء، ولو نوى من الَليل ثم عرض له الاغْماء، فقد نَصَّ في "المختصر" في "باب الصَّوْم" أنه إذا كان مَفِيقاً في جزء من النَّهَار صَحَّ صومُه، وفي "باب الظّهار" أنه إن كان مفيقاً في أول النَّهار صَحَّ صومُه (٢)، ويحكى مثله عن البويطي، وفي بعض كتبه أن المرأة إذا كانت صَائِمَةً فحاضت، أو أغمي عليها بَطَل صَوْمُهَا، وذلك يقتضي اشتراط الإفاقة في جميع النَّهَار.
وقال المُزَنِي: إذا نوى من اللَّيْلِ صَحَّ صومُه، وإن استغرق الإغماء جميع النَّهار كالنوم، وخرّج ابْن سُرَيْجٍ من نَصِّه في الظهار أنه يشترط الإفافة في طَرَفَي النَّهار، وقت طلوعِ الفَجرِ، ووقت غُروبِ الشَّمْسِ، وللأصحَاب في المسألة طَرِيقان، إثبات الخِلاَف ونفيه. أما المُثْبِتُون لِلْخِلاَف فَلهُمْ طرق:
أظهرها: أن المسألة على ثلاثة أقوال:
أصحها: نصه في "المختصر" في "باب الصوم" وبه قال أحمد، ووجهه الإمام بأن
стр. 1313
الدَّليلَ يقتضي اشتراط النِّيَّة، مقرونةً بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ العِبَادَةِ، إلاَّ أن الشَّرْع لَمْ يشترط ذَلِكَ، واكتفى بتقديم العَزْم دَفْعاً لِلْعُسْرِ، فلا بد من أن يقع المعزومُ عليه بحيث يتصور القَصْد إليه، وإمسَاك المَغمى عليه لا يقع مقصوداً، فإذا استغرق الإغماءُ امتنع التَّصحيح، وإذا وجدت الإفاقة في لَحْظة أَتْبَعْنَا زمان الإغماء، زمان الإفاقة.
والثاني: اشراط الإفاقة في أول النَّهار.
وبه قال مالك ﵀ ووجهه: أنه حالة الشُّروع في الصَّوْم، فينبغي أن تجتمع فيه صفات الكمال، ولهذا خُصَّ أول الصَّلاَة باشتراط النِّية فيه.
والثالث: اشتراط الإفاقة في جَمِيع النَّهار كالإفاقة عن الجُنون، والنّقاء عن الحيض. والطريق الثاني: أنه ليس في المَسْألَةِ إلا قَوْلاَن الأول والثاني.
وأما نصه الثَّالث فهو محمولٌ على ما إذا كان الإغماءُ مستغرقاً، أو على إغماء الجُنون، أو على أن جوابه رَجَع إلى الحَيْض دون الإغْمَاء، وقد يقع مثل ذَلِك في كلام الشَّافعي ﵁ حَكَى هذا الطريق والذي قَبْلَه الشَّيخ وأبو حَامِدٍ وغيره.
والثالث: أن المسألة عَلَى خمسة أقوال، هذه الثَّلاثة المَنْصُوصة، وقولان آخران مُخَرَّجَانِ. أحدهما: ما ذكره المُزَنِيّ جعله بعض الأصحاب قولاً مخرجاً من النَّوْمِ، وبه قال أبُو حَنِيفة.
والثَّاني: ما ذكره ابْنُ سُرَيْجٍ، ووجهه بأن الصَّلاَة لما اعتبرت النية فِيهَا ولم تعتبر في جَمِيعِهَا اعتبرت في طرفيها، كذلك حُكْمُ الإفاقة في الصَّوْمِ، واستضعفت الأئمة هذا القول حتى غلط صَاحِب "الحاوي" ابْنُ سُرَيجٍ في تخريجه، وقال: لا يعرف للشَّافِعِي ﵁ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. وأما النَّافون للخلاف فلهم طريقان:
أحدهما: أن المَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو اشتراط الإفاقة في أول النَّهَار، وما ذكره في الصَّوْمِ مُطْلَقٌ مَحْمُولٌ على مَا بَيَّنَهُ فِي الظّهَارِ.
وأظهرهما: أن المسأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو اشتراط الإفاقة في جُزْءِ مِن النَّهَارِ، وَتَعيْين أَوَّل النَّهَارِ فِي نَصِّه في الظِّهار وقع على سبيل الاتفاق.
وأما النَّصُ الثَّالِثُ فقد قدَّمنا تأويله.
ولو نوى باللَّيل، ثُمَّ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عقْلُهُ نَهَاراً فقد قال في "التهذيب" يُرَتَّبُ على ذلك الإغماء. إن قلنا: لا يَصِح الصَّوم في الإِغْمَاء فهاهنا أولى وإن قلنا: يصح فوجهان: والأصح: أن عليه القَضَاءِ؛ لأنه كان بِصُنْعِهِ، ولو شرب المُسْكِر لَيْلاً، وبقي سُكُرهُ فِي جَمِيع النَّهَار، فعليه القَضَاء، وَإِنْ بَقِيَ النَّهَارِ، ثُمَّ صَحَا فَهُوَ كَالإغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، قاله في "التتمة". وأما لفظ الكِتَاب فمسألتا الجُنون، والنَّوْمُ معَلَّمَتَانِ بالواو؛ لما حكينا من الوجهين.
стр. 1314
وقوله: (في الإغماء أقوال) يجوز إعلامه "بالواو" للطريقة النافية للخِلاَف، وما أَطْلَقه من الأقْوَال محمولٌ على طَريقة إِثْبَات الأَقْوَال الخَمْسَة، لكنه ذكر منها ثلاثة:
أحدها: المُخَرَّج الَّذِي اختاره المُزَنِي، وهو قوله: "كالنوم".
والثَّاني: منصوصة في بعض كتبه، وهو قوله: (كالجنون).
والثَّالث: منصوصه في "باب الظِّهَار".
وأما القولان الباقيان فلم يذكرهما، ولو حملنا ما أطلقه على الأقوال الثَّلاثة التي ذكرها وقدرنا حصره خلاف المسألة فيها لكان صَاحب الكتابِ منفرداً بنقل هذه الطريقة.
وقوله: (كالنوم أو كالجنون) التشبيه بهما مَبنِيٌّ عَلى ظَاهِرِ المَذْهَبِ فِيهِمَا، وجعله القول الثالث أصح الأقوال خلاف ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، وإنما الأَصَح عِنْدَهُمْ ما قدَّمْنَا ذِكْره، وما أطلقه من عبارات الزَّوال والانغمار والاستتار فإنما أخذه من الإمام حيث جعل لاختلال العقل مراتب:
أحدها: الجنون، وهو يسلب خواص الإنسان، ويكاد يلحقه بالبَهَائم.
والثانية: الأغماء، وهو يُغْشِي العقل، ويغلُب عليه حتى لا يبقى في دفعه اختيار.
والثالثة: النوم وهو مزيل للتمييز، لكنه سَهْلُ الإزَالَةِ، والعقل معه كالشَّيْءِ المَسْتُور الَّذِي يَسْهُلُ الكَشْفُ عنه، قال: ودونها مرتبة رابعةٌ وهي الغَفْلَة، ولا أثر لَهَا فِي الصَّوْمِ وِفَاقاً.
قال الغزالي: الرَّابعُ الوَقْتُ القَابِلُ لِلصَّومِ وَهُوَ جَمِيعُ الأَيَّامِ إلاَّ يَوْمِ العِيدَيْنِ (ح) وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ (و) وَلاَ يصحُّ صَوْمُ المُتَمَتَّع فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقَ عَلَى الجَدِيدِ، وَصَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ صَحِيحٌ إنْ وَافَقَ نَذْراً أَوْ قَضَاءاً أَوْ وِرْداً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فَهُوَ مَنهِيٌّ (م ح) وَفِي صحَّتِهِ وَجْهَانِ كَالصَّلاَةِ فِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ، وَيوْمُ الشَّكِّ أَنْ يَتَحَدَّث بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ مَن لاَ يَثْبُتُ الهِلاَلُ بِشِهَادَتِهِ كَالعَبِيدِ وَالفُسَّاقِ.
قال الرافعي: أيام السَّنَةِ تنقسم إلى الشَّك وغيره، وغيره ينقسم إلى يَوْمَي العِيد، وأيَّام التَّشْرِيق، وغيرها.
فأما غيرها من الأيام فهو قابلٌ للصوم بلا استثناء. وأما يومَا العيد فلا يقبلانه خلافاً لأبي حنيفة ﵀؛ لأن عنده لو نَذَرَ صومهما كان له أن صَوْمَ فيهما. لنا: أنه روي عن أبي هريرة ﵁ أن النَّبي ﷺ : "نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَومِ
стр. 1315
الأَضْحَى، وَيوْمِ الْفِطْرِ" (١).
وأما أيَّام التَّشْرِيق فهل يجوز للمتمتع العَادِم لِلْهَدْيِ أن يصومها عن الثَّلاثَةِ أيام اللاَّزِمة في الحج؟ فيه قولان:
القديم -وبه قال مَالِك-: أنه يجوز؛ لما روى عن عائشة ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ : "أرْخَص للْمُتَمَتِّع إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَلَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ فِي الْعَشْرِ أَنْ صَوْمَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ" (٢). وإلى هذا ميل الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
والجديد: أنه لا يجوز، بل هما في عدم قبول الصَّوْمِ كالعبدين؛ لما روي أنه ﷺ قال: "لاَ تَصُومُوا فِي هَذِهِ الأيَّام فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ" (٣) فإن فرعنا على القديم، فهل يجوز لغير المتمتع صَوْمُهَا؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن تجويز صَوْمِهَا للمتمتع إنما كان لأنه صَوْمٌ لَهُ سَبَبٌ، فيجوز مِثْلُ هذا الصَّوْمِ لكل أَحَدٍ دون التَّطوعات المحضة.
وقال الأكثرون: لا يجوز؛ لأن النَّهْيَ عَامٌّ، والرُّخْصَةُ وَرَدَتْ في حق المتمتع خَاصَّة (٤)، وذكر الإمام أن القاضي الحُسَيْنَ سلك مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد مُنْزَلة يَوْمِ الشَّكِ، قال: وما تراه قاله عن عقد.
وأما يوم الشَّكِّ (٥) فقد روي عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ أنه قال: "مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكَّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ" (٦) فلا يصح صَوْمُه عَنْ رَمَضَانَ خلافاً
стр. 1316
لأحمد، حيث قال في رواية: إن كانت السماء مصحية كُرِه صَوْمُهُ، وإلا وَجَبَ صَوْمَهُ عَنْ رَمَضَانَ. وفي رواية: إن صام الإمام صَامُوا، وإلا أفطروا، وعنه: رواية أخرى مثل مَذْهَبِنَا. لنا قوله ﷺ : "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، وَلاَ تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعبَانَ" (١). ويجوز صَوْمُه عن قَضَاءٍ وَنُذُورٍ وكَفَّارَةٍ (٢)، وكذا إذا وافق وِردَهُ فِي التَّطوُّعِ بلا كراهية.
روي عن أبي هريرة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لاَ تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ بِيَومٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صِيَاماً كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ" (٣).
وعن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ، أنه يكره صَوْمُه عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ.
قال ابْنُ الصَّباَّغِ: وهذا خلاف القياس؛ لأنه إذا لم يكره منه مالَه سَبَبٌ من التَّطوع، فلأن لا يكرهَ فيه الفرض كَانَ أولى، ولا يجوز أن يصوم فيه التَّطوع الذي لا سبب له خلافاً لأبي حنيفة، ومالك -رحمهما الله- حيث قالا: "لا كراهية في ذلك".
لنا حديث عمار وأيضاً فقد روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنْ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَحَدُهَا الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ" (٤). وهل يَصِحّ هذا الصَّوْم؟ فيه وجهان كَالْوَجْهَيْنِ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ.
أصحهما: لا؛ لأنه مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَيَوْمِ العِيدِ.
والثَّاني: نعم؛ لأنه قَابل للصَّومِ فِي الجُمْلَةِ. ولو نذر صومه فهو عى هَذينِ الوَجهَينِ؛ فإن قلنا: يصح فليصم يوماً آخر، ولو صَامَه خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ، قاله في "التهذيب" ولا يخفى أن اليوم الموصوف بكونه يوم الشك هو الثلاثون من شَعْبَان، ومتى يَتَّصِفْ بهذه الصِّفَة؟ إن طبق الغيم ليلته فهو من شعبان، وليس بيوم شك لقوله ﷺ : "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" (٥) ولا أثر لِظَنِّنَا الرُّؤْيَةَ لَوْلاَ السَّحَاب لِبُعْد الهلال عن الشَّمْسِ، وإن كانت السَّمَاءُ مصحية وتراءى النَّاسُ الهِلاَلَ فلم يَرَوْهُ، فليس بيوم شكٍّ بطريق الأَوْلى إن لم يتحدث برؤية الهِلاَل أَحَدٌ، وإن وقع في ألْسِنَة النَّاس أنه رؤي، ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قاله عدل، وفرعنا على أنه لا يَثْبُت بِقَوْلِ وَاحِدٍ، أو
стр. 1317
قاله عَدَدٌ من النسوة، أو العبيد، أو الفُسَّاق، وَظُنَّ صِدْقُهُمْ، فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ (١)، وحكى الموفق بْنُ طَاهِرِ عن أبي مُحَمَّد الباقي، أنه إذا كانت السَّمَاء مصحية ولم ير الهلال فهو يَوْم شَكٍّ، وعن الأستاذ أَبي طَاهِرٍ، أن يوم الشَّكِّ ما تردد بين الجائزين، من غير ترجيح، فإذا شهدت امْرَأَةُ، أو عبد، أَوْ صِبِيّ فقد تَرَجَّحَ أَحَدُ الجَانِبَيْنِ، وخرج اليوم عن كونه يَوْمَ شَكٍّ، والمشهور ما تقدم.
ولو كان في السماء قِطَعُ سَحَابٍ يمكن أن يرى الهلالُ مِنْ خِلاَلِهَا، وأن يخفى تَحْتَهَا، فقد قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ: إنه يَوْمُ الشَّكِّ، وقال غيره: إنما يكون كَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَدُّثِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَتَوَسَّطَ الإمَام بينهما، فقال: إن كان في بَلَد يستقل أهلها بطَلَبِ الهلال، فلم يتحدثوا برؤيته، فالوجه أن لا يُجعل الغَدُ يومَ شَكٍّ، وإن كان في سَفَرٍ، ولم يبعد رؤية أهل القُرَى فيحتمل أن يجعل الغَدُ يَومَ شَكٍّ، -والله أعلم-.
إذا عرفت ذلك فارجع إلى لفظ الكتاب، وأعلم قوله: (إلا يوم العيدين، وأيام التَّشريق) بالحاء و"الميم" و"الألف". أما "بالحاء" فلأن عنده صَوْمَها صَحِيحٌ عند النذر، فتكون قَابلَة للصَّوْمِ. وأما بالميم؛ فلأن عنده يجوز للمتمتع صَوْم أيام التَّشريق، وهو رواية عن أحمد. وقوله: (ولا يصح صوم المتمتع في أيام التشريق) إن قرئ "بالواو" كان مقطوعاً عَمَّا سبق، وأحوج إلى إعلام ما سبق بالواو للقول القديم، فإنها قابلةٌ للصَّوْمِ على ذلك القول، وإن قُرِئَ فلا يصح بالْفَاء ترتيباً له على ما سبق، كان أحسن، وأغنى عن الإعلام بالواو، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (على الجديد) بالواو، ولأنه يقتضي إثبات خلاف في المسألة، وقد ذكر المُزَنِيُّ أن القول القديم في المسألة مَرْجُوعٌ عَنْه، فلم يثبت بَعْضُ الأَصْحَاب فيها خِلافاً.
وقوله: (فَهُوَ مُنْهِيٌّ) معلم بالميم والحاء.
وقوله: (أن يتحدث برؤية الهِلاَل) يجوز إعلامه بالواو. أما لما روينا عن الشيخ فإنه لا يعتبر التحدث في تفسير يوم الشَّك، أو عن الأُسْتَاذِ، فإنه يجعل خبر العبيد ونحوهم مخرجاً له عن كونه يَومَ شَكٍّ.
قال الغزالي: القَوْلُ فِي السُّنَنِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: تَعْجِيلُ الفِطْر بَعْدَ تَيَقُّنِ الغُرُوبِ بِتَمْرٍ أَوْ مَاءٍ، وَالوِصَالُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَتَأخِيرُ السُّحُورِ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَا إِكْثَارُ الصَّدَقَاتِ وَكَثْرَةُ تِلاَوَةِ
стр. 1318
الْقُرْآنِ، وَالاعْتِكَافُ لاَ سِيَّمَا فِي العَشْرِ الأَخِيرِ لِطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَكَفُّ اللِّسَانِ عَنِ الهَذَيَانِ، وَكَذَا كَفُّ النَّفْسِ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَهُوَ سِرُّ الصَّوْمِ، وَتَرْكُ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَقْدِيمُ غُسْلِ الجَنَابَةِ علَى الصُّبْحِ.
قال الرافعي: من سنن الصَّوْمِ تَعْجِيلُ الفِطْر، قال ﷺ : "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (١). وإنما يستحب التعجيل بعد تَيَقُّنِ غُروبِ الشَّمْسِ، والسنة أَن يفطر على تَمْرٍ، فإن لم يجد فَعَلَى "ماء"، روي أنه ﷺ قال: "مَنْ وَجَدَ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ" (٢).
وذكر القاضي الرّوَيانِي أنه يفطر على التَّمْرِ، فإن لم يجد فَعَلَى حَلاَوةٍ أُخرَى، فإن لم يجد فَعَلَى المَاءِ، وعن القاضي حُسَيْن أن الأولى في زَمَاننا أن يفطر على "مَاءٍ" يأخذه بكَفِّهِ مِنَ النَّهْرِ ليكون أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ. وقوله في الكتاب: (على تمر أَوْ ماء) ليس لَلتخيير، بل الأمر فيه على الترتيب كما بيناه.
ومنها: التَّسحر فهو مَنْدُوبٌ إليه، قال ﷺ : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةٌ" (٣).
ويستحب تأخيره ما لم يقع في مَظنة الشَّك.
روي: "أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ تَسَحُّرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ وَدُخُولِهِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً" (٤).
ومنها: تَرْكُ الوِصَالِ فهو مكروهٌ لِغَيْرِ النبي ﷺ روي عن ابن عمر ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْوِصَالِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" (٥).
قال المَسْعُودِيُّ: أَصَحُّ ما قيل في معناه أني أعطى قوة الطاعِمِ وَالشَّارِبِ.
والوِصَالُ أن يصوم يَوْمَيْنِ فَصَاعِداً، ولا يتناول باللَّيْلِ شَيْئاً، وكَرَاهِيَةُ الوِصَالِ كَرَاهِيَةُ تَحْرِيمٍ أو تنزيه؟ حكى عن صاحب "المهذب" وغيره فيه وجهين:
стр. 1319
أحدهما: أنها كراهية تَحْرِيم؛ لظاهر النَّهْيِ، ومبالغة النَّبي ﷺ فِي مَنْعِ مَنْ وَاصَلَ.
والثاني: أَنَّهَا كَرَاهِيَةُ تَنْزِيه؛ لأن النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ مَخَافَة الضَّعْفِ، وهو أمر غَيْرُ متحقق وظاهر كلام الشافعي ﵁ هو الأَوَّلُ، فإنه بعد ما روى خبر الوصال قال: "وفرق الله -تعالى- بين رسوله وبين خلقه، في أمور أباحها له، وحظرها عليهم"، فأشعر ذلك بِكَوْنِه مَحْظوراً، وأطلق في "التهذيب" أن المواصل يَعْصى، وذلك يُشْعِرُ بالحظر أيضاً.
ومنها: الجود والإفْضَال، فهو مندوب إليه في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان آكد استحباباً اَقتداءً بِرَسُول الله ﷺ فإنه: "كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بالْخَيْرِ، وَكَانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ" (١). والمعنى في تخصيص رمضانَ بِزِيادة الجُود، وإكثار الصَّدقات تَفْرِيغ الصَّائمين، والقائمين للعبادة بدفع حَاجَاتِهِمْ.
ومنها: كثرة تِلاَوَةَ القُرآنِ والمُدَارَسَةِ بهِ، وهو أن يقرأ على غيره، ويقرأ عليه غيره: "كَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانِ فَيَتَدَارَسَانِ الْقُرْآنِ" (٢). ومنها: الاعْتِكَافَ، لا سِيَّمَا في العُشْر الأخير من رمضان لطلب ليلةِ القدر: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ" (٣).
ومِنْها: أَنْ يصَوْمَ الصَّائِم لِسَانَهُ عَنِ الكَذِب، والغِيبَةِ، والمُشَاتَمَةِ، ونحوها، ويكف نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ بِكَفِّ الجَوَارِحِ، فَهُو سِرُّ الصَّوْمِ، والمقصود الأَعْظَمُ مِنْهُ، روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ" (٤).
وروي أنه ﷺ قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلاَ يَرْفَثْ، وَلاَ يَجْهَلْ، فَإنْ امْرؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ" (٥) قال الأئمة: معناه فَلْيقل في نفسه ولينزَجر. ومنها: ترك السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لما ذكرنا في "سُنَنِ الوضوء" وأيضاً فقد روي عن خباب ﵁ أن النبي- ﷺ قال: "إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلاَ تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالعشي إِلاَّ كَانَتَا نُوراً بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَومَ
стр. 1320
الْقِيَامَةِ" (١). وإذا استاك فَلاَ فرق بين الرطب واليابس بشرط أن يحترز عن ابتلاع شظية وتجرع رطوبة، وقد روي عَنْ عَلِي، وابْنِ عمر ﵃: "أَنَّهُ لاَ بَأْسِ بالسِّوَاكِ الرَّطْب" (٢). وقوله في الكتاب: (ترك السِّواك) معلم بالميم والحاء؛ لأنهما لا يكرهانه بعد الزَّوال، وبالألف؛ لأن المسعودي في آخرين حكوا عن أحمد أنه لا يُكْرَه بعد الزَّوال في النَّفْلِ ليكون أَبْعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ فِي الفَرْضِ وبالواو؛ لأن صاحب المعتمد حكى عن القَاضي حسين مِثْلَ مذهب أحمد.
ومنها: يستحب تقديم غسل الجَنَابة عَنِ الجِمَاع، والاحتلام عَلَى الصُّبْحِ، ولو أَخَّرَهُ عَن الطُّلُوعِ لَمْ يفسد صومه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبحُ جُنُباً مِنْ جِمَاع أهْلِهِ، ثُمَّ يَصُومُ" (٣) وما روي أنه ﷺ قال: "مَن أَصْبَحَ جُنُباً فَلاَ صَوْمٌ لَهُ" (٤) محمول عَند الأئَمِة على ما إذا أَصْبَحَ مُجَامِعاً واسْتِدَامَهُ، ولو طَهُرَت الحَائِضُ لَيْلاً، وَنَوَتْ الصَّوْمَ، ثم اغتسلت بعد طُلُوعِ الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهَا أيضاً.
هذا شَرْحُ السُّنَنِ الثَّمَانِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْكِتَابِ، ولا يخفى أن منها ما يعم الصَّوْم، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ صَوْمَ رَمَضَانَ، وِللصَّوْمِ وَرَاءَهَا سُنَنٌ.
منها: أن يقول عند الفِطرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكِ أَفْطَرْتُ" (٥).
ومنها: أن يُفَطِّرَ الصَّائِمِينَ مَعَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عن عَشَائِهِمْ أَعْطَاهم ما يفطرون به مِنْ شربه، أو تمره، أو غيرهما.
ومنها: الاحتراز عن الحِجَامة، والقُبْلَة، والمُعَانقة، والعِلْك، وقد سبق ذِكْرُها، وكذا الاحتراز عن ذَوْقِ الشيء ومَضْغِ الطَّعَامِ للطِّفْلِ، وإن كان لا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِذَلِكَ.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي فِي مُبِيحَاتِ الإِفْطَارِ وَمُوجِبَاتِهِ، أَمَّا المُبِيحُ فَهُوَ المَرَض
стр. 1321
وَالسَّفَرُ الطَّوِيلُ، وَطَارِئُ المَرَضِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مُبِيحُ، وَطَارِئُ السَّفَر لاَ يُبِيحُ، وَإذَا زَالاَ وَهُوَ غيْرِ مُفْطِرٍ لَمْ يُبَحِ الإفْطَار، وَالمُسَافرُ إِذَا أَصْبَحَ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ فَلَهُ الإفْطَارُ، وَالصَّومُ أَحَبُّ مِنَ الفِطْرِ فِي السَّفَرِ لِتَبْرِئَةِ الذِّمَّة إلاَّ إِذَا كَانَ يَتَضَرَرُ بِهِ.
قال الرافعي: كلام هذا القسم في مُبِيحَاتِ الإِفْطَار، ثُمَّ في أحكامه.
أما المبيح فالمرض والسفر مبيحان بالإجماع، والنص، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١) الآية، وعن النبي ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمِ، وَشَطْرَ الصَّلاَةِ" (٢).
وَشَرْطُ كَونِ المَرَضِ مُبيحاً، أن يجهده الصَّوْم مَعَه، ويلحقه ضَرَرٌ بشق احتماله على ما عَدَدْنَا وجوه المَضَار في التَّيَمُّم، ثم المرض إن كان مُطْبِقاَ فَلَهُ تَرْكُ النِّية باللَّيْلِ، وإن كان يُحَم وتنقطع نظر إن كان مَحْمُوماً وَقْتَ الشّروع، فله تَرْكُ النية، وإلا فَعَلَيِه أَنْ يَنْوِيَ مِنَ اللَّيْلِ، ثم إنْ عَاد واحتاج إلَى الإفْطَار أفطر، وشرط كُوْنِ السَّفَرِ مُبِيحاً أَنْ يَكُونَ طَوِيلاً مباحاً كما سبق في القَصْر. ثم في الفَصْل مسائل:
إحداها: لو أَصْبَح صَائِماً وهو صَحِيح، فمرض في أَثْنَاء النَّهَارِ، كان له أن يفطر لوجود المعنى المُحْوِج إلَى الإفْطَارِ مِنْ غَيْرِ اختياره، ولو أصبح صَائِماً مقيماً، ثُمَّ سَافَر لم يَجُزْ لَهُ أن يفطر في ذَلَكَ اليَوْمِ خلافاً لأحمد في رواية، وللمزني.
لنا: أن الصَّوْمَ عِبَادة تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا أنشأَها فِي الحَضَر، ثم سافر غَلَب حكم الحضر، كالصلاة، واحتج المزني بأن النبي ﷺ : "صَامَ فِي مَخْرَجِهِ إلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى بَلَغ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمَّ أَفْطَرَ" (٣). وبنى هذا الاحتجاج على ظنه أن ذلك كان في يَوْمٍ وَاحِدٍ. قال الأصحاب: وهو وَهْمٌ فإن بين المدينة وكراع الغميم مَسِيرةَ ثَمَانِيَة أَيَّام، والمراد من الحَدِيث أَنَّهُ صَامَ أَيَّاماً فِي سَفَرِهِ، ثم أفطر، وقد قيل: إن المزني تَبَيَّن لَهُ ذَلِكَ، ثم رجع عن هَذَا الاحْتِجَاجِّ، وإن لم يرجع عن مذهبه.
وقوله في الكتاب: (وطارئ السفر لا يبيح)، يجوز أن يُعَلَّم مَعَ الألف والزاي بالوَاوِ؛ لأن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً أن المَسْأَلة عَلَى وَجْهَيْنِ، وأيضاً فإن الموفق ابن طاهر زعم أن ابن خَيْرَانَ أشار إليه، وعلى المذهب الصَّحيح لو أفطر بالجِمَاعِ لزمه الكفارة
стр. 1322
خلافاً لِأَبِي حَنِيفة، ومالك ولأحمد في إحدى الروايتين.
ولو نوى المقيم بالليل، ثم سَافَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَإِنْ فَارَقَ العُمْرَان قَبْلَ الطُّلُوعِ فَلَهُ أن يفطر، وإن فارقة بعد الطُّلُوعِ فَلاَ، لأن ابتداء صَوْمِهِ وَقَعَ في الحَضَرِ.
الثَّانِية: لَوْ أصْبَحَ المُسَافِرِ صَائِماً، ثُمَّ أَقَام في خِلاَلِ النَّهَار، فهل له أن يفطر؟ ظاهر المذهب وبه قال أبُو إسْحَاق أَنَّهُ لَمْسَ لَهُ ذَلِك، كما لو افتتح الصَّلاَة في السَّفَرِ، ثم نوى الإِقَامة في أَثّنَائِهَا، أَوْ سَارَت بهِ السَّفِينة فَدَخَل البَلد، وهذا هو الَّذِي ذَكَرَه في الْكِتَاب، وعن ابْنِ أبي هُرَيْرَة أن له الفِطْر لأن الفطر مُبَاحٌ لَهُ في أَوَّلِ النَّهَارِ مع العلم بحال اليوم، فكذلك في آخره، كما لو استدام السَّفر.
ونقل عن "الحاوي" أن هذا هو المنصوص في حرملة.
ولو أصبح المريض صائماً ثم برأ في خلال النهار، فقد قطع كثيرون بأنه لا يجوز له الإِفْطَار، وطرد صاحب "المهذب" حكاية الوجهين فيه ولعله الأولى.
الثالثة: المسافر إذا أَصْبَح على نِيَّةِ الصَّوْمِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الفطر جاز له أن يفطر لدوام العذر، وقد روي أن النَّبيَّ ﷺ : "أَفْطَرَ بَعْدَ الْعَصْرِ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِقَدَح مَاءٍ، لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ" (١).
وأبدى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحاق، والإمام في المسألة احْتِمَالاً، وَوَجْهاً. بأنه شَرَعَ في فرض المقيمين فَلْيَلْزَمه، كَمَا لَوْ شَرَعَ في الصَّلاَةِ مُتِماً ثم أراد القَصْرَ، وإذا قلنا: بالمُشْهُور، فهل يكره له الإفطار؟ فيه وجهان عن القاضي الحُسَيْنِ.
الرابعة: لِلْمُسَافِر أنْ يَصُوم، وله أن يفطر لِما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "غَزَوْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَن صَامَ، وَمِنَّا مَن أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلاَ المفْطر عَلَى الصَّائِمِ" (٢). وروي أنه ﷺ قال لحمزة بن عمرو الأسْلَمِي ﵁: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" (٣). وأيهما أفْضَلُ؟ إن كَانَ لاَ يَتَضَّررُ بِالصَّومِ، فالصَّوْمُ أَفْضَلُ.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقد ذكرنا وَجْهِه، وما يُحْكَى فِيهِ من الخِلاف في صلاة المُسَافِرين، وإن كَانَ يتضرر بالصَّوْم فالْفِطرُ أَفْضَلُ لَه، لِما روي عن جَابِرِ ﵁ قال: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَاَنَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَرَّ بِرَجُلٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَا بَالُ هَذا؟ قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ ﷺ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي
стр. 1323
السَّفَرِ" (١). وذكر في "التتمة" أنه لو لم يتضرر في الحَالِ لكنه كان يخاف الضَّعْفَ لو صام، وكان السَّفرُ سفرَ حَجٍّ، أو غَزْوٍ فالأولى أَنْ يفطر أيضاً، لما روي أنه ﷺ أمر النَّاس بالفِطْرِ عام الفَتْحِ، وقال: "تَقْوُوا لِعَدُوَّكُمْ" (٢).
وقوله: (إلا إذا كان يتضرر) ضبط الإمام التّضرر بخوف المرض، ولا شك أن خَوْفَ الهَلاَك في معناه. واعلم: أن أصل المسأَلة قَدْ ذَكَرَة مَرَّة في صَلاَة المُسَافِرِينَ، لكن زاد هنا شيئين:
أحدهما: بيان علة أَفْضَلِية الصَّوْمِ.
والثاني: استثناء حَالَة التضرر ولو لم يذكرها، واقتصر على ما أورده في هذا الموضع لَكَفى.
وقوله: في أول الفصل: أما المبيح فهو المرض والسّفر يشعر ظاهره بحصر المبيح فيهما، لكن من غلبه العَطَشُ حَتَّى خَافَ الهَلاَك فَلَهُ الفِطْر، وإنْ كَانَ مُقِيماً صَحِيحَ البَدَنِ (٣).
قال الغزالي: أمَّا مُوجِبَاتُ الإِفْطَارِ فَأَرْبَعَةٌ الأَوَّلُ القَضَاءُ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَي كُلِّ تَارِكٍ برْدَةٍ (ح) أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ حَيْضٍ، وَلاَ يَجِب عَلَى مَنْ تَرَكَ بِجُنُونٍ أَوْ صِباً أَوْ كُفْرٍ أَصْلِيٍّ، وَمَا فَاتَ مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ في أَيَّامِ الجُنُونِ لاَ يُقْضَى (ح)، وَلَوْ أَفَاقَ في أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَفِي قَضَاءِ ذلكَ اليَوْمِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجِبُ التَّتَابُع في قَضَاءِ رَمَضَانَ.
قال الرافعي: مقصود الفَصْلِ الكَلاَمُ فِيمَنْ يَلْزَمه قَضَاءُ صَوْمِ رَمَضَانَ، ولاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ النِّية الوَاجبةَ عمداً، أو سهواً فَعَلْيهِ القَضَاءُ، وكذلك كلُّ مَنْ أَفْطَرَ
نعم، لو كان إفطاره بحيث يوجب الكفارة، ففي القضاء خلاف سيأتي ذِكْرُه مِنْ بعد، وما فات بسبب الكُفْر لاَ يَجِبْ قَضَاؤه عَلَى الكَافِرِ الأَصْلِي، قال الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤) الآية، ويجب على المرتد خلافاً لأبي حنيفة ﵀ على ما مَرَّ في الصَّلاَة والمُسَافِر والمريض إذا أَفْطَرا قَضَيَا، قال الله
стр. 1324
تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وما فَاتَ بَالإغْمَاء يَجِبُ قَضَاؤُه، سواء استغرق جَمِيعَ الشَّهْرِ، أو لم يستغرق، لأنه نَوْع مرض يَغْشَى العَقْلَ بخلاف المجنون، ولهذا يَجُوزُ الإِغْمَاء عَلَى الأنبياء ﵇ ولا يجوزُ الجُنُون عَلَيْهم، ويخالف الصَّلاةَ حيث يُسْقِطُ الإغْمَاءُ قَضَاَءَهَا؛ لأن الصَّلاَة تَتَكَرَّرُ، والإِغْمَاء قد يَمْتَّدُّ وَيَتكَرَّر، فوجوب القَضَاء يَجْرُّ عُسْراً وَحَرَجاً، ونقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" عن ابْنِ سُرَيْجٍ أن الإغْمَاء إذا استغرق أَسْقَطَ القَضَاءَ، ويجب على الحَائِضِ قَضَاءُ أَيَّام الحَيْضِ، كما مَرَّ في الحَيْضِ، ولا يجب الصَّوْمُ عَلَى الصَّبِي، والمَجْنُونَ، ولاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، ولا فرق في إسْقاط الجُنُونِ، القضاءَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَغْرِقَ النَّهار، أو لا يستغرقه، ولا بَيْنَ أن يستغرق الشَّهر، أو لا يستغرقه. وقال مَالِكٌ: الجنُونُ لا يسقط القَضَاء كالإغماء، وهو إحدى الرِّوايتين عن أَحْمَد، فَلْيَكُنْ قَوْلُه (بجنون) مُعَلَّماً بالميم والألف وبالحاء أيضاً، لأن اللَّفظ يشمل ما إذا ترك بِالْجُنون جَمِيعَ أَيَّامِ الشَّهْرِ، وما إذَا تَرَكَ بَعْضَهَا.
وَعِندَ أبي حنيفة ﵀ إذا أفاق المَجْنُونُ فهي أثِناء الشَّهْر، فعليه قضاءُ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ (٢).
стр. 1325
ويجوز أن يُعَلَّم بِالْوَاو أَيحضّ لِأُمورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدهَا: أن فيما علق عن الشَّيْخِ أَبِي محمد ﵀ حكاية قول مثل مذهب مالك.
والثاني: أن المُحَامِلِي ذكر أن المُزَنِي نَقَل في "المنثور" عن الشافعي ﵁ مِثْل قول أبي حنيفة.
والثالث: أن المُحَامِلِيّ في آخرين حَكَوا عَنِ ابْنِ سُرَيجٍ مثل مَذْهَبِ مَالِكٍ، وهذا ينافي ما نقل عنه في الإغْمَاء، ويشبه أن يكون أَحَدُهُمَا غَلَطاً، وهذا أقرب إليهِ، لأن كل من نقله ضَعَّفَه. وقوله: (وما فات من بعض الشهر في أيام الجنون لا يقضى) جَارٍ مَجْرَى التوكيد، والإِيضَاح، وإلا فقوله (على من ترك بجنون) يتناوله بإطلاقه، ولو أعدت العلامات على قولِهِ (لا يقضى) لأصبت.
أما علامة أبي حنيفة فظاهرة وأما غيرها فلأن من يأمر بالقضاء إذا استغرق الجُنون الشَّهْر أولى أن يأمر به عِنْدَ عَدَم الاسْتِغْرَاق، وما ذكرنا كله في الجُنُونِ الذِى لَمْ يَتَّصِلْ بسبب يَقْتَضِي القَضَاء، فأما إِذَا ارتَدَّ ثُمَّ جُنَّ، أو سكر، ثم جُنَّ، فقد روى الحَنَّاطِيّ فيه وجهين في لزوم القَضَاء، ولَعَلَّ الظَّاهِرَ الفرق بين اتصاله بالرِّدَّةِ واتصاله بالسُّكْرِ كَمَا مَرَّ في الصَّلاة. وقوله: (ولو أفاق في أَثْنَاء النَّهَارِ ففي قضاء ذلك اليَوْمِ وَجْهَانِ) هذه الصُّورة معادة في درج زوال سَائِرِ الأعذار في أَثْنَاءَ النَّهَارِ، حيث قال: (وفي وجوب قضاء هذا اليوم تردد). وسنشرحه. ولا يجب التَّتابِع في قضاء رمضان، لما روي أن النَّبي ﷺ : "سُئِلَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فقال: "إِنْ شَاءَ فرَّقَهُ، وإنْ شَاءَ تَابَعَهُ" (١) ويستحب ذلك، لما روي أنه ﷺ : قال "مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَسْرُدْهُ وَلاَ يَقْطَعْهُ" (٢).
واعلم قوله: (ولا يجب) بالميم، لأن الإِمام نقل عن مالك -رحمهما الله- إيجاب التَّتابع فيه، وتابعه المُصَنِّف، لكَن الذي رَوَاه الأكْثَرُونَ عن مالك: أنه لا يجب التَّتابع فيه، وإنما حكوا هَذَا المَذْهَب عَنْ دَاودَ، وبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهر، وذكروا أنهم وإن أوجبوه لَمْ يشرطوه للصِّحَّة.
стр. 1326
قال الغزالي: الثَّانِي: الإمْسَاكُ تَشبهاً بالصَّائِمينَ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُتَعَدِّ بالإِفْطَارِ في شَهْرِ رَمَضَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ أُبِيحَ لَهُ الفِطْرُ إِبَاحَةً حَقِيقِيَّةً كالمُسَافرِ (ح) والمَرِيضِ (ح) بَعْدَ القُدُومِ وَالبُرْءِ في بَقِيَّةِ النَّهارِ، وَبجِبُ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِراً إِذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: الإمساكُ تشبيهاً بالصَّائِمِينَ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، كالكفارة، فلا إمساك على من تَعَدَّى بِالإفْطَارِ في نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ.
قال الإمام: والأمر بالأمساك مشبه بالتَّغْلِيظ وطرف من العقوبة، ومضادة القَصْد، ثم الممسك متشبه وليس في عبادة بخلاف المُحْرِم إذا أَفْسَد إِحْرَامَه، ويظهر أثره في أن المُحْرِم بَعْدَ فَسَادِ إِحْرَامه لَو ارْتَكَب مَحْظوراً لزمته الفدية، والممسك لو ارتكب محظوراً لا يلزمه شَيْءٌ سوى الإِثم، وفي الفصل صور.
إحداها: يجب الإمساك على كل من تَعَدَّى بالإِفْطَار في رَمضَان، وكذا لو ارتد أو نوى الخُروجَ مِنَ الصَّوْمِ. إن قلنا إنه يبطل بنية الخروج، ويجب أيضاً على من نَسِي النِّيَّة من اللَّيْل، وكان نسيانه يُشْعِرُ بِتَرْكِ الاهتمام بأمْرِ العِبَادَةِ، فهو ضَرْبُ تَقْصِيرٍ، ويجوز أن يوجه الَأمر بالأمساك بأن الأكل في نَهَارِ رمضان حَرَام على غير المعذور، فإن فاته الصَّوْم بتقصير أو غير تقصير لَمْ يرتفع التحريم. الثانية: لو أقام المسافر أَوْ بَرَأَ المريضُ اللَّذان يباح لَهُمَا الإِفْطَار في أثناء النَّهار، فلهما ثلاث أحوال:
إحداها: أن يُصْبِحَا صَائِمَيْن، وداما عليه إلى زَوَال العُذْرِ، فقد ذَكَرْنَا المَذْهَب، وخلاف ابن أبِي هُرَيْرَة فيه. والثانية: أن يزول عُذْرُهُمَا بَعْدَمَا أَفْطَرَ، فيستحب لَهُمَا الإِمْسَاكُ لِحُرمةِ الوَقْتِ، ولا يجب.
وبه قال مَالِكٌ خلافاً لِأَبي حنِيفَة ﵀ حيث أوجبه.
وبه قال أحمد في أصح الروايتين.
لنا أن زَوَالَ العُذْرِ بَعْدَ التَّرَخُّصِ، لا يؤَثِّر كما لو قَصَر المُسَافِرُ، ثم أقام والوقت بَاقٍ، وإذا أكلا فَلْيُخْفِيَاه كَيْلاَ يَتَعَرَّضَا لِلتُّهْمَة، وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ، وَلَهُمَا الجِمَاع بعد زَوال العُذْرِ إذا لم تكن المرأةِ صَائِمةً بأن كانت صَغِيرةً، أو طهرت من الحَيْضِ ذَلِك اليَوْم.
والثالثة: أن يُصْبِحَا غَيْر نَاوِيَيْن، وَيزولُ العُذْرُ قَبْل أن يأْكُلاَ، فَهَل يَلْزَمُهُمَا الإِمْسَاكُ؟ فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: نعم، كما لو يصل المُسَافِرُ حَتَّى أَقامَ، لاَ يَجُوزُ لَهُ القَصْرُ.
وأصحهما: أنه لا يَلْزِمَهُ، لأن من أَصْبَحَ تَارِكاً للِنِّية فَقَدْ أَصْبَحَ مُفْطِراً، وكان كما
стр. 1327
لو أكَلَ، والوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ ظَاهِر المَذْهَب في المَذْهَب في الحَالَةِ الأُولَى، فأمَّا مَن جَوَّزَ لَهُ الأكْلَ ثُمَّ فهاهنا أولى أَنْ يَجُوز. الصُّورة الثَّالثة: إِذَاَ أَصبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِراً، ثم ثبت أنه من رمضانَ فلاَ يخفى أنه يلزمه قَضَاؤهُ، وَهَلْ يجب عليه إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ فيه قَوْلاَن: أصحهما: نعم؛ لأن الصَّوْمَ واجِبٌ عليه إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَعْرِفُه، فَإِذَا بَانَ لَزِمَهُ الإمْسَاك. قال الإمامُ ﵀ وتخريجه على القَاعِدة التي ذَكَرنا أن الأَمْر بالإمْسَاك تغليظ وعقوبة، أنا قد ننزل المُخْطِئ منزلة العَامِد؛ لانتسابه إلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ، ألَا ترى أنا نحكم بحرمان القَاتِل خَطَأ عن المِيرَاث.
والثاني: قاله في البويطي: لاَ، لأنه أفْطرَ بعذر فلم يلزمه إمساك بقية النَّهَارِ كَالمُسَافِرِ إِذَا قدم بعد الإفطار، وفرض أبو سَعْد المُتَولِّي هذين القولين فيما إذا بَانَ أنه من رَمَضَانَ، قَبْل أن يأكل شيئاً، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما إذا بَانَ بَعْدَ الأكْلِ، فَقَالَ إن لم نوجب الإِمْسَاك ثم فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
أَظْهَرْهُمَا: الوُجُوب أيضاً. ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (في شهر رمضان) ينبه على ما قَدَّمنا أن وجوب الإمساك من خَوَاصِّ رمضان. وقوله: (غير واجب على ما أبيح له الفطر) مُعَلَّمٌ بالْحَاء، والألف، ثم اللفظ متناول للحالة الثَّانية، والثَّالثة من أَحْوَال مَسْألة المُسَافِرِ والمريض على ما فَصَّلْنَا، فيجوز أن يُعَلَّم "بالواو" أيضاً للخلاف في الحالة الثالثة، وأيضاً فإنه حكى عن "الحاوي" وجهاً في أن المريض إذا أفطر ثم بَرَأَ هَل يلزمه إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ وذكر أن الوُجُوبَ طريقه أصحابنا البغداديين، والمَنْع طريقة البصريين.
والفرق بين المَرِيضِ والمُسَافِرِ أَنَّ المَرِيضَ إِنَّمَا يفطر لِلْعَجْزِ، فإذا قدر وجب أَنْ يُمْسِك، والمُسَافِر يَفْطر رُخْصَة؛ وإن أطاق الصَّوْم. وقوله: (إباحة حقيقية) فيه إشارة إلى الفَرْق بين صُورَةِ المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، وصورة يوما الشَّكِّ فإن أصح القولين وجوب الإمْسَاكَ يَومَ الشَّكِّ، وذلك لأن المُسَافِرِ والمريض يُبَاح لَهُمَا الأكْلُ مع العِلْمِ بِحَالِ اليَوْمِ، وَكَونه مِنْ رَمضَانَ حقيقة، وفي يوم الشَّكِّ إِنَّما أُبِيحَ الأَكْلُ، لأنه لم يتحقق كَوْنه من رمضان، فإذا تَحَقَّق لَزِمَه الإمْسَاك.
وقوله: (بعد القدوم) لا يخفى رجوعه إلى المُسَافر، وإن تَخَلَّلَ بينهما ذكر المريض، ثم هو في أكثر النُّسَخِ بَعْدَ القُدُوم وقبله، وطرح بعضهم قبله، لأنه أوضح من أن يَحْتَاج إلَى ذكره، والممكنَ فيه أن يقال: إنما ذكره كيلا يتوهم أن المُسَافِرَ إذا أَكَلَ وتقوى يلزمه الاقتصار عليه تقديراً لِلأكْلِ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وثبت أن بعض المعتنين بهذا الكتاب جعل مكانه "والبرء" وَهُو حَسَنٌ.
قال الغزالي: أَمَّا الصِّبَا وَالجُنُونُ وَالكُفْرُ إِذَا زَالَ لَمْ يَجِبِ الإمْسَاكُ عَلَى وَجْهٍ،
стр. 1328
ويجِبُ في وَجْهٍ، وَيجِبُ عَلَى الكَافِرِ دُونَهُمَا في وَجْهٍ، وَبَجَبُ عَلى الصَّبيِّ وَالكافِرِ دُونَ المَجْنونِ في وَجْهٍ لأنَّهُمَا مَأْمُورَانِ عَلَى الجُمْلَةِ، وَفي وُجُوبِ قَضَاءِ هَذَا اليَوْمِ أَيْضاً تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: إذا بلغ الصَّبِيُّ، أَو أَفَاقَ المجنونُ، أو أسلم الكَافِرُ في أَثْنَاء يَوْمٍ -مِنْ رمضانَ، فَهَلْ- يَلْزَمُهُم إمْسَاكُ بقية اليَوْم؟ فيه أربعة أوجه:
أصحهما: لا؛ لأنهم لم يدركوا وقتاً يَسَعُ الصَّوم، ولا أمروا به، والإمساك تَبَعٌ لِلصَّوْمِ، ولأنهم أفطروا بِعُذْرٍ فأشبهوا المُسَافِر والمريض.
والثاني: نعم؛ لأنهم أَدْرَكُوا وَقْتَ الإِمْسَاك وإن لم يدركوا وَقْتَ الصَّوْمِ.
والثالث: أنه يجب على الكافر دون الصَبِيِّ والمجنُونِ، فَإنَّهُمَا مَعْذُورَانِ، لَيْسَ إِلَيْهِمَا إِزَالة مَا بِهِمَا، والكافر مأمورٌ بِتَركِ الكُفْرِ، والإتْيَانِ بِالصَّوْمِ.
والرَّابعُ: أنه يجب عَلَى الصَّبِيِّ، والكَافِر دُونَ المَجْنُون. أما الكَافِرُ فَلِمَا ذكر.
وأما الصَّبِيّ، فلأنه مُتَمَكِّن مِن الإِتْيَان بالصَّوْمِ، مَأمُور به أمر تدريب على مَا مَرَّ في الصَّلاة بخلاف المَجْنُون.
وقوله في الكتاب: (لم يجب الإِمسَاك) مُعَلَّم بالْحَاء، لأن مذهب أَبِي حنيفة ﵀ مثل الوَجْهِ الثَّانِي بِالأَلِفِ؛ لأنه أَصَحّ الرِوَاَيَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وقوله: (ويجب) بالميم؛ لأن مذهب مالك كَالْوَجهِ الأول.
وإذا فهمت هذه الوجوه عرفت أن الكافر أولاهم بالوُجُوب والمَجْنُونُ أَوْلاَهُم بِالمَنْعِ، والصَّبِيّ بَيْنَهُمَا، ذلك أن ترتب فتقول، في وجوب الَإمْسَاك على الكَافِرِ وَجْهَان: إن أوجبنا فَفِي الصَّبي وجهان: إن أوجبنا ففي المجنون وجهان، ولك أن تعكس، فتقول: في وجوبه على المجنون وجْهَان. إن لم يَجِبْ ففي الصَّبِيِّ وجْهان.
وإن لم يَجِبْ فَفِي الكَافِرِ وجْهَان، ولهذا الترتيب نَقَلَ صَاحِبُ "المُعْتَمد" طريقةً قاطعةً بالوُجُوب عَلَى الكَافِرِ. هذا بَيَانُ الخلاف في وُجوب الإمْسَاك، وهل عليهم قَضَاءُ اليَوْمِ الَّذِي زَالَ العُذْرُ في خِلاَلِهِ؟ أما الصَّبِيّ إذا بلغ في حِلاَل النَّهَارِ، فينظر إن كان نَاوياً من اللَّيْلِ صَائِماً فظاهر المَذْهَبِ أنه لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَيلزَمه الإِتْمَام.
ولو جَامَعَ بَعْدَ البُلُوغِ فِيه فعليه الكَفَّارة، وفيه وجه: أنه يُسْتَحب الإِتْمَام ويلزمه القَضَاء؛ لأنه لم ينو الفَرْض، ويحكى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وإن أصبح مُفْطِراً فَفِيه وَجْهَان: وقال في "التهذيب" قولان:
أحدهما: أنه يَلْزَمُه القَضَاءُ كما إِذَا أدْركَ شيئاً مِنَ الوَقْتِ يَلْزِمَهُ الصَّلاة.
وأَصَّحهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لا يَلْزَم، وَقَدْ ذَكَرنَا الفَرْق بين
стр. 1329
الصَّوْمِ والصَّلاَةِ، في "كِتَاب الصَّلاَةِ" مَعَ طرف من فِقْهِ الْمَسْألَةِ وهذا الخِلاَفُ مُفَّرعٌ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ في أنه إذا بَلَغ صَائِماً فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ فأما من يُوجِب القَضَاء ثُمَّ فهاهنا أوْلَى بِأَنْ يُوجِب. وأما إذا أفاق المَجْنُون أو أَسْلَم الكَافِرُ فَفِيهمَا طَرِيقَانِ.
أحدُهما: طَرْدُ الخِلاَفِ، وهذا أَظْهَرُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والأَظْهَرُ مِنَ الخِلاَفِ أنه لاَ قضاء ويحكى ذَلِكَ فِي الكَافِرِ عَنْ نَصِّه في القَدِيم، "والأم"، والبويطي.
والثاني: القطع بالمنع في حق المَجْنُونِ، لأنه لم يكن مأموراً بالصَّوْمِ في أول النَّهَار، وبالإيجَابِ في حق الْكَافِرِ، لأنه مُتَعَدّ بِتَرْكِ الصَّوْمِ، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ صَاحِبِ "التهذيب". ويجوز أن يُعَلَّم قوله فيما سبق، (ولو أفاق في أثناء النهار، ففي وجوب قضَاء هذا اليوم وجهان) بالواو إشارة إلى الطَّرِيقة القَاطِعةِ بالمَنْعِ، وكذلك قوله هاهنا (تردد) لهذه الطريقة، والطَّريقة الجازمة بالإيجَاب في الكَافِرِ، فإنه أَجَابَ عَنْ طَرِيقَة طَرْدِ الخِلاَفِ في الصُّوَرِ إلا أن يفسر التردد الذي أَبْهَمَهُ بتردد الطَّريق في بَعْضِ الصّور، والقول أو الوجه في بَعْضِهَا، وهل لِلْخِلاَف في القضَاءِ تَعَلُّق بالْخِلاَف فهي الإمْسَاك تَشَبُّهاً؟ نقل الإمام عن الصَّيْدَلاَنِيّ أن من يوجب التَّشَبه يعتكف به، ولا يُوجِب القَضَاء، ومن يُوجِب القَضَاء لاَ يُوجِبُ التَّشَبّه.
وعن غيره من الاصحاب أن الأمر بالقَضَاء فرع الأمر بالإِمْسَاك، فمن التزم الإِمْسَاك التزم القَضَاء، ومن لاَ فلاَ، وبنى صاحب "التهذيب"، وغيره الخلاف في وجوب الإمساك على الخِلاَفِ في وجوب القضاء إن أوجبنا القَضَاءَ أَوْجَبْنَاهُ، وإلاَّ فَلاَ، فهذه ثَلاثةُ طُرُقٍ، وهي على اختلافها متفقة على تعلق أحد الخِلاَفين بالآخر، والطَّريق الثَّانِي والثَّالِث يشكلان بالحَائِض والنّفَسَاء إذا طُهَرنَا في خِلاَل النَّهَار، فَإِنَّ القضاء واجبٌ عَلَيْهِمَا لاَ مَحَالَةَ؛ لأن مستغرق الحيض لا يسقط القضاء فمتقطعه أولىَ، والإمساك غَيْرُ وَاجب عَلَيْهِمَا إما بلا خلاف على ما رواه الإمام. وإما على الأظهر، لأن صاحب "المعتمد" حكى طرد الخِلاَف فيهما، وإذا كان كذلك لم يستمر قولنا بأن القَضَاء فرع الإمْسَاك، ولا بأن الأمْسَاك فرع القَضَاء، والطَّريق الأول يشكل بصورة يوم الشَّكِّ، والمتعدي الإِفْطَار فَإِنَّ القَضَاء لاَزِمٌ مع التَّشَبه والله أَعْلَم.
قال الغزالي: وَمَنْ نَوىَ التَّطَوُّعَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرِ لِتَعَيُّنِ الوَقْتِ.
قال الرافعي: أيام رَمَضَانَ مُتَعينة لَصَومَ رَمَضَانَ، فإن كان الشَّخْصُ معذوراً بسفر أو مرض، فإما أن يَتَرَخَّص بالفطر، أو يصوم عن رَمَضَانَ، وليس له أن يصوم عَنْ فَرْضٍ آخر، أو تطوع. وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وقال أَبُو حَنِيفَة: للمسافر أن يَصُوم عن القَضَاء، والكَفَّارة.
стр. 1330
ولو صام عن تَطَوُّع ففي رواية يقع تطوعاً، وفي رواية يَنْصرف إلى الفرض. وحكى الشيخ أبو محمد تردداً عن أصحابه في المريض الذي له الفِطْر إذا تَحَمَّل المَشَقَّة، وصام عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، وأعلمت المَسْألة بالواو؛ لأن الإمام حكى خلافاً فِيمَنْ أصبحَ فِي يَوْم رَمَضَانَ غَيْرَ نَاوٍ وَنَوى التَّطوع قَبْلَ الزَّوَالِ فمذهب الجماهير أنه لا يَصِح تطوعه بالصَّوْمِ، وعن أبي إسْحَاق أنه يصح، قال: فعلى قياسه يجوز للمسافر التَّطَوُّع به.
قال الغزالي: الثَّالِثُ الكَفَّارَةُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ (ح) فَلاَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي إِذَا جَامَعَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلاَ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي غيْرِ رَمَضَانِ.
قال الرافعي: الأَصْلُ في كَفَّارَةِ الصَّوْم مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتُ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً، قَالَ: لاَ؛ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: لاَ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً. قَالَ: لاَ، قَالَ: اجْلِسْ فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ- فَقَالَ: خُذْ هذَا فَتَصَدَّقُ بهِ قَالَ: أَعْلَى أَفْقَر مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ" (١).
والكلام في مُوجِبِ الكَفَّارَةِ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّتهَا.
أَما الأَوَّلُ فقد قَالَ: (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَن أَفْسَدَ صوم يوم من رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ، لِأَجْلِ الصَّوْمِ) وفي الضابط قيود. مِنْهَا: الإفْسَاد، فمن جامع نَاسِياً لاَ يَفسُدُ صَوْمُهُ، عَلَى الصَّحِيحَ، كما قَدَّمْنَاه، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن قُلْنا: يفسد صَوْمُه وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وأحمد، فَهَل تُلْزَمُه الكَفَّارَةُ؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أَحْمَدُ-: لانتسابه إلى التَّقْصِير.
وأظهرهما -وبه قال مالك-: لا؛ لأنها تتبع الإثم.
وإذا عَرفت ذلك وَسَمْتَ قَوْلَ (فلا تجب) بالألف، وقوله: (لم يفطر) به وبالميم، وقوله: (على الصحيح) أي: من الطريقين:
стр. 1331
ومنها: كون اليَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ فلا كفارة بإفساد التَّطَوّع، والنَّذْرِ، والقَضَاءِ، والكَفَّارَةِ؛ لأن النَّصَّ ورد في رمَضَانَ، وهو مَخْصُوصٌ بِفَضَائِلَ لا يشركه غيره فيها.
قال الغزالي: وَلاَ علَى المَرْأَةِ لأنَّهَا أَفْطَرَتْ بِوُصُولِ أَوّلِ جُزْءٍ مِنَ الحَشَفَةِ إلَى بَاطِنِهَا، وَفيهِ قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الوُجُوبَ لاَ يُلاَقِيهَا، وَقِيلَ: يُلاَقِيهَا، وَالزَّوْجُ يَتَحَمَّلُ، وَلاَ يتَحَمَّلُ الزَّانِي، ولاَ الزَّوْجُ المَجْنُونُ وَلاَ المُسَافِرُ إذْ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا وَلاَ عَنِ المُعْسِرَة فإنَّ وَاجِبَهَا الصَّوْمُ فَلاَ يُقْبِلُ التَّحَمُّلُ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ (ح م) بِغَيْرِ جِمَاعٍ مِنَ الأكْلِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ، وَيجِبُ بِالزِّنَا وَجِمَاعِ الأَمَةِ وَوَطْءِ البَهِيمَةِ (ح م) وَالإِتْيَانِ فِي غَيْرِ المَأْتَى (و).
قال الرافعي: نُوَضِّحُ فِقْهُ الفَصْلِ ثم نبين أنَّ مَسَائله بأيّ قيد تتعلّق.
المسألة الأولى: المرأة المَوْطُوءة إِن كانت مُفْطِرَةَ بِحَيضِ، وغيره، أو كانت صَائِمَة، ولم يبطل صومها لِكَوَنهَا نَائِمَةً مثلاً، فلاَ كَفَّارة عَلَيْهَا، وإن مكنت طَائِعة حَتَّى وطئها الزَّوْجُ، فقولان:
أحدهما: أنه يَلْزَمُهَا الكَفَّارة، كما يلزم الرّجل؛ لأن الكَفَّارة عَقُوبَة تَتَعَلَّق بِالْوَطْءِ، فيستويان في لُزُومِهَا كَحَدِّ الزِّنَا، وهذا أَصَحُّ الرْوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وبه قَالَ أَبُو حَنِيفة، ويروى مِثلُه عَنْ مَالِكٍ، وَابنِ المُنْذِرِ، وهو اختيار القاضي أَبِي الطَّيِّب.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يختص الزَوْج بِلُزُومِ الكَفَّارَة.
واحتجوا له بأُمُورٍ: أحدهما: أن النبي ﷺ لم يأمر الأَعرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ إِلاَّ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ مع مِسَاسِ الَحَاجَةِ إِلَى البَيَانِ.
والثَّاني: حكى الكرَابِيسي أنه قال: صَوْم المرأة نَاقِص؛ لأنه يعرض أن يبطل بعروض الحَيْضِ، وإذا كَانَ كَذَلِكَ، لم يكن كَامِلَ الحُرْمَةِ، فَلَمْ تتعَلَّق بِهِ الكَفَّارَةُ.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وسنتكلم فيه.
التفريع: إن قلنا بالأول: فلو لَمْ تَجِبْ الكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وَجَبَتْ الكَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وكذا لو لم يبطل صَوْمُه، بأن كَانَ نَائِماً، فَاسْتَدخَلت ذَكَره، أو كَانَ نَاسِياً، وَهِيَ ذاكرة. ويعتبر في حق كل واحد منهما حاله في اليَسَارِ والإعْسَارِ، وإن قلنا بالقول الأصَحِّ، فالكفارة التي يخرجها الزَّوج تختص به، ولا يلاقيها، أم تقع عنهما جميعاً، وهو يتحمل عنها؟ فيه قولان مُسْتَخْرِجَانِ من كَلاَمِ الشَّافِعِيّ ﵁ وقد يعبر عَنْهُمَا بِوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنها تختص به، ولا يلاقيها؛ لأنه لَو تَعَلَّق الوَاجِبُ بِهَا لَأُمِرَتْ بِإخْرَاجِهِ.
стр. 1332
والثَّاني: أنها يُلاَقِيهَا، وهو متحمل.
ووجهه صَاحِبا "التهذيب" و"التتمة" بإلحاق الكَفَّارة بثمن ماء الاغتسال، كأنهما قَدَّرَاه متَفقاً عليه، لكن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً آخر قَاطِعاً بأن ثمن مَاءِ الاغْتِسَال عَلَيْهَا، لا عليه، وأشار إلى تَرْجِيحِهِ، ثم الأَصَح من هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عند صاحب الكِتَاب هو الأولُ، وبه قال الحَنَّاطِيّ وآخرون، وذكر الامَامُ أن ظاهر المَذْهَبِ هو الثَّاني، وقد يحتج له بقوله في "المختصر": "والكفارة عليه واحدة عنه"، لكن من قال بالأول حمله على أنها تجزئ عن الفعلين جميعاً، ولا يلزمها كفارة خَاصَّة خلاف ما قاله أبو حَنِيفة، ويتفرع على هَذين القَوْلَين صِوَر:
إحداها: إذا أفطرت بالزِّنا، أو بالوطء بالشُّبْهَة. فإن قلنا: الوجوب لا يلاقيها، فلا شَيْءَ عَلَيْهَا. وإن قلنا بالثاني؛ فعليها الكَفَّارة؛ لأن رابطة التَّحَمُّل الزَّوجِيَّة، ونقل عن "الحَاوِي" أن القَاضِي أَبا حَامِدٍ قَالَ: تجب الكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِكُلِّ حَالِ. الثَّانية: لو كان الزَّوْجُ مَجْنوناً وقلنا بالأول فلا شيء عليها وإن قلنا بالثاني: فوجهان:
أظْهَرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يَلزَمُهَا الكَفَّارَةُ؛ لأن التَّحَمّل لاَ يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلهَذَا لَمْ تَجِبْ عليه الكفارة لِنَفْسِهِ.
والثَّاني: أنه يلزمه الكَفَّارة لَهَا: لأن مَالَه يَصْلُح لِلتَّحَمُّل، وإنْ كَانَ مُرَاهِقاً، فهو كَالْمَجْنُونِ؛ لأن المذهب أن فِعْلَه لا يُوجب الكَفَّارة، وخرج بَعْضُ الأَصْحَاب من قولنا: إن عمد الصبي عمد أنه يلزمه الكَفَّارة، فعلى هَذَا هُوَ كَالْبَالِغ، ولو كَانَ الزَّوْجُ نَاسِياً أو نائماً فاسْتَدخَلَت ذَكَرَه، فالحكم كما ذَكَرنا في المَجْنُون.
الثالثة: لو كان الزَّوْجُ مسافِراً، والمرأة حَاضِرة، وأفطر بالجِمَاع على قَصْد التَّرَخُّصِ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن لم يقصد التَّرَخُّص فوجهان في لزوم الكَفَّارة.
أصحهما: أنَّهَا لاَ تَلْزَم؛ لأن الإفْطَار مُبَاحٌ له، فيصير شبهه في دَرءِ الكَفَّارَةِ، وهذا حُكُمُ المَرِيضِ، الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ صَائِماً، ثُمَّ جَامَعَ، وَالصَّحِيح إذَا مرض في أَثْنَاء النَّهَار، ثُمَّ جامع فحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوب الكَفَّارَةِ، فهو كَغَيْرِه، وحكم التَّحمُّلِ كَمَا سَبَقَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لاَ كَفَّارَةَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا العراقيون فيما إذا قَدِم المُسَافِر مفطراً، فأخبرته بأنَّها مفطرة وكانت صَائِمَةٌ أن الكَفَّارة عليها، إذا قلنا: إن الوُجوبَ يُلاَقِيها، لأنها غَرَّته وهو مَعْذُورٌ، ويشبه أن يكون هَذا جواباً على قولنا: إن المَجْنُونَ لاَ يَتَحَمَّل، وإلا فَلَيْسَ العُذْرِ هاهنا أوضح من العُذْرِ في المَجنُون، -والله أعلم-.
الرابعة: إذا فرعنا على القول الثاني وهو أن الوجوب يُلاَقيها، وجب اعتبار حَالِهِمَا، ولا يخلو إما أن يُتَّفِق حَالُ الزَّوْجِ والمرأة أو يختلف.
стр. 1333
فإن اتفق حَالُهُمَا، نظر إن كَانَا مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَالإطْعَامِ أَجْزَأَ المخرج عَنْهُمَا وإن كانا من أَهْلِ الصِّيَام إِمَّا لِلإعْسَار بالعتق، أو لِكَوْنهِمَا مَمْلوكَينِ، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما صَوْم شَهْرَين؛ لأن الصَّومَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، ولا مَدْخَل للتحمل في عِبَادَاتِ الأبدان، وإن اختلف حَالُهُمَا لَمْ يَخُل إما أن يكون الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً مِنها، أو تَكُون هِى أَعْلَى حَالاً مِنْه، فإن كان الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً نُظِر إِنْ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِعْتَاقِ وَهِيَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ، وَالإِطْعَامِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أظهرهما -ولم يذكر العراقيون غَيْرَه-: أنه يُجْزِئ الإِعْتَاق عَنْهُمَا جَمِيعاً؛ لأن مَنْ فَرْضَه الصِّيَام، أو الإِطْعَام يُجْزِئه التَّكْفِير بِالْعِتْقِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى.
نعم، لو كانت أمةً فعليها الصَّوم؛ لأن الإعْتاق لاَ يُجْزِئ عَنْهَا.
قال في "المهذب": إلاَّ إذا قلنا: إن العبد يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ، فتكون الأمة كَالحُرَّة المُعْسِرة.
والثاني: لا يُجْزِئُ عَنْهَا لاختِلاف جِنْسِ الوَاجِب، وعلى هذا فعليها الصِّيام في الصُّورة الأُولَى وعَلَى مِنَ الإطْعَام فِي الصُّورة الثَّانيَة؟ فيها وجهان:
أظهرهما: أنه على الزَّوج، فَإِنْ عَجَزَ فِي الحَالِ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر؛ وذلك لأن الكَفَّارة على القَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ نفرع معدودة من مؤنات الزوجة اللاَّزِمَةِ عَلَى الزَّوْجِ.
والثاني -ذكره في "التهذيب"-: أنه عليها؛ لأن التَّحمل كالتَّداخُلِ لا يجزئ عِنْدَ اخْتِلاَف الجِنْس، وإن كان هُوَ مِنْ أهْلِ الصِّيَام، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الإِطْعَام فَالَّذِي قَالَه الأَئِمَةُ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ نَفْس، وَيُطْعِمُ عَنْهَا؛ لأن الصَّوم لا يتحمل بهِ، وقضية قَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِجْزَاء الإعْتَاقِ عَنِ الصِّيَام فِي الصورة السَّابقة إِجْزَاء للصِّيَامَ عَنِ الإطْعَام؛ لأن مَنْ فَرْضُهُ الإطعَام لَوْ تحمل المَشَقَّة، وَصَامَ أجزأه، والصَّوْم كَمَا لا يتحمل به لا يتحمل وإن كانت الزَّوْجَةُ أَعْلَى حَالاً مِنْه، نظر إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَام صَامَ عَنْ نَفْسِهِ، وأعتق عنها إذا قَدِر، وإن كَانَتُ مِنْ أَهلِ الصِّيَامِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الإِطعَامِ صَامَتْ عَنْ نَفْسِهَا، وأطعم الزَّوج عَنْ نَفْسِه.
المسألة الثَّانية: إذا أَفْسَدَ صَوْمَه بغير الجماع كالأكل، والشُّرب، والاستمناء، والمُبَاشرات، المفضية إلى الإنزال فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأن النَّص وَرَدَ فِي الجِمَاعِ وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاه، وَهَلْ يلزمه الفِدْيَة؟ فِيه خِلاَفٌ سَيَأْتِي مِنْ بَعْد.
وقال مالك: تجب الكَفَّارة بِكُلِّ إِفْسَاد يعصى به، إِلاَّ الرِّدَّة والاسْتِمنَاء والاستقاءة.
وقال أبو حنيفة: تَجِب الكَفَّارَة بتناول مَا يقصد تناوله، وَلاَ تَجِب بابتلاع الحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ، وَلاَ بِمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ.
стр. 1334
وقال أحمد: لا تَجِبْ بالأكل والشُّرب، وتَجِب بالمُبَاشَرَاتِ المُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ.
الثَّالثة: تجب الكفارة بالزِّنَا وَجِمَاع الأَمَةِ، وكذلك بإتْيَانِ البَهِيمَةِ، والإتيان في غَيْر المأتى، ولا فرق بين أن ينزل أو لاَ يَنْزِل.
وذَهَبَ بَعْضُ الأَصْحَابِ إِلَى بناء الكَفَّارة فيها عَلَى الحَدِّ، إن أوجبنا الحَدَّ فيهما أو أوجبنا الكَفَّارة، وإلا فوجهان:
وعند أبي حنيفة ﵀ إِتْيَان البَهِيمَةِ إنْ كَانَ بِلاَ إنْزَال لَمْ يتعلق بِهِ الإِفْطَار فَضْلاً عَنِ الكَفَّارَةِ، وإن كانَ مَعَ الإنْزَال أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَفِي اللّواطِ هَلْ يتوقف الإِفْطَار عَلَى الإِنْزَال؟ فِيهِ رَوَايَتَانِ، وإذا حَصَلَ الإِفْطَار فَفِي الكَفَّارَةِ روايتان.
والأظهر: أن الإِفْطَار لاَ يتوقف عَلَى الإنْزَالِ، وأَنَّ الكَفَّارَةَ تَجِب.
وعند أحمد تَجِب الكَفَّارَةُ فِي اللَّوَاطِ، وَكذَا فِي إِتْيَانِ البَهِيمَةِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوايتين.
واعلم أن المَسَائِلَ الثَّلاث في الفَصْل متعلقة بالقَيْدِ الثَّالِثِ في الضابط، وهو كون الإفساد بِجماع تَامّ فيدخل فيه صور المسأَلة الثالثة، ويخرج صور الثّانية، وأما الأولى قَقَدْ قَصَدَ صَاحِبُ الْكِتَاب بِوَصْفِ الجِمَاعِ بِالتَّمَام لِلاحْتِرَازِ عَنْهَا؛ لأن المرأة إِذَا جُومِعَت حَصَلَ فَسَادُ صَوْمِهَا قَبل تَمَام حَدِّ الْجِمَاع بِوُصُولِ أَوَّلِ الحَشَفَةِ إِلَى بَاطِنِهَا، فالجماع يَطْرَأُ عَلَى صَوْمٍ فَاسِدٍ، وَبِهَذَا الَمَعْنَى عَلَّلَ أصح القولين، وهو أن المرأة لا تؤمر بِإخْرَاجِ الكَفَّارة، ويروى هذا التَّعْلِيل عَنِ الأُسْتَاذِ أبِي طَاهِر، وَطَائِفَةٍ، لكن الأكثرين زَيَّفُوه، وقالوا: يتصور فَسَاد صَوْمِهَا بِالْجمَاعِ، بأن يولج وهي نائمةٌ أو نَاسِيَة، أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تُطَاوعُ بَعْدَ الإيلاَجِ وتستديمه، والحكم لا يختلف على القولين، فعلى هذا جماع المرأة إذا قلنا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهَا والوجوب لا يلاقيها مثنى عن الضابط.
وقوله: (وفيه قول قديم) أراد به القول الثاني، وهو أنها تُؤْمَر بإخْرَاجِ الكَفَّارة، كَالرَّجُلِ وهذا قد نقله الإمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" عن "الإملاء"، وليس تسميتة قديماً من هذا الوَجْه، فَإِنَّ "الإِمْلاَء" محسوب من الكتب الجَدِيدة، ولكن رأيت بعض الأئمة روايته عن القَديم، و"الإملاء" معاً، ويشبه أن يكون به في القديم قولان:
أحدهما: كالجديد؛ لأن المُحَامِلِيّ حَكَى القول الصَّحيح عَنِ الكُتُبِ الجَدِيدَةِ والقَدِيمة جميعاً. وقوله: (ولا يتحمل الزاني) أي على قَوْلِنا: أن الوُجُوبَ يُلاَقِيهَا، والزوج يتحمل. وأما مواضع العَلامات.
فقوله: (ولا على المرأة) مَرْقومٌ بالحاء والميم.
وقوله: (ولا الزوج المجنون، ولا المسافر) كلاهما بالواو لما قدمنا، وليس قوله: (إذ لا كفارة عليهما) خالياً في حق المسافر عن التفصيل، والخلاف.
стр. 1335
وقوله: (ولا عن المُعْسِرة) يشمل ما إذا كَانت معسرةً، وهو قادر على الإعْتَاق، وفي هذه الصُّورة خلاف تقدم، فلا يبعد إعلامه بالواو.
وقوله: (ولا كفارة على من أفطر بغير جماع) معلم بالميم، والحاء، والألف، ويجوز أن يُعَلَّم بالواو أيضاً لأمور:
أحدها: أنه نقل عن "الحاوي" أن أبا علي بن أبي هريرة قال: "تجب بالأكل والشُّرب كفارة فوق كفارة المُرضع، والحَامِل، دُونَ كَفَّارَةِ المُجَامِعِ.
قال: أَقْضَى القُضَاة: وهذا مذهب لا يستند إلى خبر، ولا أثر، ولا قياس.
والثاني: أن أبا خلف الطَبَرِي (١)، وهو من تلاميذه القَفَّالُ اختار وجوب الكفارة، بكل ما يأثم بالإفطار به. والثالث: أن الحَنَّاطِيّ ذكر أن عبد الحكم روى عنه إيجاب الكَفَّارة فيما إذا جَامع فِيمَا دونَ الفرج، فأنزل.
ووطء البهيمة، والإتيان في غير المأتى معلّمان بالحاء والواو.
قال الغزالي: وَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَن الصَّبْحَ غَيْرُ طَالِعٍ فَجَامَعَ (ح).
قال الرافعي: إذا ظَنَّ أنَّ الصُّبْحَ غير طَالِعٍ فَجَامع، ثم تَبَيَّن خلافه، فحكم الإِفْطَار قد مر، ولكن لا كفارة عليه؛ لأنه غير مأثُومٍ بما فعل، فلا يَسْتَحِق التَّغْلِيظ.
قال الإمام ﵀: ومن قال بوجوب الكَفَّارة على النَّاسِي بِالْجِمَاع يقول بمثله هاهنا، لتقصيره بِتَرْكِ البَحثِ، ولو ظَنَّ أن الشَّمْسَ قد غربت فجامع، ثم بأن خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة عليه أيضاً، لأنها تَسْقُط بالشُّبهة، وهذا ينبغي أن يكون مفَرَّعاً عَلَى تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكَفَّارة وفاء بالضَّابِطِ المَذْكُور، ولما يوجب الكفارة.
ولو أكل الصَّائِم نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلاَنَ صَومه فَجَامع، فهل يفطر؟ فيه وجْهَان:
أحدهما: لا، كما لو سَلَّم عن ركعتين من الظُّهْرِ ناسياً، وتكلم عَامِداً لا تبطل صلاتُه.
وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر، كما لو جَامَع على ظَنِّ أن الصبح لم يطلع فَبَانَ خِلافُه، وعلى هذا فَلاَ تَجِب الكَفَّارة؛ لأنه وطئ وهو يعتقد أنه غَيْرُ صَائِم. وعن القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أنه يحتمل أن تجب الكفَّارة؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوَطْءَ، ولو أفْطر المسافرُ بالزِّنَا مترخصاً فلا كَفَارَةٌ عَلَيْه لأنه وإن أثم بهذا الجِمَاع