المشهد الثاني: شعار العمرة .. لبيك لبيك، لا تنس ملازمة الطاعة والعبادة:
أيها الإخوة، إنك إذا ذهبت إلى العمرة، فلابد أن يكون لك برنامج تقوم به، تفاجأ بأن كثيرًا من الناس يضيع وقته في لا شيء، لا يدري أين يذهب، ولا يدري ماذا يصنع، ويبحث عن الشيخ فلان والشيخ فلان فيقول: رأيت الشيخ فلانًا هنا، وتجد من يذهب يتجول في شوارع مكة، ويهتم بالشراء والتليفونات وشراء الملابس والهدايا.
لماذا جئت؟!!، هذا السؤال لا بد أن يحكم تصرفاتنا، لماذا جئت؟.
لا بد من برنامج: ستطوف كم مرة في اليوم؟، ولا تقل لي: كيف أكثر من الطواف مع هذا الزحام؟، بل طف وأكثر من الطواف.
واعلم أن الزحام رحمة، كان علي بن أبي طالب ﵁ يجلس في الحرم، فرأى رجلًا يطوفُ وهو يحمل أُمَّه على رأسه؛ فأسرع وقام وطاف خلفه، ثم بعد أن قضى طوافه قال: والله ما كانت لي رغبةٌ في الطواف غير أني لما رأيت هذا يطوف وهو يحمل أُمه؛ ظننت أن سينزل الله عليه رحمة؛ فأردت أن يصيبني شيءٌ منها.
لذلك أقول لك: قد يكون من بين هؤلاء الطائفين رجلٌ مرحوم فتنزل عليه وعليك رحمة، أنت لا تدري من الذي سيرحم في كل هؤلاء، ولا تدري من هو المخلص في كل هؤلاء الناس، لا تدري من في هؤلاء الناس ينظر الله إليه برحمة، فلا تخف من الزحام.
يوم في حياة معتمر:
رَتِّب لك برنامجًا، ولو أردنا أن نضع برنامجًا يوميًّا ثابتًا فسيكون لأصحاب
стр. 282
الهمة العالية الراغبين في الفردوس الأعلى من الجنة، الذين يريدون أن يرجعوا من العمرة وقد رضي عنهم ربهم؛ فأقترح عليك:
١ - أن تطوف في اليوم أربع مرات.
٢ - تقرأ كل يوم عشرة أجزاء لتختم كل ثلاثة أيام.
٣ - تصلي مائة ركعة في اليوم.
٤ - استغفر ألف مرة.
ولا أقصد ألف مرة تحديدًا وإنما للتكثير، لا أقصد تحديد العمل وإنما أقصد كثرة العمل، لو عشت حياتك الإيمانية هكذا في مكة أثناء العمرة تكون قد وصلت للهدف من العمرة، وإياك والمشاغل الفارغة هناك.
* وأريدك وأنت تصلي في الحرم أن ترى الكعبة أمامك، دعك من أولئك الذي يصلون على السطوح بحجة أن صحن الطواف مزدحم وفيه نساء، أريد أن تظل الكعبة أمام عينيك طول الوقت؛ لكي تؤثر فيك، وتلهب مشاعرك، وتوقظك، وتفيقك، اقترب منها، فقد تنزل عليها رحمة فتنال منها نصيبًا، والقرب من الكعبة أيضًا يجعلك في وقار واحترام .. يجعلك في هيبة واحتشام على الداوم.
* وأنبهكم إلى أن النبي ﷺ قال: "وصلاة في مسجد الكعبة بمائة ألف صلى فيما سواه" (١)، الصلاة في المسجد بمائة ألف صلاة، وخارج باب الحرم بواحدة.
المقصود: اجعل لك برنامجًا ولا تترك نفسك على هواها، والتزم ونافس
стр. 283
غيرك، وتابع وحاسب كل ليلة، في هذا البرنامج تنوي أن تطوف أربع مرات في اليوم، هذا على الأقل، قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت أُسبوعًا لا يلغو فيه غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، قف أمام الحجر الأسود وارفع يدك لتشير إليه، وانو بقلبك الطواف، واجعل في نيتك أنك ستطوف ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك.
وتجد من يأتي ليسأل: لو لمست امرأة في الطواف ينتقض وضوئي أم لا؟، إذا أحسست أنك مسستها توضأ، ولكن الأصل أنك تطوف بكل جوارحك فلا تشعر بأي شيء يحدث حولك.
طف حول الكعبة .. حول بيت ربك وعينك على الكعبة، وتخيل كيف كان سيدنا إبراهيم يبني وإسماعيل يساعده .. وكيف كان المشهد عندما كان النبي ﷺ يضع الحجر الأسود .. تتذكر عبد الله بن مسعود عندما ضرب وهو يقرأ سورة الرحمن .. تطوف بالكعبة وتذكر سيدنا موسى وهو يطوف حولها.
تتذكر النبي محمَّد ﷺ -وهو مضطجع في ظل الكعبة وخباب بن الأرتّ يقول له: يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟، ألا تستنصر لنا؟.
تلك هي الحياة وهذا هو الإيمان، تلك هي الطاعات، هذا هو الطعم واللذة الحقيقية.
نحتاج أن نطوف في ذروة الحر ولا نبالي ولو مرة واحدة، وفي ظلمة الليل ولا نبالي بالنوم .. وفي شدة الزحام وتشعر أنك تطوف وحدك .. عيشوا هذه الحياة أيها الإخوة .. عيشوا هذه المعاني، دعوكم من هذه الحياة الكدرة التي نعيشها هنا .. لنتخلص منها قليلًا، ولنعش معاني الإيمان بقلوبنا.
стр. 284
الركعة هناك بمائة ألف كما أخبر النبي ﷺ ، والله يقول: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال النبي ﷺ لربيعة بن كعب الأسلمي: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (١)، وقال لثوبان: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" (٢).
صل ألف ركعة .. صل ألفي ركعة .. صل عشرة آلاف، وهناك يستحب عدم إطالة الصلاة بل تُكْثِرُ الركعات، فليس من الفقه أن تمسك المصحف وتظل طوال الليل في ركعتين، بل زد عدد الركعات.
ومن عجيب أن ترى من يجلس والإمام في الصلاة، الإِمام يصلي القيام وهو يجلس يتكلم في الدنيا، قم يا بني صَلِّ، يقول لك: الرسول ﷺ لم يزد في رمضان ولا غيره على أحد عشرة ركعة، ويظل يناقش ويخرج بغير فائدة.
دعك منه.
أكثِرْ الصلاة، صلِّ صلاة الضحى من بعد الشروق حتى قبل الظهر بثلث ساعة، صل خمسين أو ستين ركعة من الظهر إلى العصر، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، صل ركعات كثيرة .. الركعة بمائة ألف، ولا تدري ماذا سيقبل؟، ربما تقبل سجدة فترحم بها، صَلِّ وزِد في الصلاة واستشعر معانيها.
المشهد الثالث: أنت هنا في بيته، فاطلب وأنت قريب:
ومن العجيب أنك تجد في الطواف مجموعة من الناس يمشون خلف واحد منهم يمسك كتابًا ويقرأ أدعية الطواف: دعاء الشوط الأول، وهم يرددون
стр. 285
خلفه بغير أي فهم لما يقول: هل هو يقرأ أم يدعو؟، هل هم يرددون فقط أم يدعون ويطلبون من الله ﷻ ؟ .. دعك من هذا الكلام الرسمي.
أريدك أن تدعو من قلبك .. قل ما في قلبك .. اطلب من الله ما تريده .. اُشكُ لربك .. قل:
يا رب، أنا متعب .. أنا ضعيف .. ومفتون.
يا رب .. هذه المعاصي التي ارتكبتها لا أدري كيف تجرأت على فعلها! ..
يا رب، خذ بيدي .. يا رب تب عليَّ ..
يا رب اصرف عني السوء والفحشاء والمعاصي .. يا رب نجني .. يا رب لو تركتني سأضيع ..
يا رب ليس لي غيرك، قل ما في نفسك وادع الله بما في قلبك ودعك من التكلف، واستشعر عظمة الطواف، واستشعر وأنت تطوف وعينك على الكعبة أنك تكلم الله من جوار بيته .. يا رب .. جئتُ إليكَ في بيتك فهل ستطردني؟!
يا رب، إن كل مزور يكرم زائره، وقد جئتُ إليك، فهل تتركني أرجع بذنوبي كما جئت بها؟!، يا رب، أنت أكرم .. أنت أعظم .. أنت أحلم ..
يا رب، اغفر لي .. لن أرجع مرة أخرى إلى داري محملًا بالذنوب، وإلا فالموت هنا أفضل لي .. يا رب، اقبض روحي أمتني، لكن لن أرجع كما جئت .. يا رب، جئت إليك وأنت الطبيب تعالجني ..
هكذا كلِّم ربك، ناجه واطلب منه .. اشك إليه ..
ابدأ دعاءك بحمد الله ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ سمع
стр. 286
رجلًا يدعو في صلاته فلم يحمد الله ولم يصلِّ على نبيِّه فقال: "لقد عَجَّل هذا" (١)، قبل أن تطلب أي شيء من الله ابدأ بالحمد والثناء عليه سبحانه، واشكره على نعمه، ثم صل على النبي محمَّد ﷺ ثلاثًا، ثم بعد ذلك اطلب.
النبي ﷺ علمنا في دعاء القنوت أن نقول: "اللَّهم اهدني فيمن هديت" (٢)، فهو الذي هدى سحرة فرعون يملك أن يهدينا ..
سبحان الملك!!، فلانة الممثلة وفلان المطرب؛ الله هداهم، فتقول: يا رب، اهدني فيمن هديت، يا رب، كما هديت هؤلاء اهدني، وكما تبت عليهم تب علي، وكما أصلحتهم أصلحني .. تضرع إلى الله واخفض صوتك وابك له.
اقترب من الكعبة وقف تحت الباب في الملتزم وتعلق، وتكلم من تحت عتبة الباب، باب الكعبة، بث همك لربك، أدخل رأسك في الحجر الأسود وقبله وابك، ثم صل ركعتين في حجر إسماعيل كأنك داخل الكعبة، وارتكن على الكعبة وقل: يا رب، أسلمت ظهري إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك.
هكذا عش حياتك الإيمانية؛ طواف وصلاة، وقراءة قرآن وذكر ودعاء، هناك في عمرة رمضان أعمال فذة تمثل طفرات في الإيمان، انفردت وحدك، تركت زوجتك وأولادك وأهلك وجئت هنا في الحرم فلابد أن تنظم وقتك، لا سيما مع عدم وجود المشاكل عندك الآن.
وهنا يبدو للبعض أن يسأل: أيهما أفضل: حج المرء مع صحبة أو
стр. 287
الاعتمار مع صحبة، أم وحدك؟، لا شك أن الصحبة معينة، والمنافسة نافعة، والمتابعة مشجعة، ولكن الانفراد هو الأولى؛ فلذلك يمكنك أن تجمع بين الأمرين، أن تجلس معهم ساعة الإفطار، أن تراهم في صلاة الجماعة، وفي غير ذلك انفرد بنفسك بعيدا عنهم، اجلس بين أناس لا يرفك فيهم أحد، اجلس وحدك، وابدأ في عمل بل أعمال لم تعملها قبل ذلك في عمرك، كما فعل عثمان بن عفان ﵁، ختم القرآن في ركعة واحدة أوتر بها في الحِجْر.
المشهد الرابع: طفرات إيمانية:
لا بد من طفرات إيمانية، وفرصتك هناك في العمرة أفضل لكي تخرج من بئر الحرمان، وتجربة الحسرات، ومن وهدة الغفلة، ومن وادي المعاصي، لا بد من طفرات إيمانية ترفعك عاليًا لتخرج من هذه الغفلات المتتالية.
أولًا: ختم القرآن في ركعة:
في هذه الأوقات والأماكن اختم القرآن في ليلة كما فعل عثمان، قد تقول لي: وهل هذا ممكن؟!، هل يمكن ختم القرآن في ليلة؟!، أقول: نعم، وهذا هو فعل عثمان.
استعن بالله وسوف يوفقك الله لذلك، اقرأ بعد الفجر، وبعد الظهر وبعد العصر، وبعد المغرب، وبعد العشاء ستختم ختمة وأنت مستريح بتؤدة .. قم بعملها مرة، إنك محتاح إلى طفرة كهذه .. طفرة كبيرة في أعمال الإيمان؛ لتتلخص من رق الذنوب التي تعيش فيها.
ثانيًا: طواف وصلاة:
أيضًا من الطفرات المطلوبة أن تطوف سبعة أشواط ثم تصلي ركعتين؛ ثم
стр. 288
تطوف سبعة أخرى وركعتين، ثم سبعة أخرى وركعتين، هكذا طوال الليل من بعد العشاء حتى الفجر، تبقى في الطواف فقط، صحيح ستؤلمك قدماك، وستتألم من ظهرك وقد تصاب بالصداع؛ ولكنها مرة لله .
ثالثًا: قيام الليل مئة ركعة:
ومن الطفرات المطلوبة أيضًا أن تصلي من العشاء إلى الفجر ركعتين ركعتين، وتعبر حاجز المائة ركعة لتسجل عند الملك في السابقين الفائزين؛ لأنك ذكرت الله فذكرك.
رابعًا: قلة النوم:
ومن الطفرات الإيمانية أيضًا أن تقلل ساعات نومك ما استطعت .. رحم الله مشايخنا، كنا قديمًا نعيش الثلاثين يومًا من رمضان في الكعبة على التمر وماء زمزم فقط.
طعام خفيف لا تحتاج معه إلى حمام ولا تصاب بمغص في البطن، ولا تشعر بكثرة النوم، بل تجد خفة ورقة، ودائمًا أقول: لو لم يكن في كثرة الأكل آفة إلا كثرة دخول الحمام لكفى.
خامسًا: طفرة حياتية:
نريد طفرة حقيقية في حياتك عمومًا، جرب أن تقلع عن الشاي شهرا، تترك أكل اللحوم شهرًا، لن يحدث لك شيء لن تموت، لا بد من طفرة في حياتك الإيمانية، أصنع أشياء لم تعملها من قبل، صلِّ صلاة النبي ﷺ في الليل؛ صل في الركعة الأولى بالبقرة وآل عمران والنساء، واجعل ركوعك مثل ذلك وسجودك مثل ذلك، ثم تصلي الركعة الثانية بالمائدة والأنعام، فتقضي الليل في ركعتين عملًا بسنة النبي ﷺ كما ثبت في حديث حذيفة في الصحيحين.
افعلها ولو لمرة واحدة في حياتك.
стр. 289
المشهد الخامس: الأنس بالله:
قال رسول الله ﷺ : "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (١)، ليست مجرد حجة، بل حجة مع النبي ﷺ ، تستشعر وأنت تقوم بأداء العمرة في رمضان أنك مع النبي محمَّد ﷺ ، حين تشعر أنك تحج مع النبي ﷺ تشعر بالأنس، وكثيرًا ما قلت: قال العلماء: إن في معاني الإيمان معالم على الطريق، من لم يرها فإنه لم يسر قط، لم يسلك الطريق.
أول معلم منها: الأنس بالله، من لم يشعر بالأنس فهذا لم يسرِ في الطريق؛ فإن أول معلم في الطريق الأنس بالله، هذا المعلم إذا أحسست به اطمأننت أنك تسير في الطريق، نسأل الله أن يرزقنا الأنس به، وعلامة الأنس به الاستيحاش من الخلق، فلا تأتنس بالناس، فتحب الخلوة، والانفراد عن الناس؛ لتأنس بالله، وخصوصًا وأنت في بيته عنده سبحانه، جئت إليه فارًّا من الناس، مهاجرًا إليه، طالبًا للجوء الإيماني كي يؤويك، استشعر المعنى ثم اطلبه بإلحاح تجده.
المشهد السادس: تعظيم أمر رمضان:
رمضان شهر عظيم كريم، وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب أجره ورحمته وبركته للناس قبل أن يدخله" (٢)، الله كتب رحمته للناس في رمضان قبل دخول رمضان، وكتب إثمه وشقاءه وحرمانه قبل أن يدخله، يكتب الله من هو المرحوم ومن هو المحروم، فمن تعظيم أمر رمضان أن تتحرى مواطن الرحمة، فإذا ذهبت عند الكعبة اجتمع لك شرف
стр. 290
المكان وشرف الزعان ومضاعفة الأعمال، فليس الصيام فقط يتضاعف، بل هناك قيام وذكر وتلاوة قرآن وطواف وإطعام طعام، وأعمال بر وتقى لا تعد ولا تحصى، وشرب ماء زمزم، وسعي بين الصفا والمروة وتقبيل الحجر، وصلاة في الحجر.
ومس الركن لليماني، والوقوف في الملتزم، والصلاة خلف المقام، والصلاة في حجر إسماعيل، كل هذه أعمال لا تتيسر إلا هناك؛ فلذلك نعتمر في هذا الشهر التماسًا لبركة تلك الأعمال مجتمعة هناك، فأشعر قلبك أنك أتيت إلى هنا وتفعل كل هذه الأفعال طلبًا لتعظيم هذا الشهر العظيم لأن الله عظمه.
مسألة المكث في مكة أفضل من المكث في المدينة:
تجد بعض الناس يقول: سوف أنتهي من العمرة ثم أذهب إلى المدينة؛ لأن مكة مزدحمة، وأنا أشعر بارتياح قلبي في المدينة أكثر.
وهذه مسألة الترجيح فيها بالهوى، مسألة تقليد الناس واتباع أقوال العامة أن المدينة أكثر راحة عن مكة، وهذا مفهوم خاطئ، ومن تلبيس إبليس.
لا نريد أن ننساق وراء كلام الناس، لا بد لن يكون كلامنا منضبطًا بالشرع: في مكة توجد الكعبة بيت الله، وفي المدينة يوجد مسجد رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي أن نخلط بين ما لله من حق، وما لرسوله ﷺ من حق، الرسول ﷺ دعا للمدينة فقال: "اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" (١)، وقال ﷺ : "اللَّهم إن إبراهيم حرَّمَ مكة وأنا أحرِّمُ المدينة" (٢)، فالدعاء أن تكون
стр. 291
المدينة مثل مكة، والمقارنة بين مكة والمدينة واضحة، الصلاة في مكة بمائة ألف، وفي المدينة بألف، فأيهما يكون أربح؟
إنك تجد في كتاب الله الثناء كل الثناء على مسجد الكعبة، فأين ما يقابله في مسجد الرسول ﷺ ؟!، ولست بهذا أهوِّن من أمر مسجد رسول الله ﷺ عياذًا بالله؛ وإنما نضع الأشياء في موضعها الصحيح، نعطي كل شيء حجمه اللائق به، وهذا من العدل الذي أمرنا الله به، ومن الفقه الذي نريد دلالة الأمة عليه حتى لا يفوتها عظيمُ الأجر، أليس النبي ﷺ قال في مكة: "واللهِ لأنتِ أحبُّ بلادِ اللهِ إلى الله، وأحبُّ بلادِ اللهِ إليَّ" (١)، والمسجد الحرام هو أول مسجد وضع على ظهر الأرض، وليس بقعة في الأرض يشترط لدخولها الإحرام والتجرد من الملابس إلا مكة.
إن مكة هي مكة، والمدينة هي المدينة، فحدِّد هدفك من عمرتك ولا تختر ما يوافق هواك، بل اختر ما هو خيرٌ لك في آخرتك، إننا نحب مسجد رسول الله ﷺ ليس من أجل النبي ﷺ فحسب بل نحبه لله ابتداء، هذه الأمور لا بد أن تنضبط انضباطًا صحيحًا لا غلو فيه ولا جفاء.
فاعتكافك في مكة يختلف عن اعتكافك في المدينة، صلاتك في مكة تختلف عن صلاتك في المدينة، لا تظن أني بذلك أنهاك عن الذهاب إلى المدينة، كلا .. بل يستحب زيارة مسجد الرسول ﷺ فاحرص على ذلك .. أسأل الله ﷻ أن يتابع لنا بين الحج والعمرة، وأن يرزقنا العمرة في رمضان دائمًا ولا يحرمنا منها، وأن يرزقنا الإخلاص فيها.
стр. 292
الفصل الحادي عشر
نسائم الأسحار
اقعد على جانب وادي السحر؛ فلعل إبل القوم تمر بك .. منهم تعلمتِ الحمام النَّوْح والإبلُ الحنينا .. وآسفَ المتقاعدِ عنهم، واحسرةَ البعيدِ منهم.
стр. 293
نسائم الأسحار
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥ - ١٨٦].
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
في وسط سياق الآيات التي تتحدث عن الصوم، نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة، نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم، والجزاء المعجل على الاستجابة لله، نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله، وفي استجابته للدعاء، تصوره ألفاظ شفافة تكاد تنير: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
فإني قريب .. أجيب دعوة الداع إذا دعان .. آية رقة؟!، وأي انعطاف؟!، وأية شفافية؟!، وأي إيناس.
وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود، وظل هذا القرب؟!! وظل هذا الإيناس.
وفي كل لفظ في الآية كلِّها تلك النداوة الحبيبة: إضافة العباد إليه سبحانه، والرد المباشر عليه منهم سبحانه، لم يقل لهم: فقل لهم إني قريب، إنما
стр. 294
تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال .. قريب .. ولم يقل: أسمع الدعاء .. إنما عجل بإجابة الدعاء: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ..
إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جنابٍ رَضَىٍّ وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة السريعة من الله يوجه الله تعالى عباده للاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح، فالثمرة الأخيرة من الاستجابة هي لهم كذلك، وهي الرشد والهدى والصلاح، فالله غني عن العالمين.
والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد المطلوب للحياة السعيدة التي ترضي الله، واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له وهم يرشدون، وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه، فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم، فسبحان من أطمع المطيع والعاصي، والداني والقاصي في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني بقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ..
تدل هذه الآية على تعظيم حال الدعاء من وجوه:
الأول: كأنه يقول: عبدي .. أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.
الثاني: أن قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ يدل على أن العبد له، وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ يدل على أن الرب للعبد.
والثالث: لم يقل: فالعبد مني قريب؛ بل قال: أنا منه قريب ..
стр. 295
وانظر إلى كرم الجواد الذي إذا لم يُسأل يغضب، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، وقال رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (١).
فالدعاء تذلل وخضوع، وإخبات وانطراح على سُدَّةِ الكريم، قال رسول الله ﷺ : "إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفرًا خائبتين" (٢).
وإن لم يكن رمضان وقت الدعاء المستجاب، ففي أي شهر يكون الدعاء؟، وهو وقت الشفاة الذابلة والطاعة الكاملة، والبطون الضامرة، وقت نزول الملائكة، وقت فتح أبواب الرحمة وأبواب السماء.
ولكن أبواب السماء تحتاج إلى مفاتيح تنفتح بها؛ فإن الله ﷻ بحكمته ورحمته جعل لكل شيءٍ سببًا، وأمرنا بالأخذ بالأسباب لنصل إلى مراده من غير أن نتعلق بها؛ فهو سبحانه غنيٌّ عن الأسباب، ولكنها من سنن الله الربانية أن تكون البداية من العبد في إظهار الافتقار والحاجة والله يتمم له ويعطيه أكثر من مراده.
ولذلك جمع العلماء للدعاء آدابًا وأسبابًا يُرجى لمن التزمها أن يحوز دعاؤه القبول، أحب قبل أن ندعو وقبل أن أذكر لك طرفًا من عيون دعاء الصالحين؛ أن أسردها لك ابتداءً.
стр. 296
آداب الدعاء:
(١) أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
(٢) أن يغتنم الأحوال الشريفة:
وإليك بعض الأوقات والأحوال التي يستجاب فيها الدعاء:
* وقت التنزل الإلهي:
قال ﷺ : "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه وذلك في كل ليلة" (١).
* في السجود:
قال رسول الله ﷺ : "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (٢).
* أن يبيت على ذكر فيتعار من الليل فيدعو:
قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرًا فيتعار من الليل فيسأل الله تعالى خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله له" (٣).
* عند الأذان:
قال رسول الله ﷺ : "إذا نودي بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء" (٤).
стр. 297
* بين الأذان والإقامة:
قال رسول الله ﷺ : "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" (١).
* عند نزول المطر، وعند التقاء الجيوش، وعند إقامة الصلاة:
قال رسول الله ﷺ : "اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" (٢).
* آخر ساعة من نهار الجمعة:
قال رسول الله ﷺ : "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر" (٣).
* دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب:
دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك الموكل به: آمين، ذلك بمثل.
قال رسول الله ﷺ : "دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يرد" (٤).
* دعوة المسافر، والمظلوم، والوالد لولده، ودعوة الصائم:
قال رسول الله ﷺ : "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر" (٥).
стр. 298
* عدم العجلة:
قال رسول الله ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي" (١).
* دعاء رمضان:
فهو وقت صيام وزمان شريف، وهناك علاقة وطيدة بين فتح أبواب السماء وأبواب الرحمة وإجابة الدعاء، وهي حاصلة في رمضان، وقال رسول الله ﷺ : "لله في كل يوم وليلة عتقاء، لكل عبد منهم دعوة مستجابة" (٢).
(٣) أن يدعو مستقبل القبلة، ويرفع يديه إلى السماء.
(٤) خفض الصوت بين المخافتة والجهر، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قالت عائشة ﵂: أي بدعائك، وقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصم ولا غائب" (٣).
(٥) أن لا يتكلف السجع في الدعاء، ادع بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
(٦) التضرع والخشوع والرغبة والرهبة.
(٧) أن يجزم بالدعاء، ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه: قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه، فإن الله أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٧].
стр. 299
(٨) أن يلح في الدعاء، ويعظم المسألة، ويكرر الدعاء ثلاثًا: قال ابن مسعود: كان رسول الله ﷺ إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، وقال ﷺ : "إذا تمنى أحدكم فليكثر؛ فإنما يسأل ربه" (١).
قال المناوي: إذا تمنى أحدكم خيرا من خير الدارين فليكثر الأماني فإنما يسأل ربه الذي رباه وأنعم عليه وأحسن إليه، فيعظم الرغبة ويوسع المسألة، ويسأله الكثير والقليل حتى شسع النعل، فإنه إن لم ييسره لا يتيسر، فينبغي للسائل إكثار المسألة ولا يختصر ولا يقتصر فإن خزائن الجود سحاء الليل والنهار، ولا يفنيها عطاء، وإن جل وعظم فعطاؤه بين الكاف والنون، وليس ذا بمناقض لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، فإن ذلك نهي عن تمني ما لأخيه بغيا وحسدا، وهذا تمني على الله سبحانه خيرا في دينه ودنياه وطلب من خزائنه اهـ.
(٩) أن يفتتح الدعاء بذكر الله والثناء عليه، وأن يختمه بالصلاة على رسول الله ﷺ ، قال رسول الله: "كل دعاء محجوب حتى يصلي على النبي ﷺ " (٢).
قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.
(١٠) وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة، التوبة ورد
стр. 300
المظالم والإقبال على الله بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإجابة.
قال مالك بن دينار: إنكم تستبطئون المطر، وأنا أستبطئ الحجارة، أي نزول الحجارة.
وقال ابن المبارك: قدمت المدينة في عام شديد القحط، فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم، إذا أقبل غلام أسود، فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي .. أخلقت الوجوه عندك كثرةُ الذنوب ومساوئُ الأعمال، وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة .. يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة، فلم يزل يقول: الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل فقال لي: مالي أراك كئيبًا؟، قال: أمرٌ سَبَقَنَا إليه غيرنا فتولاه دوننا، وقصصت عليه القصة فخرَّ الفضيل مغشيا عليه.
إخوتاه ..
الدعاء والمناجاة والتضرع والافتقار بالأسحار؛ عبادة لها لذة، وفي رمضان لها طعم آخر، لها في رمضان مذاق خاص، والسعيد السعيد من قام في السحر يناجي ربه ويتملقه؛ ليستنشق نسيم الأنس بالله، فوالله ثم تالله لو شممت نسيم الأسحار لاستفاق منك قلبك المخمور.
وفي هذا الفصل بالبكاء علي النفس، والرجاء لفضل الله، والخوف من النيران وطلب الجنان، نتعرض لأمثلة عطرة من مناجاة وأدعية السلف الأكابر، لنتعلم كيف نتملق ربنا ونستفتح لديه بالدعاء، ولم نتعرض لأدعية القرآن الكريم والسنة؛ فهي بفضل الله معروفة لديكم ومشهورة.
стр. 301
إخوتاه ..
قال يحيى بن معاذ الواعظ: طوبى لعبد أصبحت العبادة حرفته، والفقر منيته، والعزلة شهوته، والآخرة همته، وطلب العيش بلغته، وجعل الموت فكرته، وشغل بالزهد نيته، وأمات بالذل عزته، وجعل إلى الرب حاجته، يذكر في الخلوات خطيئته، وأرسل على الوجنة عبرته، وشكا إلى ربه غربته، وسأله بالتوبة رحمته، وطوبى لمن كان ذلك صفته، وعلى الذنوب ندامته، جئار لليل والنهار، وبكاء إلى الله بالأسحار، يناجي الرحمن، ويطلب الجنان، ويخاف النيران.
إخوتاه ..
لو رأيتم أرباب القلوب والأسرار، وقد أخذوا أهبة التعبد في الأسحار، وقاموا في مقام الخوف على قدم الاعتذر، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
عقدوا عزم الصيام وما جاء النهار، وسجنوا الألسنة فليس فيهم مهذار، وغضوا أبصارهم ولازمٌ غَضُّ الأبصار، فانظر مدحهم إلى أين إنتهى وصار، أحزانهم أحزان ثكلى مالها اصطبار، ودموعهم لولا للتحري لقلت كالأنهار، ووجوههم من الخوف قد علاها الصفار، والقلق قد أحاط بهم ودار، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
جَدُّوا في انطلاقهم إلى خلاَّقهم، ورضوا أنفسهم بتحسين أخلاقهم، فإذا بهم قد أذابهم كرب اشتياقهم، أتدري ما الذي حبسك عن لحاقهم: حب الدرهم والدينار.
أيقظنا الله وإياكم من هذه السَّنة ورزقنا اتباع النفوس المحسنة، وآتانا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ووقانا عذاب النار.
стр. 302
من أدعية السلف ... ومناجاتهم:
• ربِّ، ما أحكمَك وأمجدَك وأجودَك وأرأفك، وأرحمك وأعدلك وأقربك، وأقدرك وأقهرك، وأوسعَك وأقضاك، وأبينك وأنورك وألطفك وأخبرَك، وأعلمك وأشكرك وأحلمك، وأحكمك وأعطفك وكرمك ..
• رب، ما أرفعَ حُجتَك وأكثر مِدحتك، رب ما أبينَ كتابِك وأشدَّ عقابِك، رب ما أكرم مآبك وحسن ثوابك، رب ما أجزل عطاءك وأجل ثناءك، رب ما أحسن بلاءك وأسبغ نعماءك، رب ما أعلى مكانك وأعظم سلطانك، رب ما أمتن كيدك وما أغلب مكرك، رب ما أعز ملكك وأتم أمرك، رب ما أعظم عرشك وأشد بطشك، رب ما أوسع رحمتك وأعرض جنتك، رب ما أعز نصرك وأقرب فتحك، رب ما أعمر بلادك وأكثر عبادك، رب ما أوسع رزقك وأزيد شكرك، رب ما أسرع فرجك وأحكم صنعك، رب ما ألطف خيرك وأقوى أمرك، رب ما أنور عفوك وأجل ذكرك، رب ما أعدل حكمك وأصدق قولك، رب ما أوفى عهدك وأنجز وعدك، رب ما أحضر نفعك وأتقن صنعك ..
• إلهي .. تم نورك فهديت فلك الحمد، عَظُمَ حلمك فغفرت فلك الحمد، بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد، ربنا وجهُك أكرمُ الوجوه، وجاهُكَ أعظمُ الجاه، وعَطِيتُك أفضل العطية وأهناها، تطاع ربَّنا فتشكر، وتعصى فتغفر، وتجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السُّقم، وتغفر الذنب، وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أحد، ولا يبلغ مدحك قول قائل.
• إلهي .. يا حَسَنَ التجاوز، يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، يا من لا يؤاخذ بالجريرة، ولا يهتك الستر، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يا صاحب كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا كريم الصفح،
стр. 303
يا عظيم المَنّ، يا مبتدئًا بالنعم قبل استحقاقها، يا ربَّنا وسيدَنا ومولانا، ويا غايةَ رغبتِنا، أسألك يا الله؛ أن لا تشوي وجهي بالنار.
• اللَّهم، أنت أحق من ذُكر، وأحق من عُبد، وأعظم من ابتغي، وأرأف من ملَك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا نِدَّ لك، كل شيء هالك إلا وجهَك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حُلْتَ دون النفوس، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مُفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، الخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الرءوف الرحيم، اللَّهم لا تحرمني خير ما عندك بسوء ما عندي.
• يا سيدي وأملي، ومن به تم عملي، أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، وأعوذ بك من قلبٍ لا يشتاق إليك، وأعوذ بك من دعاءٍ لا يصل إليك، وأعوذ بك من عينٍ لا تبكي عليك.
• يا من آنسني بقربه، وأوحشني من خلقه، وكان عند مسرتي؛ ارحم اليوم عَبرتي.
• شهد لك قلبي في النوازل بمعرفة الفضل لك، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك، ولا يحسن بقلبي أن يألف غيرك، هيهات، لقد خاب لديك المقصرون.
• إلهي، أصبحت وأمسيت وقلبي مُصِرٌّ على حبك سيدي، ومشتاق إلى لقائك، فعجل بذلك قبل أن يأتيني سواد الليل.
стр. 304
• قام البطالون وقمت معهم، قمنا إليك ونحن متعرضون لجودك، فكم من ذي جُرم قد صفحت له عن جرمه، وكم من ذي كربٍ عظيمٍ قد فرَّجْتَ له عن كربه، وكم من ذي ضُرٍّ كبيرٍ قد كشفت له عن ضره، فبعزتك ما دعانا إلى مسألتك بعد ما انطوينا عليه من معصيتك إلا الذي عرفتنا من جودك وكرمك، فأنت المؤمَّل لكُلِّ خير، والمرجوُّ عند كل نائبة.
• سيدي .. قصدَكَ عبدٌ روحُهُ لديك، وقيادُةُ بيديك، وأشتياقه إليك، واحسرتاه عليه، ليله أَرَق، ونهاره قلق، وأحشاؤه تحترق، ودموعه تستبق، شوقًا إلى رؤيتك، وحنينا إلى لقائك، ليس له راحةٌ دونك، ولا أمل غيرك.
• سيدي .. أحلى العطايا في قلبي رجاؤك وأعذب الكلام على لساني ثناؤك .. وأحب الساعات إليّ ساعةٌ يكون فيها لقاؤك.
• إلهي. . أغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح للسائلين، غرات النجوم، ونامت العيون، وأنت الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، إلهي .. فرشت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت حبيب المتهجدين وأنيس المستوحشين ..
• إلهي .. إن طردتني عن بابك فإلى باب مَن ألتجي، وإن قطعتنى عن خدمتك فخدمة مَنْ أرتجي ..
• إلهي .. إن عذبتني فإني مستحق العذاب والنقم، وأن عفوت عني فأنت أهل الجود والكرم، يا سيدي لك أخلص العارفون، وبفضلك نجا الصالحون، وبرحمتك أناب المقصرون، يا جميل العفو، أذقني برد عفوِك وحلاوة مغفرتك، وإن لم أكن أهلًا لذلك، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة.
• إلهي .. أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صورتني، فارحمني إلهي،
стр. 305
فكما مننت عليَّ بالإِسلام؛ فامنن عليَّ بطاعتك، وبترك معاصيك أبدًا ما أبقيتني ولا بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي ..
• سبحانك خالقي .. أنا الذي لم أزل لك عاصيًا، فمن أجل خطيئتي لا تَقَرُّ عيني، وهلكتُ أن لم تعف عني.
• سبحانك خالقي .. بأي وجهٍ ألقاك، وبأي قدم أقف بين يديك، بأي لسانٍ أناطقك، بأي عينٍ أنظر إليك؟، وأنت قد علمت سرائر أمري، وكيف أعتذر إليك إذا ختمت على لساني، ونطقتْ جوارحي بكل الذي قد كان مني!!
• سبحانك خالقي .. فأنا تائبٌ إليك، فأقبل توبتي، واستجب دعائي، وارحم شبابي، وأقلني عثرتى، وأرحم طول عَبرتي، ولا تفضحنى بالذى قد كان مني ..
• سبحانك خالقي .. أنت غياثُ المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين، فإليك مستغاثي ومنقطعي؛ فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصى التي كانت مني ..
• إلهي .. علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمَّد ﷺ ، ثم وقعتُ على معاصيك وأنت تراني، فمَن أشقى مني إذ عصيتك وأنت تراني، وفي كتابك المنزل قد نهيتني، إلهي، أنا إن ذكرتُ ذنوبي ومعصيتي لم تَقَرَّ عيني للذي كان مني؛ فأنا تائب إليك فأقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودًا ..
• اللَّهم .. نوِّر دنيانا بنورٍ من توفيقك، واقطع أيامنا في الاتصال بك، وانظم شتاتنا في سلك طاعتك، عجبًا لمن عرفك ثم أحب غيرك، ولمن
стр. 306
سمع مناديك ثم تأخر عنك، إلهي، لا تعذب نفسًا قد عذبها الخوفُ منك .. ولا تخرس لسانًا كل ما يروي عنك .. ولا تُقِذْ بصرًا طالما يبكي لك .. ولا تخيب رجاءً وهو منوطٌ بك.
• إلهي .. ضع في ضعفي قوةً منك، ودع في كَفِّي كفًى عن غيرك، ارحم عبرة تترقرق على ما فاتها منك، برِّد كَبِدًا تحترق على بُعدها عنك.
• إلهي .. عرفتنا بربوبيتك، وأغرقتنا في بحار نعمتك، ودعوتنا إلى دار قدسك، ونعمتنا بذكرك وأنسك.
• إلهي، إن ظلمة ظلمنا لأنفسنا قد عمت، وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمت، فالعجز شامل، والحصر حاصل، والتسليم أسلم، وأنت بالحال أعلم.
• إلهي .. ما عصيناك جهلًا بعقابك، ولا تعرضًا لعذابك، ولكن سولت لنا نفوسنا، وأعانتنا شقوتنا، وغرنا سترك علينا، وأطمعنا في عفوك برك بنا، فالآن من عذابك من يستنقذنا؟!، وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنا؟، واخجلاه من الوقوف غدًا بين يديك!!، وافضيحتنا إذا عرضت أعمالنا القبيحة عليك!!، اللَّهم اغفر ما علمت، ولا تهتك ما سترت.
• إلهي .. إن كنا عصيناك بجهل، فقد دعوناك بعقل، حيث علمنا أن لنا ربًا يغفر الذنوب ولا يبالي ..
يا من أقام لي غرس ذكري، وأجرى لي أنهارًا تجري، وجعل لي أيام عيد في اجتماع الورى، وأقام لي فيهم أسواق التقوى؛ أقبلت إليك معتمدًا عليك، ممتلئ القلب من رجائك، ورطب اللسان من دعائك، في قلبي من الذنوب زفرات، ومعي عليها ندامات، إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني
стр. 307
رضيت، وإن تركتني دعوت، وإن دعوتني أجبت، فأعطني إلهي ما أريد، فإن لم تعطني ما أريد؛ فارزقني الصبر على ما تريد.
• اللَّهم، ارحم غربتي في الدنيا، وارحم مصرعى عند الموت، وارحم قيامي بين يديك.
• اللَّهم، إن خطيئتي تعذبني، وتوبتي تذوبني؛ فعيشتي طول دهري بين تعذيب وتذويب.
• واسوأتاه منك، إذا شاهدتني وهمتي تسبق إلى سواك، أم كيف لا أضنى في طلب رضاك.
• إلهي .. ما أشوقني إلى لقائك، وأعظم رغبتي لجزائك، وأنت الكريم الذي لا يخيب لديك أمل الآملين، ولا يبطل عندك شوق المشتاقين.
• إلهي .. إن كان دنا أجلي ولم يقربني منك عملي، فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللي، فإن عفوت فمن أولى منك بذلك؟!، وإن عدلت فمن أعدل منك هنالك؟!.
• إلهي .. قد جرت على نفسي بالنظر لها، وبقي لها حسن نظرك، فالويل لها إن لم تسعدها.
• إلهي .. إنك لم تزل بي بَرًّا أيام حياتي، فلا تقطع عني برك بعد مماتي، ولقد رجوت ممن تولاني في حياتي بإحسانه أن يسعفني عند مماتي بغفرانه.
• إلهي .. كيف أيأسُ من حسن نظرك بعد مماتي، ولم تولني إلا الجميل في حياتي.
• إلهي .. إن كانت ذنوبي قد أخافتني؛ فإن محبتي لك قد أجارتني، فتول من أمري ما أنت أهله، وعُدْ بفضلك على من غره جهله.
стр. 308
• إلهي .. لو أردت إهانتي لما هديتني، ولو أردت فضيحتي لم تسترني، فمتعني بما له هديتني، وأدم لي ما به سترتني.
• اللَّهم، يا وأسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة، افعل بي ما أنت أهله.
• إلهي .. أذنبت في بعض الأوقات، وآمنت بك في كل الأوقات، فكيف يغلب بعض عمري مذنبا جميع عمري مؤمنا؟!
• إلهي .. لو سألتني حسناتي لجعلتها لك مع شدة حاجتي إليها، وأنا عبد، فكيف لا أرجو أن تهب لي سيئاتي مع غناك عنها، وأنت رب؟!، فيا من أعطانا خير ما في خزائنه، وهو الإيمان به قبل السؤال، لا تمنعنا أوسع ما في خزائنك، وهو العفو مع السؤال.
• إلهي .. حجتي حاجتي، وعدتي فاقتي، فارحمني.
• إلهي .. كيف أمتنع بالذنب من الدعاء، ولا أراك تمتنع مع الذنب من العطاء؟!، فإن غفرت فخير راحم أنت، وإن عذبت فغير ظالم أنت.
• إلهي .. أسألك تذللًا، فأعطني تفضلًا.
• اللَّهم، اجعل طاعتك همي، وقَوِّ عليها جسدي، وسَخ نفسي عن الدنيا، واشغلني بما ينفعني، وبارك لي في قواها حتى ينقضي مني حالي، وامنن عليَّ وارحمني، حين تعيد بعد الموت خلقي، ومن سوء الحساب فعافني، يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تُعرِض مني، يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي، وآمنِّي يوم الفزع الأكبر، يوم لا تهمني إلا نفسي، وارزقني نفع عملي، يوم لا ينقعني عمل غيري، وكما مننت عليَّ بالإِسلام فامنن عليَّ بطاعتك، وبترك معاصيك أبدًا ما أبقيتنى، ولا تفضحني بسرائري، ولا تحذلني بكثرة فضائحي.
стр. 309
• سبحانك خالقي، أنا تائب إليك فاقبل توبتي، واستجب دعائي، وارحم شبابي، وأقِلْ عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني، سبحانك خالقي، أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين، فإليك مستغاثى ومنقطعي، فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصي التي كانت مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودًا، بعد توحيدي وإيماني بك.
• إلهي .. وسيلتى إليك: نعمك عليّ، وشفيعي إليك: إحسانك إليّ، اللَّهم، إليك تقصد رغبتي، وإياك أسأل حاجتي، ومنك أرجو نجاح طِلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي، لا أسال الخير إلا منك، ولا أرجوه من غيرك، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك، يا من جمع كل شيء بحكمته، ويا من نفذ في كل شيء حكمه، يا من الكريم اسمه؛ لا أحد لي غيرك فأسأله ولا أثق بسواك فآمله، ولا أجعل لغيرك مشيئة من دونك أعتصم بها، وأتوكل عليه، فمن أسال إن جهلتك؟!، وبمن أثق بعد إذ عرفتك؟!
• اللَّهم، إن ثقتي بك، وإن ألهتني الغفلات عنك وأبعدتني العثرات منك بالاغترار، أنا نعمة منك أجري في نعمك، لا أزداد على سابقة علمك، ولا أنتقص من عزيمة أمرك، فأسألك يا منتهى السؤالات، وأرغب إليك يا موضع الحاجات، سؤالَ من قد كذَّب كلَّ رجاءٍ إلا منك، ورغبةَ من رَغِب عن كل ثقةٍ إلا عنك، أن تهب لي إيمانًا أُقدم به عليك، وأوصل به عظم الوسيلة إليك، وأن تهب لي يقينًا لا توهنه بشبهة إفك، ولا توهنه خطرة شك، ترحب به صدري، وتيسر به أمري، ويأوي إلى محبتك قلبي، حتى لا ألهو عن شكرك، ولا أنعم إلا بذكرك.
• يا من لا تُمَلُّ حلاوة ذكره ألسن الخائفين، ولا تكل من الرغبات إليه
стр. 310
مدامع الخاشعين، أنت منتهى سرائر قلبي في خفايا الكتم، وأنت موضع رجائي بين إسراف الظلم، من ذا الذي ذاق حلاوة مناجاتك فلها بمرضاة بشر عن طاعتك ومرضاتك؟!، يا من يعصى ويتاب إليه، فيرضى كأنه لم يعص، بكرم لا يوصف، وتحنن لا ينعت، يا حنَّانًا بشفقته، يا متجاوزًا بعظمته، لم يكن لي حول فأنتقل عن معصيتك إلا في وقتٍ أيقظتني فيه لمحبتك، خضعتُ لك وخشعتُ لك إلهي لتعزني بإدخالي في طاعتك، ولتنظر إليَّ نظر من ناديته فأجابك، واستعملته بمعونتك فأطاعك، يا قريب، لا تبعد عن المغترين، يا ودود، لا تعجل على المذنبين.
• اللَّهم، استعملنا بسنة نبيِّنا، وتوفَّنا على ملته، وأوزعنا بهديه، وارزقنا مرافقته، وعرفنا وجهه في رضوانك والجنة، اللَّهم خذ بنا إلى سبيله وسنته، نعوذ بك أن نخالف سنته وسبيله، اللَّهم أقر عينه بمن يتبعه من أمته، واجعلنا منهم، وأوردنا حوضه، واسقنا مشربًا رويًّا لا نظمأ بعده أبدًا، اللَّهم ألحقنا بنبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا خارجين ولا فاسقين، ولا مبدلين ولا مرتابين، واجعلنا من الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
• إلهي .. إن كان صغر في جنب طاعتك عملي، فقد كبر في جنب رجائك أملي.
• إلهي .. كيف أنقلب من عندك محرومًا وقد كان حسن ظني بك منوطًا؟!.
• إلهي .. فلا تبطل صدق رجائي لك بين الآدميين.
• إلهي .. إن كانت أسقطتني الخطايا من مكارم لطفك، فقد آنسني اليقين إلى مكارم عطفك.
стр. 311
• إلهي .. إن أمنتني الغفلة من الاستعداد للقائك، فقد نبهتني المعرفة لكرم آلائك.
• إلهي .. إن دعاني إلى النار أليم عقابك، فقد دعاني إلى الجنة جزيل ثوابك.
• اللَّهم، اجعلنا من الذين تفكروا فاعتبروا، ونظروا فأبصروا، وسمعوا فتعلقت قلوبهم بالمنازعة إلى طلب الآخرة، حتى أناخت وانكسرت عن النظر إلى الدنيا وما فيها، ففتقوا بنور الحكم ما رتقه ظلمُ الغفلات، وفتحوا أبواب مغاليق العمى بأنوار مفاتيح الضياء، وعمَّروا مجالس الذاكرين بحسن مواظبة استيدام الثناء، اللَّهم، اجعلنا من الذين تراسلت عليهم ستور عصمة الأولياء، وحصَّنتَ قلوبهم بطهارة الصفاء، وزينتها بالفهم والحياء، وطيرت همومهم في ملكوت سمواتك حجابًا حتى تنتهي إليك، فرددتها بظرائف الفوائد، اللَّهم اجعلنا من الذين سهل عليهم طريق الطاعة، وتمكنوا في أزمَّة التقوى، ومنحوا بالتوفيق منازل الأبرار، فزينوا وقُرِّبوا وكُرِّموا بخدمتك.
لك الحمد يا ذا المَنِّ والطول والآلاء والسعة، إليك توجهنا، وبفنائك أنخنا, ولمعروفك تعرضنا، وبقربك نزلنا، يا حبيب التائبين، ويا سرور العابدين، ويا أنيس المنفردين، ويا حرز اللاجئين، ويا ظهر المنقطعين، ويا من حبب إليه قلوب العارفين، وبه أنست أفئدة الصديقين، وعليه عطفت رهبة الخائفين، يا من أذاق قلوب العابدين لذيذ الحمد، وحلاوة الانقطاع إليه، يا من يقبل من تاب ويعفو عمن أناب، ويدعو المُوَلِّين كرمًا، ويرفع المقبلين إليه تفضلًا، يا من يتأنى على الخاطئين، ويحلم عن الجاهلين، ويا من حل عقدة الرغبة من قلوب أوليائه، ومحا شهوة الدنيا عن فكر قلوب خاصته وأهل محبته، ومنحهم منازل القرب والولاية، ويا من لا يضيع مطيعًا, ولا ينسى
стр. 312
صبيًا، ويا من منح بالنوال، ويا من جاد بالاتصال، يا ذا الذي استدرك بالتوبة ذنوبنا، وكشف بالرحمة غمومنا، وصفح عن جرمنا بعد جهلنا، وأحسن إلينا بعد إساءتنا، يا آنس وحشتنا، ويا طبيب سقمنا، يا غياث من أُسقط بيده، وتمكن حبل المعاصي من رقبته، وأسفر خدْرُ الحيا عن وجهه؛ هب لنا رحمة منك وعافية بين يديك، يا خير من قدر، وأرأف من رحم وعفا.
• إلهي .. فإني أعترف لك اللَّهم بما دل عليه صنعك، وشهد لك فعلك , فهب لي اللَّهم تطلب العزيمة إليك؛ لأن من لم يشبعه الولوع باسمك؛ ولم يروه من ظمئه ورود غدران ذكرك، ولم ينسه جميع الهموم رضاه عنك، ولم يلهه عن جميع الملاهي تعدد آلائك، ولم يقطعه عن الأنس بغيرك مكانه منك؛ كانت حياته ميتة، ومِيتته حسرة، وسروره غُضَّة، وأنسه وحشة.
• إلهي .. عرفني عيوب نفسي، وافضحها عندي لأتضرع إليك في التوفيق للتنزه عنها، وأبتهل إليك بين يديك خاضعًا ذليلًا في أن تغسلني منها، واجعلني من عبادك الذين شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، تجول في ملكوتك وتتفكر في عجائب صنعك، ترجع بفوائد معرفتك وعوائد إحسانك، قد ألبستهم خُلَعَ محبتك، وخلعت عنهم لباس التزين لغيرك.
• إلهي .. لا تترك بيني وبين أقصى مرادك حجابًا إلا هتكته، ولا حاجزًا إلا رفعته، ولا وَعْرًا إلا سهلته، ولا بابًا إلا فتحته، حتى تقيم قلبي على الحق في معرفتك، وتذيقني طعم محبتك، وتبرد بالرضا منك فؤادي وجميع أحوالي؛ حتى لا أختار غير ما تختاره، وتجعل لي مقامًا فسيحًا في ميدان طاعتك.
• إلهي .. كيف أسترزق من لا يرزقني إلا من فضلك؟!، أم كيف أسخطك في رضا من لا يقدر على ضري إلا بتمكينك؟!، فيا من أسأله إيناسًا
стр. 313
به وإيحاشًا من خلقه، ويا من إليه التجائي في شدتي ورجائي؛ ارحم غربتي، وهب لي من المعرفة ما أزداد به يقينًا, ولا تكلني إلى نفسي الأمارة بالسوء طرفة عين.
• إلهي .. لو أصبتُ مَوْئِلًا في الشدائد غيرَك، أو ملجَأ في المنازل سواك، لحُقَّ لي أن لا أعرض إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك؛ لقديم إحسانك إلى وحديثه، وظاهر منتك عليَّ وباطنها, ولو تقطعت في البلاد إربًا إربًا، وانصبت عليَّ الشدائد صبًّا صبًّا, ولا أجد مشتكئ غيرك، ولا مُفَرِّجًا لما بي عني سواك، فيا وارث الأرض ومَن عليها، ويا باعث جميع من فيها؛ ورَّث أملي فيك مني أملي، وبلِّغ همي فيك منتهى وسائلي.
نعم إخوتاه:
هذه أدعية سلفنا .. ما أطيبَها .. ما أرقَّها .. ما أطيبَ أملَهم في المناجاة، ما أقربهم من طريق النجاة، ما أقل ما تعبوا، وما أيسر ما نصبوا، وما كان إلا القليل ثم نالوا ما طلبوا، لو ذاق الغافل شراب أنسِهم في الظلام، أو سمع الجاهل صوت حنينهم في القيام، وقد نصبوا لما انتصبوا له الأقدام، وترنموا بأشرف الذكر وأحلى الكلام، وضربوا على شواطئ أنهار الصدق الخيام، وركزوا على باب اليقين بالحق الأعلام، وزمُّوا مطايا الشوق إلى دار السلام، وسارت جنود حبهم والناس في الغفلة نيام، وشكَوْا في الأسحار ما يلقَوْن من وقع الغرام، ووجدوا من لذة الليل ما لا يخطر على الأوهام، وإذا أسفر النهار تلقَوْهُ بالصيام، وصابروا الهواجر بهجر الشراب وترك الطعام، وتدرعوا دروعَ التقى خوفًا من الزلل والآثام، فنورهم يُخجلُ شمسَ الضحى وُيزري بدرَ التَّمَام، فلأجلهم تَنْبُتُ الأرض، ومن جَرَّاهم يجري الغَمَام، وبهم
стр. 314
يُسامح الخطاءون وُيصفح عن أهل الإجرام، فإذا نازلهم الموتُ طلبَ لهم كأسَ الحمام، وإذا دفنوا في الأرض فَخَرَت بحفظها تلك العِظام؛ فعلى الدنيا إذا ماتوا من بعدهمُ السلام.
стр. 315
وداع رمضان
اقتناص الفوائد واجتناء الثمار
والمحافظه على
الأدوية الرمضانية
стр. 316
وداع رمضان
أيها الأخوة .. أنا أحبكم في الله ..
ها هو الضيف الكريم يلوح بالرحيل، تمضي أيامه مسرعةً وكأنها حلمٌ جميل.
فيأيها الضيف الكريم على رِسلك؛ فقلوبنا لازالت مشتاقةً إلى وَصْلِك.
انتظر .. تمهل فما أجمل مقامك، وما أحلى أيامك .. وما أمتع صيامك!!
لقد ذقنا فيك لذةً في غيرك ما ذقناها, لقد عشنا فيك عيشةً في غيرك ما عشناها!
فكيف ترحل عنا بعد أيام لنا حُلوة قضيناها؟!، إن رحيلك عنا مصيبةٌ أبدًا لن ننساها ..
ولكن تلك مقادير ربي قدرها وسواها، فاللَّهم أجرنا في مصيبتنا يا رب ..
إخوتاه ..
ولَّت أيامُ رمضانَ مسرعة، ولم يبقَ منه إلا أيامٌ قلائل، ووجب علينا التنبيه، والتنويه لما فات ولما بقي .. بقي إخوتاه عشرة أيام .. فانتبهوا فسوف تمر هي الأخرى كلمح البصر.
ألا فشمروا عن ساعد الجد في هذه العشر، واهجروا لذيذ المنام، واقتدوا بنبيكم ﷺ ، فقد كان يخص العشر الأواخر بأعمال لا يعملها في بقية الشهر؛ يخصها بالاعتكاف والقيام، والاغتسال كل ليلة بين العشاءين، والتنظف والتطيب، وإحياء الليل كله، فعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ -
стр. 317
يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره" (١)، وروي عنه ﷺ أنه "كان يخلط العشرين الأُوَل بصلاةٍ ونوم، فإذا دخل العشر؛ لم يَذُق غَمْضًا" (٢)، طوى فراشه، واعتزل نسائه، وأحيا ليله، واجتهد في دعاء ربه.
وقد كان السلف إذا دخلت العشر؛ رفعوا الهمة إلى منتهاها، وبذلوا كل الطاقة، وكيف لا والعشر هي آخر السباق.
قال طلحة بن عبيد الله: إن الخيل إذا قاربت رأس مجراها؛ أخرجت كل ما عندها.
فالسعيد من اغتنم موسم العمر قبل ذهابه، وحاسب نفسه قبل قراءة كتابه، وراقب مولاه مراقبة من يعلم أنه يراه في ذهابه وإيابه.
فينبغى إخوتاه أن نراعي هذا الفضل مدةَ عمرنا, ولا نضيِّع هذه الليالي المباركات، التي أخبر النبي ﷺ قطعًا أن ليلة القدر فيها؛ فلعل أحدنا يكون قد مات قبل أن يدرك العشر الأواخر في العام القادم: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٧]، أو تقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].
إخوتاه ..
الله يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
الله يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
стр. 318
وهذه الأيام في آخر الشهر نحتاج للمناقشة حتى يستطيع الإنسان الحصول على أعلى الدرجات، وتحتاج إلى المسارعة بل ومسابقة الأنفاس لأنها تمر مَرَّ السحاب، وكل لحظة مرت لا تعود ولا تعوض؛ فسابق أخي الحبيب أجلك، وأدرك رضا الله بعملك، واشحذ همتك؛ فهذا أوان جِدَّك.
وظائف آخر الشهر:
أولًا: وقفة صادقة مع الله ومع النفس:
لا بد أيها الإخوة من وقفة صادقة دون كذب أو خداع أو مواربة، لم يبق من الشهر إلا القليل فماذا أنت صانعٌ فيه؟
في هذه الوقفة تنظر فعليًّا وبعد تفرغ تام:
* هل أديت العبادات على وجهها؟
* هل عشت رمضان حقيقةً كما يحب ربنا ويرضى؟
* هل ذاق قلبك طعم العبادات؟
* هل حصلت التقوى المنشودة المقصودة من وراء هذا الصيام؟
* هل تلوت القرآن وسمعته وأحيا الله به مَوَاتَ قلبك؟
* هل تغير البيت وتحول نمط الحياة عندك فصرت عبدًا ربانيًّا؟
* هل أحسست بتغييرٍ فعلي في قلبك فرأيت نورًا جديدًا؟
* هل بعد هذا التغيير عازمٌ على الثبات فلن تعود إلى المعاصي؟
* هل تظن بعد هذه الليالي الطويلة أنك قد أعتقت رقبتك من النار؟
* هل بعد كل تلك الليالي وفيها من فرص المغفرة ما فيها؛ تظن أنك قد غفر لك ما تقدم من ذنبك؟
стр. 319
أيها الحبيب المحب، لا تجامل .. ولا تتجاهل ..
قف وقفةً صمقة واستعن بالله على نفسك واصدقني، لا؛ بل أصدق الله يصدقك وأجب عن الأسئلة، ومازالت أمامك فرصة، هيا ركز في الأيام الباقية واعملْ عملَ رجلٍ يريد أن يستدرك ما فات.
هيا انطلق وتخلص من قيودك، وتبرأ من عيوبك، والتمس رضا ربك ..
هيا اعمل ودعك من الكسل، وودع الأمل، وسارع الأجل، ولا تترك فرصةً للعمل إلا وعملت بها ..
اعتكف كل الباقي، وداوم على العبادة، واجتهد في البكاء وطلب العفو ..
أيها الإخوة .. كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قال علي بن أبي طالب: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أنت قد عملت، ولكن هل قُبِل عملك؟، هذا هو الأخطر، قبول العمل، فكم من عملٍ يتقنه صاحبه ويحسنه ويزينه ثم يرده الله عليه ولا يقبله، وذلك بسوء نية صاحبه، اللَّهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
لذلك قال بعض السلف: الخوف على العمل ألا يتقبل أشد من العمل، وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، هذا هو فقه السلف وفهمهم، فكم من مغرورٍ بعمله وليس له منه شيء، كم من معجبٍ بصلاته وليس له فيها حسنة!!
стр. 320
ولذلك خرج عمر بن عبد العزيز على الناس في يوم عيد الفطر، فق الذي خطبته: أيها الناس، إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم .. فاللَّهم تقبل منا يا رب.
وكان عبد الله بن مسعود يقول في آخر ليلة من رمضان: من هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود جَبَرَ الله مصيبتك.
فيا أرباب الذنوب العظيمة، الغنيمةَ الغنيمة، في هذه الأيام الكريمة، فما منها عِوضٌ ولا قيمة، فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة، يا من أعتقه الله من النار، إياك أن تعود بعد أن صرت حرًّا إلى رِق الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وتتقرب منها!!، وينقذك منها وأنت توقعُ نفسك فيها ولا تحيد عنها!! .. ويا أيها العاصي، لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك؛ فأحسن الظن بمولاك وتب إليه؛ فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
ثانيًا: ملازمة الاستغفار:
أيها الأخوة، لقد رأيت أن الله أمر عباده بعد الحج بالاستغفار فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وذكر الله عن العابدين المتهجدين أنهم كانوا يختمون صلاتهم بالاستغفار، فقال : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
قال الحسن: مَدُّوا الصلاة إلى السَّحرَ ثم جلسوا يستغفرون.
وكان من هدي النبي محمَّد ﷺ إذا انتهى من الصلاة أن يستغفر ثلاثًا فيقول: أستغفر الله .. أستغفر الله .. أستغفر الله ..