أظهرهما: عند الإمام -رحمه الله تعالى-: لا؛ لأن الحُدودَ هي التي تتعلق بِتَصَرُّفِ الإِمَامِ.
والثاني: نَعَمْ؛ تشبيهاً له بزكاة الممتنع، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما تَدْخُلُه النيابة.
الثانية: إذا قلنا: يموت عاصياً فمن أي وقت نحكم بعصيانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: من أول سَنَةِ الإِمْكَانِ لاستقرار الفَرْضِ عليه يومئذ.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: من آخر سَنَةِ الإمْكَان بجواز التأخير إليها، وفيه وجه ثالث أنا نحكم بموته عاصياً من غير أن نسنده إلى وَقْت معين.
ومن فوائد الحكم بموته عاصياً أنه لو كان قد شهد عند القاضي ولم يقض بشهادته حتى مات فلا يَقْضِ كما لو بأن له فِسْقُه، ولو قضى بشهادته بين الأولى من سني الإمكان وأخراها فإن عصيناه من أخراها لم ينقض ذلك الحكم بحال، وإن عصيناه من أولاها ففي نقضه القولان، فيما إذا بأن الشُّهُودُ فَسَقَه، وقوله في الكتاب (ومهما تمت الاستطاعة) أي مَعَ سَائِرِ الشَّرائط. وقوله: (أو طُرأ العضب) أصْلُ العضب القطع يقال: عضبت الشيء أعضبته إذا قطعته، سمي معضوباً لأن الزمانة التي عرضت له قطعت حركة أعضائه، وقيل: هو معصوب -بالصاد المهملة- كأنه ضُرِب على عصبه فانعزلت أعضاؤه عن عملها -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ التَّرْتِيبِ (م ح) في الحَجِّ فَيَبْدَأُ بِحَجَّةِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ بالقَضَاءِ (و) ثُمَّ بالنَّذْرِ ثُمَّ بالتَّطَوُّعِ فَلَوْ غَيَّرَ هَذَا التَّرْتِيبَ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب وَلَغَتْ نيَّتُهُ، وَإِذَا حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ وَهُوَ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْهُ دُونَ المُسْتَأْجِرِ (م ح).
قال الرافعي: حُجَّةُ الإسْلاَم في حق من يَتَأَهَّل لَهَا تقدم على حَجَّةِ القَضَاءِ، وصورة اجتماعهما أن يفسد الرقيق حَجَّة ثم يعتق فعليه القضاء، ولا يجزئه عن حَجَّة الإسلام فإن القضاء يتلو تلو الأَدَاء؛ وكذا حجة الإسلام على حَجَّة النذر، ولو اجتمعنا معِ حجَّة الإسلام قدمت هي، ثم القضاء الواجب يأصْلِ الشّرع، ثم المنذورة تقديماً للأهَمِّ فالأهَمِّ.
ومن عليه حجة الإسلام ليس له أن يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وكذا من عليه حجة نذر أو قضاء. قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- يجوز التطوع بالحج قبل أداء الفَرْضِ، ويجوز لِمَن عَلَيْهِ الحَجُّ أن يَحُجَّ عن غيره، وأظهر ما روي عن أحمد ﵀ مثل مذهبنا. لنا: ما روى عن ابن عباس ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَن شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: أَخِي أَوْ قَرِيبٌ لِي فَقَالَ
стр. 1402
أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ -وَفِي رِوَايَةٍ- هَذِهِ عَنْكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ" (١).
دل الحديث على أنه لا بد من تقديم فرضِهِ نفسه على ما لو استؤجر له، وفهم منه أنه لا بُدَّ من تقديم فَرْض على ما يُتَطَوَّع به، والعمرة إذا أوجبناها كَالْحَجِّ في جميع ذلك. وقوله في الكتاب: (ثم بالقضاء ثم بالنذر) اعْلِمَ بالواو؛ لأن الإمام ﵀ أشار إلى تردد في تقديم القَضَاء على النَّذْرِ، وتابعه المصنف في "الوسيط".
والصَّحيح: ما ذكره في، الكتاب.
إذا تقرر ذلك فلو أنه غَيَّرَ الترتيبَ المَذْكُورَ فقدم ما يجِبُ تأخيرُه لَغَتْ نَيَّتُه، ووقع على الترتيب المَذْكُور. ولو استأجر المعضوب من يحج عن نذره وعليه حَجَّة الإسلام فنوى الأجير النذر وقع عن حجَّة الإِسْلام.
ولو استأجر من لم يحج عن نفسه وهو الذي يسمى ضرورة ليحج عن المستأجر فنوى الحَجَّ عنه لغت إضافته ووقع عن الأجير.
وينبغي أن يُعَلَّم قوله في الكتاب: (وقع عنه دون المستأجر) بالألف، لأن عن أحمد ﵀ رواية أنه لا يقع عنه ولا عن المستأجر، بل يلغى، ولو نذر ضرورة أن يَحُجّ في هذه السَّنة ففعل وقع عن حَجَّةِ الإِسْلاَم وخرج عن نذره، وليس في نذره إلا تعجيل ما كان له أن يؤخره.
ولو استأجره لِلضَّرورةِ لِلْحَجِّ في الذِّمة جَاز، والطريق أن يَحُجَّ عن نفسه ثُمَّ عن المستأجر في سُنَةٍ بَعْدَهَا، وإجارة العين تفسد لأَنَّه يتعين لها السَّنة الأولى، فإن إجازة السنة القابلة لاَ تَجُوز.
وإذا فسدت الإجازة نظر إن ظنه قد حَجَّ فبان ضرورة لم يستحق أجرة لتغريره، وإن علم أنه ضرورة وقال: يجوز في اعتقادي أن يحج الضرورة عن غيره فَحَجَّ الأجير يقع عن نفسه كما تقدَّم، ولكن في استحقاقه أجرة المثل قولان أو وجهان سيأتي
стр. 1403
نظائرهما. ولو استأجر للحج من يحج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج فقرن الأجير وأحرم بالنسكين جميعاً عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه فقد حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه قولين:
الجديد: هما يقعان عن الأجير؛ لأن نسكي القَرَآن لا يتفرقان لاتحاد الإِحْرَام، ولا يمكن صَرْفُ ما لم يَأْمُر به المُسْتأجِر إليه.
والثاني: أن ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأَجِير، وعلى القولين لو استأجر رجلان من حج واعتمر أحدهما ليحج عنه، والآخر ليعتمر عنه فقرن عنهما، فعلى الأول يقعان عن الأجير، وعلى الثاني يقع عن كُلِّ واحدٍ منهما ما استأجره له.
ولو استأجر المعضوب رجلين ليُحجَّا عنه في سنة واحدة أحدهما حُجَّة الإسلام والآخر حجَّة قضاء أو نذر، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غَيْرِها.
وأظهرهما: ويحكى عن نصه في "الأم" الجواز؛ لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا القدر هو المرعي، فعلى الأول إن أحرم الأجيران معا يُصْرَف إحرامهما إلى نَفْسيهِمَا، وإن سبق إحرام أحدهما وقع ذلك عن حُجَّةِ الإِسْلاَم عن المستأجر، وانصرف إحرام الآخر إلى نَفْسِه. ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم نذر حَجّاً نُظِر إن نذر بعد الوقوف لم ينصرف حَجُّه إليه، ووقع عن المُسْتَأجر، وإن نذر قبله فوجهان:
أظهرهما: انصرافه إلى الأجير.
ولو أحرم الرجل بحج تطوعاً ثم نذر حجاً بعد الوقوف لم ينصرف إلى النَّذر وإن كان قبله فعلى الوجهين، -والله أعلم-.
وقد ذكرنا في خلال الكلام ما يتعلق بلفظ الكتاب وبالقيد الذي أوردناه في أول الفَصْلِ يعرف أن قوله: (ولا بد من الترتيب في الحج إلخ) محمول على عن يصح منه حَجَّة الإسلام وإلاَّ فالصبي والعَبْد إذا حَجَّا فقد تقدم في حَقِّهِمَا غير حجة الإسلام على حَجَّة الإسلام.
ولو استأجر المعضوب من يحج عن تلك السنة فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً فقد روى الإمام عن شيخه أن إحرامه ينصرف إلى المستأجر؛ لأن حَجَّة الإجارة في هذه السَّنة مستحقة عليه، والمستحق في الحَجِّ مقدم على غيره، وعن سائر الأصحاب أنه لا ينصرف؛ لأن استحقاقها ليس عن حكم وجوب يؤول، إلى الحَجِّ وإنما يتقدم وَاجِبُ الحَجِّ على تطوعه إذا رجَعَ الوجوب إلى نَفْسِ الحَجّ.
قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ الاسْتِنَابَة، وَالنَّظَرُ في ثَلاَثة أطْرَافٍ: الطَّرْفُ
стр. 1404
الأَوَّلُ جَوَازُ الاسْتتَابَةِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنِ المُبَاشَرَة بالمَوْتِ أَوْ بِزَمَانَةٍ (م) لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا، وَإنَّمَا يَجُوزُ في حَجَّة الإسْلاَمِ إذَا وَجَبَ بالاسْتِطَاعَةَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الوُجُوبِ أَو امْتَنَعَ الوُجُوبُ لِعَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ، وَفِي الاسْتِئْجَار لِلتَّطَوُعِ قَوْلاَن.
قال الرافعي: قد مر أن الاستطاعة نوعان: استطاعةُ مُبَاشَرة، واستطاعة استنابة، وحصل الفراغ عن أولهما وأما الثاني: فتمس الحاجة فيه إلى بيان أنه متى تجوز الاستنابة؟ ومتى تجب؟ ثم هي قد تكون بطريق الاستئجار، وقد تكون بغيره، فهذه أربعة أطراف، وقد تكلم فيها جميعاً لكن اختصر على ترجمة ثلاثة منها الجواز والوجوب والاستئجار. وأما الاستنابة بغير طريق الاستئجار فقد أدرج مَسَائِلَها في الطرف الثاني.
الأول: في حال جواز الاستنابة.
لا يخفى أن العبادات بعيدة عن قبول النيابة، لكن احتمل في الحج أن يحج الشَّخْصُ عن غيره إذا كان المحجوج عنه عاجزاً عن الحَجِّ بنفسه إما بسبب الموتَ وإمَّا بكبر أو زَمَانَة أو مَرَض لا يُرْجَى زوالةُ. أما بسب الموت فلما روى عن بريدة قال "أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ، فَقَالَ حجِّي عَنْ أُمِّك" (١).
وأما بالكِبَر ونحوه فلما روى عن ابن عباس ﵄ "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفأَحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" (٢).
ويروي "كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ" (٣).
والمعتبر أن لا يثبت على الرَّاحِلَةِ أصْلاً أو لا يثبت إلا بمَشَقَّةِ شَدِيدَةٍ، فالمقطوع اليدين أو الرجلين إذا أمكنه الثبوت على الرَّاحِلَة من غير مَشَقَّةِ شديدةٍ لا تجوز النيابة عنه، وكذا لا تجوز النيابة عمن لا يثبت على الرَّاحِلَة لمرض يَرْجُو زوالَه فإنه يتوقع مباشرتُه له، وكذا من وَجَبَ عليه الحَجُّ ثم جُنَّ لم يكن للولي أن ينيب عنه؛ لأنه رُبَّما يفيق فَيَحُجُّ بنفسه، فإن أنساب عنه ومات ولم يفق ففي إجزائه قولان كما لو استناب من يرجو زوال مرضه فَلَمْ يَزُل، وهذا كلّه في حَجَّة الإسْلام، وفي معناها حجة النَّذْرِ، حكى ذلك عن نصه، ويلحق بهما القضاء.
стр. 1405
وأما حجَّة التطوع فهل يجوز استنابة المَعْضُوب فيها واستنابة الوارث للميت؟ فيها قولان:
أحدهما: لا، لبعد العبادات البدنية عن قَبولِ النِّيابة، وإنما جوزنا في الفَرْضِ للضرورة.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ نعم؛ لأنها عبادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها كأَداءِ الزَّكاة، ولو لم يكن الميت قد حَجَّ ولا وجب عليه لعدم الاستطاعة ففي جواز الإِحْجَاج عنه طريقان نقلهما الإمام.
أحدهما: طرد القولين؛ لأنه لا ضرورة إليه.
والثاني: القطع بالجَوازِ لوقوعه عن حَجَّةِ الإسلام.
فإن جوزنا الاستئجار للتطوع فللأجير الأجرة المسماة، ويجوز أن يكون الأجير عبداً أو صبياً بخلاف حُجَّة الإسْلاَمِ لا يجوز استئجارهما فيها؛ لأنهما لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وفي المنذورة الخِلاَفُ المشهور في أنه يسلك بالنذر مسلك الوَاجِبَات أم لا، وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع وقع الحجُّ عَن الأَجِير ولم يستحق المسمى، وفي أجرة المثل قولان مَرْوِيان عن "الأم":
أحدهما: أنه لا يستحق أيضاً لوقوع الحَجّ عنه.
وأظهرهما: عند المُحَامِلِي وغيره أنه يستحقها؛ لأنه دخل في العَقْدِ طَامِعاً في الأجرة وتلفت منفعته عليه، وإن لم ينتفع بها المستأجر فَصَار كما لو اسْتُؤجِرَ لِحَمْلِ طَعَامٍ مَغْصُوبٍ فحمل يستحق الأُجْرَة (١).
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وإنما يجوز للعاجز عن المباشرة) ليست اللام في قوله (للعاجز) لإضافة فعل الاستنابة إليه؛ لأن العاجز بالموت لا يتصور منه الاستنابة وإنما المراد كون الاستنابة للعاجز، ثم هي قد تصدر منه وقد تصدر من غيره، ويجوز أن يرقم بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد تجوز الاستنابة للصَّحِيح أيضاً في حَجَّةِ التَّطَوع. وقوله: (أو بزمانة) معلم بالميم؛ لأن عند مالك لا تجوز النِّيَابة عَنِ الحَيِّ وإنما تجوز عن الميت.
стр. 1406
وقوله: (وإنما تجوز في حَجَّة الإسلام) يفهم الحَصْرُ فيها، لكن النَّذر والقَضَاء في معناه كما سبق، ولإفهامه العصر أعلم بالميم والحاء والألف إشارة إلى أنهم يجوزونها في حجة التطوع أيضاً.
وقوله: (أو مات قبل الوجوب إذا امتنع الوُجوب لعدم الاستطاعة) جواب على طريقة نَفْي الخِلاَف في المَسْألة أو على أظهر القولين على الطَّريقة الأخرى فَلْيُعَلَّم بالواو. واحتج في الجواز بما روى: "أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّ فَرِيضَةَ الحَجَّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحِجَّ أَفَأحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" (١).
وليس هذا الاحتجاج بقوي؛ لأن هذا الحديث هو حديث الخَثْعَمِيَّة واللفظ المشهور في حديثها: "لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ" (٢). وذلك يَدُلُّ على أن اللَّفظة التي نقلها -أن يثبت- محمولة على نفي استطاعة المباشرة وذلك لا ينفي وجوب الحَجِّ، والمسألة فيمن لا وجوبَ عليه، ويجوز أن يحتج له بحديث بُرَيْدَة فإن المرأة قالت: إن أمي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجّ، ولم يفصل الجواب -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا اسْتَأجَرَ المَعْضُوبَ حَيْثُ لاَ يُرجَى زَوَالِهِ فَمَاتَ أَوْ حَيْثُ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَشُفِيَ فَفِي وُقُوعِ الحَجِّ مَوْقِعَة قَوْلاَنِ يُنْظَرُ فِي أَحدِهِمَا إلَى الحَالِ وَفِي الآخِرَ اِلى المَآل، إنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَنْهُ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يَقَعُ عَنْ تَطَوُّعِهِ وَيَكُونُ هَذَا عُذْراً فِي تَقْدِيمِ التَّطَوُّعِ كَالصِّبَا والرِّقِّ، ثُمَّ يَسْتَحِقُّ الأَجِيرُ الأُجْرَةَ وَلاَ يَجُوز الحَجُّ عنِ المَعْضُوبِ لِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيَجُوزُ عنِ المَيْتِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ (م ح) وَيَسْتَوِي فِيهِ الوَارِثُ والأجْنَبيُّ.
قال الرافعي: المعلول الذي يرجى زوال علته ليس له أن يَحُجَّ عن نفسه كما مَرَّ فإن أحج نظر إن شفي لم يجزئهُ ذلك قولاً واحداً، وإن مات ففيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -يجزئه؛ لأنه تبين أنها كانت غير مرجوة الزَّوال.
الثاني: لا يجزئه؛ استنابة لم تكن جائزة له حينئذ قال الأئمة وهذا أظهر، وعلى عكسه لو كانت غير مرجوة الزَّوال فأحج عن نفسه ثم شفي فطريقان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب طرد القولين، وبالثاني قَلَ أَبُو حَنِيفة، ويروي الأول عن مَالِك وأحمد -رحمهما الله-.
والثَّاني: القطع بأنه لا يُجْزئه.
стр. 1407
والفرق أن الخطأ في الصُّورة الأولى غير مستيقن؛ لجواز أن لا يكون المَرَضُ بحَيْثُ يوجب اليَأْسَ ثم يزداد فيوجبه فيجعل الحكم للمال، وهاهنا الخطأ مستيقن إذ لا يَجوز أن يكون اليَأْسُ حَاصِلاً ثم يزول، والطاردون للقولين في الصُّورتين قالوا: مأخذهما فيهما أن النظر إلى الحال أو إلى المآل إن نظرنا إلى الحال لم يجزه في الصورة الأولى، وأجزأ في الثَّانيَةِ، وإن نظرنا إلى المآل عكسنا الحكم فيهما، وربما شبه القولان بالقولين فيما إذا رأوا سواداً فظنوه عَدُوّاً فَصَلُّوا صلاة الخَوْفِ ثم تبين خِلافَهُ هل تجزئهم الصَّلاة؟ والأظهر عَدَمُ الإِجْزَاء؛ وقد عرفت مما ذكرنا أنه يجوز أن يكون قوله في الكتاب: (قولان) معلَّمان بالواو للطريق الثاني في الصورة الثانية. التفريع: إن قلنا إن الحجة المأتيَّ بها تُجْزِئه استحق الأُجرة المسماة لا مَحَالة.
وإن قلنا: إنها لا تجزئه فهل تقع عن تطوعه أم لا تقع عنه أصلاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: حكى الإمام عن شيخه عن القفَّال أن من أئمتنا من قال: إنه يقع عن تَطَوُّعِهِ ويكون العضب النَاجِز بمثابة الرِّق والصِّبَا في كونه عذراً لتقديم التطوع على حَجَّة الإِسْلاَم.
والثاني: أنها لا تقع عنه أصلاً كما لو استأجر ضرورة ليحج عنه وذكر صاحب الكتاب أن الأول هو الصحيح، لكن الإمام والجمهور استبعدوه، فإن قلنا: لا يقع عنه أصلاً فهل يستحق الأجير الأجرة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه عمل له في اعتقاده.
وأصحهما: لا، لأن المستأجر لم ينتفع به، فإن قلنا: بالأول: فماذا يستحق الأجير الأجرة المسماة أم أجرة المثل؟ فيه وجهان مأخذهما أنا هل نتبين فساد الاستئجار أم لا؟ وإن قلنا: إنه يقع عن تطوعه فالأجير يستحق الأجرة، وماذا يستحقه المسمى أو أجرة المثل؟ عن الشيخ أبي محمد أنه لا يمتنع تخريجه على الوجهين؛ لأن الحَاصِلَ غير ما ابتغاه.
الثانية: لا يجزئ الحَجّ عن المَعْضُوب بغير إذنه بخِلاَف قضاء الدَّيْنِ عن الغير؛ لأن الحَجَّ يفتقر إلى النية وهو أهل للإذن وللنية وإن لم يَكن أهلاً للمباشرة، وروي في "التتمة" عن أبي حامد المرورزي ﵀ جواز الحج بغير إذنه، ويجوز الحَجُّ عَنِ المَيِّتِ، بل يجب عند استقراره عليه، سواء أوصى به أو لم يُوصِ خلافاً لأبي حنيفة ومالك حيث قالا: إن لم يوص لم يحج عنه ويسقط فرضه بالموت.
لنا: ما روي عن ابن عباس ﵄: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحجَّ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحَجَّ أَفَأحَجُّ عَنْهَا فَقَالَ: لَوْ
стр. 1408
كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قاضيه؟ قال: نعم، قَالَ: فَاقْضُوا حَقَّ اللهِ -تَعَالَى- فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" (١).
ويستوي في الحَجِّ عن الميت الوارث والأَجْنَبِي تشبيهاً بقضاء الدَّيْنِ.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي وُجُوب الاسْتِنَابةِ وَذَلِكَ عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا مِنَ المُكَلَّفِ الحُرِّ بِمَالِ يَمْلكُهُ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَافِيًا بِأُجْرَةِ الأجِيرِ رَاكباً، فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلاَّ مَاشِياً لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الخَطَرِ عَلَى المَال.
قال الرافعي: قصد بهذا الطرف بيان أن الاستنابة متى تجب على المَعْضُوب.
فأما وجُوبُ الإِحْجَاج عن الميت الذي وجب عليه الحَجُّ فقد تَعَرَّضَ له في كتاب الوصية، والمعضوب تلزمه الاستنابة في الجُمْلَةِ، ولا فرق بين أن يطرأ العَضَبُ بعد الوُجوبِ وبين أن يبلغ معضوباً واجداً لِلْمَال، وبه قال أحمد.
وعند مالك لا استنابة على المعْضُوب بِحَالٍ، لأنه لا نيابة عن الحَيِّ عنده، ولا حج على من لا يستطيعه بنفسه.
وعن أبي حنيفة: أنه لا حَجّ على المعضوب ابتداء لكن لو طَرَأَ العَضَبُ بعد الوُجوبِ لم يَسْقُط، وعليه أن ينفق عَلَى مَن يَحُجَّ عنه.
إذا تقرر ذلك فلوجوب الاستنابة عن المعضوب طريقان يشتمل هذا الفَصْلُ على أَحَدِهِمَا وهو أن يجد مالاً يستأجر به من يَحُجَّ، والشرط أن يكون فاضلاً عن الحَاجَاتِ المذكورة فِيمَا لَوْ كَانَ يحج بِنَفْسِهِ إلا أنا اعتبرنا ثَمَّ أن يكون المَصْرُوف إلى الزَّادِ والرَّاحِلَةِ فاضلاً عن نفقة عِيَالِهِ إلى الإِيَابِ، وهاهنا يعتبر أن يكون فاضلاً عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار، ولا يعتبر بعد فَرَاغِ الأَجِير من الحَجِّ إلى إيابه، وهل تعتبر مُدَّةُ الذِّهَابِ حكى صاحب "التهذيب" ﵀ فيه وجهين:
أصحهما: إنها لا تُعْتَبر.
بِخِلافَ ما لو كان يَحُجُّ بنفسه فإنه إذا لم يفارق أهله يمكنه تحصيل نفقتهم.
قال الإمام: وهو كما في الفطرة لا يعتبر فيها إلا نفقة اليَوْم، وكذلك في الكَفَّارَات المُرَتَّبَةِ إذا لم نشترط تَخْلِيف رأس المَالِ، ثم إن وَفَّى ما يجده بأجْرَة أَجِيرٍ رَاكبٍ فذاك، وإن لم يَجِدْ إلا أجرة مَاشٍ ففي لزوم الاستئجار وجهان:
أصحهما: يلزم بخلاف ما لو كان يَحُجُّ بنَفْسِهِ، لا يكلف المشي؛ لما فيه من المَشَقَّة ولا مشقة عليه في المشي الذي تَحَمَّلَهُ الأَجِيرُ.
стр. 1409
والثَّاني -ويحكى عن اختيار القَفَّالِ-: أنه لاَ يلزم؛ لأن المَاشِي عَلَى خَطَرٍ، وفي بذل المَالِ في أجرته تَغْرِيرٌ به، ولو طلب الأَجِيرُ أكثرَ مِنْ أُجْرَةِ المثل لم يلزم الاستئجار، وإن رَضِيَ بأقل منها لَزِمَه، وإذا امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عليه الحاكم؟ فيه وجهان:
أشبههما: أنه لا يستأجر، وقوله في الكتاب: (من المكلف الحُر) كالمستغنى عنه في هذا المَوْضِع؛ لأنه قد سَبَقَ بَيَانُ اشْتِرَاط التَّكليف والحُرِّيَةِ فِي وجُوب الحَجِّ، وكلامنا الآن في شَرْطِ الاسْتِطَاعَة، وإذا كُنَّا فِي ذكر أَحَدِ شروط الشَّيْءِ لم نَحتج إلى التَّعرض فيه لِسَائِرِ الشّروط وإلا لا نجر بنا الأمر إلى ذِكرِ كُلِّ شَرْطٍ في كُلِّ شرط -والله أعلم-.
قال الغزالي: وإنْ قَدَرَ بِبَذْلِ الأجْنَبِيِّ مَالاً لَمْ يَلْزَمْهُ القَبُولُ لِلْمِنَّةِ، وإنْ بَذَلَ ابْنُهُ الطَّاعَةَ فِي الحَجِّ عَنْهُ وَجَبَ القَبُولُ (ح)، وَإِنْ بَذَلَ الأَجْنَبِيُّ الطَّاعَةَ أَوْ الابْن المَالَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ الابْنُ مَاشِياً فَفِي لُزُوم القَبُولِ وَجْهَانِ، وَإن كَانَ مُعَوَّلاً فِي زَادِهِ عَلَى الكَسْبِ أَوْ عَلَى السُّؤَالِ فَخِلاَف مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ.
قال الرافعي: الطريق الثاني: ألا يجد المالَ ولكن يَجِد مَنْ يحصل له الحَجَّ، وفيه صور:
إحداها: أن يبذل الأَجْنَبِي مَالاً لِيَسْتأجر به، وفي لزوم قَبُولِهِ وَجْهَانِ حكاهما الحَنَّاطِيُّ وغيره.
أحدهما: يلزم؛ لحصول الاستطاعة بما يبذله.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لاَ يُلْزَم؛ لما فيه من المِنَّةِ الثَّقِيلَةِ.
والثانية: أن يبذل واحداً مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وأولادِهم الطَّاعة في الحَجِّ، فيلزمه القبول والحَجّ (١) خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-.
لنا أن وجوب الحَجِّ مُعَلَّقٌ في نَصِّ القرآن بوجود الاستطاعة، وإنَّهَا تارة تكون بالنَّفْس، وتارة بالأعوان والأنْصَار، ألا ترى أنه يصدق ممن لا يحسن البناء أن يقول: أنا مُسْتَطِيعٌ لبناء دَارٍ إذا تمكن منه بالأسباب والأعوان.
إذا تقرر ذلك فيشترط فيه أن لا يكون المُطِيعُ ضرورة ولا معضوباً وأن يكون
стр. 1410
موثوقاً بِصِدْقِهِ، وإذا توسم أثر الطَّاعة فَهَلْ يلزمه الأمر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الظَّنَّ قَدْ يُخْطِئ.
وأظهرهما: نعم إذا وثق بالإجابة؛ الحصول لاستطاعة، وهذا ما اعتمده أصْحَاب الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وحكوه عن نَصِّ الشافعي ﵁.
ولو بذل المطيع الطاعة فلم يأذن المُطاع فهل ينوب الحاكم عنه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن مبنى الحَجِّ على التَّراخِي، وإذا اجتمعت الشَّرَائِطُ ومات المطيع قبل أن يأذن فإن مضى وقت إمكان الحَجِّ استقر في ذِمَّتِهِ وإلاَّ فَلاَ، ولو كان له من يطيع ولم يعلم بطاعته فهو كما لَوْ كان له مَالٌ موروثٌ ولم يَعْلَمْ بِهِ، وشبه ابْنُ الصَّبَّاغ ذَلِكَ بما إذا نَسِيَ المَاء فِي رَحْلِهِ ففي سقوط الفرض قولان، وشبهه صاحب "المعتمد" بالضَّال والمَغْصُوبِ وفي وجوب الزَّكاة فيهما خلاف قد مَرَّ.
ولك أن تفرق بين الحَجِّ وغيره فتقول: وجب أن لا يلزم الحج بحالٍ؛ لأنه مُعَلَّق بالاسْتِطَاعة ولا استطاعة عِنْدَ عدم الشُّعور بِالمَالِ والطَّاعَة.
وإذا بذل الوِلد الطَّاعة ثم أراد الرجوع فإن كان بَعْدَ الإحْرَامِ لَمْ يَجِدْ إِلَيهِ سَبِيلاً، وإن كان قَبْلَه رجع على أَظْهَر الوَجْهَيْنِ (١).
والثالثة: أن يبذل الأجنبيُّ الطَّاعةَ ففي لزوم القبول وَجْهَان.
أصحهما: وهو ظَاهِر نصه في "المختصر"، أنه يلزم لِحُصُولِ الاسْتِطَاعَة كما لو كان البَاذِلُ الوَلَدَ.
والثاني: لا يلزم؛ لأن الوَلَد بِضْعَةٌ مِنْهُ فنفسه كنفسه بخلاف غيره، والأخ والأب في بَذْل الطَّاعَةِ كالأجْنَبِيّ؛ لأن اسْتِخْدَامَهُمَا ثَقِيلٌ، وفي بعض تعاليق الطبرية حكاية وجه أن الأب كالابن، كما أنهما يستويان في وجوب النفقة وغيره.
الرابعة: أن يبذل الولدُ المالَ ففي لزوم قبوله وَجْهَان:
أحدهما: يلزم كما لو بَذَلَ الطَّاعة.
وأصحهما -وبه قال ابنُ سُرَيْج-: لا يلزم؛ لأن المِنَّة في قبول المال أَعْظَم، ألا ترى أن الإنسان يستنكف عن الاستعانة بمالِ الغَيْرِ، ولا يستنكف عن الاستعانة ببدنه في
стр. 1411
الأشْغَال، والوجهان صَادِران من القائلين بعدم وُجوب القَبُول من الأجْنَبي، فإن أوجبناه فهاهنا أولى.
وبذل الأب المال للابن كبذل الابْنِ المال للأب أو كبذل الأجنبي؟ ذكر الإمام -قدس الله روحه- فيه احتمالين:
أظهرهما: الأول.
فرع: جميع ما ذكرنا في بذل الطاعة مفروض فيما إذا كان رَاكباَ، أما إذا بذل الابن الطاعة على أن يحج عنه ماشياً ففي لزوم القبول وجهان:
أحدهما: لا يلزم كما لا يلزم الحج ماشياً.
والثاني: يلزم إذا كان قوياً فإن المشقة لا تناله، وهذان الوجهان مرتبان عند الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ على الوجهين في لزوم استئجار الْمَاشِي قال: وهذه الصُّورة أولى بالمنع؛ لأنه يعز عليه مشي ولده، وفي معناه ما إذا كان المطيعُ الوَالِدَ وأوجبنا القبول، ولا يجيء التَّرتيبُ فِيمَا إِذَا كان المطيعُ الأجنبيَّ، وإذا أوجبنا القبولَ والمطيع ماشٍ فهو فيما إذا كان مَالِكاً للزَّادِ، فإن عوّل على الكَسْبِ في الطريق ففي وجوب القبول وجهان، وأولى بالمنع؛ لأن المكاسب قد تنقطع في الأسفار، فإن لم يكن كسوباً أيضاً وعول على السُّؤَال فأولى بالمنع؛ لأن السَّائِل قد بُرَدّ، فإن كان يركب مفازة لا يجدي فيها كسب ولا سؤال لم يجب القَبُول بلا خلاف إذ يحرم عليه التغرير بالنَّفْس (١).
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَحَقَّقَ وُجُوبُ الحَجِّ فَالْعُمْرَةُ تَجِبُ (م ح) عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: في كون العمرة من فَرائض الإسْلام قولان:
أصحهما -وبه قال أحمد-: أنها من فرائضه كالحَجِّ، روي عن ابن عباس ﵄: "أَنَّهُ كَقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ" (٢).
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ" (٣).
стр. 1412
والثاني: وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- أنها سُنَّة؛ لما روي عن جابر ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: لاَ وَإِنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ" (١).
والأول هو قوله في الجديد، والثاني القديم.
وأشار بعضهم إلى ترديد القول فيه جديداً وقديماً.
وإذا قُلْنَا بالوجوب فهي من شَرَائط مطلق الصِّحة، وصحة المباشرة والوجوب والإجزاء عن عمرة الإسلام على ما ذكرنا في الحَجْ، وفي قوله: (ومهما تحقق وجوب الحج) إشارة إلى أن شرائط وجوب العمرة كشرائط وجوب الحَجِّ، وإن الاسْتِطَاعَة الوَاحِدَة كَافِيَةٌ لهما جميعاً.
قال الغزالي: الطَّرَف الثَّالِثُ فِي الاسْتِئْجَارِ وَالنَّظَرِ فِي شَرَاِئطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَأَمَّا شُرُوطُهُ فَمَذْكُورَةٌ فِي الْإِجَارَةِ، وَلتُرَاعَ هَهُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: الأَوَّل أَنْ يَكُونَ الأَجِيرُ قَادِراً فَإِنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفاً أَوْ طَالَتِ المَسَافَةُ مَعَ ضِيقِ الوَقْتِ لَمْ يصحَّ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الأنْدَاءِ وَالثُّلُوجِ فَإِنْ ذَلِكَ يَزُولُ، ثمَّ لُيُبَادِرِ الأجِيرُ مَعَ أَوَّلِ رُفْقَةٍ وَلاَ يُلْزَمُهُ المُبَادَرَةَ وَحْدَهُ الثَّاني أَنْ لاَ يُضِيفَ لحَجَّ إِلَى السَّنَةِ القَابِلَةِ (ح) إلاَّ إِذَا كانَتِ المَسَافَةُ بِحَيْثُ لاَ تُقْطَعُ فِي سَنَةٍ أَوْ كَانَتِ الإِجَارَة عَلَى الذِّمَّةِ.
قال الرافعي: لك أن تعلم لفظ: (الاستئجار) بالحاء والألف، لأن عندهما لا يجوز الاستئجار على الحَجِّ كما في سائر العبادات ولكن يُرْزَق عليه، ولو استاجر كان ثواب النفقة للآمر، وسقط عنه الخطاب بالحج، ويقع الحَجّ عن الحَاجِّ.
لنا: أنه عمل تَدْخُله النيابة فيجزئ فيه الاستئجار كتفريق الزَّكَاة، وعندنا يجوز الحَجُّ بالرزق (٢) كما يجوز بالإجارة، وذلك بأن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك، ذكره في "العدة"، وإذا استأجره بالنفقة لم يصح؛ لأنها مجهولة والأجرة لاَ بُدَّ أن تكون معلومةٌ. واعلم أن الاستئجار في جميع الأعمال على ضربين.
استئجار عين الشَّخْصِ.
стр. 1413
وإلزام ذمته العمل.
فنظير الأول: من الحَجِّ أن يقول المعضوب: استأجرتك لِتَحُجَّ عَني، أو يقول الوارث: لِتَحُجَّ عَنْ مَيِّتِي.
ونظير الثاني: أن يقول: ألزمت ذِمَّتُكَ تَحْصِيلَ الحَجِّ.
والضربان يفترقان في أمور ستعرفها.
ثم للاستئجار شروط لا بد منها لِيَصِح، وإذا صَحَّ فله آثار وأحكامٌ وموضع ذكر ما يتعلق منها بمطلق الاستئجار "كتاب الإجارة" وفَصَّل هاهنا ما يتعلق بخصوص الحَجِّ فذكر أنه يراعي في الشّروط أربعة أمور، وهذا الفصل يشتمل على اثنين منها.
وشرحها أن كل واحد من ضربي الإجارة إما أن يعين زمان العَمَلِ فيه، أو لا يعين، وإن عين فأما أن يعين السَّنَة الأولى أو غيرها.
فأما في إجارة العين إن عينا السَّنة الأولى جاز بشرط أن يكون الخُروجُ والحجُ فيما بقي منها مقدوراً للأجير، فلو كان مريضاً لا يمكنه الخروج أو كان الطريق مخوفاً أو كانت المسافة بحيث لا تقطع في بقية السّنة لم يصح العقد؛ لأن المنفعة غير مقدور عليها، وإن عينا غير السنة الأولى بطل العَقْدُ كاستئجار الدَّارِ الشهر القابل.
نعم، لو كانت المسافة شَاسِعة لا يمكن قطعها في سَنَةٍ لم يضر التأخير، والمعتبر السَّنة الأولى من سِنِيِّ إمكان الحَجِّ من ذلك البلد.
وإن أطلقا ولم يعينا الزَّمان فهو محمول على السَّنَةِ الأُولَى فيعتبر فيها ما ذكرنا.
وأما في الإجارة الواردة على الذِّمَّةِ فيجوز تعين السَّنَةِ الأُولَى وغيرها، وهو بمثابة الدَّيْنِ في الذِّمَّة قد يكون حالاًّ وقد يكون مُؤَجَّلاً، وإن أطلقا فهو كما لو عينا السنة الأولى (١). إذا عرفت ذلك عرفت أن الأمرين المذكورين في الفَصْلِ لَيْسَا وَلاَ وَاحِدٍ منهما شَرْطاً في مُطْلَق الإِجَارَة.
أما الثاني: فلا مجال له في الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْهَا، ولا هو بمضطرد في الأول كَمَا صَرَّحَ بِهِ في الكِتَاب.
стр. 1414
وأما الأول: وهو قدرة الأجير فلأنه لو كانت الإجارة على الذِّمَّة لم يقدح كَونُه مريضاً بحال؛ لإمكان الاستنابة، ولا يقدح خَوْفُ الطَّريق ولا ضيق الوقت أيضاً إنْ عَيَّنَ غَيْرَ السَّنَةِ الأُولَى.
وأما قوله: (ثم ليبادر الأجير مع أول رفقة) فاعلم أن قضية كلام المُصَنف والإمام تجويز تقديم الإجارة على خروج النَّاس وأن له انتظار خروجهم، ولا يلزمه المبادرة وحده، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم ينازع فيه ويقتضي اشتراط وقوع العُقْدِ في زمان خُروجِ النَّاسِ من ذلك البَلد، حتى قال: صاحب "التهذيب": لا يصح استئجار العين إلاَّ في وَقْتِ خروج القَافِلَةِ من ذلك البَلَدِ بحيث يشتغل عُقَيْبَ العَقْدِ بالخُروج أو بأسبابه من شراء الزاد ونحوه، فإن كان قبله لم تصح؛ لأن إجارةَ الزَّمَانِ المُسْتَقبَلِ لا تجوز، وبنوا على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكَّة لم يجز إلا في أشْهُرِ الحَجِّ ليمكنه الاشتغال بالعمل عُقَيْبَ العَقْدِ، وعلى ما أورده المصنف فلو جرى العقد في وقت تراكم الثُّلوج والأنداء فقد حكى الإمام فيه وجهين روى عن شيخه أنه يجوز؛ لأن توقع زَوَالِهَا مَضْبُوط، وعن غيره أنه لا يجوز لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار الرفقة فإن خروجها في الحال غير متعذر، والأول هو الذي أورده في الكتاب، وهذا كله في إجارة العين.
فأما الاجارة الواردة على الذِّمَّة فيجوز تقديمها على الخُروج لا محالة (١).
واعلم: أن الكلام في أن الأجير يبادر مع أول رفقة ولا يبادر وحده عند من لا يشترط وقوع العَقْدِ في زمان خُروج النَّاس بتعلق بأحكام العقد وآثاره لاَ بشَرَائِطِهِ، وكان من حق الترتيب أن يؤخره ولا يخلطه بالشَّرَائِطِ.
فرع: ليس للأجير في إجارة العين أن يُنِيب غيْرَه؛ لأن الفعل مُضَافٌ إِلَيْهِ، فإن قال: لتحج عَنِّي بنفسك فهو أوضح، وأما في الإجارة على الذِّمةِ ففي "التهذيب" وغيره أنه إن قال: ألزمت ذمتك لتحصل لي حَجَّةً جاز أن يُنيب غَيْرَه.
وإن قال: لتحج بِنَفْسِك لم يجز؛ لأن الأَعْرَاض تَخْتلف باخْتِلاف أَعْيَان الأُجَرَاءِ
стр. 1415
وهذا قد حكاه الإمام عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وَخَطَّاَهُ فِيهِ، وقال: ببُطْلاَنِ الإجَارَةِ في الصُّورة الثانية؛ لأن الدَّيْنِيَّة مع الرَّبْطِ بمعين يتناقضان فصار كما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، وهذا إشكال قَوِيّ.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ الحَجِّ مَعْلُومَةً لِلأَجِيرِ، وَفِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ المِيقَاتِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُفْضِي إِلَى مِيقَاتَيْنِ وَجَبَ التَّعيِينُ.
قال الرافعي: أعمال الحج معروفة مضبوطة فإن علماها عند العَقْدِ فذاك، وإن جَهِلاَها أو أحدهما فلا بد من الإعلام.
وهل يشترط تعيين الميقات الذي يحرم منه الأجير؟ قال في "المختصر": نعم وعن "الإملاء" وغيره أنه لا يشترط، وللأصحاب فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين، ويحكى ذلك عن ابْنِ سُرَيْج وأبي إسحاق.
أحدهما: يشترط لاختلاف المواقيت قرباً وبعداً، واخْتِلاَف الأغراض باختلافها.
والثاني: لا يشترط ويتعين ميقات تلك البلدة على العادة الغَارِمة، وبهذا أجاب المُحَامِلِيّ في "المقنع" وذكر ابن عَيْدَان أنه الصَّحِيح، وشبهوا هذا الخِلاَفَ بِالْخلاَفِ في التعرض لمكان التّسليم في المسلم والمَعَالِيقِ في إجارةِ الدَّابة.
والثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالين، ولمن قال به طريقان:
أظهرهما: حمل النَّصِّ الأول على ما إذا كان للبلد طريقان مختلفَا الميقات، أو كان يفضي طريقها إلى ميقاتين كالعقيق وذات عرق، وحمل الثاني على ما إذا كان لها طريق واحدٌ له ميقات واحد.
والثاني: ويحكى عن ابن خَيْرَان أمن حمل الأول على ما إذا استأجر حيّاً والثاني على إذا ما كان الاستئجار لميت، والفرق أن الحي له غرض واختيار، والميت لا اختيار له، والمقصود تبرئة ذمته، وهي تحصل بالإحرام من أي ميقات كان، فإن شرطنا تعيين الميقات فَسَدَت الإجارة بإهْمَاله، لكن يقع الحَجُّ عن المستأجر؛ لوجود الإذن، ويلزمه أَجْرَةُ المِثْلِ، وإذا كانت الاجَارة لِلْحَجِّ والعمرة فلا بد من بيان أنه يفرد، أو يقرن، أو يتمتع؛ لاختلاف الأغراض بها.
قال الغزالي: الرَّابعُ أَنْ لاَ يَعْقِدَ بِصِيغَةِ الجَعَالَةِ، فَلَوْ قَالَ: مَن حَجَّ عَنِّي فَلَهُ مَائَةٌ فَحَجَّ عَنْهُ إِنْسَانٌ نَقَلَ المُزَنِيُّ صِحَّتَهُ، وَطَرَدَهُ الأَصْحَابُ فِي كُلِّ إِجَارَةٍ بِلَفْظِ الجَعَالَةِ، وَالأَقْيَسُ فَسَادُ المُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إِلى أُجْرَةِ المِثْلِ لِصِحَّةِ الإِذْنِ.
стр. 1416
قال الرافعي: حكى الأئمة أن المزني ﵀ نقل في المَنْثُور عن نَصِّه أنه لو قال المعضوب: من حَجَّ عني فله مائة درهم فَحَجَّ عنه إنسان استحق المَائِة، واختلاف الأصحاب فيه على وجهين:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: أن هذا النَّص مقرر وتجوز الجُعَالة على كُلِّ عَمَلٍ يصح إيراد الإِجَارَةِ عَلَيْهِ؛ لأن الجعالَة جَائِزَةٌ مع كون العَمَلِ مَجْهُولاً فأولى أن تجوز مع العِلْمِ به.
والثاني -وبه قال المزني-: أن النَّص مخالفٌ مُؤَوَّل ولا تجوز الجعالة على ما تجوز الإجارة عليه؛ لأن العمل غير معين فيها، فإنما يعدل إليها عند تَعَذُّرِ الإجارة للضَّرُورة، وعلى هذا فلو حَجَّ عنه إنْسَان فالمُسَمَّى سَاقِطٌ لِفِسَادِ العَقْدِ ولكن الحج يقع عن المَعْضُوب، وللعامل أُجْرَةُ المِثْلِ لوجود الإِذْنِ وإن فسد العقد، وكذا الحكم فيما لو قال: من خَاطَ ثَوْبِي فله كَذَا فخاطه إنسان وفيه وجه أنه يفسد الإذن؛ لأنه ليس موجهاً نحو معين. كما لو قال: وَكَّلْتُ من أراد بِبَيْع دَارِي لا يصح التَّوكيل، فإذا تقرر ذلك فلفظ الكتاب هاهنا يرجح الوجه الصَّائر إلى عدم صِحَّة الجعالة فإنه سماه الأقيس، وجعل عدم العقد بصيغة الجَعَالة من الأمور المَرْعِية، لكنه قد أعاد هذه المَسْألة في باب الجعالة، وإيراده هناك يقتضي ترجيح وجه الصِّحة وكلام الأكثرين إليه أميل.
وقوله: (ألاَّ يعقد بصيغة الجعالة) إن كان المراد منه أن لا يعقد الإجَارة بصيغة الجَعَالة فهذا يوهمِ رجوع المنع إلى الصيغة، وكون الجعالة إِجارةً وليس كذلك بل هما عقدان مُخْتَلِفا الأرْكَانِ وإن كان المراد أنه لا يَعْقِدُ عَلَى الحَجِّ الجعالة ذِهَاباً إلى الوجه الثَّاني فَعَدُّه من شروط الإجارة بَعِيدٌ عن الاصْطِلاحَ؛ لأن الامتناع عن العقد الذي لا يجوز إيراده على الشَّيْءِ لا يعد شرطاً في ما يجوز إيراده عليه، وإلا فليكن الامتناع عن البيع وسائر ما لا يقبله الحَجْ شرطاً في الإجارة.
قال الغزالي: أمَّا أحكامُهُ فَتَظْهِرُ بِأحْوَالِ الأَجِيرِ وَهِيَ سَبْعَةٌ الأُولَى إِذَا لَمْ يَحُجَّ فِي السَّنَةِ الأوُلَى أَنْافَسَخَتِ الإِجَارَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ فَلِلْمُستَأْجِرِ الخِيَارُ كَإِفْلاَسِ المُشْتَرِي وَقِيلَ: تَنْفَسِخُ فِي قَوْلٍ كَاَنْقِطَاعِ المُسْلِمِ فِيهِ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِالخِيَارِ فَكَانَ المُسْتَأجِرُ مَيِّتاً فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ فَسْخُ الإِجَارَة فَإنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى أَجِيرٍ آخَرَ فَأَجيرُ المَيِّت أَوْلَى.
قال الرافعي: أحكام مطلق الإجارة تذكر في بابها والتي يختص بالاستئجار على الحَجِّ مثبتة على اختلاف حال الأَجِير في عدم الوَفَاء بالملتزم، وهي فيما ذكر سَبْع أحوالٍ. ووجه حصرها أن عدم الوفاء إما أن يكون بعدم اشتغاله به في السَّنة الأولى، وهو الحالة الأولى، أو بغير هذا الطريق، وهو إما بالشروع فيه على خلاف قضية
стр. 1417
الإجارة أو بعدم الاستمرار عليها بعد الشروع على وفاقها، والأول إما بالمخالفة في المِيقَات وهو الحالة الثانية، أو في الأفعال وهو الثالثة.
والثاني: وهو إما أن يكون بتقصير منه أولاً، والأول إما بالإفساد وهو الرّابعة، أو بتغيير النية وهو الخامسة.
والثَّالث: إما بالموت وهو السادسة، أو بالإحصار وهو السابعة.
وفقه الحالة الأولى أنه إذا لم يخرج إلى الحَجِّ في السنة الأولى إِمَّا بِعُذْرٍ أو بغير عذر فينظر إن كانت الإجارة على العَيْنِ انْفَسَخَتْ، وإن كانت في الذِّمة فينظر إن لم يعينَا سَنَةَ فقد قدَّمْنَا أن الحكم كما لو عَيَّنَا السَّنَةَ الأولى، وذكر في "التهذيب" أنه يجوز التأخير عن السَّنَةِ الأولى والحالة هذه لكن يثبت به الخيار للمستأجر.
وإن عينا سنة إما الأولى أو غيرها فأخر عنها هل تنفسخ الإجارة؟ حكى الإمام ﵀ فيه طريقين.
أظهرهما: أنه على قولين كالقولين فيما لو حل السَّلَم والمُسْلَم فِيهِ منقطع.
أحدهما: ينفسخ لفوات مقصود العقد.
وأصحهما: لا ينفسخ كما لو أَخَّرَ أداء الدَّيْنِ عن محله لا ينقطع.
والثاني: القطع بالقَوْلِ الثَّاني.
وإذا قلنا بعدم الانفساخ فينظر إن صدر الاستئجار من المعضوب لنفسِهِ فله الخِيَار لتعوق المقصود -كما لو أفلس المشتري بالثمن- فإن شاء أجاز ليحج في السَّنة الأخرى، وإن شاء فسخ واسترد الأجرة وارتفق بها إلى أن يستأجر غيره؛ وإن كان الاستئجار لميت في ماله وقد ذكر أصحابنا العراقيون أنه لا خيار لمن استأجر في فسخ العقد؛ لأن الأجرة متعينة لتحصيل الحَجِّ فلا انتفاع باستردادها، وتوقف الإمام فيما ذكروه؛ لأن الورثة يستفيدون باسترداد الأجرة صَرْفَهَا إلى من هو أحرى بتحصيل المقصود، وأيضاً فلأنهم إذا استردوها تمكنوا من إِبْدَالِهَا بِغَيْرِهَا، وأورد صاحب "التهذيب" وغيره أن على الولي مراعاة النظر للميت، فإن كانت المصلحة في فسخ العقد لخوف إفلاس الأجير أو هَرَبهِ فلم يفعل ضمن، وهذا هو الأظهر، ويجوز أن يحمل المنسوب إلى العراقيين على أحد أمرين رأيتهما للأئمة.
الأول: صور بعضهم المَنْع فيما إذا كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه إنسان بمائة مَثَلاً ووجهه بأن الوصية مستحقة الصَّرف إلى المعين.
الثاني: حكى الحَنَّاطِيُّ: أن أبا إسحاق ذكر في الشَّرْحِ أن المستأجر للميت أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد إن كانت المَصْلَحَةُ تقِّضيه وإن لم يستقل به فإذا نزل
стр. 1418
مَا ذَكَرُوه على التأويل الأول ارتفع الخلاف، وإن نزل على الثَّاني هَانَ أمرُه.
ولو استأجر إنسان للميت من مال نفسه تطوعاً عليه فهذا كاستئجار المعْضُوب لنفسه فله الخيار، ولو قدَّم الأَجِيرُ الحَجَّ على السنة المعينة جاز وقد زَادَ خَيْراً.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (إن لم يحج في السنة الأولى) أي بأن لم يشرع في أعماله وإلا فيدخل فيه ما إذا مات في أثناء الحج، وما إذا أحصر، وما إذا فاته بعد الشُّرُوع فيه، وهذه الصّورة بأحكامها مذكورة من بعد.
وقوله: (إلا إذا كانت على الذِّمَّة فللمستأجر الخِيار) غير مجرى على إطْلاقةِ؛ لأنه لو عَيَّنَ غير السنة الأولى لم يؤثر تأخيره على السَّنَةِ الأولى.
وقوله: (فللمستأجر الخيار كإفلاس المشتري) جواب على الطريقة الجَازِمةَ بعَدَمِ الانفساخ؛ لقوله بعده: (وقيل: ينفسخ في قول).
وأما قوله: (فإن حكمنا بالخيار وكان المستأجر ميتاً فليس للوارث فسخ الإجارة) فاعلم أنا حكينا فيما إذا كان الاستئجار لميت الوجه المنقول عن العِرَاقيين، والذي يقابله، ووراءه صورة أخرى وهي أن يستأجر المَعْضُوبُ لِنَفْسِهِ ثم يموت وُيؤخِّرُ الأجير الحَجَّ عن السنة الأولى هل يثبت الخيار للوارث؟ ولفظ الكتاب مشعر بهذه الصُّورة بعيد عن الأولى تصويراً وتوجيهاً فإنها فيما إذا كان الاستئجار لميت لا فيما إذا كان المستأجر ميتاً والأولى هي التي تكلم الأئمة فِيهَا وأما الثانية فلم نَلْقَها مَسْطُورة، فإن حمل كلام الكتاب على الأولى وجعل ما ذكره جواباً على ما نقل عن العراقيين فهو بعيد، من جهة اللَّفْظِ، ثم ليكن مُعَلَّمَا بالواو الموجه المقابل له وقد ذكرنا أنه الأظهر، وإن حمل على الثَّانية فالحكم بأن الوارث لا خيار له بعيد من جِهَةِ المَعْنَى والقياس ثبوت الخيار للوارث كما في خِيَارِ العَيْبِ ونحوه.
قال الغزالي: الثانية إِذَا خَالَفَ فِي المِيقَاتِ فأحْرَمَ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بحَجِّ المُسْتأجِرِ في مَكَّة، فَفِي قَوْلِ لاَ تُحْسَبُ المَسَافَةُ لَهُ لأَنَّهُ صَرَفَهُ إِلَيَ نَفْسِهِ فَيَحُطُّ مِنْ أُجْرَتِهِ بِمِقْدَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَجِّه مِنْ بَلَدِهِ وَبَيْنَ حَجِّه مِنْ مَكَّةَ فَيَكْثُرَ المَحْطُوطُ، وَعَلَى قَوْلٍ: تُحْسَبُ المَسَافَةُ فَلاَ يُحَطُّ إلاَّ مِقْدَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَجِّ مِنَ المِيقَاتِ وَحَجّ مِنْ مَكَّةَ فَيَقِلُّ المَحْطُوطُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِر عَنْ نَفْسِهِ وَأَحْرَم مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمُ الإِسَاءَة، وَهَلْ يَنْجَبِرُ بِهِ حَتَّى لاَ يُحَطَّ شَيْءٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ ينْجَبِرُ فَفِي احْتِسَابِ المَسَافةِ فِي بَيَانِ القَدْر المَحْطُوطِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ يُحْتَسَبَ لِأنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ لَهُ
стр. 1419
الكُوفَةَ فَهَلْ يَلزَمُهُ الدَّمُ فِي مُجَاوَزتِهَا إلْحَاقاً لَهَا بالمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَو ارْتَكَبَ مَحْظُوراً لَزِمَهُ الدَّمُ وَلاَ حَطَّ لِأَنَّهُ أتَى بتَمَامِ العَمَلِ.
قال الرافعي: في الفصل صورتان:
إحداهما: الأجير للحج إذا انتهى إلى الميقات المعين من المواقيت إما بتعينهما إن اعتبرناه أو بتعيين الشَّرْع فلم يحرم بالحَجِّ عن المُسْتَأجر ولكن أحرم بِعُمْرَة عن نفسه ثم لَمَّا فرغ منها أحرم بالحَجِّ عن المستأجر لم يخل إما أن يحرم به من غَيْرِ أن يعود إلى الميقات أو يعود إلى الميقات فيحرم منه.
الحالة الأولى: أن لا يعود إليه؛ كما إذا أحرم من جوفَ مَكَّةَ فَيَصِحُّ الحَجُّ عن المُسْتَأْجِرِ بحكم الإِذْنِ ويحط شيء من الأجرة المُسَمَّاة؛ لأنه لم يحج من الميقات وكان هو الواجب عليه، وفي قدر المحطوط اختلاف يتعلق بأصْلٍ وهو أنه إذا سار الأجير من بلدة الأجيرة وحَجَّ فالأجرة تقع في مقابلة أعمال الحَجِّ وحدَها أو تتوزع على السَّيْر والأعمال؟ وسيأتي شرحه من بعد فإن أوقَعْنَاها في مقابلة أَعْمَالِ الحَجِّ وحدها وُزِّعَتْ الأجرة المُسَمَّاة على حُجَّةٍ من المِيقَاتِ وحُجَّةٍ من جَوْفَ مَكَّة؛ لأن المقابل بالأجرة المُسَمَّاة على هذا هو الحَجُّ من الميقات فإذا كانت أجْرَة حَجَّة منشأة من الميقات خَمْسة، وأجْرَة حَجَّة منشأَة من جوف مكَّة ديناران فالتفاوت بثلاثة أخماس فيحط من الأجرة المُسَمَّاة ثلاثة أخماسها، وإن وَزَّعنَا الأجرةَ على السَّيْرِ والأَعْمَالِ جميعاً وهو الأظهر فقولان: أحدهما: أن المسافة لا تحتسب له هاهنا؛ لأنه صرفه إلى غرض نفسه حيث أحرم بالعمرة من الميقات، ومن عمل لنفسه لم يستحق أجرة على غيره؛ فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على حجة تنشأ من بَلْدَةِ الإجَارَةِ ويقع الإحرام بِهَا مِنَ المِيقَات، وعلى حَجَّةٍ تنشأ من جَوْفِ مَكَّة فيحط بنسبة التفاوت من الأجرة المُسَمَّاة فإذا كانت أجرة الحَجَّة المنشأة من بلدة الإجارة مائة وأجرة الحجة المنشأة من مكَّة عشرة حُط من الأجرة المَسَمَّاة تِسْعَةُ أَعْشَارِهَا.
وأصحهما: أنه يحتسب قطع المسافة إلى الميقات لجواز أن يكون قَصْدُه منه تحصيل الحَجِّ إلا أنه أراد رِبْحَ عُمْرَةٍ في أثناء سَفَرِهِ، فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على حجة منشأة من بلدة الإجارة إحرامها من الميقات، وعلى حجة منشأة منها إحرامها من مكَّة، فإذا كانت أجرة الأولى مائة وأجرة الثانية تِسْعِين حَطَطْنَا من المسمى عشرة، وإذا وقفت على ما ذكرنا تَحَصَّلْتَ على ثَلاثَةِ أقوالٍ، والثاني والثَّالث هما اللَّذَان أوردهما الأكثرون منهم صاحب "التهذيب" و"التتمة" وحكاهما ابْنُ الصَّبَّاغِ وجهين مفرعين على توزيع الأجرة على السَّيْرِ والعَمَلِ. وإما القولان المَذْكُوران في الكتاب فالأول منهما هو الثَّاني في الترتيب الذي ذكرناه.
стр. 1420
والثاني: منهما يمكن تنزيله على الثَّالث ليوافق إيراد الأكثرين، وعلى هذا فقوله: (وعلى قول: تحتسب المسافة) أي في الصّورة التي نحن فيها، وقوله: (فلا يحط إلا مقدار التفاوت بين حج من الميقات وحَجّ من مكَّة) أي إحرامه من الميقات أو مكَّة وإنشاؤهما من بَلْدَةِ الإِجَارَة، ذلك إنما أراد القول الذي ذكرناه أولاً وهو واضح من كلامه في "الوسيط"، وكذلك أورده الإمام ﵀ في "النهاية" وعلى هذا فظاهر المذهب غَيْرُ القولين المذكورين في الكتاب.
وقوله: (وعلى قول تحتسب المسافة) أي في الجملة لا في هذه الصّورة، واعرف بعد هَذَا شيئين:
أحدهما: أن الحكم بوقوع الحَجِّ الذي أحرم به من مكَّة عن المستأجر ليس صَافِياً عن الإشكال؛ لأن المأمور به حجة يحرم بها من المِيقَات، وهذا الخصوص متعلق الغرض فلا يتناول الإذن غيره، ولهذا لو أمره بالبيع على وجه خاص مقصود لا يملك البيع على غير ذلك الوجه.
الثاني: أن الأجير في المسألة التي نحن فيها يلزمه دم لإحرامه بالحَجِّ بعد مجاوزة الميقات، وسنذكر خلافاً في غير صورة الاعتمار أن إساءة المجاوزة هل تنجبر بإخراج الدَّم حتى لا يحط شيئاً من الأُجْرَة أم لا؟ وذلك الخلاف عائد هَاهنا، نَصَّ عليه ابْنُ عَبْدَانَ وغيره، فإذًا الخلاف في قدر المحطوط مفرع على القول بأصل الحَطِّ، ويجوز أن نفرق بين الصورتين ونقطع بعدم الانجبار هَاهُنَا؛ لأنه ارتفق بالمجاوزة حيث أحرم بالعُمْرَة لنفسه.
الحالة الثانية: ولم يذكرها في الكِتَاب أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العُمْرَة ويحرم بالحج منه فَهَلْ يحط شَيْءٌ من الأجرة؟ يبنى على الخلاف في الحالة الأولى.
إن قلنا: الأجرة مُوَزَّعَةٌ على السَّيْرِ والعَمَل ولم يحسب السير هاهنا لانصرافه على العمرة فتوزع الأجْرَةُ المسماة على حَجَّةٍ منشأة من بلدة الإجارة إحرامها من الميقات، وعلى حجة من منشأة الميقات، من غير قطع مسافة، فإذا كانت أجرة الأولى عشرين مثلاً، وأجرة الثانية خَمْسَة حططنا من المسمى ثلاثة أرْبَاعه.
وإن قلنا: الأجرة في مقابلة العمل وحده أو وَزَّعْنَا عليه وعلى السَّير واحتسبنا قطع المسافة هاهنا فلا حَطَّ وتجب الأجرة بتمامها، وهذا هو الأَظْهَرُ ولم يذكر كثيرون غيره.
الصُّورة الثانية: إذا شرطا في الإجارة ميقاتاً من المواقيت الشَّرعية أو قلنا: إنه يتعين ميقات بلده فجاوزه غير معتمر ثم أحرم بالحج عن المُسْتأجر نظر إن عاد إليه وأحرم منه فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، ولا يُحَطّ من الأجرة شَيْءٌ، وإن أحرم من جوف مكة أو بين
стр. 1421
الميقات ومكَّة ولم يعد لزمه دم الإسَاءة بالمجاوزة، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يُحَط شيء من الأُجْرَة؟ نص في "المختصر" على أنه لا ينجبر بل يرد من الأجرة بقدر ما ترك، ونقل عن القديم أنه يلزمه دم وحجته تَامَّة ولم يتعرض للأجرة، واختلفوا على طريقين.
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أن الدَّم يجبر الإساءة الحَاصِلَةَ ويصير كأن لا مخالفة ويستحق تمامَ الأُجْرَةِ.
وأظهرهما: أنه يحط؛ لأنه استأجره لِعَمَل وقد نقص منه فصار كما لو استأجره لبناء أذرع فَنَقَصَ منها، والدم إنما وَجَبَ لِحَقِّ الله تَعَالى فلا ينجبر بها حق الآدمي، كما لو حنى المُحْرِمُ على صَيْدٍ مَمْلُوكٍ يلزمه الضَّمان مع الجزاء.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق القطع بالقول الثَّاني إلا أنه سكت عن حكم الأُجْرةَ في القَدِيم.
فإن قلنا: بحصول الانجبار فهل ننظر إلى قيمة الدَّمِ ونقابلها بقدر تفاوت الأجرة؟ حكى الإمام فيه وجهين:
أحداهما: وبه قال ابْنُ سُرَيج نعم حتى لا ينجبر ما زَادَ على قِيمَةِ الدَّمِ.
وأظهرهما: لا؛ لأن المعوّل في هذا القَوْل على انجبار الخَلَل، والشَّرع قد حكم به من غير نظر إلى القِيمَة وإن قلنا بعدم الانجبار وحَطَطْنَا شَيْئاً ففي القدر المَحْطُوطِ وَجْهَانِ مَبْنيَّانِ على الأصْلِ الذي سبقت الإشارة إليه وهو أن الأجْرَة في مقابلة ماذا؟
إِنْ أوقعناها في مقابلة الأعمال وحدها وَزَّعْنا المسمى على حَجَّةٍ من الميقات وحَجَّةٍ من حيث أحرم.
وإن وَزَّعناها على السير والعمل جميعاً -وهو الأظهر- وزعنا المُسَمَّى على حَجَّة مِنْ بلدةِ الإجازة يكون إحرامها من الميقات، وعلى حجة منها يكون إحرامها من حيث أحرم، وعلى هذا يقل المحطوط بخلاف ما لو وَزَّعْنَا على السير والعَمَلِ جَمِيعاَ ثم لم نحتسب بقطع المَسَافة في الصُّورة الأولى فَإنه يُكْثرُ المحطوط، وإذا نسبت هذه الصّورة إلى الأولى ترتب الخلاف في إِدْخَال المَسَافَةِ في الاعْتبار على الخلاف في الأولى، كما ذكره في الكتاب، وهذه أولى بالاعتبار؛ لأنه لم يصرف إلى نفسه، ثم حكى الشيخ أبو محمد ﵀ وجهين في أن النَّظر إلى الفَرَاسِخِ وحدها أم يعتبر مع ذلك السهولة والحزونة؟ والأصح الثاني.
واعلم أن الجمهور أوردوا في مسألة الانجبار على طريقة إثبات الخلاف قولين،
стр. 1422
وصاحب الكتاب أطلق وجهين لكن الأمر فيه هَيِّن فإنهما لَيْسَا بمنصوصين، ويجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو بطريقةُ نفِي الخِلاَف.
ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المتعين إلى طريق آخر ميقاته مثل ذلك الميقات أو أبعد فالمذهب أنه لا شيء عَلَيْهِ، هذا كله في الميقات الشرعي.
أما إذا عينا موضعاً آخر نظر إن كان أقرب إلى مكة من الميقات الشرعي فهذا الشَّرْطُ فاسد مُفْسِدٌ للإجارة إذ ليس لِمَنْ يريد النسك أن يمر على الميقات غير محرم.
وأن كان أبعد كما لو عينا الكوفة فهل يجب على الأجير الدّم في مجاوزتها غير محرم؟ فيه وجهان قد حكاهما المَسْعُودِي وغيره ﵏.
أحدهما: لا يجب؛ لأن الدم منوط بالميقات المحترم شرعاً فلا يلحق به غيره، ولأن الدَّم يجب حقّاً لله تعالى، والميقات المشروط إنما يتعين حقاً للمستأجر، والذم لا يجبر حق الآدمي.
وأظهرهما: وهو نصه في "المختصر": أنه يلزمه؛ لأن تعينه وإن كان لحق الآدمي فالشَّارع هو الذي حَكَمَ بِهِ وتَعَلَّق بِهِ حَقَّه.
فإن قلنا: بالأول حط قسط من الأجْرَة لاَ مَحَالَة.
وإن قلنا: بالثاني ففي حصول الانجبار الوجهان، وكذلك لو لزمه الدّم بسبب ترك مَأمُور كَالرَّمْي والمبيت، وإن لزمه بسبب ارتكاب محظور كاللبس والقَلْمِ لم يحط شيء من الأُجْرَة؛ لأنه لم ينقص من العَمَلِ.
ولو شرط على الأجير أن يحرم في أول شوال فأخَّرَه لَزِمَهُ الدّم، وفي الانجبار الخلاف المذكور، وكذا لو شرط أن يحج ماشياً فحج راكباً؛ لأنه ترك شيئاً مقصوداً، حكى الفرعان عن القاضي الحسين، ويشبه أن يكونَا مفرعين على أن الميقات الشرطي كالميقات الشَّرْعِي وإلا فلا يلزم الدّم كما في مسألة تعيين الكُوفة -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّالثَةُ إِذَا أمِرَ بِالقِرَانِ فَأَفْرَدَ فَقَدْ زَادَ خَيْراً، وَإِن قرَنَ فَدَمُ القِرَانِ عَلَى المُسْتَأجِرِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَين وَلَو أُمِرَ بالإِفْرَادِ فَقَرَنَ فَالدَّمُ عَلَى الأَجِيرِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ المُسْتَأجِرِ عَنِ الحَجّ بِالعُمْرَةِ، لِأَنَّ القِرَانَ كالإِفْرَادِ شَرْعاً وَفي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ مَعَ جَبْرِهِ بالدَّمِ الخِلاَفُ السَّابقُ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْقِرَانِ فَتَمَتَّعَ كانَ كَالقِرَانِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ جُعِلَ مُخَالِفاً لَه وَعَلَيهِ الدَّمُ، وَيَعُودُ الخِلاَفُ في حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ.
قال الرافعي: قد أمر الاستئجار إذا كان لِكِلاَ النسكين فلا بُدَّ من التعرض لجهة أدائهما، ويترتب عليه مسائل ذكر بَعْضَهَا في الكِتَاب وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، ونحن نذكرها
стр. 1423
على الاختصار، وإن تغير ترتيب ما في الكتاب منها فليحتمل فإن الشَّرح، قد يدعو إليه.
المسألة الأولى: إذا أمره بالقران لم يخل إما أن يمتثل أو يعدل إلى جهة أخرى، فأن امتثل وجب دم القران، وعلى من يجب فيه وجهان، وقال في "التهذيب" قولان:
أصحهما: على المستأجر؛ لأنه مقتضى الإحرام الذي أمر به وكأنه القارنُ بنفسه.
والثاني: على الأجير؛ لأنه قد التزم القران والدم من تتمته فكلف به، فعلى الأول لو شرطا أن يكون على الأجير فَسَدت الإجَارة؛ لأنه جمع بين الإجارة وبيع المجهول كأنه يشتري الشَّاة منه وهي غَيْرُ معينة ولا مَوْصُوفَة، والجمع بين الإِجَارة وبيع المجهول فاسد، ولو كان المستأجر معسراً فالصَّوْم يكون على الأَجِير؛ لأن بعَضَ الصَّوْم ينبغي أن يكون في الحَجِّ، والذي في الحَجِّ منهما هو الأَجِير، هكذا ذكره في "التهذيب".
وقال في "التتمة": هو كما لو عجز عن الهَدْي والصَّوْمِ معًا، وعلى الوجهين يستحق الأجرة بتمامها.
وإن عدل إلى جهة أخرى نظر إن عدل إلى الإفراد فحج ثم اعتمر فقد نقل عن نَصّه في "الكبير" أنه يلزمه أن يرد من الأجرة ما يخص العمرة، وهذا محمول على ما إذا كانت الإِجَارةُ عَلى العين، فإنه لا يجوز تأخير العمل فيها عن الوقت المعين، وإن كانت في الذِّمة نظر إن عاد إلى الميقات لِلْعُمْرَةَ فلا شيء عليه، وقد زادَ خيراً، ولا شيء على المستأجر أَيضاً؛ لأنه لم يقرن، وإن لم يعد فَعَلى الأَجِيرِ دَمٌ لمجاوزته الميقات لِلْعُمْرَةِ، وهل يَحُطّ شيئاً من الأجرة أم تنجبر الإساءَةُ بِالدَّم؟ فيه الخلاف السَّابق، وإن عدل إلى التمتع فقد أشار أَبُو سَعِيدٍ المتولى إلى أنه إِنْ كانت الإجارةُ إجارةَ عَيْنِ لم يقع الحج عن المُسْتَأجر لوقوعه في غير الوَقْتِ المعين، وهذا هو قياس ما تقدَّم، وإن كانت الإِجَارة على الذِّمة فينظر إن عاد إلى الميقات للحَجِّ فلا دم عَلَيْهِ ولا على المسْتَأجر، وإن لم يعد ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجعل مخالفاً لتقارب الجهتين، فإن في القرآن نُقْصَاناً في الأَفْعَال وإحراماً من الميقات، وفي التمتع كمَالاً في الأفعال، ونقصاناً في الإِحْرَام لوقوعه بعد مجاوزة الميقات، فعلى هذا الحكم كما لو امتثل، وفي كون الدَم على الأجير أو المستأجر الوجهان:
وأظهرهما: أنه يجعل مخالفاً؛ لأنه مأمور بالإحْرَام بالنُّسُكَيْنِ مِنَ المِيقَاتِ، وقد تَرَكَ الإحْرَام بالحَجِّ مِنْهُ، فعلى هذا يَجِب عَلَى الأَجير الدّم لإساءته، وفي حَطِّ شَيْءٍ، من الأجْرَة الخِلافُ السَّابِق، وذكر أصحاب الشيخ أَبِي حَامِدٍ أنه يجب على الأَجِير دَمٌ
стр. 1424
لِتَرْكِهِ الإِحرَامَ من الميقَاتِ، وعلى المستأجر دَمٌ آخر؛ لأن القرآن الذي أمر به يتضمنه، واستبعده ابْنُ الصَّبَّاح وغيره.
المسألة الثانية: إذا أمره بالتمتع فامتثل فالحكم كما لو أمره بالقران فامتثل، وإن أفرد نظر أن قدم العُمْرَة وعاد للحج إلى الميقات فقد زاد خيراً، وإن أخرَّ العُمْرة فإن كانت الاجارة إجارة عَيْنٍ انفسخت فيها لفوات الوقت المُعَيَّنِ للعمرة فيود حصتَهَا مِنَ المسمى، وإن كانت الإجارةُ عَلَى الذِّمَّةِ وعاد للعمرة إلى الميقات لم يلزمه شَيْءٌ، وإن لم يعد فعليه دَمٌ لترك الإحرام بالعمرة من الميقات، وفي حَطِّ شَيْءٍ من الأجرة الخلاف السَّابق، وإن قرن فالمنقول عن النصِّ أنه قد زاد خيراً لأنه أحرم بالنُّسُكَينِ من الميقات وكان مأموراً بأن يحرم بالعُمْرَةِ مِنْهُ وَبَالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثم إن عَدَّد الأفعال فَلاَ شَيْء عَلَيْهِ، وإلا فَقَدْ نَقَلُوا وَجْهَيْنِ في أنه هَلْ يَحُطُّ شيئاً من الأُجْرَة للاختصار في الأفعال، وفي أن الدم على المستأجر لأمره بما يتضمن الدّم أم على الأَجير لنُقْصَانِ الأفعال؟ وكل ذلك مُخَرَّجٌ على الخلاف المُقَدَّمِ في عكسه وهو ما إذا تَمتَّع الَمأَمور بالقَرَانِ.
المسألة الثالثة: لو أمره بالإِفْرَاد وامتثل فذاك وإن قَرَن نظر إن كانت الإجارةُ عَلَى العَيْنِ فالعمرة واقعة لاَ فِي وَقْتِهَا فهو كما لو استأجره للحج وحده فَقَرن، وإن كانت في الذِّمة وقعَا عن المستأجر؛ لأن القران كالإفراد شرعاً في أخراج النَّفْسِ عَنِ العَهْدَ، ويجب على الأَجِير الدم، وهل يحط شيئاً من الأُجرة أم ينجبر الخَلَلُ بالدَّمِ؟ فيه الخلاف السَّابق. وإن تمتع فإن كانت الإجارة على العَيْنِ وقد أمره بتأخير العُمْرةَ فقد وقعت في غَيْر وَقْتِهَا فيرد ما يخصها من الأجرة، وإن أمره بتقديمها أو كانت الإجارةُ على الذِّمة وقعَا عن المُسْتَأْجِرِ، وعلى الأَجِير دَمٌ إن لم يعد للحج إلى الميقات، وفي حَطِّ شَيْءٍ من الأجرة الخِلاَف السَّابق.
وقوله في الكتاب (وفي حظ شيء من الأجرة مع جبره بالدم) ظاهره يقتضي كَوْنَ الجبر مجزوماً به، وليس كذلك بل التردد في الحَطِّ تردد في أن خلل المُخَالَفَةِ هل ينجبر بالدَّمِ أم لا على ما تَقَرَّرَ وَتَكَرَّرَ.
واعلم: أن المسائل مشتركة في أن العُدُولَ عن الجِهَةِ المأمور بها إلى غيرها غَيْر قَادِحٍ في وُقُوع النُّسُكَيْنِ عن المستأجر، وفيه إشكال؛ لأن ما يراعى الإذن في أصْلِهِ يُراعَى فِي تَفَاصِيلِهِ المقصود، فإذا خالف كان المَأْتِيُّ بِهِ غَيْرَ المأذونِ فِيهِ.
وأجاب الإمام ﵀ عنه بأن مُخَالَفَةَ المُسْتَأْجِرِ مشبهة بمخالفة الشَّرْع في ترك المأمورات وارتكاب المَحْظُورَاتِ التي لا تفسد وهي لا تمنع الاعتداد بأصْلِ النُّسُكَيْنِ، وهذا لأن المستأجر لا يحصل الحَجَّ لنفسه، وإنما يحصله ليقع للهِ تَعَالى، فجعلت مخالفته كمخالفة الشَّرع.
стр. 1425
ولك أن تقول: لم تشبه مخالفة المستأجر بمخالفة الشّرع، ولا نسلم أن المستأجر لا يحصله لنفسه، بل يحصله ليخرج النفس عن عهدة الواجب، وللفعل المخرج كيفيات مخصوصة بعضها أفضل من بعض، فاليراع غرضه فيه، ثم الفارق أن مخالفةَ الشَّرْع فيما لا يفسد يستحيل أن يؤثر في الإفساد، وإذا صَحَّ فمحال أن يصح لغيره، وقد أتَى به لنفسه.
وأما النسك الذي خالف فيه المستأجر فلا ضرورة في وقوعه عنه، بل أمكن صرفه إلى الْمُبَاشَرَةِ على المعهود في نظائرة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ إِذَا جَامَعَ الأَجِيرُ فَسَدَ حَجُّهُ وانفَسَخَتِ الإِجَارَةُ إِنْ وَرَدَتْ عَلَى عَينِهِ وَلَزَمَهُ القَضَاءُ لنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ذِمَّتِهِ لم تَنفَسِخْ، وَهِلْ يَقَعُ قَضَاؤُهُ عَنِ المُسْتَأجِرِ أَوْ تَجِبُ حَجَّةٌ أُخرى سَوى القَضَاءِ لَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: إذا جامع الأجير فَسَد حَجُّه. وانقلب إلى الأجير فيلزمه الكَفَّارة، والمضي في الفَاسِدِ وَالْقَضَاءِ، ووجهه أنه أتى بغير ما أُمِر بِهِ، فإن المأمورَ بِهِ الحَجُّ الصَّحِيح، والمأتى بهِ الحَجُّ الفَاسِدُ، فينصرف إِلَيْهِ كما لو أمره بشراء شَيْء بصفة فاشترى على غير تلك الصِّفة يقع عن المأمور، وقد ينقلب الحجُّ عن الحالة التي انعقد عليها إلى غيرها ألا ترى أن حج الصَّبِيّ ينعقد نَفْلاً، ثم إذا بلغ قبل الوقوف ينقلب فرضاً.
فإن قيل: إنه موقوفٌ في الابتداء.
قلنا: بمثله هاهنا: وروى صاحب "التهذيب" ﵁ عن المزني ﵀ إنه لا يَنْقَلِبُ إلى الأَجِيرِ، بَلْ يَقَعُ الفَاسِدُ والقَضَاءُ جَمِيعاً عن المُسْتأْجِرِ، وفي هذا تسليم لوجوب القَضَاء، لكن لرواية المَشْهُورة عنه أنه لا انقلاب ولا قَضَاء أما أنه لا انقلاب، فلأن الإحرام قد انعقد عن المستأجر فلا ينقلب إلى غيره، وأما أنه لا قضاء فلأن من له الحَجُّ لم يفسده فلا يؤثر فِعْل غيره فيه، ولم يعز الحَنّاطِي هذا المذهب إلى المزني لكن قال: إنه حَكَاه قولاً، وإذا قلنا بظاهر المذهب فإن كانت الإجارةُ على العَيْنِ انفسخت، والقضاء الذي يأتي به الأجير يقع عنه، وإن كانت في الذمة لم تنفسخ وعمن يقع القَضَاء؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أحدهما: عن المستأجرِ، لأنه قضاء الأول، وَلوْلا فسادة ولوقع عنه.
وأصحهما: عن الأجير، القضاء يحكى الأداء، والأداء وَاقِعٌ عن الأجير، فعلى هذا يلزمه سوى القضاء حجَةٌ أخرى للمُسْتَأجِرِ، فيقضى عَنْ نَفْسِهِ ثم عن المُسْتَأجر في سَنَةٍ أَخْرَى، أو ينيسب من يحج عنه في تِلْكَ السَّنَة، وحيث لا تنفسخ الإجارة، فللمستأجر خِيَار الفَسْخ، لتأخر المقصود وفرق أصحابنا العراقيون بين أن يَسْتَاجِر
стр. 1426
المَعْضُوب وبين أن تكون الإجارة لمَيُتٍ في ثبوت الخِيَار وقد سبق نظيرة والكلام عليه والمواضع المحتاجة إلى العلامة بالزَّاي تثبته.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ ثُمَّ نَوىَ الصَّرْفَ نَفَسِهَ لَمْ يَنْصَرفْ إلَيْهِ وَسَقَطَ أُجْرَتُهُ عَلىَ أَحَد القَوْلَيْنِ؛ لأَنَّهُ أَعْرِضَ عَنْهَا.
قال الرافعي: إذا أحرم الأجير عن المستأجرِ، ثُمَّ صَرَفَ إلى نفسه ظَنَّا منه بأنه يَنْصرف وأَتَمَّ الحج على هذا الظَّنَ فالحج للمُسْتَأْجِرِ، وفي اسْتِحقَاقِ الأَجِير الأُجْرَة قولان. أحدهما: أنه لا يستحق، لأنه أعرض عنها، حيث قصد بالحجِّ نَفْسَه.
وأصحهما: أنه يستحق لِصِحة العَقْدِ في الإبتداء، وحصول غرض المستأجر، وهذا الخِلافَ مجرى، فيما إِذَا دَفَعَ ثَوْبًا إلى صَبَّاغٍ ليصبغه فأمسكه وجحدةُ وصبغه لنفسه، ثم رَدَّه هل يستحق الأجرة؟ وقس على هذا نظائرة، وإذا قلنا بإستحقاق الأجرة؟ فالمستحق المسمى أو أجرةُ المثل، حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين.
أصحهما: الأول.
قال الغزالي: السَّادِسةُ مَنْ مَاتَ في أَثْنَاءِ الحَجِّ فَهَلْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتأْجِرَ أجِيراً لِيَبْنَى عَلَى حَجِّه؟ فِيهِ قَوْلاَن، فَإِنْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَإنْ مَاتَ بَيْنَ التَّحلُّلَيْنِ أَحْرَمَ الأَجِيرُ إحْرَاماً حُكمُهُ أَنْ لاَ يُحْرِّمَ اللُّبْسَ وَالقَلْمَ لأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ فَهُوَ كَالدَّوَامه، فَعَلى هَذَا إذَا مَاتَ الأَجِيرُ في أَثْنَاءِ الحَجِّ آسْتَحَق قِسْطاً مِنَ الأُجْرَةِ، لأَنَّ مَا سَبَقَ لَمْ يُحْبَط، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْكُنُ البِنَاءُ فَقَدْ حِبَطَ حَقُّ المُسْتَأْجِرِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئاً وَجهَانِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلِ الإِحْرَامِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ قِسْطاً لِسَفَرِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَسْتَحِقَّ لأَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَتَّصِلْ بالمَقْصُودِ.
قال الرافعي: غرض الفصل بالكلام فيما إذا مات في أَثْنَاءِ الحَجِّ، وقد قدم عليه مقدمة وهي أن الحَاجّ لِنَفْسِهِ إذا مات في أثناء الحَجِّ هل يجوز البنَاء على حَجِّه؟ وفيه قولان: شبهوهما، بالقولين في جواز البناء على الأذان والَخُطْبَة، وفي جواز الاستخلاف، وإن اختلفت الصور في الأظهر منها.
الجديد: الصحيح أنه لا يجوز البناء، على الحَجِّ؛ لأنه عبادة يفسد أوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا فأشبهت الصَّوْمَ، والصَّلاة، ولأنه لو أُحْصِر، فتحلل ثم زَالَ الحَصْرُ، فأراد البِنَاءَ عليه لاَ يَجُوز، فإذا لم يجز له البنَاء على فِعلِ نَفْسِهِ فأولى أن لا يجوز لِغَيْرِه البِنَاءُ عَلَى فِعْلِهِ. والقديم: الجواز؛ لأن النيَابة جاريةٌ، في جميع أفعال الحَجِّ فتجري في بعضها كتفرقة الزَّكَاة.
стр. 1427
التفريع: إن لم نجوز البِنَاء حبط المأتى بهِ إلاَّ في حَقِّ الثواب ووجب الإِحْجَاجُ مِنْ تَرِكتِهِ إِذَا كَانَ مستقراً في ذمته، وإن جوزنا الَبناء فإما أن يتفق المَوْت وقد بقى وَقْتُ الإحرام بِالحَجِّ، أو حين لم يبق وقته.
فأما في الحالة الأولى: فيحرم النَّائِبُ بِالحَجِّ، ويقف بعرفة، إن لم يقف الأَصْل ولا يقف إن وقف، ويأتي ببقية الأَعمال ولا بأس بوقوع إحرام النائب وراء الميقات، فإنه مبني على إحرام أُنْشِئَ مِنْه.
وأما في الحالة الثَّانية: فيم يحرم؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق أنه يحرم، بعمرةٍ لفوات وقت الإحرام بالحَجِّ، ثم يطوف وَيَسْعَى، فيجزانه عن طَوَافِ الحَجِّ، وِسَعْيهِ ولا يبيت ولا يرمى فإنهما ليسا من أعمال العُمْرَةِ، ولكنهما يُجْبَرَانِ بالدَّمِ.
وأصحهما: أنه يحرم بالحج أيضاً، ويأتى ببقية الأعمال لأنه لو أحرم بالعُمْرَة، للزمه أفعال العُمْرة، ولما انصرف إلى الحج والإحرام، ابتداء هو الذي يمتنع تأخيره عن أَشهُرِ الحَجِّ، وهذا ليس إحرامًا مبتدأَ، وإنما هو مَبنيٌّ على ما سبق، وعلى هذا فلو مات، بين التَّحَلُّلَينِ، أحرم النَّائِب إحْرامًا لاَ يُحَرِّم اللبس والقلم وإنما يُحَرِّم النِّساء؛ لأن إحرام الأصل لو بقي لكان بهذه الصِّفَة.
واعلم: إن الإمام ﵀ حكى الوجه الأول عن العِرَاقيين، ونسب الثَّانِي إلى المَرَاوزة، ولعل أن نسبته الثاني إلى المراوزة، بمعنى أنه الذي أورده ولا يستمر نسبته إليهم بمعنى أنهم أبدعوه، ولا نسبه الأول إلى العراقيين، يعني أنهم اختاروه، ولا أنهم اقتصروا على ذِكْرِهِ، لأن كتبهم مَشْحُونَةٌ بحكاية الوجهين، ونَاصّة على تَرْجِيحِ الثَّانِي مِنْهُمَا.
وجميع ما ذَكرْنَا فيما إذا مَاتَ قَبْلَ حُصُولِ التَّحَلُّلَيْنِ، فأما إذا مات بعد حصولهما فقد قطع صاحب "التهذيب"، وغيره بأنه لا يجوز البِنَاء والحالة هذه إذ لا ضرورة إليه، لإمكان جبر مَا بَقِيَ مِنَ الأَعْمَالِ بالدَّمِ، وأوهم بَعْضُهُم إِجْرَاء الخلاف -والله أعلم-.
إذا عرفت هذه المُقَدَّمة، فنقول: لموت الأَجير أحوال.
إحداها: أن يكون بعد الشُّروعِ في الأَرْكَانِ وقبل الفَرَاغِ مِنْها فهل يستحق شيئاً من الأجرة فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يسقط الفرض عن المُسْتَأجِرِ، وهو المقصود فَأَشْبَهَ مَا لَوِ الْتَزَمَ له مالاً ليرد عبده الآَبق إليه فَرَدَّهُ إلى بَعْضِ الطَّرِيق ثُمَّ هرَبَ.
والثاني: نعم؛ لأنه عمل بعض ما استؤجر له، فاستحق بقسطه من الأجرة، كما
стр. 1428
لو استأجره لِخِيَاطَةِ ثَوْب فخاط بعضه، ثم اختلفوا فصار صَائرُون إلى أن القَوْلَيْنِ مَبْنِيَّاً على أن البِنَاء على الحَجِّ هل يجوز أم لا إن مَنَعْنَاه لم يلزم شيء من الأجرةَ، لأن المستأجر لم ينتفع بما فعله، وإن جَوَّزُنَاه لَزِم، وفي كلام أصْحَابنا العراقيين ما ينفي هذا البناء لأمرين:
أحدهما: أن ابْن عَبْدَان ذَكر أن الجديد استحقاق الأجرة، والقديم خلافه، وذلك على عكس المنقول في جَوازِ البِنَاء.
والثاني: أن كلمة الأصحاب متفقة على تَرْجِيحِ قَوْلِ المَنْع مِنْ قَوْلي البِنَاءِ؛ وقد حكم كَثِيرٌ منهم بترجيح قول الاستحقاق إما صريحاً فقد ذكره الكرَخِي وغيره.
وأما دلالة فلأنهم أشاروا إلى أن مأخذ القولين أن هذا العقد يلحق بالإجارات أو بالجَعَالات من حيث إن المقصود عاقبة الأمر وقطع المسافة ليس بمقصود، ولا بد منه ثم إنهم استبعدوا الحاقه بالجَعَالاَت، وعدوه إجارة، ومعلوم أن في الإِجَارة يستحق بعض الأجرة بِبَعْضِ العَمَلِ، وأوْرَدَ الإِمَامُ ﵁ طريقة متوسطة بينهما، وتابعه صاحب الكتاب فقالا: إن جوزنا البناء؛ استحق قِسْطاً من الأُجْرَةِ، لا محالة؛ لأن المستأجر بسبيل من إتمامه، وإن لم تجوزه ففي الاستحقاق الخِلاَف، ووجه عدم الاستحقاق أن ما عمله قد حَبِطَ، ولم ينتفع المستأجر به، ووجه الاستحقاق: أنه ينفعه في الثَّوَاب وإن لم ينفعه في الإجزاء؛ وقد أتى الأَجِيرُ بِمَا عَلَيْهِ، والموت ليس إليه والمَشْهُورُ مِنَ الخِلاَف القولان، وصاحب الكِتَاب نقلهما وَجْهَيْنُ.
فإن قلنا: إنه لا يستحق شيئاً فذلك فيما إذا مَاتَ قَبْلَ الوُقُوفِ بعرفة، فإن مات بعده فقد حكى الحَنَّاطِي فيه وجهين، والأظهر أنَّهُ لا فَرق.
وإن قلنا: إنه يستحق شيئاً فالأجرةُ تُقَسَّطُ عَلَى الأَعْمَال وَحْدَها، أم عليها مع السَّيْرِ فيه طريقان، قال الأكثرون هُوَ على قولين:
أحدهما: أنها تقسط على الأعْمَالِ وَحْدَها؛ لأن الأُجْرَة تقابل المَقْصُود، والسَّيْرِ تسبب إليه وليس من المقصود في شيء.
وأظهرهما: أنها تُقَسَّطُ عَلَى العَمَلِ وَالسَّيْرِ جميعاً، لأن للوسائل حكم المقاصد، وتعب الأجير في السَّير أكثر، فيبعد أن لا يقابل بشيءٍ؛ وقال ابنُ سُرَيْج ﵀ إن قال: استئجرتك لتحج عني، فالتوزيع على الأَعْمَالِ وَحْدَها.
وإن قال: لتحج من بلد كَذَا، فالتوزيع على السَّيْرِ والأعمال جميعاً، ونزل النَّصَّيْنِ على الحَالَيْنِ، ثم هل يبنى على ما فَعَلَه الأَجِير؟ ينظر كانت الإجَارة على العَيْنِ انفسخت، ولا بناء لورثة الأَجِير، أما لم يكن لَهُ أن ينيب بِنَفْسِهِ، وَهل لِلْمُسْتَأْجِرِ أن
стр. 1429
يستأجر من يتمه؟ فيبنى على القولين في جواز البناء، إن جَوَّزْنَاه فله ذلك، وإلا فَلاَ، وإن كانت الاجَارة على الذِّمِّة.
فإن قلنا: لاَ يَجُوز البِنَاء، فَلِوَرثَةِ الأَجِير أن يستأجروا من يَحُجُّ عَمَّنِ استؤجر له، فإن أمكنهم الإحجاج عنه في تلك السنة لبقاء الوقت فذاك، وإن تأخر إلى السَّنَةِ الأُخْرَى ثبت الخيار، كما سبق، وإن جوزنا البناء فلورثة الأجير أن يتموا الحَجِّ، ثم القول في أن النَّائِبَ بِمَ يَحُرم وفي حكم إحرامه بين التحللين على ما سبق.
الحالة الثانية: أن يكون بَعْدَ الأخذ في السَّيْرِ، وقبل الإحْرَام، فالمنقول عن نَصِّه في عامة كتبه أنه لا يستحق شيئاً من الأُجْرَةِ، لأنه بسبب لا يَتَّصِل بِالْمَقْصُودِ، فصار كما لو قرب الأجير على البِنَاء الآلات من موضع البنَاء ولم يبن لم يستحق شيئاً، وعن أبي بكر الصَّيْرَفِيّ والإصْطَخْرِي: أنه يستحق قِسْطَاً من الأجرة؛ لأنهما أفتيا سنة حصر القرامطة (١)، الحجيج بالكوفة، بأن الأجَرَاء يستحقون من الأُجْرَةِ بِقَدْرِ ما عملوا.
ووجهه أن الأجرة تَقَعُ في مقابلة السَّيْرِ وَالْعَمَلِ جميعاً ألا ترى أنها تَخْتَلِف باختلاف المسافة طولاً، وقِصَراً، وفصَّل ابن عبدان المسَألة فقال: إن قال: استأجرتك لتحج من بَلَدِ كَذَا، فالجواب على ما قَالاَه، وإن قال على أن تَحُج، فالجواب على مَا هُوَ المَشْهُور، وهذا كالتَّفْصِيل الذِي مَرَّ عَنِ ابْن سُرَيْج.
والحالة الثالثة: ولم يذكرها في الكتاب: أن يكون موتهُ بعد إتمام الأرْكَان، وقبل الفَرَاغِ مِنْ سَائِرِ الأَعْمَالِ، فينظر إن فات وقتها أو لم يفت، ولكن لم نجوز البناء فيجبر بالدَّمِ مِنْ مَالِ الأَجِيرِ، وفي رَدِّ شيء من الأجرة الخلاف السابق، وإن جوزنا البناء فإن كانت الإجارة على العين انفسخت، ووجب رَدّ قسطها من الأجرة، واستأجر المستأجر من يَرْمي ويبيت، ولا دَمَ عَلَى الأَجِير، وإن كانت على الذمة استأجروا وارث الأجير مَنْ يَرْمِي ويبيت، ولا حاجة إلى الإحْرَامِ، لأنهما عملان يؤتى بهما بعد التحللين، ولا يلزم الدّم ولا رد شيء من الأجرة ذكره في "التتمة".
قال الغزالي: السَّابِعَةُ لَوْ أحصرَ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ، وَلَوْ فَاتَ الحَجُّ فَهُوَ كَالإِفْسَادِ لأنَّهُ يُوجِبُ القَضَاءَ وَلاَ يَسْتَحقُّ شيئاً.
قال الرافعي: لو أحْصِر الأَجِيرُ فله التَّحلُل، كما لو أحْصِر الحاجُّ لنفسه فإن تحلل فعن من يقع ما أتى به؟ فيه وجهان:
أصحهما: عن المستأجر كما لو مات، إذ لم يوجد من الأجير تقصير.
والثاني: عن الأجير كما لو أفسده؛ لأنه لم يحصل غرضه، فعلى هذا دم
стр. 1430
الإحصار عَلَى الأَجِير، وعلى الأول هو على المستأجر، وفي استحقاقه شيئاً من الأُجْرة الخلاف المَذْكُور في الموت، وإن لم يتحلل وأقام على الإحْرَام حتى فاته الحَجّ انقلب الحَجُّ إليه، كما في صورة الإفْسَاد، ثم يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وعليه دم الفَوَات، ولو فرض الفوات بنوم أو تأخر عَن القَاِفلة وغيرهما من غير إحصار انقلب المأتى به إلى الأجير أيضاً كما في الإفساد؛ لاشْتِراكهما في إيجاب القَضَاء؛ ولا شَيْءَ لِلأَجِير ومن الأصحاب من أجرى فيه الخِلاَف المذكور في الموت، ولا يخفى بعد الوُقوف على ما ذَكَرْنَا، أن قوله: (لو أحصر فهو كما لو مات) أراد به مَا إِذَا أحصر وتَحَلَّل، وأنه يجوز أن يعلم قوله: (كما لو مات) بالواو لأنا حكينا وجهاً أنه إذا تَحَلَّل وقع المأتى به عن الأجِير، وذلك الوَجْه غير جارٍ في الموت، فلا يكون الإحْصَار كالموت على ذلك الوَجْه، وأنه لو أعلم قوله: (فهو كالإفساد) بالواو، وكذا قوله: (يستحق شيئاً) جَارٍ مجرى التوكيد والإيضَاح، وإلا ففي التَّشْبِيه بالإفْسَاد ما يغني عنه، والله أعلم هذا تمام الكَلاَم في المقدّمة الأولى.
قال الغزالي: المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: المَوَاقِيتُ، وَالمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلْحَجِّ شَهْرُ شَوَّالٍ (ح) وَذُو القِعْدَةِ وتِسعٌ مِنْ ذي الحِجَّة، وَفي لَيْلَةِ العِيدِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ميقات الحج والعُمْرة ينقسم إلى زماني ومكاني.
أما الزماني (١) فالكلام فيه في الحَجِّ، ثم في العمرة.
أما الحج فوقت الإحْرَام به شَوَّال، وذو القعدة، وتسع لَيالٍ بأيامها من ذِي الحَجَّة، وفي ليلة النَّحْرِ وجهان حكاهما: الإمام وصاحب الكتاب.
أصحهما: ولم يورد الجمهور سواه: أنها وقت له أيضاً؛ لأنها وقت للوُقُوفِ بعرفة، ويجوز أن يكون الوجه الآخر صادراً ممن يقول، أنها ليست وقتاً له، وسيأتي بيان ذلك الخِلاَف في موضعه.
стр. 1431
واعلم أن لفظ الشافعي ﵁ في "المختصر" وأشهر الحَجِّ شوال وذو القعدة، وتسع من ذي الحَجَّة، وهو يوم عرفة فمن لم يدركه إلى الفَجْرِ من يوم النحر فقد فاته الحَجِّ، وفيه مباحثتان.
إحداهما: قوله "وهو يوم عرفة" قال المسعودي مَعْنَاه والتاسع يوم عرفة، وفيه معظم الحَجِّ.
وقوله: "فمن لم يدركه" اختلفوا في تفسير، فقال الأكثرون: أراد من لم يدرك الإحرام بالحَجَّ، إلى الفجر من يوم النحر.
وقال المسعودي: أراد من لم يدرك الوُقُوفَ بِعَرَفة.
الثانية: اعترض ابن داود، فقال قوله: (وتسع من ذي الحَجَّة) إما أن يريد به الأيام أو الليالي، إن أراد الأيام فاللفظ مُخْتَل؛ لأن جمع المذكر في العَدَدِ بالهاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾. وإن أراد الليالي فالمعنى مختل؛ لأن الليالي عنده عشر لا تسع، قال: الأصحاب هاهنا قسم آخر وهو أنه يريد الأيام والليالي جميعاً، والعرب تقلب التأنيث في العدد، ولذلك قال: الله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١).
وقال ﷺ "وَاشتَرِطِ الْخِيَارَ ثَلاَثاً" (٢).
والمراد الأيام والليالي، ثم هب أن المُرَاد الليالي، ولكن أفردها بالذكر؛ لأن أيامها ملحقة بها فأما الليلة العاشرة، فنهارها لا يتبعها فأفردها بالذِّكْرِ، حيث قال: (فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر) وهذا على تفسير الأكثرين.
وأما على تفسير المسعودي، فلم يمنع إنشاء الإحْرام ليلة النحر، أن يتمسك بِظَاهر قوله: وتسع من ذي الحَجَّة، ولا يلزمه إشكال ابن داود.
وأعلم قوله في الكتاب: (وتسع من ذي الحجة) بالحاء والألف؛ لأنهما يقولان وعشر من ذي الحَجَّة بأيامها، وبالميم؛ لأنه يقول وذي الحَجَّة كله، قال جماعة من الأصْحَاب: وهذا اختلاف لا يتعلق به حكم، وعن القَفَّال أن فائدة الخلاف مع مالك كراهة العمرة في ذي الحَجَّة فإن عنده تكره العمرة في أشهر الحج، ثم اتفق مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ على أن الإحْرَام بالحَجِّ ينعقد، في غير أشهره إلا أنه مكروه، ويجوز أن يعلم قوله: (وتسع ذي الحَجّة) بالواو أيضاً؛ لأن المُحَامِلِي حكى في "الأوسط" قولاً، عن "الإملاء" كمذهب مالك.
стр. 1432
وقوله: (والميقات الزماني للحج) أي للإحرام به، فأما الأفعال فسيأتي بيان أوقاتها.
قال الغزالي: وَأَمَّا العُمْرَةُ فَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتُهَا، وَلاَ تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ أصْلاً إِلاَّ لِلحَاجِّ العَاكفِ بمنىً في شُغُل الرَّمْي وَالمَبِيتِ لاَ تَنْعَقِدُ عُمْرَتُهُ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّشَاغُلِ بِهِ في الحَالة، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ بِحَجِّ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَهَلْ يَقَعُ عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلامِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: السَّنَةُ كلها وقتٌ للاحرام بالعُمْرَة، ولا يختص بأشهر الحج، وروى أنه ﷺ قال: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حُجَّةً" (١).
"وَاعْتَمَرَت عَائِشَةُ ﵂ مِنَ التَّنْعِيم لَيْلَةَ المُحَصَّبِ" (٢) وهي الليلة التي يرجعون فيها من مَنَىً إلى مكَّة، ولا يكره في وقت منها، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة يكره في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، وقد قدمنا عن مالك كراهيته في أشهر الحَجِّ، وتَوَقَّفَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ في ثبوته عنه.
لنا، أن كل وقت لا يُكْرَه فيه القران بين النسكين لا يكره الإفراد بأحدهما.
أما على أبي حنيفة فكما قيل: يوم عرفة.
وأما على مالك فكالإفراد بالنّسك الآخر، ولا يكره أن يعتمر في السّنة مراراً بل يستحب الإكثار منها، وعن مالك أنه لا يعتمر في السَّنة إلا مرّة.
لنا ما روي "أَنَّهُ ﷺ أَعْمَدَ عَائِشَةَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ" (٣).
وقد يمتنع الإحْرام بالعُمْرة لا باعتبار الوقت بل باعتبار عارض كمن كان محرماً بالحج لا يجوز له إدخال العمرة على أظهر القولين كما سنشرحه.
وإذا تَحَلَّل عنه التحللين، وعكف بمنىً لشغل المبيت والرمي، لم ينعقد إحرامه بالعمرة، لعجزه عن التشاغل بأعمالها في الحَالِ، نص عليه، قال: الإمام: وكان منَ حقِّ تِلْكَ المنَاسِك، أن لا تقع إلا في زَمَانِ التَّحَلّلِ، فإن نفر النفر الأول فله الإحْرَام
стр. 1433
بها، لسقوط بقية الرَّمْي عنه، ثم في الفَصْل مسألة تتعلق بِوَقْتِ الإحْرَامِ بالحَجِّ، وهي أنه لو أحرم بالحج في غير أشهره ما حكمه؟ لاَ شَكَّ في أنه لا ينعقد إحْرَامه بالحَجِّ، ثم أنه نَصَّ في "المختصر" على أنه يكونُ عُمْرَة، وفي موضع آخر على أنه يتحلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَة، وللأصْحَاب فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أن إحرامه ينعقد بعمرة؛ لأن الإحْرَام شديد التَشبُّث واللُّزُوم، فإذا لم يقبل الوقت، ما أحرم به انْصَرف إلى ما يقبله.
والثاني: أنه لا ينعقد بعُمْرَة، ولكن يتحلل بِعَمَلِ عمرة كما لو فات حجة، لأن كل واحد من الزمانين ليس وَقتًا للحج، فعلى الأول إذا أتى بأَعْمَال العُمْرَة سقطت عنه عُمْرَة الإسْلاَم، إذا قلنا بافتراضها وعلى الثاني لا تسقط، وشبهوا القولين بالقولين في التَّحَرُّم بالصَّلاَةَ قبل وَقْتِها هل تنعقد نَافِلَة؟ لكن الأظهر هناك أنه إن كان عالماً بالحال لم تنعقد نافلة، وهاهنا الأظهر انعقاد عمرة بكل حال لقوة الإحرام، ولهذا ينعقد مع السَّبب المفسد له بأن أحرم مجامعاً. والطريق الثاني ففي القولين وله طريقان:
أشهرهما: القطع بأنه يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةِ، ولا ينعقد إحرامه عمرة؛ لأنه لم يَنْوِها.
والثاني: حكى الإمام قدس الله روحه عن بعض التَّصَانِيف أن إحرامه ينعقد بهما إن صرفه إلى العمرة كان عمرة صحيحة وإلا تحلل بعمل عمرة، والنصان ينزلان على هذين الحالين.
وقد عرفت من هذا أن المذكور في الكتاب طريق القولين، ولما كانَا متفقين على انعقاد الإحرَام، وعلى أنه لا بد من عَمَلِ عُمْرةَ، وإذا أتى به تحلل لا جرم جزم بانعقاد الإحرام وحصول التحلل، ورد القولين إلى الاحتساب به عن عُمْرَة الإسْلاَم.
ولك إعلام قوله: (قولان) بالواو للطريق الثاني، ولو أحرم قبل أشْهُرِ الحَجِّ إحراماً مطلقاً، فإن الشَّيْخَ أبا على خرجه على وجهين يأتي ذكرهما فيما إذا أحرم بالعُمْرةَ قبل أشْهُرِ الحَجِّ ثم أَدْخَل عليه الحَجَّ في أشهره هل يجوز.
إن قلنا: يجوز انعقد إحرامه بِهِمَا، فإذا دَخَل أشهر الحَجِّ فهو بالخيار في جعله حَجّاً أو عمرة أو قراناً، ويحكى هذا عن الخضري.
وإن قلنا: لا يجوز انعقد إحْرَامُه بعمرة، وهذا هو جواب الجمهور في هذه المسألة، والقاطعون بأنه يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةَ في الصورة الأولى، نزلوا نصه في "المختصر" على هذه الصورة -والله أعلم-.
стр. 1434
قال الغزالي: أَمَّا المِيقَاتُ المَكَانِيُّ فَهُوَ فِي حَقِّ المُقِيمِ بِمَكَّةَ خُطَّةُ مَكَّةَ عَلَى رَأْيٍ وَخُطَّةُ الحَرَمِ عَلَى رَأي، وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَابِ دَارِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ خَارجَ الحَرَمِ فَهُوَ مُسِيئٌ.
قال الرافعي: تكلم في الميقات المكاني في الحَجِّ، ثم في العمرة، وفي الحج في حق المقيم بمكَّة وغيره (١).
أما المقيم بمكَّة إذا أراد الحَجَّ مكياً كان أو غيره فإنه يحرم منها، وميقاته نفس مَكَّة أو خطة الحرم كُلّها فيه وجهان، وقال الإمام: قولان:
أصحهما: نَفْسُ مَكَّة كما سيأتي من خبر ابن عباس ﵄ في المواقيت.
стр. 1435
فعلى هذا لو فارق البنيان وأحْرَمَ فِي حَدِّ الحَرَمِ فهو مُسيئ يَلْزُمه أن يريق دماً إن لم يعد كما لو جاوز خطة قرية هي ميقات ثم أحرم.
والثاني: أن ميقاته خطة الحرم؛ لاستؤاء مكَّة وما وراءها من الحَرَم في الحرمة، ولهذا لا يكتفي للمكّي إذا أراد أن يُحْرِم بالعُمْرَة أن يخرج عن خطة مكَّة، بل يحتاج إلى الخُروجِ عَنِ الحَرَمِ، فعلى هذا إحْرَامُهُ فِي الحَرَمِ بَعْدَ مجاوزة العُمْرَان ليس بإساءة.
أما إذا أحرم بعد مجاوزة الحَرَم فقد أساء وعليه الدم إلا أن يعود قبل الوقوف بعرفة أما إلى مكَّة على الوجه الأول، أو إلى الحَرَم على الثَّاني، فيكون حينئذ كمن قدم الإحرام على الميقات.
وقوله في الكتاب: (على رأي) مفسر بالقولين على ما رواه الإمام ﵀ وبالوجهين على ما رواه المصنف في "الوسيط"، وصاحبا "التتمة" و"المعتمد" ثم من أي موضع أحرم من عمران مَكَّة جاز، وما الأفضل؟ فيه قولان.
أحدهما: أن الأفضل أن يتهيأ للإحرام ويحرم في المسجد قريباً من البيت.
وأظهرهما: أن الأفضل أن يحرم من بَابِ دَارِه، ويأتي المسجد مُحرِماً، وهذا هو الذي أجاب به في الكتاب، ويدُلُّ عليه ما روى أنه ﷺ قال: "إِنَّ أَفْضَلَ حَجٍّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ" (١)(٢).
قال الغزالي: أَمَّا الآفّاقِيُّ فَمِيقَات مَنْ يَتَوَجَّهُ مِنْ جَانِبِ المَدِينَةِ ذُو الحُلِيفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ الجُحْفَةُ، وَمِنَ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدٍ اليَمَنُ، وَنَجْدِ الحِجَاز قَرْنٌ، وَمِنْ جِهَةِ المَشْرِق ذَاتُ عِرْقٍ، وَهِذهِ المَوَاقِيتُ لِأهْلِهَا وَلَكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا، وَالَّذِي مَسْكَنُهُ بَيْنَ المِيقَاتِ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَسْكَنِهِ، وَالَّذِي جَاوَزَ المِيقَاتَ لاَ عَلَى قَصْد النُّسُكِ فَإذَا عَنَّ لَهُ النُّسُكُ فَمِيقَاتُةُ مِنْ حَيْثُ عَنَّ لَهُ.
قال الرافعي: غير المقيم إما أن يكون مسكنه وراء المواقيت الشَّرْعِية وهو الأفاقي، أو بينها وبين مَكَّة والأول إذا انتهى إِلَى الميقات فأما أن يكون مريداً للنُّسك أو لا يكون، فهؤلاء ثلاثة أصناف.
ولا بد أولاً من بيان المواقيتِ الشَّرْعِية.
стр. 1436
وهي في حق المتوجهين من المدينة ذُو الحُليْفَةَ (١)، وهو على عشر مراحل، من مكة وعلى ميل من المدينة، وفي حق المتوجهين من الشَّام (٢) ومصر (٣) والمغرب الجُحْفَة (٤) وهي على خمسين فرسخاً من مكَّة، وفي حق المتوجهين من تُهامة اليمن (٥) يَلَمْلم، وقد يسمى أَلَمْلَم، وفي حق المتوجهين من نجد اليمن، ونجد (٦) الحجاز
стр. 1437
قرْن (١) وفي حق المتوجهين من جهة المَشْرق والعِرَاق وخراسان ذَاتُ عِرْقٍ، وكل واحد من هذه الثلاثة من مكَّة على مرحلتين، وقد ذكر الأئمة أن اليمن يشتمل على نَجْد وتهامة وكذلك الحِجَاز، وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز، وميقات النجدين جميعاً قَرْن.
وإذا قلنا: إن ميقات اليمن يَلَمْلم أراد به تهامتها لا كل اليمن.
وأعلم: أن ما عدا ذاتِ عِرْقٍ من هذه المواقيت منصوص عليه، روي في الصَّحيح عن ابن عباس ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّام الجُحْفَةَ، ولِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، المَنَازِلِ، ولِأَهْلِ اليَمَنِ يلملم وقال هُنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أْتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (٢)، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكَّة من مكَّة واختلفوا في ذَاتِ عِرْق على وجهين:
أحدهما: أن توقيته مأخوذ من الاجتهاد؛ لما روى عن طاووس أنه قال: "لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتِ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِيْنِئذٍ أَهْلُ المَشْرِقِ أَي: مُسْلَمِينَ" (٣).
وفي الصَّحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "لَمَّا فُتِحَ هَذانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرَناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَريقِنَا، وإِنَّا إِنْ أَرَدْنَاهُ شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ" (٤).
والثَّاني: وإليه صَغْوُ الأكثرين: أنه منصوص عليه، روي عن عائشة ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ" (٥) ولا يبعد أن ينص عليه والقوم
стр. 1438
مشركون يَومئذٍ إذا علم إسلامهم، ويحتمل أن النصوص لم تبلغ عُمَرَ ﵁ والذين أتوه فاجتهدوا فوافق اجتهادهم النص، ولو أحرم أهل المَشْرِق من العقيق كان أفضل، وهو واد وراء ذات عِرْق مِمَّا يلي المشرق بقرب منها، لما روى عن ابن عباس ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ" (١).
ولأن ذات عِرْق مؤقتة بالاجتهاد على أحد الرأيين، فالإحرام مما فوقها أحوط، وقد يخطر ببالك إذا انتهيت إلى هذا المقام البحث عن قَرْن من وجهين:
أحدهما: أنه بتحريك الراء أو تسكينها، وإن كان الأول فهل هو الذي ينسب إليه أويس ﵁ أم لا؟
والثاني: أنه قال في الخبر: قَرْن المَنَازِل فما هذه الإضَافة؟ وهل هو للتمييز عن قرن آخر أم لا؟
والجواب: أما الأول فالسماع المعتمد فيه عن المتقنين التسكين، ورأيته منقولاً عن أبي عبيد وغيره، ورواه صاحب الصِّحاح بالتحريك، وادعى أن أويساً منسوب إليه.
وأما الثاني: فقد ذكر بعض الشَّارِحين للمختصر أن القرن اثنان:
أحدهما: في هبوط يقال له: قرن المَنَازِل، والآخر: على ارتفاع يقرب منه، وهي القرية، وكلاهما ميقات -والله أعلم-.
إذا عرفت ذلك فالصنف الأول الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو يريد النُّسُك فليس له مجاوزته غير مُحْرِم، سواء أراد الحَجَّ أو العمرة أو القران، فإن جاوزه فقد أساء، وسيأتي حكمه، ولا فرق بين أن يكون من أهل تلك الناحية أو من غيرها، كالمشرقي إذا جاء من المدينة، والشَّامي إذا جاء من نَجْد؛ لقوله ﷺ : "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ".
الثاني: الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو غير مريد للنُّسك، فننظر إن لم يكن على قَصْدِ التَّوَجُّه إلى مكَّة، ثم عَنَّ له قصد النُّسُك بعد مجاوزته، فميقاته من حَيْثُ عَنَّ له هذا القَصْد، ولا يلزمه الرُّجُوع إلى الميقات، وقد أشار إليه في الخبر الذي سبق، حيث قال: فإن كان يريد الحج والعمرة، وإن كان على قَصْدِ التوجه إلى مكة لحاجة غير النُّسُك، ثم عَنَّ له قصد النسك عند المجاوزة، فينبئ هذا على أن من أراد دخول
стр. 1439
مكة هل يلزمُهُ الإحْرَامُ بِنُسُكٍ؟ وفيه خلاف مَذْكُورٌ فِي الكِتَاب في فَصْلِ سُنَنِ دُخُولِ مَكَّة، فإن ألزمناه فعليه إنشاؤه من المِيقَات، فيأثم بمجاوزته غير محرم كما إذا جاوزه على قَصْدِ النُّسُك غير محرم، وإن لم يلزمه الإحرام فهو كمن جاوزه غير قاصد للتوجه إلى مكَّة.
الثالث: الذي مسكنه بين أَحَدِ المواقيت وبين مكَّة فميقاته مَسْكَنُه، يعني: القرية التي يسكنها والحلة التي ينزلها البَدَوِيّ؛ لقوله ﷺ بعد الذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ" وقوله في الكتاب: (والذي جاوز الميقات لا على قصد النسك إلخ) قد أطلق الكلام فيه إطلاقاً، ولا بد من التفصيل الذي ذكرناه، ويجوز أن يعلم قوله: (فميقاته حيث عنّ له) بالألف؛ لأن عند أحمد أنه إذا جاوز غير قاصد لدخول مَكَّة، ثم عَنَّ له قصد النسك يلزمه العود إلى الميقات، فإن لم يعد فعليه دم.
قال الغزالي: والأَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ المِيقَاتِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ آخِرِهِ فَلاَ بَأْسِ، وَلَوْ حَاذَى مِيقاتاً فَمِيقَاتُهُ عِنْدَ المُحَاذَاةِ إِذ المَقْصُودُ مِقْدَارُ البُعْدِ عَنْ مَكَّةِ، وَإِنْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةً لَمْ تُحَاذ مِيقَاتاً وَلاَ مَرَّ بِهِ أَحْرَمَ مِنْ مَرْحَلَتَينِ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ المَوَاقِيتِ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ.
قال الرافعي: في الفصل صور:
إحداهَا: يستحب لمن يحرم من بعض المَوَاقِيت الشَّرْعِية، أن يحرم من أول جزء ينتهي إليه، وهو الطرف الأبعد من مكَّة، ليقطع الباقي مُحْرِماً، ولو أحرم من آخره جاز؛ لوقوع الاسم عليه، ويستحب لمن ميقاته حلته أو قريته أيضاً أن يحرم من الطَّرف الأبعد، والاعتبار في المواقيت الشرعية بتلك المواضع لا بالقرى والأبنية، حتى لا يتغير الحكم لو خرب بعضها فنقلت العمارة إلى موضع آخر قريبٍ منه، وسُمِّي بذلك الاسم.
الثانية: إذا سلك البحر أو طريقاً في البر لا ينتهي إلى واحد من المواقيت المُعَيَّنة فميقاته الموضع الذي يُحَاذِي الميقات المعين، فإن اشتبه عليه فليتأخ، وطريق الاحتياط لا يَخْفَى.
ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقه نظر إن تساويا في المسافة إلى مَكَّة وإلى طريقه جميعاً، أو في المسافة إلى مكَّة وحدها فميقاته الموضع الذي يُحَاذِيها، وإن تساويا في المسافة إلى طريقه، وتفاوتا في المسافة إلى مَكَّة ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتخير إن شاء أحرم من الموضع المحَاذِي لَأَبْعَدِ الميقاتين، وإن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأقربهما.
وأظهرهما -وبه قال القفال-: أنه يحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وليس
стр. 1440
له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذَا الحُلَيْفَة، ليحرم من الجُحْفَة، وقد تَصَوَّر في هذا القِسْمِ محاذاة الميقاتين دفعة واحدة، وذلك بانحراف أحد الطريقين والْتِوَائِهِ لَوعُورَةٍ وغيرها فلا كلام في أنه يحرم من موضع المحاذاة، وحكى الإمام: وجهين في أنه منسوب إلى أَبْعَدِ الميقاتين أو أقربهما.
قال: وفائدتهما تظهر فيما إذا جاوز مَوْضِع المحاذاة وانتهى إلى حَيْثُ يفضي إليه طريقاً الميقاتين، وأراد العَوْد لدفع الإساءة، ولم يعرف مَوْضِع المحاذاة أيرجع إلى هذا الميقات أم إلى ذلك؟ وتابعه المصنف على رواية الوجهين في "الوسيط" وكلاهما لا يصرح بالتَّصْوِيرِ في الصُّورة التي ذكرتها كل التصريح، لكنه المفهوم مما ساقاه ولا أعرف غيره -والله أعلم-.
وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكَّة وإلى طريقه فاعتِبَار بالقُرْب إليه أو إلى مكَّة، فيه وجهان:
أولهما: أظهرهما، واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضي كل واحد منهما إلى ميقات، ويمكن تصوير القِسْم الثَّالِث والرَّابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كَذِي الحُلَيْفَة والجُحْفَة، فإن أحدهما بين يدي الآخر، فيجوز فَرْضُهُمَا على اليمين أو الشّمال، وتساوي قربهما إلى طريقه وتفاوته.
الثالثة: لو جاء من ناحيةٍ لا يحاذي في طريقهما ميقاتاً ولا يَمُرُّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكَّة إلا مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقل مَسَافة من هذا القدر.
وقوله في الكتاب: (فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق) إنما كان يحسن أن لو كانت ذات عرق أقل مسافة مِنْ كُلِّ ما سواها من المواقيت لكن قد مَرَّ أن ذَات عِرْقٍ مع يَلَمْلَمَ وَقَرْن متساوية في المَسَافة.
قال الغزالي: وَمَهْمَا جَاوَزَ مِيقَاتاً غيرَ مُحْرِمِ فَهُوَ مُسِيءٌ وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَيسْقُطُ عَنْهُ بِأَنْ يَعُودَ إلَى المِيقَاتِ قَبلَ أَنْ يَبْعُدْ عَنْهُ بِمَسَافَةِ القَصْرِ، وإنْ عَادَ بُعْدَ دُخولِ مَكَّةَ لَمْ يَسْقُطْ، وإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَوَجْهَانِ، ثمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ أَوَّلاً ثُمَّ يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ مُحْرِماً فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ المِيقَاتِ كَانَ أَحَبَّ.
قال الرافعي: الفَصْل يشتمل على مسألتين:
إحْدَاهُما: إذا جاوز المَوْضِع الذي لزمه الأَحْرَام مثه غير محرم أثِم، وعيه العَوْدُ إليه والإحْرَامُ مِنْهُ إن لم يكن له عذر، وإن كان كما لو خاف الانقطاع من الرِّفْقَة، أو كان الطَّريقِ مخوفاً، أو الوقت ضيقاً أحرم وَمَضَى على وجهه، ثم إذا لم يَعدْ فعليه دَمٌ،