← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ومنها: كون اليَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ فلا كفارة بإفساد التَّطَوّع، والنَّذْرِ، والقَضَاءِ، والكَفَّارَةِ؛ لأن النَّصَّ ورد في رمَضَانَ، وهو مَخْصُوصٌ بِفَضَائِلَ لا يشركه غيره فيها. قال الغزالي: وَلاَ علَى المَرْأَةِ لأنَّهَا أَفْطَرَتْ بِوُصُولِ أَوّلِ جُزْءٍ مِنَ الحَشَفَةِ إلَى بَاطِنِهَا، وَفيهِ قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الوُجُوبَ لاَ يُلاَقِيهَا، وَقِيلَ: يُلاَقِيهَا، وَالزَّوْجُ يَتَحَمَّلُ، وَلاَ يتَحَمَّلُ الزَّانِي، ولاَ الزَّوْجُ المَجْنُونُ وَلاَ المُسَافِرُ إذْ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا وَلاَ عَنِ المُعْسِرَة فإنَّ وَاجِبَهَا الصَّوْمُ فَلاَ يُقْبِلُ التَّحَمُّلُ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ (ح م) بِغَيْرِ جِمَاعٍ مِنَ الأكْلِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ، وَيجِبُ بِالزِّنَا وَجِمَاعِ الأَمَةِ وَوَطْءِ البَهِيمَةِ (ح م) وَالإِتْيَانِ فِي غَيْرِ المَأْتَى (و). قال الرافعي: نُوَضِّحُ فِقْهُ الفَصْلِ ثم نبين أنَّ مَسَائله بأيّ قيد تتعلّق. المسألة الأولى: المرأة المَوْطُوءة إِن كانت مُفْطِرَةَ بِحَيضِ، وغيره، أو كانت صَائِمَة، ولم يبطل صومها لِكَوَنهَا نَائِمَةً مثلاً، فلاَ كَفَّارة عَلَيْهَا، وإن مكنت طَائِعة حَتَّى وطئها الزَّوْجُ، فقولان: أحدهما: أنه يَلْزَمُهَا الكَفَّارة، كما يلزم الرّجل؛ لأن الكَفَّارة عَقُوبَة تَتَعَلَّق بِالْوَطْءِ، فيستويان في لُزُومِهَا كَحَدِّ الزِّنَا، وهذا أَصَحُّ الرْوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وبه قَالَ أَبُو حَنِيفة، ويروى مِثلُه عَنْ مَالِكٍ، وَابنِ المُنْذِرِ، وهو اختيار القاضي أَبِي الطَّيِّب. وَأَصَحُّهُمَا: أنه يختص الزَوْج بِلُزُومِ الكَفَّارَة. واحتجوا له بأُمُورٍ: أحدهما: أن النبي ﷺ لم يأمر الأَعرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ إِلاَّ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ مع مِسَاسِ الَحَاجَةِ إِلَى البَيَانِ. والثَّاني: حكى الكرَابِيسي أنه قال: صَوْم المرأة نَاقِص؛ لأنه يعرض أن يبطل بعروض الحَيْضِ، وإذا كَانَ كَذَلِكَ، لم يكن كَامِلَ الحُرْمَةِ، فَلَمْ تتعَلَّق بِهِ الكَفَّارَةُ. والثالث: ما ذكره في الكتاب، وسنتكلم فيه. التفريع: إن قلنا بالأول: فلو لَمْ تَجِبْ الكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وَجَبَتْ الكَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وكذا لو لم يبطل صَوْمُه، بأن كَانَ نَائِماً، فَاسْتَدخَلت ذَكَره، أو كَانَ نَاسِياً، وَهِيَ ذاكرة. ويعتبر في حق كل واحد منهما حاله في اليَسَارِ والإعْسَارِ، وإن قلنا بالقول الأصَحِّ، فالكفارة التي يخرجها الزَّوج تختص به، ولا يلاقيها، أم تقع عنهما جميعاً، وهو يتحمل عنها؟ فيه قولان مُسْتَخْرِجَانِ من كَلاَمِ الشَّافِعِيّ ﵁ وقد يعبر عَنْهُمَا بِوَجْهَيْنِ: أحدهما: أنها تختص به، ولا يلاقيها؛ لأنه لَو تَعَلَّق الوَاجِبُ بِهَا لَأُمِرَتْ بِإخْرَاجِهِ.

стр. 1332

والثَّاني: أنها يُلاَقِيهَا، وهو متحمل. ووجهه صَاحِبا "التهذيب" و"التتمة" بإلحاق الكَفَّارة بثمن ماء الاغتسال، كأنهما قَدَّرَاه متَفقاً عليه، لكن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً آخر قَاطِعاً بأن ثمن مَاءِ الاغْتِسَال عَلَيْهَا، لا عليه، وأشار إلى تَرْجِيحِهِ، ثم الأَصَح من هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عند صاحب الكِتَاب هو الأولُ، وبه قال الحَنَّاطِيّ وآخرون، وذكر الامَامُ أن ظاهر المَذْهَبِ هو الثَّاني، وقد يحتج له بقوله في "المختصر": "والكفارة عليه واحدة عنه"، لكن من قال بالأول حمله على أنها تجزئ عن الفعلين جميعاً، ولا يلزمها كفارة خَاصَّة خلاف ما قاله أبو حَنِيفة، ويتفرع على هَذين القَوْلَين صِوَر: إحداها: إذا أفطرت بالزِّنا، أو بالوطء بالشُّبْهَة. فإن قلنا: الوجوب لا يلاقيها، فلا شَيْءَ عَلَيْهَا. وإن قلنا بالثاني؛ فعليها الكَفَّارة؛ لأن رابطة التَّحَمُّل الزَّوجِيَّة، ونقل عن "الحَاوِي" أن القَاضِي أَبا حَامِدٍ قَالَ: تجب الكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِكُلِّ حَالِ. الثَّانية: لو كان الزَّوْجُ مَجْنوناً وقلنا بالأول فلا شيء عليها وإن قلنا بالثاني: فوجهان: أظْهَرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يَلزَمُهَا الكَفَّارَةُ؛ لأن التَّحَمّل لاَ يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلهَذَا لَمْ تَجِبْ عليه الكفارة لِنَفْسِهِ. والثَّاني: أنه يلزمه الكَفَّارة لَهَا: لأن مَالَه يَصْلُح لِلتَّحَمُّل، وإنْ كَانَ مُرَاهِقاً، فهو كَالْمَجْنُونِ؛ لأن المذهب أن فِعْلَه لا يُوجب الكَفَّارة، وخرج بَعْضُ الأَصْحَاب من قولنا: إن عمد الصبي عمد أنه يلزمه الكَفَّارة، فعلى هَذَا هُوَ كَالْبَالِغ، ولو كَانَ الزَّوْجُ نَاسِياً أو نائماً فاسْتَدخَلَت ذَكَرَه، فالحكم كما ذَكَرنا في المَجْنُون. الثالثة: لو كان الزَّوْجُ مسافِراً، والمرأة حَاضِرة، وأفطر بالجِمَاع على قَصْد التَّرَخُّصِ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن لم يقصد التَّرَخُّص فوجهان في لزوم الكَفَّارة. أصحهما: أنَّهَا لاَ تَلْزَم؛ لأن الإفْطَار مُبَاحٌ له، فيصير شبهه في دَرءِ الكَفَّارَةِ، وهذا حُكُمُ المَرِيضِ، الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ صَائِماً، ثُمَّ جَامَعَ، وَالصَّحِيح إذَا مرض في أَثْنَاء النَّهَار، ثُمَّ جامع فحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوب الكَفَّارَةِ، فهو كَغَيْرِه، وحكم التَّحمُّلِ كَمَا سَبَقَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لاَ كَفَّارَةَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا العراقيون فيما إذا قَدِم المُسَافِر مفطراً، فأخبرته بأنَّها مفطرة وكانت صَائِمَةٌ أن الكَفَّارة عليها، إذا قلنا: إن الوُجوبَ يُلاَقِيها، لأنها غَرَّته وهو مَعْذُورٌ، ويشبه أن يكون هَذا جواباً على قولنا: إن المَجْنُونَ لاَ يَتَحَمَّل، وإلا فَلَيْسَ العُذْرِ هاهنا أوضح من العُذْرِ في المَجنُون، -والله أعلم-. الرابعة: إذا فرعنا على القول الثاني وهو أن الوجوب يُلاَقيها، وجب اعتبار حَالِهِمَا، ولا يخلو إما أن يُتَّفِق حَالُ الزَّوْجِ والمرأة أو يختلف.

стр. 1333

فإن اتفق حَالُهُمَا، نظر إن كَانَا مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَالإطْعَامِ أَجْزَأَ المخرج عَنْهُمَا وإن كانا من أَهْلِ الصِّيَام إِمَّا لِلإعْسَار بالعتق، أو لِكَوْنهِمَا مَمْلوكَينِ، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما صَوْم شَهْرَين؛ لأن الصَّومَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، ولا مَدْخَل للتحمل في عِبَادَاتِ الأبدان، وإن اختلف حَالُهُمَا لَمْ يَخُل إما أن يكون الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً مِنها، أو تَكُون هِى أَعْلَى حَالاً مِنْه، فإن كان الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً نُظِر إِنْ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِعْتَاقِ وَهِيَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ، وَالإِطْعَامِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أظهرهما -ولم يذكر العراقيون غَيْرَه-: أنه يُجْزِئ الإِعْتَاق عَنْهُمَا جَمِيعاً؛ لأن مَنْ فَرْضَه الصِّيَام، أو الإِطْعَام يُجْزِئه التَّكْفِير بِالْعِتْقِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى. نعم، لو كانت أمةً فعليها الصَّوم؛ لأن الإعْتاق لاَ يُجْزِئ عَنْهَا. قال في "المهذب": إلاَّ إذا قلنا: إن العبد يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ، فتكون الأمة كَالحُرَّة المُعْسِرة. والثاني: لا يُجْزِئُ عَنْهَا لاختِلاف جِنْسِ الوَاجِب، وعلى هذا فعليها الصِّيام في الصُّورة الأُولَى وعَلَى مِنَ الإطْعَام فِي الصُّورة الثَّانيَة؟ فيها وجهان: أظهرهما: أنه على الزَّوج، فَإِنْ عَجَزَ فِي الحَالِ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر؛ وذلك لأن الكَفَّارة على القَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ نفرع معدودة من مؤنات الزوجة اللاَّزِمَةِ عَلَى الزَّوْجِ. والثاني -ذكره في "التهذيب"-: أنه عليها؛ لأن التَّحمل كالتَّداخُلِ لا يجزئ عِنْدَ اخْتِلاَف الجِنْس، وإن كان هُوَ مِنْ أهْلِ الصِّيَام، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الإِطْعَام فَالَّذِي قَالَه الأَئِمَةُ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ نَفْس، وَيُطْعِمُ عَنْهَا؛ لأن الصَّوم لا يتحمل بهِ، وقضية قَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِجْزَاء الإعْتَاقِ عَنِ الصِّيَام فِي الصورة السَّابقة إِجْزَاء للصِّيَامَ عَنِ الإطْعَام؛ لأن مَنْ فَرْضُهُ الإطعَام لَوْ تحمل المَشَقَّة، وَصَامَ أجزأه، والصَّوْم كَمَا لا يتحمل به لا يتحمل وإن كانت الزَّوْجَةُ أَعْلَى حَالاً مِنْه، نظر إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَام صَامَ عَنْ نَفْسِهِ، وأعتق عنها إذا قَدِر، وإن كَانَتُ مِنْ أَهلِ الصِّيَامِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الإِطعَامِ صَامَتْ عَنْ نَفْسِهَا، وأطعم الزَّوج عَنْ نَفْسِه. المسألة الثَّانية: إذا أَفْسَدَ صَوْمَه بغير الجماع كالأكل، والشُّرب، والاستمناء، والمُبَاشرات، المفضية إلى الإنزال فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأن النَّص وَرَدَ فِي الجِمَاعِ وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاه، وَهَلْ يلزمه الفِدْيَة؟ فِيه خِلاَفٌ سَيَأْتِي مِنْ بَعْد. وقال مالك: تجب الكَفَّارة بِكُلِّ إِفْسَاد يعصى به، إِلاَّ الرِّدَّة والاسْتِمنَاء والاستقاءة. وقال أبو حنيفة: تَجِب الكَفَّارَة بتناول مَا يقصد تناوله، وَلاَ تَجِب بابتلاع الحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ، وَلاَ بِمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ.

стр. 1334

وقال أحمد: لا تَجِبْ بالأكل والشُّرب، وتَجِب بالمُبَاشَرَاتِ المُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ. الثَّالثة: تجب الكفارة بالزِّنَا وَجِمَاع الأَمَةِ، وكذلك بإتْيَانِ البَهِيمَةِ، والإتيان في غَيْر المأتى، ولا فرق بين أن ينزل أو لاَ يَنْزِل. وذَهَبَ بَعْضُ الأَصْحَابِ إِلَى بناء الكَفَّارة فيها عَلَى الحَدِّ، إن أوجبنا الحَدَّ فيهما أو أوجبنا الكَفَّارة، وإلا فوجهان: وعند أبي حنيفة ﵀ إِتْيَان البَهِيمَةِ إنْ كَانَ بِلاَ إنْزَال لَمْ يتعلق بِهِ الإِفْطَار فَضْلاً عَنِ الكَفَّارَةِ، وإن كانَ مَعَ الإنْزَال أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَفِي اللّواطِ هَلْ يتوقف الإِفْطَار عَلَى الإِنْزَال؟ فِيهِ رَوَايَتَانِ، وإذا حَصَلَ الإِفْطَار فَفِي الكَفَّارَةِ روايتان. والأظهر: أن الإِفْطَار لاَ يتوقف عَلَى الإنْزَالِ، وأَنَّ الكَفَّارَةَ تَجِب. وعند أحمد تَجِب الكَفَّارَةُ فِي اللَّوَاطِ، وَكذَا فِي إِتْيَانِ البَهِيمَةِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوايتين. واعلم أن المَسَائِلَ الثَّلاث في الفَصْل متعلقة بالقَيْدِ الثَّالِثِ في الضابط، وهو كون الإفساد بِجماع تَامّ فيدخل فيه صور المسأَلة الثالثة، ويخرج صور الثّانية، وأما الأولى قَقَدْ قَصَدَ صَاحِبُ الْكِتَاب بِوَصْفِ الجِمَاعِ بِالتَّمَام لِلاحْتِرَازِ عَنْهَا؛ لأن المرأة إِذَا جُومِعَت حَصَلَ فَسَادُ صَوْمِهَا قَبل تَمَام حَدِّ الْجِمَاع بِوُصُولِ أَوَّلِ الحَشَفَةِ إِلَى بَاطِنِهَا، فالجماع يَطْرَأُ عَلَى صَوْمٍ فَاسِدٍ، وَبِهَذَا الَمَعْنَى عَلَّلَ أصح القولين، وهو أن المرأة لا تؤمر بِإخْرَاجِ الكَفَّارة، ويروى هذا التَّعْلِيل عَنِ الأُسْتَاذِ أبِي طَاهِر، وَطَائِفَةٍ، لكن الأكثرين زَيَّفُوه، وقالوا: يتصور فَسَاد صَوْمِهَا بِالْجمَاعِ، بأن يولج وهي نائمةٌ أو نَاسِيَة، أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تُطَاوعُ بَعْدَ الإيلاَجِ وتستديمه، والحكم لا يختلف على القولين، فعلى هذا جماع المرأة إذا قلنا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهَا والوجوب لا يلاقيها مثنى عن الضابط. وقوله: (وفيه قول قديم) أراد به القول الثاني، وهو أنها تُؤْمَر بإخْرَاجِ الكَفَّارة، كَالرَّجُلِ وهذا قد نقله الإمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" عن "الإملاء"، وليس تسميتة قديماً من هذا الوَجْه، فَإِنَّ "الإِمْلاَء" محسوب من الكتب الجَدِيدة، ولكن رأيت بعض الأئمة روايته عن القَديم، و"الإملاء" معاً، ويشبه أن يكون به في القديم قولان: أحدهما: كالجديد؛ لأن المُحَامِلِيّ حَكَى القول الصَّحيح عَنِ الكُتُبِ الجَدِيدَةِ والقَدِيمة جميعاً. وقوله: (ولا يتحمل الزاني) أي على قَوْلِنا: أن الوُجُوبَ يُلاَقِيهَا، والزوج يتحمل. وأما مواضع العَلامات. فقوله: (ولا على المرأة) مَرْقومٌ بالحاء والميم. وقوله: (ولا الزوج المجنون، ولا المسافر) كلاهما بالواو لما قدمنا، وليس قوله: (إذ لا كفارة عليهما) خالياً في حق المسافر عن التفصيل، والخلاف.

стр. 1335

وقوله: (ولا عن المُعْسِرة) يشمل ما إذا كَانت معسرةً، وهو قادر على الإعْتَاق، وفي هذه الصُّورة خلاف تقدم، فلا يبعد إعلامه بالواو. وقوله: (ولا كفارة على من أفطر بغير جماع) معلم بالميم، والحاء، والألف، ويجوز أن يُعَلَّم بالواو أيضاً لأمور: أحدها: أنه نقل عن "الحاوي" أن أبا علي بن أبي هريرة قال: "تجب بالأكل والشُّرب كفارة فوق كفارة المُرضع، والحَامِل، دُونَ كَفَّارَةِ المُجَامِعِ. قال: أَقْضَى القُضَاة: وهذا مذهب لا يستند إلى خبر، ولا أثر، ولا قياس. والثاني: أن أبا خلف الطَبَرِي (١)، وهو من تلاميذه القَفَّالُ اختار وجوب الكفارة، بكل ما يأثم بالإفطار به. والثالث: أن الحَنَّاطِيّ ذكر أن عبد الحكم روى عنه إيجاب الكَفَّارة فيما إذا جَامع فِيمَا دونَ الفرج، فأنزل. ووطء البهيمة، والإتيان في غير المأتى معلّمان بالحاء والواو. قال الغزالي: وَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَن الصَّبْحَ غَيْرُ طَالِعٍ فَجَامَعَ (ح). قال الرافعي: إذا ظَنَّ أنَّ الصُّبْحَ غير طَالِعٍ فَجَامع، ثم تَبَيَّن خلافه، فحكم الإِفْطَار قد مر، ولكن لا كفارة عليه؛ لأنه غير مأثُومٍ بما فعل، فلا يَسْتَحِق التَّغْلِيظ. قال الإمام ﵀: ومن قال بوجوب الكَفَّارة على النَّاسِي بِالْجِمَاع يقول بمثله هاهنا، لتقصيره بِتَرْكِ البَحثِ، ولو ظَنَّ أن الشَّمْسَ قد غربت فجامع، ثم بأن خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة عليه أيضاً، لأنها تَسْقُط بالشُّبهة، وهذا ينبغي أن يكون مفَرَّعاً عَلَى تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكَفَّارة وفاء بالضَّابِطِ المَذْكُور، ولما يوجب الكفارة. ولو أكل الصَّائِم نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلاَنَ صَومه فَجَامع، فهل يفطر؟ فيه وجْهَان: أحدهما: لا، كما لو سَلَّم عن ركعتين من الظُّهْرِ ناسياً، وتكلم عَامِداً لا تبطل صلاتُه. وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر، كما لو جَامَع على ظَنِّ أن الصبح لم يطلع فَبَانَ خِلافُه، وعلى هذا فَلاَ تَجِب الكَفَّارة؛ لأنه وطئ وهو يعتقد أنه غَيْرُ صَائِم. وعن القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أنه يحتمل أن تجب الكفَّارة؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوَطْءَ، ولو أفْطر المسافرُ بالزِّنَا مترخصاً فلا كَفَارَةٌ عَلَيْه لأنه وإن أثم بهذا الجِمَاع

стр. 1336

لكن لم يأثم به بِسَبَب الصَّوْم، فإن الإفطار جائزٌ له، ولو زنا المقيمُ نَاسياً للصَّوم وقلنا: إن الصوم يفسد بالجَماع نَاسِياً، فلا كَفَّارة عليه أيضاً على الوَجْه الأصح؛ لأنه لم يأثم بسبب الصوم، فإنه كَانَ ناسياً له. وإذا تَأمَّلْتَ هذه الصور عرفت اشتراكها في شيء واحد، وهو أن المجامع فيها مَأْثُوم بالجِمَاع بسبب الصوم، ثم منها ما لا إثم فيه، ومنها ما فيه إثم، ولكن لا بِسَبَب الصوم، وهي متعلّقة بالقيد الذي ذكره آخراً، وهو قوله: (أثم به لأجل الصوم) وهذا يجوز أن يقدر وصفاً واحداً به يحصل الاحتراز عن الصور كلها فحيث لا إثم، لا إثم بسبب الصَّوم، ويجوز أن يقدر وصفين: أحدهما: كونه مأثوماً به. والثاني: كونه مأثومًا به بسبب الصوم، فبالأول يحصل الاحتراز عن الصور التي لا إثم فيها وفيها جِمَاع المُرَاهِقِ والمُسَافر والمَرِيض على قصد الترخص كما سبق، وبالثَّاني يحصل الاحتراز عن الصّور التي يأثم فيها لا بالصّوم. قال الغزالي: وَتَجِبُ عَلَى المُنْفَرِدِ (ح) بِرُؤْيةِ الهِلاَلِ، وَعَلَى مَنْ جَامَعَ مِرَاراً كَفَّارَاتٌ (ح)، وَتَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ ثُمَّ أنْشَأَ السَّفَر (ح). وَلَوْ طَرَأَ بَعْدَ الجِمَاعِ مَرَضٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ حَيْضٌ سَقَطَ فِي قَوْلٍ وَلَمْ يَسْقُطْ فِي قَوْلٍ، وَتَسْقُطُ بِالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ (م) دُونَ المَرَضِ (ح) فِي قَوْلٍ. قال الرافعي: في الفَصْلِ ثلاث مسائل: إحداها: إذا رأى هلالَ رمضانَ وحده وَجَبَ عليه صَوْمُه، وإذا صامه وأفطر بالجِمَاع فعليه الكَفَّارة. وبه قال مَالِكٌ وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة ﵀. لنا أنه هتك حُرْمَةَ يوم من رمضانَ بإفساد صَوْمِهِ بالجماع، فأشبه سائر الأيام. ولو رأى هلال شَوَّال وحده، وجَبَ عليه أن يفطر ويخفي إفطاره عن النَّاس كيلا يُتَّهم. وعن أبي حنيفة وأحمد: أنه لا يفطر برؤيته وحده. لنا ما روي أنه ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتَهِ" (١) وإذا رُؤي رجل يأكل يوم الثَّلاثين من رمضان بلا عذر عزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال لَمْ يقبل؛ لأنه متهم يريد إِسْقَاط التعزير عن نفسه، بخلاف ما إذا شَهِد أولاً فَرُدَّت شهادة، ثم أكل لا يعزر. الثانية: لو أفطر بالجماع ثم جامع في ذلك اليومِ ثَانياً، فلا كَفَّارة عليه إذ الجماع الثَّاني لم يقع مفسداً، ولو جامع في يومين، أو في رمضانين فعليه كَفَّارَتَان، سواء كَفَّر عن الأول، أو لم يُكَفِّر، وبه قال مالك. قال أبو حنيفة: إذا جامع في يومين، ولم يُكَفِّر عن الأول لم يلزمه إلا كفارةٌ واحدة. وعنه فيما إذا كَفَّر روايتان، ولو جَامَعَ في

стр. 1337

رمضانين فالمشهور أنه يلزمه كفارتان بِكُلِّ حال، وعنه رواية أخرى: أنه كاليومين. وقال أحمد: إذا وَطِئَ في يومين فَكَفَّرَ عن الأول فعليه كَفَّارَةُ أخرى؛ وإن لم يُكَفِّر فلأصحابه فيه اختلاف. لنا أن صوم كل يوم عبادة برأسها، فلا تتداخل كفارتاهما كالحجتين إذا جَامَع فيهما. الثالثة: إذا أفسد صومه بِالْجِمَاع ثم أنشأً سَفراً طويلاً في يَومِهِ لم تسقط عنه الكَفَّارة؛ لأن السفر المنشأ في أثناء النَّهار لا يبيح الفطر فيه فعروضه لا يؤثر فيما وَجَب مِن الكَفَّارة، وعن صاحب "التقريب" والحَنَّاطِيِّ أن سقوط الكفارة مُخَرَّجٌ على خِلاَفٍ سنذكره في نَظَائِرِهِ، ويروى عن أبي حنيفة ﵀ في المسألة روايتان: أصحهما: أنها لا تسقط، وصاحب الكتاب لم يرو عنه في "الوسيط" إلا السقوط؛ ولذلك أعلم قوله في الكتاب: (وتجب على من جامع) بالحاء مع الواو. ولو جامع ثم مرض، ففيه طريقان: أحدهما: أنه لا تسقط الكفارة أيضاً كالسفر. أظهرهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه لا تَسْقُطِ لأنه هتك حرمة الصَّوم بما فعل. والثاني: تسقط؛ لأن المرض الطَّارئ يبيح الفطر، فيتبين به أن الصَّوم لم يقع مستحقاً، وبهذا قال أبو حنيفة، ولو طرأ بعد الجِمَاع جنون أو حيض فقولان أشار إليهما في "اختلاف العراقيين". أظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: أنها تسقط؛ لأن الجنون والحيض يُنَافِيان الصَّوم، فيتبين بعروضهما أنه لم يكن صائماً في ذلك اليوم. والثاني: لا تسقط لَقَصْدِه الهَتْكَ أولاً، والمسألة في الحيض مُفَرَّعةٌ على أن المرأة إذا أفطرت بالجِمَاع تلزمها الكَفَّارة، وعروض الموت كعروض الحَيْضِ والجنون. وإذا جمعت بين المرض والجنون والحيض انتظم فيها ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب، فإن ضممت السفر إليها، وتعرضت للطريقة البعيدة، حصلت أربعة أقوال، رابعها أنه يسقط بها دون السفر، والله أعلم. قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ كَفَّارَة مُرَتَّبَةٌ ككَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفي وُجُوب القَضَاءِ وَجَوَازِ العُدُولِ مِنَ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ بِعُذْرِ شِدَّةِ الغُلْمَةِ، وَجَوَازِ تَفْرِيقِ الكَفَّارةِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالوَلَدِ عِنْدَ الفقْرِ، واسْتقرَار الكَفَّارَة في الذِّمَّةِ عَنْدَ العَجْزِ عَنْ جَمِيع هَذِهِ الخِصَالِ وَقْتَ الجِمَاعِ خِلاَفٌ، فَفِي وَجْهٍ نَمِيلُ إِلَى القِيَاسِ وَنَحْمِلُ هَذِهِ القَضَايَا في حَدِيثِ الأعْرَابِيِّ عَلَى خَاصِّيتهمَا، وَفي وَجْهٍ نَعْمَلُ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ.

стр. 1338

قال الرافعي: القول في كيفية الكَفَّارة إنما يستقصى في "باب الكَفَّارات" (١)، والكلام الجملي أن هذه الكفارة مرتبة كَكَفَّار الظِّهار، فيلزم عتق رقبة، فإن لم يجد فَصِيام شَهْرين، فإن لَمْ يَسْتَطع فإطعام سَتِّين مسكيناً لما ذكرنا في حديث أبي هريرة ﵁. وقال مالك: يَتَخَيَّرُ بين الخِصَال الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، والأصح عنه مثل مذهبنا. ثم في الفصل صور: إحداها: إذا أفسد صَوْمَه بالوقاع ولزمته الكفارة، هل يلزمه قَضَاء اليوم الذي أفسده معها؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنهم من يقول قولان: ووجه للأصحاب، لأنه حكى عن الإمام أنه قال: يحتمل أن يجب القَضَاء، ويحتمل أن يَدْخُل في الكَفَّارة، ولكل وجه. أحدهما: أنه لا يجب القَضَاءِ؛ لأن الخَلَلَ الحَاصِلَ قد انجبر بالكَفَّارة، ولأنه ﷺ لم يأمر الأعرابي [بالقضاء مع] الكفارة. وأصحهما: أنه يَجِبِ، لأنه روي في بعض الروايات أنه ﷺ قال للرجل:"وَاقْضِ يَوماً مَكَانَهُ" (٢). وثالثها: أنه إن كفر بالصَّوم دخل فيه القضاء، وإلا فلا لاختلاف الجنس، قال: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكَفَّارة، ولا يتحمل الزَّوج، فإن الكَفَّارة إذا كَانَتْ صوماً لم تتحمل فما ظَنُّك بالقضاء. الثانية: شدة الغلمة هل يكون عذراً في العُدولِ مِنَ الصِّيَامِ إلى الإِطْعَام؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لما روي أنه ﷺ قال للأعرابي الذي جاءه، وقد واقع: "صُمْ شَهْرَيْنِ"، قال: هل أتيت إلا من قبل الصوم؟ فقال: "أَطْعِم سِتِّينَ مِسْكِيناً" (٣). والثاني: لا، لِمكان القدرة على الصَّوْمِ، وسنذكر ما الأظهر منهما. الثالثة: لو كان من لزمته الكَفَّارة فقيراً، فهل له صَرْفُ الكَفَّارةَ إِلى أَهْلِهِ وأولاده؟ فيه وجهان. أحدها: نعم لقوله ﷺ للأعرابي "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَعِيَالَكَ" (٤).

стр. 1339

وأصحهما: لا، كالزَّكَوات، وَسَائِرِ الكَفَّارَاتِ. وأما الحديث فلا نسلم أن الَّذِي أمره بصَرْفِهِ إلى الأَهْلِ والعِيَال كَانَ كَفَّارة، وهذا لأنه يحتمل أنه لم يملكه ذلك، وإنما أراد أن يملكه لِيُكَفِّر، فلما أخبره بحاجته صَرَفَهُ إليه صدقة، ويحتمل أنه مَلَّكَهُ وأمره بالتَّصَدُّق به، فلما أخبره بحاجته أَذِنَ في أَكْلِهِ وإطعامه عِيَاله ليبين أن الكفارة إنما تجب إذا فضل عن الكفاية، وإن سلمنا أنه كان كفارة ولكن يحتمل أن النبي ﷺ تَطَوَّع بالتكفير عنه، فسوغ له صرفه إلى الأهْلِ والعيال، فيكون فائدة الخبر أنه يجوز للغيفر التَّطَوع بالكَفَّارة عن الغير بإذنه، وأنه يجوز للمتطوع صَرْفُه إلى أَهْلِ المكفر عنه وَعِيَاله، وهذه الاحتمالات بأسرها منقوله عن "الأم". الرابعة: إذا عجز عن جميع الخِصَال فهل تستقر الكفارة في ذمته؟ قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لِلَّه تنقسم إلى مَا تَجِب لاَ بِسَبَبٍ يباشره العبد، وإلى ما تجب بسبب يباشره، فالأول كزكاة الفِطْر إن كان قادراً وَقْتَ وُجُوبِهَا وجبت، وإلا لم تستقر في ذمته إلى أن يقدر. والثاني: على ضربين: ما يجب على وجه البَدَل، كجزاء الصَّيد فإن كان قادراً عليه فذاك، وإلاّ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر تَغْلِيباً لمعنى الغرامة، وما يجب لا على وَجْهِ البَدَل ككفارة الوقَاع واليَمِين والقَتْلِ والظِّهار ففيها قولان: أحدهما: أنها تَسْقُط عند العَجْزِ، كَزَكَاةِ الفِطْرِ، وبه قال أحمد: وأصحهما: أنها لا تسقط كَجَزاء الصَّيْدِ، فعلى هذا مَتَى قدر على إحدَى الخِصَال لزمته. واحتج للقول الأول بأن النبي ﷺ "لَمَّا أَمَرَ الأَعْرَابِيَّ بِأَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ لَمْ يَأمُرُهُ بِالإخْرَاجِ فِي ثَانِي الْحَالِ" (١)، ولو وجب ذلك لأشبه أن يبين له. ولمن رجح الثاني أن يقول: لم قلت: إن المصرف إلى الأهل والعِيال لم يقع تَكْفِيراً، فإنا روينا وجهاً مجوزاً له عِنْدَ الفقر إن سلمنا ذلك، ولكن يحتمل أن يكون الغرض باقياً في ذمته ولم يبين له ذلك؛ لأن حاجته إلى معرفة الوُجوب إنما تمس عند القدرة، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهذا الذي ذَكَرْنَاه يوقفك على أنه لا يمكن الاستدلال بخبر الأعرابي في هذه الصورة، والتي قبلها على الجَمْعِ، وإنما يمكن الاستدلال به في إحداهما؛ لأن المأمور بصرفه إلى الأهل والعيال إما أن يكون كفارة أو لا يكون. إن كان لم يصح الاستدلال به في هذه الصورة. وإن لم يكن لم يصح في الصورة السابقة.

стр. 1340

وأعرف بعد هذا في لفظ الكتاب شيئين: أحدهما: أنه أطلق ذكْر الخِلاَف في الصور الأربع وفَسَّره بوجهين، وهو مسلم في الصورة الثانية والثالثة. وأما الأولى فقد ذكرنا أن من الأصحاب من يجعل الخِلاَف فيها قولاً، وكذا ذكره القفال في "شرح التلخيص". وأما الرابعة فالجمهور حكوا الخلاف فيها قولين، وإنما أطلق صاحب الكتاب فيها الوجهين تقليداً للإمام. والثاني: أنه بين أن أحد طرفي الخلاف في الصّور جميعاً يوجه بالقياس. والثاني: بظاهر الخبر وإذا جرينا على القياس حملنا قِصَّة الأَعْرَابِي عَلَى خاصيته، وخاصية أهله. قال الإمام: وكثيراً ما كان يفعل ذَلِك رسول ﷺ كما في الأضحية، وإرْضَاع الكَبير ونحوهما، وهذا وإن كان على بُعدٍ فهو أهْوَن من تشويش أصول الشَّرِيعة. واعلم أن مثل هذا التأويل إنما يصار إليه عند الاضطرار، ولنا عنه مندوحة أما في غير الصّورة الثانية فقد بَيّنَّاه، وأما في الثَّانية فإنما يحتاج إلى تأويل الخبر، فيهما من يجعل الأظهر امتناع العدول إلى الإطعام بعذر شدة الغلمة، ومنهم صاحب الكتاب، فإنه أعاد المسألة في آخر "كتاب الكَفَّارات" وَرجَّحَ وجه الامتناع، وقضية كَلاَمِ الأكثرين التجويز، ولم يورد صاحب "التهذيب" غيره، فإذا صِرْنَا إليه عملنا بِظَاهِرِ الخَبَرِ، واستغنينا عن التأويل. قال الغزالي: الرَّابعُ: الفِدْيَةُ وَهِيَ مُدٌّ مِنَ الطَّعَامِ مَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الصَّدَقَاتِ. قال الرافعي: الأصل في الفِدْية الخبر والأثر على ما سيأتي ذكرهما (وهي مُدٌّ مِنَ الطَّعام) لكل يوم من أيام رَمَضَان، وجنسه جنس زكاة الفِطْر، فيعتبر على الأصح غالب قُوتِ البَلَدِ، ولا يجزئ الدقيق والسويق كَمَا مَرَّ. وقوله: (مصرفها مصرف الصدقات) ليس المراد من الصّدقات هاهنا الزكوات، فلا تصرف الفدية إلى الأصناف الثمانية، وإنما المراد التَّطوعات، وهي في الغالب مصروفه إلى الفُقَراء والمَسَاكِين، وكلُ مدٍّ بمثابة كَفَّارة تامة، فيجوز صَرْفُ عَدَدٍ منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكَفَّارة الواحدة، يجب صرف كل واحد مِنْها إلى مسكين، كما سيأتي في موضعه، ويجوز أن يعلم قوله: (مد) بالحاء والألف؛ لأنه روي عن أبي حنيفة ﵀ أنها مُدٌّ من بُرٍّ أو صاعٌ مِنْ تَمْرٍ. وعن أحمد ﵀ أنها "مدّ" مِنْ بِرٍّ أو نصف صَاعٍ من تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ.

стр. 1341

قال الغزالي: تَجِبُ بِثَلاثةِ طُرُقٍ: (أَحَدُهَا) فَوَاتُ نَفْسٍ الصَّوْمِ فِيمَنْ تَعَدَّى بِتَرْكِهِ وَمَاتَ قَبْلَ القَضَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ تُركتِهِ مُدٌّ، وقَالَ في القَدِيم: يَصُومُ عَنْهُ وَليُّه، وَلاَ يَجِبُ عَلَى مَن فَاتَة بالمِرَضِ، وَيجِبُ عَلَى الشَّيْخِ الهَرِمِ عَلَى الصَّحِيح. قال الرافعي: فقه الفصل مسألتان: إحداهما: إذا فاته صوم يوم أو أيام من رمضان ومات قَبْلَ القضاء فله حالتان: إحداهما: أن يكون موته بعد التمكن من القَضَاء، فلا بد من تَدَارُكِهِ بعد موته، وما طريقه؟ فيه قولان: الجديد: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏: أن طريقه أن يطعم من تركته لكل يَومِ مُدّ؛ لما روي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عمر ﵄ "أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوُمٌ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ" (١)، ولا سبيل إلى الصوم عنه، لأن الصوم عبادة لا تدخلها النِّيَابة في الحَيَاة، فكذلك بَعْدَ المَوْتِ كالصَّلاة. والقديم: وبه قال أحمد: أنه يجوز لِوَلِيِّه أن يصوم عنه؛ لما روي عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَومٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ" (٢) وإذا فرعنا على القديم فلو أمر الولي أجنبياً بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة جاز، كما في الحج، ولو استقل به الأجنبي ففي إجزائه وجهان: أظهرهما: المنع، والمعتبر على هذا القول الوِلاَية، على مَا وَرَدَ في لفظ الخَبَرِ، أو مطلق القَرَابة، أو بشرط العصُوبة، أو الإِرثْ توقف الإمام ﵀ فيه، وقال: لاَ نَقْلَ عِنْدي في ذَلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرْث (٣)، والله أعلم. ولو مات وعليه صَلاَة، أو اعتكاف لم يقض عنه وَلِيُّه، ولا (٤) يسقط عَنْهُ الفِدْية، وعن البويطي: أن الشافعي ﵁ قال في الاعتكاف: يعتكف عَنْهُ

стр. 1342

وليه. وفي رواية: يطعم عنه وليه قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصَّلاة؛ فيطعم عن كل صَلاَةٍ مُدّاً، وإذا قلنا بالإطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمد اعتكاف يَوْمٍ بليلته، هكذا حَكاه الإمام عن رواية شيخه قال: وهو مشكل، فإن اعتكاف لحظة عبادة تَامة، وإن قيس على الصوم، فالليل ثم خارج عن الاعتبار (١). الحالة الثانية: أن يكون موته قبل التمكن من القضاء، بأن لا يزال مريضاً من استهلال شول إلى أن يموت، فلا شيء في تركته ولا على ورثته (٢)، كما لو تلف ماله بعد الحَوْل وقبل التَّمَكُّن من الأدَاء لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. المسألة الثانية: الشَّيْخ الهَرِم الذي لا يَطِيق الصوم أو يلحقه مشقه شديدة فلاَ صَوْمَ عليه، وفي الفدية قولان: أحدهما: ويحكى عن رواية البويطي وحرملة: أنها لا تجب عليه. وبه قال مالك، كالمريض الذي يرجى زوال مرضه إذا اتصل مرضه بالموت، وأيضاً فإنه سقط فرض الصوم عنه فأشبه الصَّبِيَّ والمجنون. وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنها تَجِب، ويروى ذلك عن ابن عمرو ابن عباس وأنس وأبي هريرة ﵃ وقرأ ابن عباس "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديِةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" (٣)، ومعناهُ: يُكَلَّفُونَ الصَّوْم فلا يطيقونه، والقولان جَارِيان في المريض الذي لا يرجى برؤه.

стр. 1343

وحكم صَوْم الكفارة والنذر حُكْمُ صَوْمِ رَمَضَانَ، ولو نذر (١) في حال العجز صَوْماً، ففي انعقاده وجهان، وإذا أوجبنا الفدية على الشَّيخ، فلو كان معسراً هل تلزمه إذا قَدِر؟ فيه قولان كما ذَكَرنا في الكَفَّارة، ولو كان رقيقاً فعتق ترتب الخلاف على الخلاف في زوال الإِعْسَار، وأولى بأن لا يجب، لأنه لم يكن من أهل الفدية عند الإفطار. ولو قدر الشيخ بعدما أفطر على الصَّوْم هل يلزمه الصوم قضاء؟ نقل صاحب "التهذيب" أنه لا يلزمه، لأنه لم يكن مخاطباً بالصَّوْمِ، بل كان مخاطباً بالفِدْية، بخلاف المَعْضُوب إذا أَحَجَّ الغيرَ عَنْه، ثم قد يلزمه الحَجُّ في قولٍ، لأنه كان مخاطباً، بالحَجِّ ثم قال من عند نفسه: إذا قدر قبل أن يفدى عليه أن يصوم، وإن قدر بعد الفدية، فيحتمل أن يكون كالحج، لأنه كان مخاطباً بالفدية على توهم أن عذره غَيْر زَائِلِ، وقد بانَ خِلافُه. واعلم: أن في كون الشَّيْخِ مخاطباً بالفِدْيَة دون الصوم كَلاماً، فإن صاحب "التتمة" في آخرين نقلوا خلافاً، في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصَّوم ثم ينتقل للعجز إلى الفدية أم يخاطب بالفِدَاء ابتداء (٢)؟ وبنوا عليه الوجهين في انعقاد نذره. وإذا كان كذلك فلصاحب "التهذيب" أن يمنع قول من قال إنه لم يكن مُخَاطباً بالصَّوْمِ. وأما لفظ الكتاب فقوله: (فوات نفس الصوم) إنما أطلق اللفظ هكذا ليشمل القَضَاء، والأداء، فإن الفدية قد تجب مع القَضَاء على ما سيأتي، ثم ليس الفَوَات موجباً للفِدْية على الإطْلاَق بدليلِ الصَّبي، والمجنون، ومن لم يتمكن مِنَ القضاء؛ بل في بعض المواضعَ، وهو ما إذا أخر القضاء مع الإمكان، وفي حَقِّ الشيخ الهرم، فلذلك قال فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه، ثم قوله فيمن تعدى بتركه ينبغي أن يحمل على تَرْك الصَّوم نفسه، لا على ترك الأداء؛ والتعدي بترك نَفْسِ الصَّوم بعد ترك الأداء، إنما يكون بالتعدي في ترك القَضَاء، وقد يسبق إلى الفهم من لفظ صَاحِب الكِتَاب هاهنا، وفي "الوسيط" أن المراد التعدي بترك الأداء لكن القولين المَذْكُورين في أنه يصام عنه أو يطعم غير مخصوص به، بل الأكثرون من أصحابنا العراقيين إنما نقلوا القولين في المعذور بترك الأداء إذا تمَكَّن من القضاء، ولم يقض. وقوله: (يصوم عنه وليه) في الحكاية عن القديم، ليس المراد منه أنه يلزمه ذلك، وإنما القول القديم أنه يجوز له ذلك إن أراده، هكذا، أورده في "التهذيب"، وحكاه

стр. 1344

الإمام عن الشيخ أبي محمد، وهو كالمتردد فيه. ثم قوله: (يصوم) مُعَلَّمٌ بالحاء والميم لِمَا سبق، وبالألف أيضاً، لأن عند أحمد لا يَصُوم عنه في قضاء رمضان، وفيه كلام الكتاب، ولكن لو كان عليه صَوْم نذر، صَامَ عنه وَليّه، وعندنا لا فرق على القولين. وقوله: (ولا يجب على من فاته بالمرض) المراد منه الحالة الثانية، وهي أن يستمر المرض، ويمنعه من القَضَاء، ولو أفطر بعذر السَّفر ودام السَّفَر إلى الموت فلا شيء عليه أيضاً. قال الغزالي: الثَّاني: مَا يَجِبُ بِفَضِيلَةِ الوَقْتِ، وَهِيَ في حَقِّ الحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فَإذَا أَفْطَرَنَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا قَضَتَا وَافْتَدَتَا عَنْ كُلِّ يَوْم مُدّاً، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أنَّهُ لاَ يَجِبُ كالمَرِيضِ، وَهَلْ يُلْحَقُ بهمَا الإِفْطَارُ بِالعُدْوَانِ؟ وَمَنْ أَنْقَذَ غَيْرَهُ مِنَ الهَلاَكِ وَافْتَقَرَ إلَى الإفْطَارِ فِيهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: الحامل والمرضع إن خَافتا على أنفسهما أَفْطَرَتَا (١) وقَضَتَا ولا فدية عليهما كالمريض، وإن لم يَخَفَا من الصَّوم إلا على الولد فَلَهُمَا الإِفْطَار وعليهما القَضَاء. وفي الفدية ثلاثة أقوال: أصحها: وبه قال أحمد: أنها تجب؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (٢) أنه منسوخ الحكم إلا في حق الحامل والمرضع، وعن النَّبي ﷺ أنه قال في الحامل والمرضع: "إذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَافْتَدَتَا" (٣). والثاني: أنه تستحب لهما الفدية، ولا تجب، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، واختاره القاضي الرّوَيَانِي في "الحلية"، ووجهه تشبيه الحامل بالمريض لأن الضرر الذي يصيب الولد يتأدى إليها، وتشبيه المرضع بالمسافر لأنهما يفطران، لئلا يمنعهما الصَّوْم عما هما بصدده وهو الإرضاع في حَقِّ هذه، والسَّفَرُ في حق ذاك، وقد يشبهان معاً بالمريض والمسافر من حيث إن الإفطار مَانِعٌ لما والقضاء يكفي تداركاً. والثالث: وبه قال مالك: أنها تجب على المُرْضع دونَ الحَامِلِ، لأن المرضع لا تخاف على نفسها والحامل تخاف بتوسط الخوف على الولد، فكانت كالمريض،

стр. 1345

ويحكى القول الأول عن "الأم"، والقديم، والثاني عن رواية حرملة، والثالث عن البويطي، وإذا فَرَّعْنَا على الأصح فلا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد في أصح الوجهين، وهو الذي أورده في "التهذيب". وهل يفترق الحال بين أن ترضع ولدها، أو غيره بإجارة أوغيرها (١)؟ نفى صاحب "التتمة" الفرق، وقال: تفطر المستأجرة وتفدى؛ كما أن السفر لما أفاد جواز الإفطار لا يفترق الحال فيه بين أن يكون لِغَرض نَفْسِهِ أو غرض غيره (٢). وأجاب صاحب الكتاب في "الفتاوى" بأن المستأجرة لا تفطر بِخِلاَف الأم، لأنها متعينة طبعاً، وإذا لم تفطر فلا خيار لأهل الصبي، ولو كانت الحامل أو المرضع مُسَافِرة أو مريضة فأفطرت على قصد الترخص بالمرض والسفر فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص ففي لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا أفطر بالجماع. ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: إذا أفطر بغير الجماع عمداً في نهار رمضان هل تلزمه الفدية مع القضاء فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنها واجبة على الحامل، والمرضع مع قيام العذر، والترخيص في الإفطار، فلأن تجب عليه، مع أنه غير معذور كان أولى. وأظهرهما: لا، لأنه لم يرد فيه توقيف، وحيث وَجَبَت الفدية إنما وجبت جابرة، وهي لا تجبر ما تعدى، ولا يليق بعظم جريمته، ويخالف الحامل والمرضع، لأن هناك ارتفق بالإفطار شخصان فجاز أن يتعلق بهما بدلان وهما القضاء والفدية كالجماع، لما ارتفق به الرجل والمرأة تَعَيَّن القضاء والكفارة العظمى، وهاهنا بخلافه، وقَرَّب الإمام الوَجْهين في المسألة بالوجهين في أن من تعمد بترك الأبعاض هل يَسْجُد للسَّهْو؟ الثانية: لو رأى مشرفاً على الهُلاَك بغرق وغيره وهو بسبيل من تخليصه ولكن

стр. 1346

افتقر في تخليصه إلى الإفطار فله ذلك (١) ويقضي، وهل تلزمه الفدية فيه وجهان: أظهرهما: وبه قال القفال: نعم لأنه فِطْرٌ ارتفق بهِ شَخْصَان، كما في حق المرضع. والحامل. والثاني: لا، لأن إِيجَاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف، والوجهان فيما ذكر الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مبنيان على الخلاف في وجوب الفدية على الحامل والمرضع إن أوجبناها فكذلك، هاهنا، وإلا فلا، وأشار مُشِيرُون إلى تخريج الخلاف هاهنا مع التفريع على وجوب الفِدْيَة ثُمَّ وفرقوا بأن الإفطار ثم لإحياء نَفْسٍ عاجزة عن الصَّوْم خِلْقة، فأشبه إفطار الشَّيْخ الهرم، وهاهنا الغريق غير عاجز عن الصَّوم، -والله أعلم-. وقوله في الكتاب: (ما تجب بفصيلة الوقت) معناه: أن الفدية قد تَجِبْ جَبْراً، لفوات فضيلة الوقت من تدارك أصل الصَّوْمِ بالقضاء، وليس ذلك مُوجِباً على الإِطْلاق بدليل المسافر والمريض، وإنما تجب في المواضع التي عدها، فلذلك قال: وهو في حق الحامل ... " إلى آخره وقوله: و (افتدتا) معلم بالحاء والزاي، ويجوز أن يعلم بالميم أيضاً، وكذا قوله: (لا يجب عليهما)، لأن مالكاً يُفَصِّل، فلا يقول بوجوبها عليهما ولا بنفيها عنهما. قال الغزالي: الثَّالِثُ: مَا يَجِبُ لِتَأْخِيرِ القَضَاءِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ أُخِّرَ قَضَاؤُهُ عَنِ السَّنَةِ الأوُلَى مَعَ الإِمْكَانِ مُدٌّ، وَإِنْ تَكَرَّرتِ السِّنُونَ فَفِي تَكَرُّرِهَا وَجْهَانِ. قال الرافعي: من عليه قضاء رمضان وأَخَّرَهُ حتى دَخَل رمضان السَّنةِ القَابِلة، نظر أن كان مسافراً أو مريضاً فلا شيء عليه بالتّأخير، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جَائِز فتأخير القضاء أولى بالجواز، وإن لم يكن وهو المراد من قوله: (مع الإمكان) فعليه مع القَضَاء لِكُل يَومٍ مُدّ. وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة، والمزني. لنا الأثر عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَن أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ، ثُمَّ صَحَّ، وَلَم يَقْضِهِ حَتَّى أَدْرَكَ رَمَضَانَ آخَرَ، صَامَ الَّذِي أَدْرَكَ، ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً" (٢). ولو أخر حَتَّى مضى رمضانَانِ فَصَاعداً، ففي تكرر الفِدْية وجهان:

стр. 1347

أحدهما: أنها لا تتكرر، "بل تتداخل كالحدود؛ لأن الفدية إنما وجبت في السَّنَةِ الأولى، لأنه أخرج القضاء عن وقته وهو ما بين الرمضانين وهذا لا يتكرر. والثاني: أنها تتكرر. قال في "النهاية" وهو الأصح، لأنه يجب عليه فدية لتأخير سنة، فيجب فديتان لتأخير سنتين، والحقوق المالية لا تَتَداخل، ولو كان قَدْ أفطر عدواناً، وعلقنا به الفدية فأخر القضاء فعليه لِكُلِّ يَوْمٍ فديتان واحدة للإفطار وأخرى للتأخير ولا تداخل لاختلاف الموجب، ورأيت فيما علق عن إبراهيم (المروروزي) ترتيبه على ما لو أخر القضاء حتى مضى رمضانان إن عددنا الفدية ثم فهاهنا أولى، وإلاّ فوجهان لاختلاف جنس الموجب، وإذا أخر القَضَاء مع الإمْكان ومات قبل أن يقضي وقلنا؟ الميت يُطْعَمُ عنه، فوجهان: أصحهما: أنه يخرج من تركته لكل يوم "مُدَّان" أحدهما لتأخير القَضَاء، والآخر لفوات أصْلِ الصوم. والثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه يكفي مُدّ. وأما إذا قلنا: إن المَيِّت صَام عنه فصوم الولي يَحْصُلُ به تدارك أصل الصَّوْم، ويفدى عنه للتأخير، وإذا فَرَّعْنَا على الأصح وهو إخراج "مُدَّين" فلو كان عليه قضاء عشرة أيام فمات قبل أن يَقْضِي ولم يبق من شَعْبَانَ إلاَّ خمسة أيام أخرج من تركته خمسة عشر مُداً، عشرة لأصل الصَّوْمُّ، وخمسة للتَّأْخِيرِ؛ لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قَضَاء خمسة؛ ولو أفطر بغير عذر أوجبنا به الفدية وأخر حتى دخل رمضان السنَةِ الثانية ومات قبل أن يقضي فالظاهر وجوب ثلاثة أمدادٍ لكل يومٍ، فإن تكررت السّنون زادت الأمداد، وإذا لم يبق بينه وبين رمضان السَّنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء الفَائِتِ فهل يلزمه في الحال الفِدْية عما لا يسع الوقت أم لا يلزم إلا بعد مَجِيء رمضان؟ فيه وجهان مشبهان لما إذا حلف لَيَشْرَبَنَّ ماء هذا الكوز غداً فانصب قبل الغد يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد؟ ولو أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجيء رمضان السنة القابلة ليؤخر القضاء مع الإمْكَان، ففي جوازه وجهان كالوجهين في جواز تعجيل الكَفَّارة عن الحِنْث المحظور (١)، فهذا

стр. 1348

شرح الطّرق الثلاثة الموجبة للفدية على ما فيها من الخِلاَف، وإذا أردت حَصْرَها فقل: لا شك أن الفدية إنما تجب عِنْدَ فوات الأداء وإذا فات الأداء فإما أن نوجب القضاء أيضاً، وهو في حَقِّ من مات قبل القَضَاء، وفي الشيخ الهرم أولاً يفوت، فإما أن يقع مؤخراً عن رمضان السَّنة القابلة وهو الطريق الثَّالث، أو لا يقع، فتجب لفضيلة الوقت في المواضع المذكورة في الطَّرِيق الثَّانِي. قال الغزالي: فَأمَّا صَومُ التَّطوعِ فَلاَ يَلْزَمُ (م ح) بِالشُّرُوعِ، وَكَذَا القَضَاءُ (م ح) إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الفَوْرِ. " القول في صوم التطوع ": قال الرافعي: من شَرَع في صَوْمِ تطوع أو في صَلاَة تطوع لم يلزمه الإتمام (١) ولا قضاء عليه لو خرج من صومه، وصلاته، وبه قال أحمد. وعند أبي حنيفة ﵀: لا يجوز الإفطار بِغَيْر عذر، ويجب القضاء، سواء أفطر بعذر أو بغير عذر. وقال مالك: إن خرج بغير عذر لزمه القضاء، وإلا فلا. لنا: ما روي عن عائشة ﵂ "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّا خَبَّأْنَا لَكِ حيساً، قَالَ: "أَمَّا أَنا كُنْتْ أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيه" (٢). وعن أم هانئ ﵁ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا صَائِمَةٌ؛ فَنَاوَلَنِي فَضْلَ شَرَابِهِ، فَشَرِبْتُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: "إِن كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَصُومِي يَوْماً مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعاً، فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِيهِ، وَإِنْ شِئْتِ فَلاَ تَقْضِيهِ" (٣). وعندنا يستحب الإتمام، وإن لم يجب، ولو أفطر فيستحب القضاء؛ ولا يكره الخروج منه بعذر، وإن كان بغير عذر فوجهان: أظهرهما: أنه يكره. ومن الأعْذَار أن يَعزّ على من أضَافه امتناعه من الأكل، ولو شرع في صوم القضاء، هل له الخُروجُ مِنْه؟ نظر إن كان على الفور فلا، وإن كان على التَّراخي ففيه

стр. 1349

وجهان: أحدهما: ويحكى عن القفَّال: أنه يجوز، لأنه متبرع بالشروع فيه، فأشبه المسافر يشرع في الصوم، ثم يريد الخروج منه. والثاني: لا يجوز، لأنه صار متلبساً بالفَرْضِ، ولا عذرَ بهِ، فيلزمه إتمامه كما لو شرع في الصَّلاة في أول الوقت، والأول هو الذي أورده المصنف، وصاحب "التهذيب"، وطَائِفَةٌ، وقضية كلام الأكثرين ترجيح الثاني، وبه أجاب الرّويَانِي في "الحلية"، وحكاه صاحب "المعتمد" عن نصه في "الأم" وصوم الكفارة اللاّزمة بسبب حرام كالقضاء الذي هو على الفور، وما لزم بسبب غير مُحَرَّم كالقتل الخطأ فهو كالقضاء الذي هو على التَّراخي، وكذا النذر المطلق، وهذا كله مبنى على انقسام القضاء إلى ما هو على الفور، إلى ما هو على التراخي، وهو الأشهر، فالأول ما تعدى فيه بالإفطار لا يجوز تأخير قضائه؛ لأن جواز التأخير ترفيه لا يليق بحاله. قال في "التهذيب" وليس له الحالة هذه التأخير بعذر السَّفر. والثاني: ما لم يتعد به، كما في حق الحائض، والإفطار بعذر السَّفر، والمرض، فقضاؤه على التَّرَاخِي ما لم يدخل رَمَضانُ السَّنَةِ القابلة، وفي كلام بَعْضِ أصحابنا العراقيين ما يرفع هذا الفَرْق المُحَامِلِي يقول في "التجريد"، ومن أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر فطراً لا تجب به كفارة فالقضاء يلزمه، ووقته موسع إلى شَهْرِ رمضانَ الثَّاني، ويمكن تأييد ما ذكروه بأنه قال في "المختصر": "ومن صام متفرقاً أجزأه، ومتتابعاً أحب إلي" والاستدلال أنه أطلق القول باستحباب التتابع في القَضَاء، ولو كان أحد نوعيه على الفَوْرِ لكان التّتابع فيه وَاجِباً لا محبوباً. وقوله في الكتاب: (وكذا القضاء إذا لم يكن على الفور). قد عرفت مما سبق أنه يجب إعلامه بالواو، ثم فيه شَيْءٌ من جهة اللفظ وهو أن هذا الكلام معطوف على قوله: (أما صوم التطوع فلا يلزم بالشروع)، فيكون أن القضاء إذا لم يكن على الفور لا يلزم بالشروع أيضاً، وإنما كان يحسن هَذَا أن لو كان ما هو على الفور يلزم بالشروع، وليس كذلك؛ بل هو لازم من ابتدائه إلى انتهائه. قال الغزالي: وَصَوْمُ التَّطُوُّع في السَّنَةِ صَوْمُ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاء وسِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ عِيدِ رَمَضَانَ، وَفي الشَّهْرِ الأَيَّام البيض وَفِي الأُسْبُوعِ الاثْنِيْنَ وَالخَمِيس، وَعَلَى الجُمْلَةِ صَوْمُ الدَّهْرِ مَسْنُونٌ بِشَرْطِ الإِفْطَارِ يَومَ العِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق. قال الرافعي: الأيام التي يستحب التطوع بصومها تنقسم إلى: ما يتكرر بتكرر السِّنين، إلى ما يتكرر بتكرر المشهور، وإلى ما يتكرر بتَكّرر الأسابيع. أما القسم الأول: فمنه يَوْمُ عرفة، روي أن النبي ﷺ قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ

стр. 1350

سَنَتَيْنِ" (١). وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج. فأما الحجيج فينبغي لهم أَلاَّ يَصُوموا، كي لا يَضْعُفُوا عن الدُّعاء وأعمالِ الحج، ولم يصمه النبي ﷺ "عرفة"، وأطلق كَثِيرٌ من الأئمة كونه مكروهاً؛ لما روي: أنه ﷺ "نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ" (٢). فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصَّوْمِ فقد قال أبو سَعْدٍ المتولي الأول: أن يصوم حيازة للفَضِيلَتَينِ، ونسب غيره هذا إلى مذهَب أبي حنيفة ﵀ وقال: الأولى عندنا ألا يَصُومَ بِحَالِ (٣). ومنه يوم عَاشُوراء روي أنه ﷺ قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَة" (٤). ويوم عَاشُوراء هو العاشر من المحرم، وَيُسْتَحب أن يَصُومَ معه تَاسُوعاء، وهو التاسع منه، لِما روي أنه ﷺ قال: "لاَنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ، لأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ" (٥). وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس ﵄. أحدهما: الاحتياط فإنه ربما يقع في الهِلاَل غلط (٦)، فيظن العَاشِر التَّاسع. والثاني: مخالفة اليهود، فإنهم لا يصومون إلا يوماً واحداً، فعلى هذا لَوْ لَمْ يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحَادِي عشر. ومنه ستة أيام مِنْ شَوَّالٍ، يستحب صَوْمُها. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله-؛ لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ" (٧). وعن مالك: أن صومَها مكروهٌ، والأفضل أن يصومها متتابعةً وعلى الاتصال، ليوم العيد مبادرة إلى العبادة، وإياه عني بقوله: (بعد عيد رمضان). وعن أبي حنيفة ﵀ أن الأفضل أن يفرقها في الشَّهر. وأما القسم الثاني فمنه أيام البيض، وهي الثَّالِث عشر، والرابع عشر والخامس

стр. 1351

عشر (١) لما روي أنه ﷺ : "أوْصَى أَبَا ذَرَ ﵁ بِصِيَامِهَا" (٢) وإنما يقال أيام البيض على الإضافة، لأن المعنى أيام الليالي البيض. وأما القِسْم الثَّالث فمنه يوم الاثنين والخميس، روى أنه ﷺ : "كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمُهَما" (٣). وروي أنه قال: "تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثنين وَالْخَمِيس، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأَنَا صَائِمٌ" (٤). ويكره (٥) إفراد يوم الجمعة بالصَّوْمِ، لما روي أنه ﷺ قال: "لاَ يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (٦). وكذا إفراد يوم السَّبْتِ، فإنه يوم اليَهُودِ، وقد روي أنه ﷺ قال: "لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ" (٧). وأما قوله: (على الجملة صوم الدهر مسنون). فاعلم أن المسنون يطلق لمعنيين. أحدهما: ما واظب عليه النبي ﷺ ولا شك أن صَوْمَ الدَّهْرِ ليس مسنوناً بهذا المعنى.

стр. 1352

والثاني: الندوب، وفي كون صَوْمِ الدَّهْرِ بهذه الصفة كَلاَم أيضاً، فإن صاحب "التهذيب" ﵀ في آخرين أطلقوا القول بِكَوْنِهِ مكروهاً، واحتجوا بما روي أنه ﷺ قال لعبد الله بْنِ عمر ﵄ "وَلاَ صَامَ مَنْ صام الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ" (١). وبما روي أَنَّه "نَهَى عَنِ صِيَامِ الدَّهْرِ" (٢). وفصَّل الأكثرون فقالوا: إن كان يخاف منه ضرراً أو يُفَوِّتُ به حقاً فيكره وإلا فَلاَ، وحملوا النَّهْيَ عَلَى الحالة الأولى، أو على ما إذا لم يفطر العيدين وأيام التشريق. وقوله: شرط الإفطار يوم العيدين وأيام التشريق ليس المراد منه حقيقة الاشتراط، لأن إفطار هذه الأيام يخرج الموجود عن أن يكون صَوْم الدَّهر، وإذا كان كذلك لم يكن شرطاً لاستثنائه، فإن استنان صوم الدهر يستدعي تحققه، وإنما المراد منه أن صوم سوى هذه الأيام مسنون، -والله أعلم-. ولو نذر صوم الدهر لزم، وكانت الأعياد وأيام التشريق مستثناة عنه، وكذلك شَهْر رمضَان، وقضاؤه إذا فرض فواته بعذر أو بغير عذر، وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء؟ حكى أبو القَاسِم الكَرَخِي فيه جهين، والذي أجاب به صاحب "التهذيب" أنه لا فدية، ولو نذر صوماً آخر بعد هذا النَّذْرِ لم ينعقد، ولو لزمه صَوْم كفارة صام عنها، وفدى عن النَّذر، ولو أفطر يوماً من الدَّهْرِ فَلاَ سَبِيلَ إلى القَضَاءِ، ولا فدية إن كان بعذر وإلاّ فتجب الفدية. ولو نذرت المرأة صوم الدهر، فللزوج مَنْعها، ولا قضاء ولا فدية، وإن أذن أو مات فلم تصم؛ لزمها الفدية (٣)، -والله أعلم-.

стр. 1353

كِتَابُ الاعْتِكَافِ قال الغزالي: الاعْتِكَاف سُنَّةٌ مؤَكَّدَة لاَ سِيَّمَا في العُشْرِ الأخِير مِنْ رَمَضَانَ لِطَلَبِ لَيْلةِ القَدْرِ، وَهِيَ في أَوْتَارِ العَشْرِ الأخَيرِ، وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إلَى الحَادِي والعِشْرِينَ، وَقِيلَ: إنَّهَا في جَمِيعِ الشَّهرِ، وَقِيلَ: في جَمِيع السَّنَة، وَلَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ في مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيلَةَ القَدْرِ لَمْ تُطَلَّق إلاَّ إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ لِأَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَع بِالشَّكِّ، ويُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ في النَصِّفِ الأَوَّلِ. قال الرافعي: الأصل في الاعتكاف الإجماع، والكتاب، والأخبار. أما الإجماع فَظَاهِر. وأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (١). وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢). وأما الأخبار فسيأتي طرف منها، واَستفتح الكتاب بذكر شيئين: أحدهما: بيان استحباب الاعتكاف، وموضع تأكده. والثاني: الكلام في لَيْلَة القَدْرِ. أما الأول فالاعتكاف من الشرائع القديمة، وهوِ مستحب في جميع الأوقات، روي أنه ﷺ قال: "مَن اعْتَكَفَ فَوَاقَ نَاقَةٍ، فَكَأنَّمَا أَعْتَقَ نَسَمَة" (٣) وهو في العَشْر الأواخر من رمضَان آكد استحباباً؛ اقتداء برسول الله ﷺ وطَلباً لِلَيْلَةِ القَدْرِ. "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِف الْعَشْرَ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى" (٤). واعلم أن استحباب الاعتكاف العشر الأخير مكرر، قد ذكره مرة في "سُنَنِ الصوم". ومن رغب في المحافظة على هذه السِنة فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب

стр. 1354

الشَّمْسِ يوم العشرين، حتى لا يفوته شيء من ليلة الحَادِي والعِشرِين، ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد، ولو مكث ليلة العيد فيه إلى أن يصلّى فيه العيد، أو يخرج منه إلى المُصَلَّى كان أولى. وأما الثَّاني. فاعلم أن ليلة القدر أفضل ليالي السَّنة، خَصَّ الله تعالى بها هذه الأمة، وهي باقية إلى يوم القيامة، وجمهور العُلَماء وفيهم الشَّافعي ﵃ على أنها في العشر الأخير من رمضان، وهي في أوتارها أرْجَى، لِما روي أنه ﷺ قال: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوَتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" (١) ومَيْلُ الشَّافعي ﵁ إلى أنها ليلة الحادي والعشرين؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ : "كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَاماً، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْرُجُ فِي صَيَحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، قَالَ: قَدْ رَأَيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي صَبيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ، فَأَفْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوِّكَفَ الْمَسْجِدُ"، قال أبو سعيد: فَأَبْصَرَت عَينَايَ رَسُولَ الله ﷺ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ" (٢). وأبدى في بعض المواضع الميل إلى ليلة الثَّالث والعشرينِ، لما روي عن عبد الله بن أنيس ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ "إِنِّي أَكُونَ بِبَادِيَتِي، وإِنِّي أُصَلِّي بِهِمْ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ مِنْ هذَا الشَّهْرِ، أَنْزِلُهَا الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَالَ: انْزِلْ فِي لَيْلَةِ ثَلاَثِ وَعِشْرِينَ" (٣). وجمع بين الليلتين في "المختصر"، فقال: ويشبه أن يكون في ليلة إحدى وعشرين، أو ثَلاث وعشرين، والمعنى في إخفاء الله تعالى هذه الليلة، حَمْل النَّاس على إحياء جَمِيع ليالي العشر بالعبادة، رجاء إصابتهما، وعلامة هذه اللَّيلة أنها طلقة لاَ حَارة، ولا بَارِدَة، وأن الشَّمس في صبيحتها تطلع بيضاء ليس لها كثير شُعَاعٍ (٤)، ويستحب أن يُكْثِرَ فيها من قول "اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" (٥).

стр. 1355

وعند مالك: هي في العشر، ولا ترجيح لِبَعْضِ اللَّيالي على البعض. وعند أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- هي ليلة السَّابعِ والعِشْرِين، وهذا الذي ذكروه لا ينافي قوله في الكتاب: (وهي في أوتار العشر الأخير) فلا نعلمه بعلاماتهم، ولكن يجوز أن نعلمه بالحاء، لأنه روي عنه أنها محتملة في جَمِيع السَّنة، وروي في جميع الشّهر، والروايتان مستنبطتان مما نقل عنه أنه لو قال لزوجته: "أول يوم من رمضان أنت قال ليلة القدر" لا تطلق إلا مثل ذلك اليوم من السَّنة الأخرى. وعن ابن خزيمة من أصحابنا: أن ليلة القَدْرِ منقولةٌ في ليالي العَشْرِ تُنْقَلُ في كل سنة إلى ليلة جمعاً بين الأخبار، وقوله: (وقيل: إنها في جميع الشهر) يشعر بأنه وجه للأصحاب، وقوله: (ولذلك لو قال لزوجته في منتصف شهر رمضان أنت طالق ليلة القدر لم تطلق إلا إذا مضت سنة) يشعر بأن المسألة مجزوم بها موجهة للوجه المنقول، وقد حكى في "الوسيط" المسألة هكذا عن نَصِّ الشافعي ﵁ وكل واحد من نقل الوجه وتوجيهه محل التَّوقف. أما النقل فلأنك لا تكاد تجد رواية احتمالها في جميع ليالي الشَّهر، عن الأصحاب في شيء من كتب المذهب (١). وأما التوجيه، فلأن ما أجاب به في مسألة الطَّلاق يخالف ما نقله الأئمة، فإنهم قالوا: إذا قال لامرأته: أنت طالق ليلةَ القَدْرِ فإن قاله قبل شَهْرِ رمضان، أو في رمضان قبل مُضِىِّ شَيْءٍ من ليالي العشر طلقت بانقضاء الليالي العشر، وإن قاله بعد مُضِيّ بعض لياليها لم تطلق إلى مُضِيِّ سنة، هكذا نقل الشَّيخ أبو إِسْحَاق في "المهذب"، والإمام وغيرهما، ولم تر اعتبار مضي سنة في المسألة المذكورة إلا في كتب صاحب الكتاب. وقوله: (إن الطلاق لا يقع بالشك، لكنه يقع بالظن الغالب). قال إمام الحرمين: الشافعي ﵁ متردد في ليالي العَشْرِ، ويميل إلى بعضها ميلاً ضَعِيفاً، وانحصارها في العشر ثابت عنده بالظَّنِّ القَوِيِّ، وإن لم يكن مقطوعاً به، والطَّلاق يناط وقوعه بالمَذاهب المَظْنُونَةِ. -والله أعلم-.

стр. 1356

قال الغزالي: وَفي الْكِتَاب ثَلاَثَةُ فُصُولٍ. الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الأَوَّلُ: الاعْتِكافُ وَهُوَ عَبَارَةٌ عَنِ اللُّبْثِ فِي المَسْجِدِ سَاعَةً مَعَ الكَفِّ عَنِ الجِمَاعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ الكَفُّ عَنْ مُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ؟ فِيه قَوْلاَن، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح وم) اللُّبْثُ يَوْماً وَلاَ يَكْفِي العُبُورُ. قال الرافعي: مقصود الفَصْل الأول: الكلام في أركان الاعتكاف، وهي فيما عدها أربعة: الاعتكاف، والنية، والمعتكِف، والمعتَكف. الأول: الاعتكاف: وهو عبارة عن المقام في اللّغة، يقال عكف واعتكف، أي: أقام. وأما في الشريعة: فقد فسره في الكتاب باللُّبْثِ في المَسْجِد ساعة مع الكَفِّ عن الجِمَاع، وفيه اعتبار أمور: أحدها: اللُّبْث وقد حكى الإمام ﵀ في اعتباره وجهين: أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا بُدَّ منه؛ لأن لفظ العكوف مشعر به. والثاني: أنه يكفي مجرد الحُضُور، كما يكفي الحضور بعرفة في تحقيق ركن الحَجّ. ثم فرع على الوجهين فقال: إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعُبُورِ حتى لو دخل من باب وخرج من باب ونوى فقد اعتكف، وإن اعتبرنا اللُّبْثَ لم يكف ما يكفي في الطمأنينة في أركان الصَّلاة، بل لا بد وأن يزيد عليه بما يسمى إقامةً وعكوفاً، ولا يعتبر السّكون، بل يصح اعتكافه قاعداً، وقائماً ومتردداً في أرْجَاء المسجد، ولا يقدر اللُّبْثُ بزمان، حتى لو نذر اعتكاف سَاعَةً انعقد، ولو نقدر اعتكافاً مطلقاً خرج عن عهدة النذر بأن يعتكف لَحْظَة، واستحب الشافعي ﵁ أن يعتكف يوماً، وذلك للخروج من الخلاف، فإن مالكاً وأبا حنيفة ﵀ لا يجوزان اعتكاف أقلّ مِنْ يوم، ونقل الصَّيْدَلاَنِي وَجْهاً: أنه لا بد من مُكْثٍ يَوْماً، أو ما يدنو من يوم (١)؛ لأن ما دون ذلك معتاد في الحاجات التي تعنُّ في المَسَاجد، فلا تَصْلَح للقربة، وقد عرفت مما ذكرنا أن قوله: (ولا يشترط اللُّبْث يوماً) ينبغي أن يرقم بالميم والحاء والواو. وقوله: (ولا يكفي العبور) بالواو، ويجوز أن يرقم به لفظ "اللُّبْث" أيضاً في قوله: (وهو عبارة عن اللبث) ولا يخفى أن قوله: (ساعة) ليس المراد منه الواحدة من السَّاعات التي يقسم اليوم والليلة عَلَيْهَا، ولا سبيل إلى حملة على اللّحظة وإن لطفت؛ لما ذكر الأئمة أنه لا بُد وأن يزيد على زَمَانِ الطمأنينة، ولأنه لو حمل على هذا المعنى

стр. 1357

لضاع، وأغنى لفظ (اللبث) عنه، فإذاً هُوَ محمولٌ على القدر الذي يثبت اسم العكوف والإقامة فيه. والثاني: كونه في المسجد، وهذا سيأتي شرحه في الركن الرابع. والثالث: الكَفّ عَنِ الجِمَاع، فلا يجوز للمعتكف الجِمَاع، ولا سائر المباشرات بالشَّهْوَة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١). ولو جامع بَطَل اعْتِكَافه، سَواءٌ جامع في المِسْجد أو جامع حين خرج لقضاء الحاجة (٢) إذا كان ذاكراً للاعتكاف عالماً بتحريم الجِمَاع، وهذا هو المراد من لفظ الكتاب، وإن أطلق الكف عن الجماع، فأما إذا جامع ناسياً للاعتكاف، أو جاهلاً بالتحريم، فهو كنظيره في الصَّوْمِ. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ يفسد الاعتكاف بجماع النَّاسِي، ولا فرق بين جِمَاعٍ وَجِمَاعٍ، وروى المُزَنِي عن نَصِّه في بعض المواضع: أنه لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحَدّ، فقال الإمام: قضية هذا ألاَّ يفسد بإتيان البهيمة، إذا لم توجب به الحَدَّ، وكذلك بالإتيان في غَيْرِ المأتى، والمذهب الأول (٣). ولو لمس أو قبل بشهوة أو باشر فيما دُوَنَ الفرج مُتَعَمِّداً، فهل يفسد اعتكافه؟ فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: ويروى عن "الإملاء": أنها تفسده؛ لأنها مباشرة محرمة في الاعتكاف، فأشبهت الجِمَاع. والثَّانِي: ويروي عن "الأم" أنها لا تفسده؛ لأنها مباشرة لا تبطل الحَج، فلا تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة. والثاني: القطع بأنها لا تفسد، حكاه الشَّيْخَان أبُو مُحَمَّد، والمَسْعُودِي، والمشهور طريقة القولين، وما موضعهما؟ فيه ثلاثة طرق: أحدها: أن القولين فيما إذا أنزل، فأما إذا لم ينزل لم يَبْطل الاعتكاف بلا خلاف كَالصَّوْمِ. وثانيها: أن القولين فيما إِذَا لَمْ يُنْزِلَ، أما إذا أَنْزَلَ بَطَلَ اعتكافه بلا خِلاف، لخروجه عن أهلية الاعتكاف بالجنابة.

стр. 1358

وثالثها -وهو الأظهر-: طرد القولين في الحالين، والفرق على أحد القولين فيما أذا لم ينزل بين الاعتكاف والصَّوم، أن هذه الاستمتاعات في الاعتكاف محرمة لعينها، وفي الصَّوم ليست محرمة لعينها، بل لخوف الإنزال، ولهذا يرخص فيها لمن لا تحرك القِبْلَة شَهْوَته. وإذا اختصرت الخلاف في المسألة قُلْت فيها ثلاثة أقوال أو وجوه: أحدها: أنها لا تُفْسِد الاعتكاف، أنزل أو لم ينزل. والثَّاني: تفسده، أنزل أو لم ينزل، وبه قال مالك. والثَّالث -وبه قال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد-: أن ما أنزل منها أفسد الاعتكاف، وما لا فَلاَ، والمفهوم من كلام الأصْحَاب بعد الفَحْصِ أن هذا القول أرجح، وإليه مَيْلُ أَبِي إِسْحَاقَ المَرُوزِي، وإن استبعده صاَحب "المهذب" ومن تابعه. أما القول بالفساد عند الانزال فقد أطبق الجمهور على أنه أصَح. وأما المنع عند عدم الإِنْزَال فقد نَصَّ على ترجيحه المُحَامِلِيّ، والشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، والقاضي الرّوَيانِي، وغيرهم ﵏ وإيانا، والاستمناء باليد مرتب على ما إذا لَمَسَ فأنزل. إن قلنا: إنه لا يبطل الاعتكاف، فهذا أولى وإن قلنا يبطله، ففيه وَجْهَان، والفرق كمال الاستمتاع والالتذاذ، ثم باصطكاك البشرتين. ولا بأس للمعتكف بأن يُقَبِّلْ على سبيل الشَّفَقَةِ والإكْرَام، ولا بأن يلمس بغير شهوة: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي رَأسَهُ لِتُرَجِّلَهُ عَائِشَةُ ﵂ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ" (١). قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرِطُ تَرْكُ التَّطَّيُّبِ وَتَرْكُ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ (م و) وَتَرْكُ الأكْلِ (م ح) بَلْ يَصَحُّ الاعْتِكافُ مِنْ غَيْرَ صَوْم، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِماً لَزَمه كِلاَهُمَا، وَفِي لُزُومِ الجَمْع قَوْلاَنَ، وَلَو نَذَرَ أَنْ يُعْتَكِفَ مُصَلِّياً أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفاً لَمْ يَلْزَمِ الْجَمْعِ. قال الرافعي: تَرْكُ التطيب لَيْسَ بِشَرْط في الاعتكاف، بل للمعتكف أن يتطيب كما له أن يرجل الرأس، ويتزوج، وَيُزَوِّج بخلاف المُحْرِم، وله أن يتزين يلبس الثِّيَاب إذ لم ينقل أن النبي ﷺ غَيَّر ثيابه للاعْتِكَاف. وعن أحمد أنه يستحب تَرْكُ التطيب، والتزين بِرَفِيع الثِّيَاب، ويجوز له أن يأمر بإصلاح مَعَاشه، وتعهد ضياعه، وأن يبيع ويَشْتَري، ويخيط وَيكْتُب، وما أشبه ذلك، ولا يكره شيء من هذه الأعمال إذا لم تكثر سِيَّمَا إذا وقع في مَحَلِّ الحاجة، وإن أكثر أو قعد يحترف بالخياطة ونحوها كُرِه، ولكن لا يبطل

стр. 1359

اعتكافه. وعن مالك أنه إذا قعد فيه واشتغل بحرفته يبطل اعتكافه، ونقل عن القديم قول مثله في الاعتكاف المنذور ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف، والمذهب مَا سَبَق؛ لأن ما لا يبطل قليله الاعتكاف لا يبطله كثيره، كَسَائِرِ الأَفْعَال (١)، ولو كان يشتغل بقراءة القرآن ودراسة العلم فهو زيادة خَيْرٍ. وعن أحمد أنه لا يستحب له إلا ذكر الله -تعالى- والصَّلاة، ويجوز له أن يأكل في المَسْجِد، والأولى أن يبسط سفرة ونحوها، لأنه أبلغ في تنظيف المسجد، وله أن يَغْسِل اليد، والأولى غَسْلُهَا في طِسْتٍ. ونحوها، حتى لا يبتل المسجد فيمنع غيره من الصلاة والجلوس فيه، ولأنه قد يستقذر، فَيُصَان المسجد عنه، ولذا قال في "التهذيب": ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق ولا يجوز نضحه بالماء المُسْتَعْمَل (٢)، وإن كَانَ طاهِراً، لأن النفس قد تعافه، ويجوز الفَصْدُ والحِجَامة (٣) فِي المَسْجِد بشرط أن يأمن التلويث، والأولى الاحتراز عنه، وفي البول في الطِّست احتملان، ذكرهما ابن الصَّبَّاغ، والأظهر: المنع، وهو الذي أورده صاحب "التتمة"؛ لأنه قبيح، واللائق بتعظيم المسجد تنزيهه عنه، بخلاف الفَصْدِ وَالْحِجَامة؛ ولهذا لا يمنع من استقبال القبلة، واستدبارها عند الفَصْدِ، ويمنع عِنْدَ قضاء الحَاجَةِ، وليس من شرط الاعتكاف الصّوم بل يصح الاعتكاف في اللَّيل وحده، وفي العيد، وأيام التشريق خلافاً لأبي

стр. 1360

حنيفة، ومالك -رحمهما الله- حيث قالا: الصوم شرط فيه، ولا يَصِحّ في العِيد، وأيام التَّشْرِيق، ولا في الليالي المُجَرَّدَة، وعن أحمد رِوَايَتَانِ: أصحهما: مثل مذهبنا. لنا ما روي أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ قال: "كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١). ولو لم يصح الاعتكاف في الليلة المفردة، لما أمره بالوفاء بنَذْرِهِ، ويجوز أن يعلم قوله: (بل يصح الاعتكاف من غير صوم) مع علامات هؤلاء بالواو؛ لأن الشيخ أَبَا محمد وغيره نقلوا عن القديم قولاً مثل مذهبهم. إذا عرفت ذلك فلو نذر أن يَعْتَكف يوماً هو فيه صَائِم، أو أياماً هو فيها صَائِم لزمه الاعتكاف في أيام الصوم؛ لأن الاعتكاف بالصَّوْمِ أفضل، وإن لم يكن مشروطاً به، فإذا التزمه بالنذر لزمه، كما لو التزم التتابع فيه، وليس له في هذه الصورة إفراد أحدهما عن الآخر بِلاَ خِلاَف، وليست هذه مسألة الكتاب. ولو اعتكف في رمضان أجزأه؛ لأنه لم يلتزم بهذا النَّذْرِ صوماً، وإنما نذر الاعتكاف على صِفَة، وقد وجدت، ولو نذر أن يَعْتَكِف صائماً، أو يعتكف بصوم لزمه الاعتكاف والصوم جميعاً بِهَذَا النذر، وهل يلزمه الجَمْعُ بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال أَبُو عَلِيٍّ الطبَرِيّ-: لا، لأنهما عبادتان مختلفتان، فأشبه مَا إِذَا نذر أن يُصَلّيَ صَائِماً. وأصحهما -ويحكى عن نَصِّه في "الأم" نعم؛ لما ذكرنا في المسألة السابقة، فلو شرع في الاعتكاف صَائِماً، ثم أفطر لزمه استئناف الصَّوْمِ والاعتكاف على الوجه الثاني، ويكفيه استئناف الصوم على الوجه الأول، ولو نذر اعتكاف أَيامٍ وليالٍ متتابعة صَائماً وجامع ليلًا ففيه هذان الوجهان ولو اعتكف عن نذرة في رمضان أجزأه عن الاعتكاف في الوجه الأول، وعليه الصَّوْم، وعلى الثاني لا يُجْزئه عن الاعتكاف أيضاً، ولو نذر أن يَصُوم معتكفاً ففيه طريقان: أظهرهما: طرد الوجهين. والثاني: وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد: القطع بأنه لا يَجِب الجمع، والفرق أن الاعتكاف لا يصلح وَصْفًا لِلصَّوْم، والصَّوْم يَصْلُحُ وَصْفاً للاعتكاف، فإنه من مَنْدُوباته، ولو نذر أن يَعْتَكِفَ مُصَلِّياً، أو يُصَلِّي معتكفَاً لزمه الصَّلاة والاعتكاف، وفي لزوم الجَمْعِ طريقان:

стр. 1361

أحدهما: طرد الوجهين. وأصحهما: القطع بأن لا يجب، والفرق أن الصَّوْم والاعْتِكَاف متقاربان فإن كل وَاحِدٍ منهما كَفٌّ وِإمْسَاك، والصَّلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف، ويخرج على هذين الطريقين ما لو نذر أن يَعْتَكِف مُحْرِماً، فإن لم نوجب الجمع بين الاعتكاف، والصَّلاة، فالقدر الذي يلزمه من الصَّلاة هو القدر الذي يلزمه لو أفرد الصَّلاة بالنذر، وإن أوجبنا الجَمْعَ لزمه ذلك القَدْر فِي يَوْم اعتكافه، ولا يلزمه استيعاب اليوم بالصَّلاة فإن كان نَذَرَ اعتكاف أيام مُصَلِّياً لزمه ذلك الْقَدْرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، هكذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وأنت بسبيل من أن تقول: ظاهر اللفظ يقتضي الاستيعاب فإنه جعل كونه مصلياً صِفَةً لاعتكافه، وإذا تركنا هَذَا الظَّاهِرِ، فلم نعتبر تكرير القدر الواجب من الصَّلاة في كل يوم، وهلا اكتفى به في جميع المُدَّة، ولو نذر أن يُصَلِّي صلاة يقرأ فيها سُورَة كذا، فعن القَفَّال: أن وجوب الجَمْعِ عَلَى الخِلاَف، في وجوب الجَمْعِ بين الصَّوْمِ والاعتكاف، ووجه لائح. وقوله: (وفي لزوم الجمع قولان) التعبير عن الخلاف في المسألة بالقولين خلاف إيراد الجمهور. نعم، ردد الإمام الرواية بين القولين والوجهين. وقوله: (لم يلزمه الجمع) لا بد من وَسْمِهِ بالواو؛ لما ذكرنا من الخِلاَف في الصُّورتين، والذي أجاب به صاحب الكتاب موافق لما اختراه معظم الأئمة فيما إذا نذر أن يعتكف مُصَلِّياً، ومخالفاَ له فيما إذا نذر أن يصوم معتكفاً، سواء قدرنا جريانه عَلَى طريقة نفي الخلاف، أو اختياره نفي اللزوم مع تسليم الخلاف، فإن الأكثرين طردوا فيها الوجهين، وقالوا: الأظهر لزوم الجَمْعِ. قال الغزالي: الثَّانِي: النِّيَّةُ وَلاَ بُدَّ مِنْهَا فِي الابْتِدَاءِ وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهَا وَإِنْ دَامَ اعْتِكَافُهُ سَنَةً، فَإنْ خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِذَا عَادَ لَزَمَهُ اسْتِئنَافُ النِّيَّةِ، أَمَّا إِذَا قَدَّرَ زَمَاناً فِي نِيَّتِهِ كَمَا لَوْ نَوَى أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْراً لَمْ يَلْزَمْهُ إِذَا خَرَجَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ فِي قَوْلٍ، وَلَزَمَهُ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الخُرُوجِ فِي قَوْلٍ، وَلَزَمَ بِالْخُرُوجِ لِغَيْرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ قَرُبَ الزَّمَانُ أَوْ طَالَ فِي قَوْلٍ، وَنيَّةُ الخُرُوجِ عَنِ الاعْتِكَافِ كَنِيَّة الخُرُوجِ عَنْ الصَّوْمِ. قال الرافعي: لا بد من النية في ابتداء الاعتكاف كما في الصَّلاة، ويجب التَّعَرُّض في المنذور منه للفرضية؛ ليمتاز عن التَّطوع (١)، ثم في الرُّكْنِ مسألتان:

стр. 1362

إحداهما: إذا نَوى الاعْتِكَاف لم يخل إما أن يُطْلِق، أو يعين بنيته زماناً، فإن أطلق كفاهُ ذَلِكَ وإن طال عكوفه، لكن لو خرج من المسجد، ثم عاد لزمه استئناف النية، سَواء خرج لِقَضَاءِ الحَاجَةِ أو لِغَيْرِهِ، فإن مَا مضى عبادةٌ تامة. والثاني: اعتكاف جديد. وقال في "التتمة": فلو أنه عزم عند خروجه أن يقضي حاجته ويعود كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية، ولك أن تقول: اقتران النية بأول العبادة شرط فكيف يحصل الاكتفاء بالعزيمة السَّابقة على العود؟ (١) وإن عين زماناً، كما إذا نوى اعتكاف يومٍ أو شهر فهل يحتاج إلى تَجْدِيد النِّية إذا خرج وعاد؟ نقل في الكتاب فيه ثلاثة أقوال، وسماها في "الوسيط" وجوهاً، وهو الموافق لإيراد الأئمة ﵏ وهي حاصل ما ذكروه في الطرق. أحدها: أنه لا حاجة إلى تجديد النية؛ لأن النية شَمَلت جميع المدة بالتعيين. والثاني: أنه إن لم تطل مُدَّة الخروج فلا حاجة إلى التَّجْدِيد، وإن طالت فلا بد منه؛ لتعذر البناء، ولا فرق على هذا بين أن يكون الخروجُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ أو لغيره. والثالث: أنه إن أخرج لقضاء الحاجة لم يجب التَّجديد؛ لأنه لا بد مِنْهُ فهو كالمستثنى عن النية، وإن خرج لَغَرَضٍ آخر فلا بد من التَّجْدِيدِ لِقَطْعِهِ الاعتكاف، ولا فرق على هذا بين أن يطول الزمان، أو لا يطول. وهذا الثالث أظهر الوجوه، وزاد صاحب "التهذيب" في التفصيل فقال: إن خرج لأمر يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع فلا بد من تجديد النية، وإن خرج لِأَمْرٍ لا يقطعه نظر إن لم يكن مِنْهُ بُدٌّ كقضاء الحاجة والاغتسال عند الاحتلام فلا حاجة إلى التَّجْدِيد، وإن كان منه بُدٌّ أَوْ طال الزَّمان ففي التجديد وجهان، وهذه الاختلافات مضطردة فيما إذا نوى مدة لتطوع الاعتكاف، وفيما إذا نذر أياماً ولم يشترط فيها التتابع ثم دخل المعتكف على قصد الوَفَاء بالنذر أما إذا شرط التّتابع، أو كانت المُدَّة المَنْذُورَة متَوَاصِلة في نَفْسِها فسيأتي حكم التجديد فيها. الثانية: لَوْ نَوَى الخُروجَ مِنَ الاعْتِكَافِ ففي بُطْلاَنِ الاعتكاف الخلاف المذكور في بطلان الصّوم بنية الخروج، والأظهر: أنه لا يبطل، وأفتى بعض المتأخرين ببطلان الاعتكاف؛ لأن مصلحته تعظيم الله تعالى كالصلاة وهي تختل بنقض النِّية، ومصلحة الصَّوْمِ قهر النَّفس وهي لا تفوت بنية الخروج.

стр. 1363

قال الغزالي: الثَّالِثُ: المُعْتَكِفُ وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ لَيْسَ بِجُنُبٍ وَلاَ حَائِضِ فَيَصِحُّ اعْتِكَافُ الصَّبِيّ وَالرَّقِيقِ، وَالسُّكْرُ وَالرِّدَّةُ إِذَا قَارَنَا الابْتِدَاءَ مَنَعَا الصِّحَّةَ، وَإِنْ طَرَأَ فالرِّدَّةُ تُفْسِدُ وَالسُّكْرُ لاَ يُفْسِدُ كَالإغْمَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يُفْسِدَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا لاَ يُفْسِدَانِ، وَالْحَيْضُ مَهْمَا طَرَأَ قَطَعَ، وَالجَنَابَةُ إِنْ طَرَأَتْ بِاحْتِلاَمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الغُسْلِ وَلاَ يَلْزَمُهُ الغُسْلُ فِي المَسْجِدِ وَإِنْ أَمْكَنَ. قال الرافعي: شرط في المعتكف أن يكون مُسْلِماً عاقلاً نَقِيًّا عَنِ الْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ. والكلام فيمن يدخل في هذا الضبط ومن يخرج عنه. فمن الداخلين فيه الصّبي، والرقيق، والمرأة المزوّجة، فيصح اعتكافهم، كما يصح صَوْمُهُم وصلاتهم، لكن لا يجوز للعبد أن يعتكفُ بغير إذن سيدهِ (١)، لأن منفعته مستحقة للسَّيد، ولا المرأة المزوجة أن تعتكف بغير إذن زوجها؛ لأن الزوج يستحق الاستمتاع بها، وإن اعتكفا بغير إذنٍ، كان للسيد إخراج العبد، وللزَّوْجِ إخراج الزَّوجة، وكذلك لو اعتكفا بإذنهما تطوعاً فإنه لا يلزم بالشروع. وقال مالك ليس لهما الإخراج إذا أَذِنا، وبه قال أبو حنيفة ﵀ في الزوج، وساعدنا في السَّيد، ولو نذرا اعتكافاً، نظر إن نذراه بغير إذن فلهما المنع من الشروع فيه، فإن أذِنَا في الشُّروع وكان الزمان مُتَعَيَّناً أو غير متعين ولكن شرطَا التتابع لم يجز لهما الرجوع، وإن لم يشرطا التتابع فلهما الرجوع في أظهر الوجهين. وإن نذرا بالإذن، نظر إن تعلق بزمان مُعَيَّن فلهما الشروع فيه بغير إذن، وإلا لم يشرعا فيه إلا بإذن، وإذا شَرَعَا بالإذن لم يكن لهما المَنْعُ من الإتمام، هكذا أورده أئمتنا العراقيون، وهو مبني على أن النذر المُعَلَّق إذا شرع فيه لَزِمَ إتمامه، وفيه خلاف قَدَّمْنَاه،

стр. 1364

ويستوي في جميع ما ذكرناه القِنّ، والمُدَبَّر، وأمّ الوَلَدِ. وأما المكاتب فله أن يعتكف بغير إذن السَّيد على أصح الوجهين، ومَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ونصفه رقيق كالرقيق إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، وإن كانت فهو في نوبة نفسه كالحر، وفي نوبة السيد كالرقيق، وأما من يخرج عنه فباعتبار الإسلام والعقل يخرج الكافر والمجنون، والسكران، والمغمى عليه، فلا يصح منهم الاعتكاف إذ لا نية لهم. ولو ارتد في أثناء اعتكافِهِ، فالمنقول عن نَصِّه في "الأم" أنه لا يبطل اعتكافه، بل يبنى إِذا عَادَ إِلَى الإسْلاَم، ونَصَّ أنه لو سكر في اعتكافه، ثم أفاق يستأنف، وهذا حكم بِبُطْلاَن الاعتكاف، وللأصحاب فيهما طريقان: أحدهما: تقرير النَّصَّيْنِ. والفرق أن السَّكْرَان مَمْنُوعٌ مِنَ المَسْجِدِ، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١) أي: موضع الصلاة، فإذا شرب المُسْكِر، وَسَكِر، فقد أخرج نفسه عن أَهْلِيَّةِ اللُّبْثِ في المسجد، فنزل ذلك منزلة خروجه منه، والمُرْتَدْ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ المَسْجِد؛ بل يجوز استتابته فيه، وتمكينه من الدخول لاستماع القرآن ونحوه، فلم يجعل الارتداد متضمناً بطلان الاعتكاف، واختار أصْحَاب الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ هذا الطَّرِيق، وذكروا أنه المذهب، وسلم غيرهم ذلك في السَّكْرَان، ونازعوهم في عدم تَأْثِير الرِّدَّة على ما سيأتي. وأصحهما: التَّسْوِية بين الرِّدَّة والسُّكْرِ، وفي كيفيتها طريقان: أحدهما: أنهما على قولين: أحدهما: أنهما لا يُبْطِلاَنِ الاعْتِكَافِ. أما الرِّدَّة فلما سبق. وأما السُّكْرُ، فلأنه ليس فيه إلا تناول مُحَرَّم، وذلك لا ينافي الإعتكاف. والثاني: أنهما يبطلان الإعتكاف أما السكر فلما سبق، وأما الردة فلخروج المُرْتَدّ عن أهلية العِبَادة. وأصحهما: الجَزْمُ فِي الصورتين، وفي كيفته طرق. أحدها: أنه لا يبطل الإعتكاف بواحدٍ مِنْهُمَا، وكلامه في السَّكْرَانِ محمول على مَا إِذا خرج من المَسْجِدِ، أو أخرج لاقامة الحَدّ عليه.

стр. 1365

وثانيها: أن السكر يبطله لامتداد زمانه، والرِّدَّة كذلك إن طال زَمَانُهَا، وإلا فيبنى، وكلامه في الردة محمول على حالة طُولِ الزمان. وثالثها: ولم يورده إلا لإمام، وصَاحب الكتاب رحمهما الله أن الرِّدة تُبْطِلُ، لِأنها تفوت شرط العبادة، والسكر لا يبطل، كالنوم والإغماء، وهو خلاف النَّصين. ورابعها: وهو الأصَح، ويحكى ذلك عن الرّبيع: أنهما جميعاً مُبْطِلان، فإن كل واحد منها أَشَد من الخروج من المسجد، فإذا كان ذلك مبطلاً للإعتكاف فهما أولى، وَنُّصه في الرِّدة مفروض فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعاً، وإذا عاد إلى الإسلام يبنى على ما مضى، لأن الردة لا تحبط العِبَادات السَّابقة عندنا، ونصه في السكر مفروض في الإعتكاف المتتابع، والله أعلم. وأعرف في لفظ الكتاب شيئين: أحدهما: أنه يشعر بأن الخلاف في أن الرِّدَّة والسُّكْر هَلْ يخلان بالإعتكاف أم يستمر معهما بحالة؟ فإنه جعلهما مانعين من الصِّحة إبتداه، وفرض الخلاف في الفساد بعروضهما، وكلام الإمام كالمصرح بمثل ذلك، وليس هو بِمُسَاعَدٍ عليه، بل الأصحاب جعلوا الخَلاَف في أنه هل يبقى ما تَقَدَّم على الردة والسكر معتداً بِهِ حتى يبنى عليه، أمْ يَبْطُل حَتَّى يحتاجَ إِلىَ الاسْتِئنَافِ إذا كان الإعتكاف متتابعاً؟ فأما زمان الردة والسكر فالمفهوم من نَصّ الشافعي ﵁ أنه لا اعتكاف فيه، فإن الكلام في أنه يبنى أو يستأنف إنما ينتظم عند حُصُولِ الاختِلال فِي الحَالِ، وقد نَصَّ أبو علي وغيره، على أن أيام الرِّدَّة غير محسوبة من الإعتكاف بلاَ شَك، إذ ليس للمرتد أهلية العبادة، ونقل صاحب "التهذيب" في احتساب زمان السُّكَرِ وجهين، وقال: المذهب المنع. والثَّاني: أن إيراد الكتاب يقتضي تَرْجِيح الطريق الذي عَزَيْنَاه إلى رواية الإمام، وصاحب الكتاب، وقد صرح به في "الوسيط" ولم ير لغيرهما نقله فضلاً عن ترجيحه، ولو جُنَّ أو أغمى في عليه في خِلاَل الإعتكاف، فإن لم يخرج من المَسْجِدِ لم يبطل اعتكافهُ، لأنه معذور فيما عرض، وإن أخرج نظر إن لم يمكن حفظه في المسجد فكذلك، لِأنه لم يحصل الخروج باختياره، فأشبه ما لو حمل العَاقِلُ، وأُخْرِجَ مَكْرَهاً، وإن أمكن ولكن شق ففيه الخلاف الذي نذكره في المريض إذا خرج، قال في "التتمة": ولا يحسب زمان المجنون من الاعتكافِ، لأن العبادات البدنية لا تَصِح من المُجْنُون، وزمان الإغماء يحسب على المَذْهب، وفيه خلاف تحرجاً مما لو أغْمي عَلَى الصَّائِم. وأما اعتبار النقاء من الجنابة والحيض فيخرج منه الحَائِض والجُنُب، فلا يصح منهما الإعتكاف، ومتى طرأ الحيض على المعتكفة فعليها الخُروجُ مِنَ المسْجِدِ، ولو مَكثَت لم يحسب من الإعتكاف، وهل يبطل ما سبق أم يجوز البَنَاء عليه في الإعتكاف المتتابع؟ وقد ذكره في الفصل الثالث.

стр. 1366

ولو طرأت الجنابة نظر إن طرأت بِمَا يبطل الاعتكاف فلا يخفى الحكم، وإن طرأت بما لا يبطله كالاحتلام وبالجماع ناسياً والإنزال بالمباشرة فيما دون -الفرج، إذا قلنا: إنها لا تبطلُ فعليه أن يبادر إلى الغسلِ، كيلا يبطل تتابع اعتكافهِ، ثم إن لم يمكنه الغسل في المسجد فهو مضطر إلى الخروج، وإن أمكنه فيعذر في الخروج أيضاً، ولا يكلف الغسل في المسجد، فإن الخروج أقرب إلى المرؤة وصيانة حرمة المسجد. وقوله: (والحيض مهما طرأ قطع) ليس المراد منه قطع التتابع، فالكلام فيه سيأتي، وإنما المراد أنه يقطع الاعتكاف في الحَال، وإذا كان كذلك فانقطاع الاعتكاف في الحال غير مخصوص بالحَيْض، بل زمان الجنابة أيضاً لا يحسب من الاعتكاف على الصَّحيح، فيه وجه حكاه صَاحِب "التهذيب" وضعفه، فلو قال: والحيض والجنابة إذا طَرَآ قطعاً، ثم ذكر حكم الاحتلام كان أحسن. قال الغزالي: (الرَّابعُ المُعْتَكَفُ فِيهِ) وَهُوَ المَسْجِدُ وَيَسْتَوي فِيهِ سَائِرُ المَسَاجِدِ، وَالجَامِعُ أَوْلَي بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ المَرْأة فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا عَلَى الجَدِيدِ. قال الرَّافِعِيُّ: الإعتكاف يختص بالمَسَاجد (١)، ويستوى في الجواز جميعها كاستوائها في تحريم المُكْثِ الْمِجُنُب، وسائر الأحكام، ويدل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) وعَند أحمد: لا يصح الإعتكاف إلا في مَسْجِدِ تقام فيه الجَمَاعة، فأعلم قوله: (ويستوى فيه جميع المسجاد) بالألف، ويجوز أن يُعَلِّمَهُ بالواو أيضاً؛ لأن صاحب "المعتمد" ذكر أن الشَّيْخَ أَبا حَامِدِ حكى أن الشَّافِعِيَّ ﵁ أو ما في القديم إلى مثل مذهب الزّهرى، وهو إختصاص الإعتكاف بالمجسد الجامع، والمشهور الأول، والجامع أولى بالإعتكاف للخروج من الخلاف، ولكثرة الجماعة، ولئلا يحتاج إلى الخروج لِصَلاة الجمعة، وهذا أظهر المعاني عند الشَّافعي ﵁ أو لا بد منه في ثبوت الأولوية؛ لأنه نص على أن المرأة والعَبد والمسافِرَ، يعتكفون حيث شاؤا أي: من المساجد؛ لأنه جمعة عليهم. ولو إعتكف المرأة في مسجد بيتها، وهو المعتزل المهيأ للصلاة هل يصح؟ فيه قولان: الجديد وبه قال مالك وأحمد: لا؛ لأن ذلك الموضع ليس بمسجد في الحقيقة، فأشبه سائر المواضع، ويدل عليه "أَنَّ نِسَاءَ النَّبيِّ ﷺ كُنَّ يَعْتَكِفْنِ فِي الْمَسْجِدِ (٣) "، ولو جاز اعتكافهنِ في البيوت لأشبه

стр. 1367

أن يلازمنها والقديم وبه قال أبو حنيفة: نعم، لِأنه مكان صلاتها كما أن المسجد مكان صلاة الرجال، وعلى هذا ففي جواز الاعتكاف فيه للرجل وجهان: وهو أولى بالمنع، ووجه الجواز أن نفل الرجل في البيت أفضل، والإعتكاف ملحق بالنوافل، وإذا قلنا بالجديد فكل امرأة يُكْرَه لها حضور الجماعات، يكره لها الخروج للإعتكاف، والتي لا يكره لها ذَاكَ لا يكره لَهَا هذا (١). قال الغزالي: (وَلَوْ عَيَّنَ مسْجِداً بِنذْرِهِ، فالصَّحِيحُ أَنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ يَتَعَيَّنُ، وَسَائِرَ المَسَاجِدِ لاَ تَتَعَيَّنُ، وَفِي المَسْجِدِ الأَقْصَي وَمَسْجِدِ المَدِينةِ قَوْلاَنِ، وقيل: إِنَّ الكُلَّ لاَ يَتَعَيَّنُ، وَقِيلَ: إِنَّ الكُلَّ يَتَعَيَّنُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ (و) كَمَا فِي الصَّوْمِ ثُمَّ يَقْضِي (و) عِنْدَ الفَوَاتِ. قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل في تعيين مكان الاعتكاف وزمانه بالنذر. أما المكان فإن عَيَّن المسجدَ الحرام، تعين لمزيد فضله، وتعاق النسك. وأن عين مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى فهل يتعين فيه قولان. أظهرهما: وبه وقال: أحمد، نعم؛ لأنهما مسجدان ورد الشرع بشد الرحال إليهما، المَسْجِد الحرام. والثاني: لا؛ لأنه لا يتعلق بهما نسك، فأشبها سائر المساجد، وذكر الإمامُ أن من الأصْحَابِ من خرج تعيين المَسْجِد الحَرامِ على هذين القولين. وإن عين المَساجِدَ الثلاثة ففي التعيين وجهان. وقال الكَرَخِي: قولان عن ابن سريج. أظهرهما: أنه لا يتعين كما لو عَيَّنَهُ لِلصَّلاة. والثاني: أنه يتعين؛ لأن الإعتكاف يختص بالمسجد بخلاف الصلاة لا تختص بالمَسْجِد فلا يتعين لها المسج. واحتج لهذا الوجه بأن الشافعي ﵁ قال: لو أوجب على نفسه اعتكافاً في مسجدٍ فانهدم إعتكف في موضع منه، فإن لم يقدر خرج، فإذا بُنِيَ المسجدُ رَجَع وبنى على اعتكافه. ومن قال بالأول حمله على ما إذا كان المعينُ أحدَ المَسَاجِدِ الثلاثة، أو ما إذا لم يكن في تلك القربة مَسْجدٌ آخر، ومنهم من قطع بأن غير المَسَاجِد الثلاثة لا يتعين، ونفى الخلاف فيه. وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن في تعيين الجميع

стр. 1368

خلافاً كما ذكره في الكتاب، وليس قوله: (وقيل الكل لا يتعين) محمولاً على طريقةٍ قاطعةٍ بنفسي التعين في الكُلِّ، فإنه لاصَائِرَ إليه في المسجد الحَرَام. ولا قوله: (وقيل الكل يتعين) محمولاً على طريقة قاطعة بالتعيين في الُكلِّ، فإنه لم ينقلها أحد في غير المساجد الثلاثة، ولكن الطريقة المذكورة أولاً قاطعة بالتعين في المَسْجِد الحرام، وبعدم التعين فيما سوى المَسَاجِدِ الثلاثة، فالغرض من قوله (قيل وقيل) بيان أن كل واحد من القطعين قد نازع فيه بعض الأصحاب، ومتى حكمنا بالتعيين فإذا عَيَّنَ المسجد الحرام لم يقم غيره مقامة، وإن عَيَّن مَسْجِدَ المدينة لم يقم غيره مقامه إلا المسجد الحرام، وإن عين المسجد الأقصى لم يقم غيره مقامَة، إلا المسجد الحَرَام، ومسجد المدينة، وإن حكمنا بِعَدَمِ التعين، فليس له الخُروُج بعد الشروع لينتقل إلى مسجدٍ آخر، لكن وكان ينقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة، أو أقرب كان له ذلك في أصَحِّ الوجهين. وأما الزمان ففي تعيينه بالتعيين وجهان: أحدهما: وهو المذهب: أنه يتعين حتى لا يجوز التقديم عليه، ولو تأخر كان ذلك قضاء الفائت. والثاني: لا يتعين كما لا يتعين في نذر الطَّلاة والصدقة، والوجهان جَارِيان بِعَيْنِهما، فيما إذا عين زمان الصوم، وقد ذكرهما في الكتاب في النذور، وسيأتي شَرْحُه عليهما -إن شاء الله- وهذا الكلام يعرفك أن قوله: (فالمذهب أنه يتعين كما في الصوم) ليس كقياس التعين في الوجه الذي هو المذهب على التعين في الصَّوْمِ، فإن الخلاف فيهما وَاحدِ، وإنما الغرض تشبيه الخِلاَفِ بالخِلاَفِ. قال الغزالي: (الفَصْلُ الثَّانيِ فِي حُكْمِ النَّذْرِ) وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أمُور: (الأَوَّلُ) فِي التَّتَابعُ فَإذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهراً يَلْزَمْهُ (و) التَّتابع إِلاَّ إِذَا شَرَطَ، وَلَوْ قَالَ: يَوْماً لم يَخُزْ تَفْريِقُ السَّاعَاتِ عَلَى الأَيَّامِ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، واِذَا قَالَ: أَعْتَكِفُ هَذَا الشَّهْرَ لَمْ يَفْسَدْ أَوَّلُهُ بِفَسَادِ أخِرِهِ، وَلاَ يِلْزَمُ التَّتَابعُ فِي قَضَائِهِ، لأنَّ التَّتَابُعَ وَقَعَ ضَرُوَرةَ لاَ بِقَصْدِهِ، بِل لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: أَعْتَكِفُ هَذَا الشَّهْرِ مُتَتَابِعاً لَمْ يَلْزَمِ التَّتَابُع فِي القَضَاءِ عَلَى أَحِد الوَجْهَين إِذِ التَّتَابُعُ وَقَعَ ضَرورَةٌ فَلاَ أَثَرَ لِلَفْظِهِ. قال الرَّافِعيُّ: الاعتكاف المنذور يمتاز عن غير المنذور منه بأمورٍ رَاجِعَةٍ إلى كيفية لفظ الناذر والتزامه، ومقصود الفَصْلِ الثَّانِي الكلام في ثلاثة أمور منها. أحدهما: في التَّتَابع.

стр. 1369

من نذر اعتكافا لم يخل إما أن يطلق أو يقدر مُدَّة، فإن أطلق فقد ذكرنا ما يلزمه. وما يستحب له، وإن قَدَّرَ مُدَّة فأما أن يُطْلِقَهَا أَو يُعَيِّنُهَا. الحالة الأولى: أن يطلقها فينظر إن آشترط التتابع لزمه، كما اشترط التتابع في الصَّوم، وإن لم يشترطه بل قال: على شهر أو عشرة أيام لم يلزمه التتابع كما في نظره من الصَّوُمِ، وخرج ابن سُرَيْجٍ قولاً: أنه يلزم، وبه قال مالك، وأبو حنيفه، وأحمد ﵏ كما لو حلف ألا يكلم زيداً شهراً يكون متتابعاً، وظاهر المذهب الأولى وهو المذكور في الكتاب، ولكن يستحب رعاية التتابع، وعلى هذا فلو لم يتعرض له لفظاً، ولكن نواة بقلبه فهل يلزمه؟ فيه وجهان: قال صاحب "التهذيب" وغيره: أصحهما: أنه لا يَلْزمه، كما لو نذر أصل الإعتكاف بقلبه، ولو شرط التفرق فهل يخرج عن العهدة بالمتتابع؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه أفضل كما لو عَيَّن غير المسجد الحَرَام، ويخرج عن العهدة بالإعتكاف في المسجد الحرام، ولو نذر اعتكاف يَوْمِ فهل يجوز تفريق السَّاعات على الأيام؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، تِنزيلاً للساعات من اليوم منزلة الأيَّامِ مِنَ الشَّهر. أصحهما: وبه قال أبو إسْحَاقَ والأكثرون: لا، لأنَّ المفهومَ مِنْ لفظ اليْوم المتصل، وقد حُكِي عن الخَلِيلِ أن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. ولو دخل المجسد في أثناء النهار وخرج بعد الغروب ثم عاد قبيل طلوع الفجر ومكث إلى مثل ذلك الوقت فهو على هذين الوجهين ولو لم يخرج بالليل فجواب الأكثرين أنه يجزئه، سواء جوزنا التفريق أو منعناه، لحصول التواصل بالبيتوته في المسجد. وعن أبي إِسْحَاق أنه لا يجزئه تفريعاً على الوجه الثاني؛ لأنه لم بات بَيْوم متواصل الساعات الليلة ليست من اليوم، فلا فرق بين أن يخرج منها عن المَسْجِد أولاً يخرج، وهذا هو الوجه. ولو قال في أثناء النهار: لله على أن أعتكف يوماً من هذا الوقت فقد أطبق حماة المذهب على أنه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوَقْت إلى مثله من اليوم الثاني، ولا يجوز أن يخرج بالليل ليتحقق التتابع، وفيه توقف من جهة المعنى؛ لأن الملتزم يوم، والبَعْضَان يوم وليلة، والليلة المتخللة ليست من اليوم، فلا تمنع التتابع بينهما، كما أنها لا تمنع وصف اليومين الكَامِلَيْنِ بالتتابع، والقِيَاس أن يجعل فائدة التقيد في هذه الصُّورة القَطْع يجواز التَّفْرِيق لا غير، ثم حكى الإمامُ تَفريعاً على جَوازِ تفريق السَّاعاتِ عن الأصحاب أنه يكفيه سَاعَات أقصر الأيام؛ لأنه لو اعتكف أقصر الأيام جاز، ثم قال: إن فرق على ساعات أقصر الأيام في سنين فالأمر كذلك، وإن اعتكف في أَيَّامٍ متباينة في الطُّول والقصر فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم

стр. 1370

بالجزئية إليه إن كان ثُلُثًا فقد خرج عن ثُلُثِ ما عليه، وعلى هذا القياس، نظراً إلى اليوم الذي يوقع فيه الإعتكاف، ولهذا لو اعتكف بقدر سَاعَات أقصر الأيام من يوم طَويِل لَم يْكفِه، وهذ الذي ذكره مُسْتَدْرَكٌ حسَنٌ، وقد أجاب عنه بما لا يشفى والله أعلم. الحالة الثانية: أن يعين المدة المقدرة، كما لو نذر أن يعتكف عَشْرَة أيام من الآن، أو هذه العشرة أو شهر رمضان، أو هذا الشَّهر فعلية الوَفَاء، ولو أفْسدَ آخره بالخروج بغير عُذْرٍ أو بسبب آخر لم يلزمه الاستئناف، ولو فاته الجميع لم يلزمه التتابع في القَضَاء، لأن التتابع فيه كان خمن حَقّ الوَقْتِ، وضروراته لا أنه وقع مقصوداً فأشبه التتابع في صَوْمِ رمضان، وهذا إذا لم يتعرض للتتابع، أما إذا صَرَّح به فقال: أعتكف هذه العشرة، أو هذا الشَّهر متتابعاً، فهل يلزمه الاستئناف إذا أفسد آخره؟ وهل يجب التتابع في قضائه عند الفوات؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لِأن التَّتَابع وَاقِعٌ ضرورة فَلاَ أثر لِلَفْظِه وتصريحه. وأصحهما: نعم؛ لأن تَصْرِيحَهُ بِهِ يَدُلُّ على قصْدِه إياه، ويجوز أن يكون ذلك مقصوراً من تعيين الزَّمان. وأعلم قوله: في الكتاب: (لم يفسد أوله آخره) بالألفِ، لأن في رواية عن أحمد يفسد وَيجِب الاسُتِئْنَافُ. قال الغزالي: (الثَّانِي فِي اسْتِتْبَاعِ اللَّيَالِي) فَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَتِ اللَّيَالِي فِيهِ وَيَكْفِيهِ شَهْرٌ بالأَهِلَّةِ، وَلَو نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ تَدْخُلِ اللَّيْلَةُ، وَلَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّام فَفِي اللَّيَالِي المُتَخَللةَ ثَلاَثة أَوْجُهٍ، وَفِي الثالِثِ تَدْخُلُ إِنْ نَذَرَ التَّتَابُع وإِلاَّ فَلاَ، وإِذَا نَذَرَ العُشْرَ الأَخَيَر فَنَقَصَ الهَلاَلُ كَفَاهُ التِّسْعَ. قال الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا النظر بيان أن الليالي متى تلزم إذا ينص عليها، ويقاس به الأيام إذا لم ينص عليها، وفيه صور. إحدهما: لو نذر اعْتِكَافَ شَهْرٍ لزمه الأيام والليالي؛ لأن الشَّهْرَ عبارةٌ عن الجَمِيع إلا أن يقول أيَّام شَهْرٍ، أو نهار هذا الشهر، فلا تلزمة الليالي، وكذا لو قال: ليالي هذا الشهر لا تلزم الأيام، ولو لم يتلفظ بتقييد ولا آستثناء، ولكن نوى بقلبه ففيه وجهان: أصحهما: وبه قبل أبو حنيفة: أنه لا يؤثر، ذكره في "التهذيب"، ثم إذا أطلق الشَّهر فدخل المسجد قبل الاستهلاك كفاه ذلك الشَّهر خرج ناقصاً أو كاملا، وإن دخل في أثناء الشهر استكمل بالعدد. الثانية: لو نذر اعتكافَ يَوْمٍ لم يلزمه ضَمُّ الليلة إليه إلا أن ينوي، فحينئذ يلزمه؛
следующие страницы →