قال الغزالي: الثَّاني: المَنْفَعَةُ وَبيْعُ مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ كَالحَبَّةِ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ لِخِسَّتِهِ كَالخَنَافِسِ وَالحَشَرَاتِ وَالسِّبَاعِ (و) الّتي لاَ تَصِيدُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَسْقَطَ الشَّرْعُ مَنْفَعَتَهُ كَآلاتِ المَلاَهِي (و)، وَيصِحُّ بَيْعُ الفِيل وَالفَهْدِ وَالهِرَّةِ، وَكَذا المَاءُ (و) وَالتُّرَابُ وَالحِجَارَةُ وَإِنْ كَثُرَ وُجُودُهَا لِتَحَقُّقِ المَنْفَعَةِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ (م ح) لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ؛ لأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ.
قال الرافعي: الشرط الثاني: كون المبيع منتفعاً به، وإلاَّ لم يكن مالاً وكان أخذ المال مقابلته قريباً من أكل المال بالباطل، ولخلوّ الشي عن المنفعة سببان:
أحدهما: القلَّة كالحبة من الحِنْطَة والحبتين والزَّبِيْبَة وغيرهما فإن ذلك القدر لا يعد مالاً، ولا يبذل في مقابلته المال، ولا ينظر إلى ظهور الانتفاع إذا ضمَّ هذا القدر إلى أمثاله، ولا إلى ما يفرض من وضع الحَبَّة الواحدة في الفَخِّ، ولا فرق في ذلك بين زمان الرّخص والغَلاَء، ومع هذا فلا يجوز أخذ الحَبَّة والجَبَّتَيْن من صُبرة الغير، إذ لو جوزناه لا نجر ذلك إلى أخذ الكثير.
ولو أخذ الحبة ونحوها، فعليه الرد، فإن تلفت فلا ضمان، إذ لا مالية لها، وعن القفال: أنه يضمن مثلها.
والثاني: الخِسَّة كالحشرات (١)، واعلم: أن الحيوانات الطاهرة على ضربين:
أحدهما: ما ينتفع به فيجوز بيعه كالغنم والبِغَال والحَمِير، ومن الصُّيُود كالظِّبَاء (٢)
стр. 1682
والغِزْلاَن (١)، ومن الجوارح كالصُّقُور (٢) والبُزَاة والفُهُود، ومن الطيور كالحَمَام والعَصَافير والعُقَاب (٣) ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاوس والزَّرْزُور (٤) وكذا الفيل
стр. 1683
والهِرَّة، وكذا القِرْد، فإنه يتعلّم الأشياء فيعلم، ويجوز أيضاً بيع دود القَزِّ لما فيه من المنفعة، وبيع النَّخْل في الكِوَارَةِ صحيح، إن كان قد شاهد جميعها، وإلاَّ فهو من صورة بيع الغائب، وإن باعها وهي طائرة من الكِوَارَة، فمنهم من صحح البيع كبيع النَّعم المُسَيَّبة في الصَّحْراء، وهذا ما أورده في "التَّتِمة"، ومنهم من منعه إذ لا قدرة على التَّسْليم في الحال، والعود غير موثوق، وهذا ما أورده في "التهذيب" (١).
والضرب الثاني: ما لا يُنْتَفع به فلا يجوز بيعه، كالخَنَافِس والعَقَارب والحَيَّات وكالفَأْرَة والنَّمْل ونحوها، ولا نظر إلى منافعها المعدودة في الخواص؛ فإن تلك المنافع لا تلحقها بما يبعد في العادة مالاً، وفي معناها السِّبَاع التي لا تصلح للاصْطِياد والقتال عليها الأَسَد والذِّئْب وَالنَّمِر ولا نظر إلى اقتناء الملوك للهَيْبَة والسياسة، فليست هي من المنافع المعتبرة، ونقل أبو الحسن العبادي وجهاً: أنه يجوز بيع النمل؛ بـ"عسكر مُكرَم" (٢)، لأنه يعالج به السكر، وبـ"نصيبين" (٣) لأنه تعالج به العَقَارب الطيَّارة.
стр. 1684
وعن القاضي حسين حكاية وجه في صحة بيعها لأنها طاهرة، والانتفاع بجلودها متوقع في المآل، ولا يجوز بيع الحِدَأة (١) والرّخَمَة (٢) والغُرَاب، فإن كان في أجنحة بعضهما فائدة جاء فيها الوجه الذي حكاه القاضي، هكذا قاله الإمام، لكن بينهما فرق؛ لأن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة (٣)، وفي بيع العَلَق وجهان:
أظهرهما: الجواز لمنفعة امتصاص الدَّم والسُّم إن كان يقتل بالكثرة، وينتفع بقليله كالسُّقمونيا والأَفْيُون جاز بيعه، وإن قتل كثيره وقليله، فجواب الجمهور فيه المَنْع، ومال الإمام وشيخه إلى الجواز، ليدسَّ في طعام الكافر، وفي بيع الحِمَار الزَّمِن الذي لا منفعة فيه وجهان:
стр. 1685
أظهرهما: المنع، بخلاف العبد الزَّمِن فإنه يتقرب بإعتاقه.
والثاني: الجواز لغرض الجلد في المآل.
وقوله في الكتاب: "باطل" يجوز أن يعلّم بالواو للوجه الذي ذكرنا في الأَسَد ونحوه، وأيضاً فإن صاحب "التتمة" نقل في بيع ما لا منفعة فيه لقلته وجهين، ثم في الفصل صور:
إحداها: آلات المَلاَهي كالمزامِير والطَّنَابير وغيرهما، فإن كانت بحيث لا تعدُّ بعد الرَّضِّ والحلّ مالاً، فلا يجوز بيعهما، والمنفعة التي فيها لما كانت محظورة شرعاً كانت ملحقة بالمنافع المعدومة حسّاً، وإن كان الرّضَاض يعد مالاً، ففي جواز بيعها قبل الرَّضِّ وجهان:
أحدهما: الجواز، لما فيه من المنفعة المتوقعة.
وأظهرهما: المنع؛ لأنهما على هيئة آلة الفَسْق ولا يقصد بها غيره، وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجهاً ثالثاً وهو: أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها؛ لأنها مقصودة في نفسها وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده وتابعه المصنف في "الوسيط"، لكن جواب عامة الأصحاب المنع المطلق، وهو ظاهر لفظه هاهنا، ويدل عليه خبر جابر المَرْوِيّ في أول الركن.
فرع: الجارية المغنِّية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت لا تطلب إلا بألف حكى الشيخ أبو علي المحمودي: أفتى ببطلان البيع، لأنه بذل مال في مَعْصية وعن الشيخ أبي زيد: أنه إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا.
وعن الأَوْدَنِيّ: أن كل ذلك استحسان، والقياس الصحة (١).
الثانية: بيع المياه المملوكة صحيح؛ لأنه طاهر منتفع به.
وفيه وجه: أنه لا سبيل إلى بيعه، ولا نبسط القول في المسألة بذكرها في "إحياء الموات" إن شاء الله تعالى فإن أقسام المياه من المملوك وغير مذكورة ثم وصحة البيع من تفاريع الملك.
الثالثة: إذا جوزنا بيع الماء، ففي بيعه على (٢) شطِّ النهر، وبيع التراب في
стр. 1686
الصحراء، وبيع الحجارة فيما بين الشِّعَاب الكثيرة الأحجار وجهان نقلهما في "التَّتمة".
أحدهما: لا يجوز أنه بذل المال لتحصيله مع وجدان مثله بلا مُؤْنَة وتعب نفسه.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يجوز؛ لأن المنفعة فيها يَسِيْرة ظاهرة، وإمكان تحصيلها من مثله لا يَقْدَح في صحته.
الرابعة: بيع لَبْن الآدَمِيَّات صحيح، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، ولأحمد ﵁ أيضاً في إحدى الرّوايتين، لنا أنه مال طاهر منتفع به فأشبه لَبَنَ الشَّاة.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً لِمَنْ وَقَعَ العَقْدُ لَهُ، فَبَيْعُ الفُضُولِيِّ مَالَ الغَيْرِ لاَ يَقِفُ (ح) عَلَى إِجَازتهِ عَلَى المَذْهَبِ الجَدِيد، وَكذَلِكَ بَيْعُ الغَاصِبِ وَإِنْ كَثُرَتْ تَصَرُّفَاتُهُ في أَثْمَانِ المَغْصُوبَات عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ فَيُحْكَمُ بِبُطْلاَنِ الكُلِّ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أنَّهُ حَيٌّ فإذَا هُوَ مَيِّتٌ وَالمَبِيعُ مِلْكُ البَائِعِ حُكِمَ بِصحَّةِ البَيْعِ عَلَى أَسَدِّ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: الشرط الثالث في المبيع: كونه ملكاً لمن يقع العقد له إن كان يباشره لنفسه، فينبغي أن يكون له، فإن كان يباشره لغيره بِولاَيَة أو وِكَالَة، فينبغي أن يكون لذلك الغير.
وقوله هنا "لا لمن وقع العقد له"، يبين أن المراد من قوله: مسلوكاً للعاقد في أول الركن ما أوضحه هاهنا.
واعلم: أن اعتبار هذا الشرط ليس متفقاً عليه، ولكنه مفرع على الأصح كما ستعرفه -إن شاء الله تعالى- هذا الفصل ثلاث:
أحدها: إذا باع مال الغير بغير إذن ولا ولاية ففيه قولان:
الجديد: أنه لاغٍ لما روي أنه ﷺ قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" (١).
وأيضاً فإن بيع الآبِق غير صحيح مع كونه مملوكاً له، لعدم القدرة على التسليم، فبيع ما لا يملك ولا قدرة على تسليمه أولى.
والقديم: أنه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك إن أجاز نفذ، وإلا لَغَا لما روي أنه ﷺ "دَفَعَ دِينَاراً إِلَى عُرْوَةَ البَارِقِيّ لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، وَبَاعَ إحْدَاهُمَا
стр. 1687
بدِينَارٍ، وَجَاءَ بشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : بَارَكَ اللهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ" (١) والاستدلال أَنه باع الشَّاة الثانية من غير إذن النَّبي ﷺ ثم انه أجازه، ولأنه عقد له تَنْجِيز في الحال فينعقد موقوفاً كالوصية، والقولان جاريان فيما لو زوج أمه الغير أو ابنته أو طلق منكوحته أو عتق عبده أو أجَّر داره أو وهبها بغير إذنه، ولو اشترى الفُضُولي لغيره شيئاً، نظر إن اشترى بغيره ما له ففيه قولان، وإن اشترى في الذمة، نظر إن أطلق ونوى كونه للغير، فعلى الجديد يقع عن المباشر، وعلى القديم يتوقف على الإجازة، فإن رد نفذ في حقه، ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمتي، فالحكم كما لو اشترى بعين ماله، ولو اقتصر على قوله: "اشتريت لفلان بألف"، ولم يضف الثمن إلى ذمته، فعلى الجديد فيه وجهان:
أحدها: يلغو العقد وتَلْغُو التَّسمية والثاني يقع العقد عن المباشر (٢) وعلى القديم: يتوقَّف على إجازة ذلك الغير، فإن رد ففيه وجهان، ولو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه، نظر إن لم يسمه وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أم لا، وإن سماه نظر إن لم يأذن له لَغَت التَّسمية، وهل يقع عنه أم يبطل من أصله؟
فيه وجهان، وإن أذن له، فهل تلغو التسمية؟ فيه وجهان، إن قلنا: نعم، فيبطل من أصله أو يقع عن العاقد فيه وجهان، وإن قلنا: لا وقع عن الآذن، والثمن المدفوع يكون قرضاً أو هبة فيه وجهان.
ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "لا يقف على إجازته" بالميم والألف والحاء. أما الميم؛ فلأن مذهب مالك كالقول القديم، وأما الألف فلأن عن أحمد روايتين كالقولين. أما الحاء؛ فلأن مذهب أبي حنيفة كالقول القديم في البيع والنكاح.
وأما في الشراء فقد قال في صورة شراء المطلق: يقع عن جهة العاقد ولا ينعقد موقوفاً، وعن أصحابه، اختلاف فيما إذا سمي الغير، وشرط الوقف عند أبي حنيفة أن يكون للعقد تَنْجِيز في الحال مالكاً كان أو غير مالك حتى لو أعتق عبد الطفل أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البُلُوغ، والمعتبر إجازة من يملك التَّصرف عند العقد، حتى لو باع مال الطِّفْل فبلغ وأجاز لم ينفذ، وكذا لو باع مال الغير ثم ملكه وأجاز.
قال الشيخ أبو محمد: ولا نخالف في ذلك أبا حنيفة إذا فرعنا على القديم.
وذكر إمام الحرمين: أن العراقيين لم يعرفوا القول القديم في المسألة وقطعوا بالبطلان وهذا إن استمر اقتضى إعلام قوله "على المذهب الجديد" بالواو، وإنما أتوقف
стр. 1688
فيه، لأن الذي أَلفته في كتب العراقيين الاقتصار على ذكر البطلان (١) لا نفي الخلاف المذكور والمفهوم من إطلاق لفظ القطع في مثل هذا المقام، وفرق بين أن لا يذكر الخلاف وبين أن لا يبقى.
المسألة الثانية: لو غصب أموالاً وباعها وتصرَّف في أثمانها مرة بعد أخرى ففيه قولان:
أصحهما: البطلان (٢).
والثاني: للمالك أن يجيزها ويأخذ الحاصل منها، وصورة المسألة وما فيها من القولين قريبة من الأولى، ويزاد فيها عُسْر تتبع العقود الكثيرة بالنقض والإبطال ورعاية مصلحة المالك، وعلى هذا الخلاف يبنى الخلاف في أن الغاصب إذا ربح في المال المغصوب يكون الربح له أو للمالك على ما سيأتي في "باب القراض" وغيره -إن شاء الله تعالى-.
الثالثة: لو باع مال أبيه على ظن أنه حيٌّ وهو فُضُولي فَبَانَ أنه كان ميتاً يومئذ، وأن المبيع ملك للعاقد ففيه قولان:
أصحهما: أن البيع صحيح لصدوره من المالك، ويخالف ما لو أخرج دراهم، وقال: إن مات مورثي فهذا زكاة ما ورثته، وكان قد ورث لا يجزئه؛ لأن النِّيَّة لا بد منها في الزكاة، ولم تُبْنَ نيته على أصل، وفي البيع لا حاجة إلى النية.
الثاني: أنه باطل؛ لأن هذا العقد وإن كان منجزاً في الصورة فهو في المعنى معلق، والتقدير: إن مات مورثي فقد بعتك، وأيضاً فإنه كالعَابِث عند مباشرة العقد لاعتقاده أن المبيع لغيره، ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد؟ وفيه وجهان، والخلاف في بيع التَّلْجِئَة وصورته: أن يخاف غصب ماله أو الإكراه على بيعه فيبيعه من إنسان بيعاً مطلقاً، ولكن توافقاً قبله على أنه لدفع الشر لا على حقيقة البَيْع، وظاهر الذهب: انعقاده، وفيه وجه، ويجري الخلاف فيما إذا باع العبد على ظنه أنه آبِق أو مُكَاتب، فإذا هو قد رجع أو فسخ الكتابة، ويجري أيضاً فيما
стр. 1689
إذا زوج أمة أبيه على ظنِّ أنه حي ثم بَانَ موته، هل يصح النكاح؟
فإن صح فقد نقلوا وجهين فيما إذا قال: إن مات أبي فقد زوجتك هذه الجارية، وبهذا يضعف توجيه قول البطلان بأنه وإن كان منجزاً في الصورة فهو معلّق في المعنى، لأنا لا نجعل هذا التَّعليق مفسداً، وإن صرح به على رأي فما ظنك بتقديره.
واعلم: أن القولين في المسائل الثلاث يعبَّر عنهما بقولي وقف العقود، وحيث قال المصنف في الكتاب: "ففيه قولاً وقف العقود" أراد به هذين القولين، وإن لم يذكر هذا اللقب هاهنا وإنما سمّيا بالوقف؛ لأن الخلاف آيل إلى أَنَّ العقد هل ينعقد على الوقف أم لا؟ فعلى قول: ينعقد في المسألتين موقوفاً على الإجازة أو الرد وفي الثانية: موقوفاً تبين على الموت أو الحياة، وعلى. قول: لا ينعقد موقوفاً بل يبطل، ثم ذكر الإمام أنَّ الصحة ناجزة على قول الوقف، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة، وأن الوقف يطّرد في كل عقد يقبل الاستنابة كالمُبَايعات والإِجَارات والهِبَات والعِتْق، والطَّلاَقَ والنِّكَاح وغيرها.
قال الغزالي: الرَّابع أَنْ يَكُونَ مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الآبِقِ والضَّالُ وَالمَغْصُوبِ، وَإِنْ قَدَر المُشْتَرِي علَى انْتِزَاعِهِ مِنْ يَدِ الغَاصِبِ دُونَ البَائِعِ صَحَّ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ لَهُ الخِيَارُ إِن عَجَزَ، وَبيْعُ حَمَامِ البُرْجِ نَهَاراً اعْتِمَاداً عَلَى العَوْدِ لَيْلاً لاَ يَصِحُّ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: الشرط الرابع: القدرة على التسليم (١)، ولا بد منها ليخرج العقد عن أن يكون بيع غَرَر ويوثق بحصول العوض، ثم فوات القدرة على التسليم قد يكون من حيث الحس، وقد يكون من حيث الشرع، وصور هذا الفصل من الضرب الأول وهي ثلاث:
أحدها: بيع الضَّال والآبق (٢) باطل عرف موضعه أو لم يعرف؛ لأنه غير مقدور
стр. 1690
على تسليمه في الحال هذا هو المشهور، قال الأئمة: ولا يشترط في الحكم بِالبُطْلان اليأس من التَّسليم، بل يكفي ظهور التَّعذر، وأحسن بعض الأصحاب فقال: إذا عرف مكانه وعلم أنه يصل إليه إذا رام الوصول فليس له حكم الآبق.
الثانية: إذا باع الملك ماله المغصوب نظر إن كان يقدر على استرداده وتسليمه صح البيع، كما يصح بيع الوَدِيعة والعَارِيَة وإن لم يقدر نظر إن باعه ممن لا يقدر على انتزاعه من يد الغاصب لم يصح لما سبق (١) وإن باعه ممن يقدر على انتزاعه منه ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن البائع يجب عليه التسليم وهو عاجز.
وأصحُّهما: الصحة؛ لأن المقصود وصول المشتري إلى المبيع، وعلى هذا إن علم المشتري حقيقة الحال فلا خيار له، ولكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت لِلْغَاصب فله الخيار (٢)، وفيه وجه آخر أشار إليه الإمام، وإن كان جاهلاً عند العقد فله الخيار؛ لأن البيع لا يلزمه كُلْفة الانتزاع.
وقوله في الكتاب: "ثم له الخيار إن عجز" المراد منه حالة العلم؛ لأن عند الجهل لا يشترط العجز في ثبوت الخيار، ويجوز أن يعلّم بالواو للوجه المشار إليه.
ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده، ففيه الوجهان المذكوران في المغصوب، ويجوز تزويج الآَبِقَة والمَغْصُوبة وإعتاقُهُمَا، وذكر في البيان: أنه لا يجوز كتابة المغصوب؛ لأن الكتابة تقتضي مُكْنة التصرف وهو ممنوع منه.
стр. 1691
الثالثة: لا يجوز بيع السَّمَك في الماء والطير في الهواء، وإن كان مملوكاً له لما فيه من الغَرَر، ولو باع السمك في بركة لا يمكنها الخروج منها، نظر إن كانت صغيرة يمكن أخذها من غير تعب ومشقة صح بيعها لحصول القدرة، وإن كانت كبيرة لا يمكن أخذها إلاَّ باحتمال تعب شديد، ففيه وجهان أوردهما ابْنُ سُرَيج فيما رأيت له من جوابات "جامعه الصّغير" وغيره:
أظهرهما: المنع، وبه قال أبو حنيفة كبيع الآبق، ويدل عليه ما روى عن ابن مسعود أنه قال: "لاَ يَشْتَرِي السَّمَكَةَ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرَّ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَررِ".
وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك فإن منع الرؤية لكدورته فهو على قولي بيع الغائب، إلاَّ أن لا يعلم قلّة السمك وكثرتها وشيئاً من صفاتها فيبطل لا محالة، وبيع الحَمَام في البُرْج على التفصيل المذكور في البِرْكة، ولو باعها وهي طائرة اعتماداً على عادة عودها باللَّيل، ففيه وجهان كما ذكرنا في النَّحل:
أصحهما على ما ذكره في الكتاب: المنع، وبه قال الأكثرون إذ لا قدرة في الحال، وعودها غير موثوق به إذ ليس لها عَقْلٌ باعث (١).
قال الغزالي: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفٍ مِنْ سَيْفٍ أَوْ نَصْلٍ قَبْلَ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ يَنْقصُهُ وَالبَيْعُ لاَ يُوجبُ نُقْصَانَ غَيْرِ المبيعِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ كِرْبَاسٍ لاَ يُنْقَضُ بالفَصْلِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعاً وَهوَ المَرْهُونُ، وَإذَا جَنَى العَبْدُ جنَايَة تَقْتَضِي تَعَلُّقَ الأَرْش بِرَقَبَتهِ صَحَّ بِيْعُهُ عَلَى أَقْوَى القَوْلَيْنِ وَكَانَ الْتِزَاماً لِلْفِدَاءِ لأَنَّهُ لَمْ يَحْجُزْ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْدِرُ عَلَى مَا لاَ يُفَوِّتُ حَقَّ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خِيَارُ الفَسْخِ إِنْ عَجَزَ عَنْ أَخْذِ الفِدَاءِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: لو باع نصفاً أو ربعاً أو جزءاً آخر شائعاً من سيف أو إناء أو نحوهما فهو صحيح، وذلك الشيء مشترك بينهما.
стр. 1692
ولو عيَّن نصفاً أو ربعاً وباعه لم يصح؛ لأن التسليم لا يمكن إلا بالقَطْع والكسر، وفيه نقص وتضييع للمال، ولو باع ذراعاً فصاعداً من ثوب نظر إن لم يعيّن الذّراع فسنذكره من بعد -إن شاء الله تعالى-، وإن عيّن نظر إن كان الثوب نفيساً ينقص ثمنه بالقطع، فهل يصح البيع؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصَّبَّاغ وغيره:
أحدهما: نعم -وبه قال صاحب "التقريب"- كما لو باع ذراعاً معيناً من أرض أو دار.
وأظهرهما: وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد وحكاه صاحب "التلخيص" عن نصه: لا؛ لأنه لا يمكن التسليم إلا باحتمال النُّقْصَان والضَّرر، وفرقوا بينه وبين الأرض بأن التَّمييز في الأرض يحصل بالعلامة بين النَّصِيبَيْن من غير ضرر، ولمن نصر الأول أن يقول: قد تتضيّق مَرَافق البُقْعَة بالعلامة وتنقص القيمة، فوجب أن يكون الحكم في الأرض على التَّفْصيل أيضاً.
واعترض ابن الصَّبَّاغ على معنى الضَّرَر بأنهما إذا رضيا به واحتملاه وجب أن يصحّ البيع، كما يصح بيع أحد زوجي الخُفِّ وإن نقص تفريقهما من قيمتهما، والقياس طرد الوجهين في صورة السَّيف والإناء؛ لأن المعنى لا يختلف، وإن كان الثوب مما لا ينقص بالفصل والقطع كالكِرْبَاسِ الصَّفِيق، فقد حكى صاحب الكتاب وشيخه فيه وجهين:
أصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه يصح، لزوال المعنى المذكور.
والثاني: المنع؛ لأن التفصيل لا يَخْلُو عن تغيير لغير المبيع، وهذا فيما أورده الإمام، واختيار صاحب "التلخيص"، وكان سببه إطلاق لفظه في "التلخيص" بعد ذكر لو باع ذراعاً من الأرض قال: ولو قال ذلك في الثوب، لم يجز قاله نصا، وأيضاً قال في "المفتاح" من ثوب ذراعاً على أن يقطعه لم يَجُزْ بحال، إلاَّ أنَّ الأكثرين حملوا كلامه على الثوب الذي ينقص بالفصل، ولو باع جزءاً معيناً من جدار أو أُسْطُوَانة، نظر إن كان فوقه شيء لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه، وإن لم يكن نظر إن كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما لم يجز، وإن كان من لَبِن أو آجُرِّ هكذا أطلق في "التلخيص"، وهو محمول عند الأئمة على ما لو جعل في النهاية شق نصف من الآجُرِّ واللَّبِن دون أن يجعل المقطع نصف سمكها، وفي تجويز البيع إذا كان من لَبِن أو آجُرِّ إشكال، وإن جُعل النهاية ما ذكروه من وجهين:
أحدهما: أن موضع الشَّق قطعة واحدة من طين أو غيره، فالفصل الوارد عليه وارد على ما هو قطعة واحدة.
стр. 1693
والثاني: هَبْ أنه ليس كذلك لكن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي، وإن لم يكن قطعة واحدة فليفسد البيع، ولهذا قالوا: لو باع جذعاً في بناءٍ لم يصح؛ لأن الهدم يوجب النقصان، فأي فرق بين الجِذْع والآجُرِّ، وكذا لو باع فَصّاً في خَاتَم، وذكر بعض الشارحين لـ"المفتاح" في تفاريع هذه المسألة: أنه لو باع داراً إلاَّ بيتاً في صدرها لا يَلِي شارعاً ولا ملكاً له على أنه لا ممرَّ له في المبيع لا يصح البيع، وهذا باب في فتحه بعد، ويتأكد بمثله المَيْل إلى الوجه الذي نصره ابن الصباغ.
المسألة الثانية: لا يصح بيع المَرْهُون بعد الإقباض وقَبل الانفِكَاك (١) لأنه عاجز عن تسليمه شرعاً لما فيه من تفويت حق المُرْتهن.
الثالثة: الجناية الصادرة من العبد قد تقتضي المال، إما متعلقاً برقبته أو بذمته، وقد تقتضي القصاص، وموضع تفصيله غير هذا، فإن أوجبت المال متعلقاً بذمته لم يقدح ذلك في البيع بحال، وإن أوجبته متعلقاً برقبته، فهل صح بيعه؟ نظر إنْ باعه بعد اختيار الفداء فنعم، هكذا أطلقه في "التهذيب" (٢) وإتباعه قبله وهو معسر فَلاَ لما فيه من إبطال حتى المَجْنِي عليه، ومنهم من طرد الخلاف الذي نذكره في المُوْسِر، وحَكَم بثبوت الخِيَار للمجني عليه إن صح، وإن كان موسراً فطريقان:
أصحهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أنه لا يصح البيع؛ لأن حق المجني عليه متعلّق به فمنع صحة بيعه كحق المرتهن في المرهون بل أولى، لأن حق المجني عليه أقوى، ألا ترى أنه إذا جنى العبد المرهون تقدم حق المجني عليه على حق المرتهن.
стр. 1694
والثاني وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمُزني: أنه يصح لأن هذا الحق تعلق به من غير اختيار المالك، فلا يمنع صحة البيع كحق الزكاة ويخالف المرهون، لأنه بالرهن منع نفسه من التصرف وهاهنا لم يعقد عقداً، ولم يحجز نفسه عن التصرف، وفي "التتمة" أن بعض أصحابنا خرج قولاً ثالثاً وهو أن البيع موقوف، فإن فداه نفذ وإلا فلا.
والطريق الثاني: القطع بالمنع كما في المرهون.
التفريع: إن لم نصحح البيع فالسَّيد على خيرته، إن شاء فداه، وإلا سلمه ليباع في الجناية، وإن صححنا فالسيد مختار للفداء ببيعه مع العلم بجنايته فيجبر على تسليمه، لأنه بالبيع فوت محل حقه فأشبه ما لو أعتقه أو قتله، وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه وجه: أنه ليس مختاراً للفداء، بل هو على خيرته إن أفدى أمضى البيع وإلاَّ فسخ، وعلى الأول وهو المذهب لو تعذر تحصيل الفداء، أو تأخر لإفلاسه أو غيبته، أو صبره على الحَبْس فسخ البيع، وبيع في الجناية لأن حق المجني عليه أقدم من حق المشتري، هذا إذا أوجبت الجناية المال بأن كانت خطأ أو شبه عمد، أو كانت واردة على الأموال، وكذا الحكم لو أوجبت القِصَاص، لكن المستحق عَفَا على مال ثم فرض البيع.
فأما إذا أوجبت القِصَاص ولا عفو فطريقان:
أحدهما: طرد القولين وبه قال ابْنُ خَيْرَان، ومن القائلين بهذه الطريقة من بني القولين على أن موجب العمد ماذا؟ إن قلنا: موجبه القود المحض صح بيعه كبيع المرتد، وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين فهو كبيع المرهون.
وأصحهما: القطع بالصحة لبقاء المالية بحالها، وتوقع الهَلاَك كتوقع موت المَرِيض المشرف على المَوْت، وإذا وقع السؤال عن بيع العَبْدِ الجَانِي مطلقاً، فالجواب فيه ثلاث طرق:
أحدها: أنه إن كانت الجِنَايَة موجبة للقصَاص فهو صحيح، وإن كانت موجبة للمال فقولان:
والثاني: إن كانت موجبة للمال فهو غير صحيح، وإن كانت موجبة للقصاص فقولان:
والثالث: طرد القولين في الحالتين، ولو أعتق السيد العبد الجاني، نظر إن كان معسراً فأصح القولين: أنه لا ينفذ، وإن كان موسراً ففي نفوذه ثلاثة أقوال:
أصحهما: النفوذ.
وثانيها: أنه موقوف إن فداه نفذ، وإلاّ فلا. ومنهم من قطع بالنفوذ إذا كان
стр. 1695
موسراً، وبعدم النُّفُوذ إذا كان معسراً بخلاف المرهون والفرق أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجني عليه إلى ذمته باختيار الفداء، فإذا أعتق انتقل الحق إلى ذمته، وفي الرهن بخلافه.
وأما عند الإعسار فلأن حق المجني عليه متعلق بالرقبة، ولا تعلق له بذمة السيد، وفي حق المرتهن متعلّق بهما جميعاً، فنفوذ الإعتاق هاهنا يبطل الحق بالكلية، وفي الرهن غايته قطع أحد التَّعْلقين واسْتِيلاد الجانية كإعتاقها، ومتى فدا السيد العبد الجاني يفديه بأقل الأمرين من الأَرْش، وقيمة العبد أو بالأرض بالغاً ما بلغ فيه خلاف يأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى- والأصح الأول (١).
وأما لفظ الكتاب فقد عرفت بما ألقيت عليك من الشرح أن قوله: "ولا يصح بيع نصف من سيف" معناه: بيع نصف معين، وكذا قوله: "بيع ذراع من كِرْبَاس"، ولفظ النَّصْل لا يختص بالسَّهم، أَلاَ ترى أن صاحب "الصحاح" يقول في تعريفه: والنَّصْل نصل السَّهم والسَّيف والسِّكين والرُّمح.
وقوله: "الفَصْل ينقصه والبيع لا يوجب نقصان غير المبيع، أراد به أن التسليم لا يحصل إلاَّ بالتفصيل والقطع والتسليم لا بد منه، فلو صححنا البيع، وألزمناه القطع كان هذا إلزام تنقيص فيما ليس مبيعاً، وهذه عبارة صاحب "النهاية"، ثم نظم الكتاب قد يوهم خروج هذه المسألة عن صور العجز الشرعي، بل حصر العجز الشّرعي في المرهون؛ لأنه ذكر المسألة، ثم قال: ولا يصح بيع ما عجز عن تسليمه شرعا وهو المرهون، لكنه عدها في "الوسيط" من صورة، وقال: البيع لا يلزم تنقيص عن المبيع، والشرع قد يمنعه منه إذا كان فيه إِسْرَاف.
وقوله: "جناية تعلق الأرض برقبته"، يجوز أن يقرأ تعلق -بفتح التاء واللام- ويجوز أن يقرأ "تعلق" على إيقاع فعل التعليق على الجناية.
وقوله: "صح بيعه على أقوى القولين" ترجيج لقول الصحة، لكن الشافعي ﵁ نص على القولين في "المختصر"، وصرح باختيار المنع، وبه قال طبقات الأصحاب، ثم يجوز أن يعلّم ذكر الخلاف بالواو للطريقة القاطعة بالمنع، وكذا قوله: "وكان التزاماً للفداء للوجه الذي سبق ذكره.
стр. 1696
وقوله: "لأنه لم يحجر على نفسه ... " إلى آخره إشارة إلى الفرق بينه وبين المرهون.
قال الغزالي: الخَامِسُ: العِلْمُ وَلْيَكُنْ المَبِيْعُ مَعْلُومَ العَيْن، وَالقدْرِ، وَالصِّفَةِ، أَمَّا العَيْنُ فَالجَهْلُ به مُبْطِلٌ، وَنَعْني بِهِ أنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ عَبْداً مِنَ العَبيدِ (ح) أَوْ شَاةً مِنَ القَطِيع بَطُلَ (ح)، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ صاعاً مِنْ هَذِه الصُّبْرةِ وَكَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ صَحَّ وَنَزَلَ عَلَى الإِشَاعَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى اخْتِيَارِ القَفَّالِ لِتَعَذُّرِ الإشَاعَةِ وَوُجُودِ الإِبْهَامِ، وَإبْهَامُ مَمَرِّ الأَرْضِ المَبِيعَةِ كَإِبْهَامِ نَفْسِ المَبِيع، وَبَيْعُ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ دُونَ حَقِّ المَمَرِّ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: الشرط الخامس: كون المبيع معلوماً (١) ليعرف أنه ما الَّذِي ملك بإزاء ما بذل فينفي الغَرَر، ولا شك أنه لا يشترط العلم به من كل وجه، فبين ما يعتبر العلم به وهو ثلاثة أشياء: عَيْن المبيع، وقدره، وصفته.
أما العين: فالقصد به أنه لو قال: "بعت عبداً من العبيد، أو أحد عبدي، أو عبيدي هؤلاء أو شاة من هذا القطيع" فهو باطل، هكذا لو قال: بعتهم إلا واحداً ولم يعين المستثنى، لأن المبيع غير معلوم، ولا فرق بين أن تتقارب قيم العبيد، والشياه أو تتباعد، ولا بين عدد من العبيد وعدد، ولا بين أن يقول على أن تختار أيهم شئت، أولاً يقول، ولا إذا قال: ذلك بين أن يقدر زمان الاختيار أو لا يقدر. وعن أبي حنيفة: أنه إذا قال: بعتك أحد عبدي أو عبيدي الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة أيام أو دونها صح العقد، وأغرب المُتَوَلِّي فحكى عن القديم قولاً مثله، ووجهه بأن الشرع
стр. 1697
أثبت الخيار في هذه المدة بين العوضين ليختار هذا الفسخ أو هذا الإمضاء، فجاز أن يثبت له الخيار بين عبدين، وكما تتقدر نهاية الاختيار بثلاث تتقدر نهاية ما يتخير به من الأعيان بثلاثة، ولا يخفى ضعف هذا التوجيه، ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العَبِيد على ثلاثة، ولم يجعل له الاختيار لو زاده على الثلاث، أو فرض ذلك في الثِّيَاب والدَّواب وغير العبيد من الأعيان وعلى النكاح فإنه لو قال: أنكحتك إحدى ابنتي أو يناتي لا يصح النِّكَاح، ولو لم يكن له إلاَّ عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد، وقال السيد: بعتك عبدي من هؤلاء والمشتري يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب قال في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندي هذا البيع باطل، لأن المبيع غير متعيّن وهو الصحيح، ثم قال في الفصل مسألتان:
إحداهما: في بيع صاع من الصُّبْرَة، والرأي أن يقدم عليهما فصلان:
أحدهما: أن بيع الجزء الشَّائع من كل جملة معلومة (١) من أرض ودار وعبد وصُبْرَة وثمرة وغيرها صحيح، نعم لو باع جزءاً شائعاً من شيء بمثله من ذلك الشيء، كما إذا كان بينهما نصفين فباع هذا نصفه بنصف ذاك فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح البيع، لأنه لا فائدة فيه.
وأصحهما: الصحة لاجتماع الشرائط المرعيَّةِ في العقد، وله فوائد:
منها: لو ملكا أو أحدهما نصيبه بالهِبَة من أبيه انقطع ولأبيه الرجوع. ومنها: لو ملكه الشراء ثم اطَّلَع بعد هذا التَّصرف على عيب لم يملك الرد على بائعه.
ومنها: لو ملَّكْته صداقاً، وطلَّقها الزَّوج قبل الدخول لم يمكن له الرجوع فيه. (٢)
ولو باع الجملة واستثنى منها جزءاً شائعاً فهو صحيح. أيضاً.
مثاله: أن يقول: بِعْتُك ثمرة هذا الحائط إلا ربعها أو قدر الزكاة منها، ولو قال: بعتك ثمرة هذا الحائط بثلاثة آلاف درهم إلاَّ ما يخص ألفاً، فإن أراد ما يخصه إذا وزع عن الثمرة على المبلغ المذكور صح، وكان استثناء للثلث، وإن أراد ما يساوي ألفاً عند التقويم فلا لأنه مجهول.
стр. 1698
الفصل الثاني: لو باع ذراعاً من أرض أو دار أو ثوب ينظر إن كانا يعلمان جملة ذرعانها، كما إذا باع ذراعاً، والجملة عشرة فالبيع صحيح، وكأنه قال: بعت العشر قال الإمام: إلا إن يقين يعني فيفسد كقوله: شاة من القطيع، ولو اختلفا فقال المُشْتري: أردت الإِشَاعَة فالعقد صحيح، وقال البائع: بل أردت معيناً ففيمن يصدق؟ احتمالات (١) وذكر أيضاً تخريج وجه في فساد العقد، وإن لم نعنِ بالذِّرَاع معيناً، وستعرف كيفيته -إن شاء الله تعالى- وإن كانا لا يعلمان أو أحدهما ذُرعان الدار والثوب لم يصح البيع؛ لأن أجزاء الأرض والثوب تتفاوت غالباً في المنفعة والقيمة والإشاعة متعذرة.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يصح. البيع سواء كانت الذّرْعَان معلومة أو مجهولة ذهاباً إلى أنَّ الذِّراع اسم بقعة مخصوصة فيكون البيع مبهماً، ولو وقف على طرف الأرض وقال: بعتك كذا أذراعاً من موقفي هذا في جميع العرض إلى حيث ينتهي في الطول صح البيع في أحد الوجهين.
إذا عرفت الفصلين فنقول: إذا قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبْرَة بكذا فله حالتان:
إحداهما: أن يعلما مبلغ صِيْعَان الصُّبْرَة فالعقد صحيح، ونقل إمام الحرمين في تنزيله خلافاً للأصحاب، منهم من قال: المبيع صاع من الجملة مشاع، أي صاع كان، لأن المقصود لا يختلف، فعلى هذا يبقي المبيع ما بقي صاع، وإذا تلف بعض الصُّبْرَة لم يتقسط على المبيع وغيره.
ومنهم من نزل الأمر على الإِشَاعَة وقال: إذا كانت الصُّبْرَة مائة صاع فالمبيع عشر العشر، وعلى هذا لو تلف بعض الصُّبْرَة تلف بقدره من المَبِيع، هذا ما أورده الجمهور في هذه الحالة ومنهم صاحب الكتاب.
والثانية: أن لا يعلما أو أحدهما مبلغ صِيْعَانها، ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: وهو اختيار القفال: أنه لا يصح؛ لأن المبيع غير معيّن ولا موصوف فأشبه ما لو باع ذِراعاً من أرض أو ثوب وجملة الذّرْعَان مجهولة، أو باع صاعاً من ثمرة النَّخْل.
والثاني: هو للحكاية عن نصه: أنَّهُ صحيح والمبيع صاع منها أي صاع كان حتى لو تلف جميعها سوى صاع واحد تعين العقد فيه، والبائع بالخيار بين أن يسلم من أعلى الصُّبْرَة أو من أسفلها، وإن لم يكن الأسفل مرئياً؛ لأن رؤية ظاهر الصُّبْرَة كرؤية
стр. 1699
كلها (١)، ويفارق صورة الاستشهاد؛ لأن أجزاء الصبرة الواحدة لا تختلف غالباً بخلاف تلك الصورة. قال المعتبرون: والوجه الثاني أظهر في المذهب، ولكن القياس الأول؛ لأنه لو فرق صِيْعَان الصُبرة وقال: بعتك واحداً منها لم يصح، فما الفرق بين أن تكون متفرقة أو مجتمعة، وأيضاً لأنه لو قال: بعتك هذه الصبرة إلاَّ صاعاً منها لا يصح العقد، إلاَّ أن تكون الصَّيْعَان معلومة، ولا فرق بين استثناء المعلوم من المجهول واستثناء المجهول من المعلوم في كون الباقي مجهولاً، وفيما جُمِعَ من فتاوى القفال: أنه كان إذا سُئِلَ عن هذه المسألة يفتي بالوجه الثاني مع ذهابه إلى الأول، ويقول المستفتي يستفتي عن مذهب الشافعي ﵁ لا عما عندي، ثم ذكر الأئمة للخلاف في المسألة مأخذين.
أحدهما: حكوا خلافاً في أن علّة بطلان البيع فيما إذا قال: بعت عبداً من العبيد ماذا؟ فمن قائل: علَّته الغَرَر مع سهولة الاجتناب عنه، ومن قائل: علته أنه لا بد للعقد من مورد يتأثر به كما في النِّكَاح، قالوا: والخلاف الذي نحن فيه مبني عليه، فعلى الثاني لا يصح وعلى الأول يصح، إذ لا غَرَر لتساوي أجزاء الصُّبْرَة والثاني: قال الإمام: هو مبني على الخلاف في تنزيل العقد عند العلم بالصِّيْعَان، إن قلنا: المبيع ثم مشاع في الجملة فالبيع باطل لتعذُّر الإشاعة.
وإن قلنا: المبيع صَاعٌ غير مشاع فهو صحيح هاهنا أيضاً، وهذا البناء لا يسلم عن النزاع لما ذكرنا أن الجمهور نزلوه في صورة العلم على الإشاعة مع جعلهم الأظهر هاهنا الصحة فكأنهم نزلوه على الإشاعة إن أمكن، وإلاَّ قالوا: المبيع صاع أي صاع كان لاستواء الغرض. ثم ادَّعى الإمام أن من لا يرعى الجزئية والإشاعة يحكم ببطلان البيع فيما إذا باع ذراعاً من أرض معلومة الذّرْعَان، وهذا هو الوجه الذي سبقت الإشارة إليه، ولم أر له ذكراً إلاَّ في كتابه.
المسألة الثانية: قوله: وإبهام ممرّ الأرض المبيعة كإِبْهَام نفس المبيع، صورتها أن يبيع أرضاً محفوفة بملكه من جميع الجهات، وشرط أن للمشتري حقّ الممر إليها من جانب ولم يعين، فالبيع باطل؛ لأن الأغراض تتفاوت باختلاف الجوانب، ولا يؤمن إفضاء الأمر إلى المنازعة، فجعلت الجهالة في الحقوق كالجهالة في المعقود عليه.
أما إذا عين الممرّ من جانب فيصح البيع، وكذا لو قال: بعتكها بحقوقها، وثبت
стр. 1700
للمشتري حق الممر من جميع الجوانب، كما كان ثابتاً للبائع قبل البيع، وإن أطلق البيع ولم يتعرض للممر ففي المسألة وجهان:
أظهرهما: أن مطلق البيع يقتضي حق الممر لتوقُّف حق الانْتِفَاع عليه، فعلى هذا البيع صحيح، كما لو قال: بعتكها بحقوقها.
والثاني: أنه لا يقتضيه، لأنه لم يتعرض له، فعلى هذا هو كما لو نفى الممر وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ البيع صحيح لإمكان التَّدرج إلى الانتفاع بتحيصيله ممرّاً.
وأصحهما عند الإمام وغيره: البطلان لتعذر الانتفاع بها في الحال، ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشَّارع، فليس للمشتري طروق ملك البائع، فإنّ العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها، ولو كانت ملاصقة لملك المشتري فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه بل يدخل فيه من ملكه القديم، وأبدى الإمام احتمالاً قال: وهذا إذا أطلق البيع، أما إذا قال: "بحقوقها" فله المرور في ملك البائع، وصاحب الكتاب رجح من وجهي مسألة نفي الممر وجه الصحة، لكن الأكثرين على ترجيح مقابله، وتوسّط في "التهذيب" فقال: إن أمكن اتخاذ ممرٍّ من جانب صح البيع، وإلاّ فلا، ولو بَاعَ داراً، واستثنى لنفسه بيتاً فله الممر، وإن نفى الممر نظر إن أمكن اتخاذ ممر آخر صح، وإن لم يمكن فوجهان، ووجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح". (١)
قال الغزالي: أَمَّا القَدْرُ فَالْجَهْلُ بهِ فيمَا في الذِّمَّةِ ثَمَناً أَوْ مُثَمَّناً مُبْطِلٌ كَقَوْلِهِ: بِعْتُ بِزِنَةِ هَدِهِ الصَّنْجَةِ، وَلَوْ قَالَ: بعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ صَاعٍ بدِرْهَمٍ صَحَّ (ح)، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيْعَانِ، لِأَنَّ تَفْصِيلَ الثَّمَنِ مَعْلُومٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ وَالغَرَرُ يَنْتَفِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيّنًا فَالوَزْنُ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بَلْ يَكْفِي عِيَانُ صُبْرَةِ الحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِم، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ تَمْنَعُ تَخْمِينَ القَدْرِ فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الغَائِبِ لاسْتِوَاءِ الغَرَرِ، وَقَطَعَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالبُطْلاَنِ لِعُسْرِ إِثْبَاتِ الخِيَارِ مَعَ جَرَيَانِ الرُّؤْيَةِ.
قال الرافعي: المبيع قد يكون في الذمة وقد يكون معيناً، والأول: هو السَّلم (٢)، والثاني: وهو المشهور باسم البيع، والثمن فيهما جميعاً قد يكون في الذمة، وإن كان
стр. 1701
يشترط في السَّلم التَّسليم في مجلس العقد، وقد يكون معيناً، فما كان في الذمة من العوضين، فلا بد وأن يكون معلوم القدر حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت (١) حِنطة "أو بزِنَةِ هذه الصّنْجَة ذهباً" لم يصح البيع، وكذا لو قال: "بعت هذا بما باع به فلان فرسهَ أو ثوبه" وهما لا يعلمانه أو أحدهما، لأنه غرر يسهل الاجْتناب عنه.
وحكى وجه أنه يصح لإمكان الاسْتكشاف وإزالة الجهالة، فصار كما إذا قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع منها بدرهم يصح البيع، وإن كانت الجملة مجهولة في الحال نقله في "التَّتمة".
وذكر بعضهم: أنه إذا حصل العلم قبل التَّفرق صح البيع، ولو قال: بعتك بمائة دينار إلاَّ عشرة دراهم لم يصح، إلاَّ أن يعلما قيمة الدينار بالدراهم (٢).
ولو قال: بعتك بألف من الدَّراهم والدنانير لم يصح؛ لأن قدر كل واحد منهما مجهول، وعن أبي حنيفة: أنه يصح.
وإذا باع بدراهم أو دنانير فلا بد من العلم بنوعهما، فإن كان في البلد نقد واحد أو نقود، ولكن الغالب التعامل بواحد منها انصرف العقد إلى المَعْهُود، وإن كان فلوساً (٣) إلاَّ أنْ يعين غيره، وإن كان نقد البلد مَغْشُوشاً فقد ذكرنا وجهين في صحة التعامل به في "كتاب الزكاة" إلاَّ أنا خصصنا الوجهين بما إذا كان مقدار النُّقْرة مجهولاً، وربما نقل العراقيون الوجهين على الإطلاق، ووجهوا المنع بأن المقصود غير مميز عما ليس بمقصود، فأشبه ما لو ثيب اللّبن بالماء وبيع فإنه لا يصح، وكيف ما كان فالأصح الصحة، وإذا فرعنا عليه انْصَرَف العقد عند الإطلاق إليه، وحكى صاحب "التَّتمة" وجهاً ثالثاً في التَّعامل بالدَّراهم المغشوشة وهو: أنه إن كان الغش غالباً لم يجز، وإن كان مغلوباً فيجوز، وادعى أن هذا مذهب أبي حنيفة واختيار القاضي الحسين، ولو باع شيئاً بدراهم مغشوشة ثم بَانَ أن نقرتها يسيرة جدّاً فله الرد، وعن أبي الفَيَّاض تخريج وجهين فيه، وإن كان في البلد نَقْدَان أو نُقُود مختلفة، وليس بعضها أغلب من بعض فالبيع
стр. 1702
باطل حتى يعين، وتقويم المُتْلفات يكون بغالب نقد البلد، فإن كان في البلد نقدان فصاعداً ولا غالب عين القاضي واحداً للتَّقويم.
ولو غلب من جنس العرض نوع، فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان: المحكي عن أبي إسحاق: أنه ينصرف كما ذكرنا في العَقْد ..
قال في "التَّتمة" وهو المذهب: ومن صوره أن يبيع صاعاً من الحِنْطَة بصاع منها، أو بِشَعِيرِ في الذِّمة ثم أحضر قبل التفرق.
وكما ينصرف العقد إلى النَّقد الغالب ينصرف في الصِّفَات إليه أيضاً حتى لو باع بدينار أو بعشرة، والمعهود في البلد الصِّحَاح انصرف العقد إليه، وإن كان المعهود المُكَسرة فكذلك.
قال في "البيان": إلاَّ أن تتفاوت قِيَم المُكَسرة فلا يصح، وعلى هذا القياس لو كان المعهود أن يوجد نصف الثمن من هذا والنّصف من ذاك، أو أن يوجد على نسبة أخرى فالبيع صحيح محمول عليه.
وإن كان يعهد التَّعَامل بهذا مرَّة وبهذا مرة ولم يكن بينهما تفاوت صح البيع، ويسلم ما شاء منهما، وإن كان بينهما تفاوت بطل البيع، كما لو كان في البلد نَقْدَان غالبان وأطلق. ولو قال: بعت بألف صِحَاح ومكسرة فوجهان:
أظهرهما: أنه يبطل، لأنه لم يبّين قدر كلّ واحد منهما.
والثّاني: يصح ويحمل على التَّنصيف، ويشبه أن يكون هذا الوجه جارياً فيما إذا قال بألف ذهباً وفضة (١) ولو قال: بعت بدينار صحيح فجاء بصحيحين وزنهما مثقال فعليه القبول؛ لأن الغرض لا يختلف بذلك، ولو جاء بصحيح وزنه مثقال ونصف قال في "التتمة": عليه قبوله والزيادة أمانة في يده، والحق أنه لا يلزمه القبول لما في الشّركة من الضرر.
وقد ذكر صاحب "البيان" نحواً من هذا، ولكن إن تراضيا عليه جاز، وحينئذ لو أراد أحدهما كسره وامتنع الآخر لم يجبر عليه لما في هذه القسمة من الضرر.
ولو باع نصف دينار صحيح وشرط أن يكون مدوّراً جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشرط فعليه شقّ وزنُه نصف مثقال، فإن سلم إليه صحيحاً أكثر من نصف مثقال وتراضياً على الشّركة فيه جاز.
ولو باعه شيئاً بنصف دينار صحيح ثم باعه شيئاً آخر بنصف دينار صحيح، فإن
стр. 1703
سلّم صحيحاً عنهما فقد زاده خيراً، وإن سلم قطعتين وزن كل واحدة نصف دينار جاز، وإن شرط في العقد الثاني تسليم صحيح عنهما فالعقد الثَّاني فاسد والأَوَّل ماض على الصِّحة، إن جرى الثاني بعد لزومه، وإلاَّ فهو إلحاق شرط فاسد بالعقد في زمان الخِيَار، وسيأتي حكمه.
ولو باع بنقد قد انقطع عن أيدي الناس فهو باطل لعدم القدرة على التَّسليم، وإن كان لا يوجد في تلك البلدة ويوجد في غيرها، فإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً إلى مدة لا يمكن نقله فهو باطل أيضاً، وإن كان مؤجلاً إلى مدة يمكن نقله صح، ثم إن حلّ الأجل وقد أحضره فذاك، وإلاّ فيبنى على أن الاسْتِبْدَال عن الثمن هل يجوز؟ إن قلنا: لا فهو كما لو انقطع المسلم فيه.
وإن قلناة نعم فيستدل ولا يفسخ العقد.
وفيه وجه: أنه يفسخ، وإن كان يوجد في البلد إلا أنه عزيز. فإن قلنا: يجوز الاسْتِبْدَال عن الثَّمن صحَّ العقد، فإن وجد فذاك وإلاَّ تبادلا وإن قلنا: لا لم يصح.
ولو كان القدر الذي جرى به التَّعامل موجوداً ثم انقطع، إن جوزنا الاستبدال تبادلاً، وإلاَّ فهو كانقطاع المسلم فيه.
ولو باع شيئاً بنَقْد معيّن أو مطلقاً، وحملناه على نقد البلد، فأبطل السلطان ذلك النقد لم يكن للبائع إلاّ ذلك النقد، كما لو أسلم في حنطته فرخصت ليس له غيرها.
وفيه وجه آخر: أنه مخير إنْ شَاء، أجاز العقد بذلك النَّقْد، وإن شاء فسخه، كما لو تعيب المبيع قبل القبض، وعن أحمد: أنه يجب تسليم النقد الجديد بالقيمة.
وإذا وقفت على هذه المسائل فاعلم: أن صاحب الكتاب لما ذكر أن العلم بقدر العوض لا بد منه إذا كان في الذمة احتاج إلى بيان مسألة هي كالمستثناة عن هذه القاعدة، وهي أنه لو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم يصح العقد، وإن كانت الصُّبْرَة مجهولة الصِّيْعَان وقدر الثمن مجهولاً، وبه قال مالك وأحمد، وكذا الحكم لو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب، كل ذراع بدرهم أو هذه الأغنام، كل واحدة بدينار.
وقال أبو حنيفة: إذا كانت الجملة مجهولة صح البيع في مسألة الصُّبْرَة، وفي قَفِيزٍ واحد دون الباقي.
وفي مسألة الأرض والثوب لا يصح في شيء، وهذا ما حكاه القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحسين في الصور كلها، وجه الصحة: أنَّ الصُّبْرَةَ مشاهدة، والمشاهدة كافية في الصحة على ما سنذكره، ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيله معلوم، والغَرَرُ
стр. 1704
يرتفع به، فإنه يعلم أقصى ما تنتهي إليه الصُّبْرَة، وقد رغب فيها على شرط مقابلة كل صَاعٍ بدرهم كما كانت.
ولو قال: بعتك عشرة من هؤلاء الأغنام بكذا لم يصح، وإن علم عدد الجملة بخلاف مثله في الصُّبْرَة والأرض والثوب؛ لأن قيمة الشاة تختلف، فلا يدرى كَم العَشْرَة من الجملة؟ كذا ذكره في "التهذيب" وقياس ما قدمناه من عدم الصحة، فيما إذَا باع ذراعاً من ثوب أو من أرض مجهولة الذّرْعَان تعليلاً بأن أجزاء الأرض والثوب تختلف، أو يكون قوله: بعتك كذا ذراعاً من الأرض وهي معلومة الذّرْعَان، كقوله: بعتك كذا عدداً من هذه الأغنام وهي معلومة العدد فليسوِّ بينهما في الصحة أو عدمها.
ولو قال: بعتك من هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم لم يصح؛ لأنه لم يبع جميع الصُّبْرَة، ولا بين المبيع منها، وعن ابن سُرَيجٍ: أنه يصح في صاع واحد، كما لو قال: بعتك قَفِيزاً من الصُّبْرَة بدرهم، ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب والأرض، نظر إن خرج كما ذكر صح البيع، وإن خرج زائداً أو ناقصاً فقولان: قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع، لأنه باع جملة الصُّبْرَة بالعشرة بشرط مقابلة كل صاع منها بدرهم، والجمع بين هذين الأمرين عند الزيادة والنقصان محال.
والثاني: أنه يصح لإشارته إلى الصُّبْرَة ويلغى الوصف، وعلى هذا إن خرج ناقصاً فللمشتري الخيار، فإن أجاز فيجيز بجميع الثمن لمقابلة الصبرة به أو بالقسط لمقابلة صبرة كل صاع بدرهم، فيه وجهان، وإن خرج زائداً فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنها للمشتري، لأن جملة الصُّبْرَة مبيعة منه، فعلى هذا لاَ خِيَار له، وفي البائع وجهان:
أصحهما: أنه لا خيار له أيضاً؛ لأنه رضي ببيع جميعها.
والثاني: أنَّ الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشتري وجهان:
أصحهما: ثبوت الخيار إذا لم يسلم له جميع الصبرة.
هذا ما نذكره الآن في أحد القسمين، وهو أن يكون العِوَض في الذمة، فأما إذا كان معيناً فلا يشترط معرفة قدره بالوزن والكَيْل حتى لو قال: بعتك هذه الدَّراهم أو هذه الصُّبْرَة صح، ويكفي عِيَانُ الدَّرَاهم والصبرة ربطاً للعقد بالمشاهدة، نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جُزافاً (١).
стр. 1705
وعن مالك: إن علم البائع قدر كَيلها لم يصح البيع حتى يبينه، وحكى إمام الحرمين عنه أنه لا بد من معرفة المقدار، فلا يصح بيع الصبرة جزافاً ولا بالدراهم جزافاً، ولو كانت الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض، أو باع السَّمْن ونحوه في طرف مختلف الأجزاء دقة وغلظاً، فقد حكى المصنف في "الوسيط" ثلاث طرق، وقضية إيراد الإمام الاقتصار على الأول والثالث.
أظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: أن في صحة البيع قولي بيع الغائب؛ لأن انخفاض الأرض وارتفاعها وغلظ الطّرف ودقته يمنع تَخْمين القدر، وإذا لم يفد العِبَيان إِحَاطة كان كعدم العِيَان في احتمال الغَرَر.
والثاني: القطع بالبطلان؛ لأنا إذا صححنا بيع الغَائِب أثبتنا فيه الخِيَار عند الرّؤية، والرؤية حاصلة هاهنا فيبعد إثبات الخيار معها، ولا سبيل إلى نفيه لمكان الجَهَالة، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب، والطريقة الثانية ضعيفة، وإن نسبت إلى المحققين؛ لأن الصِّفَة والمقدار مجهولان في بَيْع الغائب، ومع ذلك خرجناه على قولين، فكيف نقطع بالبطلان هاهنا مع معرفة بعض الصِّفَات بالرّؤية؟ فإن قلنا بالصحة فوقت إثبات الخيار هاهنا معرفة مقدار الصُّبْرَة أو التَّمكن من تَخْمِينه برؤية ما تحتها.
والطَّريق الثالث: نقله الإمام عن رواية الشيخ أبي علي في "مهذبه الكبير": القطع بالصحة، ذهاباً إلى أن جهالة المقدار غير جائزة بعد المُشَاهدة، فإن فرعنا على البطلان فلو باع الصُّبْرَة والمشتري يظن أنها على اسْتِوَاء الأرض ثم بَانَ تَحْتَها دكة، هل يَتَبَيْن بطلان العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم وبه قال الشَّيخ أبو محمد لأنا تبيَّنا بالآخرة أن العِيَان لم يفد علماً.
وأظهرهما: لا، ولكن للمشتري الخيار تنزيلاً لما ظهر منزلة الغيب والتَّدْليس، -هذا ما أورده صاحب "الشَّامل" وغيره- ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة إلاَّ صاعاً، فإن كانت معلومة الصِّيْعَان صح، وإِلاَّ فلا وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يصح، وإن كانت مجهولة الصِّيْعَان، واحتجوا للمذهب بما روي "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن الثّنيا في الْبَيْعِ" (١).
ثم اختلفوا في وجه الاحتجاج، فذكر المَاوْردي في "الحاوي": أن المراد من الخبر: الصورة التي نحن فيها.
стр. 1706
وقال قائلون: الخبر ينفي احتمال الاستثناء مطلقاً، فإن ترك العمل به في موضع وجب ألاّ يترك هاهنا -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا الصِّفَةُ فَفِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَتِهَا بِالعِيَانِ قَوْلاَنِ، اخْتَارَ المُزَنِيُّ الاشْتِرَاطَ وَأَبْطَلَ بَيْعَ (ح م) مَا لَمْ يَرَهُ وَشِرَاءَهُ وَلَعَلَّهُ أَصَحُّ القَوْلَيْنِ، وَفي الهِبَةِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَعَلَى القَوْلَيْنِ يُخَرَّجُ شِرَاءُ الأَعْمَى؛ لأنَّهُ يُقَدَّرُ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالرُّؤْيَةِ وَالفسْخِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَيصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى اعْتِمَاداً عَلَى الوَصْفِ، وَكَذَلِكَ الأكْمَةَ إلاَّ عَلَى رَأْي المُزَنِيِّ فَإنَّهُ أَوَّلَ كَلاَمُ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَلَى غيْرِ الأكْمَهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: في بيع الأعيان الغائبة والحاضرة التي لم تر قولان، قال في القديم وفي "الإملاء" والصَّرْف من الجديد: إنه صحيح، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد لما روي أنه ﷺ قال: "مَنِ اشْتَرَى شيئاً لَمْ يَرَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهُ" (١) ومعلوم أن الخِيَار إنما يثبت في العقود الصحيحة؛ ولأنه عقد مُعَاوضة فلم يكن من شرطه رؤية المعقود عليه كالنِّكاح.
وقال في "الأم" والبُويطِيّ: لا يصح، وهو اختيار المزني، ووجهه أنه بيع غَرَر، وقد "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ" (٢).
ولأنه بَيْعٌ مجهول الصِّفة عند العاقد حال العقد فلم يصح بيعه، كما لو أسلم في شيء ولم يصفه، واشتهر القول الأول بالقديم والثاني بالجديد، واختلفوا في محلّهما على طريقين:
أصحهما: عند ابن الصِّبَّاغ وصاحب "التتمة" وغيرهما: أن القولين مُطَّردان في المبيع الذي لم يره المتبايعان كلاهما، وفيما لم يكره أحدهما.
والثاني: أن القولين فيما إذا شاهده البائع دون المشتري، أما إذا لم يشاهده البائع فالبيع باطل قولاً واحداً؛ لأن الاجتناب عن هذا الغَرَر سهل على البائع، فإنه المالك والمتصرّف في المبيع، ومنهم من جعل البيع أوْلى بالصِّحة؛ لأن البائع معرض عن الملك والمشتري محصل له فهو أجدر بالاحْتِياط، وهذا يوجب خروج طريقة ثالثة وهي: القطع بالصحة إذا رآه المشتري، وتخصيص الخلاف فيما إذا لم يكره، وفي
стр. 1707
"البيان" إشارة إلى هذه الطريقة الثالثة، والقولان في شراء الغائب وبيعه يجريان في إجارته، وفيما إذا أجّر بعين غائبة أو صالح عليها، أو جعلها رأس مال السَّلم في مجلس العقد، ولو أصدقها عيناً غائبة أو خالعها عليها أو عفا عن القِصَاص على عَيْنٍ غائبة صحَّ النِّكَاح، وحصلت البَيْنُونَة وسقط القصاص، وفي صحة المسمى القولان، فإن لم يصح وجب مهر المِثْل على الرجل في النكاح وعلى المرأة في الخُلْع، ووجبت الدِّيَة على المعفو عنه، ويجريان أيضاً في هبة الغائب ورهنه، وهما أولى بالصّحة؛ لأنهما ليسا من عقود المُغَابَنَات، بل الرَّاهن والواهب مَغْبُونَان لا محالة، والمُرْتَهن والمُتَّهب مرتفقان لا محالة، ولهذا قيل: إنا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه.
الثانية: إذا لم نجوز شراء الغَائب وبيعه لم يجز بيع الأعمى وشراؤه، وإن جوّزناه فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز أيضاً، والفرق أنا إذا جوزنا شراء الغائب ثبت فيه خيار الرّؤية، وهاهنا لا سبيل إلى إثبات خيار الرؤية إذ لا رؤية، فيكون كبيع الغائب على شَرْط أن لا خيار.
والثَّاني: أنه يجوز، ويقام وصف غيره له مقام رؤيته، كما تقام الإِشَارة مقام النُّطْق في حق الأَخْرَس وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وقد يعبر عما ذكرنا بأن يقال في بيعه وشرائه طريقان:
أحدهما: أنه على قولي شراء الغائب.
والثاني: القطع بالمنع، وبنى يَانُون هذين الطريقين على أنه هل يجوز للبصير إذا صححنا منه شراء الغائب أن يوكل غيره بالرؤية وبالفسخ، أو الإِجَازة على ما يستصوبه؟ وفيه وجهان.
أظهرهما: أنه يجوز كالتوكيل في خيار العَيْب وخيار الحَلف.
والثَّاني: لا يجوز؛ لأن هذا الخيار مربوط بإرادة من له الخيار، ولا تعلُّق له بعرض ولا وصف ظاهر، فأشبه ما لو أسلم الكافر على عشر نسوة ليس له أن يوكّل بالاختيار، فإن صححنا التّوكيل خرج بيعه وشراؤه على قولي شراء الغائب، وإلاَّ قطعنا بالفساد؛ لأنه لو صح لتمكن منه جَهَالة لا نزول، ولما أفضى الأمر إلى قرار، وإذا قلنا: لا يصح بيع الأعمى وشراؤه، فلا يصح منه الإجَارة والرّهن والهِبَة أيضاً، وهل له أن يكاتب عبده؟ قال في التهذيب: لا.
وقال في التتمة: المذهب أن له ذلك تغليباً للعتق، ويجوز له أن يؤجِّر نفسه وللعبد الأعمى أن يشتري نفسه وأن يقبل الكتابة على نفسه؛ لأنه لا يجهل نفسه ويجوز
стр. 1708
له أن ينكح وأن يزوج موليته تفريعاً على أن العَمَى غير قَادِح في الوِلاية، والصداق عين مال لم يثبت المسمّى، وكذلك لو خالع الأعمى على مال، وأما إذا أسلم في شيء أو باع سَلماً إليه فينظر إن عمي بعد ما بلغ سن التَّمييز، فهو صحيح، لأن السلم يعتمد الأوصاف، وهو -والحالة هذه- مميز بين الألوان ويعرف الأوصاف، ثم يوكل من يقبض عنه على الوصف المشروط، وهل يصح قبضه بنفسه؟ فيه وجهان:
أصَحُّهما: لا، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره، وإن كان أَكْمَه أو عَمِيَ قبل ما بلغ سن التَّمييز فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح سلمه، لأنه لا يعرف الألوان ولا يميز بينها، وبهذا قال المُزَنِيّ، ويحكى عن ابن سريج وابن خَيْرَان وابن أبي هريرة أيضاً، واختاره صاحب "التهذيب". وأصحهما عند العراقيين وغيرهم ويحكى عن أبي إسحاق المروزي، وبه أجاب في الكتاب: أنه يصح؛ لأنه يعرف الصفات والألوان بالسَّماع، ويتخيل فرقاً بينهما، فعلى هذا إنما يصح إذا كان رأس المال موصوفاً غير معين في المجلس.
أما إذا كان معيناً فهو كبيع العَيْن الغائبة. وكل ما لا نصححه من الأعمى من التصرفات فسبيله أن يوكل عنه، ويحتمل ذلك للضرروة (١) -والله أعلم-.
ولترجع إلى ما يتعلّق بلفظ الكتاب من الفوائد.
قوله: "الصفة ... " إلى قوله: "فأبطل بيع ما لم ير وشراءه"، جواب على طريقة طَرْد القولين في البيع والشراء وهو الأشهر.
قوله: "ولعله أصح القولين" إنما فرض القول فيه، لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح وأفتوا به، وقد تابعهم صاحب "التهذيب" والروياني عليه.
وعن الخُضَرِيّ: أنه كان لا يجزم بالفساد إذا سئل عن بيع الغائب، بل يقول: إن لم يصح الخبر فالقياس فساده.
وقوله: "على القولين": يخرج شراء الأعمى مصيراً إلى طرد القولين في شراء الأعمى، وليكن معلّماً بالواو للطريقة القاطعة بالمنع، وإليها ذهب الأكثرون وقوله: "إنه يقدر على التَّوْكيل" إشارة إلى ما سبق من مضي الطَّرِيقين، وجعله الصِّحَّة أصح الوجهين غير منازع فيه، لكن ذهاب الأكثرين إلى القطع بالمنع يُشَوِّشُ ذلك البناء، لأن قياس ترجيح وجه الصِّحة يرجح طريقة القولين.
стр. 1709
وقوله: "فإنه أول كلام الشَّافعي ﵁ على غير الأَكْمَه" أراد به أن الشَّافعي ﵁ أطلق القول في جواز سلم الأعمى، فقال المُزنِيُّ في "مختصر سننه": أن يكون أراد الشافعي ﵁ لمعرفتي بلفظ الأعمى الذي عرف الألوان قبل أن يعمى، وأَمَّا من خُلِقَ أعمى فإنه لا معرفة له بالأَلْوَان وحكم بفساد سلمه.
قال الغزالي: التَّفْرِيعُ: إِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيةَ فَالرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالمقَارَنَةِ (و) فِيمَا لاَ يَتَغَيَّرُ غَالِباً، وَلَيْسَ اسْتِقْصَاء الوَصْفِ كَالرُّؤْيَةِ عَلَى الأظْهَرِ، وَرُؤْيَة بَعْضِ المَبِيعِ كَافِيَةٌ إِنْ دَلَّ عَلَى البَاقِي لِكَوْنهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ كَانَ صُوَاناً لَهُ خِلْقَةٌ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالبَيْضِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر القولين في شراء الغائِب والصّور المُلْحقة به أراد أن يفرع عليها، فعد في هذا الفصل فروعاً على قولنا باشتراط الرُّؤْية، وفي الفصل الذي يليه فروعاً على القول المقابل له. فأما فروع هذا الفصل الذي ذكرها فهي ثلاثة:
أحدها: لو اشترى غائباً رآه قبل العقد نظر إن كان ممَّا لا يتغير غالباً كالأَرَاضي والأَوَاني والحَدِيد والنَّحَاس، ونحوها، أو كان لا يتغير في المدة المتخلّلة بين الرّؤية والشِّراء صح العقد لحصول العلم الذي هو المقصود (١).
стр. 1710
وقال الأَنْمَاطِيُّ: لا يصح، لأن ما كان شرطاً في العقد ينبغي أن يوجد عنده كالقدرة على التسليم في البيع والشهادة في النكاح، والمذهب الأول. واحتج الإِصْطَخْرِي على الذَّاب عن الأَنْمَاطِي في المسألة، فقال: أرأيت لو كان في يده خاتم فأراه غيره حتى نظر إلى جميعه ثم غطاه بكفه ثم باعه منه هل يصح؟
قال: لا، قال: أرأيت لو دخل داراً، ونظر إلى جميع بيوتها، وعلا إليها ثم خرج منها واشتراها هل يصح؟ قال: لا، قال: أرأيت لو دخل أرضاً ونظر إلى جميعها، ثم وقف في ناحية منها واشتراها، هل يصح؟ فتوقف فيه، ولو ارتكبه لكان مانعاً بيع الأراضي والضِّيَاع التي لا تشاهد دفعة واحدة فإنه خلاف الإجماع.
ثم إذا صَحَّحنا الشراء، فإن وجده كما رآه أوَّلاً فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فقد حكى المصنف: فيه وجهين في "الوسيط".
أحدهما: أنه يَتبيَّن بطلان العَقْد لتبين انتفاء المعرفة.
وأصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه لا يتبين ذلك لبناء العقد في الأصل على ظَنّ غالب ولكن له الخيار.
قال الإمام: وليس المعنى بتغيره تعيبه، فإن خيار العيب لا يختص بهذه الصورة، ولكن الرؤية بمثابة الشَّرط في الصِّفات الكائنة عند الرؤية، وكل ما فات منها فهو بمثابة ما لو تبيَّن الخلف في الشرط.
وإن كان المبيع ممَّا يتغير في مثل تلك المدّة غالباً، كما إذا رأى ما يتسارع إليه الفساد من الأطعمة، ثم اشتراه بعد مدة صالحة فالبيع باطل، وإن مضت مدة يحتمل أن يتغير فيها ويحتمل ألاّ يتغير أو كان المبيع حيواناً ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يصح البيع لما فيه من الغَرَر، ويحكى هذا عن المزني. وعن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: الصحة، لأن الظَّاهر بقاؤه بحاله، فإن وجده متغيراً فله الخيار، وإذا اختلفا فقال البائع: هو بحاله، وقال المشتري: بل تغير، فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير واستمرار العَقْد.
وأظهرهما: وهو المحكى عن نصه في "الصرف": أن القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن البائع يدعى عليه الاطِّلاع على المبيع على هذه الصفة، والرِّضَا به وهو ينكره، فأشبه ما إذا ادَّعَى عليه الاطِّلاعَ على العَيْب وأنكر المشتري.
والثَّاني: اسْتِقْصَاء الأَوْصاف على الحد المعتبر في السَّلم، هل يقوم مقام الرُّؤْية؟ وكذا سماع وصفه بطريق التَّوَاتر فيه وجهان:
стр. 1711
أحدهما: نعم، لأن ثمرة الرُّؤْية المعرفة وهما يفيدانها، فعلى هذا يصح البيع على القولين ولا خيار.
وأصحهما: لا، لأن الرؤية تطلع على أمور تضيق عنها العبارة.
ثم الصائرون إلى هذا الوجه ومنهم أصحابنا العراقيون اختلفوا في أن استقصاء الوصف هل يشترط على قولنا بصحة بيع الغائب على ما ستعرفه -إن شاء الله تعالى-.
الثالث: إذا رأى بعض الشَّيء دون بعض، نظر إن كان ممّا يستدل برؤية بعضه على الباقي صح البيع كما إذا رأى ظاهر الصُّبْرَة من الحِنْطَة والشَّعِير؛ لأن الغالب أن أجزاءها لا تختلف، وتعرف جملتها برؤية ظاهرها، ثم لا خيار له إذا رأى باطنه، إلاَّ إذا خالف باطنه ظاهره.
وفي "التَّتمة": أن أبا سهل الصُّعْلُوكِي حكى قولاً عن الشافعي ﵁ لا تكفي رؤية ظاهر الصُّبْرَة بل لا بد من تقليبها ليعرف حال باطنها أيضاً، وهكذا حكاه أبو الحسن العبادي عن الصُّعْلُوكي نفسه.
وقال: إنما ألجأه إليه ضرورة نظر المبيع، والمذهب المشهور هو الأول.
وفي معنى الحِنْطَة والشَّعِير، صُبْرة الجوز واللّوز والدَّقيق؛ لأن الظاهر استواء ظاهرها وباطنها، ولو كان شيء منها في وِعَاء فرأى أعلاه، أو رأى أعلا السَّمْن والخَلِّ وسائر المائعات في ظروفها كفى، ولو كانت الحنْطَة في بيت وهو مَمْلُوء منها، فرأى بعضها من الكُوَّة أو الباب كفى إن عرف سعة البيت وعمقه، وإلاَّ فلا.
وكذا حكم الجمد في المُجَمَّدة، ولا يكفي رؤية صُبْرَة البَطِّيخِ والرُّمَّان والسَّفَرجَل؛ لأنها تباع في العَادَة عَدداً وتختلف اختلافاً بَيّنا فلا بد من رؤية واحد واحد، وكذا لا يكفي في شراء السّلة من العِنَب والخوخِ ونحوهما رؤية الأعلى لكثرة الاختلاف فيها، بخلاف صُبْرَة الحُبُوب والتَّمر إن لم تَلْتَزِق حباته، فَصُبْرَته كصُبْرَة الجُوز واللّوز، وإن التزقت كالقوْصَرَّة (١) فيكفي رؤية أعلاها على الصحيح.
وعن الصَّيْمَرِيّ حكاية خلاف في القُطْن في العِدْل: أنه هل يكفي رؤية أعلاه أم لا بد من رؤية جميعه؟
قال: والأشبه عندي أنه كَقَوْصَرَّةِ التَّمْرِ.
стр. 1712
ولو رأى أنموذجاً وبنى أمر البَيْع عليه نظر إن قال: بعتك من هذا النوع كذا فهو باطل؛ لأنه لم يعيّن مالاً ولا راعي شرط السَّلم، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السَّلم على الصَّحيح؛ لأن الوصف اللفظ يمكن الرجوع إليه عند الإِشْكَال.
ولو قال: بعتك الحِنْطَة الَّتي في هذا البيت، وهذا الأنموذج منها، نظر إن لم يدخل الأنمُوذَج في البيع ففيه وجهان:
أحدهما: صحة البيع، تنزيلاً له منزلة اسْتِقْصَاء الوصف.
وأصحهما: المنع؛ لأن المبيع غير مرئي، ولا يشبه استقصاء الوصف لما ذكرنا في السَّلم، وإن أدخله في البيع فعن القَفَّال وغيره: القَطْع بالصِّحّة كَمَا لَوْ رأى بعض الصُّبْرَة.
وعن بعض الأئمة القطع بالمنع قال إمام الحرمين: والقياس ما قاله القَفَّال، ولا يخفى أن مسألة الأنموذج إنما تفرض في المُتَمَاثِلاَت (١).
وإن كان ذلك الشَّيء مما لا يستدلُّ برؤية بعضه على البَاقي، نظر إن كان المرئي صُوَاناً للباقي كقشر الرُّمَّان والبَيْض كفى رؤيته، وإن كان معظم المقصود مستوراً؛ لأن صلاحه في إبقائه فيه.
وكذا لو اشترى الجُوز واللّوز في القِشْرة السُّفلى، ولا يصح بيع اللّبِّ وحده فيها، لا على القول الذي يفرع عليه ولا على القول الآخر؛ لأن تسليمه لا يمكن إلا بكسر القشر، وفيه تغيير عين المبيع.
ولو رأى المبيع من وراء قَارُورَةٍ هو فيها لم يكف؛ لأن المعرفة التَّامَّة لا تحصل به، ولا يتعلّق صلاح بكونه فيها، بخلاف السَّمك يراه في الماء الصَّافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صاف، لأن الماء من صلاحها ولا يمنع معرفتها، وإن لم يكن كذلك لم تكف رؤية البعض على هذا القول وأَمَّا على القول الآخر ففيه كلام موضعه الفَصْل الذي يلي هذا الفصل.
واعلم أن الرؤية كل شيء على حسب ما يليق به، ففي شراء الدّار لا بد من رؤية البيوت والسُّقُوف والسُّطُوح والجُدْرَان داخلاً وخارجاً، ومن رؤية المُسْتَحم والبَالُوعة، وفي البُسْتَان من رؤية الأشجار والجُدْرَان ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البُنْيَان وغيره من الأشجار ونحوه.
стр. 1713
وفي "الجُرْجَانِيَّات" لأبي العباس الرُّويَانِيّ ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرَّحى وفي شراء العبد لا بد من رؤية الوَجْه والأَطْراف، ولا يجوز رؤية العَوْرَة، وفي باقي البدن وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه لا بد من رؤيته، وفي الجارية وجوه:
أحدما: يُعْتبر رؤية ما يُرى من العَبْد.
والثانى: رؤية ما يبدو عند المِهْنة.
والثالث: يكفي رؤية الوَجْه والكَعْبَيْن، وفي رؤية الشعر وَجْهَان في "التهذيب":
أصحهما: اشتراطها، ولا يشترط رؤية الأَسْنَان واللِّسَان في أصح الوجهين.
وفي الدَّواب لا بد من رؤية مَقْدمها ومُؤَخّرها وقَوَائِمها، ويجب رفع السَّرْجِ والإكَافِ والجُلِّ وعن بعض الأصحاب: أنه لا بد من أن يجري الفَرَسْ بين يديه ليعرف سَيْرَه. والثوب المطوي لا بد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أن نصحح بيع الثياب التي لا تُنْشَر بالكليّة إلا عند القطع لما في نشر ها من التَّنْقيص (١)، وتلحق بالجُوز واللّوز لا يعتبر كَسْرُها لرؤية اللُّبُوب مع أنها معظم المقصود، ثم إذا نشرت فما كان صفيقاً كالدِّيْبَاج المقش فلا بد من رؤية كلا وجهيه، وفي معناه البُسُطُ والزَّلاَلِيُّ (٢)، وما كان رقيقاً لا يختلف وجهاه كالكِرْبَاس يكفي رؤية أحد وجهيه في أصح الوجهين. ولا يصح بيع الثياب التَّوَّزِيَّة (٣) في المُسُوح على هذا القول.
قال الإمام: وَعُمُوم عرف الزمان محمول على المُحَافظة على المالية والأعراض عن رعاية حدود الشرع. وفي شرى المصحف والكتب لا بد من تَقْليب الأوراق ورؤية جميعها، وفي البياض لا بد من رؤية جميع الطَّاقات.
وذكر أبو الحسن العبادي: أن القُفَّاع يفتح رأسه، وينظر فيه بقدر الإمكان حتى يصح بيعه، وصاحب الكتاب أطلق المُسامَحَة في "الإحياء" فيما أظن (٤) -والله أعلم-.
стр. 1714
قال الغزالي: وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطِ الرُّؤْيَةُ فَبَيْع اللَّبَنِ في الضِّرْعِ بَاطِلٌ (م) لِتَوَقُّعِ اخْتِلاَطِهِ بِغَيْرِ المَبِيعِ وَعُسْرِ التَّسْلِيمِ، وَلَوِ اشْتَرَى ثَوْباً نِصْفُهُ في صُنْدُوقِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ باطلٌ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ سَبَبُ اللُّزُومِ وَعَدَمُهَا سَبَبُ الجَوَازِ فَيَتَنَاقَضَانِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ لاَ يَتَبَعَّضُ، وَلَوْ قالَ: بِعْتُ مَا فِي كُمِّي لَمْ يَصِحَّ (و) مَا لَمْ يَذْكُرِ الجِنْسَ، وَمَهْمَا رَأى المَبِيعَ فَلَهُ الخِيَارُ، وَلَهُ الفَسْخُ قَبْلَ الرُّؤيَةِ دُونَ الإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ حَقِيقَةِ المَعْرِفَةِ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ.
قال الرافعي: أمهات مسائل الفصل أربع:
إحداها: بيع اللَّبَن في الضَّرع باطل، وعن مالك ﵁: أنه إذا عرف قدر حِلاَبها في كل دفعة صح وإن باعه أيَّاماً.
لنا ما روي عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ "نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوْفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ" (١).
ولأنه مجهول القدر لتفاوت حسن الضُّرُوع، ولأنه يزداد شيئاً فشيئاً لا سيما إذا أخذ في الحلب وما يحدث ليس من المبيع، فلا يتأتى التَّمييز والتَّسْليم، ولو قال: بعتك من اللَّبن الذي في ضَرْع هذه البقرة كذا لم يجز أيضاً على الصحيح؛ لأن وجود القدر المذكور في الضَّرع لا يستيقن.
وفيه وجه: أنه يجوز كما لو باع قدراً من اللَّبن في الظَّرْف فيجي فيه قولاً بيع الغائب. ولو حَلَبَ شَيْئاً من اللَّبن فأراه ثم باعه رطلاً في الضَّرع، فقد نقلوا فيه وجهين كما في مسألة الأنْمُوذَج.
قال الإمام: وهذا لا يَنْقَدِح إذا كان المبيعِ قدراً لا يتأتى حَلْبه إلاَّ ويتزايد اللبن فإن المانع قائم، والحالة هذه فلا ينفع إِبْدَاء الأُنْمُوذج، نعم لو كان المبيع يَسِيراً وابتدر إلى الحلب فلا يفرض، والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة فيحتمل التَّجْوِيز، لكن إذا صورنا الأمر هكذا، فلا حاجة إلى إبداء الأُنمُوذج في التَّخريج على الخلاف بل صار صائرون إلى إلحاقه ببيع الغائب، وآخرون خَتَمُوا الباب وألحقوا القليل بالكثير، وصاحب الكتاب في "الوسيط" حكى الخلاف في سورة أخرى تناسب هذه، وهي أن يقبض على قدر من الضَّرع ويحكم سنده ويبيع ما فيه.
وقوله في الكتاب: "وإن لم نشترط الرؤية فبيع اللبن في الضرع باطل لا يخفى أن هذا ليس تفريعاً على هذا القول خاصة، بل هو على قول اشْتراط الرّؤية أولى بأن يبطل،
стр. 1715
وإنما ذكره عند التفريع على هذا القول ليعرف أنه وإن صحَّ شراء ما لم ير، لم يصح بيع اللَّبن في الضَّرْع لمعنى الاخْتِلاَط.
ونختم المسألة بصور تشبهها:
إحداها: لا يجوز بيع الصُّوف على ظهر الغنم لما مر من الخبر، ولأن مطلق اللفظ يتناول جميع ما على ظاهر الجلد، ولا يمكن استيعابه إلا بإيْلاَم الحيوان، وإن شرط الجَزّ فالعادة في المِقْدار المَجْزُوز تختلف، وبيع المجهول لا يجوز.
وعن مالك ﵁: أنه يجوز لشرط الجَزّ.
وحكاه القاضي ابن كَجٍّ وجهاً لبعض الأصحاب، ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذَّكَاة، إذ ليس في اسْتِيفَاء جميعه إِيْلاَم.
وتجوز الوَصِيَّة باللَّبن في الضرع، وبالصُّوف على ظهر الغنم بخلاف البيع.
الثانية: بيع الشَّاة المَذْبُوحَة قبل السَّلْخ باطل، سواء بِيع اللَّحم وحده أوالجِلْد وحده، أو بِيعا معاً، لأن المقصود اللحم وهو مجهول، ولا يجوز بيع الأَكارع والرّوس قبل الإبَانَة، وفي الأَكَارع وجه مذكور في "التَّتمة"، ويجوز بيعها بعد الإِبَانَة نيئةً وَمَشْوِيَّة، ولا اعتبار بما عليها من الجِلْدِ فإنها مأكولة، وكذا المَسْمُوط يجوز بيعه نَيّاً ومَشْويّاً، وفي النَّيِّ احتمال عند الإمام.
الثالثة: بيع الِمسْكِ في الفَأْرة باطل، سواء بيع معها أو دونها كاللحم في الجلد، ولا فرق بين أن يكون رَأْسُ الفأرة مفتوحاً أو لا يكون للجهل بالمقصود، وفصّل في "التتمة" إذا كانت مفتوحة فقال: إن لم تتفاوت ثَخَانَتُها، وشاهد الِمسْك فيه صح البيع، وإلاّ فلا. وعن ابن سريج: أنه يجوز بيعه مع الفَأْرَةِ تشبيهاً لها بالجُوز واللّوز.
ولو رأى المِسْك خارج الفأرة ثم اشتراه بعد الرَّد إليها صَحّ، فإن كان رَأْسُهَا مفتوحًا فرأى أعلاه فيجوز، وإِلاَّ فعلى قولي بيع الغائب (١).
стр. 1716
المسألة الثَّانية: لو رأى بعض الثّوب المبيع، وبعضه الآخر في صندوق أو جراب لم يكره. فقد حكى المزني عن نصه أن البيع باطل، ورأى كونه مقطوعاً به واحتج به لاختياره بطلان بيع الغائب، وقال: إذا بطل بيع ما لم ير بعضه، فلأن يبطل بيع ما لم ير كله كان أَوْلَى.
وللأصحاب في المَسْأَلَةِ طريقان: فقال قائلون منهم أبو إسحاق: المسألة على قولين، كَما لو لم يَرَ شَيْئاً منه، وحيث أجاب الشافعي ﵁ بالبطلان، أجاب على أحد القولين في بيع الغائب، والاقتضاء على أحد القولين في بعض الصور لا يستبدع، ألا ترى أنه اقتصر على قول التصحيح في كثير من المواضع؟
وسلم آخرون منهم صاحب "الإفصاح" أبو علي ما قرره المُزَنِيُّ من الجَزْمِ بالبطلان، وفرقوا بوجهين:
أحدهما: أنَّ ما نظر إلى بعضه بسهل النَّظَر إلى باقيه بخلاف الغَائِب فقد يعسر إحضاره وتدعو الحاجة إلى بيعه.
والثَّاني: أَنَّ الرؤية فيما يراه سبب اللُّزُوم وعدمها فيما لم ير سبب الجواز والعقد واحد، لا يتصور إثبات الجواز واللزوم فيه مَعَاً ولا يمكن تبعيض المعقود عليه في الحكمين. قال جمهور الأئمة: والصحيح الطريقة الأولى والفرقان فاسدان، أما الأول فلأنا على قول تجويز بيع الغَائِب نجوِّز بيع ما في الكم مع سهولة إخراجه، وأما الثَّاني فلأن وجود سبب الرَّدِّ في البعضَ يكفي في رَدِّ الكل كما إذا وجد ببعض المبيع عيباً.
وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن ما اقتصر على ذكره في الكتاب تفريعاً على هذا القول غير ما هو الصحيح عند الجمهور.
هذا أكله فيما إذا كان المبيع شيئاً واحداً، أما إذا كان المَبِيعُ شيئين، ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغَائب، لم يصحَّ المبيع فيما لم يره، وفيما رآه قولاً تفريق الصَّفقة، فإن صححنا شراء الغائب ففي صحّة العقد فيهما قولان؛ لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفي الحكم، لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يكره وإِمْسَاك ما رآه.
المسألة الثالثة: إذا لم نشترط الرُّؤية فلا بد من ذكر جِنْسِ المبيع بأن يقول: بعتك عبدي أو فرسي ولا يكفي قوله: بعتك ما في كُمِّي أو كَفِّي أَو خزَانَتِي أو ما ورثته من أبي إذا لم يعرفه المشتري هذا ظاهر المذهب.
وحكى الإمام وجهاً: أنه يصح وإن لم يذكر الجنس؛ لأن المَرْعى على القول الذي عليه يفرع أن يكون المبيع معيناً، والجَهَالَة لا تزول بذكر الجِنْس فلا معنى لاشتراطه، فعلى هذا لا يشترط ذكر النوع بطريق الأولى.
стр. 1717
وعلى قولنا: إنه يشترط ذكر الجنس، فالظاهر أنه لا بد من ذكر النوع أيضاً، بأن يقول: عبدي التُّركي، أو فرسي العَرَبِيّ.
وأوهم الإمام خلافاً فيه، فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك واشترطه العراقيون، وربما أشعر قوله في الكتاب: "ما لم يذكر الجنس" بالاكْتِفاء بذكر الجنس والاسْتِغْنَاء عن ذكر النوع أيضاً، وإذا جرينا على الظاهر، فلو كان له عبدان من النوع المذكور فلا بد من أن يزيد ما يقع به التمييز من التعرض للسِّن أو غيرها، وإن لم يكن إلا واحد فوجهان:
أصحهما وبه قال أبو حنيفة، ويحكى عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يكفي ذكر الجنس والنوع، ولا يجب التعرض للصفات، لأن الخيار ثابت والاستدراك حاصل به، فلا حاجة إلى الوصف.
والثاني: وبه قال مالك: أنه لا بد من التعرض إلى الصفات، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما وبه قال أبو علي الطَّبَرِيّ: أنه يشترط ذكر صفات السّلم، لأنه مبيع غير مشاهد فاعتبر فيه التعرض للصفات كالمسلم فيه، وهذا مذهب أحمد.
وأقربهما وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يكفي التَّعرض لمعظم الصِّفات، وضبط ذلك بما يوصف المُدّعي به عند القاضي.
المسألة الرابعة إذا قلنا: لا بد من الوصف فوصف، نظر إنْ وجده على ما وصفه ففي ثبوت الخيار وجهان:
أحدهما: لا يثبت، وبه قال أحمد بسلامة المَعْقُود عليه بصفاته، ويحكى هذا عن القاضي الحُسَيْن.
وأصحهما وبه قطع قاطعون: أنه يثبت لما سبق من الخير.
وإن وجده دونما وصفه فله الخيار لا محالة، وإن قلنا: لا حاجة إلى الوضف فللمشتري الخيار عند الرؤية سواء شرطه أو لم يشرطه وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحُسَيْنِ حكى عن بعض أصحابنا: أنه لا بد من اشْتِرَاط خيار الرُّؤْية حتى يثبت، وهل له الخيار قبل الرؤية؟ أما الإِجَازة فظاهر المذهب أنها لا تنفذ؛ لأن الإجازة رضاً بالعقد وإلزام له، وذلك يستدعي العلم بالمعقود عليه وأنه جاهل بحاله، ولو كفى قوله: أجزت مع الجهل لأغنى قوله في الابتداء: اشتريت.
وحكى في "التتمة" وجهاً: أنه ينفذ تخريجاً من تصحيح الشَّرط، إذا اشترى بشرط أن لا خيار وأما الفسخ، فإن نفذنا الإِجازة فالفسخ أولى، وإن لم ننفذ الإجارة، ففي الفسخ وجهان:
стр. 1718
أحدهما: أنه لا ينفذ أيضاً؛ لأن الخيار في الخبر منوط بالرؤية.
وأصحهما: أنه ينفذ؛ لأن حتى الفسخ ثابت له عند الرؤية مغْبُوطاً كان أو مَغْبُوناً، فلا معنى لاشتراط الرؤية في نفوذه، وإذا كان البائع قد رأى المَبيع، فهل يثبت له الخِيَار كما يثبت للمشتري؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كخِيَار المَجْلس يشتركان فيه.
وأصحهما: لا، وهو نصه في الصَّرف، ولأنه أحد المُتَبَايعين، فلا يثبت له الخيار مع تقدم الرؤية كالمشتري.
ولو باع ما لم يكره وصححنا العقد، فهل يثبت الخيار له؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند المَرَاوِزَة وبه قال أبو حنيفة: لا، لأن جانب البائع بعيد عن الخِيَار بخلاف جانب المُشْتَري، ولهذا لو باع شيئاً على أنه معيب، فَبَانَ صحيحاً لا خيار له، ولو اشتراه عَلَى أنه صحيح فَبَانَ معيبًا له الخِيَار.
والثاني: يثبت، لأنه جاهل بالمَعْقُود عليه فأشبه المشتري، وهذا هو الذي أورده الشَّيْخ أَبُو حامد ومن تابعه، قالوا: والخيار كما يثبت للمشتري عند النُّقْصَان يثبت للبائع عند الزيادة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع ثَوْباً على أنه عشرة أَذْرع فَبَانَ أَحَد عشر ذراعاً يثبت للبائع الخيار؟ ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية، فيه وجهان:
أحدهما وبه قال ابن أبي هريرة: أنه على الفور، لأنه خيار تعلّق بالاطِّلاع على حال المبيع فأشبه الرد بالعيب.
والثاني: وبه قال أَبُو إِسْحَاق: أنه يمتد امتداد مَجْلِسِ الرُّؤية؛ لأنه خِيَار ثبت قضية للعقد، فتعلّق بالمجلس كخِيَار المجلس.
قال صاحب "التهذيب": وهذا أصح، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على مسألة أخرى، وهي أنه هل يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يثبت كما يثبت في شراء الأعيان الحاضرة.
والثاني: لا يثبت الاستغناء بخيار الرؤية عنه، فعلى الأول خيار الرؤية على الفور، وإلا لأثبتنا خيار مجلسين، وعلى الثاني يمتد امتداد مجلس الرؤية. وزاد الإمام ترتيباً فقال: إن أثبتنا خيار المجلس، فهذا الخيار على الفور، وإلا فوجهان. وقوله في الكتاب: "لأفيه وجه آخر" أراد الوجه الصائر إلى نفوذ الإجازة على ما أوضحه في "الوسيط" لا الوجه الصائر إلى نفوذ الفسخ، وإن كان اللفظ يحتملها فرعان:
أحدهما: لو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، ففي انفساخ البيع وجهان
стр. 1719
كنظيره في خيار الشرط، ولو باعه قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باع في زمن خيار الشرط يجوز على الأصح، لأنه يصير مجيزاً للعقد، وهاهنا لاَ إِجازة قبل الرُّؤية لما سبق.
الثاني: نقل القَاضِي الرُّويَانِي وصاحب "التَّتمة" وجهاً: أنه يعتبر على قول اشْتِرَاط الرُّؤية الذَّوق في الخَلّ ونحوه، والشَّم في المِسْك ونحوه، واللَّمس في الثياب ونحوها، فإن كيفياتها المقصودة بهذه الطرق تعرف، والمشهور أنها لا تعتبر، وإنما هي ضرب انتفاع واستعمال.
فرع ثالث: ذكر بعضهم: أنه لا بد من ذكر موضع المبيع، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، ولا يجوز شرط تسليمه في بلد التبايع، بخلاف السلم فإنه مضمون في الذِّمّة، والعَيْن الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها يكون بَيْعاً وشَرْطاً.
فرع رابع: قال حجة الإسلام في "الوسيط": ووقع في الفتاوى: أنه رأى رجل ثوبين ثم سرق أحدهما فاشترى الرجل الثوب الباقي وهو لا يدري المسروق أيهما، فقلت: إن تساوت صفة الثوبين وقدرهما وقيمتهما كنصفي كِرْبَاس واحد صح العقد، فإنه اشترى مُعَيناً مرئياً مَعْلوماً، وإن اختلفا في شَيْء من ذلك، خرج على قولي بيع الغائب، لأنه ليس يدري أن المشتري منهما الطويل أو القصير مثلاً، فلم تفد الرؤية السَّابقة العلم بحال المَبِيْع عند العَقْد فلا تغنى، وهذا الذي ذكره يتأيد بأحد الرأيين فيما إذا لم يملك إلا عبداً واحداً فحضر في نفر من العبيد، فقال سَيِّده: بعتك عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم وهو لا يعرف عين ذلك العبد.
فرع خامس: إذا لم نَشْتَرط الرُّؤية واختلفا، فقال البائع للمشتري: قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع، لأنه اختلاف في سبب الخيار، فأشبه ما لو اختلفا في قدم العيب.
وأظهرهما: عند أبي الحسن العبادي: أن القول قول المشتري، كما لو اختلفا في اطلاعه على العيب. هذا إذا لم نشترط الرؤية، فإن شرطناها وفرض هذا الاختلاف، فقد ذكر المصنف في فتاويه: أن القول قول البائع؛ لأن للمشتري أهْلِيّة الشراء وقد أقدم عليه، فكان ذلك اعترافاً منه بصحة العقد، ولا ينفك هذا عن الخلاف -والله أعلم-. (١)
стр. 1720
الْبَابُ الثَّانِي في الفَسَادِ بِجِهَةِ الرِّبَا
" القول في باب الربا " قال الغزالي: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقَ بِالوَرِقِ وَالبُرَّ بالبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَالشَّعِيرَ بالشَّعيرِ وَالمِلْحَ بِالمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَداً بِيَدٍ (١)، فَمَنْ بَاعَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ المَطْعُومَاتِ بِجِنْسِهِ فَلْيَرْعَ المُمَاثَلَةَ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ وَالحُلُولِ أعْنِي ضِدَّ النَّسِيئَةِ وَالتَّقَابُضِ (ح) فِي المَجْلِسِ فَإنْ بَاعَ بِغَيْرِ جنْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ إِلاَّ رِعَايَةُ المُمَاثَلَةِ فِي القَدْرِ، وَفِي مَعْنَى المَطْعُومَاتِ كُلُّ مَا يَظْهَرُ فِيهِ قَصْدُ الطَّعْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراً حَتَّى السَّفَرجَلُ (و) وَالزَّعْفَرَانُ (م) وَالطِّيْنُ الأَزمَنِيٌّ (م)؛ لأَنَّ عِلَّةَ رِبَا الفَضْلِ فِيهِ الطُّعْمُ (م ح) ولكنْ فِي المُتَجَانِسَيْن، وعِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّسَإ وَوُجُوبِ التَّقَابُضِ الطَّعْمُ (م ح) فَقَطْ، وَإذَا بِيعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومِ فهُو في مَحَلِّ الحُكْم بتَحْرِيمِ النسَإِ ووَجُوبِ التَّقَابُضِ، وِعِلَّةُ الرِّبَا في النَّقْدَينِ كَوْنُهُمَا جَوْهَريُّ الأَثْمَانِ (ح) فَتَجْرِي في الحُليِّ وَالَأوَانِي المُتَّخَذَةِ مِنْهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ سَلَمُ شَيْءٍ في غَيْرِهِ إِذَا كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ في عِلَّةِ النَّقْدِيَّةِ أَوْ في الطُّعْمِ.
قال الرافعي: لما كان الطَّرف الأول من الكتاب معقوداً في صحَّة البيع وفساده، وقد تكلم في الباب الأول في الأركان وشروطها، وجب النَّظر في أسباب الفَسَاد، وتارة يكون لاختلال في الأركان أو في بعض شروطها، وإذا عرفت اعتبارها عرفت أن فقدها مفسد، وتارة يكون لغيره من الأسباب، فجعل بقية أبواب الطَّرف في بيانها، فمنها الرِّبا (٢).