← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). وأما التَّقْدِير فهو مأخوذ من حديث كعب بن عجرة، وقد رويناه في باب المَحْظُورَات. وقوله في الكتاب: (دم الفوات) يجوز إعلامه بالواو لما رويناه من القول الثاني. وقوله: (وتخيير في جزاء الصيد) بالواو، لقول حكيناه عن رواية أبي ثور من قبل أنه على الترتيب. وقوله: (فهذه الثلاث منصوص عليها) أي ورد نص الكتاب أو الخبر في كيفية وجوبها وما عداها مقيس بها. قال الغزالي: الوَاجِبَاتُ المَجْبُورَةُ بِالدَّم فِيهَا دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ في التَّقْدِيرِ أَيْضاً. قال الرافعي: الدَّم المَنوُط بترك المأمورات كالإحرام من المِيْقَات والرمي والمبيت بِمُزْدَلَفَة ليلة العيد، وبمنى ليالي التَّشريق، والدفع من عرفة قبل غروب الشمس، وطواف الوداع فيه وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل. أما الترتيب فإلحاقاً له بدم التَّمتْع لما في التَّمَتُّع من ترك الإحرام من الميقات. وأما التَّعْديل فجرياً على القِياس، والتقدير لا يعرف إلا بتوقيف، فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة دراهم، واشترى بها طعاماً يتصدق به، فإن عجز صام عن كل مُدٍّ يوماً، وإذا ترك رمى حصاة، فقد ذكرنا أقوالاً في أن الواجب مد أو درهم أو ثلث شاة، فإن عجز فالطعام والصوم على ما يقتضيه التعديل بالقيمة. والوجه الثاني: أنه يلحق بدم التمتع في التقدير، كما ألحق به في الترتيب، ويكون الواجب دم ترتيب وتقدير، فإن عجز عن الدم صام ثلاثة في الحج وسبعة بعد الرجوع، وفي تعليق بعض المَرَاوِزَة وجه آخر -تفريعاً على الوجه الثاني-: وهو أن الصَّوم المعدول إليه هو صوم فدية الأذى دون العشرة وما الأظهر من الوَجْهَيْن؟ إيراد الكتاب يشعر بترجيح الوجه الأول، وبه قال القاضي ابن كج والإمام وغيرهما، الثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره، وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً ثالثاً ضعيفاً أنه دم تخيير وتعديل كجزاء الصَّيْد.

стр. 1647

قال الغزالي: الخَامِسُ: الاسْتِمْتَاعَاتُ كَالطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ فِيهِ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ تَشْبِيهاً بِالحَلْقِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَقْدِيرٍ أَيْضاً إِتْمَاماً لِلتَّشْبِيهِ، وَأَمَّا القَلْمُ فَفِي مَعْنَى الحَلْقِ. قال الرافعي: دم التَّطيّب والتَّدهُّن واللِّباس ومقدمات الجماع دم ترتيب أو تخيير فيه قولان أو وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب كدم التمتع؛ لأنه مُتَرفه بهذه الاستمتاعات كما أن المتمتع مُتَرفه بالتَّمتع. وأظهرهما وبه قال أبو إسحاق: أنه دم تخيير تشبيهاً بفدية الحَلْق لاشتراكهما جميعاً في التِّرفه وإلحاقها بالحلق أولى منه بالتمتع، فإن الدم ثُمَّ إنما وجب لترك الإحرام من الميقات. فإن قلنا بالأول، ففي كونه دم تقدير أو تعديل وجهان: أحدهما: أنه دم تقدير إتماماً للتَّشْبيه بدم التَّمتع. وأظهرهما: أنه دم تعديل كجزاء الصَّيْد؛ لأن التقدير إنما يؤخذ من التَّوقيف. إن قلنا: بالثاني، ففي كونه دم تقدير أو تعديل أيضاً وجهان: أظهرهما: أنه دم تقدير إتماماً لِلتَّشْبيه بالحَلْق، والحاصل من هذه الاختلافات أربعة أوجه: أحدها: الترتيب والتعديل، وثانيها: التخيير والتعديل، وثالثها: التخيير والتقدير، وهذه الثلاثة هي المذكورة في الكتاب. ورابعها: الترتيب والتقدير، وأظهر الوجوه: الثالث، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول، وبه قال صاحب "التهذيب"، وهذا الاختلاف لا يجئ في قَلْم الأظفار بل هو مُلْحق بالحَلْق بلا خلاف لاشتراكهما في معنى التَّرفه والاستهلاك جميعاً، -والله أعلم-. قال الغزالي: السَّادِسُ: دَمُ الجِمَاعِ، وَفِيهِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ فَإِنْ عَجَزَ قَوَّمَ البَدَنَةَ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَاماً وَالطَّعَامَ صيَاماً، فَهُوَ دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ كَالْحَلْقِ، وَقِيلَ: بَيْنَ البَدَنَةِ وَالبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَيْضًا تَرْتِيبٌ. قال الرافعي: في خصال فدية الجماع وجهان: أصحهما: أنها خمس: ذبح بَدَنة، وذبح بقرة وذبح سبع من الغنم، والإطعام بقدر قيمة البدنة على ما عرفت من سبيل التعديل، والصيام عن كل مُدٍّ يوماً.

стр. 1648

والثاني: حكاه القاضي ابن كج: أن خصالها الثلاث الأول، فإن عجز عنها فالهدي في ذِمَّته إلى أَنْ يجد تخريجاً من أحد القولين في دم الإحْصَار وسنذكره، فإن جرينا على الصحيح، وهو إثبات الخصال الخمس، فهذا الدم دم تعديل لا محالة، لأنا في الجملة نقوّم البَدَنَة، وهل هو دم ترتيب أو تخيير؟ فيه قولان، ومنهم من يقول وجهان: أصحهما: أنه دم ترتيب، فعليه بَدَنة إن وجدها، وإلاَّ فبقرة، وإلا فسبع من الغنم، وإلا قَوّم البدنة دراهم، والدراهم طعاماً، ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، فإن عجز عن الصيام أطعم كما في كفارة الظهار والقتل. وأصحهما: ولم يورد الجمهور غير أن الترتيب على العكس، ويتقدم الطعام على الصيام، لأنّا لم نجد في المناسك تقديم الصيام على الإطعام في غير هذا الدم فكذلك هاهنا. وإنما قدمت البدنة على البقرة وإن قامت مقامها في الضحايا لأن الصحابة ﵃ نصُّوا على البدنة، وذلك يقتضي تعيينها، وبينها وبين البقرة بعض التفاوت، أَلاَ تَرَى إلى قوله ﷺ : "مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً" (١). وإنّما أُقِيم الإطعام والصِّيَام مقامها تشبيهاً بجزاء الصيد، إلاَّ أَنَّ الأمر ثَمَّ على التَّخيير، وهاهنا على التَّرْتِيب؛ لأنه يشبه الفَوَات في إيجاب القضاء، وموجب الفوات مرتب. والقول الثاني: أنه دم تخيير؛ لأنه سبب تجب به البدنة، فيكون على التخيير كقتل النّعَامة، وأيضاً فإن الجِمَاع ملحق بالاسْتِهْلاكات على ما سبق، فتكون فديته على التخيير كفدية الحَلْق، وعلى هذا ففيم يثبت التخيير وجهان: أظهرهما: أنه يتخير بين البَدَنَة والبقرة والسبع من الغنم، كما لو لزمه سبعة دماء. وَأَمَّا الإطعام والصيام فهما على التَّرْتِيب ولا عدول إليهما، إِلاَّ إذا عجز عن الذَّبْح. والثاني: أنه يتخير بين الكُلِّ كما في قتل النَّعَامة، وكما أن في فدية الحَلْق يتخير بين الصِّيَام والصّدقة والنُّسك، وقد ذكر القَفَّال وآخرون: أن القَوْلين في أنَّ دم الجماع دم ترتيب أو تخيير مبني على أن الجماع استهلاك أو استمتاع، إن جعلناه استهلاكاً فهو

стр. 1649

على التخيير، كفدية الحَلْق والقَلْم، وإن جعلناه استمتاعاً فهو على الترتيب كفدية الطِّيب واللِّباس والتمتع. واعلم أن هذا التَّشبيه في الطِّيب واللِّباس كلام مَنْ يجعل الأمر ثم على الترتيب، وقد سبق ما فيه من الخلاف. وقوله في الكتاب: (قَوَّمَ البَدَنَةَ دراهم)، يجوز إعلامه بالواو، للوجه المنسوب إلى حكاية ابن كج. وقوله: (والدَّرَاهم طعاماً والطعام صياماً) باقي الكلام محذوف، والمعنى: وأطعم فإن عجز صام، ثم إيراد الكتاب قد يوهم ترجيح قول التخيير بين البدنة والبقرة والشاة على الترتيب، لكن الأظهر عند الأكثرين الترتيب فيها أيضاً، وإيراد "الوسيط" يوافقه. قال الغزالي: السَّابعُ: الجِمَاعُ الثَّانِي أَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ إِنْ قُلْنَا: فِيهِ شَاةٌ فَهُوَ كَالقُبْلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَنَةٌ فَكَالجِمَاعِ الأَوَّلِ. قال الرافعي: قد سبق الخلاف في أن الجماع الثَّانِي يوجب البَدَنَة أو الشاة، وكذا الجماع بين التَّحللين، فإن أوجبنا البدنة فهي في الكيفية كالجماع الأول قبل التحللين، وإن أوجبنا الشَّاة فهي كفدية القُبْلة وسائر مقدمات الجِمَاع، وهذا ظاهر. قال الغزالي: الثَّامِنُ: دَمُ التَّحَلُّلِ بِالإِحْصَارِ وَهُوَ شَاةٌ فَإِنْ عَجَزَ فَلاَ بَدَلَ لَهُ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: بَدَلَهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الحَلْقِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الوَاجِبَاتِ المَجْبُورَةِ. قال الرافعي: على المحصر دم شاة للتحلل، ولا معدل عنه إن وجد الشاة، وإلاَّ فهل لهذا الدم من بدل؟ فيه قولان: أصحهما وبه قال أحمد: نعم، كسائر الدماء الواجبة على المحرم. والثانيِ: وبه قال أبو حنيفة ﵀: لا، لأن الله تعالى لم يذكر لدم الإحصار بدلاً، ولو كان له بدل لأشبه أن يذكره كما ذكر بدل غيره. التفريع: إن قلنا: له بدل، فما ذلك البدل؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الصوم، وبه قال أحمد ﵀ كدم التَّمتع؛ لأن التَّحلل والتمتع جميعاً مشروعان تخفيفاً وترفيهاً وفيهما جميعاً ترك بعض النسك، فيلحق أحدهما بالآخر. والثاني: الإطعام، لأن قيمة الهَدْي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد نص فالرجوع إلى الأقرب أَوْلَى. والثالث: لكل واحد منهما مدخلاً في البداية كفدية الحلق، ووجه الشبه بينهما أنَّ المحصر دفع أذى العدو والإحرام عن نفسه، أما أن الحالق يبغي دفع أذى الشّعر.

стр. 1650

التفريع: إن قلنا: إنَّ بَدَلَهُ الصوم فما ذلك الصوم؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وبه قال أحمد ﵀: صوم المتمتع عشرة أيام. والثَّاني: صوم فدية الأَذَى ثلاثة أيام. والثالث: ما يقتضيه التَّعديل، وإنما يدخل الطعام في الاعتبار على هذا القول ليعرف به قدر الصوم لا ليطعم. وإن قلنا: إن بدله الإطعام، ففيه وجهان: أحدهما: أنه مقدر كَفِدْية الأذى، وهو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين. الثاني: أنه يطعم ما يقتضيه التعديل. وإن قلنا: لكل واحد مدخلاً فيه فهل بينهما ترتيب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما في فدية الحَلْق. وأصحهما: نعم كالترتيب بين الهَدْي وبدله، فعلى الأول قدر الطّعام والصِّيام كقدرهما في الحَلْق، وعلى الثَّاني الطريق بينهما التَّعْدِيل. إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكِتَاب، وأعلم قوله: (ولا بدل له في قول) بالألف، ويقابله أن له بدلاً، وما هو؟ ذكر فيه أقوالاً ثلاثة: أحدها: أن بدله كبدل دم التمتع، وهذا مختصر قولنا: إن بدله الصَّوم، وإن ذلك الصوم صوم التمتع. والثَّاني: أن بدله كبدل دم الحلق، وهذ، مختصر قولنا: إن للإطعام والصيام معاً مدخلاً في البدلية، وإن الأمر فيهما على التخيير والتقدير. والثالث: أن بدله كبدل دم الواجبات المَجْبورَة، وهذا مختصر قولنا: لكل واحد منهما مدخل فيه، والأمر فيهما على الترتيب والتعديل، فعلى الأول هو دم ترتيب وتقدير. وعلى الثاني دم تخيير وتقدير وعلى الثَّالِثِ دم تَرْتِيب وتعديل، وهذا حكم دِمَاء الواجبات المَجْبُورة على الأَرْجَح عند صاحب الكتاب على ما مر، فإن لم نقل بذلك لم يستمر هذا التشبيه، والأصح في المسألة الَّتِي نحن فيها: الترتيب والتَّعديل، قاله القاضي الروياني وصاحب "التهذيب"، وغيرهما ﵏ وهو اختيار الْمَزنِيّ ﵁ -والله أعلم-.

стр. 1651

الفَصْلُ الثَّانِي في مَكَانِ إِرَاقَةِ الدَّمَاءِ وَزَمَانِها قال الغزالي: وَلاَ تَخْتَصُّ دِمَاءُ المَحْظُورَاتِ وَالْجُبْرَانَاتِ بِزَمَانٍ بَعْدَ جَريانِ سَبَبِهَا بِخِلاَفِ دَمِ الضَّحَايَا، وَدَمُ الفَوَاتِ يُرَاقُ في الحَجَّةِ الفَائِتَةِ، أَوْ في الحَجَّةِ المَقْضِيَّةِ فِيهِ قَوْلاَنِ. قال الرافعي: مقصود الفصل بيان زمان إراقة الدماء ومكانها. أما الزمان: فالدماء الواجبة في الإحرام إما لارتكاب محظورات أو جبراً لترك مأمور لا اختصاص لها بزمان، بل يجوز في يوم النحر وغيره، وإنما الضحايا هي التي تختص بيوم النحر وأيام التَّشْريق. وعن أبي حنيفة ﵀ أن دم القَران والتَّمتع لا يجوز ذبحه قبل يوم النَّحر. لنا القياس على جزاء الصيد ودم التَّطيّب والحَلْق. ثم ما عدا دم الفوات يُرَاق في النُّسك الذي هو فيه. وأما دم الفوات فيجوز تأخيره إلى سنة القضاء، وهل يجوز إراقته في سنة الفوات؟ فيه قولان: أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه يجوز كدم الإِفْسَاد يُرَاقُ في الحجة الفاسدة. وأصحهما: أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القَضَاء لظاهر خبر عمر ﵁ حيث قال: "حج من قابل وأهد ما استيسر من الهَدْي" (١). فإن قلنا بالأول فوقت وجوبه سنة الفوات، وكان الفوات أوجب شيئين: الدم والقضاء، فله تعجيل أحد الواجبين وتأخير الثَّاني. وإن قلنا بالثاني ففي وقت الوجوب وجهان: أصحهما: أن الوجوب مَنُوط بالتَّحرم بالقضاء، كما أن دم التمتع منوط بالتحرم بالحج، ووجه الشبه أن مَنْ فات حجه يتحلل من نسك ويتحرم بآخر كالمتمتع، إلا أنَّ نسكي المتمتع يقعان في سنة واحدة، والقضاء يقع في سنة أخرى ولما بينهما من الشبه، فنقول: لو ذبح قبل التَّحلل عن الفائت لم يجزه على الأصح كما لو ذبح المتمتع قبل

стр. 1652

الفراغ من العمرة، هذا إذا كفر بالدم، أما إِذَا كان بصوم، فإن قلنا: إن الكفارة تجب بالتحرم بالقضاء فصيام الأيام الثلاثة لا يتقدم على القضاء لا محالة؛ لأن العبادة البدنية لا تقدم على وقتها، ويصوم السبعة بعد الرجوع، وإن قلنا: إنها تجب بالفوات، فقد حكى الإمام ﵀ في جواز صوم الأيام الثلاثة في الحجة الفائتة وجهين: وجه المنع: أنه في إحرام ناقص، والذي عهدناه إيقاع الثَّلاَثة في نسك كامل. قال الغزالي: وَأَمَّا المَكَانُ فَيَخْتَصُّ (ح) جَوَاز الإِرَاقَةِ بِالحَرَمِ، وَالأَفْضَلُ فِي الحَجِّ مِنّي، وَفِي العُمْرَةِ عِنْدَ المَرْوَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ تَحَلُّلُهمَا، وَقِيلَ: لَوْ ذَبَحَ عَلَى طَرَفِ الحَرَمِ جَازَ، وَقِيلَ: مَا لَزِمَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لاَ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ. قال الرافعي: الدماء الواجبة على المحرم تنقسم إِلَى دَمِ الإحْصَار، وما لزم المحصر من دماء المَحْظُورات، وإلى سائر الدِّمَاء. أما القسم الأول: فقد ذكرنا حكمه في فَصْلِ الإحصار. وأما الثاني وهو المقصود في الكتاب: وإن كان اللفظ مطلقاً فيتقيد بالحرم، ويجب تخصيص لحومها بمساكين الحرم، ويجوز صرفها إلى القَاطِنِين والغرباء الطارئين، لكن الصرف إلى القَاطِنِين أَوْلَى. وهل يختص ذبحها بالحرم؟ فيه قولان: أصحهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة، لأن النبي ﷺ "أَشَارَ إِلَى مَوْضِعِ النَّحْرِ مِنْ مِنًى، وَقَالَ: هذَا النَّحْرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ" (١). ولأن الذبح حق متعلق بالهَدْي، فيختص بالحرم كالتصدق. والثاني: لا يختص؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته في الحرم وانصرف إلى مساكينه حصل الغَرَضُ. فعلى الأول: لو ذبح خارج الحرم لم يعتد به، وعلى الثَّاني: لو ذبح خارج الحرم ونقل إليه وفرقه جاز، لكن يشترط أن يكون النَّقْل والتفريق قبل تغيير اللحم، وإلى هذا أشار في الكتاب في العبارة عن هذا القول، حيث قال: (وقيل: لو ذبح على طرف الحرم جاز) ولا فرق فيما ذكرناه بين دم التَّمتع والقِرَان وسائر الدّماء الواجبة بسبب منشأ في الحرم، وبين الدماء الواجبة بسبب منشأ في الحل. وفي القديم قول إن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الإحصار وبه قال أحمد والمذهب الأول، واحتج له بقوله تعالى في جزاء الصيد:

стр. 1653

﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) أطلق ولم يفصل بين أن يقتل الصّيد في الحل أو الحرم، ولا فَرْقَ أيضاً بين أن يكون السبب الموجب الدم مباحاً أو بعذر كالحَلْق للأذى، أو مطلقاً كالتَّمتع والقرن بين أن يكون محرماً، وذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى وجهاً: أن ما لزم بسبب مباح لا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان، وأن شيخه حكى وجهاً: أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق وهما ضعيفان، وصاحب الكتاب أورد الأول منهما، ثم أفضل مواضع الحرم للذبح في حق الحاج مِنًى، وفي المعتمر المَرْوَة، لأنهما محل تحللهما، وكذلك حكم ما يسوقانه من الهدي (٢)، ولو كان يتصدق بالإطعام بدلاً عن الذبح فيجب تخصيصه بمساكين الحرم، بخلاف الصوم فإنه يأتي به حيث يشاء؛ لأنه لا غرض فيه للمساكين (٣)، وعند أبي حنيفة يجوز صرف اللحم والطعام إلى غير مساكين الحرم، وإنما الذي يختص بالحرم الذبح، وإذا ذبح الهَدْي في الحرم ففرق منه لم يجزه عما في ذمته، وعليه إعادة الذبح، أو شرى اللحم والتصدق به، وفيه وجه: أنه يكفيه التَّصدق بالقيمة، وقال أبو حنيفة ﵀: لا شيء عليه. قال الغزالي: وَاخْتِتَامُ الكِتَابِ بِمَعْنَى الأَيَّامِ المَعْلُومَاتِ وَهِيَ العَشْرُ الأُوَلُ مِنْ ذِي الحَجَّةِ وَفِيهَا المَنَاسِكُ، وَالمَعْدُودَاتُ فَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَفِيهَا الهَدَايَا وَالضَّحَايَا، -والله أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ-. قال الرافعي: ختم الكتاب بذكر معنى الأيَّام المعلومات والأيام المعدودات، قد ذكرهما الله تعالى في آيتين من كتابه، فالمعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وبه قال أحمد ﵀ في رواية، ويروى عنه مثل ما روي عن مالك، وهو أنها يوم النَّحْر ويومان بعده، وعند أبي حنيفة ﵀ المعلومات:

стр. 1654

ثلاثة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، واليوم الأول من أيام التشريق، فعنده اليوم الأول داخل في المَعْدُودَات والمَعْلُومَات معاً، وعند مالك ﵀ الأول والثاني من أيام التشريق داخلان فيها. لنا: التَّفْسير عن ابن عَبَّاس ﵄ والأخذ به أولى؛ لأن الأشبه تغير المسمَّيَات عند تغاير الأسماء. وأما المَعْدُودَات: فهي أيام التشريق بلا خلاف. وقوله في الكتاب: (وفيها المناسك) أراد به أصول المناسك، فإن تَوَابِعَها قد يتأَخَّر بعضها إلى أيام التَّشْريق، وقوله: (وفيها الهدايا والضحايا)، لك أن تبحث فيه، فتقول: هذا يقتضي تخصيص الهدايا بهذه الأيام، وقد ذكر من قبل أن دماء الجُبْرَانَات والمَحْظُورات، لا تختص بزمان، واسم الهدي يقع عليها كما يقع على ما يسوقه المحرم، فإن أراد هاهنا ما يسوقه المحرم فهل يختص ذبحه بهذه الأيام على ما هو قضية اللفظ أم لا؟ فاعلم أن المراد في هذا الموضع بالهدايا ما يسوقها المحرم، وفي اختصاصها بيوم النحر وأيام التشريق وجهان: أحدهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": أنها لا تختص كدماء المحظورات. وأظهرهما هو الذي أورده صاحب الكتاب والعراقيون: أنها تختص كالأضحية، فعلى هذا لو أخر الذَّبْح حتى مضت هذه الأيام، نظر إنْ كان هدياً واجباً ذبح قضاء، وإن كان تطوعاً فقد فات، وإن ذبح فقد قال الشَّافعي ﵁: هي شاة لحم، ولا يخفى أن لفظ الكتاب يحتاج إلى تأويل، فإن الذي جرى ذكره أيام التَّشْرِيق لا غير، والذَّبح لا يخْتَصّ بها، بل يوم النَّحْر في معناها لا محالة -والله أعلم-. واعلم أن في "المختصر" باباً في آخر كتاب الحَجِّ ترجمه بنذر الهدي، وعلى ذلك جرى الأصحاب فذكروا هاهنا فروعاً ومسائل كثيرة، لكن صاحب الكتاب أخر إيراده منها إلى كتابي الأُضْحِيَة والنَّذْر اقتداء بالإمام ﵀ ونحن نشرح ما ذكره ونضم إليه ما يحسن إيراده -إن شاء الله تعالى-، لكن نذكر نبذاً لا بد من معرفتها فنقول: من قصد مَكَّة لحج أو عمرة، فيستحب له أن يهدي إليها شيئاً من النّعم "أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةً (١) ولا يلزم ذلك إلاَّ بالنَّذْر، وإذا ساق هدياً تطوعاً، أو نذراً نظر، إن ساق بدنة أو بقرة فيستحب أن يقلدها نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدق بها، وأن يُشْعِرها أيضاً، والإِشْعَار الإعلام، والمراد هاهنا أن يضرب صفحة سَنَامِهَا اليُمْنَى بحديدة وهي مستقبلة للقبلة فيدميها ويلطخها بالدم ليعلم من رآها أَنَّها هدي، فلا يستجيز التعرض لها. وقال أبو حنيفة: لا إشعار، ومالك وأحمد استحبَّا الإِشْعَار، ولكن قالا: يشعرها من الجانب الأيسر.

стр. 1655

لنا ما روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ "صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنُ" (١) وإن ساق غنماً استحب تقليدها، ولكن بِخُرُبِ القربَ، وهي عُرَاهَا وأَذَانها لا بالنّعل؛ لأنها ضعيفة يثقل عليها حمل النعال (٢). وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب تقليد الغنم. لنا ما روي أنه ﷺ "أَهْدَى مَرَّةً مُقَلَّدَةً" (٣) ولا يستحب إِشْعَارها لأنها ضعيفة، ولأن شعرها يمنع من ظهور الدم، ثم إذا قَلَّد النّعم وأشعرها لم تصر بذلك هَدْيَاً واجباً على أصح القولين، كما لو كتب الوقف على باب داره لا تفسير وقفاً. وإذا عطب الهَدْي الذي ساقه في الطريق، ينظر إن كان تطوعاً فهو ماله يفعل به ما يشاء من بيع وأكل وغيرهما، وإن كان واجباً فعليه ذبحه، فلو تركه حتى هلك ضمنه، وإذا ذبحه غمس النعل الذي قَلَّدَه في دَمِه، وضرب بها صَفْحَة سَنَامها، وتركه ليعلم من مرّ به أنه هَدْي فيأكل منه، وهل تتوقف الإباحة على أن يقول: أبحته لمن يأكل منه، فيه قولان: أصحهما عند صاحب "التهذيب": أنه لا حاجة إليه؛ لأنه بالنذر زال ملكه عنه، وصار للنَّاس، ولا يجوز للمُهدي ولا لأغنياء الرفقة الأكل منه، وفي فقرائها وجهان: أصحهما: أنه ليس لَهُمُ الأكل أيضاً لما روي أَنَّ النَّبي ﷺ قال فيه: "لاَ تَأْكُلُ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رِفْقَتِكَ" (٤) -والله ولي التوفيق- (٥). تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع، وأوليه: "كتاب البيع"

стр. 1656

العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة ٦٢٣ هـ تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية: البَيْع - السَّلَم والقَرض - الرَّهن دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

стр. 1657

جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا. الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

стр. 1658

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ البَيْعِ وَالنَّظْرُ في خَمْسَةِ أَطْرَافٍ الأَوَّلُ في صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: الأَوَّلُ: الصَّيغَةُ وَهُوَ الإيجَاب وَالقَبُولُ، اعْتُبِرَ لِلدَّلالَةِ عَلَى الرِّضَا البَاطِنِ، وَلاَ تَكْفِي المُعَاطَاةُ (م ح و) أَصْلاً، وَلاَ الاسْتِيجَابُ (م) وَالإِيْجَابُ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِعْنِي بَدَلَ قَوْله: اشْتَرَيْتُ علَى أَصَحَّ الوَجْهَيْنِ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لاَ يَجْرِي مُغَافَصَةً، وَيَنْعَقِدُ البَيْعُ بِالكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةَ عَلَى الأَصَحِّ كَالكِتَابَةِ وَالخُلْعِ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ الشَّهَادَةِ. قال الرافعي: الأصل في البيع (١).

стр. 1659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1660

الإجماع (١)، وآيات الكتاب نحو قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) (٣) وقوله تعالى:

стр. 1661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1662

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) (٢) والأخبار نحو ما روي عن رافع بن خديج

стр. 1663

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "سُئِلَ عَنْ أَطيَبِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: عَمَل الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيعٍ مَبْرُورٌ" (١). ولفقه هذا الكتاب أبواب مُنتَشرة ومسائل كثيرة جمعها المصنف في خمسة أطراف، وسبيل ضبطها أن البيع إما صحيح أو فاسد، وبتقدير الصحة فهو إما جائز أو لازم، وعلى التقديرين فإما أن يقترن به القبض أو لا يقترن، وعلى التقديرين فالألفاظ المستعملة فيه إما التي تتأثَّرُ بقرائن عُرْفِيَّة تقتضي زيادة على موجب اللُّغة أو نقصاناً، وإمَّا غيرها، وعلى التقديرين فالمتبايعان قد يكونا حُرّين، وقد يكون أحدهما رقيقاً، وباعتبار آخر قد يعرض لهما الاختلاف في كيفية البيع وقد لا يعرض، والأحكام تختلف بحسب هذه الأحوال، فالطَّرف الأول في الصِّحَّة والفساد. والثاني: في الجواز واللزوم. والثالث: في حكم البيع قبل القبض وبعده. والرابع: في الألفاظ المُتَأثِّرَة بالقرائن. والخامس: في مُدَاينة العَبِيد واختلاف المُتَبايعين. والطرف الأول في صحة البيع (٢) وفساده: وفيه أبواب:

стр. 1664

أحدها: في أركانه وهي ثلاثة ترجمها في "الوسيط" فقال: هي العاقد، والمعقود عليه، وصيغة العقد، فلا بد منها لوجود صورة العقد هذا لفظه. ولك أَنْ تبحث فتقول: إنْ كان المراد أنه لا بد من وجودها لتدخل صورة البيع في الوجود، فالزَّمان والمَكَان وكثير من الأمور بهذه المثابة فوجب أن تعد أركاناً، وإن كان المراد أنه لا بد من حضورها في الذهن ليتصور البيع، فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، وهذا لأن البيع فعل من الأفعال، والبائع لا يدخل في حقيقة الفعل، ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج، لم نعد المصلي والحاج في جملتها، وكذلك مورد الفِعْل، بل الأشبة أن الصِّيغَة أيضاً ليست جزءاً من حقيقة فعل البيع، أَلاَ تَرَى أنه ينتظم أن يقال: هل المعاطاة بيع أم لا؟ ويجيب عنه مسؤول بلا، وآخر بنعم. والوجه أن يقال: البيع مقابلة مال بمال، وما أشبه ذلك فيعتبر في صحته أمور. منها: الصيغة. ومنها: كون العاقد بصفة كيت وكيت. ومنها: كون المعقود عليه كذا وكذا. ثم أحد الأركان على ما ذكره الصِّيغة، وهي الإيجاب من جهة البائع، بأن يقول: بعت أو اشتريت، أو "ملكتك"، وفي "ملكت" وجه منقول عن "الحَاوِي"، والقبول من جهة المشتري بأن يقول: قبلت، ويقوم مقامه "ابتعت" و"اشتريت" و"تملكت"، ويجري في "تملكت" مثل ذلك الوجه. وإنما جعلنا قوله: "ابْتَعت" وما بعده قائماً مقام القبول، ولم نجعله قبولاً لما ذكره إمام الحرمين، من أن القبول على الحَقِيقَة ما لا يتأتى الابتداء به.

стр. 1665

فأما إذا أتى بما يتأتى الابتداء به، فقد أتى بأحد شِقّي العقد، ولا فرق بين أن يتقدم قول البائع: "بعت" على قول المشتري: "اشتريت"، وبين أن يتقدم قول المشتري: "اشتريت" فيصح البيع في الحالتان، ولا يشترط اتفاق اللَّفظين، بل لو قال البائع: اشتريت فقال المشتري: "تملكت" أو "ابتعت"، أو قال البائع: "ملكت"، فقال المشتري: "اشتريت" صح؛ لأن المعنى واحد. وقوله: "اعتبر للدلالة على الرّضا" يريد به أن المقصود الأصلي هو التَّرَاضي لئلا يكون واحد منهما آكلاً مال الآخر بالباطل، بل يكونا تاجرين عن تَرَاض، على ما قاله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) الآية إلا أن الرِّضا يعتبر أمر باطن، يعسر الوقوف علية، فنِيطَ الحكم باللفظ الظاهر، ثم في بعض النسخ "على الرِّضَا الباطن"، وفي بعضها "على الرِّضا في الباطن " وهما صحيحان، ويتعلق بهذه القاعدة مسائل ثلاث: إحداها: المُعَاطاة ليست بيعاً على المذهب المشهور؛ لأن الأفعال لا دلالة لها بالوضع، وقصود الناس فيها تختلف. وعن ابن سريج فيها تخريج قول الشَّافِعِي ﵁ أنه يكتفي بها في المُحقرات؛ لأن المقصود الرِّضَا، (وبالقرائن) يعرف حصوله، وبهذا أفتى القاضي الروياني (وغيره) وذكروا المستند التخريج صوراً: منها: لو عَطِبَ الهَدْي في الطريق فغمس النَّعل الذي قَلَّده بها في الدَّم وضرب بها صَفْحَة سَنَامه، هل يجوز لِلمَارّين الأكل منه؟ ذكرنا فيه قولين وخلافاً سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-. ومنها: لو قال لزوجته: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فوضعت الألف بين يديه ولم تتلفَّظ بشيء يملكه ويقع الطَّلاَق، وفي الاستشهاد بهذه الصورة نظر. ومنها: لو قال لغيره: اغسل هذا الثَّوْب فغسله وهو ممن يعتاد الغسل بالأجرة، هل يستحق الأجر فيه؟ خلاف سيأتي ذكره في موضعه، ثم مَثَّلُوا المُحقِّرات بالتّافة من البَقْل، والرَّطل من الخبز، وهل من ضابط؟ سمعت والدي -رحمه الله تعالى- وغيره يحكي ضابطها بما دون نِصَاب السَّرقة، والأشبه الرجوع فيه إلى العادة، فما يعتاد فيه الاقتصار على المُعَاطاة بيعاً ففيه التَّخريج، ولهذا قال صاحب "التَّتمة" مُعَبراً عن التَّخريج: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهي بيع

стр. 1666

فيه، وما لا كَالدَّوَاب والجَوَاري والعَقَار فلا. وإذا قلنا بظاهر المذهب، فما حكم الذي جرت العادة من الأخذ والعطاء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إباحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيب -رحمه الله تعالى- حين سأله ابن الصَّبَّاغ عنه، قال: فقلت له: لو أخذ بقطعة ذهب شيئاً فأكله ثم عاد يطالبه بالقطعة، هل له ذلك؟ قال: لا، قلت: فلو كان إباحة لكان له ذلك، قال إِنَّما أَباح كل واحد منهما بسبب إباحة الآخر له. قلت: فهو إذاً معاوضة، وأصحهما: أن حكمه حكم المقبوض بسائر العقود الفاسدة، فلكل واحد منهما مطالبة الآخر بما سلمه إليه ما دام باقياً، ويضمانه إن كان تالفاً فلو كان الثَّمن الذي قبضه البَائع مثل القِيْمة، فقد قال المصنف في "الإحياء": هذا مستحق ظَفَرَ بمثل حقه والمالك راض، فله تملكه لا محالة. وعن الشيخ أبي حامد: أنه لا مطالبة لواحد منهما على الآخر، وتبرَّأَ ذمتهما بِالتَّرَاضي، وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة فإنه لا بَرَاءَة، وإن وجد الرِّضَا. وقوله: "فلا تكفي المُعَاطَاة أصلاً" مُعَلَّم بالواو والحاء والميم، لأن أبا حنيفة يجعلها بيعاً في المُحَقرات الَّتِي جرت العَادَةُ فيها بِالاكْتِفَاء بالأَخْذِ والعَطَاء. وقال مالك: ينعقد البَيْع بكل ما يعده النَّاس بيعاً، واستحسنه ابْنُ الصَّبَّاغ. المسألة الثّانية: لو قال: "بعني"، فقال البائع: "بعتك"، نظر إن قال بعد ذلك: اشتريت، أو قبلت انعقد البيع لا محالة، وإلاَّ فوجهان في رواية بعضهم، وكذلك أورده المصنف هنا وقولان في رواية آخرين، وكذلك أورده في "النِّكاح". أحدهما: أنه لا ينعقد، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيّ؛ لأنه يحتمل أن يكون غرضه اسْتِبَانة رغبة البائع في البيع. والثاني: ينعقد وبه قال مالك لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد، والاستدعاء الجازم دليل عليه، والكلام فيما إذا وجد ذلك. وعن أحد روايتان كالقولين، وفي نظير المسألة من النِّكَاح طريقان مذكوران في مَوْضِعهما، والأصح فيه الانقعاد باتفاق الأئمة. وأما هاهنا فادعى صاحب الكتاب أن الأصح المنع، وفرق بينها بأنَّ النِّكَاح لا يجري معاوضة في الغالب، فتكون الرَّغْبة معلومة من قبل، ويعتبر قوله: زوجني اسْتِدعاء جزماً، والبيع كثير ما يقع معاوضة، لكن الذي عليه الجمهور وترجيح الانعقاد هاهنا أيضاً، ولم تتعرض طائفة لحكاية الخلاف فيه. ولو قال البائع: "اشْتر مِنِّي كذا"، فقال المشتري: "اشْتَرَيت"، فقد سَوَّى بينهما

стр. 1667

في "التَّهْذِيب" بين هذه الصورة والصورة السَّابقة، وأورد بعضهم: أنه لا ينعقد البيع، والفرق بينهما بأن قول المشتري "يعني" موضوع للطلب، ويعتبر من جهة الطالب مبتدئاً، أو القبول مجيباً، وقول البائع اشتريت كذا، لم يوضع للبدء ولا للإيجاب، فلا بُدَّ من جهته من بذل أو إيجاب، وبني على هذا أنهما لو تَبَايعا عَبْداً بِعَبْد، وعقدا البيع بلفظ الأمر، فأيهما جعل نفسه باللفظ بائعاً، أو مشترياً لزمه حكمه، حتى لو قال الآمر: "بِعْني عبدك هذا صح لتنزيله نفسه منزلة المشتري ولو قال: اشتر منى عبدي لم يصح لتنزيله نفسه منزلة البائع، ولو قال المشتري تبعني عبدك بكذا أو قال: بعتني بكذا، فقال: بعت لم ينعقد البيع، حتى يقول بعده: اشتريت، وكذا لو قال البائع. "اشْتَرِ داري بكذا"، أو "اشتريت منى داري" فقال: "اشتريت" لا ينعقد، حتى يقول بعده: بِعْتُ. المسألة الثالثة: قال الأئمة: كل تصرف يستقل به الشَّخص، كالطَّلاق والعِتْق والإِبْرَاء فينعقد بالكِنَايات مع النِيَّة انعقاده بالصَّريح، وما لا يستقلُّ به الشخص، بل يفتقر إلى الإِيْجَاب والقبول فهو على ضربين: أحدهما: ما يفتقر إلى الإشهاد، كالنكاح وكبيع الوكيل إذا شرط الموكل عليه الإشهاد، فهذا لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشهود لا يطلعون على المقصود والنيات والإشهاد على العقد لا بد منه، وقد يتوقف في هذا التوجيه؛ لأن القرائن بما تتوفر، فيبعد الاطّلاع على ما في باطن الغير. والثاني: ما لا يفتقر إليه فهو أيضاً على ضربين: أحدهما: ما يقبل (مقصودة) التعليق بالغرر كالكتابة والخُلْع، فينعقد بالكناية مع النية. قال الشَّافعي ﵁ لو قال لامرأته: أنت بائن يألْفٍ، فقالت: قبلت ونويا صَحَّ الخُلْع. والثَّاني: ما لا يقبل كالبَيْع والإجَارَة وغيرهما، وفي انعقاد هذه التصرفات بالكناية مع النية وجهان: أحدهما: لا ينعقد؛ لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب؟ وأظهرهما: أنه ينعقد كما في الكِتَابة والخُلْع. ومثال الكناية في البَيْع؛ أن يقول خذه، أو تسلمه منى بألف أو أدخله في مِلْكك أو جعلته لك بكذا ملكاً، وما أشبه ذلك، ولو قال: سلطتك عليه بألف، فهل هو من الكنايات أم لا؟ كما لو قال: أبَحْتُه لك بألف اختلفوا فيه، ولو كتب إلى غائب بالبيع ونحوه ترتب ذلك على أن الطَّلاق هل يقع بالكتابة؟ إن قلنا: لا يقع، فهذه العقود أولى بأن لا تنعقد.

стр. 1668

وإن قلنا: نعم، فوجهان في انعقادها بالكنايات. فإن قلنا: تنعقد، فالشرط أن يقبل المكتوب إليه، كما اطَّلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان، ولو تبايع حاضران بالكتابة ترتب ذلك على حال النية، إن منعنا فهاهنا أولى، وإلاَّ فوجهان، وحكم الكِتَابَةِ على القِرْطَاس والرّقِّ واللَّوْح والأَرْض والنَّقْش على الحَجَرِ والخَشَبِ واحد، ولا عبرة بِرَسْمِ الأحرف على الماء، وألَّفُوا في مُسْوَدَّات بعض أئمة طَبَرَسْتَانَ تفريقاً على انعقاد البيع بالكتابة، أنه لو قال: بعت من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قلت ينعقد البيع، لأن النطق أقوى من الكتابة. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد، نعم لو قال: بعت من فلان، وأرسل إليه رسولاً بذلك فأخبره فقيل: انعقد كما لو كاتبه. قال الإمام: والخلاف في البيع ونحوه هل ينعقد بالكتابة مع النية مفروض فيما إذا انعدمت قرائن الأحوال. فأمَّا إذا توفَّرَتْ وأفادت التفاهم فيجب القطع بالصحة، نعم النِّكاح لا يصح بالكتابة، وإن توفرت القرائن لأمرين: أحدهما: أن الإثبات عند الجحود من مقاصد الإِشْهَاد، وقرائن الحال لا تنفع فيه. والثاني: أن النكاح مخصوص بضرب من التَّعبد والاحتياط لحرمة الأَبْضَاع، وفي البيع المقيد بالإشهاد، وذكر في "الوسيط" أن الظاهر انعقاده عند توفُّر القرائن، وهذا نظر منه في النكاح إلى معنى التعبد دون وقع الجحود. وقوله في الكتاب: "الصِّيْغَة وهي الإيجاب والقبول" يقتضي اعتبار الصيغتين فيما إذا باع الرجل مال ولده من نفسه، أو بالعكس، نظراً إلى إطلاق اللفظ، وفيه وجهان توجيههما في غير هذا الموضع، فإن اكتفينا بصيغة واحدة، فالمراد ما عدا هذه الصُّورَة، ويتعلق بالصيغة مسائل أخر سكت عنها في الكتاب. إحداها: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول، ولا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد، سواء تفرَّقَا عن المجلس أم لا، ولو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول ووارثه حاضر فوجهان عن الدَّاركيّ: أنه يصح، والأصح: المنع. الثانية: يشترط أن يكون القبول على وفق الإيْجَاب حتى لو قال: "بعت بألف صحيحة" فقال: "قبلت بألف قراضاً" أو بالعكس، أو قال: "بعت جميع كذا بألف" فقال: "قبلت نصفه بخمسمائة" لم يصح.

стр. 1669

ولو قال: "بعتك هذا بألف" فقال: "قبلت نصفه بخمسمائة ونصفه بخمسمائة" فقد قال في "التتمة": يصح؛ لأن هذا تصريح بمقتضى الإطلاق ولا مخالفة، ولك أن تقول إشكالاً سيأتي القول في أن تفصيل الثمن من موجبات تعدد الصفقة، وإذا كان كذلك فالبائع هاهنا أوجب بَيْعَةً واحدة، والقابل قبل بيعتين لم يوجبهما البائع، ولا يخفى ما فيه من المخالفة. وفي "فتاوى القَفَّال" أنه لو قال: بعتك بألف درهم، فقال: "اشتريت بألف وخمسمائة" يصح البيع وهو غريب. الثالثة: لو قال المتوسط للبائع: "بعت بكذا"، فقال: "نعم" أو بعت، وقال للمشتري: "اشتريت بكذا"، فقال: "نعم"، أو "اشتريت"، هل ينعقد البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأن واحداً منهما لم يخاطب الآخر. وأظهرهما: ما دَلَّ عليه إيراد صاحب "التهذيب" والرُّويَاني: الانعقاد لوجود الصيغة والتراضي. الرابعة: لو قال: "بعت منك هذا بألف"، فقال: قبلت صح البيع بخلاف النكاح يشترط فيه على رأي أن يقول: "قبلت نكاحها" احتياطاً للأَيْضَاع. الخامسة: لو قال: "بعت هذا بألف إن شئت" فقال: "اشتريت" فوجهان: أحدهما: أنه لا ينعقد لما فيه من التَّعْليق، كما لو قال: "إن دخلت الدَّار". وأظهرهما: أنه ينعقد، لأن هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد، فإنه لو لم يشأ لم يَتَيَسَّر. السادسة: يصح بيع الأَخْرَس وشراؤه بالإشارة والكتابة، وهذا يبيّن أن الصيغة بخصوصها ليست داخلة في البيع نفسه. واعلم: أن جميع ما ذكرناه فيما ليس بِضِمْني من المُبَايَعات، فأما البيع الضِّمْني فيما إذا قال: أعتق عبدك عني علي بألف فلا يعتبر فيه الصيغ التي قدمناها، ويكفي فيه الالتماس، والجواب لا محالة -وبالله التوفيق-. قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي العَاقِدُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَلاَ عِبَارَةَ لِصَبِيِّ (ح م) وَلاَ مَجْنُونِ بِإذْنِ الوَلِيِّ وَدُونَ إِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يُفِيدُ قَبْضُهُمَا المِلْكَ في الهِبَةِ، وَلاَ تَعَيُّنَ الحَقِّ في اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَيُعْتَمَدُ إِخْبَارُهُ عَنِ الإِذّنِ عِنْدَ فَتْحِ البَابِ، وَالمِلْكِ عِنْدَ إِيصَالِ الهَدِيَّةِ عَلَى الأَصَحِّ. قال الرافعي: لفظ العاقد بنظم البائع والمشتري، ويعتبر فيهما لصحَّة البيع

стр. 1670

التكليف (١)، فلا ينعقد البيع بعبارة الصَّبي والمجنون لا لنفسهما ولا لغيرهما، سواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، سواء باشر بإذن الولي أو دون إذنه، ولا فرق بين بيع الاختبار وغيره على ظاهر المذهب، وبيع الاختبار هو الذي يمتحنه الولي ليستبين رشده عند مُنَاهَزَة الحلم، ولكن يفوض إليه الاستيام وتدبير العقد، فإذا انتهى الأمر إلى اللفظ أتى به الولي. وعن بعض أصحابنا: تصحيح بيع الاختبار. وقال أبو حنيفة: إن كان مميزاً وباع أو اشترى بغير إذن الولي انعقد موقوفاً على إجازته، وإن باع بإذنه نفذ، ويكون دالاًّ على أن الولي أذن له في التصرف في ماله، ومتصرفاً لنفسه إن أذن له في التَّصرف في مال نفسه، حتى لو أذن له في بيع ماله بالغَبْن فَبَاعَ نفذ، وإن كان لا ينفذ من الولي، ووافقه أحمد على أنه ينفذ إذا كان بإذن الولي، لنا أنه غير مكلف فلا ينعقد بيعه وشراؤه كالمجنون وغير المميز. إذا عرفت ذلك فلو اشترى الصبي شيئاً وقبض المبيع فتلف في يده، أو أتلفه لا ضَمَان عليه في الحال ولا بعد البلوغ، وكذا لو استقرض مالاً؛ لأن المالك هو المضيع بالتسليم إليه، وما داما باقيين فللمالك الاسترداد، ولو سلم ثمن ما اشتراه فعلى الولي استرداده، والبائع يرده على الولي، فإن رده على الصبي لم يبرأ عن الضمان، وهذا كما لو عرض الصبي ديناراً على صَرَّاف ليَنْقُدَهُ أو متاعاً على مُقوِّم ليقوِّمه، فإذا أخذه لم يجز له رده على الصَّبي، بل يرده على وليه إن كان للصبي، وعلى مالكه إن كان له مالك، فلو أمره ولي الصبي بدفعه إليه، فدفعه سقط عنه الضمان إن كان المِلْك للولي، وإن كان للصبي فلا كما لو أمره بإلقاء مال الصبي في البحرِ ففعل يلزمه الضَّمَان.

стр. 1671

ولو تبايع صِبيَّان وتقابضا، فأتلف كل واحد منهما ما قبضه نظر، إن جرى ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما، وإلاَّ فلا ضمان عليهما، وعلى الصبيينِّ الضمان؛ لأن تسليمهما لا يعدُّ تسليطاً وتضييعاً، ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: كما لا ينفذ بيع الصبي وشراؤه، لا ينفذ نكاحه وسائر تصرفاته، نعم في تَدْبير المميّز ووصيته خلاف مذكور في "الوَصَايا"، وإذا فتح الباب وأخبر عن إذن أهل الدار في الدخول، أو أوصل هدية إلى إنسان وأخبر عن إهداء مهديها، فهل يجوز الاعتماد عليه؟ نظر إن انضمت إليه قرائن أورثت العلم بحقيقة الحال، جاز الدخول والقبول، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا يقوله وإن لم تنضم، نظر إن كان كلاماً غير مأمون القول فلا يعتمد، وإلا فطريقان: أحدهما: تخريجه على وجهين ذكراً في قبول روايته. وأصحهما: القطع بالاعتماد تمسكاً بعادة السلف، فإنهم كانوا يعتمدون أمثال ذلك ولا يضيقون فيها. وقوله في الكتاب: "على الأصح في هاتين الصورتين" يجوز أن يريد به من الوجهين جواباً على الطريق الأول، ويجوز أن يريد من الطريقين ذهاباً إلى الثاني. الثانية: كما لا تصح تصرُّفَاته اللَّفظية لا يصح قبضه في تلك التصرفات، فإن للقبض من التأثير ما ليس للعقد، فلا يفيد قبضة الموهوب الملك له، وإن اتّهب له الولي ولا لغيره إذا أمره الموهوب منه بالقبض له، ولو قال مستحق الدين لمن عليه الدين: "سلّمْ حقّي إلى هذا الصبي" فسلم قدر حقه لم يبرأ عن الدَّين، وكان ما سلمه باقياً على ملكه، حتى لو ضاع منه فلا ضمان على الصَّبي، لأن المالك ضيَّعه حيث سلمه إليه، وإنما بقي الدَّين بحاله؛ لأن الدَّين مرسل في الذِّمة لا يتعيَّن إلا بقبض صحيح، فإذا لم يصح القبض لم يزل الحق المطلق عن الذمة، كما إذا قال لمن عليه الدَّين: "أَلْقِ حقي في البحر" فألقى قدر حقه لا يبرأ، ويخالف ما إذا قال مالك الوديعة للمودع: "سلّم مالي إلى هذا الصبي" فسلم خرج عن العهدة؛ لأنه امتثل أمره في حقه المتعيّن، كما لو قال: "أَلْقِها في البحر" فامتثل، ولو كانت الوديعة لصبي فسلَّمها إليه ضمن سواء كان بإذن الولي أو دون إذنه، إذ ليس له تضييعُها وإن أمره الولِيُّ به. قال الغزالي: أَمَّا إِسْلاَم العَاقِدِ فَلاَ يُشْتَرَط إِلاَّ إِسْلاَمُ المُشْتَرِي في شِرَاءِ العَبْدِ المُسْلِمِ وَالمُصْحَفِ (ح) عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ دَفعاً لِلذُّلِّ، وَيَصِحُّ شِرَاءُ الكَافِرِ أَبَاهُ المُسْلمَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شِرَاءٍ يَسْتَعْقِبُ العِتَاقَةَ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ وَارْتِهَانهُ لِلعَبْدِ المُسْلِمِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ لاَ مِلْكَ فِيهِ كَالإِعَارَةِ وَالإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ

стр. 1672

بالعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ انْقِلاَبَ العَبْدِ المُسْلِمِ إِلَى الكَافِرِ عَلَى أَظْهَرِ المَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّ المِلْك فِيهِ قَهْرِيٌّ كَمَا في الإِرْثِ. قال الرافعي: إسلام البائع والمشتري ليس بشرط في صحة مطلق البيع والشراء، لكن لو اشترى الكافر عبداً مسلماً ففي صحَّته قولان: أصحهما: وبه قال أحمد وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يصح، لأن الرِّقَّ ذل، فلا يصح إثباته للكافر على المسلم كما لا ينكح الكافر المسلمة. والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنه يصح؛ لأنه طريق من طرق المِلْك، فيملك به الكافر على المسلم كالإرْث. والقولان جاريان فيما لو وهب منه عبد مسلم فقبل، أو وصى له بعبد مسلم، قال في "التَّتمة": هذا إذا قلنا: الملك في الوصية يحصل بالقبول. فإن قلنا: يحصل بالموت ثبت بلا خلاف كالإرث، ولو اشترى مصحفاً أو شيئاً من أخبار الرسول ﷺ ففيه طريقان: أحدهما: وبه أجاب في الكتاب: طرد القولين: وأظهرهما: القطع بالبطلان، والفرق أن العبد يمكنه الاستغاثة ودفع الذل عن نفسه. قال العراقيون: والكتب التي فيها آثار السَّلف ﵃ كالمصحف في طرد الخلاف، ولا منع من بيع كتب أبي حنيفة من الكافر لخلوها من الآثار والأخبار. وأما كتب أصحابه ﵃ فمشحونة بها فحكمها حكم سائر الكتب المشتملة عليها، وامتنع المَاوِرْدِيُّ في "الحَاوِي" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف، وقال: إن بيعها منه صحيح لا محالة. وهل يؤمر بإزالة الملك عنها؟ فيه وجهان (١): التفريع: إن قلنا: لا يصح شراء الكافر العبد المسلم، فلو اشترى قريبه الَّذي يعتق عليه كأبيه وابنه ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح أيضاً، لما فيه من ثبوت الملك للكافر على المسلم. وأصحهما: الصحة، لأن الملك المستعقب للعِتْق شاء المالك أو أبى ليس بإذلال، أَلاَ تَرَى أن للمسلم شراء قريبه المسلم، ولو كان ذلك إذلالاً لما جاز له إذلال

стр. 1673

ابنه، والخلاف جَارٍ في كل شيء يستعقب العتق، كما إذا قال الكافر لمسلم: "أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض فأجابه إليه، وكما إذا أقر بحريّة عبد مسلم في يد غيره ثم اشتراه، ورتب الإمام الخلاف في هاتين الصورتين على الخلاف في شراء القريب، وقال الأول منهما أولى بالصحة؛ لأن الملك فيها ضِمْني، والثانية أولى بالمنع؛ لأن العتق وإن حكم به فهو ظاهر غير محقق بخلاف صورة القريب، فإن العتق لا يحصل عقب الشراء، وإنما يزول الملك بإزالته، ومنهم من جعله على وجهي شراء القريب، ويجوز أن يستأجر الكافر المسلم على عمل في الذمة، لأنه كدين في ذمته، وهو بسبيل من تحصيله بغيره، وإن كانت الاجارة على العين، ففيه وجهان حرّاً كان الأجير أو عبداً. أحدهما لا تصح، لأنها لو صحت لاستحق استعماله، وفيه إذلال له فصار كالشراء على القول الذي عليه التَّفْرِيع. وأظهرهما: الصحة؛ لأن الإجارة لا تفيد ملك الرَّقَبة، ولا تسلطاً تامّاً، وهو في يد نفسه إن كان حرّاً، وفي يد مولاه إن كان عبداً، وإنما استوفى منفعته بعوض. وعلى هذا فهل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع بأن يؤجره من مسلم؟ فيه وجهان: جواب الشيخ أبي حامد منهما: أنه يؤمر (١). وذكر في صحة ارتهان الكافر العبد المسلم وجهين، وأعادهما مع زيادة في "كتاب الرهن"، ونوجههما ثم إن شاء الله تعالى، ولا خلاف في جواز إعارته منه وإيداعه، لأنه ليس فيهما ملك رقبة ولا منفعة ولا حق لازم (٢). وإذا باع الكافر عبداً مسلماً كان قد أسلم في يده أو ورثه بثوب، ثم وجد بالثوب عيباً فهل له أن يرده ويسترد العبد؟ حكى الإمام فيهما وجهين، وتابعه المصنف في "الوسيط". والحق أن له رد الثوب لا محالة، والوجهان في استرداد العبد، وهكذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره. أحدهما: أنه ليس له استرداده، وإلا كان متملكاً للمسلم بسبب اختياري، فعلى هذا يسترد القيمة ويجعل العبد كالهالك. وأظهرهما: على ما ذكره صاحب الكتاب أن له ذلك، لأن الاختيار في الرد. أما عود العوض إليه فهو قهري كما في الإرث هكذا وجهه في "الوسيط" وفيه إشكال لأنا لا نَفْهَم من الملك القهري سوى الذي يتعلق سببه بالاختيار، ومن الاختياري

стр. 1674

سوى الذي يتعلق سببه بالاختيار، وإلا فنفس الملك بعد تمام السبب قهري أبداً، ومعلوم أن عود الملك بهذا التفسير اختياري لا قهري، والأصوب في توجيهه ما قيل أن الفسخ بالعيب يقطع العقد، ويجعل الأمر كما كان وليس كإنشاء العقود، ولهذا لا تثبت به المنفعة، فإذا كان الأمر كذلك كان نازلاً منزلة استدامة الملك، ولو وجد المشتري بالعبد عيباً والتصوير كما ذكرنا، فأراد رده واسترداد الثوب، فقد حكى الإمام عن شيخه طرد الخلاف؛ لأنه كما لا يجوز للكافر تملك المسلم لا يجوز للمسلم تَمْلِيك المسلم إِيَّاه، وعن غيره القطع بالجواز، إذ لا اختبار للكافر هاهنا في التملك بحال. وقوله في الكتاب: "ولا يمنع من الرد بالعيب" إلى آخره، ينظم الصورتين اللتين ذكرناهما، لكن التوجيه المذكور في الثانية أظهر. ولو باع الكافر العبد المسلم ثم تقابلا، ففيه الوجهان، إن قلنا: الإقالة فسخ، وإن قلنا: إنها بيع لم ينفذ، ولو وكل كافر مسلماً ليشتري له عبداً مسلماً لم يصح، لأن العقد يقع للوكيل أوّلاً، وينتقل إليه آخراً، ولو وكل مسلم كافراً ليشتري له عبداً مسلماً، فإن سمي الموكّل في الشراء صح، وإلاّ فإن قلنا: يقع الملك للوكيل أولاً لم يصح، وإن قلنا: يقع للموكل صح، وهل يجوز أن يشتري الكافر العبد المرتد؟ فيه وجهان لِبقاء علقة الإسلام، وهذا كالخلاف في أن المرتد هل يقتل بالذمي؟ وإذا اشترى الكافر عبداً كافراً فأسلم قبل القبض، هل يبطل البيع؟ كما لو اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض أَوْلاً يبطل كما إذا اشترى عبداً فأبق قبل القبض؟ فيه وجهان؟ وإن قلنا: لا يبطل فهل يقبضه المشتري؟ أو ينصب الحاكم من يقبض عنه، ثم يأمره بإزالة الملك فيه وجهان: جواب القفال منهما في "فتاويه": أنه لا يبطل ويقبضه الحاكم وهو الأظهر، هذا كله تفريع على قول المنع. أما إذا صححنا شراء الكافر العبد المسلم، نظر إن علم الحاكم به قبل القبض فيمكِّنه من القبض، أو ينصب مسلماً يقبض عنه فيه وجهان، ثم إذا حصل القبض أو علم به بعد القبض أمره بإزالة الملك على الوجه الذي في الفصل التالي لهذا الفصل -إن شاء الله تعالى-. قال الغزالي: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لكَافِرٍ طُولِبَ بِبَيْعِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَزَالَ المِلْكَ عَنْهُ بِجِهَةٍ كَفَى، وَتَكْفِي الكِتَابَةُ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ تكْفِي الحَيْلُولَةُ والإِجَارَةُ وِفاقاً إِلاَّ في المُسْتَوْلَدَة لأَنَّ الإعْتَاقَ تَخْسِيرٌ وَالبَيْعِ مُمْتَنِعٌ (و)، ثُمَّ يَسْتَكْسِبُ بَعْدَ الحَيْلُولَةِ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ مَاتَ الكَافِرُ قَبْلَ البَيْعِ بِيعَ عَلَى وَارِثهِ.

стр. 1675

قال الرافعي: إذا كان في ملك الكافر عبد كافر وأسلم لم يقر في يده دفعاً للذل عن المسلم، وقطعاً لسلطنة الكافر عنه. قال الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) ولا يحكم بزوال ملكه، بخلاف ما إذا أسلمت المرأة تحت الكافر؛ لأن ملك النَكاح لا يقبل النقل من شخص إلى شخص فتعين البطلان، وملك الثمن يقبل النقل، وبه يحصل دفع الذل فيصار إليه، ويؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو عتق أو هبة أو غيرها، فأي جهة أزال الملك حصل الغرض، ولا يكفي الرهن والتزويج والإجارة والحَيْلولة، وهل تكفى الكتابة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لاستمرار الملك على رقبة المُكَاتب. وأظهرهما: نعم، لأن الكتابة تفيد الاستقلال، ويقطع حكم السَّيد عنه. فإن قلنا بهذا فالكتابة صحيحة، وإن قلنا بالأول فوجهان: أحدهما: أنها فاسدة ويباع العبد. والثاني: أنها صحيحة إن جوزنا بيع المكاتَب بيع مكاتَباً، وإلا فسخت الكتابة وبيع، فإن امتنع الكافر من إزالة المِلْك عنه باعه الحاكم عليه بثمن المثل، كما يبيع مال الممتنع من أداء، الحق، فإن لم يتفق الظّفر لمن يبتاعه بِثَمَن المثل فلا بد من الصبر، ويحال بينه وبين الكافر إلى الظهر ويتكسب له وتؤخذ نفقته منه. هذا كله في المملوك القِنّ. أما إذا أسلمت مُسْتولدة الكافر فلا سبيل إلى نقلها إلى الغير بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب الصحيح، وهل يجبر على إعتاقها؟ فيه وجهان: احدهما: نعم لأنها مستحقة العِتَاقَة، فلا يبعد أن يؤثر عُرُوض الإسلام في تقديمها. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: لا لما فيه من التخيير، فعلى هذا يحال بينهما وينفق عليها وتتكسب له في يد غيره. ولو مات الكافر الذي أسلم العبد في يده صار العبد إلى وارثه ويؤمر بما كان يؤمر به المورث، فإن امتثل فذاك وإلاّ بيع عليه كما ذكرنا في المورث (٢)، وليس قوله في

стр. 1676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1678

الكتاب: "بيع على وارثه" تخصيصاً للبيع القهري بالوارث فاعرف ذلك. وقوله: "والحيلولة وفاقاً"، لفظ الوفاق لا يتعلق به كثير غرض. قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ المَعْقُودُ عَلَيْهِ وَشَرَائِطُهُ خَمْسَةٌ، أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، مُنْتَفِعاً بِهِ، مَمْلُوكاً لِلعَاقِدِ، مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ، مَعْلُوماً الأَوَّلُ الطَّهَارَةُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْجَيْنِ (م ح) وَالكلْبِ (م ح) وَالخِنْزِيرِ وَالأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الخَمْرِ وَالعَذِرَة وَالجِيفَةِ وِفَاقًا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ، وَالدُّهْنُ إِذَا نَجُسَ بِمُلاقَاةِ النَّجَاسَةِ صَحَّ بَيْعُهُ (م) وَجَازَ اسْتِصْبَاحُهُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ. قال الرافعي: يعتبر في المبيع ليصح بيعه شروط: أحدها: الطَّهارة، فالشيء النجس ينقسم إلى ما هو نجس العين، وإلى ما هو نجس بعارض. فأما القسم الأول فلا يصح بيعه، فمنه الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما. رُوِي عن النَّبي ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ" (١). وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخَنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ" (٢) ولا فرق بين أن يكون الكلب معلماً أو غير معلّم وبهذا قال أحمد. وعن أبي حنيفة ﵁ يجوز بيع الكلب إلا أن يكون عقوراً ففيه روايتان. وعن أصحاب مالك اختلاف فيه منهم من لم يجوزه، ومنهم من جوز بيع الكلب المأذون في إمساكه. ومنه: السِّرْجِين (٣) والبَوْل لا يجوز بيعهما، كما لا يجوز بيع الميتة والعَذِرَة، والجامع نجاسة العين، وساعدنا أحمد فيما نذهب إلى نجاسته منهما. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السِّرْجين (٤).

стр. 1679

وقوله في الكتاب: "كما لا يجوز بيع الخمر والعَذِرَة والجِيفَة وفاقاً وإن كان فيها منفعة"، أشار به إلى الجواب عن عذر يبديه أصحاب أبي حنيفة إذا احتججنا عليهم في المنع من بيع الكلب والسرجين بالقياس على بيع الخمر والعذرة والجيفة، فإنها لما كانت نجسة العين امتنع بيعها بالاتفاق، قال: ليس لزاعم منهم أن يزعم أن المنع من البيع في صورة الوفاق، إنما كان لخلوهما عن المنفعة؛ لأن كل واحد منهما لا يخلو عن ضرب منفعة. أما الخمر فبغرض أن تصير فلا تكون عارية عن المنفعة في الحال، ألا ترى أن الصغير اليوم منتفع به لما يتوقع حال كبره، وأما العَذِرَة فإنها يسمدُ بها الأرض، وأما الجيفة فتطعم منها جوارح الصيد، ثم المنع من بيع الجيفة ليس متفقاً عليه في جميع أجزائها؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة تجويز بيع جلدها قبل الدِّبَاغ، وإنما المتفق عليه اللحم، ويجوز بيع الفَيْلَج (١) وفي باطنه الدود الميتة؛ لأن إبقاءها فيه من مصالحها، كالحيوان يصح بيعه والنجاسة في باطنه، وفي بيع بَزْر القز وَفَأْرَةِ المِسْك خلاف مبني على الخلاف السابق في طهارتها وأما القسم الثاني وهو: ما نجس بعارض فهو على ضربين: أحدهما: النجس الذي يمكن تطهيره كالثوب النجس والخشبة النجسة والآجر النجس بملاقاة النجاسة، فيجوز بيعها؛ لأن جوهرها طاهر، وازالة النجاسة عنه هَيِّنة، نعم ما استتر بالنجاسة التي وردت عليها يخرج بيعه على بيع الغائب. والثاني: ما لا يمكن تطهيره كالخَلِّ، واللَّبن والدَّبْس إذا تنجَّست لا يجوز بيعها (٢) كما لا يجوز بيع الخَمْر والبَوْل والدُّهْن (٣) النَّجِس، إن كان نجس العين فلا سبيل إلى بيعه بحال، وذلك كدهن الميتة، وإن نجس يعارض ففي بيعه خلاف مبني على أنه هل يمكن تطهيره؟

стр. 1680

فعن ابن سريج وأبي إسحاق: يمكن تطهيره، وعن صاحب "الإيضاح" وغيره: أنه لا يمكن، وهو الأظهر فعلى هذا لا يجوز بيعه، وعلى الأول فيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز كالثوب النجس، ويُحْكى عن ابن أبي هريرة. وأصحهما: وبه قال أبو إسحاق: لا يجوز، لما روي "أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتِ في السَّمْنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَامِداً فَألْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَائِباً فَأَرِيقُوهُ" (١). ولو كان جائزاً لما أمرنا بإراقته، وهذا أجود ما يحتج به على امتناع التطهير. وخرجوا على هذين الوجهين بيع الماء النجس؛ لأن تطهيره بالمكاثرة ممكن، وأشار بعضهم إلى الجزم بالمنع، وقال: إنه ليس بتطهير، ولكنه يستحيل ببلوغه قلتين من صفة النجاسة إلى الطهارة كالخمر يتخلل. واعلم: أن هذا الخلاف صادر ممن يجوز بيع الماء في الجملة. أما من منع بيعه مطلقاً على ما ستعرفه فلا فرق عنده بين الطاهر والنجس منه. وذكر الإمام بناء مسألة الدُّهن على وجه آخر فقال: إن قلنا: يمكن تطهيره جاز بيعه، وإلا ففيه قولان (٢) مبنيان على جواز الاستصباح. واعلم: أن مسألة كون الاستصباح مكروهاً قد مرت بشرحها، مرة في آخر "صلاة الخوف". وقوله: "إذا نجس بِمُلاَقاة النجاسة". التقييد يكون نجاسته بالملاقاة محتاج إليه ليجيء القولان في البيع وغير محتاج إليه ليجيء القولان في الاستصباح لما سبق. وقوله: "على أظهر القولين" غير مساعد عليه في البيع، بل الظاهر عند الأصحاب منعه وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة، ويجوز نقل الدهن النجس إلى الغير عند الأصحاب إلى الغير بالوصية كما تجوز الوصيّة بالكلب. وأما هبته والصدقة به فعن القاضي أبي الطيب: منعهما (٣)، ويشبه أن يكون فيهما ما في هِبَة الكلب من الخلاف.

стр. 1681

قال الغزالي: الثَّاني: المَنْفَعَةُ وَبيْعُ مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ كَالحَبَّةِ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ لِخِسَّتِهِ كَالخَنَافِسِ وَالحَشَرَاتِ وَالسِّبَاعِ (و) الّتي لاَ تَصِيدُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَسْقَطَ الشَّرْعُ مَنْفَعَتَهُ كَآلاتِ المَلاَهِي (و)، وَيصِحُّ بَيْعُ الفِيل وَالفَهْدِ وَالهِرَّةِ، وَكَذا المَاءُ (و) وَالتُّرَابُ وَالحِجَارَةُ وَإِنْ كَثُرَ وُجُودُهَا لِتَحَقُّقِ المَنْفَعَةِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ (م ح) لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ؛ لأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ. قال الرافعي: الشرط الثاني: كون المبيع منتفعاً به، وإلاَّ لم يكن مالاً وكان أخذ المال مقابلته قريباً من أكل المال بالباطل، ولخلوّ الشي عن المنفعة سببان: أحدهما: القلَّة كالحبة من الحِنْطَة والحبتين والزَّبِيْبَة وغيرهما فإن ذلك القدر لا يعد مالاً، ولا يبذل في مقابلته المال، ولا ينظر إلى ظهور الانتفاع إذا ضمَّ هذا القدر إلى أمثاله، ولا إلى ما يفرض من وضع الحَبَّة الواحدة في الفَخِّ، ولا فرق في ذلك بين زمان الرّخص والغَلاَء، ومع هذا فلا يجوز أخذ الحَبَّة والجَبَّتَيْن من صُبرة الغير، إذ لو جوزناه لا نجر ذلك إلى أخذ الكثير. ولو أخذ الحبة ونحوها، فعليه الرد، فإن تلفت فلا ضمان، إذ لا مالية لها، وعن القفال: أنه يضمن مثلها. والثاني: الخِسَّة كالحشرات (١)، واعلم: أن الحيوانات الطاهرة على ضربين: أحدهما: ما ينتفع به فيجوز بيعه كالغنم والبِغَال والحَمِير، ومن الصُّيُود كالظِّبَاء (٢)

стр. 1682

والغِزْلاَن (١)، ومن الجوارح كالصُّقُور (٢) والبُزَاة والفُهُود، ومن الطيور كالحَمَام والعَصَافير والعُقَاب (٣) ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاوس والزَّرْزُور (٤) وكذا الفيل

стр. 1683

والهِرَّة، وكذا القِرْد، فإنه يتعلّم الأشياء فيعلم، ويجوز أيضاً بيع دود القَزِّ لما فيه من المنفعة، وبيع النَّخْل في الكِوَارَةِ صحيح، إن كان قد شاهد جميعها، وإلاَّ فهو من صورة بيع الغائب، وإن باعها وهي طائرة من الكِوَارَة، فمنهم من صحح البيع كبيع النَّعم المُسَيَّبة في الصَّحْراء، وهذا ما أورده في "التَّتِمة"، ومنهم من منعه إذ لا قدرة على التَّسْليم في الحال، والعود غير موثوق، وهذا ما أورده في "التهذيب" (١). والضرب الثاني: ما لا يُنْتَفع به فلا يجوز بيعه، كالخَنَافِس والعَقَارب والحَيَّات وكالفَأْرَة والنَّمْل ونحوها، ولا نظر إلى منافعها المعدودة في الخواص؛ فإن تلك المنافع لا تلحقها بما يبعد في العادة مالاً، وفي معناها السِّبَاع التي لا تصلح للاصْطِياد والقتال عليها الأَسَد والذِّئْب وَالنَّمِر ولا نظر إلى اقتناء الملوك للهَيْبَة والسياسة، فليست هي من المنافع المعتبرة، ونقل أبو الحسن العبادي وجهاً: أنه يجوز بيع النمل؛ بـ"عسكر مُكرَم" (٢)، لأنه يعالج به السكر، وبـ"نصيبين" (٣) لأنه تعالج به العَقَارب الطيَّارة.

стр. 1684

وعن القاضي حسين حكاية وجه في صحة بيعها لأنها طاهرة، والانتفاع بجلودها متوقع في المآل، ولا يجوز بيع الحِدَأة (١) والرّخَمَة (٢) والغُرَاب، فإن كان في أجنحة بعضهما فائدة جاء فيها الوجه الذي حكاه القاضي، هكذا قاله الإمام، لكن بينهما فرق؛ لأن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة (٣)، وفي بيع العَلَق وجهان: أظهرهما: الجواز لمنفعة امتصاص الدَّم والسُّم إن كان يقتل بالكثرة، وينتفع بقليله كالسُّقمونيا والأَفْيُون جاز بيعه، وإن قتل كثيره وقليله، فجواب الجمهور فيه المَنْع، ومال الإمام وشيخه إلى الجواز، ليدسَّ في طعام الكافر، وفي بيع الحِمَار الزَّمِن الذي لا منفعة فيه وجهان:

стр. 1685

أظهرهما: المنع، بخلاف العبد الزَّمِن فإنه يتقرب بإعتاقه. والثاني: الجواز لغرض الجلد في المآل. وقوله في الكتاب: "باطل" يجوز أن يعلّم بالواو للوجه الذي ذكرنا في الأَسَد ونحوه، وأيضاً فإن صاحب "التتمة" نقل في بيع ما لا منفعة فيه لقلته وجهين، ثم في الفصل صور: إحداها: آلات المَلاَهي كالمزامِير والطَّنَابير وغيرهما، فإن كانت بحيث لا تعدُّ بعد الرَّضِّ والحلّ مالاً، فلا يجوز بيعهما، والمنفعة التي فيها لما كانت محظورة شرعاً كانت ملحقة بالمنافع المعدومة حسّاً، وإن كان الرّضَاض يعد مالاً، ففي جواز بيعها قبل الرَّضِّ وجهان: أحدهما: الجواز، لما فيه من المنفعة المتوقعة. وأظهرهما: المنع؛ لأنهما على هيئة آلة الفَسْق ولا يقصد بها غيره، وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجهاً ثالثاً وهو: أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها؛ لأنها مقصودة في نفسها وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده وتابعه المصنف في "الوسيط"، لكن جواب عامة الأصحاب المنع المطلق، وهو ظاهر لفظه هاهنا، ويدل عليه خبر جابر المَرْوِيّ في أول الركن. فرع: الجارية المغنِّية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت لا تطلب إلا بألف حكى الشيخ أبو علي المحمودي: أفتى ببطلان البيع، لأنه بذل مال في مَعْصية وعن الشيخ أبي زيد: أنه إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا. وعن الأَوْدَنِيّ: أن كل ذلك استحسان، والقياس الصحة (١). الثانية: بيع المياه المملوكة صحيح؛ لأنه طاهر منتفع به. وفيه وجه: أنه لا سبيل إلى بيعه، ولا نبسط القول في المسألة بذكرها في "إحياء الموات" إن شاء الله تعالى فإن أقسام المياه من المملوك وغير مذكورة ثم وصحة البيع من تفاريع الملك. الثالثة: إذا جوزنا بيع الماء، ففي بيعه على (٢) شطِّ النهر، وبيع التراب في
следующие страницы →