← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ولو طرأت الجنابة نظر إن طرأت بِمَا يبطل الاعتكاف فلا يخفى الحكم، وإن طرأت بما لا يبطله كالاحتلام وبالجماع ناسياً والإنزال بالمباشرة فيما دون -الفرج، إذا قلنا: إنها لا تبطلُ فعليه أن يبادر إلى الغسلِ، كيلا يبطل تتابع اعتكافهِ، ثم إن لم يمكنه الغسل في المسجد فهو مضطر إلى الخروج، وإن أمكنه فيعذر في الخروج أيضاً، ولا يكلف الغسل في المسجد، فإن الخروج أقرب إلى المرؤة وصيانة حرمة المسجد. وقوله: (والحيض مهما طرأ قطع) ليس المراد منه قطع التتابع، فالكلام فيه سيأتي، وإنما المراد أنه يقطع الاعتكاف في الحَال، وإذا كان كذلك فانقطاع الاعتكاف في الحال غير مخصوص بالحَيْض، بل زمان الجنابة أيضاً لا يحسب من الاعتكاف على الصَّحيح، فيه وجه حكاه صَاحِب "التهذيب" وضعفه، فلو قال: والحيض والجنابة إذا طَرَآ قطعاً، ثم ذكر حكم الاحتلام كان أحسن. قال الغزالي: (الرَّابعُ المُعْتَكَفُ فِيهِ) وَهُوَ المَسْجِدُ وَيَسْتَوي فِيهِ سَائِرُ المَسَاجِدِ، وَالجَامِعُ أَوْلَي بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ المَرْأة فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا عَلَى الجَدِيدِ. قال الرَّافِعِيُّ: الإعتكاف يختص بالمَسَاجد (١)، ويستوى في الجواز جميعها كاستوائها في تحريم المُكْثِ الْمِجُنُب، وسائر الأحكام، ويدل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) وعَند أحمد: لا يصح الإعتكاف إلا في مَسْجِدِ تقام فيه الجَمَاعة، فأعلم قوله: (ويستوى فيه جميع المسجاد) بالألف، ويجوز أن يُعَلِّمَهُ بالواو أيضاً؛ لأن صاحب "المعتمد" ذكر أن الشَّيْخَ أَبا حَامِدِ حكى أن الشَّافِعِيَّ ﵁ أو ما في القديم إلى مثل مذهب الزّهرى، وهو إختصاص الإعتكاف بالمجسد الجامع، والمشهور الأول، والجامع أولى بالإعتكاف للخروج من الخلاف، ولكثرة الجماعة، ولئلا يحتاج إلى الخروج لِصَلاة الجمعة، وهذا أظهر المعاني عند الشَّافعي ﵁ أو لا بد منه في ثبوت الأولوية؛ لأنه نص على أن المرأة والعَبد والمسافِرَ، يعتكفون حيث شاؤا أي: من المساجد؛ لأنه جمعة عليهم. ولو إعتكف المرأة في مسجد بيتها، وهو المعتزل المهيأ للصلاة هل يصح؟ فيه قولان: الجديد وبه قال مالك وأحمد: لا؛ لأن ذلك الموضع ليس بمسجد في الحقيقة، فأشبه سائر المواضع، ويدل عليه "أَنَّ نِسَاءَ النَّبيِّ ﷺ كُنَّ يَعْتَكِفْنِ فِي الْمَسْجِدِ (٣) "، ولو جاز اعتكافهنِ في البيوت لأشبه

стр. 1367

أن يلازمنها والقديم وبه قال أبو حنيفة: نعم، لِأنه مكان صلاتها كما أن المسجد مكان صلاة الرجال، وعلى هذا ففي جواز الاعتكاف فيه للرجل وجهان: وهو أولى بالمنع، ووجه الجواز أن نفل الرجل في البيت أفضل، والإعتكاف ملحق بالنوافل، وإذا قلنا بالجديد فكل امرأة يُكْرَه لها حضور الجماعات، يكره لها الخروج للإعتكاف، والتي لا يكره لها ذَاكَ لا يكره لَهَا هذا (١). قال الغزالي: (وَلَوْ عَيَّنَ مسْجِداً بِنذْرِهِ، فالصَّحِيحُ أَنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ يَتَعَيَّنُ، وَسَائِرَ المَسَاجِدِ لاَ تَتَعَيَّنُ، وَفِي المَسْجِدِ الأَقْصَي وَمَسْجِدِ المَدِينةِ قَوْلاَنِ، وقيل: إِنَّ الكُلَّ لاَ يَتَعَيَّنُ، وَقِيلَ: إِنَّ الكُلَّ يَتَعَيَّنُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ (و) كَمَا فِي الصَّوْمِ ثُمَّ يَقْضِي (و) عِنْدَ الفَوَاتِ. قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل في تعيين مكان الاعتكاف وزمانه بالنذر. أما المكان فإن عَيَّن المسجدَ الحرام، تعين لمزيد فضله، وتعاق النسك. وأن عين مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى فهل يتعين فيه قولان. أظهرهما: وبه وقال: أحمد، نعم؛ لأنهما مسجدان ورد الشرع بشد الرحال إليهما، المَسْجِد الحرام. والثاني: لا؛ لأنه لا يتعلق بهما نسك، فأشبها سائر المساجد، وذكر الإمامُ أن من الأصْحَابِ من خرج تعيين المَسْجِد الحَرامِ على هذين القولين. وإن عين المَساجِدَ الثلاثة ففي التعيين وجهان. وقال الكَرَخِي: قولان عن ابن سريج. أظهرهما: أنه لا يتعين كما لو عَيَّنَهُ لِلصَّلاة. والثاني: أنه يتعين؛ لأن الإعتكاف يختص بالمسجد بخلاف الصلاة لا تختص بالمَسْجِد فلا يتعين لها المسج. واحتج لهذا الوجه بأن الشافعي ﵁ قال: لو أوجب على نفسه اعتكافاً في مسجدٍ فانهدم إعتكف في موضع منه، فإن لم يقدر خرج، فإذا بُنِيَ المسجدُ رَجَع وبنى على اعتكافه. ومن قال بالأول حمله على ما إذا كان المعينُ أحدَ المَسَاجِدِ الثلاثة، أو ما إذا لم يكن في تلك القربة مَسْجدٌ آخر، ومنهم من قطع بأن غير المَسَاجِد الثلاثة لا يتعين، ونفى الخلاف فيه. وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن في تعيين الجميع

стр. 1368

خلافاً كما ذكره في الكتاب، وليس قوله: (وقيل الكل لا يتعين) محمولاً على طريقةٍ قاطعةٍ بنفسي التعين في الكُلِّ، فإنه لاصَائِرَ إليه في المسجد الحَرَام. ولا قوله: (وقيل الكل يتعين) محمولاً على طريقة قاطعة بالتعيين في الُكلِّ، فإنه لم ينقلها أحد في غير المساجد الثلاثة، ولكن الطريقة المذكورة أولاً قاطعة بالتعين في المَسْجِد الحرام، وبعدم التعين فيما سوى المَسَاجِدِ الثلاثة، فالغرض من قوله (قيل وقيل) بيان أن كل واحد من القطعين قد نازع فيه بعض الأصحاب، ومتى حكمنا بالتعيين فإذا عَيَّنَ المسجد الحرام لم يقم غيره مقامة، وإن عَيَّن مَسْجِدَ المدينة لم يقم غيره مقامه إلا المسجد الحرام، وإن عين المسجد الأقصى لم يقم غيره مقامَة، إلا المسجد الحَرَام، ومسجد المدينة، وإن حكمنا بِعَدَمِ التعين، فليس له الخُروُج بعد الشروع لينتقل إلى مسجدٍ آخر، لكن وكان ينقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة، أو أقرب كان له ذلك في أصَحِّ الوجهين. وأما الزمان ففي تعيينه بالتعيين وجهان: أحدهما: وهو المذهب: أنه يتعين حتى لا يجوز التقديم عليه، ولو تأخر كان ذلك قضاء الفائت. والثاني: لا يتعين كما لا يتعين في نذر الطَّلاة والصدقة، والوجهان جَارِيان بِعَيْنِهما، فيما إذا عين زمان الصوم، وقد ذكرهما في الكتاب في النذور، وسيأتي شَرْحُه عليهما -إن شاء الله- وهذا الكلام يعرفك أن قوله: (فالمذهب أنه يتعين كما في الصوم) ليس كقياس التعين في الوجه الذي هو المذهب على التعين في الصَّوْمِ، فإن الخلاف فيهما وَاحدِ، وإنما الغرض تشبيه الخِلاَفِ بالخِلاَفِ. قال الغزالي: (الفَصْلُ الثَّانيِ فِي حُكْمِ النَّذْرِ) وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أمُور: (الأَوَّلُ) فِي التَّتَابعُ فَإذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهراً يَلْزَمْهُ (و) التَّتابع إِلاَّ إِذَا شَرَطَ، وَلَوْ قَالَ: يَوْماً لم يَخُزْ تَفْريِقُ السَّاعَاتِ عَلَى الأَيَّامِ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، واِذَا قَالَ: أَعْتَكِفُ هَذَا الشَّهْرَ لَمْ يَفْسَدْ أَوَّلُهُ بِفَسَادِ أخِرِهِ، وَلاَ يِلْزَمُ التَّتَابعُ فِي قَضَائِهِ، لأنَّ التَّتَابُعَ وَقَعَ ضَرُوَرةَ لاَ بِقَصْدِهِ، بِل لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: أَعْتَكِفُ هَذَا الشَّهْرِ مُتَتَابِعاً لَمْ يَلْزَمِ التَّتَابُع فِي القَضَاءِ عَلَى أَحِد الوَجْهَين إِذِ التَّتَابُعُ وَقَعَ ضَرورَةٌ فَلاَ أَثَرَ لِلَفْظِهِ. قال الرَّافِعيُّ: الاعتكاف المنذور يمتاز عن غير المنذور منه بأمورٍ رَاجِعَةٍ إلى كيفية لفظ الناذر والتزامه، ومقصود الفَصْلِ الثَّانِي الكلام في ثلاثة أمور منها. أحدهما: في التَّتَابع.

стр. 1369

من نذر اعتكافا لم يخل إما أن يطلق أو يقدر مُدَّة، فإن أطلق فقد ذكرنا ما يلزمه. وما يستحب له، وإن قَدَّرَ مُدَّة فأما أن يُطْلِقَهَا أَو يُعَيِّنُهَا. الحالة الأولى: أن يطلقها فينظر إن آشترط التتابع لزمه، كما اشترط التتابع في الصَّوم، وإن لم يشترطه بل قال: على شهر أو عشرة أيام لم يلزمه التتابع كما في نظره من الصَّوُمِ، وخرج ابن سُرَيْجٍ قولاً: أنه يلزم، وبه قال مالك، وأبو حنيفه، وأحمد ﵏ كما لو حلف ألا يكلم زيداً شهراً يكون متتابعاً، وظاهر المذهب الأولى وهو المذكور في الكتاب، ولكن يستحب رعاية التتابع، وعلى هذا فلو لم يتعرض له لفظاً، ولكن نواة بقلبه فهل يلزمه؟ فيه وجهان: قال صاحب "التهذيب" وغيره: أصحهما: أنه لا يَلْزمه، كما لو نذر أصل الإعتكاف بقلبه، ولو شرط التفرق فهل يخرج عن العهدة بالمتتابع؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه أفضل كما لو عَيَّن غير المسجد الحَرَام، ويخرج عن العهدة بالإعتكاف في المسجد الحرام، ولو نذر اعتكاف يَوْمِ فهل يجوز تفريق السَّاعات على الأيام؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، تِنزيلاً للساعات من اليوم منزلة الأيَّامِ مِنَ الشَّهر. أصحهما: وبه قال أبو إسْحَاقَ والأكثرون: لا، لأنَّ المفهومَ مِنْ لفظ اليْوم المتصل، وقد حُكِي عن الخَلِيلِ أن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. ولو دخل المجسد في أثناء النهار وخرج بعد الغروب ثم عاد قبيل طلوع الفجر ومكث إلى مثل ذلك الوقت فهو على هذين الوجهين ولو لم يخرج بالليل فجواب الأكثرين أنه يجزئه، سواء جوزنا التفريق أو منعناه، لحصول التواصل بالبيتوته في المسجد. وعن أبي إِسْحَاق أنه لا يجزئه تفريعاً على الوجه الثاني؛ لأنه لم بات بَيْوم متواصل الساعات الليلة ليست من اليوم، فلا فرق بين أن يخرج منها عن المَسْجِد أولاً يخرج، وهذا هو الوجه. ولو قال في أثناء النهار: لله على أن أعتكف يوماً من هذا الوقت فقد أطبق حماة المذهب على أنه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوَقْت إلى مثله من اليوم الثاني، ولا يجوز أن يخرج بالليل ليتحقق التتابع، وفيه توقف من جهة المعنى؛ لأن الملتزم يوم، والبَعْضَان يوم وليلة، والليلة المتخللة ليست من اليوم، فلا تمنع التتابع بينهما، كما أنها لا تمنع وصف اليومين الكَامِلَيْنِ بالتتابع، والقِيَاس أن يجعل فائدة التقيد في هذه الصُّورة القَطْع يجواز التَّفْرِيق لا غير، ثم حكى الإمامُ تَفريعاً على جَوازِ تفريق السَّاعاتِ عن الأصحاب أنه يكفيه سَاعَات أقصر الأيام؛ لأنه لو اعتكف أقصر الأيام جاز، ثم قال: إن فرق على ساعات أقصر الأيام في سنين فالأمر كذلك، وإن اعتكف في أَيَّامٍ متباينة في الطُّول والقصر فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم

стр. 1370

بالجزئية إليه إن كان ثُلُثًا فقد خرج عن ثُلُثِ ما عليه، وعلى هذا القياس، نظراً إلى اليوم الذي يوقع فيه الإعتكاف، ولهذا لو اعتكف بقدر سَاعَات أقصر الأيام من يوم طَويِل لَم يْكفِه، وهذ الذي ذكره مُسْتَدْرَكٌ حسَنٌ، وقد أجاب عنه بما لا يشفى والله أعلم. الحالة الثانية: أن يعين المدة المقدرة، كما لو نذر أن يعتكف عَشْرَة أيام من الآن، أو هذه العشرة أو شهر رمضان، أو هذا الشَّهر فعلية الوَفَاء، ولو أفْسدَ آخره بالخروج بغير عُذْرٍ أو بسبب آخر لم يلزمه الاستئناف، ولو فاته الجميع لم يلزمه التتابع في القَضَاء، لأن التتابع فيه كان خمن حَقّ الوَقْتِ، وضروراته لا أنه وقع مقصوداً فأشبه التتابع في صَوْمِ رمضان، وهذا إذا لم يتعرض للتتابع، أما إذا صَرَّح به فقال: أعتكف هذه العشرة، أو هذا الشَّهر متتابعاً، فهل يلزمه الاستئناف إذا أفسد آخره؟ وهل يجب التتابع في قضائه عند الفوات؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لِأن التَّتَابع وَاقِعٌ ضرورة فَلاَ أثر لِلَفْظِه وتصريحه. وأصحهما: نعم؛ لأن تَصْرِيحَهُ بِهِ يَدُلُّ على قصْدِه إياه، ويجوز أن يكون ذلك مقصوراً من تعيين الزَّمان. وأعلم قوله: في الكتاب: (لم يفسد أوله آخره) بالألفِ، لأن في رواية عن أحمد يفسد وَيجِب الاسُتِئْنَافُ. قال الغزالي: (الثَّانِي فِي اسْتِتْبَاعِ اللَّيَالِي) فَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَتِ اللَّيَالِي فِيهِ وَيَكْفِيهِ شَهْرٌ بالأَهِلَّةِ، وَلَو نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ تَدْخُلِ اللَّيْلَةُ، وَلَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّام فَفِي اللَّيَالِي المُتَخَللةَ ثَلاَثة أَوْجُهٍ، وَفِي الثالِثِ تَدْخُلُ إِنْ نَذَرَ التَّتَابُع وإِلاَّ فَلاَ، وإِذَا نَذَرَ العُشْرَ الأَخَيَر فَنَقَصَ الهَلاَلُ كَفَاهُ التِّسْعَ. قال الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا النظر بيان أن الليالي متى تلزم إذا ينص عليها، ويقاس به الأيام إذا لم ينص عليها، وفيه صور. إحدهما: لو نذر اعْتِكَافَ شَهْرٍ لزمه الأيام والليالي؛ لأن الشَّهْرَ عبارةٌ عن الجَمِيع إلا أن يقول أيَّام شَهْرٍ، أو نهار هذا الشهر، فلا تلزمة الليالي، وكذا لو قال: ليالي هذا الشهر لا تلزم الأيام، ولو لم يتلفظ بتقييد ولا آستثناء، ولكن نوى بقلبه ففيه وجهان: أصحهما: وبه قبل أبو حنيفة: أنه لا يؤثر، ذكره في "التهذيب"، ثم إذا أطلق الشَّهر فدخل المسجد قبل الاستهلاك كفاه ذلك الشَّهر خرج ناقصاً أو كاملا، وإن دخل في أثناء الشهر استكمل بالعدد. الثانية: لو نذر اعتكافَ يَوْمٍ لم يلزمه ضَمُّ الليلة إليه إلا أن ينوي، فحينئذ يلزمه؛

стр. 1371

لأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته، وحكى الحَنَّاطي قولاً أنه يدخل اللَّيْل في هذَا النَّذْرِ إلا أن ينوي يوماً بلا ليلة، فيجوز أن يرقم قوله في الكتاب: (لم تدخل الليلة) بالواو لذلك، ولو نذر اعتكاف يومين ففي لزوم اللَّيلَة معهما ثلاثة أوجه. أحدهما: لا تلزم إلا إذا نَوَاها لِمَا سبق أن اليوم عِبَارة عَمَا بين طُلوع الفَجْرِ وغُروبِ الشَّمْسِ. والثاني: تلزم إلا أن يريد بَيَاضَ النَّهار؛ لأنها ليلة تتخلل نهار الاعتكاف فأشبه ما لو نذر اعتكاف العشر. والثالث: إن نوى التّتابع أو قيد به لفظاً لزمت ليحصل التواصل، وإلا فلا، وهذا أرجع عند الأكْثَرِين، بل لم يذكروا خلافاً في لزومها إذا قيد بالتتابع، وذكر صاحب "المهذب" وآخرون أن الأول أَظْهَر، والوجه التَّوسط إن كان المراد من التتابع تَوَالِي اليومين فالحقُّ ما ذكره صاحب "المهذب" وإن كان المراد تواصل الإعتكاف فالحق ما ذكره الأكثرون، ولو نذر اعتكاف ليلتين ففي النهار المتخلل بينها هذا الخلاف، ولو نذر أيام ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين يوماً، ففي لزوم الليالي المتخللة الوجوه الثلاثة. وأشار الشيخ أبُو مُحمد وطائفة إلى طريقة قاطعة بأن نذر اليومين لا يستتبع شيئاً من الليَّالي، والخلاق في الثَّلاثة فصاعداً، وحكى عن القفَّالِ في توجيهه أن العرب إذا أطلقت اليومين عنت مجرد النَّهَار، وإذا أطلقت الأيام عنتها بلياليها، وهذا الفرق غَيْر معلوم من أهل اللّسان والله أعلم. وإنما قال (ففي الليالي المتخللة بينها) على أن الخلاق مخصوص بما بين الأيام المنذورة من الليالي، وهي تنقص عن عدد الأيام بواحد أبداً، ولا خلاق في أن الليالي لا تلزم بعدد الأيام، فإذا نذر يومين لم يلزم ليلتان بِحَالٍ، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة ﵏: يلزم ليلتان، وقياس ما نقله الحَنَّاطى في اليوم الواحد مثله فعرفه. الثالثة: لو نذر العشر الأخير من بعض الشّهور دخل فيه الأيام واليالي، وتكون الَّليالي هاهنا بعدد الأيام كما في نذر الشَّهر، وقد مر في اعتكاف العَشْرِ الأواخر من رمضان أنه متى يدخل المسجد ويخرج عن العهدة؟ إذا استهل الهلال كان الشهر كاملاً أو ناقصا؛ لأن الاسم يقع على ما بين العشرين إلى آخر الشهر، ولو نذر أن يعتكف عشرة من آخر الشهر ودخل المسجد آخر اليوم العشرين، أو قبيل الحادي والعشرين فنقص الشهر لزمه قضاء يوم، لأنه جرد القصد إلى العشرة، وفي دخول الليالي ما حكيناه من الخلاف. فرع: إذا نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان فَقَدِمَ لَيْلاً لم يلزمه شيء، وإن قدم نَهَاراً لزمه اعتكاف بقية النَّهَار، وهل عليه قضاء ما مضى منه؟ فيه قولان أصحهما

стр. 1372

وهو ظاهر نَصّه في "المختصر": لا؛ لأن الوُجوبَ ثبت من حين القدوم. والثاني: نعم؛ لأنا نتبين بقدومه أن ذلك اليوم من أوله يوم القدوم وبهذا قال المزنى، وابن الحداد، وعلى هذا فيعتكف بَقِيَّة اليوم، ويقضي بِقَدْرِ مَا مَضى من يوم آخر، ولا يخلى الوقت عن العِبَادة بقدر الإمْكَان. وقال المُزِنَى؛ الأولى أن أن يستأنف اعتكاف يوم ليكون اعتكافه موصولاً، ولو كان النَّاذِرُ وقت القُدُوم مريضاً، أو محبومساً قضى عند زوال العذر أما ما بقى من النهار أو يوماً كاملاً على اختلاف القولين، وعن القاضي أبي حامد وصاحب "الإفصاح" أنه لا شيء عليه؛ لعجزه وقت الوُجوبِ كما لو نذرت المرأة صَومَ يوم بعينه فحاضت فيه. قال الغزالي: (الثَّالِثُ فِي الاسْتِثْنَاءِ) فَإذَا قَالَ: أَعْتَكِفُ شَهْراً مُتَتَابِعاً أَخْرُجُ إِلاَّ لِعيِادَةِ زَيْدٍ لم يَجُزِ الخُروُجُ لَغْيِرِهَ، وَلَوْ قَالَ: لا أَخْرُجُ إِلاَّ لشُغْلِ يَعِنُّ لِي جَازَ (م و) الخُروُجُ لِكُلِّ شُغْلِ دِينَيِّ أَوْ دُنْيَوِي لاَ كَالنَّظَّارَةِ وَالتَّنَزُّهِ، وَلَوْ قَالَ: أتَصَدَّقُ بِهَذِهِ الدَّرِاهِمِ إِلاَّ أَنْ أحْتَاجَ إِليْها، فالأَظْهَرُ صِحَّةُ الشَّرْطِ، وَلَوْ قَالَ: إِلاَّ أَنْ يَبْدُوَ لي فَالأَظْهَرُ فَسَادُ الشَّرْطِ. قال الرَّافِعِيُّ: إذا نذر بصفة التتابع شرط الخروج منه إن عرض عارضٌ صح شرطهِ، لأن الإعتكاف إنما يلزمة بالْتِزَامه، فيجب بِحَسَبِ الالْتِزَام، وعن صاحب "التقريب" والحناطي حكاية قول آخر: أنه لا يصح؛ لأنه شرط يخالف مقتضى الإعتكاف المتتابع فيلغى كما لو شرط المعتكف أن يخرج للجماع، وفيما علق عن الشَّيْخِ أبي محمد أن بالأول قال أبو حنيفة، وبالثَّانى قال مالك، وعن أحمد روايتان كالقولين فإن قلنا بالأول وهو الصَّحِيح المشهور، فينظر أن عين نوعًا فقال؛ لا أخرج إلا لعيادة المرضى، أو عين ما هو أخص منه فقال: لا أخرج إلا لعيادة زيد، أو لتشييع جنَازَتِهِ إن مات خَرَج لِمَا عَيَّنَهُ دون غيره من الأَشْغَال، وإن كان أهَمَّ مِنْهُ وإن أطلق وقال: لا أخرج إِلاَّ لِشُغْل يَعِنُّ لِي أو لعارض كَانَ لَهُ أن يخرج لِكُلِّ شُغْلٍ ديني كَحُضُورِ الجُمُعَةِ، وعيادة المَرْضَى، وصلاة الجَنَازة، أو دنيوي كلقاء السُّلطان، واقتضاء الغَرِيم، ولا يبطل التَّتَابع بشيء من ذلك، ويشترط في الشُّغْلِ الدُّنيوي أن يكون مباحاً، ونقل وجه عن "الحاوي" أنه لا يشترط، ولا عبرة بالنظارة والنزهة، فإن ذلك لا يعد من الأَشغال ولا يغتنى به، ولو قال: إن عرض عَارِض قطعت الاعتكاف فالحكم كما لو شرط الخروج، إلا أن في شرط الخروج يلزمه العود عند قضاء تِلْكَ الحَاجَةِ، وفيما إذا قصد القَطْع لا يلزمه ذلك، وكذا لو قال: على أن أعتكف رَمَضَان إلا أن أمرض أو

стр. 1373

أسُافِر، فإذا مرض أو سافر فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ ولو نذر صَلاةً وشرط الخروج منها إن عَرَضَ عَارِضٌ أو صوماً وشرط الخروج منه إن جَاعَ، أو أُضِيف ففيه وجهان: أحدهما: وبه أجاب الأكثرونَ: أنه يِصَح هذا الشَّرط كما في الإعتكاف. والثاني: لا يصح، ولا ينعقد النّذر ويخالف الإعتكاف؛ لأن ما يتقدم منه على الخروج عبادة، وبعض الصَّلاة، والصَّوم ليس بعبادة. ولو فرض ذلك في الحَجّ انعقد النذر كما الإحرام المَشْروط، ولكن في جواز الخُروج القولان المَذْكُوران في كتاب "الحَجِّ" و"الصوم" و"الصلاة" أولى الخروج منهما عند أئمتنا العراقيين؛ لأنهما لا يلزمان بالشروع والالتزام مشروط، فإذا وجد العارض فلا يلزم، والحج يلزم بالشروع، وجعل الشَّيخ أبو محمد الحَجَّ أولى بجواز الخروج منه؛ لأن النبي- ﷺ "أَمَرَ ضباعَةَ بِالإهْلاَلِ بِشَرْطِ التَّحلُل (١)، ولو نذر التَّصَدُّق بعشرة دراهم، أو بهذه الدارهم إلا إن تعرض حاجة ونحوها فعلى الوجهين، والأظهر صِحَّةُ الشَّرَطِ فإذا احتاج فلا شيء عليه، ولو قال في هذه القربات كلها إلا أن يبدو لي فوجهان. أحدهما: أنه يصح الشَّرَط فلا شيء إذا بَدَا له كَشَرْطِ سَائِرِ العَوَارِضِ. وأظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمدَ لا يصح؛ لأنه تعليق الأمر بمجرد الخيرة، وذلك يُنَاقِض معنى الالتزام. فإن قلت: إِذَا لَمْ يَصِح يبطل الالتزام مِنْ أَصْلِهِ، أو يلغى الشرط ويصح الالتزام. فالجواب: أن صاحب "التهذيب" حكم بعدم انعقاد النذر على قولنا: لا يصح شرط الخروج في الصَّوْمِ والصلاة، وروى الإمام وجهين في صورة تقارب هذه وهي ما إذا نذر اعتكافاً متتابعاً، وشرط الخروج مهما أَرَاد، قال هذا ضد التتابع فكأنه التزم التتابع ثم نفاه، ففي وجه يبطل الالتزام التتابع، وفي وجه يَلْزَم التتابع ويبطل الاستثناء، وشبه ذلك بشرائط فَاسِدة تقرن بالوقوف فإنا في مَسْلَك يبطل الشَّرط، وينفذ الوقف من أصله وفي مسلك يبطل الوقف من أصله والله أعلم. قال الغزالي: ثُمَّ الزَّمَانُ المَصْرُوفُ إلَى غَرَضِ المُسْتَثْنِى يَجِبُ قَضَاؤُهُ إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَ الشَهْرَ فَيُحْمَلُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى نُقْصَانِ الوَقْتِ لاَ عَلَى قَطْعِ التَّتَابُعِ فَقَطْ. قال الرافعي: إذا شرط الخروج لغرض وصَّحَّحْنَاه فخرج لذلك الغرض هل يجب

стр. 1374

تدارك الزمان المصروف إليه؟ بنظر إن نذر مُدَّة غيرَ معينة كَشَهْرٍ مُطْلَق، أو عشرة مُطْلَقَة فيجب التَّدارك ليتم المدة المنذورة، وتكون فائدة الشرط تنزيل ذلك الغرض مَنْزلة قَضَاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به، وإن عين المدة فنذر اعتكاف هذه العشرة أو شهر رمضان فلا يجب التّدارك، لأنه لم ينذر إلا اعتكاف ما عدا ذلك الزَّمان من العشرة. وقوله في (إلاَّ أن يعين الشهر) لا يخفى أن ذكر الشهر جرى على سبيل ضَرْب المثال للمدة المعينة، وقوله: (فيحتمل استثناؤه على نقصان الوقت لا على قطع التتابع فقط) معناه لا على نفي قَطْعِ التتابع فَحَذَفَ المُضَافَ وهو النفي هذا لا بد منه وهو مبين في "الوسيط" ثم الكلام بعد ذلك يحتمل من حيث اللفظ محملين. أحدهما: أن الاستثناء محمول فيما إذا كانت المدة مطلقة على نَفْي قَطْعِ التتابع فقط، إذ لا ضرورة إلى حمله على نقصان المُدَّةِ كما سبق، وهو يقول: إذا كانت المدة معينة يحمل الاستثناء على نقصان الوقت لا على ما حمل عليه عند الإطلاق، وهو نفي قطع التتابع فقط. والثاني: أن يقال: أراد به أنه لا يحمل عند التعيين على نَفْي قَطْعِ التَّتَابُعِ فقط بل عليه وعلى نُقْصَانِ الوَقْتِ، والوجه حمله على الأول، لأن الثاني يَقْتَضِي إفَادَته نفي قطع التَّتابع، وإنما يفيده أن لو كان التَّتابع مَرْعِيَّاً فيه ليقع الاستثناء صَائِناً له عن الانقطاع، وقد قدمنا أن التتابع غير مرعى عِنْدَ تَعَيّنِ الزَّمان، نعم لو فرض التعرض للتتابع مع تعيين الزَّمان، وفرعنا على أن التتابع حينئذ يكون مَرْعِيَّاً فينتظم المحمل الثاني أيضاً -والله أعلم-. قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالِث في قَوَاطِعِ التَّتَابُعِ وَهُوَ انْقِطَاع شُرُوطِ الاعْتِكَافِ وَالخُرُوجُ بِكُلِّ البَدَن عَنْ كُلِّ المَسْجِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَوْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ أَذَّنَ عَلَى المَنَارَةِ وَبَابُهَا في المَسْجِدِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ بابها خَارجَ المَسْجِدِ وهَيَ مُلْتِصِقَةٌ بِحَريمِ المَسْجِدِ فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، يفَرَّقُ في الثَّالِثِ بعُذْرِ المُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ دُونَ غَيْرِهِ. قال الرافعي: الفصل معقود لبيان ما يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع ويخرج إلى الاستئناف وهو فيما ذكره حُجَّةُ الإِسْلاَم ﵀ أمران. أحدهما: انقطاع شروط الاعتكاف، والمفهوم من شروط الاعتكاف الأمور التي لا بد منها فيه كَكَفِّ النفس عن الجِمَاع، وعن مقدماته في قول، لكن فيه كلامان: أحدهما: أنه غير مجري على إطلاقهِ، لأن من شروط الاعتكاف النقاء عن الحيض، والجنابة، ومعلوم أن انقطاع هذا الشَّرْط بعروض الحيض والاحتلام لا يقطع التتابع. والثاني: أن اللبث في المَسْجِدِ من الأمور التي لا بد منها في الاعتكاف، وإذا

стр. 1375

خرج من المَسْجِدِ انقطع هذا الشَّرْط، فإذاً الخروج من المسجد داخل في انقطاع شُروط الاعتكاف، وقضية العَطْفِ ألا يدخل أحدهما في الآخر. الأمر الثاني: الخروج بِكُلِّ البَدَنِ عَنْ كُلِّ المَسْجِدِ بغير عُذْرٍ، وفيه ثلاثة قيود: أحدها: كَوْنُ الخُرُوجِ بكل البَدَنِ والقصد به الاحتراز عما إذا أخرج يده، أو رأسه فلا يبطل اعتكافه؛ واحتجوا له بما روي أن رسول الله ﷺ : "كَانَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ ﵂ فَتُرَجّلَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ وَهُوَ فَي المَسْجِدِ" (١). ولو أخرج إحدى رِجْلَيْهِ أو كِليْهِمَا وهو قاعدها مادَّهما فكذلك، وإن اعتمد عليهما فهو خارج. الثاني: كون الخروج عَنْ كُلِّ المسجد والقصد به الاحتراز عما إذا صعد المنار للأذان وللمنارة حالتان: إحداهما: أن يكون بابها في المَسْجِد، أو في رحبته المتصلة به فلا بأس بِصُعُودِهَا للأذان وغيره كصعود سطح المسجد ودخول بيت منه؛ ولا فرق بين أن يكون في نَفْسِ المَسْجِدِ أو الرحبة؛ وبين أن تكون خارجة عن السمت البِنَاء وتربيعه، وأبدى الإمام ﵀ احْتِمَالاً فيما إذا كانت خارجةً عن السمت قال: لأنها حينئذ لا تُعَدُّ مِنَ المَسْجِدِ، ولا يصح الاعتكاف فيها، وكلام الأئمة يُنَازع فيما وجه به الاحتمال. والثانية: إلاَّ يكون بابها في المَسْجِدِ ولا في رحبته المُتَّصِلة به فهل يبطل اعتكاف المؤذن الرَّاتب بصعودها للأذان؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه لا ضرورة إليه لإمكان الأذان على سَطْح المَسْجِدِ، فصار كما لو صعدها لغير الأذان، أو خرج إلى الأمير أو غيره ليعلمه بالصَّلاَةَ. والثاني: لا؛ لمعنيين. أحدهما: أنها مبنيةٌ لِلْمَسْجِد معدودةٌ من توابعه. والثاني: أنه قد اعتاد صعودها للأذان والناس اسْتَأنَسُوا بصوته فيعذر فيه، ويجعل زمان الأذان مَسْتَثنىً عن اعتكافه، وهذا أوضح المعنيين؛ لأن المنارة وإن كانت معدودة من توابع المسجد فهو إلى أن يصل إليها مُنْفَصِل عن المسجد، ولو خرج إليها غير المؤذن الرَّاتب للأذان رتب حكمه على الرَّاتب إن أبطلنا اعتكافه به فهاهنا أولى، وإلا فيبنى على المعنيين. إن قلنا بالثَّاني بطل وإن قلنا بالأول فلا، وإذا تركت الترتيب أطلقت ثلاثة أوجه كما في الكتاب.

стр. 1376

الثالث: الفرق بين الرَّاتِبِ وَغَيْرهِ، قاله صاحب "التهذيب" وغيره: وهو الأَصَح. وقوله: (ولو أذن على المنارة) التصوير في التأذين ينبه على أن الخروج إِلَيْهَا، وهي خارجةٌ عن المَسْجِدِ لغير الأَذَان لا يجوز بحال، لكنها إذا كَانت في المَسْجِدِ فلا فرق بين أن يَصْعَدَهَا للأذان أو غيره. وقوله: (وإن كان بابها خارج المسجد، وهي ملتصقة بِحَرِيم المسجد ففيه ثلاثة أوجه) يشعر بتقييد الخلاف بما إذا كانت مُلْتَصِقَةً بِحَرِيمِ المَسْجِد، وفنَائِهِ، لكن الأكثرين لم يَشْتَرِطوا في صُورَةِ الخِلاَفِ سِوَى أن يكون بَابُها خَارجَ المَسْجِدِ كما قدمناه وزاد أبو القاسم الكَرَخِي فنقل الخلاف فيما إذا كانت في رحبة منفصلة عن المَسْجِد بينها وبين المسجد طريق. واعلم: أنه لو اقتصر في الضابط المذكور على الخروج عن المسجد، وحذف لفظتي "الكل" لكان الغرض حَاصِلاً، فإن من أخرج بَعْضَ بدنه لا يسمى خَارجاً، ألا ترى أنه لو حلف أن لا يخرج من الدَّار فأخرج رأسه أو رجليه غير معتمد عليهما لَمْ يحنث، وكذا لا يقال: خرج من المسجد إلا إذا انفصل عن كله. قال الغزالي: وَأَمَّا العُذْرُ فَعَلَى مَرَاتِبَ: (الأُولى) الخُرُوجُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ وَهُوَ لاَ يَضُرُّ، وَلاَ يَجِبُ قَضَاءُ تِلْكَ الأوْقَاتِ وَلاَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عِنْدَ العَوْدِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قُرْب الدَّارِ وَبُعْدِها (و) وَبَيْنَ أَنْ يَكْثُرَ الخُرُوجُ (و) لِقَضَاءِ الحاجة أو يَقِلَّ، وَلاَ بَأْسَ بِعِيَادَةِ المَرِيضِ فِي الطَّريِقِ مَنْ غَيِرْ تَعْرِيجٍ، وَلاَ بَأْسَ بِصَلاَةِ الجَنَازَةِ مِنْ غَيْرِ ازْوَارَ عَنِ الطَّرِيقِ، وَكَذَا كُلُّ وَقْفَةٍ في حَدِّ صَلاَةِ الجَنَازَةِ، وَإِنْ جَامَعَ في وَقْتِ قَضَاءِ الحَاجَةِ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ (و). قال الرافعي: القيد الثالث كون الخروج بِغَيْرِ عُذْرٍ، وقد رتب العذر على مراتب: إحداها: الخروج لقضاء الحاجة، فهو محتمل، روي عن عائشة ﵂ "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإنْسَانِ" (١) وفي معناه الخروج للاغتسال عند الاحتلام، وقد تقدم ذِكْرُه. وهل يجوزُ الخروجُ لِلأْكْلِ؛ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: لا، لأن الأكل في المسجد ممكن. والثاني: وبه قال أبو إسْحَاق: نعم؛ لأنه قد يستحيي منه، ويشق عليه، والأول أظهر عند الإمام وصاحب "التهذيب".

стр. 1377

والثاني: أظهر عند الأكثرين، وحكاه الرَّويَانِي عن نَصِّه في "الإملاء" وفي عبارة "المختصر" ما يدل عليه، ولو عطش ولم يجد الماء في المَسْجِد فهو مَعْذُور في الخُرُوجِ، وإن وجده فَهَلْ له الخروج لِلشُّرْبِ؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، فإنه لا يستحي منه، ولا يعد تركه من المروءة بخلاف الأكْلِ، وقد أطلق في "التَّنْبِيهِ" القول بأن الخروج للأكل والشرب لا يَضُر، والوَجْهُ تأويله، ثم في الفَصْلِ مسَائِل: إحداها: أوقات الخروج لقضاء الحَاجَةِ لا يجب تَدَاركُها، وله مَأْخَذَانِ. أحدهما: أن الاعتكاف مستمر في أوقات الخروج لقضاء الحاجة، ولذلك لو جَامَعَ في ذلك الوَقْتِ بطل اعتكافه على الصَّحِيح. والثاني: أن زمان الخروج لقضاء الحَاجَةِ جُعِلَ كالمستثنى لفظاً عن المدة المنذورة، لأنه لا بُدَّ منه، وإذا فرغ وَعَادَ لم يحتج إلى تجديد النِّية أما على المأخذ الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن اشتراط التتابع في الابتداء رابطة تجمع ما سوى تلك الأوقات، ومنهم من قال: إن طال الزمان ففي لزوم التَّجْدِيدِ وَجْهَان، كما لو أراد البناء على الوُضوء بعد التفريق الكَثِير، ويجوز أن يعلم لهذا قوله: (ولا يجب تجديد النية) بالواو، فإنه أطْلَق الكلامَ إِطْلاَقاً. الثانية: لو كان في المسجد سقاية لم يكلف قضاء الحاجة فيها، لما فيه من المَشَقَّة وسقوط المُرُوءة، وكذا لو كان في جِوَار المَسْجِدِ صديق له وأمكنه دخول داره، فإن فيه مع ذلك قبول منه، بل له الخروج إلى دَارِه إن كانت قريبةً أو بعيدةً غير متفاحشة البعد، فإن تفاحش بعدها فَفِيه وَجْهَان: أحدهما: يجوز أيضاً لما سبق، ولفظ الكتاب يوافق هذا الوَجْهَ لإِطْلاَقِهِ القول بأنه لا فرق بين قُرْبِ الدَّارِ وَبَعْدِهَا. والثاني: المنع؛ لأنه قد يأْتيه البَوْلُ إلى أن يرجع فيبقى طول يومه في الذِّهاب، والمجيء إلا أن لاَ يَجِد في الطَّريق موضعاً لِلْفَراغ، أو كان لا يليق بحاله أن يدخل لِقَضَاء الحَاجَة غير دَارِه، ونقل الإمام فيما إذا كَثُر خروجه لعارض يقتضيه الوجهين أيضاً، وقال: من أئمتنا من نظر إلى جنس قضاء الحَاجَة، ومنهم من خصص عدم تأثيره بما إذا قرب الزَّمان وقصر، وبالأول أجاب صَاحِبَ الكِتَاب، وهو قضية إطلاق المعظم لكن فيما إذا تفاحش البعد وجه المنع أظهر عند أئمتنا العراقيين. وذكر الرّويَانِي في "التجربة" أنه المذهب، ولو كانت له داران كل واحدة منهما بحيث يجوز الخروج إليها لو انفردت، وإحداهما أقرب، ففي جواز الخروج إلى الأخرى وَجْهَان:

стр. 1378

أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: يجوز كما لو انفردت. وأصحهما: لا يجوز للاستغناء عنه، ولا يشترط لجواز الخُروج إرْهَاق الطبيعة، وشدة الحَاجَة، وإذا خرج لم يكلف الإسراع، بل يمشي على سَجِيَّتِهِ المَعْهُودة (١). الثَّالثة: لا يجوز الخروج لعيادة المريض، ولا لصلاة الجنازة (٢)، ولو خرج لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فعاد في الطريق مَرِيضاً نظر إن لم يقف ولا ازَّوَرَّ عن الطريق، بل اقتصر على السَّلاَم والسؤال فلا بأس، والوقف وأطال بطل اعْتكَافُه، وإن لم يطلُ ففيه وجهان مَنْقُولاَنِ في "التتمة" و"العدة"، والأصح أنه لا بأس به، وادعى الإمام إجماع الأصْحَاب عليه، ولو ازور عن الطريق قليلاً فعاده فقد جعلاه على هذين الوجهين، والأصح المَنْعُ لما فيه من إنشاء سَيْرٍ لُغَيْرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وقد روي "أَنَّهُ ﷺ كَانَ لاَ يَسْأَلُ عَلَى الْمَرِيضِ إِلاَّ مَارّاً في اعْتِكَافِهِ، وَلاَ تُعَرِّجُ عليه" (٣) وإذا كان المريض فِي بَيْتٍ من الدَّارِ التي يدخلها لقضاء الحاجة فالعدول لعيادته قليل، وإن كان في دار أخرى فكثير، ولو خرج لقضاء الحَاجة فَصَلَّى في الطريق على جنازة فلا بأس إذا لم ينتظرها ولا ازور عن الطريق، وحكى صاحب "التتمة" فيه الوجهين؛ لأن في صَلاَة الجنازة يفتقر إلى الوَقْفَة. وقال في "التهذيب": إن كانت متعينة فلا بأس، إلا فوجهان، والأظهر الأَوَّلُ، وجعل الإمام قَدْرَ صَلاَةِ الجنازة حَدَّ الوقفة اليسيرة، وتابعه المُصَنِّف واحتملاه لجميع الأغراض. منها: أن يأكل لُقَماً إذا فرعنا على أنه لا يجوز الخُروجُ لِلأَكْلِ، لكن لو جامع في مروره بأن كان في هَوْدَج أو فرض ذلك في وقفة يسيرة ففي بطلان اعتكافه وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتابَ: أنه يبطل، أما إذا قلنا باستمرار الاعتكاف في أوقات الخروج لقضاء الحاجة فظاهر، وأما إذا لم نقل به فلأن الجماع عظيم الوقع، فالاشتغال به أشد إعْرَاضَاً عَنِ العِبَادَةِ من إطالة الوقفة في عيادة مريض. والثاني: أنه لا يبطل، لأنه غير مُعْتَكِفٍ في تلك الحالة ولم يصرف إليه زماناً، وإذا فرغ من قضاء الحَاجَةِ واستنجى لم يلزمه نَقْل الوضوء إلى المَسْجِدِ، بل يقع ذلك تابعاً، بخلاف ما إذا احْتَاج إلى الوضوء من غير قضاء الحاجة، كما لو قام من النَّوْمِ لا

стр. 1379

يجوز له الخروج ليتوضأ في أظهَر الوجهين إذا أمكن الوضوء في المَسْجدُ. وإذا وقفت على ما ذكرنا أعلمت قوله (من غير تَعْرِيج) بالواو والتعريج هو الوقوف، وكذا قوله: (ولا بأس بصلاة الجنازة) وقوله: (وكذا كل وقفة) وقوله: في مسألة الجماع: (انقطع التتابع). قال الغزالي: (الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ) الخُرُوجُ بِعُذْرِ الحَيْضِ غَيْرُ قَاطِعٍ للتَّتَابُعِ إِلاَّ إِذَا قَصُرَتْ مُدَّةُ الاعْتِكَافِ وَأَمْكَنَ إيدَاعُهَا في أَيَّامِ الطُّهْرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: إذا حاضت المعتكفة لَزِمَهَا الخُروجُ، وهل ينقطع تَتَابع اعتكافها؟ من كانت المُدَّة المنذورة طويلة لا تخلو عن الحَيْضِ غَالِباً، فلا ينقطع، بل تبنى إِذَا طهرت كما لو حاضت في صَوْمِ الشَّهْرَينِ عن الكفارة، وإن كانت بحيث تخلو عن الحَيْضِ فقد قال الإمام وصاحب الكتاب: فيه وجهان، وقال آخرون قولان: أحدهما: أنه لا ينقطع به التَّتابع، لأن جنس الحَيْضِ متكرر بالجبلة، فلا يؤثر في التَّتابع كقضاء الحاجة. وأظهرهما: ينقطع، لأنها بسبيل من أن تشرع كما طهرت، وتودع الاعتكاف زمان الظهر، واستبعد بعض الشارحين عبارة الوجهين من صاحب الكتاب، لأنه ذكر في صورة الرتبة الثالثة قولين مرتبين على الحَيْضِ، ولا ينتظم ترتيب القولين على الوجهين، ولا شك أنه لو أطلق عبارة القولين لكان أحسن، لكن ينبغي أن يعلم أن الأمر فيه هَيِّنٌ من جهة المعنى من وجهين: أحدهما: أن الذي يستحق الاستبعاد ترتيب القولين المَنْصُوصَيْنِ على وَجْهَي الأَصْحَابِ، والقولان في تلك الصورة ليسا منصوصين، بل هما حَاصِلان من تَصَرُّف الأَصْحَاب كما سَتَعْرِفه، والوجهان في الحَيْضِ ليسا على معنى افتراق الأَصْحَابِ واختلافهم، وإنما هما مأخوذان من القولين في أَنه هل يبطل التّتابع بالحَيْضِ في صَوْمِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ إذا شرطنا فيه التتابع؟ ومثل هذا الخلاف قد يسمى قولاً، ويسمى وَجْهاً، فالحاصل ترتيب قولين من تصرف الأصحاب على قولين مثلهما. والثاني: أن الذي يُسْتَبْعَدُ هو بناء القولين على الوجهين، فإن المبنى عليه ينبغي أن يكون أَقْدَمَ من المبنى، أما الترتيب فلا يعني به إلا أن أحد طَرَفِي الخِلاَفِ في صورةٍ أولى منه في صُورَةٍ أخرى، ولا بعد في أن يكون قول الانقطاع في تلك الصورة أولى من وجه الانقطاع في سورة الحَيْضِ، والمذكور في الكتاب هو الترتيب دُونَ البِنَاء. قال الغزالي: (الرّتْبَةُ الثَّالِثَةُ الخُرُوجِ بالمَرَضِ أَوْ بِالنِّسْيَانِ أَوْ بِالإكْرَاهِ أَوْ لأَدَاءِ شَهَادَةٍ مُتَعَيِّنَةِ أَوْ تَمْكِينٍ مِنْ حَدٍّ أَوْ عِدَّةٍ فَفِيهِ قَوْلان مُرَتَبَان على الحَيْضِ، وَأَوْلى بِأنْ يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ. قال الرافعي: في هذه الرتبة صور.

стр. 1380

إحداها: المرض العارض للمعتكف على ثلاثة أضرب: أحدها: المرض الخَفِيف الذي لا يشق معه المُقَامُ في المَسْجِد، كالصُّداع، والحُمَّى الخفيفة، فلا يجوز الخروج مِنَ المَسْجِد ولو خرج انقطع التتابع. الثاني: المرض الذي يشق معه المقام في المَسْجد لحاجته إلى الفراش والخَادِم، وتردد الطَّبيبُ يُبِيح الخُروجَ، وإذا خرج فهل ينقطع التتابع؟ فيه قولان: أظهرهما: لا، لِدعاء الحَاجَةِ إليه، كالخروج لقضاء الحاجة. والثاني: نعم، لأن المرض لا يغلب عروضه بخلاف قَضَاء الحَاجَةِ والحيض، فإنه يتكررَ غالِباً، فيجعل كالمستثنى لَفْظاً، والقول الأَوَّلُ منصوصٌ عليه في "المختصر"، والثاني مُخَرَّج، خَرَّجُوِه من أحد القولين، في أن المَرَضَ يقطع تتابع الصَّوْمِ في الكَفَّارة. الثالث: المرض الذي يخاف منه تَلْوَيث المَسْجِد، كانطلاق البَطْن، وإدْرَارِ البَوْلِ، والجرح السَّائِلِ، فالمشهور أن الخروج لَهُ لا يقطع التَّتَابع لاضطراره إليه، كالخروج لِلْحَيْضِ، وحكى الإمام عن بعض الأصْحَاب طرد القولين فيه. وإذا تأملت ذلك عرفت أن لفظ الكتاب وإن كان مطلقاً في حكاية الخلاف، فالضَّرْب الأول غَيْر مُراد منه، والثاني: مراد، وفي الثَّالِث الطَّرِيقان فهو على المَشْهُور غير مُرَاد أيضاً. (الثانية): لو خرج ناسياً هَلْ ينقطع تَتَابُعُه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن اللبس مأمور به، والنِّسيان ليس بعذر في تَرْكِ المَأْمُورَاتِ. وأصحهما: لا، كما لا ينقطع بالجِمَاع نَاسِيًا، وكما لاَ يَبْطُل الصَّوْمُ بالأَكْلِ والجِمَاعِ نَاسِياً، واقتصر كثيرٌ من الأئمة على إيراد هذا الثَّاني، ومن أورد خلافاً عَبَّر عنه بالوجهين، ولفظ القولين في هذه الصُّورة مَحْمُول على أن الخِلاَف مُخَرَّجُ من الخِلاَف في المرض، ومثل ذلك قد يسمى قولاً على ما سبق، وفي عبارة الإمام ما يبين ذَلِكَ فإن قلنا بالوجه الثاني، فَذَلِكَ فيما إذَا تَذَكَّرَ عَلَى القُرْب، أما إذا طَالَ الزَّمَانُ، فقد قالَ في "التتمة": فيه وجهان كالوجهين في بُطْلاَن الصَّوْمِ بالأكْلِ الكَثيرِ نَاسِياً. الثالثة: لو أكره حتى خرج ففيه قَوْلاَن كالقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ أكره وَهُوَ صَائِم، والذي أجاب به الجُمْهُور أنه لا ينقطع التتابع، ولو أخرجه السُّلْطَان ظُلْمًا في مصَادَرَةٍ وغيرها، أو خاف من ظَالِم فخرج واستتر فعلى القولين، لأنه لم يخرج بِدَاعية نَفْسِهِ، ولو أخرج لَحَقِّ توجه عليه وهو يماطل به بطل اعتكافه؛ لأن التَّقْصِير منه، ولو أخرج لإقامة حَدٍّ عليه فسيأتي، ولو حمل فأخرج لم يبطل اعتكافه؛ كما لو أوجر الصَّائم الطعام لا يَبْطُل صَوْمُه، ورأى الإمَامُ تَخْرِيجَه عَلَى الخلاف لحصول المفارقة عَنِ المَسْجِدِ بِعَارِضِ غير غالب.

стр. 1381

الرَّابعة: إذا دُعيِ لأداء شَهَادَةِ فَخَرجَ لَهَا، نظر إن لم يكن متعيناً لأدائها انقطع تتابع اعتكافه، سواء كان مُتَعَيِّناً عند التَّحَمُّل، أو لم يكن، لأنه ليس له الخروج والحالة هذه لحصول الاستغناء عنه، وإن كان متعيناً لم يخل إما أن يكون متبرعاً عند التحمل أو يكون متعيناً، فإن كان متبرعاً فقد نَصَّ في "المختصر" على أنه ينقطع اعتكافه، وفي المَرْأَة إذا خَرَجَتْ لِلْعَدَّة أنه لا ينقطع بل تبنى، واختلف الأصحاب على طريقين. أحدهما: وبه قال ابن سَريج: أنهما على قولين بالنقل والتخريج، ولا يخفى تَوجِيههما مِمَّا سَبَقَ في الصوّر، وبعضهم يُطْلِقُ في المَسْألةِ وجهين بدَلاً عن القولين، والثاني وبه قال أبو إِسْحَاقَ: تقرير النَّصَّيْنِ. والفرق أن التَّحَمُّل إنما يكون للأداء، فإذا تحمل باختياره فَقَدْ ألجأ نفسه إلى الأداء، والنكاح لا يتأثر للعِدَّة على أن المرأة إلى النِّكَاحِ أَحْوَج منه إلى التَّحَمُّل، لتعلق مَصَالِحَها به، وظاهر المَذْهَبِ في كُلِّ واحدة من الصورتين ما نَصَّ عليه، وإن كَانَ متعيناً عند التحمل أيضاً فهو مرتب على مَا إِذَا لم يكن متعيناً، إن قلنا: لا ينقطع ثم هاهنا أولى، وإن قلنا: ينقطع فهاهنا وجهان، والفرق أنه لم يتحمل بِدَاعِيَتِهِ واختياره. الخامسة: لو أخرج لإقامة حد عليه، نظر إن ثبت بإقراره انقطع اعتكافه، وإن ثبت ببينه فحاصل ما ذكره الأئمة فيه طَرِيقان كالطريقين فيما لو خَرَجَ لأداء الشَّهَادَةِ، إلا أن المنقول عن النَّصِّ هاهنا أنه لا ينقطع، واقتصر على الجَواب عليه كثير من أَئِمتنا العراقيين، والفرق بينه وبين مسألة الشَّهَادة أن الشهادة إنما تتحمل لتؤدي، فاختياره للتَّحمل اختيار للأداء، والجريمة الموجبة للحد لا يرتكبها المُجْرِم ليقام عليه الحد، فلم يجعل اختياره للسبب اختيارًا له، السادسة: لو لزم المعتكفة في خلال اعتكافها عدة بطلاق، أو وفاة فعليها الخروج لتعتد في مَسْكَنِهَا، وإذا خرجت فيبطل اعتكافها، أم تبنى بعد انقضاء العدة؟ فيه الطريقان المذكوران في مسألة الشهادة، والأَصحُّ البِنَاء. وإن كان اعتكافها بإذن الزَّوج، وقد عَيَّنَ مُدَّةً فهل يلزمها العَوْدُ إلى المَسْكَنِ عِنْدَ الطَّلاَقِ، أو في الوفاة قبل اسْتِكْمَالِهَا؟ فيه قولان يذكران في العدة فإن قلنا: لا، فخرجت بَطَل اعتكافها بِلاَ خِلاَف، هذا بيان الصور التي نظمها في سْلِك الواحد، ويجوز أن يعلم قوله: (فقولان) بالواو؛ لأنه أجاب فيهما جميعاً على طريقة طرد الخلاف، وفي الصور الثلاث الأخيرة طريقة نافية للخلاف على ما بَيَّنَاهَا. وأما ما ذكر من ترتيب الخِلاَف في هذه الصُّورة على الخِلاَف في الحَيْض، أولوية الانقطاع فوجهه أن الحَيْضَ متكرر بحكم الجبلة شبيه بِقَضَاء الحَاجَةِ، وهذه الأُمُورُ عَارِضَةٌ لا تنتظم، ورتب الإمام مع ذلك بعض هذه الصور على بعض، فجعل صورة

стр. 1382

الشَّهادة مرتبة على المرض، وهي أولى بالانقطاع لسبق التَّحَمُّل منه، وصورة الإخراج للحد مُرَتَّبَةٌ على الشَّهادة، وهي أولى بالانقطاع لِكَوْنِ السَّبَبِ الجَالِبِ للإخراج مَعْصِية -والله أعلم-. ويقرب من هذه المَسَائِل صورتان. إحداهما: يجب الخُروُج لِصَلاَةِ الجُمُعَة وإذا خرج هل يبطل اعتكافه؟ في قولان: ويقال وجهان: إحداهما: وبه قال أبو حنيفة: لا، لأنه لاَ بُدَّ من ذلك كَقَضَاءِ الحَاجَةِ. وأصَحُّهُمَا: وبه قال مالك: نَعْم، لسهولة الاحتراز عن هذا الخروج بأن يعتكف في الجَامِع، وعلى هذا لو كان اعتكافه المنذور أقل من أسبوع ابتداء من أول الأسبوع أَيْنَ شاء من المَسَاجِدِ، أو في الجامع متى شاء، وإن كان أكثر من أسبوع، فيجب أن يبتدئ به في الجَامِع، حتى لا يحتاج إلى الخروج للجُمُعَةِ، فإن كان قد عين غير الجامع، وقلنا بالتعين فلا يخرج عن نَذْرِهِ إلا أن يمرض فتسقط عنه الجمعة، أو بأن يتركها عاصياً ويدوم على اعتكافه. الثانية: إذا أحرم المعتكف نظر أن أمكنه إتمام الاعتكاف ثم الخروج لزمه ذلك، وإن خاف فوت الحَجِّ خرج إلى الحَجِّ وبطل اعتِكَافهُ، فإذا فرغ استأنف ووجهه بين. قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا لَمْ يَنقَطِعْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأَوْقَاتِ المَصْرُوفةِ إِلَى هَذِهِ الأَعْذَارِ، وفي لُزُومِ تَجْدِيد النِّيَّةِ عنْدَ العَوْدِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: كل ما يقطع التَّتابع يجوج إلى الاستئناف بنية مجددة، وكل عذر لم نجعله قَاطِعاً فكما فرغ منه يجب عليه أن يعود ويبنى، فلو أخر انقطع التتابع وَتَعذَّرَ البِنَاء، ولا بد من قَضَاءِ الأَوقَات المَصْرُوفة إلى ما عَدَا قضَاءِ الحَاجَةِ من الأَعْذَارِ فإنه غير معتكف فيها، وإنما لم يجب قضاء أوقات قضاء الحَاجَةِ لما قدمناه، وهل يجب تجديد النية عند العود. أما إذا خرج لقضاء حاجة، فقد مَرَّ وفي معناه ما لا بُدَّ منه كالخروج للاغتسال، وألحق به الأذان إذا جَوَّزنا الخُرُوجَ لَهُ أمَّاله مِنْهُ بُدُّ ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب، لأنه خرج عن العبادة بما عرض. وأظهرهما: لا؛ لشمول النيّة جَمِيع المُدَّة. وأجرى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ الخلاف فيما إذا خَرَج لغرض استثناه ثم عاد. ولو عين مدة ولم يتعرض للتتابع ثم جَامَعَ أو خرج من غير عُذْرٍ فسد اعتكافه ثم عاد ليتم الباقي، فقد أجرى الخِلاف في وجوب التِّجْدِيد.

стр. 1383

قال الإمام: لكن المذهب هاهنا وجوب التَّجْدِيدِ (١)، لأن هذه عبادة مستقلة مُنْفَصِلة عما مضى، فإن خطر ببالك أن القول في تجديد النّية قد تعرض له هاهنا وفي ركن النية، وذكره في الرتبة الأولى أيضاً، وتوهمت في كلامه تِكْرارٌ فنذكر ما بينا أنه أراد بما ذكره في ركن النية الكلام في الاعتكاف المتطوع به، واعرف أن المذكور هاهنا مخصوص بأعْذَارِ الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ في الاعْتِكَافِ المَنْذُورِ بِشَرْطِ التَّتَابُع، وَالْمَذْكُورُ فِي الرتبة الأولى مَخْصُوصٌ بقضاء الحَاجَةِ في هذا النَّوعِ من الاعْتِكَافِ، فإذاً لا تِكْرَار. نعم، لو ذكرها مجموعة في موضع وَاحدٍ لاستفاد به اختصاراً، وكان الذِّهْنُ أضبط لها -والله أعلم-.

стр. 1384

كِتَابُ الْحَجِّ (١) قال الغزالي: وَلاَ يَجِبُ فِي العُمْرِ إلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالنَّظَرُ فِي المُقَدِّمَاتِ وَالمَقَاصِدِ وَاللَّوَاحِقِ القِسْمُ الأَوَّلُ فِي المُقَدِّمَاتِ وَهِيَ الشَّرَائِطُ وَالمَوَاقِيتُ . قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) وقال رسول الله ﷺ : "بَنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" (٣) الحديث. ولا يجب الحَجُّ بأصل الشّرْع في العمر إلا مرة واحدة؛ لما روي عن ابن عباس ﵁ قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجّ"، فَقَامَ الأَقْرعُ بْنُ حَابِس فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "لَوْ قُلْتَهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْلَمُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوّعٌ" (٤). وقد يجب أكثر من مرة واحدة بعارض كالنَّذْر والقضاء؛ وكما أنا نوجب على قول: الإحرام بحج أو عمرة لدخول مكَة على ما سيأتي. وليس من العوارض الموجبة الرّدة، والإسلام بعدها، فمن حَجَّ ثم ارْتَدَّ ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه الحج، خلافاً

стр. 1385

لأبي حنيفة. ومأخذ الخلاف أن الرِّدَّة عنده مُحْبِطَةٌ لِلْعمل، وعندنا إنما تحبطه بِشَرط أن يموت عَلَيْها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (١) الآية. وساعد أحمد أبا حنيفة ﵀ في المسألة، ولكن لا من جهة هذا المأخذ، ثم إن المصنف حصر مقصود الكتاب في ثلاثة أقسام: أولها: المقدمات. وثانيها: المقاصد. وثالثها: اللّواحق والخواتم. وفي القسم الأول مقدمتان: إحداهما: في الشَّرَائط والأخرى في المَوَاقيت. واعلم أنه جعل الميقات على قسمين زَمَاني، ومكاني، ولا شَكَّ أن الميقات الزماني من شرائط صحَّة الحج، فالوجه حمل الشرائط وإن أطلقها على ما سوى الوَقْت، لِئَلاَّ يدخل شيء من أحدى المقدمتين في الأخرى -والله أعلم-. قال الغزالي: القول الأول: الشَّرَائِط وَلاَ يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ الحَجِّ إِلاَّ الْإِسْلاَمُ، إِذْ يَجُوزِ لِلْوَليِّ أَنْ يَحْرِمَ (ح) عَنِ الصَّبِيِّ وَيحِجَّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ المُبَاشَرَةِ إِلاَّ الإسْلاَمُ والتَّمْيِيزُ، فَإِنَّ المُمَيِّز لَوْ حَج بِإذْنِ الوَليِّ جَازَ، وَكَذَا العَبْدُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الإسْلاَمِ إِلاَّ الْإِسْلاَمُ وَالحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ، وَيَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ حَجِّ الإسْلاَمِ هَذِهِ الشَّرَائِطُ مَعَ الْإِسْتِطَاعَةِ. قال الرافعي: الشَّخْص إما أن يجب عليه الحَجُّ، أو لا يجب. ومن يجب عليه إما يجزئه المَأتِيُّ به عن حَجَّة الإسلام، حتى لا يجب عليه بعد ذَلِك بحَالٍ أو لا يجزئه. ومن لا يجزئه إما أن تَصِح مباشرته للحَجِّ أو لا تَصِح. ومن لا تَصِح مباشرته إما أن يَصِح له الحج أو لا يصح. فهاهنا أربعة أحكام: أحدها: مطلق صِحَّة الحَجِّ له. وثانيها: صِحَّتُهُ له مباشرة. وثالثها: وقوعه عن حَجَة الإسلام. ورابعها: وجوب حَجَّة الإسلام.

стр. 1386

وشروط هذه الأحكام مختلفة أما: الصحّة المطلقة فلها شَوْطٌ واحد وهو الإسلام. فلا يصح الحج للكافر، كالصوم والصَّلاة وغيرهما. ولا يشترط فيها التكليف؛ بل يجوز للولي أن يُحْرِمَ عن الصَّبِيّ الذي لا يُميِّز (١)، وعن المجنون وأعلم قوله: (إذ يجوز للولي) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة ﵀ لا يُجَوِّزُه. وكذا قوله: (إلا الإسلام) لأنه لا يَصِح الحَجَّ لصبي، وسيأتي جميع ذلك في الفَصْل الحادي عشر من باب أعمال الحج وأما: صِحَّة المباشرة فلها شَرْطٌ زائد على الإسلام وهو التَّمْييز، فلا يَصِحّ مباشرةُ المجنون والصَّبِيّ الذي لا يُمَيِّز، كَسَائِر العبادات. ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج، ثم القول في أنه يستقل به أو يفتقر إلى إِذْن الولي موضعه الفصل المحال عليه. وقوله: (بإذن الولي) هذا التقييد دخيل في هذا الموضع فإن المقصود هاهنا صحة مباشرته في الجملة. ولا يشترط فيها الحرية، بل يَصِح من العبد مباشرة الحج كسائر العبادات. وأما وقوعه عن حجة الإسلام فله شَرْطان زائدان: أحدهما: البلوغ. والثاني: الجريمة، والدليل على اعتبارهما، ما روي أنه ﷺ قال: "أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَيْهِ حَجَّة الْإِسْلاَمِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلاَمِ" (٢). والمعنى فيه أن الحَجَّ عبادة عُمْرٍ لا تتكرر، فاعتبر وقوعها في حال الكمال. وإذا جمعت شرائط هذا الحكم قلت: هي أربع: الإسلام. والتمييز. والبلوغ. والحرية. فإن اختصرت قلت هي ثلاث: الإسلام والتكليف والحرية. على ما ذكر في الكتاب. ولو تكلف الفقير الحَجَّ وقع حَجُّه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر

стр. 1387

الطريق وحج. وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة. وأما وجوب حجة الإسلام فيعتبر فيه هذه الشرائط، فلا يخاطب بالحَجِّ كافرٌ في كُفْرِهِ وَلاَ عَبْدٌ، ولا صَبِيُّ، ولا مجنون. وله شرط زائد وهو الاستطاعة، قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وكلام الكتاب من هذا الموضع إلى رأس المقدمة الثانية في المواقيت يتعلق بهذا الشَّرْط. قال الغزالي: وَالاستطاعة نَوْعَانِ: الأَوَّلُ المُبَاشَرَةُ وَالقُدْرَةُ عَلَيْهَا تَتَعَلَّقُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالطَّرِيقِ وَالْبَدَنِ (أَمَا الرَّاحِلَةُ) فَلاَ بُدَّ مِنْهَا وَلاَ يَجِبُ (ح م) الحَجُّ عَلَى القَوِيِّ عَلَى المَشَي إِلاَّ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، وَلاَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَا لَمْ يَجِدْ مَحْمَلاً أَوْ شِقَّ مَحْمَلٍ مَعَ شَرِيكٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدِ الشَّرِيكَ لَمْ يَلْزَمْهُ. قال الرافعي: استطاعة الحج نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه، واستطاعة تحصيله بغيره. النوع الأول: استطاعة المباشرة، وتتعلق بأمور أربعة: أحدها: الراحلة (١)، والنَّاس قسمان: أحدهما: من بينه وبين مكَّة مسافة القصر فلا يلزمه الحَجّ، إلا إذا وجد رَاحِلَةً، سواء كان قادراً على المَشْي أو لم يكن، لكن القادر على المَشْي يُسْتَحِبُّ له أن لا يترك الحَجَّ، وفي كون الحج راكَباً أو ماشياً أفضل اختلاف قول قد تعرض له صاحب الكتاب في النذور (٢). وقال مالك: القادر على المَشْي يَحُجُّ مَاشِياً لنا ما روي: "أَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ تَفْسيِرِ السَّبيلِ فَقَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ" (٣)، إذا عُرِف ذلك فينظر إن كان يَسْتَمْسك عَلى الرَّاحِلة من غير مَحْمَلِ ولا يلحقه ضَرَرٌ ولا مشَقَّة شديدة، فلا يعتبر في حقه إلا وُجْدَان الراحلة، وإلا فيعتبر مع وجدان الرَّاحِلة وُجدان المَحْمَل أيضاً. قال في "الشامل" وعلى هذا لو كان يلحقه مشقة غَلِيظَة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة (٤)، وذكر المُحَامِلِيُّ وغيره من العراقيين: أن في حق المرأة يعتبر

стр. 1388

المحمل، وأطلقوا القول فيه؛ لأنه أسْتَر لها، وأليق بحالها، ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل، فإن وجد مؤنة مَحْمل أو شِقّ محمل وَوَجَدَ شَرِيكاً يجلس في الجانب الآخر لَزِمه الحَجّ، وإن لم يجد الشَّرِيك فلا. أما إذا لم يجد إلا مؤنة فظاهر، وأما إذا وجد مؤنة المحمل بتمامه فقد علله في "الوسيط" بأن بذل الزيادة خسران لا مقابل له، أي هو مؤنة مُجْحِفة يَعْسُر احتمالها وكان لا يبعد تخريجه على الخلاف في لزوم أجرة البَذْرَقة (١)، وفي كلام الإمام إشارة إليه. والقسم الثاني: من ليس بينه وبين مُكَّة مسافة القَصْر، بأن كان من أهل مكة، أو كان بينه وبينها دون مَسَافَةِ القَصْر، فإن كان قَوِيّاً على المشي لَزِمه الحَجُّ، ولم يعتبر في حقه وجدان الرَّاحِلَة. وإن كان ضعيفاً لا يقوى على المشي أو يناله منه ضَرَرٌ ظاهر فَلاَ بُدَّ من الرَّاحِلَة، ومن المحمل أيضاً إن لم يمكنه الركوب دونه، كما في حَقِّ البعيد. ووجدتُ لبعض المتأخرين من أئمة طبرستان تَخْرِيجَ وَجْهٍ في أن القريب كالبعيد مُطْلقاً، والمشهور الفرق، ولا يؤمر بالزَّحْفِ بحَالٍ وإن أمكن، وحيث اعتبرنا وجدان الراحلة والمحمل فالمراد منه أن يملكهما، أوَ يَتَمَكَّن من تحصيلهما مِلْكاً أو استئجاراً بثمن المثل، أو أُجْرَة المِثْلِ. واعلم: أنه يشترط أن يكون ما يصرفه إلى الراحلة مع المَحْمَل أو دونه فَاضِلاً عما يشترط كون الزَّادِ فاضلاً عنه، وسيأتي ذلك. وقوله: (أما الراحلة فلا بد منها) قد عرفت أنه غير مُجْرى على إطلاقه لوجوب الحج على القريب المتمكن من المشي. وقوله: (ولا على من لا يستمسك على الراحلة) أي من غير محمل ونحوه لا مطلقاً، بخلاف قوله بعد هذا: (أما البدن فلا يعتبر فيه إلا قوة يستمسك بها على الراحلة) فإن المراد هناك الاسْتِمْسَاك عليها مُطْلقاً. وقوله: (ما لم يجد محملاً، أو شِقّ محمل مع شريك) الوجه صرف قوله: (مع شريك) إلى حالتي وجدان المَحْمَل ووجدان الشّق؛ لأنه لو خصص بما إذا وجد الشق لكان ذلك حكماً باللزوم فيما إذا وجد مَؤْنَة المحمل مطلقاً، وهو خلاف ما نقلناه في "الوسيط". قال الغزالي: (وَأَمَّا الزَّادُ) فَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مَا يَبْلِغُهُ إلَى الحَجِّ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ اعني بِهِ المَسْكَنَ وَالَعَبْدَ الَّذِي يَخْدُمُهُ وَدَسْتَ ثَوْبِهِ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ إِلَى الإِيَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلاَ مَسْكَنٌ فَفِي اشْتِرَاطِ نَفَقَةِ الإِيَابِ إِلَى الوَطَنِ وَجْهَانِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى نِكَاح لِخَوْفِ العَنَتِ فَصَرْفُ المَالِ إِلَيْهِ أَهَمُّ، وَفِي صَرْفِ رَأْسٍ مَالِهِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى التِّجَارَةِ إِلاَّ بِهِ

стр. 1389

إِلَى الحَجِّ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ نَفَقَةَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ وَقَدَرَ عَلَى الكَسْبِ لَمْ يَلْزِمْهُ الخُرُوجُ لِلْمَشَقَّةِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الكَسْبِ وَالسَّفَرِ. قال الرافعي: المتعلق الثاني: الزاد. ويشترط لوجوب الحج أن يجد الزَّادَ وأوعيَته، وما يحتاج إليه في السَّفَرِ إن كان له أهلٌ وعشيرة في مدة ذهابه وإيابه إلى بلدة لأن لم يكونوا ففي اشتراطه لمدة الإيَاب وجهان: أحدهما: لا يشترط؛ لأن البلاد في حق مثل هذا الشَّخْصِ متقاربة. وأصحهما: أنه يشترط؛ لما في الغربة من الوَحْشة ونزاع النفوس إلى الأوطان، ويجري الوجهان في اعتبار الرَّاحِلة للإياب، وهل يخصص الوجهان بما إذا لم يملك ببلدته مَسْكَناً أم لا؟ أبدى الإمام ﵀ فيه احتمالين ورأى الأظهر التَّخْصِيص. وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيَّ فنقل وجهاً في أن مدة الإياب لا تعتبر في حَقِّ ذِي الأَهْلِ والعَشِيرَة أيضاً. ثُمَّ في الفَصْلِ مَسَائِل: إحداها: يشترط أن يكون الزَّاد والراحلةُ فاضلاً عن نفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتُهم مدةَ ذَهَابِهِ ورجوعه. الثانية: في اشتراط كونهما فاضلين عن المَسْكَن والعبد لمن يحتاج إلى خدمته لَزَمَانَتِهِ، أو لمنصبه، وجهان: أظهرهما -عند الأكثرين وهو المذكور في الكتاب-: الاشتراط، فيبقى عليه مسكنه وعبده كما يبقيان عليه في الكفارة (١)، ولأنه متعلّق حاجته المهمة، فأشبه دست (٢) ثوب يليق بمنصبه، وعلى هذا لو كان معه نقد جاز صرفه إليهما.

стр. 1390

والثاني -وبه قال مالك-: لا يشترط، بل عليه بيع المسكن والخادم، والاكتفاء بالاكتراء؛ لأن الاستطاعة مفسرة في الخبر بالزَّادِ والرَّاحِلَة، وهو واجدٌ لهما، وهذا الوجه أصَحُّ عند صاحب "التتمة"، وبه أجاب أبو القاسم الكَرَخِي، وحكاه عن نصّه في "الأم" ومن قال به فرق بين الحَجّ والكفارة بأن العتق في الكفارة له بَدَلٌ معدولٌ إليه، والحَجُّ بخلافه، وهذا الخلاف كالخلاف في اعتبارهما في صدقة الفطر وقد مرّ. فإن قلنا بالوجه الأول فذلك فيما إذا كانت الدَّارُ مستغرقةً بحاجته وكانت سكنى مثله والعبدُ عبدٌ مثله، فأما إذا أمكن بيع بعض الدار وَوفَّى ثمنه بمؤنة الحَجّ، أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لَوَفَّى التفاوت بمؤنة الحج لزمه ذلك، هكذا أطلقوه هاهنا، لكن في لزوم بيع الدار والعبد النفيسين المألوفين في الكفارة وجهان، وقد أوردهما في الكتاب، ولا بد من عودهما -والله أعلم (١) -. الثالثة: لو كان له رأس مال يَتِّجِر فيه وينفق من ربحه، ولو نَقَص لبطلت تجارتُه أو كان له مُسْتغلاتٌ ترتفعُ منها نفقتُه، فهل يكلفُ بيعُها؟ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال أحمد وابن سُرَيْج-: لا، واختاره القاضي أَبُو الطَّيِّبِ لئلا ينسلخ من ذات يده ولا يلتحق بالمساكين. وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة ﵀: نعم، كما يكلف بيعُها في الدَّيْنِ، لأنه فَسَّر الاستطاعة في الخَبِر بالزَادِ، والرَاحِلة، وهو واجدٌ لهما. ويفارق العبد والمَسْكَن لأنه محتاجٌ إليهما في الحال، وليس كذلك ما نحن فيه وإنما يتخذه ذَخِيرةً لِلْمُسْتَقْبَلِ. الرابعة: إذا ملك مالاً فاضلاً عن الوجوه المذكورة لكنه كَانَ محتاجاً إلى أن ينكح خائفاً عن العَنَتِ، فَصَرْفُ المَالِ إلى مُؤَنِ النِّكاح أَهَمُّ مِنْ صَرفِه إلى الحَجِّ، هذه عبارة الجمهور وعلّلُوه بأن حاجة النِّكَاح ناجزة، والحج على التَّراخي، والأسبق إلى الفهم من التقديم الذي أطلقوه أنه لا يجب الحَجَّ والحالة هذه، فيصرف ما يملكه إلى مؤونات النِّكَاح، وقد صَرَّح الإمام بهذا المفهوم، لكن كثيراً من العراقيين وغيرهم قالوا: يجب الحَجُّ على من أراد التَّزَوُّجَ، لكن له أن يؤخره لوجوبه على التَّرَاخِي ثُمَّ إن لم يَخَفِ العَنَتَ، فتقديم الحَجِّ أَفْضَلُ، وإن خافه فَتَقْدِيمُ النكاح أولى (٢). الخامسة: لو لم يجد مالاً يصرفه إلى الزَّاد لكنه كان كَسُوباً يكتسب مَا يكفيه، وقد

стр. 1391

ادخرِ لِأَهْلِهِ النفقةَ فَهَلْ يلزمه الحج تعويلاً على الكسب حكى الإمام عن أصحابنا العراقيين أنه إن كان السَّفَرُ طَوِيلاً لم يلزمه ذلك؛ لأنه قد ينقطع عن الكَسْبِ لِعَارِضٍ، وبتقدير أن لا ينقطع فالجمع بين تَعَبِ الكَسْبِ والسفر تعظم فيه المَشَقَّة. وإن كان قصيراً، نظر إن كان يكتسب في كُلِّ يوم ما يَكْفِيه ولا يفضل عنه لم يلزمه؛ لأنه ينقطع عن كسبه في أيام الحَجِّ فيتضرر وإن كان كسبه في يوم يكفيه لأيام لَزِمه الخروج، قال الإمام: وفيه احتمال كما أن القدرة على الكسب فِي يَوْمِ الفطر لا تجعل كحصول الصاع في مِلْكِه. وقوله في الكتاب: (لم يلزمه الخروج) مُعَلَّمٌ؛ لأن عند مالك يلزمه ذلك، وهكذا قال فيمن أمكنه الحَجّ بالسُّؤَالِ في الطريق، ثم لفظ الكتاب مطلق، وقضية ما نقلناه التقييد. وقوله في أول الفصل: (وأما الزاد فهو أن يملك ما يبلغه إلى الحج) فيه إضمار؛ لأن كونه مالكاً لما يبلغه لا يَصْلُحَ تفسيراً لِلزَّادِ، والمعنى أن القدرة على الزَّادِ هي أن يملك ما يبلغه. وقوله: (نفقة أهله إلى الإياب) أي إن كان له أَهْلٌ، والمراد من الأهْلِ هاهنا من يلزمه نفقته لا غير، وفي قوله: (فإن لم يكن له أهل) لا يمكن الحمل على هؤلاء فَحَسْبِ، إذ ليس ذلك موضع الوجهين، وإنما الوجهان فيما إذا لم يكن لَهُ عشيرة أصلاً كذا ذَكره الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره؛ لأنه يعظم على الإنسان مفارقة العَشَائر، فلا بد من اعتبار الإياب إذا كان الرَّجُلُ ذَا عِشِيرة. قال الإمام: ولم يتعرض أحد من الأصحاب للمعارف والأصدقاء؛ لأن الاستبدال بهم متيسر. وقوله: (ومسكن) يشعر باعتبار فقدان المَسْكَن في حُصولِ الوَجْهَيْنِ، وهو جواب على أظهر الاحتماليِن عند الإمام، كما مَرّ. واعرف في نظام الكتاب شيئين: أحدهما: أنه لم يصرح باعتبار كونه فاضلاً عن نفقته في نفسه، لكنه مفهوم من كلامه في مَوَاضِعَ. منها: اعتبار كونه فاضلاً عن نفقة الأهل فإنه يفهم اعتبار كونه فاضلاً عن نفقته بطريق الأولى. ومنها: قوله: (ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان) ومعلوم أنه في نفقة نفسه لا في نفقة الأَهْلِ، فإنها مجزوم باشتراطها إلى الإِيَاب. والثاني: أنه لم يعتبر كونه فاضلاً عن الدَّيْنِ، ولا بُدَّ منه، أما إذا كان حالاًّ فلأنه نَاجِز والحج عَلَى التَّرَاخِي، وأما إذا كان مؤجلاً فلأنه إذا صرف ما معه إلى الحَجّ، فقد يحل الأجل ولا يجد ما يقضي به الدَّين، وقد تَحْتَرمه المَنِيَّة فتبقى ذمته مرتهنة. وفيه وجه أن المدة إن كانت بحيث تنقضي بعد رجوعه من الحج لزمه الحج، ولو كان مَالُه ديناً في ذمة إنسان نظر إن تيسر تحصيله في الحال بأن كان حالاً ومن عليه

стр. 1392

مَلِيءُ مقِر، أو عليه بَيِّنَة فهو كالحَاصِل في يده، وإن لم يتيسر بأن كان من عليه منكراً ولا بينة أو كان مؤجلاً فهو كالمعدوم، وقد يتوصل المحتال بهذا إلى دفع الحَجِّ فيبيع ماله نسيئة إذا قرب وقت الخروج، فإن المال إنما يعتبر وَقْتَ خروج النَّاس. قال الغزالي: (وأمّا الطَّرِيقُ) فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ آمِنًا عَمَّا يَخَافُ فِي النَّفْسِ وَالبُضْعِ وَالمَالِ، فَلَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ بَحْرٌ لَزَمَ الرُّكُوبُ عَلَى قَوْلٍ لِغَلَبَةِ السَّلاَمَةَ؛ وَلَمْ يَلْزَمْ فِي قَوْلٍ لِلْخَطَرِ، وَلَزَمَ عَلَى غَيْرِ المُسْتَشْعِرِ فِي قَوْلٍ دُونَ الجَبَانِ، وإذَا لَمْ نُوجِبْ فَلَوْ تَوَسَّطَ البَحْرَ وَاسْتَوَتِ الجِهَاتُ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَكَّةَ وَالانْصِرَافِ عَنْهَا فَفِي الوُجُوبِ الآنَ وَجْهَانِ، وَاسْتِطَاعَةُ المَرْأَةِ كَاَسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ لَكِنْ إِذَا وَجَدَتْ مَحْرَماً أَوْ نِسْوَةً (ح و) ثَقَاتٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى المَرَاصِدِ مَنْ يَطْلُبُ المَالَ لَمْ يَلْزمه الحَجُّ، وَفِي لُزُومِ أَجْرَةِ البذرقةِ وَجْهَانِ، وإذَا لَمْ يَخْرُجُ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ إلاَّ بِأُجْرَةٍ لَزِمَ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْن. قال الرافعي: المتعلق الثالث: الطريق، ويشترط فيه الأمْنُ في ثَلاثَةِ أشياء، قال الإمام: وليس الأمن الذي نذكره قطعيّاً، ولا يشترط أيضاً الأمن الذي يغلب في الحَضَر، بل الأمن في كل مَكَانٍ بحسب مَا يَلِيقُ به. فأحد الأشياء الثَّلاثة: النفس، فلو خاف على نَفْسِهِ مِنْ سَبْعٍ، أو عَدُوٍّ في الطريق لم يلزمه الحج؛ ولهذا جاز التَّحَلُّل عن الإحْرام بمثل ذلك، على ما سيأتي في باب الإحْصَار، وهذا إذا لم يجد طريقاً سواه، فإن وجد طريقاً آخر آمناً لزمه سلوكه، أما إذا كاَن مثل مسألة الأول فظاهر، وأما إذا كان أبعد فكذلك إذا وجد ما يَقْطَعه به كما لو لم يجد طريقاً سواه، وذكر في "التتمة" وجهاً أنه لا يلزمه كما لو احتاج إلى بذل مؤنَةٍ زائدة في ذلك الطَّريق. ولو كان في الطريق بَحْر لَمْ يَخْل إما أن يكون له في البَرِّ طريق أيضاً أو لا يكون، إن كان لزوم الحج، إلا فَقَدْ قَالَ في "المُخْتصر": ولم يبين لي أن أوجب ركوب البحر لِلْحَجِّ ونص في "الأم" على أنه لا يجب، وفي "الإملاء" على أنه إن كان أكثر عيشه في البحر وَجَب، والأصحاب منقسمون إلى مثبتين لِلْخِلاف في المَسْأَلة، وإلى نافين له، وللمثبتين طريقان: أحدهما: أن المسألة على قَوْلَيْنِ مُطلِقاً، حكاه الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُه. أحدهما: أنه يلزم ركوبه للظَّواهِرِ المُطْلَقَةِ في الحَجِّ. والثاني: لا؛ لما فيه من الخَوْفِ والخَطَرِ. وأظهرهما: أنه إن كان الغَالِب منه الهَلاَك إما باعتبار خصوص ذلك البحر، أو

стр. 1393

لَهَيَجَانِ الأمواج في بَعضِ الأحوال لم يلزم الرُّكوب، وإن كان الغالب السلامة ففيه قولان: أظهرهما: اللزوم كسلوك طريق البَرِّ عند غلبة السَّلامة. والثاني: المَنْعُ؛ لأن عوارض البَحْرِ عَسِرَةُ الدَّفْعِ، وعلى هذا لو اعتدل الاحتمال فيلحق بِغَلَبَةِ السَّلامة، أو بغلبة الهَلاَكِ تردد كلام الأئمة فيه وأما النافون لِلْخِلاَف فلهم طرق: أحدها: القطع بعَدَم اللزوم، وحمل نصه في "الإملاء" على ما إذا ركبه لِبَعْضِ الأغراض فصار أقرب إلى الشَّطِّ الذي يَلِي مَكَّةَ. والثاني: القطع باللزوم، وهذا قد أشار إليه الحَنَّاطِيُّ وغيره. والثالث: وبه قال أبو إسحاق الإصْطَخْرِي أنه إن كان الغَالِب الهَلاَك لم يلزمه، وإن كان الغَالِب السَّلامة لَزِم، واختلاف النَّص محمول على الحالين، وبهذا قال أَبُو حَنِيفة وأحمد -رحمهما الله-. والرَّابع: تنزيل النَّصَّينِ على حالتين مِنْ وَجْهٍ آخر إن كان الرَّجُل مِمَّنْ اعتاد ركوب البَحْرِ كالمَلاحِين وأهل الجَزَائِرِ لزمه وإلا فلاَ لصعوبته عليه، حكى الطريقة هكذا على هذا العراقيون وطائفة، ونقل الإمَامُ عن بعض الأَصْحَابِ اللزوم عند جُزْأة الراكب وعدَمَه عِنْدَ اسْتِشْعَارِ، وهذا قريب من الطَّريقة الأخيرة، ويشبه أن يكون هُوَ هِيَ، وإنما الاختلاف في العبارة، ثم ذكر أن من الأصحاب من نزل النَّصَّيْنِ على الحَالَتَيْنِ من غير تَرْدِيدِ قَوْلٍ. ومنهم: من قال: "لا يجب على المستشعر"، وفي غيره قولان: ومنهم: من قال: يجب على غير المستشعر وفيه قولان، والصائرون إلى هذين الطريقين من المثبتين للخلاف. واتبع حجة الإسلام ﵀ منقول الإمام -قدَّس الله رُوحَه- واستخرج من الطُّرق التي نقلها ثلاثة أقوال: اللزوم مطلقاً، والمَنْع مطلقاً. والفرق بين الجَبَانِ وغيره، والمستشعر والجبان هاهنا مطلقان بمعنى وَاحِد، ولو قال: على غير المستشعر دون المستشعر أو على غير الجبان دون الجبان لكان أحْسَن وأقربَ إلى الأَفْهَام، وفي لفظ الكتاب ما ينبئك أن الخلاف مخصوص بما إذا كان الغَالِب السَّلامة حيث قال: (لغلبة السلامة) فإن كان الغالبُ الهَلاكَ فالظاهر الجزم بالمنع على ما مر. التفريع إذا قلنا: لا يجب ركوبه فهل يستحب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لما فيه من التغرير بِالنَّفْسِ. وأظهرهما: نعم كما يستحب ركوبه للغَزْوِ، وقد روي أنه ﷺ قال: "لاَ يَرْكَبَنَّ

стр. 1394

أَحَدٌ البحر إِلاَّ غَازِياً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ حَاجاً" (١) والوجهان فيما إذا كان الغالب السَّلامة. أما إذا كان الغالب الهلاكَ فَيَحْرُمُ الركوب، هكذا نَقَله الإمام، وحكى تردداً للأصحاب فيما إذا اعتدل الاحتمال وإذا لم نوجب الركوب، فلو توسط البحر هل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه وجهان، وقيل: قولان، وهما مبنيان عند الأئمة على القولين في المُحْصَر إذا أحاط العَدُوُّ بهِ من الجَوَانِب هل له التحلل؟ إن قلنا: له التحلل فله الانصراف، وإن قلنا: لا، فلا؛ لَأنه لم يستفد بَه الخَلاَص فليس له الانصراف. قال في "التتمة" وهو المذهب. وموضع الوجهين ما إذا استوى ما بين يديه وما خلفه في غالب الظَّن، فإن كان ما بين يديه أكثر لم يلزمه التَّمَادِي بلا خلاف على القول الذي عليه تفرع، وإن كان أقل لَزِم، وموضعهما عند التَّساوي ما إذا كان له في المنصرف طريق غير البحر، فإن لم يكن فَلَهُ الانصراف بلا خلاف كَيْلاَ يحتاج إلى تحمل زيادة الأخطار، وجميع ما ذكرناه في حَقَّ الرجل. أما المرأة ففيها خلاف مرتب على الرَّجل، وأولى بعدم الوجوب، لأنها أشد تأثراً بالأَهْوَال، ولأنها عورة وربما تَنْكَشِف لِلرِّجَالِ لضيق المكان. وإذا قلنا: بعدم الوجوب فنقول بعدم الاستحباب أيضاً، ومنهم من طرد الخِلاَف، وليست الأنهار العظيمة كجيحون في معنى البحر؛ لأن المقام فيها لا يطول، والخطر فيها لا يعظم، وفيه وجه غريب. والثاني: البضع. والغرض من ذكره بيان حكم المرأة في الطَّريق، قال في الكتاب: (واستطاعة المرأة كاستطاعة الرجل، ولكن إذا وجدت مُحْرَماً إلى آخره) يسوي بين استطاعة الرجل واستطاعة المرأة إلا فيما يَتَعَلَّق بالمَحْرَم، وليس الأمر على هذا الإطلاق لِمَا مَرَّ من قول من اعتبر المَحْمَل فِي حَقِّها مطلقاً، وأيضاً فلما ذكرناه الآن في رُكوب البَحْرِ. وأما ما يتعلق بالمَحْرَم فاعلم أنه: لا يجب عليها الحَجُّ حتى تأمن على نَفْسِها، فإن خرج معها زَوجٌ أو مَحْرَمٌ إما بنسب أو بغيره فذاك، وإلا فننظر إن وجدت نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَخْرُجْنَ فعليها أن تَحُجَّ مَعَهُنَّ (٢)، وهل يشترط أن يكون مع واحدة منهن محرم؟ فيه وجهان:

стр. 1395

أحدهما -وبه قال القفال-: نعم، ليكلم الرجال عنهن، ولتستعن التي معها محرم إذا ابتلين بنائبة. وأصحهما: لا؛ لأن النساء إذا كثرن انقطعت الأطماع عنهن وكفين أمرهن، وإن لم تجد نسوة ثِقَاتٍ لم يلزمها الحَجّ، هذا ظاهر المَذْهَبِ، ووراءه قولان: أحدهما: أن عليها أن تخرج مع المرأة الواحدة، يحكى هذا عن "الإملاء". والثاني -واختاره جماعة من الأئمة-: أن عَلَيْهَا أن تخرج وحدها إذا كان الطَّرِيق مَسْلُوكاً ويحكى هذا عن رواية الكَرَابِيسِي. واحتج له بما روى عن عَدِيّ بْنِ حَاتِم أن النبي ﷺ قال: "يَا عَدِيُّ إِنْ طَالَتْ بِكَ الْحَيَاةُ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بالْكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلاَّ اللهَ، قَالَ عَدِيُّ: فَرَأَيْتُ ذَلِكَ" (١). وأيضاً بأن المرأة لو أسلمت في دَارِ الكُفْرِ لَزِمَهَا الخُروجُ إِلَى دَارِ الإسْلاَمِ، وَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا، ولمن ذهب إلى الأول أن يقول: أما الحديث: فليس فيه ما يقتضي الوجوب. وأما التي أسلمت: فخوفها لو أقامت هُنَاك أكثر من خَوْفِ الطَّريق، هذا حكم الحَجِّ الفَرْض، وهل لها الخروج إلى سائر الأسْفَار مع النساء الخُلَّص؟ فيه وجهان؛ لأنه لا ضرورة إليها. والأصح عند القاضي الرّويَانِي المَنْع، وليعلّم قوله في الكتاب: (ولكن إذا وجدت مَحْرَماً) بالواو؛ للقول الصَّائِرِ إلى أنها تخرج وَحْدَها، وقوله: (أو نسوة ثقات) أيضاً بالواو؛ لأمرين. أحدهما: القول المكتفي بالواحدة. وثانيهما: الوجه الشارط لأن يكون مع بَعْضِهِنَّ مَحْرَمٌ وبالحاء؛ لأن عنده إذا لم يكن محرم وزوج فلا يجوز لها الخروج إلا أن تكون المَسَافة بينها وبين مكَّة دون ثلاثة أيام، ويروى عن أحمد مثله. وفي كون المحرم أو الزوج شرط الوجوب أو التمكن اختلاف رواية عنهما، قال الموفق بْنُ طاهر: ولأصحابنا مثل هذا التَّردد في النِّسْوةَ الثِّقَاتِ، ولم يتعرض في الكِتَاب للزَّوْج، واقتصر على اشتراط المحرم أو النسوة الثقات لكنه كالمحرم بالاتفاق.

стр. 1396

وقوله: (مع أمن الطريق) مما يذكر لاستظهار والإيضاح، إلا فقد سبق ما تعرف به اشتراطه. والثالث: المال، فلو كان يخاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدي (١) لم يلزم الحج وإن كان الرصدي يرضى بشيء يسير إذا تعين ذلك الطَّريق، ولا فرق بين أن يكون الَّذين يخاف منهم مسلمين أو كفاراً، لكن إذا كانوا كفاراً أو أطاقوا مقاومتهم فيستحب لهم أن يخرجُوا ويقاتلوا لينَالُوا ثواب الحج والجِهَادِ جميعاً، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج والقتال، ويكره بَذْلُ المال للرصديين، لأنهم يحرضون بذلك على التعرض للناس، ولو بعثوا بأمان الحجيج وكان أمانهم موثوقاً به أو ضمن لهم أمير ما يطلبونه وأمن الحجيج لزمهم الخروج، ولو وجدوا من يبذرقهم بأجرة ولو استاجروه لأمنوا في غَالِب الظَّنِّ فهل يلزمهم استأجاره؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه خسران لدفع الظُّلم فأشبه التَّسْلِيم إلى الظالم. والثاني: نعم؛ لأنه بذل الأجرة بذل مال بحق والمبذرق أهبة من أُهِبَ الطَّرِيق كالرَّالَةِ وغيرها، وهذا أظهر عند الإمام، ورتب عليه لزوم استئجار المَحْرَمِ على المرأة إذا لم يُسَاعدها إِلاَّ بأجرة، وجعل اللّزوم هاهنا أظهر؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنى فيها فأشبه زيادة مؤنة المَحْمَل في حق ما يحتاج إليه. ويشترط لوجوب الحج وجود الزاد والماء في المواضع التي جَرَت العادة بحمل الزَّاد والماء منها، فإن كان العام عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عَنْ أَهْلِها أو انقطعت المياه لم يلزمه الحج؛ لأنه إن لم يحمل مَعَه خاف على نفسه، وإن حمله لحقته مؤنة عَظِيمة، وكذلك الحكم لو كان يوجد فيها الزاد والماء ولكن بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ وهو القدر اللائق به في ذلك المَكَان والزَّمان، وإن وجدهما بثمن المثل لزم التَّحْصِيل سواء كانت الأسعار غاليه أو راخصة إذا وَفَّى ماله ويحتمل حملهما قدر ما جرت العادة به في طريق مكَّة حرصها الله لحمل الزَّادِ من الكوفة إلى مكَّة، وحمل الماء مرحلتين أو ثلاثاً إذا قدر عليه ووجد آلات الحمل، وأما عَلَف الدابة فيشترط وجوده في كل مرحلة؛ لأن المؤنة تعظم في حَمْلِهِ لكثرته، ذكره صاحب "التهذيب" "والتتمة" وغيرهما (٢).

стр. 1397

قال الغزالي: (وَأَمَّا البَدَنُ) فلاَ يُعْتبَرُ فِيهِ إلاَّ قُوَّةٌ يَسْتَمْسِكُ بِهَا علَى الرَّاحِلَةِ، وَيجِبُ عَلَى الأَعْمَى إِذَا قَدَرَ عَلَى قَائِدٍ، وَيَجِبُ عَلَى المَحْجُورِ وَالمُبَذِّر، وَعَلَى الوَليِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيُنْصِّبَ عَلَيْهِ قَوَّاماً. قال الرافعي: المتعلق الرابع: البدن، ويشترط فيه لاستطاعة المباشرة قوة يستمسك بها على الرَّاحلة، والمراد أن يثبت على الرَّاحِلَةِ من غير أن يلحقه مشقة شديدة، فأما إذا لم يثبت أصلاً، أو كان يثبت ولكن بمشقةٍ شديدةٍ فليس له استطاعة المباشرة، سواء فرض ذلك لمرض أو غيره، روى أنه ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَو سُلْطَانٌ جَائِزٌ فَلَم يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيّاً وإنْ شَاءَ نَصْرَانيّاً (١). والقول في أنه متى يستتيب؟ ومتى لا يستتيب؟ سيأتي من بعد، ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: الأعمى إذا وجد مع الزَّادِ والرَّاحِلَةِ قَائِداً يلزمه الحج بنفسه؛ لأنه مستطيع لَهُ والقائد في حقه كالمَحْرَمِ في حَقِّ المرأة، وبه قال أحمد، وعن أبي حنيفة -رحمهما الله- اختلاف رواية فروى عنه: أنه لا حَجَّ عليه، وهذه عبارة الكَرَخِي في "مختصره"، وروى أنه لا يلزمه الخروج بنفسه ولكن يستتيب. الثانية: المحجور عليه بالسَّفه كغيره في وجوب الحَجِّ عليه إلا أنه لا يدفع المال إليه لتبذيره بل يخرج الوَلِي معه لينفق عليه في الطَّرِيق بالْمَعْرُوفِ ويكون قَوَّاماً عليه، وبفارق الصَّبي والمجنون إذا أحرم الوَلِي عَنْهُما، فإن في إنفاقه ما زاد بسبب الحجر من مالهما خِلافاً سنذكره؛ لأنه لا وجوب عليهما، وإذا زال ما بهما لزمهما حَجَّة الإسلام، وذكر في "التهذيب": أنه إذا شرع السفيه في حج الفرض أو في حجٍّ نَذَرَهُ قَبْلَ الحَجْرِ بغير إذن الولي لم يكن له أن يحلله فيلزمه أن ينفق عليه إلى أن يفرغ، وإن شَرَعَ في حَجِّ تطوع ثم حُجِرَ عليه فكذلك، ولو شرع فيه بعد الحَجْر كان للولي أن يحلله إن كان مَا يحتاج إليه لِلْحِجِّ يزيد على نفقته المعهودة ولم يكن له كسب وإن لم يزد، أو كان له كسب يَفِي مع قدر النفقة لِلْحَجِّ وجب إتمامه، ولم يكن للولي أن يحلله. وقوله في الكتاب: (وعلى الولي أن ينفق عليه) أي من مال المحجور. وقوله: (وينصب عليه قوّاماً) أي إن لم يتول ذلك بنفسه.

стр. 1398

وأعلم أن الأئمة شرطوا في وُجُوبِ الحج أمرين آخرين لم يصرح بهما في الكتاب. أحدهما: إمكان المَسِير وهو أن يبقى من الزَّمان عند وجدان الزَّاد والرَّاحِلة ما يمكنه المسير فيه إلى الحَجِّ السير المعهود (١). أما إذا احتاج إلى أن يقطع في كل يوم أو في بعض الأيام أكثر من مَرْحَلَةٍ لم يلزمه الحَجّ. والثاني: قال صاحب "التهذيب" وغيره: يشترط أن يجد رفقة يخرج معهم في الوَقْتِ الذي جرت عَادَةُ أهْلُ بَلدِه بالخُروج فيه، فإن خرجُوا قَبْلَه لم يلزمه الخُروجُ مَعَهم، وإن أخَّرُوا الخروج بحيث لا يبلغون إلا بأن يقطعوا أكثر من مرحلة لم يلزمه أيضاً، وفي قوله بعد هذا الفصل (وله أن يتخلف عن أول قافلة) ما يشعر باعتبار وجدان القافلة، ومن أطلق القول باعتباره من الأصحاب فكلامه على غالب الحال، فإن كانت الطرق بحيث لا يخاف الواحد فيها فلا حاجة إلى الرّفقة والقَافِلة، ذكره في "التتمة"، وبهذا الفقه يتبين دخول هذا الشَّرْط تحت اعتبارِ أمْنِ الطَّرِيق، وعن أحمد أن أمن الطَّريق وإمكان السير من شَرَائِطِ الأَدَاءِ دُونَ الوُجوب حتى لو استطاع والطَّريق مخوف أو الوَقْتُ ضَيقٌ استقر الوُجُوب عَلَيْهِ، وروي عن أصحَاب أبي حنيفة ﵀ اختلاف في أن أمْنَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ الوجُوب أو الأَداءِ. قال الغزالي: وَمَهْمَا تَمّت الاسْتِطَاعَةُ وَجَبَ الحَجُّ عَلَى التَّراخِي (م ح ز) وَلَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أَوَّل قَافِلَةٍ، فَإنْ مَاتَ قَبْلَ حَجِّ النَّاسِ تَبَيَّن عَدَمَ الاسْتِطَاعَةِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الحَجِّ فَلاَ، وَإِنْ هَلَكَ مَالُهُ بَعْدَ الحَجِّ وَقَبْلَ إيَابِ النَّاسِ تَبَيَّنَ أَنْ لا اسْتِطَاعَةَ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الإيابِ شَرْطٌ في الحَجِّ، فَإنْ دَامَتْ الاسْتِطَاعَةُ إلَى إيَابِ النَّاسِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَرَأَ العَضبُ

стр. 1399

لَقِيَ الله عصِياً عَلَى الأَظْهَرِ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِ الاسْتنَابَةُ إِذَا طَرَأَ العَضْبُ بَعْدَ الوُجُوبِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَفي إِجْبَارِ القَاضِي إِيَّاهُ عَلَى الاسْتِنَابَةِ وَجْهَان. قال الرافعي: ذكر في "الوسيط": أن المسائل المذكورة إلى هذا الموضع كَلاَمٌ في أرْكَانِ الاستطاعة، ومن هاهنا إلى رأس النوع الثاني كلام في أحْكَامها، ولك أن تقول: الاستطاعة إحدى شرائط وجوب الحَجِّ كَمَا مَرَّ، وقد توجد الاستطاعة مسبوقة بسائر الشُّروطِ، وقد يوجد غيرها مسبوقاً بها فلم كانت هذه المسائل أحكام الاستطاعة دون غيرها؟ وبتقدير أن تكون أحكام الاستطاعة فهي أحكام مطلق الاستطاعة كما ستعرفه لا أحكام النَّوْع الأولِ مِنْهَا، وكان ذكرها بعد النَّوعَينِ أحسنَ والحَقُّ أنها ليست بأحكام الاستطاعة ولا سائر الشّروط، لكن مسائل هذا الفَصْلِ تتعلق بكيفية ثبوت الوُجوب بعد استجماع الشَّرَائِطِ وأنه مَتَى تَسْتَقِر؟ ومسائل الفَصْلِ الثَّانِي لا تَعَلَّق لها بالوجوب أيضاً، ومقصود الفَصْلِ أن الحَجَّ يجب على التَّرَاخِي وهو في العُمر كالصَّلاةِ بالإضافة إلى وَقْتِها. وقال مالك وأحمد والمزنى ﵏: إنه على الفَوْرِ، ويروى مثله عن أبي حنيفة ﵀. لنا أن فريضة الحَجِّ نزلت سنة خَمْس من الهِجْرَةِ، وأخَّرَه النبي ﷺ مِنْ غير مَانِعٍ، فإنه خرج إلى مَكَّة سَنةَ سَبْع لقضاء العُمْرَةِ وَلَمْ يَحُج، وفتح مكَّة سنة ثَمَانٍ، وبعث أبا بكر ﵁ أميراً على الحج سنة تِسْعٍ، وحَجَّ هُوَ سنَةَ عَشْرٍ وَعَاشَ بعدها ثَمَانين يوماً ثم قُبِضَ إلى -رحمة الله تعالى-. إذا تقرر ذلك فلمن وجب عليه الحجّ بنفسه أو غيره أن يُؤَخِّرَهُ عَنْ أَوَّلِ سنة الإِمْكَانِ. نعم، لو خشي العضب (١) وقد وجب عَلَيْهِ الحَجّ بنفسه ففي جواز التأخير وجهان: أظهرهما: المنع، وإذا تَخَلَّف فمات قبل حَجِّ النَّاسِ تبين عَدَم الوُجُوب لتبين عدم الاستطاعة والامكان، وعن أَبِي يَحْيَى البلخِي أنه يَسْتَقِر عَلَيْهِ، وذكر في "المذهب": أن أبا إسحاق أخرج عليه نَصَّ الشافعي ﵁ فرجع عنه، فلا يُعَلَّم قوله: (تبين عدم الاستطاعة) بالواو، وكذلك وإن مات بعد ما حَجَّ النَّاسُ استقرَّ الوجوبُ عليه ولَزِم الإحْجَاج مِنْ تَرِكَتِهِ.

стр. 1400

قال في "التهذيب": ورجوع القافلة لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لو مات بعد انتصاف ليلة النَّحْرِ، ومضى إمكان المَسِير إلى منَى والرّمي بها، وإلى مكَّةَ والطّواف بها استقر الفَرْضُ عليه، وإن مَاتَ أو جنَّ قبل انتصاف ليلة النحر لم يستقر، وإن هَلَك مالُه بعد إِيَابِ النَّاسَ أو مضى إمكان الإياب استقر الحَجّ، وإن هلك بعد حَجِّهم وقبل الإياب وإمكانه فوجهان: أحدهما: الاستقرار كما في صُورة المَوْتِ. وأصحهما: وهو المذكور في الكتابَ: أنه لاَ يَسْتَقِر بِخِلاَفِ صُورِ المَوْتِ، لأنه إذا مات استغنى عن المال للرّجُوعِ، وهاهنا نفقة الرّجوع لاَ بُدَّ مِنْها، وهذا حيث نشترط نفقة الإيَاب فإن لم نشترطها تعين الوَجْهُ الأول، وإن أحصر الدين تَمَكَّن من الخروج معهم فتحللوا لم يستقر الفَرْضُ عَلَيْهِ، وإن سلكوا طريقاً آخَرَ فَحَجُّوا استقر، وكذا إذا حَجَّوا في السَّنة التي بَعْدَها إذا عاش وبقي ماله. وإذا دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات فهل يَعْصى؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق لا؛ لأنا جَوَّزْنَا له التأخير. وأظهرهما: نعم وإلا ارتفع الحكم بالوجوب، والمجوز هو التأخير دون التَّفْوِيت، والوجهان كالوجهين فيما إذا مَاتَ في وسط الوقت قبل أداء الصَّلاة، لكن الأظهر هُنَاك أنه لا يَمُوت عَاصِياً، وسبب الفرق قد مَرَّ هُنَاك، وبه قال ابْنُ سُرَيج، وفَصَّلَ بَعْضَ الأَصْحَاب فقال: إن كان شيخاً مات عاصياً، وإن كان شاباً فلا، والخلاف جارٍ فيما إذا كان صَحِيحَ البَدَنِ مستطيعاً فلم يحج حتى صَار زَمِناً، والأظهر التَّعْصِيَةُ أيضاً، ولا نظر إلى إمكان الاستنابة فإنها في حكم بدل، والأصل المُبَاشَرة، ولا يجوز تَرْكُ الأصل مع القُدْرَة عليه، ويتفرع على الحكم بالتعصية فرعان. أحدهما: في تضيق الاستنابة عليه في صورة عُروض الزّمانة وجهان حكاهما الإمام ﵀. أظهرهما: عنده وبه أجاب صاحب الكتاب ﵀: أنَّهَا تتضيق لِخُروجِهِ بتقصيره عند استحقاق التَّرْفِيه. والثاني: له التأخير، كما لو بلغ معضوباً عليه الاستنابة على التراخي، ولك أن تشبه هذيْنِ الوجهين بوجهين قد مَرَّ ذكرهما في قضاء الصَّوْم إذا تعدى بتفويته، وهل يَكُونُ علي الفَوْرِ؟ وإذا قلنا بالوَجْهِ الأول فلو امتنع وأَخَّر هَل يجبره القَاضِي على الاستنابة ويستأجر عليه؟ فيه وجهان:

стр. 1401

أظهرهما: عند الإمام -رحمه الله تعالى-: لا؛ لأن الحُدودَ هي التي تتعلق بِتَصَرُّفِ الإِمَامِ. والثاني: نَعَمْ؛ تشبيهاً له بزكاة الممتنع، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما تَدْخُلُه النيابة. الثانية: إذا قلنا: يموت عاصياً فمن أي وقت نحكم بعصيانه؟ فيه وجهان: أحدهما: من أول سَنَةِ الإِمْكَانِ لاستقرار الفَرْضِ عليه يومئذ. وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: من آخر سَنَةِ الإمْكَان بجواز التأخير إليها، وفيه وجه ثالث أنا نحكم بموته عاصياً من غير أن نسنده إلى وَقْت معين. ومن فوائد الحكم بموته عاصياً أنه لو كان قد شهد عند القاضي ولم يقض بشهادته حتى مات فلا يَقْضِ كما لو بأن له فِسْقُه، ولو قضى بشهادته بين الأولى من سني الإمكان وأخراها فإن عصيناه من أخراها لم ينقض ذلك الحكم بحال، وإن عصيناه من أولاها ففي نقضه القولان، فيما إذا بأن الشُّهُودُ فَسَقَه، وقوله في الكتاب (ومهما تمت الاستطاعة) أي مَعَ سَائِرِ الشَّرائط. وقوله: (أو طُرأ العضب) أصْلُ العضب القطع يقال: عضبت الشيء أعضبته إذا قطعته، سمي معضوباً لأن الزمانة التي عرضت له قطعت حركة أعضائه، وقيل: هو معصوب -بالصاد المهملة- كأنه ضُرِب على عصبه فانعزلت أعضاؤه عن عملها -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ التَّرْتِيبِ (م ح) في الحَجِّ فَيَبْدَأُ بِحَجَّةِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ بالقَضَاءِ (و) ثُمَّ بالنَّذْرِ ثُمَّ بالتَّطَوُّعِ فَلَوْ غَيَّرَ هَذَا التَّرْتِيبَ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب وَلَغَتْ نيَّتُهُ، وَإِذَا حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ وَهُوَ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْهُ دُونَ المُسْتَأْجِرِ (م ح). قال الرافعي: حُجَّةُ الإسْلاَم في حق من يَتَأَهَّل لَهَا تقدم على حَجَّةِ القَضَاءِ، وصورة اجتماعهما أن يفسد الرقيق حَجَّة ثم يعتق فعليه القضاء، ولا يجزئه عن حَجَّة الإسلام فإن القضاء يتلو تلو الأَدَاء؛ وكذا حجة الإسلام على حَجَّة النذر، ولو اجتمعنا معِ حجَّة الإسلام قدمت هي، ثم القضاء الواجب يأصْلِ الشّرع، ثم المنذورة تقديماً للأهَمِّ فالأهَمِّ. ومن عليه حجة الإسلام ليس له أن يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وكذا من عليه حجة نذر أو قضاء. قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- يجوز التطوع بالحج قبل أداء الفَرْضِ، ويجوز لِمَن عَلَيْهِ الحَجُّ أن يَحُجَّ عن غيره، وأظهر ما روي عن أحمد ﵀ مثل مذهبنا. لنا: ما روى عن ابن عباس ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَن شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: أَخِي أَوْ قَرِيبٌ لِي فَقَالَ

стр. 1402

أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ -وَفِي رِوَايَةٍ- هَذِهِ عَنْكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ" (١). دل الحديث على أنه لا بد من تقديم فرضِهِ نفسه على ما لو استؤجر له، وفهم منه أنه لا بُدَّ من تقديم فَرْض على ما يُتَطَوَّع به، والعمرة إذا أوجبناها كَالْحَجِّ في جميع ذلك. وقوله في الكتاب: (ثم بالقضاء ثم بالنذر) اعْلِمَ بالواو؛ لأن الإمام ﵀ أشار إلى تردد في تقديم القَضَاء على النَّذْرِ، وتابعه المصنف في "الوسيط". والصَّحيح: ما ذكره في، الكتاب. إذا تقرر ذلك فلو أنه غَيَّرَ الترتيبَ المَذْكُورَ فقدم ما يجِبُ تأخيرُه لَغَتْ نَيَّتُه، ووقع على الترتيب المَذْكُور. ولو استأجر المعضوب من يحج عن نذره وعليه حَجَّة الإسلام فنوى الأجير النذر وقع عن حجَّة الإِسْلام. ولو استأجر من لم يحج عن نفسه وهو الذي يسمى ضرورة ليحج عن المستأجر فنوى الحَجَّ عنه لغت إضافته ووقع عن الأجير. وينبغي أن يُعَلَّم قوله في الكتاب: (وقع عنه دون المستأجر) بالألف، لأن عن أحمد ﵀ رواية أنه لا يقع عنه ولا عن المستأجر، بل يلغى، ولو نذر ضرورة أن يَحُجّ في هذه السَّنة ففعل وقع عن حَجَّةِ الإِسْلاَم وخرج عن نذره، وليس في نذره إلا تعجيل ما كان له أن يؤخره. ولو استأجره لِلضَّرورةِ لِلْحَجِّ في الذِّمة جَاز، والطريق أن يَحُجَّ عن نفسه ثُمَّ عن المستأجر في سُنَةٍ بَعْدَهَا، وإجارة العين تفسد لأَنَّه يتعين لها السَّنة الأولى، فإن إجازة السنة القابلة لاَ تَجُوز. وإذا فسدت الإجازة نظر إن ظنه قد حَجَّ فبان ضرورة لم يستحق أجرة لتغريره، وإن علم أنه ضرورة وقال: يجوز في اعتقادي أن يحج الضرورة عن غيره فَحَجَّ الأجير يقع عن نفسه كما تقدَّم، ولكن في استحقاقه أجرة المثل قولان أو وجهان سيأتي

стр. 1403

نظائرهما. ولو استأجر للحج من يحج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج فقرن الأجير وأحرم بالنسكين جميعاً عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه فقد حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه قولين: الجديد: هما يقعان عن الأجير؛ لأن نسكي القَرَآن لا يتفرقان لاتحاد الإِحْرَام، ولا يمكن صَرْفُ ما لم يَأْمُر به المُسْتأجِر إليه. والثاني: أن ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأَجِير، وعلى القولين لو استأجر رجلان من حج واعتمر أحدهما ليحج عنه، والآخر ليعتمر عنه فقرن عنهما، فعلى الأول يقعان عن الأجير، وعلى الثاني يقع عن كُلِّ واحدٍ منهما ما استأجره له. ولو استأجر المعضوب رجلين ليُحجَّا عنه في سنة واحدة أحدهما حُجَّة الإسلام والآخر حجَّة قضاء أو نذر، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غَيْرِها. وأظهرهما: ويحكى عن نصه في "الأم" الجواز؛ لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا القدر هو المرعي، فعلى الأول إن أحرم الأجيران معا يُصْرَف إحرامهما إلى نَفْسيهِمَا، وإن سبق إحرام أحدهما وقع ذلك عن حُجَّةِ الإِسْلاَم عن المستأجر، وانصرف إحرام الآخر إلى نَفْسِه. ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم نذر حَجّاً نُظِر إن نذر بعد الوقوف لم ينصرف حَجُّه إليه، ووقع عن المُسْتَأجر، وإن نذر قبله فوجهان: أظهرهما: انصرافه إلى الأجير. ولو أحرم الرجل بحج تطوعاً ثم نذر حجاً بعد الوقوف لم ينصرف إلى النَّذر وإن كان قبله فعلى الوجهين، -والله أعلم-. وقد ذكرنا في خلال الكلام ما يتعلق بلفظ الكتاب وبالقيد الذي أوردناه في أول الفَصْلِ يعرف أن قوله: (ولا بد من الترتيب في الحج إلخ) محمول على عن يصح منه حَجَّة الإسلام وإلاَّ فالصبي والعَبْد إذا حَجَّا فقد تقدم في حَقِّهِمَا غير حجة الإسلام على حَجَّة الإسلام. ولو استأجر المعضوب من يحج عن تلك السنة فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً فقد روى الإمام عن شيخه أن إحرامه ينصرف إلى المستأجر؛ لأن حَجَّة الإجارة في هذه السَّنة مستحقة عليه، والمستحق في الحَجِّ مقدم على غيره، وعن سائر الأصحاب أنه لا ينصرف؛ لأن استحقاقها ليس عن حكم وجوب يؤول، إلى الحَجِّ وإنما يتقدم وَاجِبُ الحَجِّ على تطوعه إذا رجَعَ الوجوب إلى نَفْسِ الحَجّ. قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ الاسْتِنَابَة، وَالنَّظَرُ في ثَلاَثة أطْرَافٍ: الطَّرْفُ

стр. 1404

الأَوَّلُ جَوَازُ الاسْتتَابَةِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنِ المُبَاشَرَة بالمَوْتِ أَوْ بِزَمَانَةٍ (م) لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا، وَإنَّمَا يَجُوزُ في حَجَّة الإسْلاَمِ إذَا وَجَبَ بالاسْتِطَاعَةَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الوُجُوبِ أَو امْتَنَعَ الوُجُوبُ لِعَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ، وَفِي الاسْتِئْجَار لِلتَّطَوُعِ قَوْلاَن. قال الرافعي: قد مر أن الاستطاعة نوعان: استطاعةُ مُبَاشَرة، واستطاعة استنابة، وحصل الفراغ عن أولهما وأما الثاني: فتمس الحاجة فيه إلى بيان أنه متى تجوز الاستنابة؟ ومتى تجب؟ ثم هي قد تكون بطريق الاستئجار، وقد تكون بغيره، فهذه أربعة أطراف، وقد تكلم فيها جميعاً لكن اختصر على ترجمة ثلاثة منها الجواز والوجوب والاستئجار. وأما الاستنابة بغير طريق الاستئجار فقد أدرج مَسَائِلَها في الطرف الثاني. الأول: في حال جواز الاستنابة. لا يخفى أن العبادات بعيدة عن قبول النيابة، لكن احتمل في الحج أن يحج الشَّخْصُ عن غيره إذا كان المحجوج عنه عاجزاً عن الحَجِّ بنفسه إما بسبب الموتَ وإمَّا بكبر أو زَمَانَة أو مَرَض لا يُرْجَى زوالةُ. أما بسب الموت فلما روى عن بريدة قال "أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ، فَقَالَ حجِّي عَنْ أُمِّك" (١). وأما بالكِبَر ونحوه فلما روى عن ابن عباس ﵄ "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفأَحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" (٢). ويروي "كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ" (٣). والمعتبر أن لا يثبت على الرَّاحِلَةِ أصْلاً أو لا يثبت إلا بمَشَقَّةِ شَدِيدَةٍ، فالمقطوع اليدين أو الرجلين إذا أمكنه الثبوت على الرَّاحِلَة من غير مَشَقَّةِ شديدةٍ لا تجوز النيابة عنه، وكذا لا تجوز النيابة عمن لا يثبت على الرَّاحِلَة لمرض يَرْجُو زوالَه فإنه يتوقع مباشرتُه له، وكذا من وَجَبَ عليه الحَجُّ ثم جُنَّ لم يكن للولي أن ينيب عنه؛ لأنه رُبَّما يفيق فَيَحُجُّ بنفسه، فإن أنساب عنه ومات ولم يفق ففي إجزائه قولان كما لو استناب من يرجو زوال مرضه فَلَمْ يَزُل، وهذا كلّه في حَجَّة الإسْلام، وفي معناها حجة النَّذْرِ، حكى ذلك عن نصه، ويلحق بهما القضاء.

стр. 1405

وأما حجَّة التطوع فهل يجوز استنابة المَعْضُوب فيها واستنابة الوارث للميت؟ فيها قولان: أحدهما: لا، لبعد العبادات البدنية عن قَبولِ النِّيابة، وإنما جوزنا في الفَرْضِ للضرورة. وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ نعم؛ لأنها عبادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها كأَداءِ الزَّكاة، ولو لم يكن الميت قد حَجَّ ولا وجب عليه لعدم الاستطاعة ففي جواز الإِحْجَاج عنه طريقان نقلهما الإمام. أحدهما: طرد القولين؛ لأنه لا ضرورة إليه. والثاني: القطع بالجَوازِ لوقوعه عن حَجَّةِ الإسلام. فإن جوزنا الاستئجار للتطوع فللأجير الأجرة المسماة، ويجوز أن يكون الأجير عبداً أو صبياً بخلاف حُجَّة الإسْلاَمِ لا يجوز استئجارهما فيها؛ لأنهما لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وفي المنذورة الخِلاَفُ المشهور في أنه يسلك بالنذر مسلك الوَاجِبَات أم لا، وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع وقع الحجُّ عَن الأَجِير ولم يستحق المسمى، وفي أجرة المثل قولان مَرْوِيان عن "الأم": أحدهما: أنه لا يستحق أيضاً لوقوع الحَجّ عنه. وأظهرهما: عند المُحَامِلِي وغيره أنه يستحقها؛ لأنه دخل في العَقْدِ طَامِعاً في الأجرة وتلفت منفعته عليه، وإن لم ينتفع بها المستأجر فَصَار كما لو اسْتُؤجِرَ لِحَمْلِ طَعَامٍ مَغْصُوبٍ فحمل يستحق الأُجْرَة (١). وأما لفظ الكتاب فقوله: (وإنما يجوز للعاجز عن المباشرة) ليست اللام في قوله (للعاجز) لإضافة فعل الاستنابة إليه؛ لأن العاجز بالموت لا يتصور منه الاستنابة وإنما المراد كون الاستنابة للعاجز، ثم هي قد تصدر منه وقد تصدر من غيره، ويجوز أن يرقم بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد تجوز الاستنابة للصَّحِيح أيضاً في حَجَّةِ التَّطَوع. وقوله: (أو بزمانة) معلم بالميم؛ لأن عند مالك لا تجوز النِّيَابة عَنِ الحَيِّ وإنما تجوز عن الميت.
следующие страницы →