تحاذيهما لا انضمامهما فإن التضام غير ممكن لأن مدخل الذكر في أسفل الفرج، وهو مخرج الولد، والحيض، وموضع الختان في أعلاه وبينهما ثقبة البول، وشفرا المرأة يحيطان بها جميعاً، وإذا كان كذلك كان التضام متعذراً لما بينهما من الفاصل.
وهاهنا شبهة وهي أن يقال إن كان موضع ختان المرأة في حيز الداخل بحيث لا يصل إليه شيء من الحشفة فالقول بتعذر التضام واضح، لكن لو كان بحيث إذا أحاط الشفران بأول الحشفة لاقى (١) شيء من الحشفة ذلك الموضع كان التضام ممكناً، فلعل المراد من الخبر ذلك، والله أعلم.
ثم موضع الختان غير معتبر بعينه لا في الذكر ولا في المحل، أما في الذكر فمقطوع الحشفة إذا غيَّب مقدار الحشفة لزمه الغسل، فإنه في معنى (٢) الحشفة ومعلوم أن ما أسفل الحشفة ليس موضع ختان، ولكن تغييب قدر الحشفة معتبر فلو غيب البعض لم يجب الغسل، لأن التحاذي لا يحصل به غالباً، وحكى القاضي ابن كج أن تغييب بعض الحشفة كتغييب الكل، وروى وجه أن تغييب قدر الحشفة من (٣) مقطوع الحشفة لا يوجب الغسل (٤) وإنما الموجب تغييب جميع الباقي إذا كان مثل الحشفة، أو أكثر وأما في المحل فلأن المحل الذي هو موضع الختان قبل المرأة، كما يجب الغسل بالإيلاج فيه يجب الغسل بالإيلاج في غيره كالإتيان في غير المأتى، وهو الدبر (٥) يجب الغسل به على الفاعل، والمفعول، وكذا فرج البهيمة خلافاً لأبي حنيفة لنا أنه جماع في الفرج، فأشبه فرج الأدمي بل إيجاب الغسل هاهنا أولى لأنه أحق بالتغليظ، ولا فرق بين الإيلاج في فرج الميت، والإيلاج في فرج الحي، وخالف أبو حنيفة في فرج الميت وكذا قال: في الصغيرة التي لا تشتهي.
لنا أنه قد التقى الختانان فيجب الغسل، ثم كما يجب الغسل بالايلإج في فرج الميت، والبهيمة يجب على من غاب في فرجه فرجها ولا يجب إعادة غسل الميت بسبب الإيلاج فيه على أظهر القولين (٦) وإذا عرفت ما ذكرناه فانظر في لفظ الكتاب (٧)
واعلم أنه إنما عقب قوله: (بالتقاء الختانين) بقوله أو (إيلاج قدر الحشفة) في أي فرج
стр. 177
كان لما بينا أن إلتقاء الختانين غير معتبر (١) بعينه، والإيلاج في كل فرج في معناه، ولو اقتصر على قوله: "والجنابة وحصولها بإيلاج قدر الحشفة" في أي فرج كان حصل الغرض، ودخل فيه التقاء الختانين إلا أن التقاء الختانين هو الأصل الذي ورد فيه الخبر، فقدمه ثم بين أن كل جماع في معناه وفي قوله: "قدر الحشفة" إشارة إلى ما سبق أن المرعي مقدار الحشفة لا عينها: وليكن معلماً بالواو للخلاف الذي حكيناه، ثم قوله: "أو إيلاج قدر الحشفة" يتناول ظاهره ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج، وكذلك التقاء الختانين، لأن المراد منه التحاذي، فهل هو كذلك أم لا تحصل الجنابة حينئذ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه تحصل الجنابة لما سبق من حديث عائشة ﵂، وروى أنها قالت قال: رسول الله ﷺ : "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" (٢) والالتقاء ينتظم بهذه الصورة، ولا يخلو عن قضاء شهوة أيضاً.
والثاني: لا يحصل، لأن اللذة إنما تكمل عند ارتفاع الحجاب.
والثالث: أنه إن كانت الخرقة لينة حصلت الجنابة، وإلا فلا لأن اللينة لا تمنع [من] (٣) حصول اللذة بخلاف الخشنة، والخشنة هي التي تمنع وصول بلل الفرج للذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر، واللينة ما لا تمنع (٤) وكل هذا فيما إذا جرى الإيلاج، وهما واضحا الحال أما إذا كان مشكلين وأولج (٥) أحدهما في فرج الآخر فلا جنابة، ولا حدث لجواز كونهما امرأتين أو رجلين وكذا لو أولج كل واحد منهما في فرج الآخر، وإن أولج كل واحد منهما في دبر الآخر، فلا جنابة أيضاً لجواز كونهما امرأتين، ولكن بالنزع يحدثان لأن خروج الخارج من السبيلين ينقض الوضوء (٦) وإن أولج أحدهما في دبر الآخر انتقض وضوء المولج في دبره لهذا المعنى، وإن أولج أحدهما في فرج الآخر وأولج الآخر في دبر الأول فلا جنابة أيضاً لاحتمال كونهما امرأتين، لكنهما على هذا التقدير يحدثان بالنزع لخروج الخارج من قبل أحدهما ودبر الثاني، وعلى غير هذا التقدير هما جنبان، فيحكم بثبوت أدنى المحدثين، ولو كان
стр. 178
الإشكال في الفاعل وحده، فلا جنابة أيضاً سواء أولج في فرج بهيمة أو امرأة لجواز كونه امرأة، وينتقض وضوء المرأة بالنزع، وإن أولج في دبر رجل فلا جنابة أيضاً لكن يحدثان، لأن بتقدير الذكورة هما جنبان، وبتقدير الأنوثة قد لمس الخنثى وخرج من دبر الرجل شيء وهما من نواقض الوضوء، فيثبت أدنى الحدثين، ولو كان الإشكال في المفعول وحده فالإيلاج في دبره كهو في دبر غيره، والإيلاج في فرجه لا يوجب جنابة ولا حدثاً لجواز كونه رجلاً، ولو أولج رجل في فرج مشكل، والمشكل في فرج امرأة، فالمشكل جنب، لأنه جامع أو جومع، والرجل والمرأة لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع.
الطريق الثاني للجنابة خروج المني فهو موجب للغسل للإجماع ولقوله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (١) ولا فرق بين أن يخرج [منيه] (٢) من الطريق المعتاد، أو من غيره مثل أن يخرج من ثقبة في الصلب، أو في الخصية كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره، وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب، وقال في التتمة حكمه في الجنابة حكم النجاسة المعتادة، إذا خرجت من منفذ غير السبيلين فيعود فيه التفصيل، والخلاف المذكور، ويجوز أن يكون الصلب هاهنا بمثابة المعدة، ثم [قال] (٣) يخرج المني من الصلب ثم للمني خواص ثلاث:
أحداها: الرائحة الشبيهة برائحة العجين، والطلع ما دام رطباً فإذا جفت اشتبهت رائحته برائحة بياض البيض.
والثانية: التدفق بدفعات قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٤).
والثالثة: التلذذ بخروجه، واستعقابه فتور الذكر، وانكسار الشهوة، وله صفات أخر نحو الثخانة والبياض في مني الرجل، والرقة، والاصفرار في مني المرأة في حال اعتدال الطبع، لكن هذه الصفات ليست من خواصه بل الودي أيضاً أبيض ثخين كمني الرجل، والمذي رقيق كمني المرأة، لماذا عرفت هذا فنقول: ما ليس من خواصه لا ينفي عدمه كونه منياً ولا يقتضي وجوده كونه منياً ويوضح الطرقين بالمثال.
أما الأول: فلو زالت الثخانة والبياض لمرض وجب الغسل عند وجود شيء من خواصه، ولو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل أيضاً اعتماداً على الصفات الخاصة به، وحكى وجه أنه لا يجب الغسل هاهنا لأن المني دم في الأصل فإذا خرج على لون الدم لم يقتض غسلاً كسائر الدماء.
وأما الثاني: فلو تنبه ولم ير إلا الثخانة، والبياض فلا غسل عليه، لأن الودي
стр. 179
يشارك المني في هاتين الصفتين فيحتمل أن يكون الخارج (ودياً)، فلا يجب الغسل بالشك بل يتخير بين أن يتوضأ ويغسل المحل الذي أصابه ذلك الخارج، وبين أن يغتسل، ولا يغسله على ما ذكرناه في فصل الترتيب هذا ظاهر المذهب، وقد حكينا وجهاً أنه يلزمه الغسل فلذلك أعلم. قوله: في الكتاب "فلا يلزمه الغسل" بالواو.
فإن قلنا بظاهر المذهب، وغلب على الظن أنه مني لأن الودي لا يليق بصاحب (١) الواقعة، أو لتذكر وقاع [قبله] (٢) تخيله: قال إمام الحرمين يجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهارة، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن تخريجاً على غلبة الظن في النجاسة، والاحتمال الأول أوفق لكلام المعظم هذا حكم غير الخواص.
فأما خواص المني فلا يشترط اجتماعها بل الخاصة الواحدة كافية في معرفة أن الخارج مني، فلو خرج بغير دفق وشهوة لمرض أو لحمل شيء ثقيل وجب الغسل خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه أصحابنا.
لنا أن الخارج مني لوجود خاصية الرائحة فيه فيوجب الغسل لقوله ﷺ : "إنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (٣). [ولو اغتسل عن الإنزال ثم خرجت منه بقية وجب الغسل لوجود الرائحة] سواء خرجت بعد ما بال، أو قبله خلافاً لمالك حيث قال: في إحدى الروايتين لا غسل عليه في الحالتين وفي رواية أنه خرج قبل البول فهو من بقية المني الأول، فلا يجب الغسل ثانياً وإن خرج بعده فهو مني جديد فيلزمه الغسل، وخلافاً لأحمد حيث قال: إن خرج قبل البول وجب الغسل ثانياً، وإن خرج بعده فلا.
وحكى عن أبي حنيفة مثله وجعل ذلك بناء على المسألة الأولى وهي اعتبار التدفق والشهوة، لأن ما خرج قبل البول بقية ما خرج لشهوة، وما خرج بعد البول خرج بغير شهوة لنا ما سبق وقياس إحدى الحالتين على الأخرى، وقول من قال الخارج بعد البول (٤) مني جديد ممنوع بل هو بقية الأول بكل حال -والله أعلم-.
ولا فرق في خروج المني بين الرجال وبين النساء في حكم الغسل: روي أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ : "فقالت: إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" (٥).
وقوله في الأصل: "والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل" يشعر بأن طريقة معرفة المني في حقها الشهوة والتلذذ لا غير.
стр. 180
وقد صرح به في الوسيط فقال: ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة وكذلك ذكره إمام الحرمين لكن ما ذكره الأكثرون تصريحاً وتعريضاً التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث.
وقد قال في التهذيب: أن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة وجب الغسل كمني الرجل، فإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على سائر الخواص ولو اغتسلت المرأة من الجماع، ثم خرج منها المني لزمها الغسل بشرطين:
أحدهما: أن تكون ذات شهوة دون الصغيرة التي لا شهوة لها.
والثاني: أن تقضي شهوتها بذلك الجماع لا كالنائمة والمكرهة.
وإنما وجب الغسل عند اجتماع هذين الشرطين، لأنه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه، وإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها.
أما في الصغيرة والمكرهة والنائمة إذا خرج المني بعد الغسل لم يلزم إعادة الغسل لأن الخارج مني الرجل، وخروج مني الغير من الإنسان لا يقتضي جنابته.
وصورة المسألة في الكتاب، وإن كانت مطلقة لكن في قوله: "فإنه لا ينفك عن مائها" ما يبين اشتراط ما ذكرنا: وحكى وجه آخر أنه لا يشترط إعادة الغسل بحال لأنه لا يتيقن خروج منيها، نعم الاحتياط الإعادة هذا تمام الكلام في طريقي الجنابة ولفظ الكتاب ظاهر في الحصر فيهما، وهو الصحيح وزاد بعض الأصحاب طريقاً آخر للجنابة، وهو استدخال المني قالوا: إذا استدخلت المرأة منيّاً لزمها الغسل كما يجب به العدة إذا كان الماء محترماً: وينسب هذا إلى أبي زيد المروزي وعلى هذا لا يفترق الحال بين القبل والدبر، والمذهب الأول لأن الاستدخال غير متناول بالنصوص الواردة في الباب، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
خاتمة قوله في أول الباب "وموجبه الحيض والنفاس" إلى آخره يقتضي حصر موجبات الغسل في الأربعة الذكورة لكن إلقاء المضغة، والعلقة موجب على الصحيح كما سبق، وهو لا يدخل في لفظ الولادة، فيكون خارجاً عما ذكره واختلفوا في شيئين آخرين:
أحدهما: غسل الميت [فإن منهم] من قال: في القديم يجب به الغسل على الغاسل وإليه ذهب أحمد لما روي: أنه ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأُ" (١)، والجديد أنه ليس من موجبات الغسل، والحديث إن ثبت محمول على الاستحباب.
стр. 181
والثاني: زوال العقل بالجنون والإغماء حكى بعضهم عن أبي هريرة أن زواله بالجنون يوجب الغسل، وروى آخرون وجهين: في الجنون والإغماء جميعاً: ووجه وجوبه أن زوال العقل يفضي إلى الإنزال غالباً، فأقيم مقامه كالنوم أقيم مقام خروج الخارج، والمذهب المشهور أنه لا يجب به الغسل ويستصحب يقين الطهارة إلى أن يستيقن الإنزال، والقول بأن الغالب منه الإنزال ممنوع (١).
قال الغزالي: ثُمَّ حُكْمُ الجَنَابَةِ حُكْمُ الحَدَثِ مَعَ زَيادَةِ تَحْرِيم قِرَاءَةِ القُرْآنِ والمُكْثِ فِي المَسْجِدِ (ز)، أَمَّا العُبُورُ فَلاَ (م ح) ثُمَّ لاَ فَرْقَ فِي القِرَاءَةِ بَيْنَ آيَةٍ (م) أَوْ بَعْضِهَا (ح) إلاَّ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ الله عَلَى قَصْدِ الذّكْرِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةٌ لِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ (م) وَخَوْفِ النِّسْيَانِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: لما فرغ من بيان موجب الجنابة ذكر حكمها، وأما حكم الحيض والتفاس فيأتي في بابهما ولا يفرض في الموت مثل هذه الأحكام فيقول: كل ما يحرم بالحدث الأصغر يحرم بالجنابة بطريق الأولى لأنها أغلظ ويزداد تحريم شيئين:
أحدهما: قراءة القرآن فيحرم على الجنب أن يقرأ شيئاً من القرآن قاصداً به القرآن سواء كان آية، أو بعض آية خلافاً لمالك حيث جوّز قراءة الآيات اليسيرة للجنب، ولأبي حنيفة حيث جوّز له قراءة بعض الآية وبه قال أحمد في أصح الروايتين: لنا ما روي أنه ﷺ قال: "لاَ يَقْرَأ الْجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ" (٢) وعن علي -رضي الله
стр. 182
عنه- قال: لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن شيء سوى الجنابة (١)، ويروى (يحجز)، ولا يستثنى عندنا شيء من الصور إلا إذا لم يجد الجنب ماء، ولا تراباً وصلى على حسب الحال، ففي جواز قراءة الفاتحة له وجهان:
أحدهما: يجوز، والترخيص في الصلاة ترخيص في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة.
أصحهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلاً كالعاجز عن القراءة (٢) حقيقة، أما إذا قرأ شيئاً منه لا على قصد القرآن فيجوز كما لو قال: باسم الله الرحمن الرحيم على قصد التبرك والابتداء، أو الحمد لله في خاتمة الأمر، أو قال: "سُبْحَانَ اللَّهِ الذِي سَخَّرَ لَنَا هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" (٣) على قصد إقامة سنة الركوب، لأنه إذا لم يقصد القرآن لم يكن فيه إخلال بالتعظيم ولو جرى على لسانه ولم يقصد هذا ولا ذاك فلا يحرم أيضاً.
وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض لما سبق من الخبر، ولأن حدثها أغلظ فيكون الحكم في التحريم أولى.
وعن مالك أنه يجوز لها قراءة القرآن، ورواه أبو ثور عن أبي عبد الله فمن الأصحاب من قال أراد به مالكاً، ونفى أن يكون الجواز قولاً للشافعي ومنهم من قال أراد الشافعي ﵁، وهو قول له في القديم (٤) وهذا ما ذكره في الكتاب فقال: ولا يحل للحائض القراءة لحاجة التعليم وخوف النسيان على الأصح أي من القولين وهذه الطريقة أظهر لأن الشيخ أبا محمد قال: وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع فقال: قال: أبو عبد الله ومالك فثبت نقل قول الجواز وتوجيهه ما أشار إليه، وهو أنها قد تكون معلمة، فلو منعناها عن القراءة والحيض مما يعرض في كل شهر غالباً لانقطعت عن حرفتها، ولأن ترك القراءة يؤدي إلى النسيان لامتداد زمان
стр. 183
الحيض بخلاف الجنابة فإنه يمكن إزالتها في الحال، وهذا القول يجري في النفساء أيضاً.
الثاني: المكث في المسجد وهو حرام على الجنب، روي أنه ﷺ قال: "لاَ أُحِلُّ الْمسجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ" (١)، ولا يحرم العبور قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) والمعنى الفارق بين المكث والعبور أن العبور في المسجد لا قربة فيه، وفي المَكث قرية الاعتكاف فمنع منه الجنب، ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم، ولم يمكن الخروج لإغلاق الباب أو الخوف من العسس، أو غيره على النفس أو المال وليتيمم في هذه الحالة تطهيراً وتخفيفاً للحدث بقدر الإمكان، وهكذا إذا وجد تراباً غير تراب المسجد، ولا يتيمم بترابه [لكن لو تيمم به صح والعبور وإن لم يكن حراماً [فمكروه] (٣) إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه ولا فرق في الجواز بين أن يكون له سبيل أخر إلى مقصده، وبين أن لا يكون في وجه إنما يجوز إذا لم يجد طريقاً سواه، وليس له أن يتردد في أكتاف المسجد فإن التردد في غير جهة الخروج كالمكث (٤) وليكن قوله: "والمكث في المسجد" معلماً بالألف، لأن عند أحمد يجوز للجنب المكث إذا توضأ، وبالزاي، لأن عند المزني في الرواية المشهورة يجوز له المكث مطلقاً، وقوله: "أما العبور فلا" معلماً بالحاء والميم؛ لأن عندهما لا يجوز له العبور أيضاً إلا أن يحتلم في المسجد فله أن يعبر في الخروج، ولا يكلف قصد الباب الأقرب.
قال الغزالي: وَفَضْلُ مَاءِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ طَهُورٌ، وَلاَ بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يُجَامِعَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلَ فَرجَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
стр. 184
إحداهما: فضل ماء الجنب والحائض طهور ولا كراهية في استعماله وقال: أحمد لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل ما استعملته المرأة إذا خلت بالماء، واستعملت بعضه، لنا ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كُنْتُ أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول اللهِ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" (١) تختلف أيدينا فيه قال إمام الحرمين: لو فسر فضل ماء الحائض والجنب بما لم يمساه من الماء فلا يتخيل امتناع استعماله، والذي يتوهم فيه الخلاف ما مسه بدن الجنب والحائض على وجه لا يصير الماء به مستعملاً ولهذا استدل الشافعي ﵁ في الباب بأخبار تدل على طهارة بدنهما.
الثانية: يجوز للجنب أن يجامع ثانياً، وأن ينام ويأكل ويشرب لكن يستحب أن لا يفعل شيئاً من ذلك إلا بعد غسل الفرج، والوضوء كما [يتوضأ] (٢) به للصلاة، عن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ" (٣) وروي أنه قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ فَليَتَوَضَّأ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً" (٤)، والمقصود منه التنظيف ودفع الأذى.
وأعلم أن كلامه في الكتاب يشعر بتخصيص الوضوء وغسل الفرج بالجماع أو تخصيص غسل الفرج به، واستحباب الوضوء بغير الجماع؛ لأنه قال: "لا بأس للجنب أن يجامع ويأكل ويشرب لكن يستحب له أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع"، فإن كان قوله: "عند الجماع" راجعاً إلى جميع ما وصفه بالاستحباب فهو تخصيص للوضوء، وغسل الفرج معاً بالجماع، وإلا فهو راجع إلى غسل الفرج المذكور أخيراً.
وفيه تخصيص لغسل الفرج بالجماع لكن ليسا ولا واحداً منهما مما يختص استحبابه بالجماع، بل هما مستحبان في الأكل والشرب والنوم أيضاً، كذلك ذكره في التهذيب وغيره، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُد" (٥) ويروى عنه أنه قال: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ" (٦).
стр. 185
قال الغزالي: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ) فَأَقَلُّهُ النِّيَّةُ وَاسْتِيعَابُ البَدَنِ بِالْغَسْلِ، وَلاَ يَجِبُ المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ (ح)، وَيَجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ كثُفَث وَيَجِبُ (م) نَقْضُ الضَّفَائِرِ إِنْ كَانَ لاَ يَصِلُ المَاءُ إلَى بَاطِنِهَا.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في موجبات الجنابة وأحكامها، تكلم في كيفية الغسل والقول في كيفيته يتعلق بالأقل والأكمل، أما الأقل فهو شيئان:
أحدهما: النية فهي واجبة عندنا خلافاً لأبي حنيفة، كما في الوضوء وقد ذكرنا مسائل النية في الوضوء ونظائرها في الغسل تقاس بها فلا يجوز أن تتأخر النية عن أول الغسل المفروض، كما لا يجوز أن تتأخر في الوضوء عن أول غسل الوجه، وإن حدثت مقارنة لأول الغسل المفروض صح الغسل لكنه لا ينال ثواب ما قبله من السنن على ما سيأتي بيانها، وإن تقدمت على أول غسل مفروض وعزبت قبله فوجهان كما سبق في الوضوء، ثم إن نوى رفع الجنابة أو رفع الحدث عن جميع البدن أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل، وإن نوى رفع الحدث مطلقاً، ولم يتعرض للجنابة ولا غيرها صح غسله أيضاً على أظهر الوجهين. [لأن الحدث عبارة عن المانع من الصلاة وغيرها على أي وجه فرض.
ولو نوى رفع الحدث الأصغر فإن تعمد لم يصح غسله على أظهر الوجهين] (١) وإن غلط فظن أن حدثه الأصغر لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء وفي أعضاء الوضوء وجهان:
أحدهما: لا ترتفع عنها أيضاً، لأن الجنابة أغلظ ولم يقصد رفعها.
وأظهرهما: أنها ترتفع عن الوجه واليدين والرجلين، لأن غسل هذه الأعضاء واجب في المحدثين، فإذا غسلها بنية غسل واجب كفى، ولا يرتفع عن الرأس في أصح الوجهين، لأن فرض الرأس في الوضوء المسح فالذي نواه إنما هو المسح، والمسح لا يغنى عن الغسل أما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر إن كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف وقراءة القرآن فالحكم على ما سبق في الوضوء، ومن هذا القبيل ما إذا نوت الحائض استباحة الوطء في أصح الوجهين:
والثاني: أن غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة، وما في معناها كغسل الذمية عن الحيض لتحل للزوج، وإن لم يتوقف الفعل المنوي على الغسل [نُظر، إن لم يستحب له الغسل لم تصح نية استباحته: وإن كان يستحب له الغسل] (٢) كالعبور في المسجد،
стр. 186
والأذان وكذا إذا اغتسل للجمعة (١) والعيد، فالحكم على ما ذكرنا في الوضوء، وإن نوى الغسل المفروض أو فريضة الغسل صح غسله، الثاني استيعاب جميع البدن بالغسل، قال ﷺ : "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَة، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأنْقُوا البَشَرَةَ" (٢) ومن جملة البشرة ما يظهر من صماخي الأذنين وما يبدو من الشقوق، وكذا ما تحت القلفة من الأقلف، وما ظهر من أنف المجدوع في أظهر الوجهين، وكذا ما ظهر من الثيب بالافتضاض قدر ما يبدو عند القعود لقضاء الحاجة دون ما وراء ذلك في أظهر الوجوه، لأنه صار ذلك في حكم الظاهر كالشقوق.
والثاني: أنه لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين كما لا يجب غسل باطن الفم والأنف.
والثالث: يجب عليها غسل باطن الفرج في غسل الحيض والنفاس خاصة، لإزالة دمها ولا يدخل فيها باطن الأنف والفم، فلا تجب المضمضة والاستنشاق في الغسل عندنا خلافاً لأبي حنيفة ذكر إمام الحرمين أن بعض تعاليق شيخه حكاية وجه موافق لمذهب أبي حنيفة: لنا أنهما لا يجبان في غسل الميت ولو وجب في غسل الحي لوجبا في غسل الميت وأيضاً فلو وجب غسل باطن الفم والأنف في الغسل لكانا من الوجه.
ولو كانا من الوجه لوجب غسلهما في الوضوء. وأما الشعور فيجب إيصال الماء إلى منابتها خفت أو كثفت بخلاف الوضوء لأنه يتكرر في اليوم والليلة مراراً فلو كلف إيصال الماء فيه إلى المنابت لعظمت المشقة. ويجب نقض الضفائر إن كان لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض: أما الأحكام الشد أو للتبلد ولغيرهما فإن وصل الماء إليها بدون النقض فلا حاجة إليه. وعن مالك أنه لا يجب نقض الضفائر [ولا إيصال الماء إلى باطن الشعور الكثيفة وما تحتها. وعن أبي حنيفة أنه إذا بلغ الماء أصول الشعر فليس على المرأة نقض الضفائر] (٣): وعن أحمد أن الحائض تنقض شعرها دون الجنب.
لنا الخبر الذي قدمناه، ويستثنى من الشعور ما ينبت في العين، فإن إدخال الماء في العين لا يجب وكذلك باطن العقد التي تقع على الشعرات يسامح به وحكى القاضي
стр. 187
الروياني وجهاً آخر أنه يلزم قطعها (١).
قال الغزالي: وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ أَذىً أَوَّلاً ثم يَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا وَيُؤَخِّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الغُسْلِ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ثُمَّ يَتَعَهَّدَ مَعَاطِفَ بَدَنِهِ ثُمَّ يُفِيّضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُكَررَ ثَلاَثًا ثُمَّ يَدْلُكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا تَسْتَعْمِلُ فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَمَاءُ الغُسْلِ وَالوْضُوءِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ (ح) وَقَدْ يُرْفَقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيُخْرَق بِالكَثِيرِ فَلاَ يَكْفِي وَالرِّفقُ أَوْلى وَأَحَبُّ.
قال الرافعي: كمال الغسل [يحصل] (٢) بأمور ذكر منها ثمانية:
أحدها: أن يغسل ما على بدنه من أذى أولاً: فإن اعترض معترض فقال: الأذى المذكور إما أن يكون المراد منه الشيء القذر، أو النجاسة، وكيف يجوز الأول وقد فسر الشارحون قول الشافعي ﵁ "ثم يغسل ما به من أذى" بموضع الاستنجاء إذا كان قد استنجى بالحجر، وهذا تفسير له بالنجاسة وكذلك فسروا لفظ الأذى في الخبر.
وإن كان الثاني فكيف عطف النجاسة على الأذى في الوسيط، والعطف يقتضي المغايرة، ثم من على بدنه نجاسة لا بد له من إزالة النجاسة أولاً ليعتد بغسله ووضوئه، وإذا كان كذلك كان غسل الموضع عن النجاسة من الواجبات لا من صفات الكمال.
الجواب قلنا: من على بدنه نجاسة لو اقتصر على الاغتسال أو الوضوء، وزالت تلك النجاسة طهر المحل، وهل يرتفع الحدث [فيه] (٣)، وجهان: حكاهما في المعتمد وغيره. فإن قلنا: بارتفاع الحدث أمكن عَدَّ إزالة النجاسة من جملة صفات الكمال ولعل من عدَّه منها صار إلى ذلك الوجه. وإن قلنا: لا يرتفع الحدث وهو الظاهر من المذهب فالأذى المحدود إزالته من جملة صفات الكمال، إنما هو الشيء المستقذر.
وأعلم أنا إذا جرينا على ظاهر المذهب وهو أنه لا يرتفع الحدث إذا كان على بدنه نجاسة حتى يغسل النجاسة أولاً ثم يغسل الموضع عن الحدث، فكما لا يصح عدّ إزالة النجاسة من كمال الغسل لا يصح عدّها من أركانه أيضاً، خلافاً لكثير من أصحابنا حيث قالوا: واجبات الغسل ثلاثة: غسل النجاسة إن كانت على البدن، والنية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
стр. 188
لنا أنه لو كان من واجبات نفس الغسل لكان الترتيب معتبراً في أركان الغسل لاشتراط تقديم إزالة النجاسة، وقد اتفقوا على أنه لا ترتيب في الغسل، ولأن الأمر في الوضوء والغُسْل واحد، ولم يعده أحد من أركان الوضوء فإذاً تقديم إزالة النجاسة شرط فيهما، وشرط الشيء لا يعد من نفس ذلك الشيء كالطّهارة وستر العورة لا يعدان من أفعال الصّلاة وأركانها: وأما من جمع بين الأذى والنجاسة وعدَّ إزالتهما من كمال الغُسْل لم ينتظم ما فعله في النّجاسة إلا على قولنا إن الغسلة الواحدة كافية عن الخبث والحدث جميعاً. ولم يتفق المفسرون لكلام الشافعي ﵁ على أن المراد من الأذى النَّجاسة، بل اختلفوا منهم من فسره بها.
ومنهم من فسره بالمني، ونحوه، مما يستقذر: حكى هذا الخلاف القاضي أبو القاسم بن كج وغيره ولعل ذلك بحسب الاختلاف في المَسْئلة المذكورة -والله أعلم-.
الثاني: أنْ يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، روت عائشة ﵂ أنه ﷺ كان إذا اغتسل من الجَنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره، ثم يفيض الماء على جلده كله (١).
وأعلم أن قوله في الأصل: "ويتوضأ وضوءه للصّلاة وإن لم يكن مُحدثا" يشعر باطّراد الاستحباب فيما إذا كان يغتسل من الجنابة المجردة، وفيما إذا انضم الحدث إلى الجنابة، وإنما يتضح ذلك بتصوير الجنابة المجردة أولاً فنقول من صور ذلك: إتيان الغلام والبهيمة يوجب الجنابة دون الحدث لفقد أسبابه الأربعة.
ومنها: ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج في فرج امرأة تحصل الجنابة على قولنا أن الخرقة الحائلة لا تمنع حصول الجنابة، وقد قدمنا الخلاف فيه ولا يحصل الحدث، لأن اللمس إنما يوجب الحدث إذا لم يكن بين البشرتين حائل.
ومنها: إذا أنزل بفكر ونظر أو احتلم قاعداً ممكَّناً مقعده من الأرض تحصل الجنابة دون الحدث على ما سبق في باب الأحداث، وألحق المسعودي بهذه الصور الجماع مطلقاً، وقال: إنه يوجب الجنابة لا غير، واللمس الذي يتضمنه مغموراً به كما أن خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال يصير مغموراً به، واستشهد على ما ذكره (٢) بأن من جامع في الحجّ يلزمه بدنه، وإن كان متضمّناً للمس، ومجرد اللمس يوجب شاة وعند الأكثرين بالجماع يحصل الحدثان جميعاً، ولا يندفع أثر اللمس الذي يتضمنه
стр. 189
الجماع بخلاف اندفاع أثر خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال، لأن اللمس يسبق حصول حقيقة الجماع، فيجب ترتيب حكمه عليه، وإذا تم حقيقة الجماع وجب حصول الجنابة أيضاً، وفي الإنزال لا يسبق خروج الخارج الإنزال، بل إذا نزل حصل خروج الخارج، وخروج المنيّ وموجب خروج المني أعظم الحَدَثين فيدفع حلوله حلول الأصغر معه كما سبق.
وأما مسألة المحرم فممنوع على وجه، وعلى التسليم ففي الفدية معنى الزجر والمُؤَاخَذَة، وسبيل الجنايات اندراج المقدمات في المقاصد، ألا يرى أن مقدمات الزِّنا لو تجردت أوجبت التعذير، وإذا أفضت إلى الزنا لم يجب التعزير مع الحد، وأما هاهنا فالحكم منوط بصورة اللمس، ولهذا لا يفرق فيه بين العمد والنِّسيان: وإذا عرفت ذلك فنقول: إن تجردت الجنابة فالوضوء محبوب في الغُسْل عنها، وإن اجتمع الحدث والجنابة فقد حكينا في باب صفة الوضوء الخلاف في أنه هل يكفيه الغسل أم يجب معه الوضوء؟ فإن اكتفينا بالغُسْل فالوضوء فيه محبوب كما لو كان يغتسل عن مجرد جَنَابة، وعلى هذا ينتظم القول باستحباب الوضوء على الاطّراد أما إذا أوجبنا معه الوضوء امتنع القول باستحبابه في الغسل، ولا صائر إلى أنه يأتي بوضوء مفرد وبوضوء آخر، لرعاية كمال الغسل، ولا ترتيب على هذا الوجه بين الوضوء والغسل، بل يقدم منهما ما شاء، ولا بد من إفراد الوضوء بالنِّيَّة، لأنها عبادة مستقلّة على هذا الخلاف أما إذا كان من محبوبات الغسل فإنه لا يحتاج إلى إفراده بنية: ثم الوضوء المَحْبُوب في الغُسْل هل يتمه في ابتداء الغسل أم يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟ فيه قولان:
أظهرهما: أنه يتمه ويقدم غسل الرجلين مع سائر أعضاء الوضوء، لما سبق من حديث عائشة فإنها قدمت الوضوء على إفاضة الماء، والوضوء ينتظم غسل الرجلين.
وثانيهما: أنه يؤخره إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة: لأن ميمونة وصفت غسل رسول الله ﷺ فقالت: "ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهَ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جَسَدِهِ، ثمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجلَيْهِ" (١). ولا كلام في أن أصل السنة يتأدّى بكل واحد من الطّريقين، إنما الكلام في الأولى.
الثالث: يتعهد من بدنه الموضع الذي فيه انعطاف والتواء، كالأُذُنَيْن فيأخذ كفًّا من الماء، ويضع الأذن برفق عليه ليصل إلى معاطفه، وزواياه كغضون البطن إذا كان سَمِيناً، وكذلك بفعل بِمَنَابت الشّعر، فيخلل أصول الشعر ومنابته، وكل ذلك قبل إفاضة
стр. 190
الماء على الرأس، وإنما بفعل ذلك ليكون أبعد عن الإسْرَافِ في الماء، وأقرب إلى الثِّقة بوصول الماء.
الرابع: يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن، ثم على الشق الأيسر، ويروى ذلك في صفة غسل رسول الله ﷺ (١).
الخامس: يكرر غسل البدن ثلاثاً كما في الوضوء، بل أولى، لأن الوضوء مبني على التُّخفيف، فإن كان ينغمس في الماء انغمس ثلاث مرات، وهل يستحب تجديد الغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو ضوء.
وأظهرهما: لا، لأن الترغيب في التجديد إنّما ورد في الوضوء، والغُسل ليس في معناه؛ لأن موجب الوضوء أغلب وقوعاً واحتمال عدم الشّعور به أقرب فيكون الاحتياط فيه أتمّ.
السّادس: يدلك ما وصل إليه يده من بدنه، يتبع بها الماء، والفائدة ما ذكرناه في التعهد.
وقال مالك: يجب الدّلك، لنا قوله ﷺ : "أَمَّا أَنَا فَأحْثِي عَلَى رَأسي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا أنا قَدْ طَهُرْتُ" (٢). رتَّب الطَّهارة على إفاضة الماء، ولم يتعرض للدّلك.
السّابع: إذا اغتسلت الحائض تَتَعَهَّدُ أثر الدم بِمِسْكِ أَوْ طِيْب آخر، بأن تجعله على قُطْنَةٍ وتدخلها في فرجها، روى عن عائشة أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله عن الغُسْلِ من الحَيْضِ، فقال: "خُذِي فُرْصَةَ مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا"، فلم تعرف ما أراد فاجتذبتها، وقال: تتبعي بها آثار الدّم (٣)، والفرصة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب، ويروى: "خُذِي فرْصَةً مُمْسِكَة".
стр. 191
قال العراقيين (١): الفُرْصَةُ القطعة من الصوف أو القطن، فالأولى المِسْكُ، فإن لم تجده استعملت طِيْباً آخر، فإن لم تجد فَطِينًا لقطع الرّائحة الكريهة، فإن لم تجد كفى الماء، والنُّفَسَاء كالحائض في ذلك.
الثّامن: ماء الوضوء والغسل غير مقدر.
قال الشّافعي ﵁: "وقد يخرق بالكثير فلا يكفي، ويرفق بالقليل فيكفي".
والأحبّ أن لا ينقص ماء الوضوء عن مُدِّ، وماء الغسل عن صَاع، لما روى: "أَنَّهُ ﷺ أنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيغْتَسِلُ بِالصَّاعِ" (٢) وروي أنه قال: "سَيَأْتِي أَقْوَامٌ يَسْتَقِلُّونَ هَذَا فَمَنْ رَغِبَ فِي سُنَّتِي وَتَمَسَّكَ بِهَا بُعِثَ مَعِي فِي حَضِيرَةِ القُدْسِ" (٣).
والصَّاع والمُدُّ معتبران على التّقريب، دون التحديد، -والله أعلم- وحكى بعض مشايخنا عن أبي حنيفة أنه يتقدر ماء الغسل بِصَاعٍ فلا يجوز أقل منه، وماء الوضوء بِمُدٍّ، وربما حكى ذلك عن محمد بن الحسن، لنا أن ثبتت الرواية عنهما ما روى: "أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ" (٤) وروى أيضاً: "أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ بِثُلُثِ مُدٍّ" (٥).
ونختم الباب بكلامين:
أحدهما: إن أدخل كلمةٌ "ثمَّ" في معظم هذه الآداب، وهي على حقيقتها في الترتيب إلا في قوله: "ثم يدلك" بعد قوله: "ثم يُكَرِّر ثلاثاً"، فإن الدّلك لا يكون متأخراً عن التَّكْرار ثلاثاً، بل الدلك في كل غسلة معها.
стр. 192
الثاني: أن كَمَالَ الغُسْلِ لا ينحصر فيما ذكره بل له مندوبات أخر. منها: ما بيناه في فضل سنن الوضوء. ومنها: أن يستصحب النية إلى آخر الغسل. ومنها: أن لا يغتسل في الماء الراكد، ومنها أن يقول في آخره: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (١).
стр. 193
قال الغزالي:
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِيمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهُوَ العَجْزُ عنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَلِلْعَجزِ أَسْبَابٌ سَبعَة (الأوَّلُ) فِقْدَانُ المَاءِ وَلِلْمُسَافِرِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ، الأولَى أَنْ يَتَحَقَّقَ عَدَمُ المَاءِ حَوَالَيْهِ فيَتَيَمَّمَ مِنْ غيْرِ طَلَبٍ (و).
قال الرافعي: لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ في أنه متى يتيمَّم، وكيف يتيمم، ولم يتيمم فجعل الباب الأول فيما يبيح التيمم فحينئذ يتيمّم والثاني في كيفيته، والثالث: في حكمه، ليعرف ما يستفاد به [وما لا يُسْتَفَاد] (١) فإنه إِنَّمَا يتيمم لفائدته.
الباب الأول في المُبِيح، وهو شيء واحد وهو العَجْزُ عن استعمال الماء، والمراد منه أن يَتَعَذَّرَ اسْتِعْمَال الماء عليه أو ينغمس للُحُوقِ ضرر ظاهر، وأَسْبَابُ العَجْزِ فيما ذكره سبعة:
أحدها: فَقْدُ الماء قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) وللمسافر أربع أحوال، لأنه إمّا أن يتيقَّن وجود الماء حَواليه، أو لا يتيقنه، فإن لم يتيقنه فإمَّا أن يتيقن عدمه، وهو الحالة الأولى، أو لا يتيقن عدمه أيضاً، بل يتردد، وهو الثانية، فإن تيقَّنه فإما أن لا يزاحمه غيره على الأخذ والاستيفاء، وهو الحالة الثالثة، أو يزحمه غيره عليه، وهو الرّابعة.
الحالة الأولى: أن يتحقق عدم الماء حواليه مثل أن يكون في بعض رِمَالِ البَوَادِي، فتيمم، وهل يفتقر إلى تقديم الطلب عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وإنما يقال لم يجد إذا فقد بعد الطَّلب.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أنه لا حاجة إلى الطلب، لأن الطلب مع يقين العدم عبث: وأما ذكر الأول في الاستدلال بالآية ممنوع.
стр. 194
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَوَهَّمَ وُجُودَ المَاءِ حَوَالَيْهِ فَليَتَرَدَّدِ (ح) الرَّجُلُ اِلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ غَوْثُ الرِّفَاق، فَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى فَفِي وُجُوبِ إعَادةَ الطَّلَبِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا لم يتيقن عدم الماء حواليه، بل جوَّز وجوده تَجْوِيزاً قريباً أو بعيداً وجب تقديم الطلب على التَّيمم؛ لأن التَّيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهارة بالماء، ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت، فحينئذ تحصل الضرورة، وهل يجب أن يطلب بنفسه أو يجوز أن ينيب غيره؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يجوز الإِنَابَةُ حتى لو بعث النَّازِلُونَ واحداً ليطلب الماء أجزأ طلبه عن الكُلِّ ولا خلاف أنه لا يسقط بطلبه الطَّلَب عمن لم يأمره، ولم يأذن له فيه.
وكيفية الطَّلب أن يبحث عن رحله إن كان وحده، ثم ينظر يميناً وشمالاً وَخَلْفاً وَقُدَّاماً إذا كان في مُسْتَوى من الأرض، ويخص مَواضِعَ الخُضْرَة، واجتماع الطُّيُورِ بمزيد الاحتياط، وإن لم يكن مستوياً، واحتاج إلى التردد نظر. فإن كان يخاف على نفسه وماله فلا يجب ذلك؛ لأن الخوف يبيح له الاعراض عند تيقُّن الماء، فعند التَّوهُّم أولى وإن لم يخف، وهذه الحالة هي المَحْكُومُ فيها بقوله في الكتاب "فعليه أن يتردَّد إلى حدٍّ يلحقه غَوْثُ الرِّفَاق" وهذا الضابط مستفاد من إمام الحرمين ﵀.
قال: لا نكلفه البعد عن مُخَيَّم الرّفْقَة فَرْسَخًا، أو فَرْسَخَيْنِ وإن كانت الطُّرُقُ آمِنَةً: ولا نقول لا يفارق طُنُبَ (١) الخِيَامِ، فالوجه القصد أن يتردد، ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرّفقة لأَغَاثُوهُ مع ما هم عليه من التَّشَاغُلِ بالأشغال والتفاوض (٢) في الأقوال، وهذا يختلف باستواء الأرض واختلافها صُعُودًا وَهُبُوطاً، وهذا الضَّبْطُ لا يكفي في كلام غيره لكن الأئمة من بعده تابعوه عليه، وليس في الطرق ما يخالفه: هذا إذا كان وحده فإن كان في رفقة وجب البحث عنهم أيضاً، إلى أن يستوعبهم أو يضيق الوقت فلا يبقى إلا ما يسع لتلك الصلاة، وفي وجه إلى أن يستوعبهم أو لا يبقى من الوقت إلا ما يَسَعُ رَكْعَةً. وفي وجه إلى أن يستوعبهم وإن خرج وقت الصلاة (٣) وإذا عرف أن معهم ماء فهل يجب استيهابه من صاحبه فيه وجهان:
أحدهما: لا، لصعوبة السؤال على أهل المُرُوءَةِ.
стр. 195
والثاني: وهو الأظهر نعم، لأنه ليس في هِبَة الماء كثير مِنَّةٍ.
وهذان الوجهان يخرجان على ظاهر المَذْهَبِ في أنه إذا وهب منه الماء وجب عليه قبوله، وفيه وجه نذكره من بعد: وكل ما ذكرناه إذا لم يسبق تيمَّمَه تَيَمُّمٌ آخر، وطلب للماء، فإن سبق ذلك واحتاج إلى التيمم مرة أخرى إما لبطلان الأول بحدث، أو لفريضة أخرى فَائِتَةٍ، أو مؤداة، فهل يفتقر إلى إعادة الطلب فيه نظر إن انتقل من ذلك المكان إلى مكان آخر، أو أطبقت غمامه أو طلع ركب، وما أشبه ذلك مما يظن عنده حصول الماء، وجب الطلب كما في التيمم الأول نعم كل موضع تيقُّن بالطلب الأول أنه لا ماء فيه، ولمّا لم يجوّز بالسَّبب الذي حدث حصوله فيه لم يحتج إلى البحث والطلب في ذلك الموضع على ظاهر المذهب كما سبق. وإن لم ينتقل عن ذلك الموضع ولم يحدث شيء يوهم حصول الماء فإن تيقَّن بالطَّلب الأول أن لا ماء ثمَّ، فعلى ما ذكرنا في حالة يقين العدم: وإن لم يتيقنه، بل غلب على ظنه العدم فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى إعادة الطلب، لأنه لو كان ثم ماء لَظَفَرَ به بالطَّلب الأول ظاهراً.
وأظهرهما: أنه يجب الطّلب ثانياً، لأنه قد يطلع على بئر خَفِيَتْ (١) عليه، أو يجد من يدله على الماء، لكن يجعل الطلب الثاني أخفّ من الأول.
وإذا عرفت ما ذكرناه، وتأملت قوله: "فإن دخل عليه وقت صلاة أخرى، ففي وجوب إعادة الطلب وجهان": فينبغي أن لا يخفى عليك منه شيئان:
أحدهما: أن هذا الخلاف غير مخصوص بما إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، بل معهما احتاج إلى إعادة التيمم، إما لهذا السَّبَب أو لأن تيممه الأول قد بطل بعروض حَدَثٍ أو طلوع رَكْب جرى الوجهان سواة تَخَلَّلَ بين التيممين زمان، أو لم يتخلل.
والثاني: أن كلامه وإن كان مُطْلقاً لكن الشرط في سورة الخِلاَف أن لا يحدث سبب يوهم حدوث الماء من الانتقال إلى مكان أخر، أو طلوع ركب ونحوهما، وإلا وجب إعادة الطَّلب بلا خلاف، وأن لا يكون العدم مستيقناً بمقتضى الطلب الأول، وإلا فإذا استيقن العدم ولم يحدث ما يوهم حصول الماء كان اليقين الأول مستمراً، ولا معنى للطَّلَبِ مع تيقُّن العدم كلما تقدم، ولك أن تعلم قوله: "فليتردد الرجل" بالحاء لأمرين:
أحدهما: أن عند أبي حنيفة ليسس على المتيمم طلب إلا إذا غلب على ظَنِّهِ أن بقربه ماء.
стр. 196
والثاني: أن عنده صلاة العيد، وصلاة الجنازة يجوز أن يتيمَّم لهما إذا خاف الفوات لو اشتغل بالوضوء، وإن كان الماء موجوداً عنده، وكلام الكتاب مطلق.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ يَتَيقَّنَ وُجُودَ المَاءِ فِي حَدِّ القُرْبِ فَيَلْزَمُهُ (ح) أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ، وَحَدُّ القُرْبِ إِلَى حَيْثُ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ المُسَافِرُ لِلرَّعْي وَالاَحْتِطَابِ وَهُوَ فَوْقَ حَدِّ الغَوْثِ، فَإِنِ انتَهَى البُعْدُ إلَى حَيْثُ لاَ يَجِدُ المَاءَ فِي الوَقْتِ فَلاَ يَلْزَمُهُ، وإنْ كَانَ بَيْنَ الرُّتبَتَيْنِ فَقَدْ نَصَّ أَنَّهُ يَلْزُمُهُ إِذَا كَانَ عَلَى يَمِينِ المَنْزِلِ أَوْ يَسَارِهِ، وَنَصَّ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى صَوْبِ مَقْصِدِهِ أنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ فَقِيلَ قَوْلاَنِ وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، لِأَنَّ جَوَانِبَ المَنْزِلِ مَنْسُوَبةٌ إِلَيْهِ دُونَ صَوْب الطَّرِيقِ.
قال الرافعي: إذا تيقَّن وجمود الماء حواليه فله ثلاث مراتب:
إحداها: أن يكون على مسافة ينتشر إليها النَّازِلُونَ في الاحْتِطَاب وَالاحْتِشَاش، وتنتهي البهائم إليها في الرَّعي، فيجب السَّعْي إليه، والوضوء به، لأنَه إذا كان يَسْعَى لأشغاله إلى هذا الحَدِّ، فلينته (١) للعبادة أولى وهذا فوق حد الغوث الذي يسعى إليه عند التَّوَهُّمِ. قال الأمام محمد بن يحيى ولعله يقرب من نصف فَرْسَخٍ.
الثانية: أن يكون بعيداً عنه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت فيتيمم ولا يسعى إليه لأنه فاقد في الحال، ولو وجب انتظار الماء مع خروج الوقت لما ساغ التيمُّم أصلاً، بخلاف ما لو كان واجداً للماء، وخاف فوات الوقت لو توضَّأ حيث لا يجوز له التيمم؛ لأنه ليس بفاقد، على أن صاحب التَّهْذِيبِ حكى في هذه الصورة وَجْهاً أنه يتيمم، ويصلي لحرمة الوقت، ثم يتوضّأ ويعيد: وقد يقول النّاظر أيعتبر كونه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت من حين نزوله في ذلك المنزل، أو من أول وقت الصلاة لو كان نازلاً فيه. فإن كان الأول فقد يكون الماء في حد القرب، ولو سعى إليه لفاته فَرْضُ الوَقْتِ لنزوله في أخر الوَقْتِ، فإذا لم نوجب السعي إليه بطل إطلاق قولنا: "إنه إذا كان الماء في حد القُرْب لزم السَّعْيُ إليه، وإنا اعتبرنا من أَوَّلِ وقتِ الصلاة فمواقيت الصلاة مختلفة في الطُّولِ وَالقِصَرِ، فما الذي يفعل أنعتبر الوسط منها كما يفعل في حد القرب؟ فان القَدْرَ الذي ينتشر إليه المسافر لحاجته مختلفة صيفاً وشتاء، ويؤثر فيه وُعُورَةُ المكان وسهولته، وما أشبه ذلك، والمعتاد في نَظائِرِ ذلك الأخذ بالوسط المعتدل أم نعتبر في كل صلاة وقتها، فتختلف المسافة التي يحتاج إلى قَطْعِهَا، أم كيف الحال، ولو كان يتيمَّم لفائته فكيف يقدر فوات وقتها لو سعى إلى الماء؟ أيقال وقتها أول حالة
стр. 197
التذكر؟ فيلزم أن لا يسعى إلى الماء في حد القُرْبِ، لأنه زمان يسير أو لا يقال هذا وحينئذ لا يفرض لها وقت آخر يَفُوت بالسَّعْي إلى الماء، ولو كان يتيمم للنوافل وجوزنا ذلك فكيف نعتبر الوقت فيها، وهل نجعل مواقيت الفرائض الخمس مِعْيارًا للفوائت والنَّوَافِلِ أم لا؟.
والجواب الأشبه بكلام الأئمَّةِ أن الاعتبار من أوَّل وقت الصلاة، لو كان نازلاَ في ذلك المنزل، ولا بأس باختلاف المواقيت والمسافات، فإن الغرض صيانة وظيفة الوَقْتِ عَنِ الفَوَاتِ وعلى هذا إذا انتهى إلى المنزل في أخر الوقت، وكان الماء في حد القُرْبِ لزم السَّعْيُ إليه والوضوء به، وإن كان يفوته فرض الوقت كما لو كان الماء في رحله وفاته الوقت (١) لو توضأ، والأشبه أن تجعل وقت الحاضرة مِعْياراً في الفوائت والنوافل، فإنَّها الأصل والمقصد بالتيمم غالباً -والله أعلم-.
الثالثة: أن يكون بين الرُّتْبَتَيْنِ وتزيد المسافة على التي يتردد المسافر إليها لحاجاته، ولا ينتهي إلى حَدِّ خروج الوقت فهل يلزمه السَّعي إليه أم يجوز له التيمم؟
نص الشّافعي على أنه إذا كان على يمين المنزل، أو يساره يلزمه السعي إليه، ولا يجوز له التيمم، وفيما إذا كان على صَوْبِ مَقْصَدِهِ أنه لا يجب السعي إليه، وله التيمم، فاختلف الأصحاب فيه على طريقتين.
إحداهما: تقرير النَّصَّيْنِ.
والثانية: جعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجًا (٢)، ولنبين أولاً معنى قول المذهبين في المسألتين قولان بالنقل (٣)، والتخريج، فنقول إذا ورد نَصَّان عن صاحب المذهب مختلفان في صورتين متشابِهَتَيْنِ، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا فالأصحاب يخرجون نصه في كل واحدة من الصورتين في الصُّورَةِ الأخرى لاشتراكهما في المعنى، فيحصل في كل واحدة من الصورتين قولان (٤): منصوص وهو مخرج.
المنصوص في هذه هو المُخَرَّجُ في تلك، والمنصوص في تلك هو المُخَرَّجُ في هذه، فيقولون: فيهما قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص في هذه الصُّورة إلى
стр. 198
تلك، وخرج منها وكذلك بالعكس، ويجوز أن يُرَادَ بالنقل الرواية، ويكون المعنى في كل واحدة من الصُّورتين قول منقول، أي: مروى عنه، وآخر مخرج: ثم الغالب في مثل ذلك عدم إطْبَاقِ الأصحاب على هذا التصرُّف؛ بل ينقسمون إلى فريقين:
منهم من يقول به، ومنهم من يأبى، ويستخرج فارقاً بين الصورتين يستند إليه افتراق النصين، وإنما ذكرنا هذا الكلام في هذا الموضع، لأنه أول موضع ذكر فيه المصنف النقل والتَّخْرِيج، وإذا عرفت ذلك فنقول. أما من قرر النَّصَّين، فرق بأن المسافر قد يَتَيَامَنُ وَيَتَيَاسَرُ في حَوَائِجِهِ، ولا يمضي في صَوْبِ مقصده، ثم يرجع قَهْقَرَى، وجوانب المنزل منسوبة إليه دون ما بين يديه: وأما من جعل الصورتين على قولين، وَجَّهَ تجويز التيمم بأنه فاقد للماء في الحال، والمَنْعُ بأنه قادر على الوصول إلى الماء، والتيمُّم إنما يعدل إليه عند الضرورة، وهذه الطريقة أَظْهَرُ من الأولى؛ لأن لأصحابنا أن يقولوا للأوّلين: المسافر ما دام سائراً لا يعتاد المضي يَمِيناً وَشَمَالاً، كما لا يرجع قَهْقَرَى. وإذا كان في المنزل انتشر في (١) الجوانب كُلِّهَا يعود إلى منزله، فالفرق ممنوع، وما ذكرناه من الطريقين نقل صاحب الكتاب، وإمام الحرمين في آخرين.
وقال في التهذيب: إذا كان الماء على طريقه، وهو يتيقَّن الوصول إليه قبل خروج الوقت، وصلى في [أول] (٢) الوقت بالتيمم جاز. وقال في الإملاء لا يجوز، بل يؤخر حتى يأتي الماء والمذهب الأول. وإن كان الماء على يمينه أو يساره أو ورائه لم يلزمه إتيانه، وإن أمكن في الوقت؛ لأن في زيادة الطريق مشقة عليه كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المِثْلِ لا يلزمه الشراء.
وقيل: لا فرق، بل متى أمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوف، فلا فرق بين أن يكون على يمينه أو يساره أو أمامه، في جواز التيمم قولان، هذا ما رواه وبينه وبين الكلام الأول بعض المباينة توجيهاً وحكماً.
أما التوجيه فظاهر، وأما الحكم فلأن هذا الكلام إنما يستمر في حق السائر، وقضيته نفي الفرق بين الجوانب في حق النازل في المنزل؛ لأنه يحتاج إلى الرُّجُوع إلى المنزل من أي جانب مضى إلى الماء، وفي زيادة الطريق مَشَقَّة، وأما الكلام الأول فقضيته الفرق بين الجوانب في حق المنازل أيضاً؛ إلاَّ أن ذلك الفرق ممنوع كما تقدم، وأيضاً فإن منقول صاحب الكتاب يقتضي كون السَّعْي إلى ما يكون على اليمين واليسار أولى بالإيجاب، وما ذكره في التَّهْذِيب يقتضي كون الإيجاب فيما على صوب القصد أولى؛ لأنه جعل فيه قولين، وفيما على اليمين واليسار طريقين، وجزم في أحدهما ينفي
стр. 199
الوجوب، واعلم أن ظاهر المذهب جواز التيمم، وإن علم الوصول إلى الماء في آخر الوقت، روى أن ابن عمر ﵁، أقبل من الجرف، حتى إذا كان بالمريد تيمَّمَ وصلَّى العصر، فقيل له: أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك؟ فقال: أَوَ أَحْيىَ حتى أدخلها؟ ثم دخل المدينة والشمس حَيَّة مرتفعة فلم يُعِدِ الصلاة (١).
وإذا جاز التَّيمم في حق من يعلم الانتهاء إلى الماء في صوب سفره، فأولى أن يجوز للنَّازل في بعض المراحل إذا كان الماء على يمينه أو يساره، لزيادة مشقة السير لو سعى إليه، وإذا جاز التيمم للنَّازل فهو للسائر أجوز، وهذا في حَقِّ المسافر.
أما المقيم فذمَّتُهُ مشغولة بالقضاء، وإن صلَّى بالتيمم فليس له أن يصلي بالتيمم، وإن خاف فوات الوقت لو سَعى إلى الماء وتوضَّأ، وإذا كان ممنوعاً من الصلاة بالتيمم مع فوات الوقت فأولى أن يكون ممنوعاً عنها في أول الوقت.
قال الغزالي: ثُمَّ إنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ المَاءِ قَبْلَ مُضِيِّ الوَقْتِ، فَالأَوْلَى التَّأخِيرُ قَوْلاً وَاحِداً، فَإِنْ تَوَقَّعَهُ بِظَنٍّ غَالِبٍ فَقَوْلاَنِ لِتَقَابُلِ نَفْسِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الوَقْتِ مَعَ ظَنِّ إدْرَاكِ الوُضُوءِ.
قال الرافعي: هذا تِفْرِيعٌ على جواز التيمم، وإن أمكن الوصول إلى الماء قبل مضي الوقت وقد ذكرنا الخلاف فيه، فإن جوزناه وهو المذهب.
فنقول الأولى أن يؤخر إلى أن يصلي (٢) بالوضوء، لأن فضيلة الصلاة بالوضوء أولى من تعجيل الصلاة أو أن يعجل الصلاة (٣) بالتيمم نظر إن تيقن وجود الماء في أخر الوقت، فالأولى أن يؤخر ليصلي بالوضوء، لأن فضيلة الصَّلاة بالوضوء وإن كان في آخر الوقت، أبلغ من فَضِيلَةِ الصلاة بالتيمم في أوله، أَلاَ ترى أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جائز مع القدرة على أدائها في أوله، ولا يجوز التيمم مع القدرة على الوضوء هذا ما قطع به الأكثرون، وبه قال صاحب الكتاب، حيث قال: "قولاً واحداً" وحكى
стр. 200
في التتمة خلافاً في الأولى التقديم، أو التأخير على ما سنحكي نظيره في الحالة الثانية، ذلك أن تعلم قوله: "قولاً واحداً" بالواو إشارة إلى هذا الخلاف.
وإن لم يتيقن وجود الماء في آخر الوقت، ولكن رجاه فقولان:
أصحهما: التعجيل في أول الوقت بالتيمم أفضل (١) لأَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ فَقَالَ: "الصَّلاة فِي أوَّلِ وَقْتِهَا" (٢)، ولم يفرق بين أن يكون بالوضوء، أو بالتيمم؛ ولأن فضيلة الأولويَّة نَاجِزَةٌ، وهي تفوت بالتأخير يقيناً، وَفَضِيلَةُ الوضوء غير معلومة الحصول، فَصَيَانَةُ النَّاجِزِ (٣) عن يقين الفوات أولى من المُحَافَظَةِ على أمر موهوم.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة أن التأخير أفضل؛ لأن الإيراد بالظهر، وتأخيرها عند شدة الحَرِّ مأمور به، كي لا يختل معنى الخشوع، فالتأخير لإدراك الوضوء أولى أن يؤمر به. واحتج في "الوسيط" للقول الأول بأن تَعْجِيلَ الصَّلاة منفرداً أفضل من تأخيره لحيازة الجماعة، وكذلك فعل إمام الحَرَمَيْنِ، لكن أبا علي الطَّبَرِي ذكر في "الإِفْصَاحِ" أن التأخير لِحِيَازَةِ الجماعة أفضل، واحتج به للقول الثاني، وتوسط آخرون فجعلوا المسألة على وجهين مبنيين على القولين في المسألة التي نحن فيها (٤) ثم لا يخفى أن موضع القولين ما إذا اقتصر على صلاة واحدة، أما إذا صلى بالتيمم في أول الوقت وبالوضوء في آخره فهو النهاية في إِحْرَازِ الفضيلة.
стр. 201
ولك أن تبحث عن قوله: "وإن توقعه بظن غالب" فنقول: لِمَ قيده بالظن الغالب، ولم يقتصر على مجرد التوقع فاعلم أن التَوَقُّع يشمل الظَّنَّ، ومجرد التجويز، فلو لم يقل بظن غالب، لدخل فيه ما إذا تساوى الطرفان عنده، فلم يظن الوجود في آخر الوقت، ولا العدم، وما إذا ظن العدم، وجواز الوجود، ولا جريان للقولين في هاتين (١) الحالتين، بل الحكم فيهما أولوية التَّعْجِيل لا محالة، وموضع القولين ما إذا ترجَّح عنده الوجود على العدم، وإن لم يتيقنه، فكذلك قال بظن غالب، وربما وقع في كلام بعضهم نقل القولين فيما إذا لم يظن الوجود، ولا العدم ولا وثوق به، وكأن ذلك القائل أراد بالظن اليقين.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ المَاءُ حَاضِراً كَمَاءِ البِئْرِ يَتَنَازَعُ عَلَيهَا الوَارِدُونَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لاَ تَنْتَهيِ إِلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ الوَقْتِ، فَقَدْ نَصَّ فِيهِ وَفي مِثْلِهِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أنَّهُ يَصْبِرُ، وَنَصَّ فِي السَّفِينَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِداً إِذَا ضَاقَ مَحَلُّ القِيَامِ وَلاَ يَصْبِرُ فَقِيلَ: سبَبُهُ أَنَّ القُعُودَ أَهْوَنُ وَلذَلِكَ جَازَ في النَّفْلِ مَعَ القُدْرَة عَلَى الْقِيَامِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: إذا زاحمه غيره على الاسْتِقَاءِ كما إذا انتهوا إلى بئر ولم يمكن الاسْتِقَاء إلا بِالمُنَاوَبَةِ إما لاتحاد آلة الاستقاء أو لضيق موضع النَّازحِ، فإن توقع وصول النّوبة إليه قبل خروج الوقت لم يتيمم، فلعله يجد فرصة الوضوء.
وإن علم أنه لا تنتهي النوبة إليه إلا بعد الوقت، فقد حكى عن نص الشَّافعي ﵁ أنه يَصْبِرَ إلى أن يتوضأ، ولا يبالي بخروج الوقت، وإن حضر جمع من العُرَاةِ، وليس ثم إلا ثوب واحد، يصلون فيه على التَّنَاوب، وعلم أن النوبة لا تنتهى إليه إلا بعد الوقت، نص أنه يصبر أيضاً، ولا يصلي عاريًا في الوقت، ولو اجتمعوا في سَفِينَةٍ، أو بيت ضَيِّقِ، وهناك موضع واحد يمكن فيه الصَّلاة قائماً، نص أنه يصلي في الوقت قاعداً، ولا يصبر إلى انتهاء النوبة إليه بعد الوقت، وهذا يخالف النص في المسألتين الأولين، فاختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: وبها قال أبو زبد المروزي: لا فرق، والمسائل كلها على قولين بالنقل والتخريج.
أظهرهما: أنه يصلي في الوقت بالتيمم، وعارياً وقاعداً، لأن حرمة الوقت لا بد من رِعَايَتِهَا، والقدرة بعد الوقت لا تأثير لها في صلاة الوقت.
والثاني: أنه يصبر لوجود القدرة على الوضوء واللبس والقيام.
стр. 202
والطريقة الثانية: تقرير النصين، والفرق أن تقرير أمر القعود أسهل من أمر الوضوء واللبس، ولهذا جاز تركه في النَّقْلِ مع القدرة على القيام بخلاف التيمم، وكشف العَوْرَةِ لا يحتمل في النقل كما في الفرض، وهذا الفرق حكاه الشيخ أبو محمد عن القَفَّال، قال إمام الحرمين: هذا ضعيف، لأن القيام رُكْنٌ في صلاة الفرض فمن أين ينفع حطه في صلاة أخرى؟.
وللفارق أن يقول الواجب في نوعي الفرض والنقل أهم من الواجب في أحدهما: فيكون أبعد عن قبول المسامحة، وينتظم الفرق.
وقال كثيرون من الأصحاب: لا نصّ للشافعي في مسألة البِئْرِ لكن نص في المسألتين الأخريين على ما سبق، فمنهم من نقل وخرج، ومنهم من قرر النصين، وفرق بوجهين:
أحدهما: ما سبق.
والثاني: أن للقيام بدلاً ينتقل إليه، وهو القعود، ألا ترى أن قعُودَ المريض كقيام الصحيح، وستر العورة لاَ بَدَلَ له فوجب الصَّبْرُ إلى القدرة عليه، وهؤلاء ألحقوا مسألة البئر بمسألة السَّفينة، وقالوا: لا يصبر، لأن للوضوء بدلاً وهو التيمُّم، ولك أن تعلم قوله: "فقد نص فيه وفي الثوب" بالواو؛ لأن هؤلاء نفوا أن يكون للشَّافعي نص في مسألة البئر، وخالفوا ما رواه.
وأعلم أن إمام الحرمين أجرى الخلاف المذكور في هذه المَسْألَةِ فيما إذا ضاق الوقت ولاح للمسافر (١)، ولا عائق، لكن علم أنه لو اشتغل به لفاتته الصلاة، وذكر في "الوسيط" ذلك أيضاً، وهو يقتضي إثبات الخلاف في المَرْتَبَةِ الثانية من مراتب الحالة الثالثة وإن لم يذكر، ثم (٢).
قال الغزالي: فَرْعَانِ، أحَدُهُمَا، لَوْ وَجَدَ مَاءً لاَ يَكْفِيهِ لِوُضُوئهِ يَلْزَمُهُ (ح) اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: إذا وجد الجُنُبُ من الماء ما لا يكفيه لغسله، أو المُحْدِث ما لا يكفيه لوضوئه ففيه قولان:
стр. 203
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني لا يجب استعماله، بل يتيمَّم كما لو وجد بعض الرَّقَبَةِ لا يجب إعتاقه عن الكَفَّارة، بل يعدل إلى الصوم، وأصحهما أنه يجب استعماله (١)، ويتيمم للباقي؛ لأنه قد قدر على غسل بعض أعضائه، فلا يسقط بالعَجْزِ عن الباقي فصار كما إذا كان بعض أعضائه جريحاً، والبعض صحيحاً يجب غسل الصحيح، وهذا الثاني قوله الجديد، والأول القديم.
وذكر الشيخ أبو علي (٢)، والمسعودي أن له في الجديد قولين:
أحدهما: مثل القديم، ورواية المزني في "المختصر" تدل على ما قالاه بأن فرّعنا على القول الثاني، وجب اسْتِعْمَال الماء أولاً ليصير فاقداً، ولهذا قال في الأصل يلزمه استعماله قبل التيمُّم، ثم إن كان محدثاً غسل به وجهه، ثم يديه على الترتيب، إلى أن ينفد، وإن كان جنباً غسل أي عضو شَاءَ، إذ لا ترتيب في الغسل، والأولى أن يستعمله في أعضاء الوضوء، وفي الرأس، وإنما يجب تقديم استعماله على التيمم إذا وقع الغسل، والتيمم عن طهارة واحدة: أما لو أحدث وأجنب ووجد ما يكفي الوضوء به دون الغسل، وقلنا: الحدث الأصغر لا يدخل في أكبر، بل يجب الوضوء مع الغسل، فإنه يتوضَّأ به ويتيمّم عن الجَنَابَةِ ويتخيَّرُ في التقديم والتأخير.
وإن قلنا: يدخل الأصغر في الأكبر سقط حكمه، وواجبه الغسل، فيجب تقديم استعماله على التيمُّم على هذا القول، وكل ما ذكرناه فيما إذا كان الموجود يصلُح للغسل، فأمَّا إذا كان الشَّخْصُ محدثاً، ولم يجد إلا ما يصلح للمسح دون الغسل كثلج وبَرَدٍ لا يذوب، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنه يكفيه التيمم هاهنا، لأنا حيث نوجب استعمال الموجود من الماء على المحدث نأمره بتقديمه على التيمم، ولا يمكن تقديم مَسْحِ الرأس مع بقاء فرض الوجه، واليدين عليه.
والثاني: أنه على القولين فإن قلنا يجب استعمال الماء الناقص فقد ذكر أبو العباس الجرجاني من أصحابنا أنه يتيمم على الوجه واليدين، ثم يمسح رأسه بِبَلَلِ (٣) الثلج.، ثم يتيمم للرجلين، وهذا كله إذا وجد تراباً يتيمم به، أما إذا وجد المُحدْث أَو الجُنُب الماء الناقص، ولم يجد ما يتيمم به ففيه طريقان:
أحدهما: طرد القولين:
стр. 204
وأظهرهما: أنه يجب استعماله لا محالة، لأنه لا بدل ينتقل إليه فصار كالعريان يجد ما يستر به بعض عورته، يلزمه ستر ما يمكن به، بخلاف ما إذا وجد بعض الرَّقَبَةِ في الكفارة ولم يقدر على الصَّوْمِ والإِطْعَام، لا يؤمر بالإِعْتَاقِ لأن الكفّارات على التَّرَاخِي، وقد تطرأ القدرة بعد ذلك، فافهم هذه المسائل، واعرف موضع القولين اللذين أطلقهما في الكتاب (١).
قال الغزالي: الثَّانِي لَوْ صَبَّ المَاءَ فِي الوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فَفِي القَضَاءِ وَجْهَانِ: وَجْهُ وُجُوبهِ أنَّهُ عَصَى بِصَبِّهِ بِخَلاَفِ الصَّبِّ قَبْلَ الوَقْتِ وَبِخَلاَفِ مَا لَوْ تَجَاوَزَ نَهْراً وَلَمْ يَتَوَضَّأ فِي الْوَقْتِ.
قال الرافعي: إذا فوت الماء الذي عنده بالإِراقة أو الشرب أو غيرهما، واحتاج لذلك في التيمم، فلا خلاف في أنه يتيمم؛ لأنه فاقد في الحال، وكذلك لو نجسه، ثم ننظر، إن فعل ذلك قبل دخول الوقت وتيمم في الوقت فلا قضاء عليه، سواء فعل ذلك لغرض أو سَفَها؛ لأنه لا فرض عليه ما لم يدخل الوقت، وإن فعله بعد دخول الوقت، فإن كان له فيه غرض، فكذلك لا قضاء عليه، وذلك مثل أن يتبرد به، أو يشربه لحاجة العَطَشِ، أو يغسل به ثوبه تنظيفاً، وكذلك إذا اشتبه عليه الإناءان، واجتهد ولم يغلب على ظنه شيء فأراقهما، أو جمع بينهما وتيمم، فهو معذور، لأن فيه غرضاً وهو أن لا يكون مصلياً بالتيمم، وعنده ماء طاهر بيقين، وإن فوّته لغير غرض، وفائدة وتيمَّم وصلى، فهل يجب عليه القضاء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، لأنه فاقد حين يتيمم فيكفيه البَدَل، كما لو قتل عبده أو أعتقه، وكفر (٢) بالصوم يجزئه.
والثاني: نعم؛ لأنه عصى بِالصَّب، والحالة هذه وسقوط الفرض بالتيمم من قبيل
стр. 205
الرُّخَصِ فلا يُنَاط بالمعاصي بخلاف ما إذا كان الصب قبل الوقت، فإنه لا يقضي، وبخلاف ما إذا كان الصب لغرض، فإنه معذور، ولو اجتاز بماء في الوقت ولم يتوضأ، ثم بعد عنه وصلى بالتيمم، فالذي ذكره في الكتاب يشعر بالقطع، بأنه لا قضاء عليه، وكذلك أورده صاحب "التهذيب" وغيره: والفرق أنه لم يصنع شيئاً هاهنا، وإنما امتنع من التَّحْصيل والتَّقْصير في تفويت الحاصل أشد منه في الامتناع من تحصيل ما ليس بحاصل، ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد طرد الوجهين في سورة الاجتياز وهو غريب. ولو وهب الماء في الوقت من غير حاجة ولا (١) عطش [للمتهب] (٢) أو باعه من غير حاجة إلى ثمنه، ففي صحة البيع والهبة وجهان:
أشبههما: المنع؛ لأن البدل حرام عليه فهو غير مقدور على تسليمه شرعاً.
وثانيهما: الجواز، لأنه مالك نافذ التَّصرف، والمنع لا يرجع إلى سبب يختص بالعقد فلا يؤثر في فساد العقد. فإن قلنا بصحة البيع والهبة، فحكم قضاء الصلاة على البائع والواهب ما ذكرنا في الصّب؛ لأنه فوته بإزالة الملك عنه.
وإن قلنا بعدم الصحة فلا يصح تيمُّمه ما دام الماء في يد المُبْتَاعِ، أو الموهوب منه، وعليه الاسْتِرْدَاد إن قدر، فإن لم يقدر وتيمم، قضى وإن تَلَف في يده وتيمم ففي القضاء الخلاف المذكور في الإراقة، لأنه إذا تلف بالماء صار فاقداً عند التيمم، ثم إذا أوجبنا القضاء في هذه الصُّورة ففي القدر المقنضي ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يقضي تلك الصلاة الواحدة التي فوت الماء في وقتها.
والثاني: يقضي أغلب ما يؤديه بوضوء واحد.
والثالث: كل صلاة صَلاَّها بالتيمم (٣) -والله أعلم-.
قال الغزالي: (السَّبَبُ الثَّانِي) أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْ سَبُعِ أَوْ سَارِقِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَلَوْ وُهِبَ مِنْهُ المَاءَ أَوْ أُعِيرَ مِنْهُ الدَّلوُ يَلزَمُهُ القَبُولُ بِخِلاَفِ مَا إِذَا وُهِبَ (ز) ثَمَنُ المَاءِ أَوِ الدَّلوَ فَإِنَّ المِنَّةِ فِيهِ تَثْقُلُ، وَلَو بِيعَ بِغَبْنِ لَمْ يَلْزَمهُ شِرَاؤُهُ وَبِثَمَنِ المِثْلِ يُلْزَم إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَينٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ سَفَرِهِ، وَالأَصَحُّ أَن ثَمَنَ المِثْلِ يُعْرَفُ بِقَدْرِ أُجْرَةِ النَّقْلِ.
стр. 206
قال الرافعي: إذا كان لقرْبه ماء، لكنه يخاف من السَّعي إليه علي نفسه من سَبُعٍ، أو عَدُوٍّ أو على ماله المُخْلَفِ في المنزل، أو الذي معه من غاصب، أو سارق فله التيمم، وهذا الماء كالمعدوم، وكذلك الحكم لو كان في السّفينة، ولا ماء معه وخاف على نفسه لو اسْتَقَى من البَحْرِ، والخوف على بعض الأعضاء كالخوف على النَّفْس، ولو خاف الوحدة والانقطاع عن الرّفقة لو سعى إلى الماء، فإن كان عليه ضَرَرٌ وَخَوْفٌ في الانقطاع لم يلزمه السَّعي إليه ويتيمم، وإن لم يكن ضرر فكذلك على أظهر الوجهين، وإن كان الماء لغيره فوهبه منه، فهل عليه قبوله؟ فيه وجهان المذهب أنه يجب، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه والحالة هذه يعد واجداً للماء، والمُسَامحة غالباً في الماء فلا تعظم منَّة في قبوله بخلاف ما لو وهب منه الرَّقبة لا يلزمه قبول، لأنها ليست في محل المسامحة غالباً.
والثاني: أنه لا يلزمه (١) القبول؛ لأنه نوع يكسب للطَّهارة، فلا يلزمه كما لا يلزمه اكتساب ثمن الماء، ولو أعير منه الدَّلو، أو الرَّشَاء وجب قبوله؛ لأن الإعارة لا يعظم فيها المنَّة، والقادر على قبولها لا يعد فاقداً للماء هكذا أطلقه الأكثرون، ومنهم صاحب الكتاب، وفصل بعضهم.
فقال: إن لم تزد قيمة المسُتَعَار على ثمن مثل الماء وجب القبول، وإن زادت فلا؛ لأن العارية مضمونة، وقد يتلف فيحتاج إلى غَرَامَةٍ ما فوق ثمن الماء، ولو اقترض الماء وجب قبوله في أصح الوجهين؛ لأنه إنما يطالب عند الوجدان، وحينئذ يهون الخروج عن العهدة، ولو بيع منه الماء وهو لا يملك الثَّمَنَ، لكنه وهب منه فقد أطلق القول في الكتاب بأنه لا يلزمه قبوله، لأن المِنَّة تثقل فيه كما لا يلزم على العَمَارِي قبول الثَّوب. وحكى بعض الأصحاب فيما إذا وهبه الأب من الابن، أو العكس وجهين، كالوجهين فيما إذا بذل الابن لأبيه، أو بالعكس، المال في الحَجِّ، هل يلزمه وهل يصير مستطيعاً به؟ وهذا حسن لكن الأظهر ثم إنه لا يجب القَبُول، فيجوز أن يكون إطلاق الجواب هاهنا جرياً على الأظهر، واقتصاراً عليه وَهِبَةُ آلات الاسْتِقَاء، كالدَّلْو والرِّشَاء، كهبة ثمن الماء في الحُكْمِ، ولو اقترض منه الثمن فإن كان معسراً لم يلزمه الاستقراض، وإن كان موسراً لكن المال غائب عنه فكذلك في أظهر الوَجْهَيْنِ، بخلاف ما إذا استقرض منه الماء، لأن الماء في محل المُسَامَحَةِ، والقدرة عليه عند توجه المطالبة أظهر وأغلب.
ولو بيع منه الماء نَسِيئَةَ، وهو موسر، لزمه الشراء على أظهر الوجهين؛ لأن
стр. 207
الأجل لازم هاهنا، فلا مطالبة قبل الحلول بخلاف سورة الإِقْرَاضِ، ولو ملك الثمن فكان حاضراً عنده، لكنه كان محتاجاً إليه لدين مستغرق في ذمته أو لنفقته أو نفقة رَقِيقِهِ، أو حيوان محترم معه، أو لسائر مُؤْنَات سفره في ذهابه، وإيابه، فلا يجب عليه الشراء، ويعذر في الصّرف إلى هذه الوجوه، وإن فضل عن حاجته لزمه الشراء، إن بيع بثمن المِثْلِ، لأنه قادر على استعمال الماء، ويصرف إليه أي نوع من المال كان معه، وإن بيع بِغَبْنٍ لا يلزمه الشِّرَاء، كما لو كان يتلف شيء من ماله لو سعى إلى الماء المباح، وظاهر كلامه في الكتاب وعليه الأكثرون أنه لا فرق بين أن يكون الغبن بقدر قليل، أو كثير. ومنهم من قال: إن بيع بزيادة يَتَغَابَنُ الناس بمثلها وجب الشراء، ولا عِبْرَةَ بتلك الزيادة، وإذا كان البيع نَسِيئَةً وزيد بسبب التأجيل ما يَلِيقُ به فهو بيع بثمن المثل على أظهر الوجهين، وإن زاد المبلغ على ثمن مثله نقداً فيجب الشّراء على قولنا: يجب الشراء بالنَّسيئة. وكيف يعتبر ثمن مثل الماء وما معناه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ثمن مثله قَدْر أجرة نَقْلِهِ إلى المَوضِعِ الذي فيه الشخص، لأنه لا يرغب في الماء بأكثر منه، وعلى هذا فالأجْرَة تختلف باختلاف المَسَافة طولاً وقصراً، فيجوز أن يعتبر الوسط المقصد، ويجوز أن يعتبر الحَدّ الذي يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء، فإنَّ ذلك الحد لو لم يقدر على السعي إليه بنفسه، واحتاج إلى بَذْلِ الأجرة لم ينقل الماء منه إليه، يلزمه البذل إذا كان واجداً لها.
وثانيها: أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات، ولا يعتبر ذلك الوقت بخصوصه، فإن الشَّربة الواحدة عند العزّة يرغب فيها بدنانير كثيرة.
وثالثها: أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة، فإن لكل شيء سُوقاً يرتفع وينخفض، وثمن مثل الشيء ما يليق به في تلك الحالة، ألا ترى أن الرَّقَبَةَ وإنْ كانت غالية بالإضافة إلى عموم الأحوال يجب شِرَاؤُهَا بما يرغب فيها في تلك الحالة، وهذا الوجه هو الأظهر عند الأكثرين من الأصحاب.
والوجه الثاني: منقول عن أبي إسحاق، واختاره القاضي الروياني، ولم أر أحداً اختار الوجه الأول سوى صاحب الكتاب، ومن تابعه. وقد ذكر إمام الحرمين إن ذلك الوجه مبني على أن الماء لا يملك، فإنه إذا لم يملك لم يكن له ثمن، فاعتبر أجرة النقل. وأشار المسعودي إلى هذا البناء أيضاً، ومعلوم أن القول بأن الماء لا يملك وجه ضعيف في المذهب، فليكن كذلك ما هو مبني عليه.
وادعى في "الوسيط" أن الوجه الذي اختاره غير مبني على ذلك الوجه، حيث قال: أحدها أن ثمن مثله أجرة نقل الماء فيه تعرف الرغبة في الماء، وإن كان مملوكاً
стр. 208
على الأصح يعني: أنه وإن كان مملوكاً فالقَدْرُ الذي يرغب به فيه أجرة النقل.
وللأكثرين: أن يقولوا إن ادعيت أن هذا القدر هو الذي يرغب به في الماء حيث يكثر الماء في البلاد، وغيرها، فهذا مسلم، لكن الماء والحالة هذه لا يشتري إنما ينقل وإن ادعيت أنه القدر الذي يرغب به في الماء حيث يحتاج إلى الشِّراء فممنوع، ولو بيع منه آلات الاسْتِقَاء كالدَّلْوِ والرَّشَاء بثمن المثل وجب شراؤهما، إذا كان فاقداً لها، وكذلك لو أُوجِرَتْ بأجرة مثلها، فإن باعها مالكها أو أجرها بزيادة لم يجب تحصيلها، هكذا ذكروه ولو قال قائل: يجب التَّحصيل ما لم تَجَاوز الزِّيادة. ثمن مثل الماء لكان محسناً؛ لأنْ الآلة المشتراة تبقى له، وقدر ثمن الماء محتمل التّلف في هذه الجهة ولو لم يجد إلا ثوباً وقدر على شده في الدّلو ليستقى لزمه ذلك: ولو لم يكن دلو وأمكن إدلاؤه في البئر ليبتلّ ويعصر منه ما يتوضأ به لزمه ذلك، ولو لم يصل إلى الماء وأمكن شقّه وشد البعض في البعض ليصل وجب: وهذا كله إذا لم يدخل نقصان أو لم يزد نقصاً به على أكثر الأمرين من ثمن مثل الماء وأجرة مثل الحبل.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) أَنْ يَحتَاجَ اِلَى المَاءِ لِعَطَشِهِ فِي الْحَالِ أَوْ تَوَقُّعِه فِي المَآلِ أَوْ لِعَطَشِ رَفِيقِهِ أَوْ عَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرِمٍ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ المَاءِ وَرُفَقَاؤُهُ عَطْشَى يَمَّمُوهُ وَغَرَّمُوا لِلوَرِثَةِ الثَّمَنَ فَإِنَّ المِثْلَ لاَ يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ غَالِباً، وَلَوْ أَوصَى بِمَائَةٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَحَضَرَ جُنُبٌ وَحَائِضٌ وَمَيِّتٌ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى لِأَنَّهُ آخِرُ عَهْدِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْلَى مِنَ الجُنُبِ إِذْ لاَ بَدَلَ لَهُ، وَفِيهِ مَعَ المَيِّتِ وَجْهَانِ، وَالجُنُبُ أَوْلَى مِنَ المُحْدِثِ إِلاَّ إِذَا كَانَ المَاءُ قَدْرَ الوُضُوءِ فَقَطْ، فَإِنْ انْتَهَى هَؤُلاَءِ اِلَى مَاءٍ مُبَاحٍ وَاستَوَوا فِي إِثْبَاتِ اليَدِ فَالمِلْكُ لَهُمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَوْلَى بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُ غَيْرِهِ أَغْلَظَ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: لو قدر على ماء مَمْلُوكٍ أو غير مملوك لكنه احتاج إليه لعطشه فله التيمُّم، دفعاً لما يلحقه من الضَّرر، ولو توضأ والقول فيما يلحقه لو توضَّأ ولم يشرب يقاس بما سيأتي في المَرَضِ المبيح للتيمم.
ولو احتاج إليه رفيق له أو حيوان آخر محترم للعطش دفعه إليه، إما مجاناً أو بعوض، وتيمّم، وللعطشان أخذه منه قهراً لو لم يبذله له، وغير المحترم من الحيوان هو الحَرْبِيُّ والمُرتَدُّ والخنزير والكلب العَقُور وسائر الفواسق الخمس وما في معناها، وكان والدي ﵀ يقول: ينبغي أن يقال: لو قدر على التَّطهُّر وجمعه في ظَرْفٍ ليشربه لزم ذلك، ولم يَجُزِ التيمّم، وما ذكره يجيء وجهاً في المذهب، لأن أبا علي الزجاجي، وأقضى القضاة المارودي، وآخرين، ذكروا في كتبهم أن من معه ماء طاهر
стр. 209
وآخر نجس وهو عطشان يشرب النَّجس، ويتوضّأ بالطاهر (١) وإذا أمر بشرب النّجس ليتوضأ بالطاهر فأولى أن يؤمر بالوضوء وشرب المستعمل، وهل يفترق الحال بين أن تكون هذه الحالة (٢) ناجزة، أو متوقعة في المآل؟.
أما في عطش نفسه فلا فرق، بل توقعه مآلاً لإعواز غير ذلك الماء طاهراً لحصوله حالاً. وأما في عطش الرّفيق والبهيمة فقد أبدى فيه إمام الحرمين تردداً فيه، وتابعه عليه في "الوسيط"، والظاهر الذي اتفق عليه المعظم بأنه يتزود لرفيقه ويتيمم، كما يفعل ذلك لنفسه، إذ لا فرق بين الزّوجين في الحرمة.
الثانية: قال الشافعي ﵁: "إذا مات رجل له ماء وَرِفاقه يخافون العطش شربوه، ويمَّمُوه وأدوا ثمنه في ميراثه، وإنما جاز لهم شربه وإن كان فيه تفويت غسل الميت عليه، لأنهم يخافون على مَهْجِهِم، وليس للشرب بدل، وللطّهارة بدل وهو التَّيمم وأما قوله: "وأدّوا ثمنه في ميراثه" فقد تكلموا في المراد بالثَّمَن، منهم من قال: أراد بالثَّمَنِ المِثْلَ؛ لأن الماء مثل، والمثليات تُضْمَنُ بالمثل دون القيمة، ومنهم من قال: أراد به القيمة، وإنما وجبت القيمة هاهنا؛ لأن المسألة مفروضة فيما إذا كانوا في مَفَازَةٍ عند الشرب، ثم رجعوا إلى بلدهم (٣)، ولا قيمة للماء بها، فلو أدوا الماء (٤) لكان ذلك إحباطاً لحقوق الوَرَثَةِ، فيغرمون قيمة يوم الإتلاف في موضعه: وهذا الثاني هو الذي ذكره في الكتاب، وينبغي أن يعلم لفظ الثمن. في قوله: "وغرموا للورثة الثمن" بالواو؛ لأنه أراد به القيمة، حيث علل فقال: "فإن المثل لاَ يَكُونُ له قيمة غالباً"، ولو أنه لم يعلل لما انتظم إعلامه بالواو؛ لأن من أوجب المثل جوز تسميته بالثمن أيضاً، ألا تراهم اختلفوا في مراد الشّافعي ﵁ بلفظ الثمن.
الثالثة: إذا أوصى بمائة لأولى الناس به، أو لكل (٥) رجلاً يصرف ماءه إلى أولى الناس به، وحضر محتاجون إلى ذلك الماء كالجُنُب والحائض والميت ومن على بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فمن يقدم منهم؟ أعلم أن الميت ومن علىَ بدنه نجاسة أولى من غيرهما. أما الميت فلمعنيين.
стр. 210
أحدهما: قال الشَّافعي ﵁ إن أمره يفوت فليختم بأكمل الطّهارتين، والأحياء يقدرون عليه في ثاني الحال.
والثاني: قال بعض الأصحاب: المقصد من غسل الميت تنظيفه وتكميل حاله، والتراب لا يفيد ذلك، وغرض الحي استباحة الصلاة وإسقاط الفرض عن الذِّمَّةِ، وهذا الغرض يحصل بالتيمم حصوله بالغسل: وأما من على بدنه نجاسة فلأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وللطّهارات بدل وهو التيمم، وإذا اجتمعا فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: أن الميت أولى.
قال المحاملي (١) من أئمة العراق والصيدلاني من غيرهم، الوجهان مبنيان على المعنيين في المَيِّت، إن قلنا بالتعليل الأول فالميِت أولى، وإن قلنا بالتعليل الثاني فالنجس أوْلى، لأن فرضه لا يسقط بالتيمُّم، بخلاف غسل الميت ولا خلاف أنه إذا كان على بَدَنِ الميت نجاسة فهو أولى، ولا يشترط في استحقاق الميت أن يكون له ثم وارث يقبل عنه، كما لو تَطَوَّع إنسان بتكفين ميت ولا حاجة إلى قابل، وفي المسألة وجه ضعيف. وان اجتمع ميتان والماء لا يكفي إلا لأحدهما، فإن كان المَاءُ موجوداً قبل موتهما وماتا على الترتيب فالأول أولى، وان ماتا معاً أو وجد الماء بعد موتهما فأفضلهما أولى، فإن استويا أقرع بينهما هذا كلامنا في المَيِّت ومن عليه نجاسة. أما غيرهما ففي الحَائِضِ مع الجنب ثلاثة أوجه:
أصحها: الحائض أولى؛ لأن حدثها أغلظ ألا يرى أن الحيض يحرم الوطء ويسقط إيجاب الصلاة.
والثاني: الجُنُب أولى؛ لأنه أحق بالاغتسال، فإن الصَّحَابة اختلفوا في تيمُّم الجنب، ولم يختلفوا في تيمم الحائض.
والثالث: هما سواء لتعارض المعنيين، وعلى هذا إن طلب أحدهما القِسْمَة، والآخر القُرْعَة فالقرعة أولى في أظهر الوجهين، والقسمة في الثاني، هذا إن أوجبنا
стр. 211
استعمال الماء النَّاقص، وإلا تعيَّنت القُرْعَة وإن اتفقا على القِسْمة جاز إن قلنا: يجب استعمال الماء الناقص، وإلا لم يجز فإنه تضييع، وإذا حضر جنب ومحدث نظر، إن كان ذلك الماء كافياً للوضوء دون الغسل، فالمحدث أولى إن لم توجب استعمال الماء الناقص، وإن أوجبناه فثلاثة أوجه:
أصحها: أن المُحْدِث أولى أيضاً؛ لأنه يرتفع حدثه بكماله.
والثاني: الجنب أولى لغلظ حدثه.
والثالث: يتساويان وتفريعه على ما سبق، وإن لم يكن ذلك كافياً لواحد منهما فالجنب أولى إن أوْجَبْنَا استعمال الماء الناقص لغلظ حدثه، وإلا فهو كالمعلوم وإن كان كافياً لكلّ واحد منهما، فننظر إن فضل شيء من الوضوء به ولم يفضل من الغسل فالجنب أولى إن لم توجب استعمال الناقص، لأنه لو استعمله المحدث لضاع الباقي (١)، وإن أوجبنا استعمال الناقص فثلاثة أوجه:
أصحها: أن الجنب أوْلى أيضاً؛ لغلظ حدثه.
والثائي: المحدث أولى بقدر الوضوء، والباقي للجنب مراعاة الجانبين.
والثالث: أنهما سواء، وإن فضل من كل واحد منهما شيء، أو لم يفضل من واحد منهما، فالجنب أولى لا مَحَالَة، وإن كان الماء الموجود كافياً للغُسْلِ دون الوضوء، ويتصور ذلك بأن يكون الجنب نِضْواً لخلقه، فقيد الأعضاء والمحدث ضَخْماً عظيم الأعضاء، فالجنب أولى أيضاً؛ لأنا إن لم نوجب استعمال الماء الناقص فالمحدث لا ينتفع به، وإن أوجبناه فحدث الجنب أغلظ: وإذا عرفت ما ذكرنا تبين لك أن أحوال المسألة أربع:
أن يكون الماء كافياً للوضوء دون الغسل؛ وأن يكون كافياً لكل واحد منهما؛ وأن لا يكون كافياً لواحد منهما؛ وأن يكون كافياً للغسل دون الوضوء، والظَّاهر تقديم المحدث في الحالة الأولى وتقديم الجُنُب فيما عَدَاهَا، فلذلك قال: والجُنُبُ أوْلَى من المحدث إلا أن يكون الماء قدر الوضوء فقط، وليكن المستثنى والمستثنى منه من هذا اللفظِ مُعْلَماً بالواو، لما حكيناه من التَّفْصِيل والخلاف.
وقوله: "قدر الوضوء فقط" إن كان المراد أنه قدر الوضوء دون الغُسْلِ فحسن، وإن كان المراد أنه لا يزيد على قدر الوضوء فهذا ليس بشرط في تصوير الحالة الأولى، بل إذا لم يكن كافياً للغسل وكان كافيًا للوضوء فالمحدث أولى، سواء زاد
стр. 212
على قدر الوضوء أو لم يزد عليه، فهذا شرح مسألة الوصية.
واعلم أنه إن عَيَّن المكان فقال: اصرفوا هذا الماء إلى أولى النَّاس به في هذه المَفَازَةِ، فالحكم على ما ذكرنا، ولو لم يعين بل قال: اصرفوا إلى أولى الناس به واقتصر عليه، فينبغي أن يبحث عن المُحْتَاجين في غير ذلك المكان، ألا يرى أنه لو أوصى لأعلم الناس لا يختص بأهل ذلك الموضع إلا أن حفظ الماء ونقله إلى مفازة أخرى، كالمستبعد والله أعلم.
ولو انتهى هؤلاء المُحْتَاجُون إلى مَاءٍ مُبَاحٍ واستووا في إحْرَازِهِ وإثبات اليد عليه ملكوه على السَّوَاء لاستوائهم في سبب المِلْكِ، وكل واحد أحَقُّ بملك نفسه من غيره، وإن كان ذلك الغير أحوج إلى الماء، وكان حدثه أغلظ، بل لا يجوز لكل واحد أن يبذل ما ملكه لغيره، وإن كان ناقصاً إلا إذا قلنا: لا يجب استعمال الماء الناقص عن قدر الكفاية. هذا ما أورده صاحب الكتاب، وذكره إمام الحرمين، وأورد أكثر الأصحاب هذه الصورة، وقالوا: يقدم فيها الأحوج فالأحوج كما في مسألة الوَصِيَّةِ، ولا مُنَافَاةَ بين الكلامين؛ لأن هؤلاء أرادوا التقديم على سبيل الاستحباب، وكأنهم يقولون: مجرد الانتهاء إلى الماء المباح لا يقتضي المِلْكَ، وإنما يثبت (١) الملك بالاسْتِيلاء والإحراز فيستحب لغير الأحوج ترك الإحراز والاستيلاء إيثاراً للأحوج، وهؤلاء [لا] (٢) يسلمون أنهم لو لم يفعلوا ذلك واستولوا عليه وازدحموا كان الأمر على ما ذكره إمام الحرمين، لكن يمكن أن ينازع هو فيما ذكروه من الاسْتِحْبَاب، ويقول: إنه متمكن من الطهارة بالماء، فلا يجوز له العدول إلى التَّيمُّم كما لو ملكه لا يجوز له بذله لغيره.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) العَجْزُ بِسَبَبِ الجَهْلِ كَمَا إِذَا نَسِيَ المَاءَ في رَحلِهِ فَتَيَمَّمَ (ح) قَضَى الصَّلاة عَلَى الجَدِيدِ، وَلَوْ أَدْرَجَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ لَمْ يَقْضِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ لاَ تَفْرِيطَ، وَلَو أَضَلَّ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدهُ مَعَ الإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ كَمَنْ أَخْطَأَ القِبْلَةَ، وَلَو أضلَّ رَحلَهُ في الرِّحَالِ فَقَوْلاَنِ، وَالأَوْلَى سُقُوطُ القَضَاءِ؛ لأَنَّ المُخَيَّمَ أَوْسَعُ مِنَ الرَّحْلِ.
قال الرافعي: لك أن تقول: الكلام هاهنا في أسباب العَجْزِ المبيح للتّيمم، والسّبب المبيح هاهنا إنّما هو الفَقْدُ في ظَنِّهِ إلاَّ أنه تبيَّن بعد ذلك أنه لم يكن فاقداً، ولا شكَّ في أن الأسباب المبيحة يكفي فيها الظن، ولا يعتبر التَّعيُّن، وإذا كان كذلك فليس
стр. 213
هذا سبباً خارجاً عما تقدمّ، وأما الكلام في أنه هل يقضي الصلاة إذا تبين أنه غير فاقد فذلك شيء آخر وراء جواز التيمم، واللاَّئِقُ ذكره في أحد موضعين، إما آخر سبب الفقد، وإما الفصل المعقود فيما يقضى من الصَّلوات المختلفة (١) ثم ذكر في هذا الفصل مسائل:
إحداها: لو نسي الماء في رَحْلِهِ، فتيمم على ظن أنه لا ماء عنده، ثم تبيَّن الحال فهل يلزمه قضاء الصلاة التي أداها به؟ نص في "المختصر" على وجوب الإعادة.
وعن أبي ثور قال: سألت أبا عبد الله عنها، فقال: لا إعادة عليه.
واختلف الأصحاب على طريقتين:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن في المَسْأَلَةِ قَولينِ:
الجديد الصحيح: وجوب الإعادة، وبه قال أحمد؛ لأن مثل هذا الشّخص إما أن يكون واجداً للماء، أو لا يكون، إن كان واجداً فقد فات شرط التّيمم، وهو أن لا يجد، وإن لم يكن واجداً فسببه تقصيره، فتجب الإعادة كما لو نسي ستر العوْرَة، أو غسل بعض أعضاء الطهارة.
والقديم: أنه لا تجب الإعادة؛ لأن النِّسيان عذر حال بينه وبين الماء، فيسقط فرضه بالتيمم، كما لو حال بينهما سَبُعٌ وشبهوا هذا القول القديم في نسيان الترتيب في الوضوء ونسيان الفاتحة، وعن مالك روايتان كالقولين، وعند أبي حنيفة لا إعادة.
والطريقة الثانية: القطع بوجوب الإعادة، وتأويل ما نقله أبو ثور يحمل أبي عبد الله على مالك، أو تنزيل ما نقله على المسألة الثّانية التي نذكرها.
ولو علم المسافر أن في موضع نزوله بِئْراً فنسيها، وتيمم، وصلى، ثم تذكر، فعلى الطريقتين: ولو كان الماء يباع فنسي الثمن، وتيمم وصلى، ثم تذكر قال القاضي أبو قاسم بن كج: يحتمل أن يكون مثل نسيان الماء، ويحتمل غيره، والأوّل أظهر.
المسألة الثانية: لو أدرج الماء في رَحْلِهِ من غير شعوره به، فتيمم على اعتقاد أن لا ماء عنده، وصلَّى ثم تبيَّن الحال، ففي المسألة طريقتان:
إحداهما: طرد قول النسيان (٢) فيه، لكن الأصح هاهنا نفي الإعادة.
стр. 214
والثانية: القَطْعُ بنفي الإعادة لعدم التقصير هاهنا بخلاف سورة النسيان، فإنه كان عالماً بالماء ثم ذهل عنه.
ولو تبين أن بقربه بئراً، ولم يكن علم بها أصلاً فهو نظير هذه الصورة.
وقوله في الكتاب: "لم يقض على الصحيح" يجوز أن يكون اختياراً للطريقة الثانية، والمعنى على الصحيح من الطَّريقين، ويجوز أن (١) يكون جواباً على الطريقة الأولى، والمعنى الصحيح من القولين، وطريقة القولين أظهر عند علماء الأصحاب.
الثالثة: لو كان في رَحْلِهِ ماء فاضله: فتيمم ثم وجده نظر، إن لم يمعن في الطلب فعليه القضاء لتقصيره، وإن أمعن حتَّى غلب على ظنه فقد الماء فقولان:
أحدهما: أنه لا إعادة عليه، لأنه لم يفرط في البحث، والطلب، فيعذر.
وأظهرهما: تجب الإعادة؛ لأنه عذر نادر لا يدوم، وإنما يسقط القضاء بالأعذار العامة، والنادرة التي تتّصل وتدوم.
قال الأئمة: والقولان مُخَرَّجَان على القولين فيمن اجتهد في القِبْلَةِ، وصلى ثم تيقن الخطأ، ولذلك يقول بعضهم في المسألة وجهان.
الرابعة: لو أضلّ رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، فإن لم يمعن في الطّلب وجبت الإعادة ولا محالة، وإن أمعن فطريقان:
أحدهما: أنه على القولين في إضلال الماء في الرحل.
والثاني: القَطْعُ بنفي الإعادة والفرق من وجهين (٢):
أحدهما: ما ذكر في الكتاب أن مُخَيَّمَ الرّفْقَةِ أوسع من الرَّحْلِ ورحله أضبط للماء من المخيم للرحل، وإذا كان كذلك كان أبعد عن التّقصير هاهنا.
والثاني. أن من صلّى في رحله وفيه ماء فقد صلى بالتيمم على الماء، ومن صلّى وقد أضل رحله فقد صلّى وليس معه ماء. ومنهم من يحكي في المسألة وجهين كما ذكرنا في الصورة السابقة. وعن الحليمي (٣) وجه ثالث أنه لو وجده قريباً منه فيعيد، ولو وجده بعيداً فلا.
стр. 215
وظاهر المذهب نفي الإعادة مطلقاً، ولا ينبغي أن يفهم ذلك من قوله في الكتاب: "وأولى بسقوط القضاء" فإنهم إذا رتَّبوا صورة على صورة في الخلاف ثم قالوا: وأوْلَى بكذا، لا يَعْنُون به سوى رُجْحَان ما وصفوه بالأولويّة بالإضافة إليه في الصورة المرتب عليها، ولا يلزم من كون النّفي أو الإثباب في صورة أرجح منه في صورة أخرى كونه أرجح على مقابله، نعم إذا قيل أولى الوجهين كذا فقضيته رجحان ذلك الوجه كما إذا قيل الأظهر أو الأصح كذا.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) المَرَضُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الوُضُوءِ مَعَهُ فَوْتَ الرُّوحِ أو فَوْتَ عُضْو أَوْ مَنْفَعَةِ أَوْ مَرَضاً مَخوُفًا، وَكذَا إنْ لَمْ يَخَف إِلاَّ شِدَّةَ الضَّنَى وَبُطْءَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ شَيْنٍ عَلَى عُضْوٍ ظَاهِرِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَألَّمُ فِي الحَالِ وَلاَ يَخَافُ عَاقِبَةً لَزَمَهُ الوُضُوءُ.
قال الرافعي: المرض مبيح للتَّيمم في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) نقل عن ابن عباس أن المعنى وإن كنتم مرضى فتيَّمموا (٢)، وإن كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا (٣). ثم هو على ثلاثة أقسام:
أولها: المرض الذي يخاف من الوضوء معه فَوْتُ الرُّوحِ، أو فوت عُضْوٍ أو فوت منفعة عضو فيبيح التيمم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية إذا كان بالرجل جراحة في سبيل الله، أو قُروح أو جُدَري فَيُجْنِب ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم بالصّعيد (٤) وألحق بهذا النّوع ما إذا خاف مرضاً مخوفاً، وكذا لو كان به مرض لا يخاف من اسْتِعْمَال الماء معه التَّلف، لكن يخاف من استعمال الماء معه حدوث المرض المخوف. وينبغي أن يعلم قوله: "أو مرضاً مخوفاً" بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى فيه عن العراقيين طريقين: